كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تَحْتَهُ غَيْرُهَا.
فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً عِنْدَهُ أَشَارَ إِلَيْهَا، وَهَلْ يَحْتَاجُ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى التَّسْمِيَةِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّ اللِّعَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَالتَّغْلِيظِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي هَذَا التَّوْجِيهِ: لَا يُكْتَفَى فِي الْحَاضِرَةِ بِالتَّسْمِيَةِ وَرَفْعِ النَّسَبِ حَتَّى تُضَمَّ إِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: إِنَّ عَلَيَّ لَعْنَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَيُعَرِّفُهَا فِي الْغَيْبَةِ وَالْحُضُورِ كَمَا فِي الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ، وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ، فَيَقُولُ: وَإِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، أَوْ هَذَا الْوَلَدَ مِنَ الزِّنَا وَلَيْسَ هُوَ مِنِّي.
وَإِنْ قَالَ: هُوَ مِنْ زِنًا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، كَفَى عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَيْسَ مِنِّي، لَمْ يَكْفِ عَلَى الصَّحِيحِ لِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ عَدَمِ الشَّبَهِ، وَلَوْ أَغْفَلَ ذِكْرَ الْوَلَدِ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ، احْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ اللِّعَانِ لِنَفْيِهِ، وَلَا تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إِلَى إِعَادَةِ لِعَانِهَا عَلَى لِعَانِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ تَخْرِيجَ قَوْلٍ فِيهِ.
وَصِفَةُ لِعَانِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَتَقُولَ فِي الْخَامِسَةِ: عَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ، وَالْقَوْلُ فِي تَعْرِيفِهِ غَائِبًا وَحَاضِرًا، كَمَا ذَكَرْنَا فِي جَانِبِهَا، وَلَا تَحْتَاجُ هِيَ إِلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ، لِأَنَّ لِعَانَهَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ.
وَلَوْ تَعَرَّضَتْ لَهُ، لَمْ يَضُرَّ، وَفِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» لِلْقَاضِي الرُّويَانِيِّ أَنَّ الْقَفَّالَ حَكَى وَجْهًا ضَعِيفًا أَنَّهَا تَذْكُرُهُ، فَتَقُولُ: هَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ لِيَسْتَوِيَ اللِّعَانَانِ.
فَرْعٌ
لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ اللِّعَانِ إِلَّا إِذَا تَمَّتِ الْكَلِمَاتُ الْخَمْسُ، وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِالْفُرْقَةِ بِأَكْثَرِ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ، لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ، لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يُنَفَّذُ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ بَدَلَ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ، أَوْ أُقْسِمُ، أَوْ أُؤْلِي بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ، أَوْ قَالَ: بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، أَوْ أَبْدَلَ لَفْظَ اللَّعْنِ بِالْإِبْعَادِ، أَوْ لَفْظَ الْغَضَبِ بِالسُّخْطِ، أَوِ الْغَضَبِ بِاللَّعْنِ أَوْ عَكْسَهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ قَطْعًا فِي إِبْدَالِ الْغَضَبِ بِاللَّعْنِ، وَلَا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى: بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
وَيُشْتَرَطُ تَأْخِيرُ لَفْظَتَيِ اللَّعْنِ وَالْغَضَبِ عَنِ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيُؤْثَرُ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ.
فَرْعٌ
يُشْتَرَطُ فِي لِعَانِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ بِهِ، فَيَقُولَ لِلْمُلَاعِنِ: قُلْ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
. . إِلَى آخِرِهَا.
فَرْعٌ
يُشْتَرَطُ كَوْنُ لِعَانِهَا بَعْدَ لِعَانِ الرَّجُلِ.
فَرْعٌ
إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَخْرِسِ إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ، وَلَا كِتَابَةٌ، لَمْ يَصِحَّ قَذْفُهُ وَلَا لِعَانُهُ، وَلَا سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ، أَوْ كِتَابَةٌ، صَحَّ قَذْفُهُ وَلِعَانُهُ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ، وَفِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ، التَّصْرِيحُ بِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ لِعَانُهُ بِالْإِشَارَةِ وَحْدَهَا، وَبِالْكِنَايَةِ وَحْدَهَا، وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي، أَنَّهُ إِذَا لَاعَنَ بِالْإِشَارَةِ، أَشَارَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ بِكَلِمَةِ اللَّعْنِ، وَإِنْ لَاعَنَ بِالْكِتَابَةِ، كَتَبَ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَكَلِمَةَ اللَّعْنِ، وَيُشِيرُ إِلَى كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَكْتُبَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَهَذَا الطَّرِيقُ الْآخَرُ
جَمَعَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَلَكِنْ مُقْتَضَى التَّصْحِيحِ بِالْكِتَابَةِ الْمُجَرَّدَةِ تَكْرِيرُ كِتَابَةِ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي «الْوَجِيزِ» : عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ مَعَ الْإِشَارَةِ أَوْ يُورِدَ اللَّفْظَ عَلَيْهِ نَاطِقٌ فَيُشِيرَ بِالْإِجَابَةِ - فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ، لَكَانَ قَرِيبًا، وَحَكَاهُ فِي «الْبَسِيطِ» عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ لَاعَنَ الْأَخْرَسُ بِالْإِشَارَةِ، ثُمَّ عَادَ نُطْقُهُ وَقَالَ: لَمْ أُرِدِ اللِّعَانَ بِإِشَارَتِي، قُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ، فَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ وَالْحَدُّ، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا لَهُ، فَلَا تَرْتَفِعُ الْفُرْقَةُ وَالتَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ، وَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ فِي الْحَالِ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ، وَلَهُ اللِّعَانُ لِنَفْيِ الْوَلَدِ إِنْ لَمْ يَفُتْ زَمَنُ النَّفْيِ.
وَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدِ الْقَذْفَ أَصْلًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَوْ قَذَفَ نَاطِقٌ، ثُمَّ عَجَزَ عَنِ الْكَلَامِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُ مَا بِهِ، فَهُوَ كَالْأَخْرَسِ، وَإِنْ رُجِيَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَحُدُهَا: لَا يَنْتَظِرُ، بَلْ يُلَاعِنُ بِالْإِشَارَةِ لِحُصُولِ الْعَجْزِ، وَرُبَّمَا مَاتَ فَلَحِقَهُ نَسَبٌ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: يَنْتَظِرُ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَنْتَظِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ صَحَّحُوهُ.
وَعَلَى هَذَا، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ يُرْجَى زَوَالُهُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَنْتَظِرُ، وَإِلَّا فَلَا يَنْتَظِرُ أَصْلًا.
فَرْعٌ
مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، يُلَاعِنُ بِلِسَانِهِ، وَيُرَاعِي تَرْجَمَةَ الشَّهَادَةِ وَاللَّعْنِ وَالْغَضَبِ، فَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ اللِّعَانُ بِهَا، أَمْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ بِأَيِّ لِسَانٍ شَاءَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَإِذَا لَاعَنَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يُحْسِنُ تِلْكَ اللُّغَةَ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مُتَرْجِمٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَهُ أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ مُتَرْجِمِينَ، وَيَكْفِيَانِ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهَا تُلَاعِنُ لِنَفْيِ الزِّنَا لَا لِإِثْبَاتِهِ.
وَفِي جَانِبِ الرَّجُلِ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالِاكْتِفَاءِ بِاثْنَيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ سَلَمَةَ.
وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، أَمْ يُشْتَرَطُ أَرْبَعَةٌ؟ وَالْأَظْهَرُ ثُبُوتُهُ بِشَاهِدَيْنِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي التَّغْلِيظَاتِ.
فَمِنْهَا: التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ، بِأَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبٌ أَكِيدٌ، فَلْيُؤَخَّرْ إِلَى عَصْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ.
وَمِنْهَا: التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ، بِأَنْ يُلَاعِنَ فِي أَشْرَفِ مَوَاضِعِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَبَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ.
وَقَدْ يُقَالُ: بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: فِي الْحِجْرِ.
وَفِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَفِي سَائِرِ الْبِلَادِ فِي الْجَامِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ.
وَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَيُلَاعِنُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ، وَهُوَ الْكَنِيسَةُ لِلْيَهُودِ، وَالْبَيْعَةُ لِلنَّصَارَى، وَهَلْ يَأْتِي الْحَاكِمُ بَيْتَ النَّارِ فِي لِعَانِ الْمَجُوسِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا، بَلْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَلَا يَأْتِي بَيْتَ الْأَصْنَامِ فِي لِعَانِ الْوَثَنِيِّينَ، لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْحُرْمَةِ، وَاعْتِقَادُهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِخِلَافِ الْمَجُوسِ، بَلْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمْ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
وَصُوْرَتُهُ أَنْ يَدْخُلُوا دَارَنَا بِأَمَانٍ أَوْ هُدْنَةٍ، وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا وَهِيَ ذِمِّيَّةً، لَاعَنَ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهِيَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُعَظِّمُهُ.
فَإِنْ قَالَتْ: أُلَاعِنُ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَضِيَ بِهِ الزَّوْجُ، جَازَ، وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَتَلَاعَنَ الذِّمِّيَّانِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ.
وَمِنْهَا التَّغْلِيظُ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ وَصُلَحَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ، وَأَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ.
وَمِنْهَا التَّغْلِيظُ بِاللَّفْظِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي «الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ فِي وُجُوبِ التَّغْلِيظِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَاسْتِحْبَابِهِ، طُرُقٌ، وَالْمَذْهَبُ الِاسْتِحْبَابُ فِي الْجَمِيعِ.
فَرْعٌ
مَنْ لَا يَنْتَحِلُ دِينًا، كَالدَّهْرِيِّ، وَالزِّنْدِيقِ، هَلْ يُغَلَّظُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَيُلَاعِنُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَظِّمُ بُقْعَةً وَلَا زَمَانًا، فَلَا يَنْزَجِرُ.
وَيُسْتَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ لَهُ فِي التَّحْلِيفِ: قُلْ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ، لِأَنَّهُ وَإِنْ غَلَا فِي كُفْرِهِ، فَيَجِدُ نَفْسَهُ مُذْعِنَةً لِخَالِقٍ وَمُدَبِّرٍ.
فَرْعٌ
الْحَائِضُ تُلَاعِنُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، وَيَخْرُجُ الْحَاكِمُ إِلَيْهَا أَوْ يَبْعَثُ نَائِبًا.
وَالْمُشْرِكُ وَالْمُشْرِكَةُ يُمَكَّنَانِ مِنَ اللِّعَانِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
اللِّعَانُ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى حُضُورِ الْحَاكِمِ، فَلَوْ حَكَّمَ الزَّوْجَانِ فِيهِ رَجُلًا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي الْمَالِ، لَمْ يَجُزْ فِي اللِّعَانِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّحْكِيمُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَالِغًا وَيُرْضَى بِحُكْمِهِ.
قَالَ: وَلَوْ قَذَفَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ، وَطَلَبَتِ الْحَدَّ، فَفِي تَوَلِّي السَّيِّدِ اللِّعَانَ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى إِقَامَتِهِ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ وَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ إِنْ جَوَّزْنَاهَا تَوَلَّى اللِّعَانَ، وَزَوْجُ الْأَمَةِ إِذَا قَذَفَهَا وَلَاعَنَ، هَلْ يَتَوَلَّى سَيِّدُهَا لِعَانَهَا؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي السُّنَنِ.
مِنْهَا: أَنْ يُخَوِّفَهُمَا الْقَاضِي بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيَعِظَهُمَا وَيَقُولَ: عَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمَا: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا.
. . .) الْآيَةَ.
وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ؟ .
وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ، بَالَغَ فِي تَخْوِيفِهِ وَتَحْذِيرِهِ، وَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ لَعَلَّهُ يَنْزَجِرُ، وَتَضَعُ امْرَأَةٌ يَدَهَا عَلَى فَمِ الْمَرْأَةِ إِذَا بَلَغَتْ كَلِمَةَ الْغَضَبِ، فَإِنْ أَبَيَا إِلَّا الْمُضِيَّ، لَقَّنَهُمَا الْخَامِسَةَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَتَلَاعَنَا مِنْ قِيَامٍ، وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُلَاعِنُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: يُلَاعِنُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي صُعُودِ الْمُلَاعِنِ الْمِنْبَرَ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: يَصْعَدُ، وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَثُرَ الْقَوْمُ، صَعِدَهُ لِيَرَوْهُ، وَإِلَّا فَعِنْدَهُ.
وَطَرَدَ الْمُتَوَلِّي الْخِلَافَ فِي صُعُودِ الْمِنْبَرِ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ.
الطَّرَفُ الْخَامِسُ: فِي أَحْكَامِ اللِّعَانِ.
قَدْ سَبَقَ أَكْثَرُهَا فِي ضِمْنِ مَا تَقَدَّمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يُجْبَرُ عَلَى اللِّعَانِ بَعْدَ الْقَذْفِ، بَلْ لَهُ الِامْتِنَاعُ، وَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ لَا تُجْبَرُ عَلَى اللِّعَانِ بَعْدَ لِعَانِهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ.
أَحُدُهَا: حُصُولُ الْفُرْقَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سَوَاءٌ صُدِّقَتْ أَمْ صُدِّقَ.
وَقِيلَ: إِنْ صُدِّقَتْ لَمْ تَحْصُلْ بَاطِنًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهِيَ فُرْقَةُ فَسْخٍ.
الثَّانِي: تَأَبَّدُ التَّحْرِيمِ.
الثَّالِثُ: سُقُوطُ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ.
الرَّابِعُ: وُجُوبُ الزِّنَا عَلَيْهَا.
الْخَامِسُ: انْتِفَاءُ النَّسَبِ إِذَا نَفَاهُ بِاللِّعَانِ.
قُلْتُ: وَقَدْ سَبَقَتْ أَحْكَامٌ أُخَرُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ هَذِهِ الْأَحْكَامُ تَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى لِعَانِهَا، وَلَا قَضَاءِ الْقَاضِي، وَلَا يَتَعَلَّقُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى زِنَاهَا إِلَّا دَفْعُ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ، وَثُبُوتُ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِلِعَانِ الْمَرْأَةِ إِلَّا سُقُوطُ حَدِّ الزِّنَا عَنْهَا.
وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِزِنَاهَا، لَمْ تُلَاعِنْ لِدَفْعِ الْحَدِّ، لِأَنَّ اللِّعَانَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، فَلَا تُقَاوِمُ الْبَيِّنَةَ.
فَصْلٌ
فِي نَفْيِ الْوَلَدِ
فِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: إِنَّمَا تَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ الْوَلَدِ إِذَا لَحِقَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ لَمْ
يُمْكِنْ كَوْنُهُ مِنْهُ، انْتَفَى بِلَا لِعَانٍ، وَلِعَدَمِ الْإِمْكَانِ صُورٌ.
مِنْهَا: أَنْ تَلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ.
وَمِنْهَا: أَنْ تَطُولَ الْمَسَافَةُ كَالْمَشْرِقِيِّ مَعَ الْمَغْرِبِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَعَ صُوَرٍ أُخْرَى، وَوَرَاءَهَا صُورَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَوَّلُ زَمَانِ إِمْكَانِ إِحْبَالِ الصَّبِيِّ، هَلْ هُوَ نِصْفُ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ، أَمْ كَمَالُهَا، أَمْ نِصْفُ الْعَاشِرَةِ، أَمْ كَمَالُهَا؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: الثَّانِي.
فَإِذَا وَلَدَتْ زَوْجَتُهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَسَاعَةٍ تَسَعُ الْوَطْءَ بَعْدَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ، وَإِلَّا فَيَنْتَفِي بِلَا لِعَانٍ، وَإِذَا حَكَمْنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ بِالْإِمْكَانِ، لَمْ نَحْكُمْ بِالْبُلُوغِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ بِالِاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ الْبُلُوغِ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنَا بَالِغٌ بِالِاحْتِلَامِ، فَلَهُ اللِّعَانُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا صَبِيٌّ، لَمْ يَصِحَّ.
فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَا بَالِغٌ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَيُمَكَّنُ مِنَ اللِّعَانِ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَنَا بَالِغٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنَا صَبِيٌّ، لِلتُّهْمَةِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ لَمْ يَسْلَمْ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ، لَهُ أَحْوَالٌ.
أَحُدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَمْسُوحًا فَاقِدَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، فَيَنْتَفِيَ عَنْهُ الْوَلَدُ بِلَا لِعَانٍ، لِأَنَّهُ لَا يُنْزِلُ، وَفِي قَوْلٍ: يَلْحَقُهُ.
وَحُكِيَ هَذَا عَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَالصَّيْدَلَانِيِّ.
وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَاقِيَ الْأُنْثَيَيْنِ دُونَ الذَّكَرِ، فَيَلْحَقُهُ قَطْعًا.
الثَّالِثُ: عَكْسُهُ، فَيَلْحَقُهُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: لَا يُولَدُ لَهُ، لَمْ يَلْحَقْهُ، وَإِلَّا فَيَلْحَقُهُ.
وَمَتَى بَقِيَ قَدْرُ الْحَشَفَةِ مِنَ الذَّكَرِ، فَهُوَ كَالذَّكَرِ السَّلِيمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرْنَا فِيمَا لَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ قَذَفَهَا وَهُنَاكَ حَمْلٌ وَأَرَادَ اللِّعَانَ لِنَفْيِهِ، أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَأَنَّهُ قِيلَ: لَا يَجُوزُ قَطْعًا.
فَلَوْ لَاعَنَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَوِ اسْتَلْحَقَ الْحَمْلَ، لَحِقَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
الثَّالِثَةُ: وَلَدَتْ زَوْجَتُهُ تَوْأَمَيْنِ، فَنَفَى أَحَدَهُمَا، أَوْ نَفَاهُمَا، ثُمَّ اسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا، لَحِقَهُ الْوَلَدَانِ.
وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، فَنَفَاهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِاللِّعَانِ، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ، فَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَقَدْ يَكُونُ سِتَّةٌ فَأَكْثَرُ.
فَإِنْ كَانَ دُونَهَا، فَهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ نَفَى الثَّانِيَ بِلِعَانٍ آخَرَ، انْتَفَى أَيْضًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي اللِّعَانِ الثَّانِي إِلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ لِعَانِهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْفِ الثَّانِيَ، بَلِ اسْتَلْحَقَهُ أَوْ سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ مَعَ إِمْكَانِهِ، لَحِقَاهُ جَمِيعًا.
فَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ، لَزِمَهُ لَهَا حَدُّ الْقَذْفِ، كَمَا لَوْ كَذَّبَ نَفْسَهُ.
وَإِنْ سَكَتَ فَلَحِقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنَاقِضْ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، وَاللُّحُوقُ حُكْمُ الشَّرْعِ.
وَلَوْ قَذَفَهَا ثُمَّ لَاعَنَ فِي الْبَيْنُونَةِ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ آخَرَ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَسَوَاءٌ اسْتَلْحَقَ الثَّانِيَ صَرِيحًا أَوْ سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ فَلَحِقَاهُ، لَزِمَهُ الْحَدُّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ اللِّعَانَ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِنَفْيِ النَّسَبِ.
فَإِذَا لَحِقَ النَّسَبُ، لَمْ يَبْقَ لِلِّعَانِ حُكْمٌ فَحَدٌّ.
وَفِي صُلْبِ النِّكَاحِ لَهُ أَحْكَامٌ.
فَإِذَا لَحِقَ النَّسَبُ، لَا يَرْتَفِعُ فَلَمْ يُحَدَّ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا، فَالثَّانِي حَمْلٌ آخَرُ.
فَإِنْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ، انْتَفَى أَيْضًا.
وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ، أَوْ سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ، لَحِقَهُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهَا بَانَتْ بِاللِّعَانِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَطِئَهَا بَعْدَ وَضْعِ الْأَوَّلِ فَعَلَّقَتْ قَبْلَ اللِّعَانِ، فَتَكُونُ حَامِلًا حَالَ الْبَيْنُونَةِ، فَتَصِيرُ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا.
إِذَا وَلَدَتْ لِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ لِلْمُطَلِّقِ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا حَامِلًا وَقْتَ الطَّلَاقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُحُوقِ الثَّانِي لُحُوقُ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُمَا حَمْلَانِ، فَلَا يَلْحَقُهُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ لُحُوقِ الثَّانِي إِذَا لَمْ يَنْفِهِ، هُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ فِي الْمُهَذَّبِ: يَنْتَفِي الثَّانِي بِلَا لِعَانٍ
لِحُدُوثِهِ بَعْدَ الْفِرَاشِ، وَهَذَا لَيْسَ وَجْهًا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ وَتَوْجِيهُهُ مَمْنُوعٌ.
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا لَاعَنَ عَنِ الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ ثُمَّ أَتَتْ بِآخَرَ، فَلَوْ لَاعَنَ عَنْ حَمْلٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ إِذَا جَوَّزْنَاهُ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَالثَّانِي مَنْفِيٌّ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَاعَنَ عَنِ الْحَمْلِ، وَالْحَمْلُ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا، فَالْأَوَّلُ مَنْفِيٌّ بِاللِّعَانِ، وَيَنْتَفِي الثَّانِي بِلَا لِعَانٍ، لِأَنَّ النِّكَاحَ ارْتَفَعَ بِاللِّعَانِ، وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَتَحَقَّقْنَا بَرَاءَةَ الرَّحِمِ قَطْعًا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، ثُمَّ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَضْعِ، لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ الثَّانِي.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَلَا يُنْظَرُ إِلَى احْتِمَالِ حُدُوثِهِ مِنْ وَطْئِهِ بِشُبْهَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي لِلُّحُوقِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ، فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِرَافِهِ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ وَادِّعَائِهِ الْوَلَدَ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ، أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُلَاعِنْ لِنَفْيِ الْوَلَدِ الثَّانِي يَلْحَقُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: هَذَا غَلَطٌ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: كَمَا يَجُوزُ نَفْيُ الْوَلَدِ فِي حَيَاتِهِ يَجُوزُ بَعْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ خَلَفَ الْوَلَدُ وَلَدًا، بِأَنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا فَكَبُرَ الْمَوْلُودُ وَتَزَوَّجَ وَوُلِدَ لَهُ - أَوْ لَمْ يَخْلُفْهُ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ قَبْلَ اللِّعَانِ، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ وَيَنْفِيَ الْحَيَّ وَالْمَيِّتَ جَمِيعًا.
وَلَوْ نَفَى وَلَدًا بِاللِّعَانِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ فَاسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَحِقَهُ وَوَرِثَ مَالَهُ وَدِيَتَهُ إِنْ قُتِلَ، سَوَاءٌ خَلَفَ وَلَدًا أَمْ لَا احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ.
وَلَوْ نَفَاهُ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ، لَحِقَهُ عَلَى الْأَصَحِّ احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ، وَثَبَتَ الْإِرْثُ، فَإِنْ قُسِّمَتْ تَرِكَتُهُ، نَقَصَتِ الْقِسْمَةُ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا أَتَتْ زَوْجَتُهُ بِوَلَدٍ، فَأَقَرَّ بِنَسَبِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِنَسَبِهِ وَأَرَادَ نَفْيَهُ، فَهَلْ يَكُونُ نَفْيُهُ عَلَى الْفَوْرِ، أَمْ يَتَمَادَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَمْ أَبَدًا، وَلَا يَسْقُطُ إِلَّا بِالْإِسْقَاطِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: الْأَوَّلُ وَهُوَ الْجَدِيدُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ
فَعَنِ ابْنِ سَلَمَةَ، أَنَّ التَّقْدِيرَ بِيَوْمَيْنِ قَوْلٌ آخَرُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ قَوْلًا آخَرَ، بَلْ قَالُوا: الْمُرَادُ: أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ قُلْنَا بِالْفَوْرِ فَأُخِرَّ بِلَا عُذْرٍ، لَحِقَهُ وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنَ النَّفْيِ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِأَنْ لَمْ يَجِدِ الْقَاضِيَ لِغَيْبَةٍ، أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ، أَوْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ فِي اللَّيْلِ فَأَخَّرَ حَتَّى يُصْبِحَ، أَوْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ فَقَدَّمَهَا، أَوْ كَانَ جَائِعًا، أَوْ عَارِيًا فَأَكَلَ أَوْ لَبِسَ أَوَّلًا، أَوْ كَانَ مَحْبُوسًا، أَوْ مَرِيضًا، أَوْ مُمَرِّضًا، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَهُ الْإِشْهَادُ فَلَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ عَلَى النَّفْيِ، بَطَلَ حَقُّهُ، وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا قَدَرَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُرْسِلَ إِلَيْهِ نَائِبًا يُلَاعِنُ عِنْدَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، فَيُشْهِدُ حِينَئِذٍ، وَلْيُطْرَدْ هَذَا فِي الْمَحْبُوسِ وَمَنْ يَطُولُ عُذْرُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجَمَاعَةٌ: الْمَرِيضُ وَالْمُمَرِّضُ وَمَنْ يُلَازِمُهُ غَرِيمُهُ لِخَوْفِ ضَيَاعِ مَالِهِ، يَبْعَثُ إِلَى الْحَاكِمِ وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ عَلَى النَّفْيِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، أَشْهَدَ، وَيُمْكِنْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيُقَالُ: يَبْعَثُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُطْلِعُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لِيَبَعَثَ إِلَيْهِ نَائِبًا، أَوْ لِيَكُونَ عَالَمًا بِالْحَالِ إِنْ أَخَرَّ بَعْثَ النَّائِبِ، وَأَمَّا الْغَائِبُ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِهِ قَاضٍ، وَنَفَى الْوَلَدَ عِنْدَهُ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ تَأْخِيرَهُ حَتَّى يَرْجِعَ، فَفِي أَمَالِي السَّرَخْسِيِّ الْمَنْعُ مِنْهُ.
وَفِي «التَّهْذِيبِ» وَ «التَّتِمَّةِ» جَوَازُهُ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السَّيْرُ فِي الْحَالِ لِخَوْفِ الطَّرِيقِ أَوْ غَيْرِهِ فَلْيُشْهِدْ.
وَإِنْ أَمْكَنَهُ، فَلْيَسِرْ وَلِيُشْهِدْ، فَإِنْ أَخَّرَ السَّيْرَ، بَطَلَ حَقُّهُ أَشْهَدَ أَمْ لَا، وَإِنْ أَخَذَ فِي السَّيْرِ وَلَمْ يُشْهِدْ، بَطَلَ حَقُّهُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاضٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانَ وَأَرَادَ التَّأْخِيرَ إِلَى بَلَدِهِ وَجَوَّزْنَاهُ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا: النَّفْيُ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَهُ تَأْخِيرُ نَفْيِ الْحَمْلِ إِلَى الْوَضْعِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رِيحًا، فَإِنْ أَخَّرَ وَوَضَعَتْ وَقَالَ: أَخَّرْتُ لِأَتَحَقَّقَ الْحَمْلَ، فَلَهُ النَّفْيُ، وَإِنْ قَالَ: عَلِمْتُهُ وَلَدًا وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنْ يَمُوتَ، فَأُكْفَى اللِّعَانَ، بَطَلَ حَقُّهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ فِي «الْمُخْتَصِرِ» لِتَفْرِيطِهِ مَعَ عِلْمِهِ.
فَرْعٌ
أَخَّرَ النَّفْيَ وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمِ الْوِلَادَةَ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
قَالَ فِي الشَّامِلِ: إِلَّا أَنْ يَسْتَفِيضَ وَيَنْتَشِرَ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، صُدِّقَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَحْتَمِلُ جَهْلُهُ بِهِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الَّتِي يَحْتَمِلُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمَا فِي مَحَلَّةٍ أَوْ مَحَلَّتَيْنِ، أَوْ دَارٍ أَوْ دَارَيْنِ، أَوْ بَيْتٍ أَوْ بَيْتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: أُخْبِرْتُ بِالْوِلَادَةِ وَلَمْ أُصَدِّقِ الْمُخْبِرَ، نُظِرَ، إِنْ أَخْبَرَهُ صَبِيٌّ أَوْ فَاسْقٌ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ، فَلَا.
وَكَذَا إِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ رَقِيقٌ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ رِوَايَتَهُ مَقْبُولَةٌ، وَلَوْ قَالَ: عَلِمْتُ الْوِلَادَةَ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي النَّفْيَ، فَإِنْ كَانَ فَقِيهًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، قُبِلَ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَوَامِّ النَّاشِئِينَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَوَجْهَانِ كَنَظِيرِهِ فِي خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ.
فَرْعٌ
إِذَا هُنِّئَ بِالْوَلَدِ، فَقِيلَ لَهُ: مَتَّعَكَ اللَّهُ بِوَلَدِكَ، أَوْ جَعَلَهُ لَهُ وَلَدًا صَالِحًا وَنَحْوَهُ، فَأَجَابَ بِمَا يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ وَالِاسْتِلْحَاقَ، كَقَوْلِهِ: آمِينَ، أَوْ نَعَمْ، أَوِ اسْتَجَابَ اللَّهُ مِنْكَ، فَلَيْسَ لَهُ النَّفْيُ بَعْدَهُ، وَإِنْ أَجَابَ بِمَا لَا يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ، كَقَوْلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَوْ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَوْ أَسْمَعَكَ خَيْرًا أَوْ زَوَّدَكَ مِثْلَهُ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنَ النَّفْيِ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ مِنَ اللِّعَانِ إِحْدَاهَا: قَالَ الزَّوْجُ: قَذَفْتُكِ بَعْدَ النِّكَاحِ، فَلِي اللِّعَانُ، فَقَالَتْ: قَبْلَهُ، فَلَا لِعَانَ، فَهُوَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ حُصُولِ الْفُرْقَةِ، فَقَالَ: قَذَفْتُكِ فِي زَمَنِ
النِّكَاحِ، وَقَالَتْ: بَعْدَهُ، فَهُوَ الْمُصَدَّقُ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ: قَذَفْتُكِ وَأَنْتِ زَوْجَتِي، فَقَالَتْ: مَا تَزَوَّجْتُكَ (قَطُّ) فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ بِيَمِينِهَا.
الثَّانِيَةُ: قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ: قَذَفْتُكِ وَأَنْتِ أَمَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ فَقَالَتْ: بَلْ وَأَنَا حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ عَاقِلَةٌ.
فَإِنْ عُلِمَ لَهَا حَالُ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ أَوْ جُنُونٍ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّعْزِيرُ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْمَرْأَةُ.
وَلَوْ قَالَ: وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ، فَهُوَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِمَنْ قَذَفَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ: قَذَفْتُكِ وَأَنَا مَجْنُونٌ، فَهَلْ يُصَدَّقُ الْقَاذِفُ بِيَمِينِهِ، أَمِ الْمَقْذُوفُ، أَمْ يُفَرَّقُ؟ فَإِنْ عُهِدَ لَهُ جُنُونٌ، صُدِّقَ الْقَاذِفُ، وَإِلَّا، فَالْمَقْذُوفُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَظْهَرُهَا: الْفَرْقُ.
وَلَوْ قَالَ: قَذَفْتُكِ وَأَنَا صَبِيٌّ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ الْمَعْهُودِ، وَلَوْ قَالَ: جَرَى الْقَذْفُ عَلَى لِسَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، لَمْ يُقْبَلْ لِبُعْدِهِ.
وَلَوْ أَقَامَ الْقَاذِفُ بَيِّنَةً أَنَّ الْقَذْفَ كَانَ فِي الصِّغَرِ أَوِ الْجُنُونِ، وَأَقَامَ الْمَقْذُوفُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ فِي حَالِ الْكَمَالِ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفِي التَّارِيخِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، فَهُمَا قَذْفَانِ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِمَا وَقَعَ فِي حَالَةِ الْكَمَالِ.
وَإِنِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا، تَعَارَضَتَا.
وَفِي التَّعَارُضِ أَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَجِيءُ هُنَا الْقِسْمَةُ وَلَا الْوَقْفُ، وَحُكِيَ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ قَوْلُ الْقُرْعَةِ، وَاسْتَبْعَدَهُ وَقَالَ: الْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالتَّهَاتِرِ، فَيَكُونُ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ.
وَحَيْثُ صَدَّقْنَا الْقَاذِفَ بِيَمِينِهِ، فَلَوْ نَكَلَ وَحَلَفَ الْمَقْذُوفُ، وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ، وَيَجُوزُ اللِّعَانُ فِي الزَّوْجَةِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا صَدَّقَتْهُ فِي الْقَذْفِ، وَاعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ، تَأَكَّدَ لِعَانُهُ، فَإِنْ كَانَتْ لَاعَنَتْ، فَعَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا لِاعْتِرَافِهَا، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ قَبْلَ لِعَانِهِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَوَجَبَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا،
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُلَاعِنُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَتِمُّ اللِّعَانُ إِنْ صَدَّقَتْهُ فِي أَثْنَائِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدٌ فَيَنْفِيَهُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ لِعَانُ الزَّوْجِ، وَرِثَهُ الْآخَرُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمَيِّتَ الزَّوْجُ، اسْتَقَرَّ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ نَفْيُهُ، وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ، جَازَ لَهُ إِتْمَامُ اللِّعَانِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ غَيْرُ الزَّوْجِ، بِأَنْ كَانَ ابْنَ عَمِّهَا أَوْ مُعْتِقَهَا، وَرِثَ الْحَدَّ وَسَقَطَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَرِثْهَا إِلَّا الزَّوْجُ وَأَوْلَادُهُ مِنْهَا، لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَدَّ الْقَذْفِ مِنْ أَبِيهِ، وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَلَدٌ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اللِّعَانُ لِسَائِرِ الْأَغْرَاضِ، فَلَوْ كَانَ يَرِثُهَا غَيْرُ الزَّوْجِ وَأَوْلَادِهِ، فَمَا وَرِثَهُ الزَّوْجُ وَأَوْلَادُهُ يَسْقُطْ، وَيَجِيءُ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا سَقَطَ بَعْضُ الْحَدِّ بِعَفْوِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ، إِنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ الْجَمِيعُ، فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ الْكُلُّ هُنَا، وَيَمْتَنِعُ اللِّعَانُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْبَاقِينَ الْمُطَالَبَةُ بِجَمِيعِ الْحَدِّ أَوْ بِقِسْطِهِمْ وَطَلَبُوا، فَلَهُ اللِّعَانُ لِلدَّفْعِ، وَفِي جَوَازِ اللِّعَانِ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الْخَامِسَةُ: عَبْدٌ قَذَفَ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ عَتَقَ وَطَالَبَتْهُ، فَلَهُ اللِّعَانُ.
فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ حَدَّ الْعَبِيدِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ فِي الرِّقِّ، وَكَذَا لَوْ زَنَى فِي الرِّقِّ ثُمَّ عَتَقَ، حُدَّ حَدَّ الْعَبِيدِ.
وَلَوْ قَذَفَ الذِّمِّيُّ أَوْ زَنَى، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ، حُدَّ حَدَّ الْأَحْرَارِ، وَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَمَةً فَنَكَلَ عَنِ اللِّعَانِ، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ.
وَإِنْ لَاعَنَ حُدَّتْ حَدَّ الْإِمَاءِ وَإِنْ عَتَقَتْ بَعْدَ الْقَذْفِ.
وَإِنْ قَذَفَ مُسْلِمٌ زَوْجَتَهُ الذِّمِّيَّةَ أَوِ الصَّغِيرَةَ أَوِ الْمَجْنُونَةَ، ثُمَّ طَلَبَتِ الذِّمِّيَّةُ، أَوْ طَلَبَتَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ، فَإِنْ نَكَلَ، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وَإِنْ لَاعَنَ وَنَكَلَتِ الذِّمِّيَّةُ، فَعَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَإِنْ نَكَلَ الْأُخْرَيَانِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
السَّادِسَةُ: فِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّ الْمُلَاعِنَ لَوْ قَبِلَ مَنْ نَفَاهُ، وَقُلْنَا: يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ فَاسْتَلْحَقَهُ، حُكِمَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ وَسُقُوطِ الْقِصَاصِ.
وَأَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ نَفَى وَلَدًا ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَتْبَعْهُ الْمَنْفِيُّ فِي الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ مَاتَ وَقُسِّمَ مِيرَاثُهُ بَيْنَ أَقَارِبِهِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ الذِّمِّيُّ الَّذِي أَسْلَمَ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِسْلَامُهُ، وَاسْتَرَدَّ الْمَالَ وَصُرِفَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ بِاللِّعَانِ إِذَا كَانَ قَدْ وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ صَحِيحٍ، لَوِ اسْتَلْحَقَهُ غَيْرُهُ، لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوِ اسْتَلْحَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْفِيَهُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ نَفَاهُ، فَحَقُّ الِاسْتِلْحَاقِ بَاقٍ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ، وَلَوْ كَانَ يُلْحِقُهُ نَسَبَهُ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، فَنَفَاهُ فَاسْتَلْحَقَهُ غَيْرُهُ، لَحِقَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ نَازَعَهُ فِيهِ قَبْلَ النَّفْيِ - سُمِعَتْ دَعْوَاهُ.
السَّابِعَةُ: فِيمَا جُمِعَ مِنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ سُقُوطَ حَدِّ الْقَذْفِ عَنِ الْقَاذِفِ وَعَدَمَ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ لَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: إِذَا أَقَامَ الْقَاذِفُ بَيِّنَةً عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفَةِ، وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا عَذْرَاءُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إِقْرَارِ الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا، وَقُلْنَا الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمُرَادُهُ مَا سِوَى صُورَةِ التَّلَاعُنِ، فَإِنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا تَلَاعَنَا، انْدَفَعَ الْحَدَّانِ.
وَهُنَا صُورَةٌ رَابِعَةٌ يَسْقُطُ فِيهَا الْحَدَّانِ، وَهِيَ إِذَا أَقَامَ الْقَاذِفُ بَيِّنَةً بِإِقْرَارِ الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَعَ الْمَقْذُوفُ عَنِ الْإِقْرَارِ، سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِي حَقِّ الْقَاذِفِ، فَلَا يَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ.
قُلْتُ: مُرَادُ الْقَفَّالِ: لَا يَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِوُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا (وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ) إِلَّا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ الْأُخْرَيَانِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ فِيهِمَا حَدُّ الزِّنَا، ثُمَّ سَقَطَ بِلِعَانِهَا أَوْ بِالرُّجُوعِ.
وَلِهَذَا قَالَ: وَعَدَمُ حَدِّ الزِّنَا عَنِ الْمَقْذُوفِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَسُقُوطُ حَدِّ الزِّنَا، كَمَا قَالَ: سُقُوطُ حَدِّ الْقَذْفِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ وَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا، إِلَّا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُوَلَيَيْنِ، وَلَا يَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ وَحَدُّ الزِّنَا إِلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ.
وَالْمُرَادُ: السُّقُوطُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، لَا بِعَفْوٍ وَنَحْوِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.