كِتَابُ السِّيَرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
هِيَ جَمْعُ سِيرَةٍ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ، وَالْمَقْصُودُ: الْكَلَامُ فِي الْجِهَادِ وَأَحْكَامُهُ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ الْجِهَادِ، وَبَيَانِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَفِيهِ أَطْرَافٌ.
الْأَوَّلُ: فِي مُخْتَصَرٍ يَتَعَلَّقُ بِابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ وَالْإِنْذَارِ بِلَا قِتَالٍ، وَاتَّبَعَهُ قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ، وَفُرِضَتِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ فُرِضَ الصَّوْمُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الزَّكَاةَ فُرِضَتْ بَعْدَ الصَّوْمِ أَمْ قَبْلَهُ، ثُمَّ فُرِضَ الْحَجُّ سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَانَ الْقِتَالُ مَمْنُوعًا مِنْهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَأُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَبَتِ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ قَدَرَ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، ارْتَفَعَتِ الْهِجْرَةُ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَنُفِي وُجُوبُ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ إِذَا ابْتَدَأَهُمُ الْكُفَّارُ بِقِتَالٍ، ثُمَّ أَبَاحَ الْقِتَالَ ابْتِدَاءً، لَكِنْ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَرْطٍ وَلَا زَمَانٍ، وَلَمْ يَعْبُدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَمًا قَطُّ قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : كَانَ مُتَمَسِّكًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قُلْتُ: تَعَرَّضَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِهَذِهِ النُّبَذِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مَا يَلِيقُ بِهِ وَلَا بِهَذَا الْكِتَابِ، وَأَنَا أُشِيرُ إِلَى أُصُولِ مَقَاصِدِهَا بِأَلْفَاظٍ وَجِيزَةٍ - إِنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. اتَّفَقُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكُفْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِصْمَةِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَمَّا بَعْدُ النُّبُوَّةِ فَمَعْصُومُونَ مِنَ الْكُفْرِ، وَمِنْ كُلِّ مَا يُخِلُّ بِالتَّبْلِيغِ، وَمَا يُزْرِي بِالْمُرُوءَةِ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّغَائِرِ فَجَوَّزَهَا الْأَكْثَرُونَ، وَمَنَعَهَا الْمُحَقِّقُونَ وَقَطَعُوا بِالْعِصْمَةِ مِنْهَا، وَتَأَوَلُوا الظَّوَاهِرَ الْوَارِدَةَ فِيهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يَتَعَبَّدُ عَلَى دِينِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ أَمْ مُوسَى أَمْ عِيسَى، أَمْ يَتَعَبَّدُ لَا مُلْتَزِمًا دِينٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورِينَ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُجْزَمُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عَقْلٍ وَلَا ثَبَتَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِنَسْخِ ذَلِكَ الْحُكْمِ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: شَرْعُ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ؛ وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ وَيَوْمٌ، فَأَقَامَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: عَشْرًا، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشَرَةَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا عَشْرًا بِالْإِجْمَاعِ، وَدَخْلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضُحَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ، وَتُوُفِّيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضُحَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشَرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ؛ وَمِنْهَا ابْتِدَاءُ التَّارِيخِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَمُدَّةُ مَرَضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَغَسَّلَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمٌ وَأُسَامَةُ وَشُقْرَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَفْرَادًا، بِلَا إِمَامٍ، وَدَخَلَ قَبْرَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمٌ وَشُقْرَانُ، وَدُفِنَ فِي اللَّحْدِ وَجُعِلَ فِيهِ تِسْعُ لَبِنَاتٍ، وَدُفِنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَهُوَ
حُجْرَةُ عَائِشَةَ، ثُمَّ دُفِنَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَلَمْ يَحُجَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَّا حَجَّةَ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَسُمِّيَتْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاعْتَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ فُرِضَ الْحَجُّ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ خَمْسٍ أَوْ تِسْعٍ، وَأَوَّلُ مَا وَجَبَ الْإِنْذَارُ وَالدُّعَاءُ إِلَى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِمَا فِي أَوَاخِرِهَا، ثُمَّ نَسَخَهُ بِإِيجَابِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِعَشْرِ سِنِينَ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُدَّةَ مَقَامِهِ بِمَكَّةَ وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ.
ذِكْرُ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَلَى تَرْتِيبِ السِّنِينَ: السَنَةُ الْأُولَى: فِيهَا بَنَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، وَآخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَشَرَعَ الْأَذَانَ وَأَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.
السَنَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ الْهَاشِمِيُّ: حُوِّلَتْ فِي الظُّهْرِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ نِصْفَ شَعْبَانَ، كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَصْحَابِهِ، فَحَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ فِي مَنَازِلِ بَنِي سَلَمَةَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فِي مَسْجِدِ الْقِبْلَتَيْنِ إِلَى الْقُدْسِ، ثُمَّ أُمِرَ فِي الصَّلَاةِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَدَارَ وَاسْتَدَارَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ، فَسُمِّيَ مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا فُرِضَ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَفِيهَا فُرِضَتْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ فِي رَمَضَانَ، وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا تَزَوَّجَ عَائِشَةَ، وَفِيهَا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ.
السَنَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهَا غَزَوَاتٌ وَأَرْبَعُ سَرَايَا، مِنْهَا غَزْوَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ السَّابِعِ مِنْ شَوَّالٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرَى فِي هِلَالِ ذِي الْقِعْدَةِ، وَفِيهَا غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَحُرِّمَتِ الْخَمْرُ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ، وَتَزَوَّجَ عُثْمَانُ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَوُلِدَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ.
الرَّابِعَةُ: فِيهَا غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ فِي الْخَامِسَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي الرَّابِعَةِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْأَحْزَابُ أَيْضًا، وَكَانَ حِصَارُ الْأَحْزَابِ الْمَدِينَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ هَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهَا قُصِرَتِ الصَّلَاةُ وَنَزَلَ التَّيَمُّمُ، وَتَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ.
الْخَامِسَةُ: فِيهَا غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ وَبِهَا صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَهِيَ أَوَّلُ صَلَوَاتِ الْخَوْفِ، ثُمَّ غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَغَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ.
السَّادِسَةُ: غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ، وَغَزْوَةُ بَنِيَ الْمُصْطَلِقِ، وَكُسِفَتِ الشَّمْسُ، وَنَزَلَ الظِّهَارُ.
السَّابِعَةُ: فِيهَا غَزْوَةُ خَيْبَرَ، وَتَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَمَيْمُونَةَ وَصْفِيَّةَ، وَجَاءَتْهُ مَارِيَةُ وَبَغْلَتُهُ دُلْدُلُ، وَقَدِمَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَأَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ.
الثَّامِنَةُ: فِيهَا غَزْوَةُ مُؤْتَةَ، وَذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَفَتْحُ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، وَوُلِدَ إِبْرَاهِيمُ، وَتُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ، وَغَزْوَةُ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، وَفِيهَا غَلَاءُ السِّعْرِ، فَقَالُوا: سَعِّرَ لَنَا.
التَّاسِعَةُ: فِيهَا غَزَا تَبُوكَ، وَحَجَّ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالنَّاسِ، وَتُوَفِّيَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ وَالنَّجَاشِيُّ، وَتَتَابَعَتِ الْوُفُودُ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا.
الْعَاشِرَةُ: فِيهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَوَفَاةُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْلَامُ جَرِيرٍ، وَنَزَلَ (الْيَوْمَ أَكْمَلَتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) . وَغَزَوَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ غَزْوَةً، وَقِيلَ: سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، وَسَرَايَاهُ سِتٌّ وَخَمْسُونَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي وُجُوبِ الْجِهَادِ
قَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَلْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمْ فَرْضَ عَيْنٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ) الْآيَةَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ مُسْتَقِرِّينَ فِي بُلْدَانِهِمْ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ مِنْهُ، أَثِمُوا، وَهَلْ يَعُمُّهُمُ الْإِثْمُ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالَّذِينِ يَدْنُوَا إِلَيْهِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْثَمُ كُلُّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ الْأَعْذَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قَامَ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ.
وَتَحْصُلُ الْكِفَايَةُ بِشَيْئَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْحِنَ الْإِمَامُ الثُّغُورَ بِجَمَاعَةٍ يُكَافِئُونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ بِإِحْكَامِ الْحُصُونِ وَحَفْرِ الْخَنَادِقِ وَنَحْوِهِمَا، وَيُرَتِّبُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ أَمِيرًا كَافِيًا يُقَلِّدُهُ الْجِهَادَ وَأُمُورَ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ دَارَ الْكُفْرِ غَازِيًّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِجَيْشٍ يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَأَقَلُّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِ مَنْ يَلِي دَارَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنْ كَانَ الْخَوْفُ مِنَ الْأَبْعَدِينَ أَكْثَرَ، بَدَأَ بِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ إِخْلَاءُ سَنَةٍ عَنْ جِهَادٍ
إِلَّا لِضَرُورَةٍ، بِأَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَفِي الْعَدُوِّ كَثْرَةٌ، وَيَخَافُ مِنَ ابْتِدَائِهِمُ الِاسْتِئْصَالَ، أَوْ لِعُذْرٍ بِأَنْ يَعِزَّ الزَّادُ وَعَلْفُ الدَّوَابِّ فِي الطَّرِيقِ، فَيُؤَخِّرُ إِلَى زَوَالِ ذَلِكَ، أَوْ يَنْتَظِرُ لِحَاقَ مَدَدٍ، أَوْ يَتَوَقَّعُ إِسْلَامَ قَوْمٍ، فَيَسْتَمِيلُهُمْ بِتَرْكِ الْقِتَالِ، هَذَا مَا نَصَرَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَقَالَ الْإِمَامُ: الْمُخْتَارُ عِنْدِي فِي هَذَا مَسْلَكُ الْأُصُولِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْجِهَادُ دَعْوَةٌ قَهْرِيَّةٌ، فَيَجِبُ إِقَامَتُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَرَّةٍ فِي السَنَةِ، وَلَا يُعَطَّلُ إِذَا أَمْكَنَتِ الزِّيَادَةُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ حَمَلُوهُ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْعَدَدَ لَا تَتَأَتَّى لِتَجْهِيزِ الْجُنُودِ فِي السَنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ الْإِمَامُ مِنْ بَثِّ الْأَجْنَادِ لِلْجِهَادِ فِي جَمِيعِ الْأَطْرَافِ، فَعَلَ، وَإِلَّا فَيَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْعَى النِّصْفَةَ بِالْمُنَاوَبَةِ بَيْنَ الْأَجْنَادِ فِي الْإِغْزَاءِ، وَيَسْقُطُ الْوُجُوبُ فِي هَذَا الضَّرْبِ بِأَعْذَارٍ.
مِنْهَا: الصِّغَرُ وَالْجُنُونُ وَالْأُنُوثَةُ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُرَاهِقِينَ وَالنِّسَاءِ فِي الْخُرُوجِ، وَأَنْ يَسْتَصْحِبَهُمْ لِسَقْيِ الْمَاءِ وَمُدَاوَاةِ الْمَرْضَى وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى، وَلَا يَأْذَنُ لِلْمَجَانِينِ بِحَالٍ، وَلَا جِهَادَ عَلَى الْخُنْثَى.
وَمِنْهَا: الْمَرَضُ، فَلَا جِهَادَ عَلَى مَنْ بِهِ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقِتَالِ وَالرُّكُوبِ عَلَى دَابَّةٍ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْقِتَالُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالصُّدَاعِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ وَنَحْوِهَا.
وَمِنْهَا: الْعَرَجُ، فَلَا جِهَادَ عَلَى مَنْ بِهِ عَرَجٌ بَيِّنٌ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ وَوَجَدَ دَوَابَّ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْجِهَادُ رَاكِبًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَسَوَاءٌ الْعَرَجُ فِي رِجْلٍ أَوْ رِجْلَيْهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَرَجٍ يَسِيرٍ لَا يَمْنَعُ الْمَشْيَ، وَلَا جِهَادَ عَلَى أَشَلِّ الْيَدِ، وَلَا مَنْ فَقَدَ مُعْظَمَ أَصَابِعِهِ بِخِلَافِ فَاقِدِ الْأَقَلِّ.
وَمِنْهَا: الْعَمَى، فَلَا جِهَادَ عَلَى أَعْمَى، وَيَجِبُ عَلَى الْأَعْوَرِ وَالْأَعْشَى
وَعَلَى ضَعِيفِ الْبَصَرِ إِنْ كَانَ يُدْرِكُ الشَّخْصَ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّقِيَ السِّلَاحَ.
وَمِنْهَا: الْفَقْرُ، فَلَا جِهَادَ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ سِلَاحٍ وَأَسْبَابِ الْقِتَالِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَجِدَ نَفَقَةَ طَرِيقِهِ ذِهَابًا وَرُجُوعًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، فَفِي اشْتِرَاطِ نَفَقَةِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ الْقِتَالُ عَلَى بَابِ الْبَلَدِ، أَوْ حَوَالَيْهِ، سَقَطَ اشْتِرَاطُ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ، وَيُشْتَرَطُ وِجْدَانُ رَاحِلَةٍ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ جَمِيعِ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَجِّ، وَكُلُّ عُذْرٍ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ، يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ إِلَّا أَمْنَ الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ شُرِطَ هُنَاكَ وَلَا يُشْتَرَطُ هُنَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْغَزْوِ عَلَى رُكُوبِ الْمَخَاوِفِ، هَذَا إِنْ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ طَلَائِعِ الْكُفَّارِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ مُتَلَصِّصِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ بَذَلَ لِلْفَاقِدِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، إِلَّا أَنْ يَبْذُلَهُ الْإِمَامُ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيُجَاهِدَ؛ لِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ حَقَّهُ، وَلَا يَلْزَمُ الذِّمِّيَّ الْجِهَادُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجِهَادَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْتَطِيعٍ، وَلَا جِهَادَ عَلَى رَقِيقٍ وَإِنْ أَمْرَهُ سَيِّدُهُ؛ إِذْ لَيْسَ الْقِتَالُ مِنَ الِاسْتِخْدَامِ الْمُسْتَحَقِّ لِلسَّيِّدِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْ سَيِّدِهِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَى رُوحِهِ إِذَا لَمْ نُوجِبُ الدَّفْعَ عَنِ الْغَيْرِ، بَلِ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِصْحَابُهُ فِي سِفْرِ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ لِيَخْدِمَهُ وَيَسُوسَ دَوَابَّهُ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَا جِهَادَ عَلَيْهِمْ.
فَرْعٌ
مِمَّا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ الدَّيْنُ، فَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنُ حَالٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَفَرِ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ السَّفَرَ لِتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ، وَالْحَبْسُ إِنِ امْتَنَعَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ إِذْ لَا مُطَالَبَةَ فِي الْحَالِ، وَلَوِ اسْتَنَابَ الْمُوسِرُ مَنْ يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ، فَلَهُ الْخُرُوجُ، وَإِنْ أَمْرَهُ بِالْقَضَاءِ مِنْ مَالِ
غَائِبٍ، فَلَا، وَمَتَى أَذِنَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ، وَيَلْتَحِقُ بِأَصْحَابِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَفَرٍ لَا يَغْلِبُ فِيهِ الْخَطَرُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّفْلِيسِ، وَهَلْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مَنْعُهُ مِنْ سَفَرِ الْجِهَادِ؟ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: لَا.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ كَفِيلًا بِالدَّيْنِ.
وَالثَّالِثُ: لَهُ الْمَنْعُ إِنْ لَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً.
وَالرَّابِعُ: لَهُ الْمَنْعُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ، وَالْخَامِسُ: لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحُلُّ قَبْلَ رُجُوعِهِ، وَرُكُوبِ الْبَحْرِ كَسَفَرِ الْجِهَادِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ حَيٌّ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِمَا إِنْ كَانَا حَيَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ كَافِرٍ، وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ كَالْوَالِدَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْجَدِّ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ، وَلَا الْجَدَّةِ مَعَ وُجُودِ الْأُمِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ، وَأَمَّا سَفَرُهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ لِطَلَبِ مَا هُوَ مُتَعَيِّنٌ، فَلَهُ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا الْمَنْعُ، وَإِنْ كَانَ لِطَلَبِ مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، بِأَنْ خَرَجَ لِطَلَبِ دَرَجَةِ الْفَتْوَى وَفِي النَّاحِيَةِ مُسْتَقِلٌّ بِالْفَتْوَى، فَلَيْسَ لَهُمَا الْمَنْعُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُسْتَقِلٌّ، وَلَكِنْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ، فَلَيْسَ لَهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْحَالِ مَنْ يَقُومُ بِالْمَقْصُودِ، وَالْخَارِجُونَ، فَلَا يَظْفَرُونَ بِالْمَقْصُودِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ أَحَدٌ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِذْنٍ، وَلَا مَنْعَ لَهُمَا قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ، كَالْفَرْضِ الْمُتَعَيِّنِ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الصُّورَةَ بِمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّعَلُّمَ فِي بَلَدِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُتَوَقَّعَ فِي السَّفَرِ زِيَادَةَ فَرَاغٍ أَوْ إِرْشَادَ أُسْتَاذٍ أَوْ غَيْرَهُمَا، كَمَا لَمْ يُقَيَّدِ الْحُكْمُ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ بِمَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا بِبَلَدِهِ، بَلِ اكْتُفِيَ بِتَوَقُّعِ زِيَادَةِ رِبْحٍ، أَوْ رَوَاجٍ، وَأَمَّا سَفَرُ
التِّجَارَةِ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ قَصِيرًا، فَلَا مَنْعَ مِنْهُ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ طَوِيلًا، نُظِرَ إِنْ كَانَ فِيهِ خَوْفٌ ظَاهِرٌ، كَرُكُوبِ بِحْرٍ أَوْ بَادِيَةٍ مُخْطِرَةٍ، وَجَبَ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَهُمَا الْمَنْعُ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْنُ غَالِبًا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا مَنْعَ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْذَانُ، وَالْوَلَدُ الْكَافِرُ فِي هَذِهِ الْأَسْفَارِ كَالْمُسْلِمِ، بِخِلَافِ سَفَرِ الْجِهَادِ، فَإِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، وَالرَّقِيقُ كَالْحُرِّ عَلَى الصَّحِيحِ لِشُمُولِ مَعْنَى الْبِرِّ وَالشَّفَقَةِ.
فَرْعٌ
مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَوِ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الْإِذْنِ، أَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ كَافِرَيْنِ، فَخَرَجَ ثُمَّ أَسْلَمَا، وَلَمْ يَأْذَنَا، وَعَلِمَ الْمُجَاهِدُ الْحَالَ، فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِتَالِ، وَلَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ لَزِمَهُ الِانْصِرَافُ إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ يَخَافَ انْكِسَارَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَلْزَمُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْصِرَافُ لِلْخَوْفِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُقِيمَ فِي قَرْيَةٍ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى يَرْجِعَ الْجَيْشُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ، وَأَوْهَمَ فِي «الْوَسِيطِ» خِلَافًا فِي وُجُوبِ الْإِقَامَةِ هُنَاكَ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِانْصِرَافُ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِتَالِ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: تَجِبُ الْمُصَابَرَةُ، وَيَحْرُمُ الِانْصِرَافُ، وَالثَّانِي: يَجِبُ الِانْصِرَافُ، وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِانْصِرَافِ وَالْمُصَابَرَةِ، وَالرَّابِعُ: يَجِبُ الِانْصِرَافُ إِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ دُونَ الْأَبَوَيْنِ إِنْ رَجَعَ، لِعَظْمِ شَأْنِ الدَّيْنِ وَمَنْ شُرِطَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذَانُ، فَخَرَجَ بِلَا إِذْنٍ، لَزِمَهُ الِانْصِرَافُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِتَالِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، فَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِتَالِ، فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ أَوْلَى بِوُجُوبِ الِانْصِرَافِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْخُرُوجِ مَعْصِيَةٌ، وَلَوْ خَرَجَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، لَزِمَهُ الِانْصِرَافُ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ، فَإِنْ حَضَرَ، فَلَا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: يُسْتَحَبُّ الرُّجُوعُ.
فَرْعٌ
لَوْ مَرِضَ مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ أَوْ عَرَجَ، أَوْ فَنِيَ زَادُهُ، أَوْ هَلَكَتْ دَابَّتُهُ، فَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ الْعُذْرُ حَاصِلًا وَقْتَ الْخُرُوجِ، فَإِنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الثَّبَاتُ أَمْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهَانِ إِذَا لَمْ يُورِثِ انْصِرَافُهُ فَشَلًا فِي الْجُنْدِ، فَإِنْ أَوْرَثَهُ، حُرِّمَ الرُّجُوعُ قَطْعًا، وَفِي «التَّهْذِيبِ» فِي صُورَةِ مَوْتِ الدَّابَّةِ يَلْزَمُهُ الْقِتَالُ رَاجِلًا إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِذَا انْقَطَعَ عَنْهُ سِلَاحُهُ، أَوِ انْكَسَرَ، لَزِمَهُ الْقِتَالُ بِالْحِجَارَةِ إِنْ أَمْكَنَهُ.
فَرْعٌ
حَيْثُ جَوَّزْنَا الِانْصِرَافَ لِرُجُوعِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَنِ الْإِذْنِ، أَوْ لِحُدُوثِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ حَبْسُهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ، وَيُخْشَى مِنَ انْصِرَافِهِمْ خَلَّلٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَلَوِ انْصَرَفَ لِذَهَابِ نَفَقَةٍ، أَوْ هَلَاكِ دَابَّةٍ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى النَّفَقَةِ وَالدَّابَّةِ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ لِلْجِهَادِ، وَإِنْ كَانَ فَارَقَ بِلَادَ الْكُفْرِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ، وَعَنْ نَصِّهِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ، وَبِهِ عُذْرُ مَرَضٍ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ، وَصَارَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْغَزْوِ، وَكَذَا لَوْ حَدَثَ الْعُذْرُ، وَزَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ.
فَرْعٌ
مَنْ شَرَعَ فِي قِتَالٍ وَلَا عُذْرَ لَهُ، لَزِمَهُ الْمُصَابَرَةُ، وَعَبَّرَ الْأَصْحَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْجِهَادَ يَصِيرُ مُتَعَيَّنًا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِالشُّرُوعِ، وَلَوِ اشْتَغَلَ شَخْصٌ بِالتَّعَلُّمِ، وَأَنِسَ الرُّشْدَ فِيهِ مِنْ نَفْسِهِ، هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، فَيَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَشْرُوعِ فِيهِ بِخِلَافِ الْجِهَادِ، فَإِنَّ رُجُوعَهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّخْذِيلِ، وَهَلْ يَجِبُ إِتْمَامُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إِذَا
شَرَعَ فِيهَا؟ وَجْهَانِ، قَالَ الْقَفَّالُ: لَا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: نَعَمْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْعِلْمَ وَسَائِرَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ تَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ، فَإِذَا وَطِئَ الْكُفَّارُ بَلْدَةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَطَلُّوا عَلَيْهَا، وَنَزَلُوا بَابَهَا قَاصِدِينَ، وَلَمْ يَدْخُلُوا، صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَبْقَى فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ الدَّفْعُ بِمَا أَمْكَنَهُمْ، وَلِلدَّفْعِ مَرْتَبَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَحْتَمِلَ الْحَالُ اجْتِمَاعَهُمْ وَتَأَهُّبَهُمْ وَاسْتِعْدَادَهُمْ لِلْحَرْبِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ التَّأَهُّبُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُقَاوَمَة إِلَّا بِمُوَافَقَةِ الْعَبِيدِ، وَجَبَ عَلَى الْعَبِيدِ الْمُوَافَقَةُ، فَيَنْحَلُّ الْحَجْرُ عَنِ الْعَبِيدِ حَتَّى لَا يُرَاجِعُوا السَّادَاتِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُمُ الْمُقَاوَمَةُ مِنْ غَيْرِ مُوَافِقَةِ الْعَبِيدِ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، لِتَقْوَى الْقُلُوبُ، وَتَعْظُمُ الشَّوْكَةُ، وَتَشْتَدُّ النِّكَايَةُ، وَالثَّانِي: لَا يَنْحَلُّ الْحَجْرُ عَنْهُمْ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ.
وَالنِّسْوَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِنَّ قُوَّةُ دِفَاعٍ لَا يَحْضُرْنَ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبِيدِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحُوجَ الْمُزَوَّجَةُ إِلَى إِذْنِ الزَّوْجِ، كَمَا لَا يُحْوَجُ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ، وَلَا يَجِبُ فِي هَذَا النَّوْعِ اسْتِئْذَانُ الْوَالِدَيْنِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَغَشَّاهُمِ الْكُفَّارُ، وَلَا يَتَمَكَّنُوا مِنَ اجْتِمَاعٍ وَتَأَهُّبٍ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ كَافِرٌ، أَوْ كُفَّارٌ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ إِنْ أُخِذَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّكَ، وَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا أَمْكَنَ، يَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ وَالْأَعْمَى، وَالْأَعْرَجُ، وَالْمَرِيضُ، وَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ وَيُؤْسَرَ، وَلَوِ امْتَنَعَ لِقَتْلٍ، جَازَ أَنْ
يَسْتَسْلِمَ، فَإِنَّ الْمُكَاوَحَةَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اسْتِعْجَالُ الْقَتْلِ، وَالْأَسْرُ يَحْتَمِلُ الْخَلَاصُ، وَلَوْ عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَوِ اسْتَسْلَمَتِ امْتَدَّتِ الْأَيْدِي إِلَيْهَا، لَزِمَهَا الدَّفْعُ وَإِنْ كَانَتْ تُقْتَلُ؛ لِأَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى لَا تَحِلُّ لَهُ الْمُطَاوَعَةُ لِدَفْعِ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَقْصِدُ بِالْفَاحِشَةِ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يُظُنُّ ذَلِكَ بَعْدَ السَّبْيِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهَا الِاسْتِسْلَامُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ تَدْفَعُ حِينَئِذٍ، وَلَوْ كَانَ فِي أَهْلِ الْبُقْعَةِ كَثْرَةٌ، خَرَجَ بَعْضُهُمْ وَفِيهِمْ كِفَايَةٌ، فَفِي تَحَتُّمِ الْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْآخَرِينَ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ عَظِيمَةٌ، وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهُوَ كَبَعْضِهِمْ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَلْدَةِ كِفَايَةٌ، وَجَبَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَطِيرُوا إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كِفَايَةٌ، فَفِي وُجُوبِ الْمُسَاعَدَةِ عَلَيْهِمُ الْوَجْهَانِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَلْدَةِ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ كِفَايَةٌ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَطِيرُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنْ طَارَ إِلَيْهِمْ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ: إِذَا دَخَلَ الْكُفَّارُ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَالْجِهَادُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ قَرُبَ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ مَنْ بَعُدَ، وَعَلَى هَذَا فَحُكْمُ أَهْلِ الْأَعْذَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ وَجْهٌ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمُ الْمُسَاعَدَةُ وَالْمُسَارَعَةُ، وَلْيَكُنْ هَذَا فِي الْأَقْرَبِينَ مِمَّنْ هُوَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِ الْبَلْدَةِ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ كِفَايَةٌ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الَّذِينَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ الْمُسَاعَدَةُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِيجَابٍ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَى الْأَقْرَبِينَ فَالْأَقْرَبِينَ بِلَا ضَبْطٍ حَتَّى يَصِلَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُمْ قَدْ دَفَعُوا وَأَخْرَجُوا، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْبَلْدَةِ، ثُمَّ الْأَقْرَبِينَ
فَالْأَقْرَبِينَ إِذَا قَدَرُوا عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يَلْبِثُوا إِلَى لُحُوقِ الْآخَرِينَ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَرْكُوبِ فِيمَنْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَفِيمَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَمَا فَوْقَهَا وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الِاشْتِرَاطُ، كَالْحَجِّ، وَالثَّانِي: لَا، لِشِدَّةِ الْخَطْبِ، وَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَدُونِهَا وُجُودُ الزَّادِ عَلَى الْأَصَحِّ، إِذْ لَا اسْتِقْلَالَ بِغَيْرِ زَادٍ، وَلَا مَعْنَى لِإِلْزَامِهِمُ الْخُرُوجَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ سَيُهْلَكُونَ، وَلَوْ نَزَلَ الْكُفَّارُ عَلَى خَرَابٍ، أَوْ جَبَلٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَعِيدٌ عَنِ الْأَوْطَانِ وَالْبُلْدَانِ، فَفِي نُزُولِهِ مَنْزِلَةَ دُخُولِ الْبَلْدَةِ وَجْهَانِ أَطْلَقَهُمَا الْغَزَالِيُّ، وَالَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَاخْتَارَ هُوَ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّ الدَّارَ تَشْرُفُ بِسَكَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَسْكَنًا لِأَحَدٍ، فَتَكْلِيفُ الْمُسْلِمِينَ التَّهَاوِي عَلَى الْمَتَالِفِ بَعِيدٌ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْإِمَامُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَكَيْفَ يَجُوزُ تَمْكِينُ الْكُفَّارِ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مَعَ إِمْكَانِ الدَّفْعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا، أَوْ مُسْلِمَيْنِ، فَهَلْ هُوَ كَدُخُولِ دَارِ الْإِسْلَامِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ إِزْعَاجَ الْجُنُودِ لِوَاحِدٍ بَعِيدٌ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الدَّارِ، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ النَّظَرِ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى قُرْبِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَوَقَّعْنَا اسْتِخْلَاصَ مَنْ أَسَرُوهُ لَوْ طِرْنَا إِلَيْهِمْ، فَعَلْنَا، وَإِنْ تَوَغَّلُوا فِي بِلَادِ الْكُفْرِ وَلَا يُمْكِنُ التَّسَارُعُ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ لَا يَتَأَتَّى خَرْقُهَا بِالْجُنُودِ، اضْطُرِرْنَا إِلَى الِانْتِظَارِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ مِنْهُمْ مَلِكٌ عَظِيمُ الشَّوْكَةِ طَرْفَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، لَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ آحَادُ الطَّوَائِفِ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ هِيَ كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ فِي أَبْوَابِهَا، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ
وَدَفْنَهُ، وَكَذَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ وَالْأَذَانُ وَالْعِيدُ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُنَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَكَذَا الْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَفُرُوضُ الْكِفَايَةِ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إِلَّا بِحُصُولِهَا، فَيَطْلُبُ الشَّارِعُ تَحْصِيلَهَا، وَلَا يَطْلُبُ تَكْلِيفَ وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ بِهَا، بِخِلَافِ فَرَضِ الْعَيْنِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُكَلَّفٌ بِتَحْصِيلِهِ، وَفُرُوضُ الْكِفَايَةِ أَقْسَامٌ، مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الدِّينِ، وَهُوَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ كَمَا تَجِبُ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الْقَهْرِيَّةِ بِالسَّيْفِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُقِيمُ الْبَرَاهِينَ، وَيُظْهِرُ الْحُجَجَ، وَيَدْفَعُ الشُّبَهَاتِ، وَيَحِلُّ الْمُشْكِلَاتِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفُرُوعِ، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْأَمْرُ بِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ، وَالنَّهْيُ عَنْ مَحْرَمَاتِهِ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ نُصِّبَ لِذَلِكَ رَجُلٌ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَهُوَ الْمُحْتَسِبُ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ تَرْتِيبَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَتَقْسِيمَهُ، فَجَعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: يُؤْمَرُ بِهِ الْجَمِيعُ دُونَ الْأَفْرَادِ، كَإِقَامَةِ الْجُمْعَةِ حَيْثُ تَجْتَمِعُ شُرُوطُهَا، فَإِنْ كَانُوا عَدَدًا يَرَوْنَ انْعِقَادَ الْجُمْعَةِ بِهِمْ، وَالْمُحْتَسِبُ لَا يَرَاهُ، فَلَا يَأْمُرُهُمْ بِمَا لَا يُجَوِّزُهُ، وَلَا يَنْهَاهُمْ عَمَّا يَرَوْنَهُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْأَمْرِ، وَإِنْ قُلْنَا: صَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ، لَا سِيَّمَا مَا كَانَ شِعَارًا ظَاهِرًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
النَّوْعُ الثَّانِي: يُؤْمَرُ بِهِ الْآحَادُ، مِثْلُ إِنْ أَخَّرَ بَعْضُ النَّاسِ
الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، فَإِنْ قَالَ: نَسِيتُهَا، حَثَّهُ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي فَضْلِ التَّأْخِيرِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى عَامٍّ، كَالْبَلَدِ إِذَا تَعَطَّلَ شَرْبُهُ، أَوِ انْهَدَمَ سُورُهُ، أَوْ طَرَقَهُ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ الْمُحْتَاجُونَ وَتَرَكُوا مَعُونَتَهُمْ، فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، لَمْ يُؤْمَرِ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أَمَرَ أَهْلَ الْمُكْنَةِ بِرِعَايَتِهَا.
وَإِلَى خَاصٍّ، كَمَطْلِ الْمَدِينِ الْمُوسِرَ، فَالْمُحْتَسِبُ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ إِذَا اسْتَعْدَاهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ الضَّرْبُ وَالْحَبْسُ.
الثَّالِثُ: الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ، كَأَمْرِ الْأَوْلِيَاءِ بِإِنْكَاحِ الْأَكْفَاءِ، وَإِلْزَامِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْعِدَدِ، وَأَخْذِ السَّادَةِ بِحُقُوقِ الْأَرِقَّاءِ، وَأَصْحَابِ الْبَهَائِمِ بِتَعَهُّدِهَا، وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوهَا فِيمَا لَا تَطِيقُ، وَذُكِرَ فِي الْمُنْكَرَاتِ أَنَّ مَنْ يُغَيِّرُ هَيْئَةَ عِبَادَةٍ، كَجَهْرِهِ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ وَعَكْسِهِ، وَزِيَادَةٍ فِي الْأَذَانِ، يَمْنَعُهُ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ، أَوِ الْوَعْظِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ اغْتِرَارُ النَّاسِ بِهِ فِي تَأْوِيلٍ أَوْ تَحْرِيفٍ، أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُحْتَسِبُ، وَشَهَرَ أَمْرَهُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ، وَإِذَا رَأَى رَجُلًا وَاقِفًا مَعَ امْرَأَةٍ فِي شَارِعٍ يَطْرُقُهُ النَّاسُ، لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ خَالٍ، فَهُوَ مَوْضِعُ رِيبَةٍ، فَيُنْكِرُ وَيَقُولُ: وَإِنْ كَانَتْ مُحْرَمًا لَكَ، فَصُنْهَا عَنْ مَوَاقِفِ الرَّيْبِ، وَلَا يُنْكِرُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، كَتَعَدِّيهِ فِي جِدَارِ جَارِهِ إِلَّا بِاسْتِعْدَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ يُطِيلُ الصَّلَاةَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ الْمَطْرُوقَةِ، وَعَلَى الْقُضَاةِ إِذَا حَجَبُوا الْخُصُومَ، وَقَصَرُوا فِي النَّظَرِ وَالْخُصُومَاتِ.
وَالسُّوقِيُّ الَّذِي يُخْتَصُّ بِمُعَامَلَةِ النِّسَاءِ تُخْتَبَرُ أَمَانَتُهُ، فَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ خِيَانَةٌ، مُنِعَ مِنْ مُعَامَلَتِهِنَّ، وَهَذَا بَابٌ لَا تَتَنَاهَى صُوَرُهُ.
قُلْتُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ،
وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ لِكَوْنِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ، أَوْ يَعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ كَلَامُهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، بَلْ وَاجِبُهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) قَالُوا: وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: أَنْ يَرَى مَكْشُوفَ بَعْضِ عَوْرَتِهِ فِي حَمَّامٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْآمِرِ وَالنَّاهِي كَوْنُهُ مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُرُ بِهِ، مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ، بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَجُزِ الْإِخْلَالُ بِالْآخَرِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ وَالْمَرَاتِبِ، بَلْ ذَلِكَ ثَابَتٌ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ غَيْرَ الْوُلَاةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَأْمُرُونَ الْوُلَاةَ وَيَنْهَوْنَهُمْ مَعَ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ وَتَرْكِ تَوْبِيخِهِمْ عَلَى التَّشَاغُلِ بِذَلِكَ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَالْمُحَرَّمَاتِ الْمَشْهُورَةِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزِّنَى وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا، فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ الِابْتِدَاءُ بِإِنْكَارِهِ، بَلْ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمْ مَنْ أَعْلَمَهُ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَى إِنْكَارِهِ، أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إِنْكَارَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَلَا نَعْلَمُهُ، وَلَا إِثْمَ عَلَى الْمُخْطِئِ، لَكِنْ إِنْ نَدَبَهُ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ، وَيَكُونُ بِرِفْقٍ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِخْلَالٌ بِسُنَّةٍ
ثَابِتَةٍ، أَوْ وُقُوعٌ فِي خِلَافٍ آخَرَ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ السُّلْطَانُ الْحِسْبَةَ، هَلْ لَهُ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إِذَا كَانَ الْمُحْتَسِبُ مُجْتَهِدًا أَمْ لَيْسَ لَهُ تَغْيِيرُ مَا كَانَ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَغْيِيرُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَزَلِ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْفُرُوعِ، وَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا خَالَفَ نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.
وَأَمَّا صِفَةُ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمَرَاتِبُهُ، فَضَابِطُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» فَعَلَيْهِ أَنْ يُغَيِّرَ بِكُلِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ، وَلَا يَكْفِي الْوَعْظُ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِزَالَتَهُ بِالْيَدِ، وَلَا تَكْفِي كَرَاهَةُ الْقَلْبِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى النَّهْيِ بِاللِّسَانِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، صِفَةُ كَسِرِّ الْمَلَاهِي وَجُمْلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُنْكَرَاتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْفُقَ فِي التَّغْيِيرِ بِالْجَاهِلِ وَبِالظَّالِمِ الَّذِي يَخَافُ شَرَّهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِ قَوْلِهِ، وَإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِقْلَالُ، اسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَارِ سِلَاحٍ وَحَرْبٍ، فَإِنْ عَجَزَ، رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى صَاحِبِ الشَّوْكَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي كِتَابِ الصِّيَالِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْرَهَهُ بِقَلْبِهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَلَيْسَ لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي الْبَحْثُ وَالتَّنْقِيبُ وَالتَّجَسُّسُ وَاقْتِحَامُ الدُّورِ بِالظُّنُونِ، بَلْ إِنْ رَأَى شَيْئًا غَيَّرَهُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُحْتَسِبِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِالْمُنْكَرِ بِأَمَارَةٍ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ، فَذَلِكَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ تَدَارُكُهَا، بِأَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا، فَيَجُوزُ التَّجَسُّسُ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْإِنْكَارِ، وَالثَّانِي: مَا قَصَرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْكَشْفُ وَالتَّجَسُّسُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا بِأَنْ يَخَافَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ يَخَافَ عَلَى غَيْرِهِ مَفْسَدَةً أَعْظَمَ مِنْ مَفْسَدَةِ الْمُنْكَرِ الْوَاقِعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ، بَلِ الِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ وَإِحْيَاءَ الْبُقْعَةِ يَحْصُلُ بِكُلِّ ذَلِكَ.
قُلْتُ: لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْحَجِّ بِمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى، وَإِحْيَاءُ تِلْكَ الْبِقَاعِ بِالطَّاعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْمَعَايِشِ وَانْتِظَامِ أُمُورِ النَّاسِ، كَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِزَالَةِ فَاقَتِهِمْ، كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِطْعَامِ الْجَائِعِينَ، وَإِغَاثَةِ الْمُسْتَغِيثِينَ فِي النَّائِبَاتِ، فَكُلُّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ أَصْحَابِ الثَّرْوَةِ وَالْقُدْرَةِ إِذَا لَمْ تَفِ الصَّدَقَاتُ الْوَاجِبَةُ بِسَدِّ حَاجَاتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يُصْرَفُ إِلَيْهَا، فَلَوِ انْسَدَّتِ الضَّرُورَةُ، فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ أَمْ تَجِبُ الزِّيَادَةُ إِلَى تَمَامِ الْكِفَايَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ؟ حَكَى الْإِمَامُ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِهِ «الْغَيَاثِي» : يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ الْمُوَاسَاةُ بِمَا زَادَ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ.
وَأَمَّا الْحِرْفُ وَالصِّنَاعَاتُ وَمَا بِهِ قَوَامُ الْمَعَايِشِ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْحِرَاثَةِ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى الْحِجَامَةِ وَالْكُنَّسِ، فَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا، فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى حَثٍّ عَلَيْهَا وَتَرْغِيبٍ فِيهَا، لَكِنْ لَوِ امْتَنَعَ الْخَلْقُ مِنْهَا، أَثِمُوا وَكَانُوا سَاعِينَ فِي إِهْلَاكِ أَنْفُسِهِمْ، فَهِيَ إِذَنْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
فَصْلٌ
وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وَبِصَلَاحِ الْمَعِيشَةِ، كَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا، وَإِعَانَةِ الْقُضَاةِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَتَجْهِيزِ الْمَوْتَى غُسْلًا وَتَكْفِينًا وَصَلَاةً وَدَفْنًا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَصْلٌ
مِنَ الْعُلُومِ مَا يَتَعَيَّنُ طَلَبُهُ وَتَعَلُّمُهُ، وَمِنْهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
فَمِنَ الْمُتَعَيَّنِ: مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِإِقَامَةِ مَفْرُوضَاتِ الدِّينِ، كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَشُرُوطَهَا لَا يُمْكِنُهُ إِقَامَتَهَا، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ تَعَلُّمُ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الدَّقَائِقِ وَالْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَعُمُّ بِهَا بَلْوَى، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ، لَزِمَهُ تَعَلُّمُ
ظَوَاهِرِ أَحْكَامِ الزَّكَاةِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَاعٍ يَكْفِيهِ الْأَمْرَ.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ التَّعَلُّمُ بِالسَّاعِي، إِذْ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ السَّاعِي.
وَمَنْ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَتَّجِرُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ التِّجَارَاتِ، وَكَذَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ صَاحِبُ كُلِّ حِرْفَةٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُهُ، وَالْمُرَادُ الْأَحْكَامُ الظَّاهِرَةُ الْغَالِبَةُ دُونَ الْفُرُوعِ النَّادِرَةِ وَالْمَسَائِلِ الدَّقِيقَةِ.
وَأَمَّا فَرْضُ الْكِفَايَةِ، فَالْقِيَامُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: التَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَنْتَهِيَ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ إِلَى حَيْثُ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُنَاكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا يُفْتِي، وَأَنَّ الْمُتَبَحِّرَ فِي مَذْهَبِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ يُفْتِي أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ فِي الْإِقْلِيمِ مُفْتٍ وَاحِدٌ، لِعُسْرِ مُرَاجَعَتِهِ، وَاعْتَبَرَ الْأَصْحَابُ فِيهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَأَمَّا الْعُلُومُ الْعَقْلِيَّةُ، فَمِنْهَا مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، كَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، وَقِسْمَةِ الْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَا يُسْتَبْعَدُ عَدُّ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَإِنَّ الْحِرْفَ وَالصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا فِي مَعَايِشِهِمْ، كَالْفِلَاحَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَالطِّبُّ وَالْحِسَابُ أَوْلَى، وَأَمَّا أُصُولُ الْعَقَائِدِ، فَالِاعْتِقَادُ الْمُسْتَقِيمُ مَعَ التَّصْمِيمِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَأَمَّا الْعِلْمُ الْمُسَمَّى عِلْمَ الْكَلَامِ، فَلَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ، وَلَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَشْتَغِلُونَ بِهِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ بَقِيَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ لَمَا أَوْجَبْنَا التَّشَاغُلَ بِهِ، وَرُبَّمَا نَهَيْنَا عَنْهُ، فَأَمَّا الْيَوْمَ وَقَدْ ثَارَتِ الْبِدَعُ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِهَا
تَلْتَطِمُ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِعْدَادِ مَا يُدْعَى بِهِ إِلَى الْمَسْلَكِ الْحَقِّ، وَتُزَالُ بِهِ الشُّبَهُ، فَصَارَ الِاشْتِغَالُ بِأَدِلَّةِ الْعُقُولِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَرَابَ فِي أَصْلٍ مِنْ أَصُولِ الِاعْتِقَادِ، فَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ فِي إِزَاحَتِهِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ عَقِيدَتُهُ.
قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ تَعَلُّمُ كَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَشِبْهُهُمَا إِلَّا بَعْدَ وُجُوبِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَبَرَ إِلَى دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِتْمَامِ تَعَلُّمِهَا مَعَ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ؟ تَرَدَّدَ فِيهِ الْغَزَالِيُّ، وَالْأَصَحُّ: مَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، كَمَا يَلْزَمُ السَّعْيُ إِلَى الْجُمْعَةِ قَبْلَ الْوَقْتِ لِمَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ، وَإِذَا كَانَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ عَلَى الْفَوْرِ، كَانَ تَعَلُّمُ كَيْفِيَّتِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَالْحَجِّ، فَتَعَلًّمُ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَمَّا عِلْمُ الْقَلْبِ، كَالْحَسَدِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَشِبْهِهَا، فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَعْرِفَةُ حُدُودِهَا وَأَسْبَابِهَا وَطِبِّهَا وَعِلَاجِهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَمْنَ رُزِقَ قَلْبًا سَلِيمًا مِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ الْمُحَرَّمَةِ كَفَاهُ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَسَلَمْ وَتَمَكَّنَ مِنْ تَطْهِيرِ قَلْبِهِ بِغَيْرِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ، وَجَبَ تَطْهِيرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ إِلَّا بِتَعَلُّمٍ، وَجَبَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وُجُوبُ تَعْلِيمِ الصِّغَارِ عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَمِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، مَعْرِفَةُ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْفِقْهِ، وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالتَّصْرِيفِ، وَأَسْمَاءِ الرُّوَاةِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْعِلْمِ مُسْتَحَبٌّ، كَالتَّبَحُّرِ فِي أُصُولِ الْأَدِلَّةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَكَتَعَلُّمِ الْعَامِّيِّ نَوَافِلَ الْعِبَادَاتِ لِغَرَضِ الْعَمَلِ، لَا لِمَا يَقُومُ بِهِ الْمُجْتَهِدُونَ مِنْ تَمْيِيزِ الْفَرْضِ مِنَ النَّفْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ، قَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي الْعِلْمِ عَلَى مَنْ جَمَعَ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَمِمَّنْ يَتَقَلَّدُ الْقَضَاءَ، لَا عَبْدًا وَلَا امْرَأَةً، وَأَنْ يَكُونَ بَلِيدًا، وَأَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ بِأَنْ تَكُونَ لَهُ كِفَايَةٌ، وَيَدْخُلُ الْفَاسِقُ فِي الْفَرْضِ وَلَا
يَسْقُطُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ لِلْمُسْتَفْتِينَ، وَفِي دُخُولِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِلْفَتْوَى دُونَ الْقَضَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ تَعْلِيمَ الطَّالِبِينَ، وَإِفْتَاءَ الْمُسْتَفْتِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ إِلَّا وَاحِدًا وَكَانَ هُنَاكَ جَمَاعَةٌ، وَلَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ إِلَّا بِكُلِّهِمْ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْرُ الْمُفْتِي، هَلْ يَأْثَمُ بِالرَّدِّ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُعَلِّمُ كَذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ الرِّفْقَ بِالْمُتَعَلِّمِ وَالْمُسْتَفْتِي، فَهَذِهِ أَنْوَاعُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَوَرَاءُهَا أَشْيَاءٌ تُسَمَّى عُلُومًا، مِنْهَا: مُحَرَّمٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُبَاحٌ، فَالْمُحَرَّمُ، كَالْفَلْسَفَةِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالتَّنْجِيمِ وَالرَّمْلِ وَعُلُومِ الطَّبَائِعِيِّينَ، وَكَذَا السِّحْرُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَتَتَفَاوَتُ دَرَكَاتُ تَحْرِيمِهِ.
وَالْمَكْرُوهُ: كَأَشْعَارِ الْمُوَلَّدِينَ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْغَزَلِ وَالْبَطَالَةِ.
وَالْمُبَاحُ: كَأَشْعَارِ الْمُوَلَّدِينَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سُخْفٌ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا يُكَرَهُ، وَلَا يُنْشَطُ إِلَى الشَّرِّ أَوْ يُثَبَّطُ عَنِ الْخَيْرِ وَلَا يُحَثُّ عَلَيْهِ، أَوْ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا تَعَطَّلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَثِمَ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَكَذَا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَوْضِعِ يَلِيقُ بِهِ الْبَحْثُ وَالْمُرَاقَبَةُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَيَخْتَلِفُ هَذَا بِكِبَرِ الْبَلَدِ وَصِغَرِهِ، وَقَدْ يَبْلُغُ التَّعَطُّلُ مَبْلَغًا يَنْتَهِي خَبَرُهُ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمُ السَّعْيُ فِي التَّدَارُكِ، وَفِي الصُّورَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِعْرَاضُ وَالْإِهْمَالُ، وَيَجِبُ الْبَحْثُ وَالْمُرَاقَبَةُ عَلَى مَا يَلِيقُ الْحَالَ.
فَرْعٌ
إِذَا قَامَ بِالْفَرْضِ جَمْعٌ لَوْ قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ،
كَانُوا كُلُّهُمْ مُؤَدِّينَ لِلْفَرْضِ، وَلَا مَزِيَّةَ لِلْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، وَإِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ جَمْعٌ، ثُمَّ آخَرُونَ، كَانَتْ صَلَاةُ الْآخَرِينَ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَالْأَوَّلِينَ.
قُلْتُ: لِلْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ «الْغَيَاثِي» : الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمُتَعَيِّنَ، اخْتَصَّ هُوَ بِالْإِثْمِ، وَلَوْ فَعَلَهُ، اخْتَصَّ بِسُقُوطِ الْفَرْضِ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ لَوْ تَرَكَهُ، أَثِمَ الْجَمِيعُ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ لَوْ فَعَلَهُ، سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْجَمِيعِ، وَفَاعِلُهُ سَاعٍ فِي صِيَانَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْمَأْثَمِ، وَلَا يُشَكُّ فِي رُجْحَانِ مَنْ حَلَّ مَحَلَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ فِي الْقِيَامِ بِمُهِمٍّ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي السَّلَامِ فِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: ابْتِدَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَإِنْ سَلَّمَ عَلَى وَاحِدٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَالرَّدُّ فِي حَقِّهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ رَدَّ أَحَدُهُمْ، سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ رَدَّ الْجَمِيعُ، كَانُوا مُؤَدِّينَ لِلْفَرْضِ، سَوَاءٌ رَدُّوا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبِينَ، فَإِنِ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ، أَثِمُوا، وَلَوْ رَدَّ غَيْرُ مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ، لَمْ يَسْقِطِ الْفَرْضُ عَمَّنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ أَيْضًا سُنَّةً عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِذَا لَقِيَ جَمَاعَةٌ آخَرِينَ، فَسَلَّمَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ، كَفَى ذَلِكَ فِي إِقَامَةِ أَصْلِ السُّنَّةِ.
الثَّانِيَةُ: لَا بُدَّ مِنَ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَرَدِّهُ مَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِسْمَاعُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ مُتَّصِلًا بِالسَّلَامِ الِاتِّصَالَ
الْمُشْتَرِطَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْعُقُودِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ نَادَاهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِطٍ أَوْ سِتْرٍ، وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا فُلَانُ، أَوْ كَتَبَ كِتَابًا وَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِيهِ، أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا فَقَالَ: سَلِّمْ عَلَى فُلَانٍ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَالرِّسَالَةُ، لَزِمَهُ الرَّدُّ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى أَصَمٍّ، أَتَى بِاللَّفْظِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالْيَدِ لِيَحْصُلَ الْإِفْهَامُ، فَإِنْ لَمْ يَضُمَّ الْإِشَارَةَ إِلَى اللَّفْظِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَوَابَ، وَكَذَا فِي جَوَابِ سَلَامِ الْأَصَمِّ، يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ، وَسَلَامُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ مُعْتَدٌّ بِهِ، وَكَذَا رَدُّهُ.
الثَّالِثَةُ: صِيغَتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، قَالَ الْإِمَامُ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلَيْكُمُ السَّلَامُ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: عَلَيْكُمُ السَّلَامُ لَيْسَ بِتَسْلِيمٍ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ تَسْلِيمٌ يَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ، وَمِمَّنْ قَالَ أَيْضًا إِنَّهُ تَسْلِيمٌ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ الِابْتِدَاءُ بِهِ، نَصَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي جُرَيٍّ بِضَمِّ الْجِيمِ تَصْغِيرُ جَرْوٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ مُرَاعَاةُ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا خِطَابًا وَلِمَلَائِكَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَتَرَكَ صِيغَةَ الْجَمْعِ، حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ، وَصِيغَةُ الْجَوَابِ، وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، أَوْ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ لِلْوَاحِدِ، فَلَوْ تَرَكَ حَرْفَ الْعَطْفِ فَقَالَ: عَلَيْكُمُ السَّلَامُ، قَالَ الْإِمَامُ: يَكْفِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ جَوَابًا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُدْخِلَ الْوَاوَ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَيْسَ بِجَوَابٍ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ جَوَابٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ الْمُجِيبُ: وَعَلَيْكُمْ، قَالَ الْإِمَامُ: الرَّأْيُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ جَوَابًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلسَّلَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ جَوَابًا لِلْعَطْفِ.
وَلَوْ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ، فَلَيْسَ بِجَوَابٍ قَطْعًا، وَكَمَالُ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَكَمَالُ الرَّدِّ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْأَفْضَلَ فِي الِابْتِدَاءِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَوْ قَالَ الْمُجِيبُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، كَانَ جَوَابًا، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ أَفْضَلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَلَاقَى رَجُلَانِ فَسَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى صَاحِبِهِ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَوَابُ الْآخَرِ، وَلَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ تَرَتَّبَ السِّلَامَانِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
قُلْتُ: قَدْ قَالَهُ أَيْضًا شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، لَكِنْ أَنْكَرَهُ الشَّاشِيُّ فَقَالَ: هَذَا يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ كَانَ جَوَابًا، وَإِنْ كَانَا دُفْعَةً، لَمْ يَكُنْ جَوَابًا، هَذَا كَلَامُ الشَّاشِيِّ، وَتَفْصِيلُهُ حَسَنٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، جَازَ، وَسَقَطَ الْفَرْضُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى جَنَائِزَ صَلَاةً وَاحِدَةً.
الْخَامِسَةُ: السُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى
الْجَالِسِ، وَالطَّائِفَةُ الْقَلِيلَةُ عَلَى الْكَثِيرَةِ، وَلَا يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ الْمَاشِي وَالْجَالِسِ.
قُلْتُ: وَكَذَا لَا يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ الْكَثِيرِينَ بِالسَّلَامِ عَلَى الْقَلِيلِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ السُّنَّةِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، ثُمَّ هَذَا الْأَدَبُ فِيمَا إِذَا تَلَاقَيَا، أَوْ تَلَاقُوا فِي الطَّرِيقِ، فَأَمَّا إِذَا وَرَدَ عَلَى قَاعِدٍ، أَوْ قُعُودٍ، فَإِنَّ الْوَارِدَ يَبْدَأُ، سَوَاءً كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَةُ: يُكْرَهُ أَنْ يَخُصَّ طَائِفَةً مِنَ الْجَمْعِ بِالسَّلَامِ.
السَّابِعَةُ: لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ جَوَابُ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ، لَمْ يَسْقُطِ الْفَرْضُ عَنْهُمْ بِجَوَابِهِ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي، وَقَالَ الشَّاشِيُّ: يَسْقُطُ، كَمَا يَصِحُّ أَذَانُهُ لِلرِّجَالِ وَيَتَأَدَّى بِهِ الشِّعَارُ، وَهَذَا كَالْخِلَافِ فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِصَلَاتِهِ عَلَى الْمَيِّتِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ سَلَّمَ صَبِيٌّ عَلَى بَالِغٍ، فَفِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِهِ.
قُلْتُ: كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الرَّدِّ، قَالَ الشَّاشِيُّ: هَذَا الْبِنَاءُ فَاسِدٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الصِّبْيَانِ سُنَّةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ: سَلَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ، كَسَلَامِ الرِّجَالِ عَلَى الرِّجَالِ، وَلَوْ سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ عَكْسُهُ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ
أَوْ مَحْرَمِيَّةٌ، جَازَ وَوَجَبَ الرَّدُّ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزًا خَارِجَةً عَنْ مَظِنَّةِ الْفِتْنَةِ.
قُلْتُ: وَجَارِيَتُهُ كَزَوْجَتِهِ، وَقَوْلُهُ: جَازَ، نَاقِصٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَسَلَامِ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى شَابَّةٍ، لَمْ يَجُزْ لَهَا الرَّدُّ، وَلَوْ سَلَّمَتْ، كُرِهَ لَهُ الرَّدُّ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ جَمْعًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ الرَّجُلُ، جَازَ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّاسِعَةُ: فِي السَّلَامِ بِالْعَجَمِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، ثَالِثُهَا: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ صِحَّةُ سَلَامِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ إِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ يَفْهَمُهَا، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ أَمْ لَا، وَيَجِبُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى تَحِيَّةً وَسَلَامًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ لَا يَسْتَقِيمُ نُطْقُهُ بِالسَّلَامِ، يُسَلِّمُ كَيْفَ أَمْكَنَهُ.
الْعَاشِرَةُ: فِي اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ عَلَى الْفُسَّاقِ، وَوُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ إِذَا سَلَّمَا، وَجْهَانِ، وَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالسَّلَامِ، فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَبَانَ ذِمِّيًّا، اسْتُحِبَّ أَنْ يَسْتَرِدَّ سَلَامَهُ، بِأَنْ يَقُولَ: اسْتَرْجَعْتُ سَلَامِي، تَحْقِيرًا لَهُ، وَلَهُ أَنْ يُحْيِيَ الذِّمِّيَّ بِغَيْرِ السَّلَامِ، بِأَنْ يَقُولَ: هَدَاكَ اللَّهُ، أَوْ أَنْعَمَ اللَّهُ صَبَاحَكَ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ ذِمِّيٌّ، لَمْ يَزِدْ فِي الرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ: وَعَلَيْكَ.
قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ مِنَ اسْتِحْبَابِ اسْتِرْدَادِ السَّلَامِ مِنَ الذِّمِّيِّ، ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي، وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَقَوْلُهُ: أَنْ يُحْيِيَ الذِّمِّيَّ بِغَيْرِ السَّلَامِ، ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي، وَهَذَا إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ لِعُذْرٍ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَبْتَدِئَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِكْرَامِ أَصْلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ بَسْطٌ
لَهُ وَإِينَاسٌ وَمُلَاطَفَةٌ وَإِظْهَارُ وِدٍّ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِسَلَامٍ إِلَّا لِعُذْرٍ، أَوْ خَوْفًا مِنْ مَفْسَدَةٍ، وَلَوْ مَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ، أَوْ مُسْلِمٌ وَكُفَّارٌ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ وَيَقْصِدَ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْمُسْلِمَ، وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى مُشْرِكٍ، وَكَتَبَ فِيهِ سَلَامًا، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى هِرَقْلَ: «سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: مَا يَعْتَادُهُ النَّاسُ مِنَ السَّلَامِ عِنْدَ الْقِيَامِ وَمُفَارَقَةِ الْقَوْمِ دُعَاءً وَلَيْسَ بِتَحِيَّةٍ، فَيُسْتَحَبُّ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَلَا يَجِبُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي قَالَهُ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ الشَّاشِيُّ، فَقَالَ: هَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ عِنْدَ الِانْصِرَافِ، كَمَا هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْقُدُومِ، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقِّ مِنَ الْآخِرَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ دَارَ نَفْسِهِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِهِ، وَلِمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا أَوْ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
قُلْتُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ دُخُولِهِ، وَيَدْعُو، ثُمَّ يُسَلِّمُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةَ عَشَرَةَ: مَنْ سَلَّمَ فِي حَالٍ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا السَّلَامُ، لَمْ
يَسْتَحِقَّ جَوَابًا، فَمِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَلَا عَلَى مَنْ فِي الْحَمَّامِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْمُتَوَلِّي: لَا يُسَلِّمُ عَلَى مُشْتَغِلٍ بِالْأَكْلِ، وَرَأَى الْإِمَامُ حَمْلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ اللُّقْمَةُ فِي فَمِهِ وَكَانَ يَمْضِي زَمَانٌ فِي الْمَضْغِ وَالِابْتِلَاعِ، وَيَعْسُرُ الْجَوَابُ فِي الْحَالِ، أَمَّا إِذَا سَلَّمَ بَعْدَ الِابْتِلَاعِ وَقَبْلَ وَضْعِ لُقْمَةٍ أُخْرَى، فَلَا يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ، وَأَمَّا الْمُصَلِّي، فَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْمُتَوَلِّي لَكِنْ قَالَ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ لَمْ يَرُدْ عَلَيْهِ حَتَّى يَفْرُغَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِشَارَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَقِيلَ: يَجِبُ الرَّدُّ بِاللَّفْظِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُبِ الرَّدُّ مُطْلَقًا، فَإِنْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ: عَلَيْكُمُ السَّلَامُ، بَطَلَتْ، وَإِنْ قَالَ: عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، لَمْ تَبْطُلْ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَلَا مَنْعَ مِنَ السَّلَامِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي مُسَاوَمَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ.
قُلْتُ: وَمِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَا يُسَلَّمُ فِيهَا حَالَةُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ سَبَقَ فِيهَا، وَأَمَّا الْمُشْتَغِلُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ مِنْ أَصْحَابِنَا: الْأَوْلَى تَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِ، قَالَ: فَإِنْ سَلَّمَ، كَفَاهُ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ، وَإِنْ رَدَّ بِاللَّفْظِ، اسْتَأْنَفَ الِاسْتِعَاذَةِ، ثُمَّ يَقْرَأُ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ الرَّدُّ بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا الْمُلَبِّي فِي الْإِحْرَامِ فَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ، فَإِنْ سَلَّمَ، رَدَّ عَلَيْهِ لَفْظًا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَجِّ، وَلَوْ سَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّ فِيهَا جَوَابًا، هَلْ يَشْرَعُ الرَّدُّ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ، أَمَّا الْمُشْتَغِلُ بِالْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ وَنَحْوِهِمَا، فَيُكْرَهُ لَهُ الرَّدُّ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الِاسْتِطَابَةِ، وَأَمَّا الْأَكْلُ وَمَنْ فِي الْحَمَّامِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّدُّ، وَأَمَّا الْمُصَلِّي، فَيُسَنُّ لَهُ الرَّدُّ إِشَارَةً كَمَا سَبَقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ: التَّحِيَّةُ بِالطَّلْبَقَةِ وَهِيَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاكَ، وَحَنْيُ الظَّهْرِ، وَتَقْبِيلُ الْيَدِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسَلِّمِ بِهَا، وَلَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ الْيَدِ لِزُهْدٍ وَعِلْمٍ وَكِبَرِ سِنٍّ، وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ، وَيُكْرَهُ لِلدَّاخِلِ أَنْ يَطْمَعَ فِي قِيَامِ الْقَوْمِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُكْرِمُوهُ، وَيُسَنُّ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ إِذَا قَالَ الْعَاطِسُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالتَّشْمِيتُ أَنْ يَقُولَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَوْ يَرْحَمُكَ رَبُّكَ، وَيُكَرِّرُ التَّشْمِيتَ إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاسُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَزْكُومٌ، فَيَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ، وَيُسَنُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يُجِيبَ الْمُشَمِّتَ، فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَتُسَنُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَزِيَارَةُ الْقَادِمِ وَمُعَانَقَتُهُ.
قُلْتُ: قَدِ اخْتَصَرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي السَّلَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِيهِ فِي كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» جُمَلًا نَفِيسَةً مُوَضَّحَةً بِدَلَائِلِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَعَ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَضَمَمْتُ إِلَيْهَا مُهِمَّاتٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَا لَا يَسْتَغْنِي رَاغِبٌ فِي الْخَيْرِ عَنْ مَعْرِفَةِ مِثْلِهَا، وَقَدْ خَلَّلْتُ بَعْضَهَا فِيمَا سَبَقَ، وَأَنَا أَرْمُزُ إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْبَاقِي إِنْ - شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْ ذَلِكَ، السُّنَّةُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلَامِ رَفْعًا يَسْمَعُهُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ سَمَاعًا مُحَقَّقًا، وَلَا يَزِيدُ رَفْعُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِمْ، زَادَ فِي الرَّفْعِ وَاسْتَظْهَرَ، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى أَيْقَاظٍ عِنْدَهُمْ نِيَامٌ، خَفَضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْأَيْقَاظَ وَلَا يُوقِظُ النِّيَامَ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْإِشَارَةُ بِالسَّلَامِ بِالْيَدِ وَنَحْوِهَا بِلَا لَفْظٍ خِلَافُ الْأُولَى، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَاللَّفْظِ، فَحَسَنٌ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْسِلَ سَلَامَهُ إِلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ، وَيُلْزِمُ
الرَّسُولَ أَنْ يَبَلِّغَهُ، فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ وَيَجِبُ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْفَوْرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُبْلِغِ أَيْضًا، فَيَقُولُ: وَعَلَيْهِ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهُ وَبَرَكَاتُهُ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ عَلَى قُرْبٍ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَأَكْثَرَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَعَمَلُ الْأُمَّةِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ فَضَعِيفٌ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَلَاقِينَ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ: «أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ تَعَالَى مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» وَلَوْ مَشَى فِي سُوقٍ، أَوْ شَارِعٍ يَطْرُقُ كَثِيرًا، وَنَحْوُهُ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْمُتَلَاقَوْنَ، قَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : إِنَّمَا يُسَلِّمُ هُنَا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْجَمِيعِ، تَعَطَّلَ عَنْ كُلِّ مُهِمٍّ، وَخَرَجَ بِهِ عَنِ الْعُرْفِ، قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ يَعُمُّهُمْ سَلَامٌ، اقْتَصَرَ عَلَى سَلَامٍ وَاحِدٍ عَلَيْهِمْ، وَمَا زَادَ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ، فَهُوَ أَدَبٌ، وَيَكْفِي أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ، فَإِنْ زَادُوا، فَأَفْضَلُ، فَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا لَا يَنْتَشِرُ فِيهِمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ، كَالْجَامِعِ وَالْمَجْلِسِ الْحَفْلِ، فَسُنَّةُ السَّلَامِ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ إِذَا شَاهَدَهُمْ، وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا سُنَّةَ السَّلَامِ فِي حَقِّ مَنْ سَمِعَهُ، وَيَدْخُلُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي الرَّدِّ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ، فَإِنْ جَلَسَ فِيهِمْ، سَقَطَ عَنْهُ سُنَّةُ السَّلَامِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَإِنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُنَّةَ السَّلَامِ حَصَلَتْ بِالسَّلَامِ عَلَى أَوَّلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ أَعَادَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ، كَانَ أَدَبًا، وَالثَّانِي: أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تَحْصُلْ، قَالَ: فَعَلَى الْأَوَّلِ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ عَنِ الْأَوَّلِينَ بَرْدِ وَاحِدٍ مِنَ الْآخِرِينَ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَسْقُطُ، وَلَعَلَّ الثَّانِي أَصَحُّ، وَلَا يَتْرُكُ السَّلَامَ لِكَوْنِهِ يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَأَمَّا التَّحِيَّةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحَمَّامِ بِقَوْلِ: طَابَ
حَمَّامُكَ وَنَحْوِهِ، فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا شَيْءٌ، لَكِنْ لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ حِفْظًا لِوِدِّهِ: أَدَامَ اللَّهُ لَكَ هَذَا النَّعِيمَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا ابْتَدَأَ الْمَارُّ فَقَالَ: صَبَّحَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ، أَوْ بِالسَّعَادَةِ، أَوْ قَوَّاكَ اللَّهُ، أَوْ لَا أَوْحَشَ اللَّهُ مِنْكَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْعُرْفِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابًا، لَكِنْ لَوْ دَعَا لَهُ قُبَالَتَهُ كَانَ حَسَنًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ تَأْدِيبَهُ وَتَأْدِيبَ غَيْرِهِ لِتَخَلُّفِهِ وَإِهْمَالِهِ السَّلَامَ.
وَإِذَا قَصَدَ بَابَ إِنْسَانٍ وَهُوَ مُغْلَقٌ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ يَسْتَأْذِنَ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، أَعَادَ ذَلِكَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، انْصَرَفَ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» خِلَافًا فِي تَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ وَعَكْسِهِ، وَاخْتَارَ مَذْهَبًا ثَالِثًا، فَقَالَ: إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ قَبْلَ دُخُولِهِ، قَدَّمَ السَّلَامَ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ عَيْنُهُ، قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ، وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ، فَقَدْ صَحَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ بِدَقِّ الْبَابِ وَنَحْوِهِ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَلْيَقُلْ: فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ فُلَانٌ الْفُلَانِيُّ، أَوِ الْمَعْرُوفُ بِكَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ تَعْرِيفٌ تَامٌّ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَنَا، أَوِ الْخَادِمُ، أَوِ الْمُحِبُّ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِهِ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ وَإِنْ تَضَمَّنَ تَبْجِيلًا لَهُ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُخَاطَبُ إِلَّا بِهِ، بِأَنْ يُكَنِّيَ نَفْسَهُ، أَوْ يَقُولَ: الْقَاضِي فُلَانٌ، أَوِ الشَّيْخُ فُلَانٌ أَوْ نَحْوُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيُّ: إِذَا قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ إِلَى آخِرِهِ، فَيُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَتِمَاتٍ، فَأَمَّا أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، فَقَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى كَرَاهَتِهِ، وَأَمَّا حَنْيُ الظَّهْرِ فَمَكْرُوهٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا يُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ مَنْ يَفْعَلُهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى عِلْمٍ وَصَلَاحٍ.
وَأَمَّا الْقِيَامُ، فَالَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ وِلَادَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ مَصْحُوبَةٍ بِصِيَانَةٍ، وَيَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَا لِلرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ الْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، وَقَدْ جَمَعْتُ جُزْءًا فِي ذَلِكَ ضَمَّنْتُهُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً وَآثَارًا وَأَفْعَالَ السَّلَفِ وَأَقْوَالَهُمُ الدَّالَّةَ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَأَجَبْتُ عَمَّا خَالَفَهَا، وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُحِبَّ قِيَامَهُمْ لَهُ، فَفِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَقَدْ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ أَوْضَحْتُهَا مَعَ مَعْنَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي جُزْءِ التَّرْخِيصِ فِي الْقِيَامِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسَلِّمِ بِهَا، فَلَا نُوَافِقُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْيَدِ، فَإِنْ كَانَ لِزُهْدِ صَاحِبِ الْيَدِ وَصَلَاحِهِ، أَوْ عِلْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ وَصِيَانَتِهِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، فَمُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ كَانَ لِدُنْيَاهُ وَثَرْوَتِهِ وَشَوْكَتِهِ وَوَجَاهَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَجُوزُ، وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا تَقْبِيلُهُ خَدَّ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَبِنْتِهِ الصَّغِيرَةِ وَسَائِرَ أَطْرَافِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ وَمَحَبَّةِ الْقَرَابَةِ، فَسُنَّةٌ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِيهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَكَذَا قُبْلَةُ وَلَدِ صَدِيقِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ لَا يَشْتَهُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَّا التَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْوَالِدُ وَغَيْرُهُ، بَلِ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِالشَّهْوَةِ حَرَامٌ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهِ الْمَيِّتِ الصَّالِحِ لِلتَّبَرُّكِ.
وَسُنَّ تَقْبِيلُ وَجْهِ صَاحِبِهِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، وَمُعَانَقَتُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِمَا، وَأَمَّا الْمُعَانَقَةُ وَتَقْبِيلُ الْوَجْهِ لِغَيْرِ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، فَمَكْرُوهَانِ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ
فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا، وَأَمَّا الْمُصَافَحَةُ، فَسُنَّةٌ عِنْدَ التَّلَاقِي، سَوَاءٌ فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِيهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنَ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَلَا أَصْلَ لِتَخْصِيصِهِ، لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُصَافَحَةِ، وَقَدْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَى الْمُصَافَحَةِ، وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ، وَيُسْتَحَبُّ مَعَ الْمُصَافَحَةِ الْبَشَاشَةُ بِالْوَجْهِ وَالدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ وَغَيْرِهَا.
وَيُسَنُّ زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ وَالْإِخْوَانِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْأَقَارِبِ وَإِكْرَامُهُمْ وَبِرُّهُمْ وَصِلَتُهُمْ، وَضَبْطُ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ زِيَارَتُهُ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَضُونَهُ وَفِي وَقْتٍ لَا يَكْرَهُونَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ أَخِيهِ الصَّالِحِ أَنْ يَزُورَهُ، وَأَنْ يُكْثِرَ زِيَارَتَهُ إِذَا لَمْ يَشُقَّ، وَأَمَّا الْعَاطِسُ، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ قَالَهُ وَأَسْمَعُ نَفْسَهُ، وَلَوْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، كَانَ أَفْضَلَ، فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَيُسَنُّ بِمَنْ جَاءَهُ الْعُطَاسُ، أَنْ يَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ وَنَحْوَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَخْفِضَ صَوْتَهُ، وَتَشْمِيتُهُ إِلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَإِنْ زَادَ، دَعَا لَهُ بِالشِّفَاءِ، وَلَا يُشَمِّتُهُ حَتَّى يَسْمَعَ تَحْمِيدَهُ، وَأَقَلُّ التَّشْمِيتِ وَجَوَابُهُ أَنْ يَسْمَعَهُ، وَلَوْ قَالَ لَفْظًا آخَرَ غَيْرَ الْحَمْدِ لِلَّهِ، لَمْ يُشَمَّتْ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمَدَ اللَّهَ تَعَالَى، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى، فَلَا تُشَمِّتُوهُ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظُهُ وَإِشَاعَتُهُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَسَاهَلُونَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى، يُسْتَحَبُّ لِمَنْ عِنْدَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ الْحَمْدَ، وَلَوْ سَمِعَ حَمْدَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ، يُشَمِّتُهُ السَّامِعُونَ فَقَطْ، وَلَوْ عَطَسَ يَهُودِيٌّ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، وَلَا يَقُلَّ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَفِيهِ
حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَوْ تَثَاءَبَ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَسَوَاءً كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَيُسْتَحَبُّ إِجَابَةُ مَنْ نَادَاهُ، بِلَبَّيْكَ، وَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ: مَرْحَبًا، وَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَوْ حَفِظَكَ اللَّهُ وَنَحْوُهُمَا، وَيُسَنُّ لِمَنْ أَحَبَّ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ، وَهَذَا الْبَابُ وَاسِعٌ جِدًّا، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ مُقْنِعٌ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ فِي كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» وَفِيهِ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مِثْلِهِ مِنْ أَشْبَاهِهِ، وَإِنَّمَا بَسَطْتُ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ أَحْكَامٌ وَسُنَنٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهَا، وَيَكْثُرُ الْعَمَلُ بِهَا، فَهِيَ أَوْلَى مِنْ نَوَادِرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَقَعُ فِي الْعَادَةِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ التَّوْفِيقَ لِلْخَيِّرَاتِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فِيهِ أَطْرَافٌ الْأَوَّلُ: فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: يُكْرَهُ الْغَزْوُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ أَوِ الْأَمِيرِ الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا يَحْرُمُ، وَإِذَا بَعَثَ سَرِّيَّةً، أَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، وَيَأْمُرُهُمْ بِطَاعَتِهِ، وَيُوصِيهِ بِهِمْ، وَيُسَنُّ أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْعَةَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَأَنْ يَبْعَثَ الطَّلَائِعَ، وَيَتَجَسَّسَ أَخْبَارَ الْكُفَّارِ، وَيُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَأَنْ يَعْقِدَ الرَّايَاتِ، وَيَجْعَلَ كُلَّ فَرِيقٍ تَحْتَ رَايَةٍ، وَيَجْعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شِعَارًا حَتَّى لَا يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بَيَاتًا، وَأَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ بِتَعْيِينِهِ الْحَرْبَ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَهْيَبُ، وَأَنْ يَسْتَنْصِرَ بِالضُّعَفَاءِ، وَأَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ، وَأَنْ يُكِبِّرَ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ، وَأَنْ يُحَرِّضَ النَّاسَ عَلَى الْقِتَالِ وَعَلَى الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ.
الثَّانِيَةُ: لَا يُقَاتِلُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَيَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ، وَيَجُوزَ بَيَاتُهُمْ بِغَيْرِ دُعَاءٍ، ثُمَّ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، يُقَاتَلُونَ، وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ، وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، وَالَّذِينَ تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ يُقَاتَلُونَ حَتَّى يُسْلِمُوا، أَوْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ.
الثَّالِثَةُ: تَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَبِالْمُشْرِكِينَ فِي الْغَزْوِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ الْإِمَامُ حُسَنَ رَأْيِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَيَأْمَنَ خِيَانَتَهُمْ، وَشَرَطَ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ شَرْطًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ بِحَيْثُ لَوْ خَانَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ، وَانْضَمُّوا إِلَى الَّذِينَ يَغْزُوهُمْ، لَأَمْكَنَنَا مُقَاوَمَتُهُمْ جَمِيعًا.
وَفِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، وَتَمُسُّ الْحَاجَةُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ، وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ كَالْمُتَنَافِيَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا قَلُّوا حَتَّى احْتَاجُوا لِمُقَاوَمَةِ فَرْقَةٍ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْأُخْرَى، فَكَيْفَ يُقَاوِمُونَهُمَا؟
قُلْتُ: لَا مُنَافَاةَ، فَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ فِرْقَةً لَا يَكْثُرُ الْعَدِوُّ بِهِمْ كَثْرَةً ظَاهِرَةً، وَشَرَطَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» أَنْ يُخَالِفُوا مُعْتَقَدَ الْعَدِوِّ، كَالْيَهُودِ مَعَ النَّصَارَى، قَالَ: وَإِذَا خَرَجُوا بِشُرُوطِهِ، اجْتَهَدَ الْأَمِيرُ فِيهِمْ، فَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَمِيِزِهِمْ لِيَعْلَمَ نِكَايَتَهُمْ، أَفْرَدَهُمْ فِي جَانِبِ الْجَيْشِ بِحَيْثُ يَرَاهُ أَصْلَحَ، وَإِنْ رَآهَا فِي اخْتِلَاطِهِمْ بِالْجَيْشِ لِئَلَّا تَقْوَى شَوْكَتُهُمْ، فَرَّقَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنْ حَضَرَ الذِّمِّيُّ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَأْجَرَهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ نَهَاهُ عَنِ الْحُضُورِ، فَحَضَرَ،
فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلِلْإِمَامِ تَعْزِيزُهُ إِذَا رَآهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، لَمْ يَرْضَخْ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْعَبْدِ إِذَا أَذِنَ سَيِّدُهُ، وَأَنْ يَسْتَصْحِبَ الْمُرَاهِقِينَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ جَلَادَةٌ وَغَنَاءٌ فِي الْقِتَالِ، وَكَذَا لِمَصْلَحَةِ سَقْيِ الْمَاءِ، وَمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى، وَيَسْتَصْحِبُ النِّسَاءَ لِمِثْلِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ.
وَفِي جَوَازِ إِحْضَارِ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَصِبْيَانِهِمْ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَالْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّانِي: لَا، إِذَا كَانَ لَا قِتَالَ فِيهِمْ وَلَا رَأْيَ وَلَا يُتَبَرَّكُ بِحُضُورِهِمْ.
الْخَامِسَةُ: يَمْنَعُ الْمُخَذِّلَ مِنَ الْخُرُوجِ فِي الْجَيْشِ، فَإِنْ خَرَجَ، رَدَّهُ، فَلَوْ قَاتَلَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَلَوْ قَتَلَ كَافِرًا، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ، وَالْمُخَذِّلُ مَنْ يُخَوِّفُ النَّاسَ، بِأَنْ يَقُولَ: عَدُوُّنَا كَثِيرٌ، وَخُيُولُنَا ضَعِيفَةٌ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمُرْجِفُ وَالْخَائِنُ، فَالْمُرْجِفُ: مَنْ يُكْثِرُ الْأَرَاجِيفَ، بِأَنْ يَقُولَ: قُتِلَتْ سَرِيَّةُ كَذَا، أَوْ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ لِلْعَدُوِّ مِنْ جِهَةِ كَذَا، أَوْ لَهُمْ كَمِينٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا.
وَالْخَائِنُ: مَنْ يَتَجَسَّسُ لَهُمْ، وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى الْعَوْرَاتِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا، أَنَّهُ يُسْهِمُ لِلْمُخَذِّلِ إِذَا لَمْ يَنْهَهُ الْإِمَامُ، وَوَجْهًا أَنَّهُ يَرْضَخُ لَهُ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لَا سَهْمَ وَلَا رَضْخَ مُطْلَقًا.
السَّادِسَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْإِمَامُ وَلَا أَحَدُ الرَّعِيَّةِ مُسْلِمًا لِلْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ، فَمَتَى حَضَرَ الصَّفَّ، تَعِيَّنَ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةٍ عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، وَعَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ، وَيُعْطِيَهُ أُجْرَةً مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لَكِنِ الْإِمَامُ يَرْغَبُ فِي الْجِهَادِ بِبَذْلِ الْأُهْبَةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَيَنَالُ ثَوَابَ الْإِعَانَةِ، وَيَقَعُ الْجِهَادُ عَنِ الْمُبَاشِرِ، وَكَذَا إِذَا بَذَلَ أُهْبَتَهُ وَاحِدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ مِنْ مَالِهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَمَا يُدْفَعُ إِلَى الْمُرْتَزِقَةِ
مِنَ الْفَيْءِ، وَإِلَى الْمُطَّوِّعَةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ حُقُوقُهُمُ الْمُرَتَّبَةَ، وَلَيْسَ أُجْرَةً، وَجِهَادُهُمْ وَاقِعٌ عَنْهُمْ، وَلَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ جَمَاعَةً عَلَى الْخُرُوجِ وَالْجِهَادِ، لَمْ يَسْتَحِقُّوا أُجْرَةً لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ وُقُوعِ الْجِهَادِ عَنْهُمْ، وَامْتِنَاعِ اسْتِئْجَارِهِمْ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَهُمُ الْأُجْرَةُ مِنْ حِينِ أَخْرَجَهُمْ إِلَى أَنْ حَضَرُوا الْوَقْعَةَ.
وَأَطْلَقَ مُطَلِقُونَ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ رَجُلًا، وَأَلْزَمَهُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ، وَاسْتَدْرَكَ الْإِمَامُ فَقَالَ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ، وَلَا فِي بَيْتِ الْمَالِ اتِّسَاعٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ، فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِلَّا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ إِنِ اتَّسَعَ، فَيَسْتَحِقُّ الْمُكْرَهُ الْأُجْرَةَ، وَالتَّفْصِيلَانِ حَسَنَانِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِمَا الْإِطْلَاقَانِ.
وَهَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ اسْتِئْجَارُ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ جَوَّزْنَا اسْتِئْجَارَ الْحُرِّ، فَكَذَا الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ الْكُفَّارُ دَارَ الْمُسْلِمِينَ هَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَبِيدِ الْجِهَادُ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَهُمْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، فَإِذَا وَافَوُا الصَّفَّ، وَقَعَ الْجِهَادُ عَنْهُمْ، فَيَكُونُ اسْتِئْجَارُهُمْ كَالْأَحْرَارِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُمْ، وَإِنْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْعَبِيدَ قَهْرًا، لَزِمَتْ أُجْرَتُهُمْ مِنْ يَوْمِ الْإِخْرَاجِ إِلَى أَنْ يَعُودَ كُلُّ عَبْدٍ إِلَى يَدِ سَيِّدِهِ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، فَكَالْأَحْرَارِ، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ لِلْجِهَادِ بِمَالٍ يَبْذُلُهُ لَهُ، وَهَلْ طَرِيقُهُ الْإِجَارَةُ أَمِ الْجَعَالَةُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: الْجَعَالَةُ، لِجَهَالَةِ الْعَمَلِ، وَأَصَحُّهُمَا: الْإِجَارَةُ، وَتَحْتَمِلُ جَهَالَةَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْقِتَالُ، وَلَوْ كَانَ جَعَالَةً لَجَازَ لِلذِّمِّيِّ الِانْصِرَافُ مَتَى شَاءَ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنَّ يَبْلُغَ بِالْأُجْرَةِ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَكَانَ حَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ الْحُكْمَ بِالِانْفِسَاخِ وَالرَّدِّ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ إِنْ بَانَ زِيَادَةُ الْأُجْرَةِ عَلَى سَهْمٍ، وَإِلَّا فَفِي الِابْتِدَاءِ لَا يُعْلَمُ سَهْمَ الرَّاجِلِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَالصَّحِيحُ
أَنَّهُ لَا حَجْرَ فِي قَدَرِ الْأُجْرَةِ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَهَلْ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ اسْتِئْجَارُ الذِّمِّيِّ لِلْجِهَادِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْآحَادَ لَا يَتَوَلَّوْنَ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ، وَقَدْ يَكُونُ فِي حُضُورِهِ مَفْسَدَةٌ يَعْلَمُهَا الْإِمَامُ دُونَ الْآحَادِ.
فَرْعٌ
لَوْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُمْ أُجْرَةً، فَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا مَجْهُولًا، بِأَنْ قَالَ: نُرْضِيكُمْ، أَوْ نُعْطِيكُمْ مَا تَسْتَعِينُونَ بِهِ، وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ أَخْرَجَهُمْ وَحَمَلَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ كُرْهًا، وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ خَرَجُوا رَاضِينَ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُمْ شَيْئًا، فَهَذَا مَوْضِعُ الرَّضْخِ، وَفِي مَحَلِّهِ أَقْوَالٌ سَبَقَتْ فِي قِسْمِ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا الْأُجْرَةُ الْوَاجِبَةُ، مُسَمَّاةً كَانَتْ أَوْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، فَهَلْ تُؤَدَّى مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا، أَمْ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ، أَمْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا؟ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
فَرْعٌ
لَوْ أَخْرَجَهُمْ قَهْرًا، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُمْ قَبْلَ وُقُوفِهِمْ فِي الصَّفِّ، أَوْ هَرَبُوا وَلَمْ يَقِفُوا، لَمْ يَجِبْ لَهُمْ إِلَّا أُجْرَةُ الذَّهَابِ، وَإِنْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُمْ فِي الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ حِينَئِذٍ كَيْفَ شَاءُوا، وَلَوْ وَقَفَ الْمَقْهُورُونَ وَلَمْ يُقَاتِلُوا، فَهَلْ لَهُمْ أُجْرَةُ مُدَّةِ الْوُقُوفِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ حَبْسٌ وَقَهْرٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَإِلَّا فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ هَلْ تُضْمَنُ بِالْحَبْسِ وَالتَّعْطِيلِ دُونَ الِاسْتِيفَاءِ؟ وَلَوِ اسْتَأْجَرَ الذِّمِّيَّ فَلَمْ يُقَاتِلْ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الْوَجْهَانِ.
السَّابِعَةُ: فِيمَنْ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ مِنَ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ، فَيُكْرَهُ لِلْغَازِي قَتْلُ قَرِيبِهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَرِيبُ مَحْرَمًا ازْدَادَتِ الْكَرَاهَةُ، فَإِنْ سَمِعَ أَبًا، أَوْ قَرِيبًا آخَرَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسُوءٍ، لَمْ يُكْرَهْ قَتْلُهُ، وَيُحَرَّمُ قَتْلُ نِسَاءِ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانِهِمْ وَالْمَجَانِينِ وَالْخُنَاثَى، فَإِنْ قَاتَلُوا، جَازَ قَتْلُهُمْ، وَلَوْ أُسِرَ مِنْهُمْ مُرَاهِقٌ، وَشَكَكْنَا فِي بُلُوغِهِ، كُشِفَتْ عَانَتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَنْبَتَ، حُكِمَ بِبُلُوغِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ صَبِيٌّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ قَوْلَانِ فِي أَنَّ الْإِنْبَاتَ بُلُوغٌ أَمْ دَلِيلُ بُلُوغٍ، فَإِنْ قَالَ الْمَأْسُورُ: اسْتَعْجَلْتُ الشَّعْرَ بِالدَّوَاءِ، فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ بُلُوغٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، بَلْ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: دَلِيلُ الْبُلُوغِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَيُحْكَمُ بِالصِّغَرِ، هَكَذَا نُصَّ عَلَيْهِ وَبِهِ أَخَذَ الْأَصْحَابُ وَذَكَرُوا فِيهِ إِشْكَالَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْيَمِينَ تَعْمَلُ فِي النَّفْيِ وَهَذِهِ لِإِثْبَاتِ الِاسْتِعْجَالِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّا فَعَلْنَاهُ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَقَدْ يُخَالَفُ الْقِيَاسُ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا قَبِلْنَا جِزْيَةَ الْمَجُوسِ دُونَ نِكَاحِهِمْ، وَالثَّانِي: كَيْفَ يَحْلِفُ مَنْ يَدَّعِي الصِّبَا، فَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْيَمِينُ احْتِيَاطٌ أَوِ اسْتِظْهَارٌ لَا وَاجِبَةٌ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا بُدَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الظَّاهِرَ مَوْجُودٌ، فَلَا يُتْرَكُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَجْرِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الشَّعْرُ الْخَشِنُ دُونَ اللِّيِّنِ، وَأَنَّ فِي إِلْحَاقِ شَعْرِ الْإِبِطِ وَالْوَجْهِ الْخَشِنِ بِالْعَانَةِ وَجْهَيْنِ، وَنَبَاتُ الشَّارِبِ كَاللِّحْيَةِ، وَلَا أَثَرَ لِاخْضِرَارِهِ.
الثَّامِنَةُ: فِي جَوَازِ قَتْلِ الرَّاهِبِ، شَيْخًا كَانَ أَوْ شَابًّا، وَالْأَجِيرِ وَالْمُحْتَرِفِ الْمَشْغُولِ بِحِرْفَتِهِ، وَالشَّيْخِ الضَّعِيفِ وَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ، وَمَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ.
وَقِيلَ: يُقْتَلُ الْأَجِيرُ وَالْمُحْتَرِفُ قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ رَأْيٌ يَسْتَعِينُ الْكُفَّارُ بِرَأْيِهِ وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ، قُتِلَ قَطْعًا، ثُمَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ