روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 310-344
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الزَّكَاةِ

صفحات 310-344
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَقِيلَ: لَا يُعْطَيَانِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي الْوَقْفِ، بِاسْمِ الْفَقْرِ، وَلَا يَزُولُ اسْمُ الْفَقْرِ بِقِيَامِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ.
وَفِي الزَّكَاةِ الْحَاجَةُ، وَلَا حَاجَةَ مَعَ تَوَجُّهِ النَّفَقَةِ، فَأَشْبَهَ مَنْ يَكْسِبُ كُلَّ يَوْمٍ كِفَايَتَهُ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا فِي الْفُقَرَاءِ.
وَالْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَرِيبِ إِذَا أَعْطَاهُ غَيْرُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، لِغِنَاهُ بِنَفَقَتِهِ، وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ النَّفَقَةَ، وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ، وَالْغَارِمِ، وَالْغَازِي، وَالْمُكَاتَبِ، إِذَا كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَكَذَا مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فَلَا يُعْطِيهِ، لِأَنَّهُ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ مُؤْنَةَ السَّفَرِ دُونَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَفَرًا وَحَضَرًا، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ، فَالْوَجْهَانِ يَجْرِيَانِ فِي الزَّوْجِ كَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ بِالصَّرْفِ إِلَيْهَا لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ النَّفَقَةَ، بَلْ نَفَقَتُهَا عِوَضٌ لَازِمٌ، غَنِيَّةً كَانَتْ أَمْ فَقِيرَةً، فَصَارَ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ فَقِيرًا، فَلَهُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ مَعَ الْأُجْرَةِ.
فَإِنْ مَنَعْنَا، فَلَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً، فَفِي «التَّهْذِيبِ» . أَنَّهُ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهَا، لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَكْثَرُونَ: الْمَنْعُ، لِأَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى النَّفَقَةِ بِتَرْكِ النُّشُوزِ، فَأَشْبَهَتِ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ.
وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ سَهْمِ الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ قَطْعًا، وَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قُطِعَ فِي «التَّتِمَّةِ» . . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ عَامِلَةً وَلَا غَازِيَةً.
وَأَمَّا سَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ، فَإِنْ سَافَرَتْ مَعَ الزَّوْجِ، لَمْ تُعْطَ مِنْهُ، سَوَاءٌ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ، وَلَا تُعْطَى مُؤْنَةَ السَّفَرِ إِنْ سَافَرَتْ مَعَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: مُؤْنَةُ سَفَرِهَا مَعَهُ إِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، فَهِيَ عَلَيْهِ، فَلَا تُعْطَى،

وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا تُعْطَى الْحَمُولَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: تُعْطَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، وَأَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا، أُعْطِيَتْ مُؤْنَةَ السَّفَرِ فَقَطْ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا، أُعْطِيَتْ جَمِيعَ كِفَايَتِهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ تُعْطَ مِنْهُ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى هَذِهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، بِخِلَافِ النَّاشِزَةِ، لِأَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَالْمُسَافِرَةُ لَا تَقْدِرُ.
فَإِنْ تَرَكَتْ سَفَرَهَا وَعَزَمَتْ عَلَى الْعَوْدِ إِلَيْهِ، أُعْطِيَتْ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ.

الصِّنْفُ الثَّانِي: الْمِسْكِينُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَكْفِيهِ، بِأَنِ احْتَاجَ إِلَى عَشَرَةٍ وَعِنْدَهُ سَبْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ.
وَفِي مَعْنَاهُ، مَنْ يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا، وَلَا يَكْفِي، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الْمَالِ نِصَابًا أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمِسْكِينِ السُّؤَالُ، قَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ عَنِ الْقَدِيمِ اعْتِبَارَهُ.
وَإِذَا عَرَفْتَ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ، عَرَفْتَ أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَكَسَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ.
فَرْعٌ الْمُعْتَبَرُ مِنْ قَوْلِنَا، يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَحَاجَتِهِ، الْمَطْعَمُ، وَالْمَشْرَبُ، وَالْمَلْبَسُ، وَالْمَسْكَنُ، وَسَائِرُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ، مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ لِلشَّخْصِ، وَلِمَنْ هُوَ فِي نَفَقَتِهِ.

فَرْعٌ سُئِلَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ الْقَوِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ، الَّذِينَ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِالتَّكَسُّبِ بِالْبَدَنِ، هَلْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَا سَبَقَ، أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حِرْفَةٌ تَلِيقُ بِهِ.
قُلْتُ: بَقِيَتْ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ.
إِحْدَاهَا: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» : لَوْ كَانَ لَهُ كُتُبُ فِقْهٍ، لَمْ تُخْرِجْهُ عَنِ الْمَسْكَنَةِ، وَلَا تَلْزَمْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
وَحُكْمُ كُتُبِهِ حُكْمُ أَثَاثِ الْبَيْتِ، لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ فِي مُهِمِّ الْحَاجَةِ إِلَى الْكِتَابِ.
فَالْكِتَابُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِثَلَاثَةِ أَغْرَاضٍ، مِنَ التَّعْلِيمِ، وَالتَّفَرُّجِ بِالْمُطَالَعَةِ، وَالِاسْتِفَادَةِ.
فَالتَّفَرُّجُ لَا يُعَدُّ حَاجَةً، كَاقْتِنَاءِ كُتُبِ الشِّعْرِ وَالتَّوَارِيخِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا يُبَاعُ فِي الْكَفَّارَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَيُمْنَعُ اسْمُ الْمَسْكَنَةِ.
وَأَمَّا حَاجَةُ التَّعْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ لِلتَّكَسُّبِ، كَالْمُؤَدِّبِ، وَالْمُدَرِّسِ بِأُجْرَةٍ، فَهَذِهِ آلَتُهُ، فَلَا تُبَاعُ فِي الْفِطْرَةِ كَآلَةِ الْخَيَّاطِ، وَإِنْ كَانَ يَدْرُسُ لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، لَمْ يَبِعْ، وَلَا تَسْلُبْهُ اسْمَ الْمَسْكَنَةِ، لِأَنَّهَا حَاجَةٌ مُهِمَّةٌ.
وَأَمَّا حَاجَةُ الِاسْتِفَادَةِ وَالتَّعْلِيمِ مِنَ الْكِتَابِ، كَادِّخَارِهِ كِتَابَ طِبٍّ لِيُعَالِجَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ كِتَابَ وَعْظٍ لِيُطَالِعَهُ وَيَتَّعِظَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ طَبِيبٌ وَوَاعِظٌ، فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْكِتَابِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ.
ثُمَّ رُبَّمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُطَالَعَتِهِ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُضْبَطَ فَيُقَالُ: مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي السَّنَةِ، فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ.
فَتُقَدَّرُ حَاجَةُ أَثَاثِ الْبَيْتِ وَثِيَابِ الْبَدَنِ بِالسَّنَةِ، فَلَا تُبَاعُ ثِيَابُ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَلَا ثِيَابُ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَالْكُتُبُ بِالثِّيَابِ أَشْبَهُ.
وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ كِتَابٍ نُسْخَتَانِ، فَلَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَإِنْ قَالَ: إِحْدَاهُمَا أَصَحُّ، وَالْأُخْرَى أَحْسَنُ، قُلْنَا: اكْتَفِ بِالْأَصَحِّ، وَبِعِ الْأَحْسَنَ، وَإِنْ كَانَ نُسْخَتَانِ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ، إِحْدَاهُمَا مَبْسُوطَةٌ، وَالْأُخْرَى

وَجِيزَةٌ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الِاسْتِفَادَةَ، فَلْيَكْتَفِ بِالْبَسِيطِ، وَإِنْ كَانَ التَّدْرِيسَ احْتَاجَ إِلَيْهِمَا.
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ، وَهُوَ حَسَنٌ، إِلَّا قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْوَعْظِ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْوَاعِظِ، فَلَيْسَ بِمُخْتَارٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ يَنْتَفِعُ بِالْوَاعِظِ كَانْتِفَاعِهِ فِي خَلْوَتِهِ وَعَلَى حَسَبِ إِرَادَتِهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ يَنْقُصُ دَخْلُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ، فَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ، فَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ تَمَامَهَا، وَلَا يُكَلَّفُ بَيْعَهُ.
ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي «التَّحْرِيرِ» وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَآخَرُونَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الصِّنْفُ الثَّالِثُ: الْعَامِلُ، يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ لِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ، وَيَدْخُلُ فِي اسْمِ الْعَامِلِ، السَّاعِي، فَالْكَاتِبُ، وَالْقَسَّامُ، وَالْحَاشِرُ، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ، وَالْعَرِّيفُ، وَهُوَ كَالنَّقِيبِ لِلْقَبِيلَةِ، وَالْحَاسِبُ وَحَافِظُ الْمَالِ، قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: وَكَذَا الْجُنْدِيُّ، فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَا حَقَّ فِيهَا لِلْإِمَامِ، وَلَا لِوَالِي الْإِقْلِيمِ وَالْقَاضِي، بَلْ رِزْقُهُمْ إِذَا لَمْ يَتَطَوَّعُوا، فِي خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَإِذَا لَمْ تَقَعِ الْكِفَايَةُ بِعَامِلٍ وَاحِدٍ مِنْ سَاعٍ وَكَاتِبٍ وَغَيْرِهِمَا، زِيدَ قَدْرَ الْحَاجَةِ.
وَفِي أُجْرَةِ الْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ، وَعَادِّ الْغَنَمِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ، لِأَنَّهَا لِتَوْفِيَةِ مَا عَلَيْهِ، فَهِيَ كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهَا عَلَى الْبَائِعِ.
قُلْتُ: هَذَا الْخِلَافُ فِي الْكَيَّالِ وَنَحْوِهِ، مِمَّنْ يُمَيِّزُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ.
فَأَمَّا الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ، فَأَجْرَتُهُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا أُجْرَةُ الرَّاعِي وَالْحَافِظِ بَعْدَ قَبْضِهَا، فَهَلْ هِيَ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ، أَوْ فِي جُمْلَةِ الصَّدَقَاتِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «الْمُسْتَظْهِرِيِّ» . أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» . وَأُجْرَةُ النَّاقِلِ وَالْمُخَزِّنِ، فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا مُؤْنَةُ إِحْضَارِ الْمَاشِيَةِ لِيَعُدَّهَا السَّاعِي، فَعَلَى الْمَالِكِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الصِّنْفُ الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ، وَهُمْ ضَرْبَانِ، كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ، فَالْكَفَّارُ قِسْمَانِ، قِسْمٌ يَمِيلُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَرْغَبُونَ فِيهِ بِإِعْطَاءِ مَالٍ، وَقِسْمٌ يُخَافُ شَرُّهُمْ، فَيُتَأَلَّفُونَ

لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، فَلَا يُعْطَى الْقِسْمَانِ مِنَ الزَّكَاةِ قَطْعًا، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَفِي قَوْلِ: يُعْطَوْنَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ.
وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ إِلَّا إِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ.
وَأَمَّا مُؤَلَّفَةُ الْمُسْلِمِينَ فَأَصْنَافٌ، صِنْفٌ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَنِيَّتُهُمْ ضَعِيفَةٌ، فَيَتَأَلَفُونَ لِيَثْبُتُوا، وَآخَرُونَ لَهُمْ شَرَفٌ فِي قَوْمِهِمْ يُطْلَبُ بِتَأَلُّفِهِمْ إِسْلَامُ نُظَرَائِهِمْ، وَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: لَا يُعْطَوْنَ، وَالثَّانِي: يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَالثَّالِثُ: مِنَ الزَّكَاةِ.
وَصِنْفٌ يُرَادُ بِتَأَلُّفِهِمْ أَنْ يُجَاهِدُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، أَوْ مِنْ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَيَقْبِضُوا زَكَاتَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْطَوْنَ قَطْعًا، وَمِنْ أَيْنَ يُعْطَوْنَ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا: مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَالثَّانِي: مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَالثَّالِثُ: مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ.
وَالرَّابِعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَسَهْمِ الْغُزَاةِ، فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا الرَّابِعِ: يُجْمَعُ بَيْنَ السَّهْمَيْنِ لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ إِنْ كَانَ التَّأَلُّفُ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ، فَمِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ، وَإِنْ كَانَ لِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، فَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ، يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ إِنْ شَاءَ مِنْ ذَا السَّهْمِ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا قِيلَ: إِنْ شَاءَ جَمَعَ السَّهْمَيْنِ، وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّ الْمُتَأَلَّفَ لِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَجَمْعِهَا يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ.
وَأَمَّا الْأَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْأَصْنَافِ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَكْثَرُونَ، بَلْ أَرْسَلُوا الْخِلَافَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي طَائِفَةٍ: الْأَظْهَرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ، وَقِيَاسُ هَذَا أَنْ لَا يُعْطَى الصِّنْفَانِ الْآخَرَانِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ أَحَقُّ بِاسْمِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنَ الْآخَرَيْنِ، لِأَنَّ فِي الْآخَرَيْنِ مَعْنَى الْغُزَاةِ وَالْعَامِلِينَ، وَعَلَى هَذَا فَيَسْقُطُ سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ صَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، الرُّويَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ، لَكِنَّ الْمُوَافِقَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ لِسِيَاقِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ، إِثْبَاتُ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَأَنْ يَسْتَحِقَّهُ الصِّنْفَانِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْآخَرَيْنِ أَيْضًا، وَبِهِ أَفْتَى أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ» .

الصِّنْفُ الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ مَا يُعِينُهُمْ عَلَى الْعِتْقِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَا يَفِي بِنُجُومِهِ، وَلَيْسَ لَهُ صَرْفُ زَكَاتِهِ إِلَى مُكَاتَبِ نَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِعَوْدِ الْفَائِدَةِ إِلَيْهِ.
وَجَوَّزَهُ ابْنُ خَيْرَانَ، وَيَشْتَرِطُ كَوْنَ الْكِتَابَةِ صَحِيحَةً، وَيَجُوزُ الصَّرْفُ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وَالْأَحْوَطُ الصَّرْفُ إِلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ.
وَلَا يُجْزِئُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ، لَكِنْ يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَاتَبِ بِقَدْرِ الْمَصْرُوفِ، لِأَنَّ مَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الدَّفْعِ إِلَى السَّيِّدِ أَحْوَطَ وَأَفْضَلَ، هُوَ الَّذِي أَطْلَقَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ الزَّاهِدُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ كَانَ هَذَا الْحَاصِلُ آخِرَ النُّجُومِ، وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالدَّفْعِ إِلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ حَصَلَ دُونَ مَا عَلَيْهِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ دَفْعُهُ إِلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ إِذَا دَفَعَهُ إِلَى الْمُكَاتَبِ، أَتْجَرَ فِيهِ وَنَمَّاهُ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعِتْقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ إِذَا اسْتَغْنَى الْمُكَاتَبُ عَمَّا أَعْطَيْنَاهُ، أَوْ عُتِقَ بِتَبَرُّعِ السَّيِّدِ بِإِعْتَاقِهِ، أَوْ بِإِبْرَائِهِ، أَوْ بِأَدَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ، أَوْ بِأَدَائِهِ هُوَ مِنْ مَالٍ آخَرَ، وَبَقِيَ مَالُ الزَّكَاةِ فِي يَدِهِ، فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ، كَالْفَقِيرِ يَسْتَغْنِي، وَأَصَحُّهُمَا: يُسْتَرَدُّ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْمَدْفُوعِ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الْغَارِمِ إِذَا اسْتَغْنَى عَنِ الْمَأْخُوذِ بِإِبْرَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، غَرِمَهُ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، فَلَا، عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : وَكَذَا لَوْ تَلَفَهُ.
وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ، اسْتُرِدَّ.
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، لَزِمَهُ غُرْمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، أَمْ بِرَقَبَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: بِذِمَّتِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ دَفَعَهُ إِلَى السَّيِّدِ وَعَجَزَ عَنْ بَقِيَّةِ النُّجُومِ، فَفِي الِاسْتِرْدَادِ مِنَ السَّيِّدِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الِاسْتِرْدَادِ مِنَ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ، فَفِي الْغُرْمِ الْخِلَافُ السَّابِقُ أَيْضًا، وَلَوْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ شَخْصًا، لَمْ يُسْتَرَدَّ مِنْهُ، بَلْ يَغْرَمُ السَّيِّدُ إِنْ قُلْنَا بِتَغْرِيمِهِ.
قُلْتُ: وَإِذَا لَمْ يُعْجِزْ نَفْسَهُ وَاسْتَمَرَّ فِي الْكِتَابَةِ، فَتَلِفَ مَا أُخِذَ، وَقَعَ الْمَوْقِعَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَّجِرَ بِمَا أَخَذَهُ طَلَبًا لِلزِّيَادَةِ، وَحُصُولِ الْأَدَاءِ، وَالْغَارِمُ كَالْمُكَاتَبِ.
فَرْعٌ نَقَلَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ لِلْإِمَامِ، أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُنْفِقَ مَا أَخَذَ وَيُؤَدِّيَ النُّجُومَ مِنْ كَسْبِهِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْغَارِمُ كَالْمُكَاتَبِ.
قُلْتُ: قَدْ قَطَعَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يُمْنَعُ مِنْ إِنْفَاقِ مَا أَخَذَ.
وَنَقَلَهُ أَيْضًا صَاحِبُ «الْبَيَانِ» عَنْهُ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا أَقْيَسُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» : لَوِ اقْتَرَضَ مَا أَدَّى بِهِ النُّجُومَ فَعُتِقَ، لَمْ يُصْرَفْ

إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ، وَلَكِنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ، فَقَبِلَ، عُتِقَ، وَيُعْطَى الْأَلْفَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ.

الصِّنْفُ السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ، وَالدُّيُونُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ.
الْأَوَّلُ: دَيْنٌ لَزِمَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، فَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَقْضِي بِهِ بِشُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى قَضَائِهِ مِنْهَا، فَلَوْ وَجَدَ مَا يَقْضِيهِ مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ، فَقَوْلَانِ.
الْقَدِيمُ: يُعْطَى لِلْآيَةِ، وَكَالْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ.
وَالْأَظْهَرُ: الْمَنْعُ، كَالْمُكَاتَبِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ وَجَدَ مَا يَقْضِي بِهِ بَعْضَ الدَّيْنِ، أُعْطِيَ الْبَقِيَّةَ فَقَطْ، فَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، وَلَكِنْ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ بِالِاكْتِسَابِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُعْطَى كَالْفَقِيرِ، وَأَصَحُّهُمَا: يُعْطَى، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ إِلَّا بَعْدَ زَمَنٍ.
وَالْفَقِيرُ يُحَصِّلُ حَاجَتَهُ فِي الْحَالِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الْمُكَاتَبِ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، لَكِنَّهُ كَسُوبٌ.
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَاجَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ، تَقْتَضِي كَوْنَهُ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَرُبَّمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمِفْتَاحِ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمَسْكَنُ، وَالْمَلْبَسُ، وَالْفِرَاشُ، وَالْآنِيَةُ.
وَكَذَا الْخَادِمُ، وَالْمَرْكُوبُ إِنِ اقْتَضَاهُمَا حَالُهُ، بَلْ يُقْضَى دَيْنُهُ وَإِنْ مَلَكَهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يُعْتَبَرُ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ هُنَا، بَلْ لَوْ مَلَكَ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، وَكَانَ لَوْ قَضَى دَيْنَهُ لَنَقَصَ مَالُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ، تُرِكَ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَأُعْطِيَ مَا يَقْضِي بِهِ الْبَاقِيَ، وَهَذَا أَقْرَبُ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ لِنَفَقَةٍ فِي طَاعَةٍ أَوْ مُبَاحٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ، كَالْخَمْرِ، وَالْإِسْرَافِ فِي النَّفَقَةِ، لَمْ يُعْطَ قَبْلَ التَّوْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ تَابَ، فَفِي إِعْطَائِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا فِي «الشَّامِلِ» وَ «التَّهْذِيبِ» : لَا يُعْطَى، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَبِي خَلَفٍ السُّلَمِيِّ وَالرُّويَانِيِّ: يُعْطَى، وَقُطِعَ بِهِ فِي «الْإِفْصَاحِ» وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ.
قُلْتُ: جَزَمَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْأَصَحُّ: الثَّانِي.
وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ غَيْرُ الْمَذْكُورِينَ، الْمُحَامِلِيُّ فِي «الْمُقْنِعِ» وَصَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» ، وَقَطَعَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي «التَّحْرِيرِ» وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَصْحَابُ هُنَا لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ، وَمُضِيِّ مُدَّةٍ بَعْدَ تَوْبَتِهِ يَظْهَرُ فِيهَا صَلَاحُ الْحَالِ، إِلَّا أَنَّ الرُّويَانِيَّ قَالَ: يُعْطَى عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فِي تَوْبَتِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حَالًا، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، فَفِي إِعْطَائِهِ أَوْجُهٌ.
ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْأَجَلُ تِلْكَ السَّنَةَ، أُعْطِيَ، وَإِلَّا، فَلَا يُعْطَى مِنْ صَدَقَاتِ تِلْكَ السَّنَةِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يُعْطَى، وَبِهِ قُطِعَ فِي «الْبَيَانِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا اسْتَدَانَهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَخَافَ فِتْنَةً بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ أَوْ شَخْصَيْنِ، فَيَسْتَدِينُ طَلَبًا لِلْإِصْلَاحِ وَإِسْكَانِ الثَّائِرَةِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي دَمٍ تَنَازَعَ فِيهِ قَبِيلَتَانِ وَلَمْ يَظْهَرِ الْقَاتِلُ، فَتَحَمَّلَ الدِّيَةَ، قُضِيَ دَيْنُهُ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا بِعَقَارٍ قَطْعًا.
وَكَذَا إِنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالْغَنِيُّ بِالْعُرُوضِ، كَالْغَنِيِّ بِالْعَقَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: كَالنَّقْدِ، وَلَوْ تَحَمَّلَ قِيمَةَ مَالٍ مُتْلَفٍ، أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى عَلَى الْأَصَحِّ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا الْتَزَمَهُ بِضَمَانٍ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ مُعَسِرَيْنِ، فَيُعْطَى الضَّامِنُ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُهُ، وَلِأَنَّ الضَّامِنَ إِذَا أَخَذَ وَقَضَى الدَّيْنَ بِالْمَأْخُوذِ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، احْتَاجَ الْإِمَامُ أَنْ يُعْطِيَهُ ثَانِيًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَمْنُوعٌ، بَلْ إِذَا أَعْطَيْنَاهُ لَا يَرْجِعُ، إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ إِذَا غَرِمَ مِنْ عِنْدِهِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ، فَلَا يُعْطَى، لِأَنَّهُ إِذَا غَرِمَ رَجَعَ عَلَى الْأَصِيلِ، وَإِنْ ضَمِنَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَوَجْهَانِ.

الْحَالُ الثَّالِثُ: إِذَا كَانَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ مُوسِرًا، وَالضَّامِنُ مُعْسِرًا، فَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، لَمْ يُعْطَ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ، وَإِلَّا أُعْطِيَ فِي الْأَصَحِّ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ مُعْسِرًا، وَالضَّامِنُ مُوسِرًا، فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الْمَضْمُونُ عَنْهُ، وَفِي الضَّامِنِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يُعْطَى.
فَرْعٌ إِنَّمَا يُعْطَى الْغَارِمُ عِنْدَ بَقَاءِ الدَّيْنِ، فَأَمَّا إِذَا أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ، فَلَا يُعْطَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ غَارِمًا.
وَكَذَا لَوْ بَذَلَ مَالَهُ ابْتِدَاءً فِيهِ، لَمْ يُعْطَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ غَارِمًا.
فَرْعٌ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ: مَا اسْتَدَانَهُ لِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَقِرَى الضَّيْفِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا اسْتَدَانَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُعْطَى هَذَا مَعَ الْغِنَى بِالْعَقَارِ، وَلَا يُعْطَى مَعَ الْغِنَى بِالنَّقْدِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: هَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ.
فَرْعٌ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَى الْغَرِيمِ، بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَدْيُونِ، لَكِنْ يَسْقُطُ مِنَ الدَّيْنِ بِقِيمَةِ قَدْرِ الْمَصْرُوفِ كَمَا سَبَقَ فِي الْمُكَاتَبِ.
وَيَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ بِإِذْنِ الْمَدْيُونِ، وَهُوَ أَوْلَى، إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَافِيًا وَأَرَادَ الْمَدْيُونُ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهِ.

فَرْعٌ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ غَرِمَ وَأَخَذَ الزَّكَاةَ، ثُمَّ بَانَ كَذِبُ الشُّهُودِ، فَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ، الْقَوْلَانِ، فِيمَنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا، فَبَانَ غَنِيًّا، قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ، وَشَرَطَ أَنْ يَقْضِيَهُ ذَلِكَ عَنْ دَيْنِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ قَطْعًا، وَلَا يَصِحُّ قَضَاءُ الدَّيْنِ بِهَا.
قُلْتُ: وَلَوْ نَوَيَا ذَلِكَ وَلَمْ يَشْرُطَاهُ، جَازَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : وَلَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ: ادْفَعْ إِلَيَّ زَكَاتَكَ حَتَّى أَقْضِيَكَ دَيْنَكَ، فَفَعَلَ، أَجْزَأَهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَدْيُونَ دَفْعُهُ إِلَيْهِ عَنْ دَيْنِهِ.
وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: اقْضِ مَا عَلَيْكَ، لِأَرُدَّهُ عَلَيْكَ مِنْ زَكَاتِي، فَفَعَلَ، صَحَّ الْقَضَاءُ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَ الْفَقِيرِ حِنْطَةٌ وَدِيعَةٌ، فَقَالَ: كِلْ لِنَفْسِكَ كَذَا، وَنَوَاهُ زَكَاةً، فَفِي إِجْزَائِهِ عَنِ الزَّكَاةِ وَجْهَانِ.
وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَكِلْهُ.
فَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ ذَلِكَ الْقَدْرِ، فَاشْتَرَاهُ فَقَبَضَهُ، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: خُذْهُ لِنَفْسِكَ، وَنَوَاهُ زَكَاةً، أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَيْلِهِ.
قُلْتُ: ذَكَرَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : أَنَّهُ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا وَفَاءَ لَهُ، فَفِي قَضَائِهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَجْهَانِ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْأَصَحَّ.
وَالْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ: لَا يُقْضَى مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَالَ: جَعَلْتُهُ عَنْ زَكَاتِي، لَا يُجُزِئُهُ عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى يَقْبِضَهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ، وَعَلَى الثَّانِي: يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ كَانَ وَدِيعَةً، حَكَاهُ فِي «الْبَيَانِ» وَلَوْ ضَمِنَ دِيَةَ مَقْتُولٍ عَنْ قَاتِلٍ لَا يُعْرَفُ، أُعْطِيَ مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى

كَمَا سَبَقَ.
وَإِنْ ضَمِنَ عَنْ قَاتِلٍ مَعْرُوفٍ، لَمْ يُعْطَ مَعَ الْغِنَى، كَذَا حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنِ الصَّيْمَرِيِّ، وَفِي هَذَا التَّفْصِيلِ نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الصِّنْفُ السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا رِزْقَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ، وَلَا يُصْرَفُ شَيْءٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْغُزَاةِ الْمُرْتَزِقَةِ، كَمَا لَا يُصْرَفُ شَيْءٌ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْمُطَوِّعَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْإِمَامِ شَيْءٌ لِلْمُرْتَزِقَةِ، وَاحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ يَكْفِيهِمْ شَرَّ الْكُفَّارِ، فَهَلْ يُعْطَى الْمُرْتَزِقَةُ مِنَ الزَّكَاةِ مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا، بَلْ تَجِبُ إِعَانَتُهُمْ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعْطَى الْغَازِي غَنِيًّا كَانَ، أَوْ فَقِيرًا.

الصِّنْفُ الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ، وَهُوَ شَخْصَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَنْ أَنْشَأَ سَفَرًا مِنْ بَلَدِهِ، أَوْ مِنْ بَلَدٍ كَانَ مُقِيمًا بِهِ.
وَالثَّانِي: الْغَرِيبُ الْمُجْتَازُ بِالْبَلَدِ.
فَالْأَوَّلُ: يُعْطَى قَطْعًا، وَكَذَا الثَّانِي عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: إِنْ جَوَّزْنَا نَقْلَ الصَّدَقَةِ، جَازَ الصَّرْفُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِ، فَيُعْطَى مَنْ لَا مَالَ لَهُ أَصْلًا، وَكَذَا مَنْ لَهُ مَالٌ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ مِنْهُ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً، فَيُعْطَى فِي سَفَرِ الطَّاعَةِ قَطْعًا، وَكَذَا فِي الْمُبَاحِ كَالتِّجَارَةِ، وَطَلَبِ الْآبِقِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُعْطَى، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّفَرِ طَاعَةً، فَإِذَا قُلْنَا: يُعْطَى فِي الْمُبَاحِ، فَفِي سَفَرِ النُّزْهَةِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْفُضُولِ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْطَى.

فَصْلٌ

فِي الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ.
فَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ كَافِرًا، وَلَا غَازِيًا مُرْتَزِقًا كَمَا سَبَقَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا قَطْعًا، وَلَا مَوْلَى لَهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَلَوِ اسْتُعْمِلَ هَاشِمِيٌّ أَمْ مُطَّلِبِيٌّ، لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ سَهْمُ الْعَامِلِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا جُعِلَ بَعْضُ الْمُرْتَزِقَةِ عَامِلًا.
وَلَوِ انْقَطَعَ خُمُسُ الْخُمُسِ عَنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ لِخُلُوِّ بَيْتِ الْمَالِ عَنِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، أَوْ لِاسْتِيلَاءِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِمَا، لَمْ يُعْطَوُا الزَّكَاةَ عَلَى الْأَصَحِّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَجَوَّزَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

فَصْلٌ

فِي كَيْفِيَّةِ الصَّرْفِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
فِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: فِيمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي صِفَاتِ الْمُسْتَحِقِّينَ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: مَنْ طَلَبَ الزَّكَاةَ، وَعَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحِقًّا، لَمْ يَجُزِ الصَّرْفُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَهُ، جَازَ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ عَلَى الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ، فَالصِّفَاتُ قِسْمَانِ.
خَفِيَّةٌ وَجَلِيَّةٌ، فَالْخَفِيُّ: الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ، فَلَا يُطَالَبُ مُدَّعِيهُمَا بِبَيِّنَةٍ، لِعُسْرِهِمَا.
لَكِنْ إِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ، فَادَّعَى هَلَاكَهُ، طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ لِسُهُولَتِهَا، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ دَعْوَاهُ الْهَلَاكَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَالسَّرِقَةِ، أَوْ ظَاهِرٍ كَالْحَرِيقِ.
وَإِنْ قَالَ: لِي عِيَالٌ لَا يَفِي كَسْبِي بِكِفَايَتِهِمْ، طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْعِيَالِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: لَا كَسْبَ لِي

وَحَالُهُ تَشْهَدُ بِصِدْقِهِ، بِأَنْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، أَوْ زَمِنًا، أُعْطِيَ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ.
وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا جَلْدًا، أَوْ قَالَ: لَا مَالَ لِي، وَاتَّهَمَهُ الْإِمَامُ، فَهَلْ يَحْلِفُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، فَإِنْ حَلَّفْنَاهُ، فَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ، أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَجْهَانِ.
فَإِنْ نَكَلَ وَقُلْنَا: الْيَمِينُ وَاجِبَةٌ، لَمْ يُعْطَ.
وَإِنْ قُلْنَا: مُسْتَحَبَّةٌ، أُعْطِيَ.
وَأَمَّا الصِّفَةُ الْجَلِيَّةُ، فَضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَتَعَلَّقُ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ بِمَعْنَى فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ الْغَازِي، وَابْنُ السَّبِيلِ، فَيُعْطَيَانِ بِقَوْلِهِمَا بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يُحَقِّقَا الْمَوْعُودَ وَيَخْرُجَا فِي السَّفَرِ، اسْتُرِدَّ مِنْهُمَا.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْجُمْهُورُ لِبَيَانِ الْقَدْرِ الَّذِي يُحْتَمَلُ تَأْخِيرُ الْخُرُوجِ فِيهِ، وَقَدَّرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي «أَمَالِيهِ» بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنِ انْقَضَتْ وَلَمْ يَخْرُجِ اسْتُرِدَّ مِنْهُ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى التَّقْرِيبِ، وَأَنْ يُعْتَبَرَ تَرَصُّدُهُ لِلْخُرُوجِ، وَكَوْنُ التَّأْخِيرِ لِانْتِظَارِ الرُّفْقَةِ وَتَحْصِيلِ أُهْبَةٍ وَغَيْرِهِمَا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: يَتَعَلَّقُ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهِ بِمَعْنَى فِي الْحَالِ، وَتَدْخُلُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْأَصْنَافِ.
فَإِذَا ادَّعَى الْعَامِلُ الْعَمَلَ، طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ لِسُهُولَتِهَا، وَيُطَالَبُ بِهَا الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ.
وَلَوْ صَدَّقَهُمَا الْمَوْلَى، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ، كَفَى عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، لَغَا الْإِقْرَارَ.
وَأَمَّا الْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ، فَإِنْ قَالَ: نِيَّتِي فِي الْإِسْلَامِ ضَعِيفَةٌ، قُبِلَ قَوْلُهُ، لِأَنَّ كَلَامَهُ يُصَدِّقُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا شَرِيفٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ، كَذَا فَصَّلَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ: أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْبَيِّنَةِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ الِاسْتِفَاضَةُ بِاشْتِهَارِ الْحَالِ بَيْنَ النَّاسِ، لِحُصُولِ الْعِلْمِ، أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَيَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مَنِ اعْتَبَارَ غَلَبَةَ الظَّنِّ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَوْ أَخْبَرَ عَنِ الْحَالِ وَاحِدٌ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ، كَفَى.
الثَّانِي: قَالَ الْإِمَامُ: رَأَيْتُ لِلْأَصْحَابِ رَمْزًا إِلَى تَرَدُّدٍ فِي أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْوُثُوقُ بِقَوْلِ مَنْ يَدَّعِي الْغُرْمَ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، هَلْ يَجُوزُ اعْتِمَادُهُ؟

الثَّالِثُ: حَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ سَمَاعُ الْقَاضِي، وَالدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ وَالْإِشْهَادُ، بَلِ الْمُرَادُ إِخْبَارُ عَدْلَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَهُ فِي «الْوَسِيطِ» يُوهِمُ أَنَّ إِلْحَاقَ الِاسْتِفَاضَةِ بِالْبَيِّنَةِ مُخْتَصٌّ بِالْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ، وَلَكِنَّ الْوَجْهَ تَعْمِيمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُطَالَبٍ بِالْبَيِّنَةِ مِنَ الْأَصْنَافِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَدْرِ الْمُعْطَى، فَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ، يُعْطَيَانِ قَدْرَ دَيْنِهِمَا، فَإِنْ قَدَرَا عَلَى بَعْضِهِ، أُعْطِيَا الْبَاقِيَ.
وَالْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ يُعْطَيَانِ مَا تَزُولُ بِهِ حَاجَتُهُمَا، وَتَحْصُلُ كِفَايَتُهُمَا.
وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالنَّوَاحِي، فَالْمُحْتَرِفُ الَّذِي لَا يَجِدُ آلَةَ حِرْفَتِهِ، يُعْطَى مَا يَشْتَرِيهَا بِهِ قَلَّتْ قِيمَتُهَا، أَوْ كَثُرَتْ.
وَالتَّاجِرُ يُعْطَى رَأْسَ مَالٍ لِيَشْتَرِيَ مَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ، وَيَكُونُ قَدْرَ مَا يَفِي رَبِحُهُ بِكِفَايَتِهِ غَالِبًا، وَأَوْضَحُوهُ بِالْمِثَالِ فَقَالُوا: الْبَقْلِيُّ يَكْتَفِي بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَالْبَاقِلَّانِيُّ بِعَشَرَةٍ، وَالْفَاكِهِيُّ بِعِشْرِينَ، وَالْخَبَّازُ بِخَمْسِينَ، وَالْبَقَّالُ بِمِائَةٍ، وَالْعَطَّارُ بِأَلْفٍ، وَالْبَزَّازُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَالصَّيْرَفِيُّ بِخَمْسَةِ آلَافٍ، وَالْجَوْهَرِيُّ بِعَشَرَةِ آلَافٍ.
فَرْعٌ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْكَسْبَ بِحِرْفَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَآخَرُونَ: يُعْطَى كِفَايَةَ الْعُمُرِ الْغَالِبِ.
وَقَالَ آخَرُونَ، مِنْهُمُ الْغَزَالَيُّ وَالْبَغَوِيُّ: يُعْطَى كِفَايَةَ سَنَةٍ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ.
قُلْتُ: وَمِمَّنْ قَطَعَ بِالْمَسْأَلَةِ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» ، وَالرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذَا قُلْنَا: يُعْطَى كِفَايَةَ الْعُمُرِ، فَكَيْفَ طَرِيقُهُ؟ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ وَغَيْرِهِ: يُعْطَى مَا يَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّ مِنْهُ كِفَايَتَهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْعِرُ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ يُعْطَى مَا يُنْفِقُ عَيْنَهُ فِي حَاجَاتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
فَرْعٌ وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ، فَيُعْطَى مَا يُبْلِغُهُ مَقْصِدَهُ، أَوْ مَوْضِعَ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ مَالٌ، فَيُعْطَى النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِمَا بِحَسَبِ الْحَالِ شِتَاءً وَصَيْفًا، وَيُهَيَّأُ لَهُ الْمَرْكُوبُ إِنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا وَالرَّجُلُ ضَعِيفًا لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ.
وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا، أَوِ الرَّجُلُ قَوِيًّا، لَمْ يُعْطَ، وَيُعْطَى مَا يَنْقُلُ زَادَهُ وَمَتَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يَعْتَادُ مِثْلَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي «الْأَمَالِي» : إِنْ كَانَ ضَاقَ الْمَالُ، أُعْطِيَ كِرَاءَ الْمَرْكُوبِ.
وَإِنِ اتَّسَعَ، اشْتُرِيَ لَهُ مَرْكُوبٌ.
فَإِذَا تَمَّ سَفَرُهُ، اسْتُرِدَّ مِنْهُ الْمَرْكُوبُ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ.
ثُمَّ كَمَا يُعْطَى لِذَهَابِهِ، يُعْطَى لِإِيَابِهِ إِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ وَلَا مَالَ لَهُ فِي مَقْصِدِهِ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يُعْطَى لِلرُّجُوعِ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ، لِأَنَّهُ سَفَرٌ آخَرُ، وَإِنَّمَا يُعْطَى إِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى عَزْمٍ أَنَّهُ يَصِلُ الرُّجُوعَ بِالذَّهَابِ، أُعْطِيَ لِلرُّجُوعِ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يُقِيمَ هُنَاكَ مُدَّةً، لَمْ يُعْطَ، وَلَا يُعْطَى لِمُدَّةِ الْإِقَامَةِ إِلَّا مُدَّةَ إِقَامَةِ الْمُسَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْغَازِي، حَيْثُ يُعْطَى لِلْمُقَامِ فِي الثَّغْرِ وَإِنْ طَالَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتَوَقُّعِ فَتْحِ الْحِصْنِ، وَإِنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْهُ الِاسْمُ لِطُولِ الْمُقَامِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» ، أَنَّهُ إِنْ أَقَامَ لِحَاجَةٍ يَتَوَقَّعُ زَوَالَهَا، أُعْطِيَ وَإِنْ زَادَتْ إِقَامَتُهُ عَلَى إِقَامَةِ الْمُسَافِرِينَ.

فَرْعٌ هَلْ يُدْفَعُ إِلَى ابْنِ السَّبِيلِ جَمِيعُ كِفَايَتِهِ، أَوْ مَا زَادَ بِسَبَبِ السَّفَرِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ وَأَمَّا الْغَازِي، فَيُعْطَى النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ مُدَّةَ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، وَمُدَّةَ الْمُقَامِ فِي الثَّغْرِ وَإِنْ طَالَ.
وَهَلْ يُعْطَى جَمِيعَ الْمُؤْنَةِ، أَمْ مَا زَادَ بِسَبَبِ السَّفَرِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ كَابْنِ السَّبِيلِ، وَيُعْطَى مَا يَشْتَرِي بِهِ الْفَرَسَ إِنْ كَانَ يُقَاتِلُ فَارِسًا، وَمَا يَشْتَرِي بِهِ السِّلَاحَ وَآلَاتِ الْقِتَالِ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ لَهُ الْفَرَسُ وَالسِّلَاحُ.
وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ.
وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ رَاجِلًا، فَلَا يُعْطَى لِشِرَاءِ الْفَرَسِ.
وَأَمَّا مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَيَرْكَبُهُ فِي الطَّرِيقِ، فَكَابْنِ السَّبِيلِ.
فَرْعٌ إِنَّمَا يُعْطَى الْغَازِي إِذَا حَضَرَ وَقْتُ الْخُرُوجِ، لِيُهَيِّئَ بِهِ أَسْبَابَ سَفَرِهِ.
فَإِنْ أَخَذَ وَلَمْ يَخْرُجْ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُسْتَرَدُّ.
فَإِنْ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ، أَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْغَزْوِ، اسْتُرِدَّ مَا بَقِيَ، وَإِنْ غَزَا فَرَجَعَ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يُقَتِّرْ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ الْبَاقِي شَيْئًا صَالِحًا، رَدَّهُ.
وَإِنْ قَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ لَمْ يُقَتِّرْ، إِلَّا أَنَّ الْبَاقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، لَمْ يُسْتَرَدَّ قَطْعًا.
وَفِي مِثْلِهِ فِي ابْنِ السَّبِيلِ، يُسْتَرَدُّ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّا دَفَعْنَا إِلَى الْغَازِي لِحَاجَتِنَا، وَهِيَ أَنْ يَغْزُوَ وَقَدْ فَعَلَ، وَفِي ابْنِ السَّبِيلِ يُدْفَعُ لِحَاجَتِهِ وَقَدْ زَالَتْ.

فَرْعٌ فِي بَعْضِ شُرُوحِ «الْمِفْتَاحِ» : أَنَّهُ يُعْطَى الْغَازِي نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ عِيَالِهِ ذَهَابًا وَمَقَامًا وَرُجُوعًا.
وَسَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْ نَفَقَةِ الْعِيَالِ، لَكِنَّ أَخْذَهَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ.
فَرْعٌ لِلْإِمَامِ الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ دَفَعَ الْفَرَسَ وَالسِّلَاحَ إِلَى الْغَازِي تَمْلِيكًا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَأْجَرَ لَهُ مَرْكُوبًا، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى خَيْلًا مِنْ هَذَا السَّهْمِ وَوَقَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُعِيرُهُمْ إِيَّاهَا وَقْتَ الْحَاجَةِ، فَإِذَا انْقَضَتِ اسْتُرِدَّ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُمُ الْفَرَسَ وَالسِّلَاحَ قَبْلَ وُصُولِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ.
فَرْعٌ وَأَمَّا الْمُؤَلَّفُ، فَيُعْطَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ.
قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: يَجْعَلُهُ عَلَى قَدْرِ كُلْفَتِهِمْ وَكِفَايَتِهِمْ.
فَرْعٌ وَأَمَّا الْعَامِلُ، فَاسْتِحْقَاقُهُ بِالْعَمَلِ، حَتَّى لَوْ حَمَلَ صَاحِبُ الْأَمْوَالِ زَكَاتَهُمْ إِلَى الْإِمَامِ، أَوْ إِلَى الْبَلَدِ قَبْلَ قُدُومِ الْعَامِلِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، كَمَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِعَمَلِهِ.
فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ بَعَثَهُ بِلَا شَرْطٍ ثُمَّ أَعْطَاهُ أُجْرَةً مِثْلَ عَمَلِهِ، وَإِنْ شَاءَ سَمَّى لَهُ قَدْرَ

أُجْرَتِهِ إِجَارَةً أَوْ جَعَالَةً، وَيُؤَدِّيهِ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَلَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
فَإِنْ زَادَ، فَهَلْ تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، أَمْ يَكُونُ قَدْرُ الْأُجْرَةِ مِنَ الزَّكَاةِ وَالزَّائِدُ فِي خَالِصِ مَالِ الْإِمَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ زَادَ سَهْمُ الْعَامِلِينَ عَلَى أُجْرَتِهِ، رُدَّ الْفَاضِلُ عَلَى سَائِرِ الْأَصْنَافِ.
وَإِنْ نَقَصَ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُكَمَّلُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ ثُمَّ يُقَسَّمُ.
وَفِي قَوْلِ: مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الْمَصْلِحَةِ، وَقِيلَ: إِنْ بَدَأَ بِالْعَامِلِ كَمَّلَهُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْخُمُسِ لِعُسْرِ الِاسْتِرْدَادِ مِنَ الْأَصْنَافِ.
وَقِيلَ: إِنْ فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْأَصْنَافِ، فَمِنَ الزَّكَاةِ، وَإِلَّا، فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَالْخِلَافُ فِي جَوَازِ التَّكْمِيلِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّكْمِيلِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مُطْلَقًا، بَلْ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَ أُجْرَةَ الْعَامِلِ كُلَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، جَازَ، وَيُقَسِّمُ الزَّكَاةَ عَلَى سَائِرِ الْأَصْنَافِ.
فَرْعٌ إِذَا اجْتَمَعَ فِي شَخْصٍ صِفَتَانِ، فَهَلْ يُعْطَى بِهِمَا، أَمْ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ؟ فِيهِ طُرُقٌ.
أَصَحُّهَا: عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا: بِإِحْدَاهُمَا، فَيَأْخُذُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِهَذَا.
وَالثَّالِثُ: إِنِ اتَّحَدَ جِنْسُ الصِّفَتَيْنِ، أُعْطِيَ بِإِحْدَاهُمَا، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِيهِمَا، فَيُعْطَى بِهِمَا.
فَالِاتِّحَادُ، كَالْفَقْرِ مَعَ الْغُرْمِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُمَا يَأْخُذَانِ لِحَاجَتِهِمَا إِلَيْنَا.
وَكَالْغُرْمِ لِلْإِصْلَاحِ مَعَ الْغَزْوِ، فَإِنَّهُمَا لِحَاجَتِنَا إِلَيْهِمَا.
وَالِاخْتِلَافُ، كَالْفَقْرِ وَالْغَزْوِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَكَانَ الْعَامِلُ فَقِيرًا، فَوَجْهَانِ.
بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ، أَمْ صَدَقَةٌ لِكَوْنِهِ مَعْدُودًا فِي الْأَصْنَافِ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَإِذَا جَوَّزْنَا الْإِعْطَاءَ بِمَعْنَيَيْنِ، جَازَ بِمَعَانٍ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْحَنَّاطِيِّ.

قُلْتُ: قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ: إِذَا قُلْنَا: لَا يُعْطَى إِلَّا بِسَبَبٍ، فَأَخَذَ بِالْفَقْرِ، كَانَ لِغَرِيمِهِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِدَيْنِهِ، فَيَأْخُذُ مَا حَصَلَ لَهُ.
وَكَذَا إِنْ أَخَذَهُ بِكَوْنِهِ غَارِمًا، فَإِذَا بَقِيَ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْهُ فَقِيرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعْطَائِهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ، لِأَنَّهُ الْآنَ مُحْتَاجٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ فَرَّقَ بِنَفْسِهِ، أَوْ فَرَّقَ الْإِمَامُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ عَامِلٌ، فَرَّقَ عَلَى السَّبْعَةِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ إِذَا فَرَّقَ بِنَفْسِهِ، سَقَطَ أَيْضًا نَصِيبُ الْمُؤَلَّفَةِ.
وَالْمَشْهُورُ: مَا سَبَقَ.
وَمَتَّى فُقِدَ صِنْفٌ فَأَكْثَرُ، قُسِّمَ الْمَالُ عَلَى الْبَاقِينَ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنَ الْأَصْنَافِ، حُفِظَتِ الزَّكَاةُ حَتَّى يُوجَدُوا، أَوْ يُوجَدَ بَعْضُهُمْ.
وَإِذَا قَسَّمَ الْإِمَامُ، لَزِمَهُ اسْتِيعَابُ آحَادِ كُلِّ صِنْفٍ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهِمْ، لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَوْعِبُهُمْ بِزَكَاةِ كُلِّ شَخْصٍ، بَلْ يَسْتَوْعِبُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ الْمُخْتَلِطَةِ فِي يَدِهِ، وَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَالِ، وَآخَرِينَ بِنَوْعٍ.
وَإِنْ قَسَّمَ الْمَالِكُ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِيعَابُ، بِأَنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ مَحْصُورِينَ يَفِي بِهِمُ الْمَالُ، فَقَدْ أُطْلِقَ فِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ يَجِبُ إِنْ جَوَّزْنَا نَقْلَ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهُ لَمْ يَجِبْ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، سَقَطَ الْوُجُوبُ وَالِاسْتِحْبَابُ، وَلَكِنْ لَا يَنْقُصُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَفْظِ الْجَمْعِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ عَنْ ثَلَاثَةٍ، إِلَّا الْعَامِلَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَهَلْ يُكْتَفَى فِي ابْنِ السَّبِيلِ بِوَاحِدٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، كَالْفُقَرَاءِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَبْعُدُ طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْغُزَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) [التَّوْبَةِ: 60] بِغَيْرِ لَفْظِ الْجَمْعِ.
فَلَوْ صَرَفَ مَا عَلَيْهِ إِلَى اثْنَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الثَّالِثِ، غَرِمَ لِلثَّالِثِ.
وَفِي قَدْرِهِ قَوْلَانِ.
الْمَنْصُوصُ فِي الزَّكَاةِ: أَنَّهُ يَغْرَمُ ثُلُثَ نَصِيبِ ذَلِكَ الصِّنْفِ.
وَالْقِيَاسُ: أَنَّهُ يَغْرَمُ قَدْرًا لَوْ أَعْطَاهُ فِي الِابْتِدَاءِ، أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ الَّذِي فَرَّطَ فِيهِ،

وَلَوْ صَرَفَهُ إِلَى وَاحِدٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَلْزَمُهُ الثُّلُثَانِ، وَعَلَى الثَّانِي: أَقَلُّ مَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَيْهِمَا.
قُلْتُ: هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الْأَقْيَسَ هُوَ الثَّانِي، ثُمَّ الْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْقَوْلَيْنِ هَكَذَا.
قَالَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» : إِذَا قُلْنَا: يَضْمَنُ الثُّلُثَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ إِذَا كَانُوا سَوُّوا فِي الْحَاجَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ حَاجَةُ هَذَا الثَّالِثِ حِينَ اسْتَحَقَّ التَّفْرِقَةَ مِثْلَ حَاجَةِ الْآخَرِينَ جَمِيعًا.
ضَمِنَ لَهُ نِصْفَ السَّهْمِ لِيَكُونَ مَعَهُ مِثْلُهُمَا، لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّفْرِقَةُ عَلَى قَدْرِ حَوَائِجِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا فَرْقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا دُونَ الثَّلَاثَةِ مِنْ صِنْفٍ، يَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَمُرَادُهُ: إِذَا كَانَ الثَّلَاثَةُ مُتَعَيِّنِينَ، أَعْطَى مَنْ وُجِدَ.
وَهَلْ يُصْرَفُ بَاقِي السَّهْمِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا، أَمْ يُنْقَلُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ بَعْضُ الْأَصْنَافِ فِي الْبَلَدِ.
وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، أَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهِ.
وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ، وَنَقَلَهُ هُوَ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَدَلِيلُهُ ظَاهِرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ وَاجِبَةٌ.
وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ أَشَدَّ، إِلَّا أَنَّ الْعَامِلَ لَا يُزَادُ عَلَى أُجْرَةِ عَمَلِهِ كَمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ، سَوَاءٌ اسْتُوعِبُوا أَوِ اقْتُصِرَ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَلَا يَجِبُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ.
هَذَا إِذَا قَسَّمَ الْمَالِكُ.
قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : فَأَمَّا إِنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ، فَلَا يَجُوزُ تَفْضِيلُ

بَعْضِهِمْ عِنْدَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ، فَتَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ، وَالْمَالِكُ لَا تَعْمِيمَ عَلَيْهِ، فَلَا تَسْوِيَةَ.
قُلْتُ: هَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي فِي «التَّتِمَّةِ» وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا فِي الدَّلِيلِ، فَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابُ التَّسْوِيَةِ.
وَحَيْثُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ مِنَ الْمُقِيمِينَ بِالْبَلَدِ وَالْغُرَبَاءِ، وَلَكِنِ الْمُسْتَوْطِنُونَ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُمْ جِيرَانُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ إِذَا عُدِمَ فِي بَلَدٍ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ، وَجَبَ نَقْلُ الزَّكَاةِ إِلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ.
فَإِنْ نُقِلَ إِلَى أَبْعَدَ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَقْلِ الزَّكَاةِ.
وَإِنْ عُدِمَ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ، سَقَطَ سَهْمُهُ.
وَإِنْ عُدِمَ غَيْرُهُ، فَإِنْ جَوَّزْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ، نُقِلَ نَصِيبُ الْبَاقِي، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُنْقَلُ.
وَأَصَحُّهُمَا: يُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ.
فَإِنْ قُلْنَا: يُنْقَلُ، نُقِلَ إِلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ.
فَإِنْ نُقِلَ إِلَى غَيْرِهِ، أَوْ لَمْ يُنْقَلْ، وَرَدَّهُ عَلَى الْبَاقِي، ضَمِنَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُنْقَلُ فَنُقِلَ، ضَمِنَ.
وَلَوْ وَجَدَ الْأَصْنَافُ فَقَسَّمَ، فَنَقَصَ سَهْمُ بَعْضِهِمْ عَنِ الْكِفَايَةِ، وَزَادَ سَهْمُ بَعْضِهِمْ عَلَيْهَا، فَهَلْ يُصَرَفُ مَا زَادَ إِلَى مَنْ نَقَصَ نَصِيبُهُ، أَمْ يُنْقَلُ إِلَى ذَلِكَ الصِّنْفِ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ.
وَإِذَا قُلْنَا: يُرَدُّ عَلَى مَنْ نَقَصَ سَهْمُهُمْ، رُدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ.
فَإِنِ اسْتَغْنَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ الْمَرْدُودِ، قُسِّمَ الْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرِينَ بِالسَّوِيَّةِ.
وَلَوْ زَادَ نَصِيبُ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ عَلَى الْكِفَايَةِ، أَوْ نَصِيبُ بَعْضِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصْ نَصِيبُ الْآخَرِينَ، نُقِلَ مَا زَادَ إِلَى ذَلِكَ الصِّنْفِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي جَوَازِ نَقْلِ الصَّدَقَةِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي بَلَدِهِ خِلَافٌ.
وَتَفْصِيلُ الْمَذْهَبِ فِيهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّقْلُ، وَلَا تَسْقُطُ

بِهِ الزَّكَاةُ، وَسَوَاءً كَانَ النَّقْلُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ دُونَهَا، فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يُفْتَى بِهِ.
وَتَفْصِيلُهُ، أَنَّ فِي النَّقْلِ قَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْمَنْعُ.
وَفِي الْمُرَادِ بِهِمَا، طُرُقٌ.
أَصَحُّهَا: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا فِي التَّحْرِيمِ وَالسُّقُوطِ مَعًا، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا فِي التَّحْرِيمِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَسْقُطُ.
ثُمَّ قِيلَ: هُمَا فِي النَّقْلِ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ نُقِلَ إِلَى دُونِهَا، جَازَ، وَالْأَصَحُّ: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ.
قُلْتُ: وَإِذَا مَنَعْنَا النَّقْلَ، وَلَمْ نَعْتَبِرْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَسَوَاءٌ نُقِلَ إِلَى قَرْيَةٍ بِقُرْبِ الْبَلَدِ، أَمْ بَعِيدَةٍ.
صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ إِذَا أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَسَائِرِ الْأَصْنَافِ، أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، أَوْ نَذْرٌ، فَالْمَذْهَبُ فِي الْجَمِيعِ جَوَازُ النَّقْلِ، لِأَنَّ الْأَطْمَاعَ لَا تَمْتَدُّ إِلَيْهَا امْتِدَادَهَا لِلزَّكَاةِ.
فَرْعٌ صَدَقَةُ الْفِطْرِ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ فِي جَوَازِ النَّقْلِ وَمَنْعِهِ، وَفِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ، فَإِنْ شَقَّتِ الْقِسْمَةُ، جَمَعَ جَمَاعَةٌ فِطْرَتَهُمْ ثُمَّ قَسَّمُوهَا.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَيُرْوَى: مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَيُرْوَى: مِنْ أَيِّ صِنْفٍ اتَّفَقَ.
وَاخْتَارَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، جَوَازَ الصَّرْفِ إِلَى وَاحِدٍ.
قُلْتُ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ أَوْ جَمَاهِيرُهُمْ: عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الْإِصْطَخْرِيِّ، جَوَازُ الصَّرْفِ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ.
قَالَ أَكْثَرُهُمْ: وَكَذَلِكَ يَجُوزُ

عِنْدَهُ الصَّرْفُ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ.
وَصَرَّحَ الْمُحَامِلِيُّ وَالْمُتَوَلِّي: بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الصَّرْفُ إِلَى غَيْرِ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ، وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ صَرْفَهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ.
وَحُكِيَ اخْتِيَارُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ حَيْثُ جَازَ النَّقْلُ أَوْ وَجَبَ، فَمُؤْنَتُهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي أُجْرَةِ الْكَيَّالِ.
فَرْعٌ الْخِلَافُ فِي جَوَازِ النَّقْلِ وَتَفْرِيعِهِ، ظَاهِرٌ فِيمَا إِذَا فَرَّقَ رَبُّ الْمَالِ زَكَاتَهُ.
أَمَّا إِذَا فَرَّقَ الْإِمَامُ، فَرُبَّمَا اقْتَضَى كَلَامُ الْأَصْحَابِ طَرْدَ الْخِلَافِ فِيهِ، وَرُبَّمَا دَلَّ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ لَهُ، وَالتَّفْرِقَةُ كَيْفَ شَاءَ، وَهَذَا أَشْبَهُ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَالْأَصْحَابُ: يَجِبُ عَلَى السَّاعِي نَقْلُ الصَّدَقَةِ إِلَى الْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي تَفْرِيقِهَا، وَهَذَا نَقْلٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لَوْ كَانَ الْمَالُ بِبَلَدٍ، وَالْمَالِكُ بِبَلَدٍ، فَالِاعْتِبَارُ بِبَلَدِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ سَبَبُ الْوُجُوبِ، وَيَمْتَدُّ إِلَيْهِ نَظَرُ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَيُصْرَفُ الْعُشْرُ إِلَى فُقَرَاءِ بَلَدِ الْأَرْضِ، حَتَّى حَصُلَ

مِنْهَا الْمَعْشَرُ، وَزَكَاةَ النَّقْدَيْنِ وَالْمَوَاشِي وَالتِّجَارَةِ إِلَى فُقَرَاءِ الْبَلَدِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ حَوْلُهَا، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ فِي بَادِيَةٍ، صُرِفَ إِلَى فُقَرَاءِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: وَلَوْ كَانَ تَاجِرًا مُسَافِرًا، صَرَفَهَا حَيْثُ حَالَ الْحَوْلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ مَالُهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ، قُسِّمَ زَكَاةُ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ مَالٍ بِبَلَدِهَا، مَا لَمْ يَقَعْ تَشْقِيصٌ، فَإِنْ وَقَعَ، بِأَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ، عِشْرِينَ بِبَلَدٍ، وَعِشْرِينَ بِآخَرَ، فَأَدَّى شَاةً فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَرِهْتُهُ، وَأَجْزَأَهُ.
وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ.
سَوَاءٌ جَوَّزْنَا نَقْلَ الصَّدَقَةِ، أَمْ لَا.
وَقَالَ أَبُو حَفْصِ ابْنُ الْوَكِيلِ: هَذَا جَائِزٌ، إِنْ جَوَّزْنَا نَقْلَ الصَّدَقَةِ، وَإِلَّا فَيُؤَدِّي فِي كُلِّ بَلَدٍ نِصْفَ شَاةٍ.
وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ.
وَعَلَّلُوهُ بِعِلَّتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ لَهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مَالًا، فَيُخْرِجُ فِيهَا شَاةً مِنْهَا، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْوَاجِبَ شَاةٌ، فَلَا تَشْقِيصَ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا، مَا لَوْ مَلَكَ مِائَةً بِبَلَدٍ، وَمِائَةً بِبَلَدٍ آخَرَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَهُ إِخْرَاجُ الشَّاتَيْنِ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَأَمَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ، إِذَا كَانَ مَالُهُ بِبَلَدٍ، وَهُوَ بِآخَرَ، فَأَيُّهُمَا يُعْتَبَرُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: بِبَلَدِ الْمَالِكِ.
قُلْتُ: وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ وَهُوَ بِبَلَدٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِبَلَدِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ.
وَقَالَ فِي «الْبَيَانِ» : الَّذِي يَقْتَضِي الْمَذْهَبَ، أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً، أَمْ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ فَتُصْرَفُ فِي بَلَدِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ صِنْفَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمُقِيمُونَ فِي بَلَدٍ، أَوْ قَرْيَةٍ، أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْبَادِيَةِ فَلَا يَظْعَنُونَ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، فَعَلَيْهِمْ صَرْفُ زَكَاتِهِمْ إِلَى مَنْ فِي مَوْضِعِهِمْ مِنَ الْأَصْنَافِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُقِيمُونَ وَالْغُرَبَاءُ.
الثَّانِي: أَهْلُ الْخِيَامِ الْمُنْتَقِلُونَ مِنْ بُقْعَةٍ إِلَى بُقْعَةٍ، فَيُنْظَرُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَرَارٌ، بَلْ يَطُوفُونَ الْبِلَادَ أَبَدًا، صَرَفُوهَا إِلَى مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَصْنَافِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مُسْتَحِقٌّ، نَقَلُوهُ إِلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَوْضِعٌ يَسْكُنُونَهُ وَرُبَّمَا انْتَقَلُوا عَنْهُ مُنْتَجِعِينَ ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فِي الْمَاءِ وَالْمَرْعَى، صَرَفُوهَا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَوْضِعِ الْمَالِ.
وَالصَّرْفُ إِلَى الَّذِينَ يُقِيمُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِإِقَامَتِهِمْ وَيَظْعَنُونَ بِظَعْنِهِمْ أَفْضَلُ لِشِدَّةِ جِوَارِهِمْ.
وَإِنْ تَمَيَّزَتِ الْحِلَّةُ عَنِ الْحِلَّةِ، وَانْفَرَدَ بِالْمَاءِ وَالْمَرْعَى، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَغَيْرِ الْمُتَمَيِّزَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ كُلَّ حِلَّةٍ كَقَرْيَةٍ، فَلَا يَجُوزُ النَّقْلُ عَنْهَا.

فَصْلٌ

يُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي كَوْنُهُ مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، عَدْلًا، حُرًّا، فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ.
هَذَا إِذَا كَانَ التَّفْوِيضُ عَامًّا، فَإِنْ عَيَّنَ الْإِمَامُ شَيْئًا يَأْخُذُهُ، لَمْ يُعْتَبَرِ الْفِقْهُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ.
قُلْتُ: عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ، فِيهِ نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي جَوَازِ كَوْنِ الْعَامِلِ هَاشِمِيًّا، أَوْ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ، خِلَافٌ سَبَقَ.
وَفِي «الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ» لِلْمَاوَرْدِيِّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَوَّضَ إِلَى مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى، وَلَكِنْ يَكُونُ رِزْقُهُ مِنَ الْمَصَالِحِ.
وَإِذَا قُلِّدَ الْأَخْذَ وَحْدَهُ، أَوِ الْقِسْمَةَ وَحْدَهَا، لَمْ يَتَوَلَّ إِلَّا مَا قُلِّدَ، وَإِنْ أُطْلِقَ التَّقْلِيدُ تَوَلَّى الْأَمْرَيْنِ.
وَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْعَامِلُ جَائِزًا فِي أَخْذِ الصَّدَقَةِ، عَادِلًا فِي قِسْمَتِهَا، جَازَ كَتْمُهَا عَنْهُ، وَجَازَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَادِلًا فِي الْأَخْذِ، جَائِزًا فِي الْقِسْمَةِ، وَجَبَ كَتْمُهَا عَنْهُ.
فَإِنْ أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، لَمْ تُجْزِئْ، وَعَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ إِخْرَاجُهَا بِأَنْفُسِهِمْ.
وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ إِلَى الْإِمَامِ الْجَائِرَ، سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَإِنْ لَمْ يُوَصِّلْهُ الْمُسْتَحِقِّينَ، إِلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الدَّفْعِ إِلَى الْإِمَامِ وَإِلَى الْعَامِلِ.
قُلْتُ: لَا فَرْقَ، وَالْأَصَحُّ: الْإِجْزَاءُ فِيهِمَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَسْمُ النَّعَمِ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَوَسْمُ نَعَمِ الزَّكَاةِ وَالْفَيْءِ، لِتَتَمَيَّزَ، وَلِيَرُدَّهَا مَنْ وَجَدَهَا ضَالَّةً، وَلِيَعْرِفَ الْمُتَصَدِّقُ وَلَا يَمْتَلِكُهَا، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيهِ، هَكَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَلْيَكُنِ الْوَسْمُ عَلَى مَوْضِعٍ صُلْبٍ ظَاهِرٍ، لَا يَكْثُرُ الشَّعْرُ عَلَيْهِ.
وَالْأَوْلَى فِي الْغَنَمِ: الْآذَانُ.
وَفِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ: الْأَفْخَاذُ.
وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ عَلَى الْوَجْهِ.
قُلْتُ: هَكَذَا قَالَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْأَقْوَى.
وَقَدْ صَحَّ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» لُعِنَ فَاعِلُهُ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيَكُونُ مِيسَمُ الْغَنَمِ، أَلْطَفَ مِنْ مِيسَمِ الْبَقَرِ، وَمِيسَمُ الْبَقَرِ، أَلْطَفَ مِنْ مِيسَمِ الْإِبِلِ.
وَتُمَيَّزُ نَعَمُ الزَّكَاةِ مِنْ نَعَمِ الْفَيْءِ، فَيُكْتَبُ عَلَى الْجِزْيَةِ: جِزْيَةٌ، أَوْ صَغَارٌ.
وَعَلَى الزَّكَاةِ: زَكَاةٌ، أَوْ صَدَقَةٌ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى سِمَةِ «لِلَّهِ تَعَالَى» . فَرْعٌ وَيَجُوزُ خِصَاءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فِي صِغَرِهِ لِطِيبِ لَحْمِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي كِبَرِهِ، وَخِصَاءُ مَا لَا يُؤْكَلُ.

فَصْلٌ

فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ.
أَحَدُهَا: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي، وَكُلِّ مَنْ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ أَمْرُ تَفْرِيقِ الصَّدَقَاتِ، أَنْ يَعْتَنِيَ بِضَبْطِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَمَعْرِفَةِ أَعْدَادِهِمْ، وَأَقْدَارِ حَاجَاتِهِمْ، بِحَيْثُ يَقَعُ الْفَرَاغُ مِنْ جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ، أَوْ مَعَهَا لِيَتَعَجَّلَ حُقُوقَهُمْ، وَلِيَأْمَنَ هَلَاكَ الْمَالِ عِنْدَهُ.
الثَّانِيَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِي الْقِسْمَةِ بِالْعَالَمِينَ، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ أَقْوَى، لِكَوْنِهِمْ يَأْخُذُونَ مُعَاوَضَةً.
قُلْتُ: هَذَا التَّقْدِيمُ مُسْتَحَبٌّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَلَا لِلسَّاعِي أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنَ الزَّكَاةِ، بَلْ يُوَصِّلُهَا بِحَالِهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، إِلَّا إِذَا وَقَعَتْ ضَرُورَةٌ، بِأَنْ أَشْرَفَتْ بَعْضُ الْمَاشِيَةِ عَلَى الْهَلَاكِ،

أَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ خَطَرٌ، أَوِ احْتَاجَ إِلَى رَدِّ جِيرَانٍ، أَوْ إِلَى مُؤْنَةِ نَقْلٍ، فَحِينَئِذٍ يَبِيعُ.
وَلَوْ وَجَبَتْ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ، فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيُقَسِّمَ الثَّمَنَ، بَلْ يَجْمَعُهُمْ وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِمْ، وَكَذَا حُكْمُ الْإِمَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَخَالَفَهُمْ فِي «التَّهْذِيبِ» فَقَالَ: إِنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ، فَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبِيعَ، بَاعَ وَفَرَّقَ الثَّمَنَ عَلَيْهِمْ.
قُلْتُ: وَإِذَا بَاعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَيُسْتَرَدُّ الْمَبِيعُ، فَإِنْ تَلِفَ، ضَمِنَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ ظَنَّهُ مُسْتَحِقًّا، فَبَانَ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ، كَكَافِرٍ، وَعَبْدٍ، وَغَنِيٍّ، وَذِي قُرْبَى، فَالْفَرْضُ يَسْقُطُ عَنِ الْمَالِكِ بِالدَّفْعِ إِلَى الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْتَحِقِّينَ.
وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ إِذَا بَانَ غَنِيًّا، لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ، وَيُسْتَرَدُّ، سَوَاءٌ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ، غَرِمَهُ وَصَرَفَ الْغُرْمَ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ.
وَفِي بَاقِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَضْمَنُ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ قَطْعًا.
وَقِيلَ: يَضْمَنُ قَطْعًا، لِتَفْرِيطِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَخْفَى غَالِبًا، بِخِلَافِ الْغَنِيِّ، وَلِأَنَّهَا أَشَدُّ مُنَافَاةً، فَإِنَّهَا تُنَافِي الزَّكَاةَ بِكُلِّ حَالٍ، بِخِلَافِهِ.
وَلَوْ دَفَعَ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ، فَبَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ غَنِيًّا، لَمْ يُجِزْهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْفُقَرَاءِ.
وَإِنْ بَانَ كَافِرًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ ذَا قُرْبَى، لَمْ يُجِزْهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: وَلَوْ دَفَعَ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ، أَوِ الْغَازِي إِلَيْهِ، فَبَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ امْرَأَةً، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَانَ عَبْدًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا لَمْ يَسْقُطِ الْفَرْضُ، فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّ الْمَدْفُوعَ زَكَاةٌ، اسْتُرِدَّ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَغَرِمَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ تَالِفًا.
وَيَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ إِذَا دُفِعَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ زَكَاةٌ، لَمْ يُسْتَرَدَّ، وَلَا غُرْمَ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ، يَسْتَرِدُّ مُطْلَقًا، لِأَنَّ مَا يُفَرِّقُهُ الْإِمَامُ عَلَى الْأَصْنَافِ، هُوَ الزَّكَاةُ غَالِبًا، وَغَيْرُهُ قَدْ يَتَطَوَّعُ.
وَالْحُكْمُ فِي الْكَفَّارَةِ مَتَى بَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ، كَحُكْمِ الزَّكَاةِ.

الْخَامِسَةُ: فِي وَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْأَصْنَافِ الزَّكَاةَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَسْتَحِقُّونَ يَوْمَ الْقِسْمَةِ، إِلَّا الْعَامِلُ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَسْتَحِقُّونَ يَوْمَ الْوُجُوبِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ.
بَلِ النَّصُّ الثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَقَلُّ، وَمَنَعْنَا نَقْلَ الصَّدَقَةِ، فَيَسْتَحِقُّونَ يَوْمَ الْوُجُوبِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، دُفِعَ نَصِيبُهُ إِلَى وَرَثَتِهِ، وَإِنْ غَابَ أَوْ أَيْسَرَ، فَحَقُّهُ بِحَالِهِ، وَإِنْ قَدِمَ غَرِيبٌ، لَمْ يُشَارِكْهُمْ، وَالنَّصُّ الْأَوَّلُ، فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ فِي ثَلَاثَةٍ، أَوْ كَانُوا، وَجَوَّزْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ، فَيَسْتَحِقُّونَ بِالْقِسْمَةِ، حَتَّى لَا حَقَّ لِمَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ أَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَإِنْ قَدِمَ غَرِيبٌ، شَارَكَهُمْ.
السَّادِسَةُ: فِي «فَتَاوَى الْقَفَّالِ» : أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ لَمْ يُفَرِّقْ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَتَلِفَ، ضَمِنَ.
وَالْوَكِيلُ بِالتَّفْرِيقِ لَوْ أَخَّرَ، فَتَلِفَ، لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ جَمَعَ السَّاعِي الزَّكَاةَ، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى الْإِمَامِ، اسْتَحَقَّ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى فَقِيرٍ وَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ بِالْمَدْفُوعِ، بِأَنْ كَانَ مَشْدُودًا فِي خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، لَا يَعْرِفُ جِنْسَهُ وَقَدْرَهُ، وَتَلِفَ فِي يَدِ الْمِسْكِينِ، فَفِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ احْتِمَالَانِ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَابِضِ لَا تُشْتَرَطُ، فَكَذَا مَعْرِفَةُ الدَّافِعِ.
قُلْتُ: الْأَرْجَحُ: السُّقُوطُ.
وَبَقِيَتْ مِنَ الْبَابِ مَسَائِلُ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ.
وَبَقِيَتْ مَسَائِلُ، لَمْ يَذْكُرْهَا الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ هُنَا.

مِنْهَا: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: كَانَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْقَدِيمِ، يُسَمِّي مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمَاشِيَةِ صَدَقَةً، وَمِنَ النَّقْدَيْنِ زَكَاةً، وَمِنَ الْمُعْشِرَاتِ عُشْرًا فَقَطْ.
ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ: يُسَمَّى الْجَمِيعُ زَكَاةً وَصَدَقَةً.
وَمِنْهَا: الِاخْتِلَافُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: اخْتِلَافُ رَبِّ الْمَالِ وَالسَّاعِي عَلَى ضَرْبَيْنِ.
أَحَدِهِمَا: أَنْ يَكُونَ دَعْوَى رَبِّ الْمَالِ لَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَالثَّانِي: تُخَالِفُهُ.
وَفِي الضَّرْبَيْنِ، إِذَا اتَّهَمَهُ السَّاعِي، حَلَّفَهُ، وَالْيَمِينُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مُسْتَحَبَّةٌ بِلَا خِلَافٍ.
فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ الْيَمِينِ، تُرِكَ وَلَا شَيْءَ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: فَالْيَمِينُ فِيهِ مُسْتَحَبَّةٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى الثَّانِي: وَاجِبَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: مُسْتَحَبَّةٌ، فَامْتَنَعَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أُخِذَتْ مِنْهُ لَا بِالنُّكُولِ، بَلْ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ.
فَمِنَ الصُّوَرِ الَّتِي لَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِيهَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، أَنْ يَقُولَ: لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ بَعْدُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ السَّاعِي: كَانَتْ مَاشِيَتُكَ نِصَابًا ثُمَّ تَوَالَدَتْ، فَيَضُمُّ الْأَوْلَادَ إِلَى الْأُمَّهَاتِ، وَيَقُولُ رَبُّ الْمَالِ: لَمْ تَكُنْ نِصَابًا، وَإِنَّمَا تَمَّتْ نِصَابًا بِالْأَوْلَادِ، فَابْتَدَأَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ التَّوَلُّدِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ السَّاعِي: هَذِهِ السِّخَالُ تَوَالَدَتْ مِنْ نَفْسِ النِّصَابِ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَقَالَ: بَلْ بَعْدَ الْحَوْلِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ.
وَمِنَ الصُّوَرِ الَّتِي تُخَالِفُ فِيهَا الظَّاهِرَ، أَنْ يَقُولَ السَّاعِي: مَضَى عَلَيْكَ حَوْلٌ، فَقَالَ الْمَالِكُ: كُنْتُ بِعْتُهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ، أَوْ قَالَ: أَخْرَجْتُ زَكَاتَهُ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بِنَفْسِهِ.
وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ قَالَ: هَذَا الْمَالُ وَدِيعَةٌ، فَقَالَ السَّاعِي: بَلْ مِلْكُكَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَالثَّانِي: لَا.
وَمِنْهَا: الْأَفْضَلُ فِي الزَّكَاةِ إِظْهَارُ إِخْرَاجِهَا، لِيَرَاهُ غَيْرُهُ، فَيَعْمَلَ عَمَلَهُ، وَلِئَلَّا يُسَاءَ الظَّنُّ بِهِ.

وَمِنْهَا: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» : يَسْأَلُ الْآخِذُ دَافِعَ الزَّكَاةِ عَنْ قَدْرِهَا، فَيَأْخُذُ بَعْضَ الثَّمَنِ، بِحَيْثُ يَبْقَى مِنَ الثَّمَنِ مَا يَدْفَعُهُ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْ صِنْفِهِ.
فَإِنْ دَفَعَ إِلَيْهِ الثَّمَنَ بِكَمَالِهِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَخْذُ.
قَالَ: وَهَذَا السُّؤَالُ وَاجِبٌ فِي أَكْثَرِ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُرَاعُونَ هَذَا، إِمَّا لِجَهْلٍ، وَإِمَّا لِتَسَاهُلٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُ السُّؤَالِ عَنْ مِثْلِ هَذَا، إِذَا لَمْ يَغْلِبَ الظَّنُّ احْتِمَالَ التَّحْرِيمِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ.

صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ.
هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ آكَدُ.
قُلْتُ: وَكَذَا عِنْدَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَعِنْدَ الْكُسُوفِ، وَالْمَرَضِ، وَالسَّفَرِ، وَبِمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَفِي الْغَزْوِ، وَالْحَجِّ، وَالْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ، كَعَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَيَّامِ الْعِيدِ، فَفِي كُلِّ هَذَا الْمَوْضِعِ آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا.
قَالَ فِي «الْحَاوِي» : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَسِّعَ فِي رَمَضَانَ عَلَى عِيَالِهِ، وَيُحْسِنَ إِلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ وَجِيرَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَكَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَظْهَرِ تَشْرِيفًا لَهُ، وَهِيَ حَلَالٌ لِذَوِي الْقُرْبَى عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَتَحِلُّ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْكُفَّارِ، وَصَرْفُهَا سِرًّا أَفْضَلُ، وَإِلَى الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ أَفْضَلُ.
وَكَذَا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ وَصَرْفُهُمَا إِلَيْهِمْ أَفْضَلُ إِذَا كَانُوا بِصِفَةِ اسْتِحْقَاقِهِمَا.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَالْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ،

وَيُقَدِّمُ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ.
وَقَدْ أُلْحِقَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ بِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ بِذِي الرَّحِمِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ، كَأَوْلَادِ الْعَمِّ وَالْخَالِ، ثُمَّ الْمُحَرَّمِ بِالرَّضَاعِ، ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ، ثُمَّ الْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ، ثُمَّ الْجَارُ.
فَإِذَا كَانَ الْقَرِيبُ بَعِيدَ الدَّارِ فِي الْبَلَدِ، قُدِّمَ عَلَى الْجَارِ الْأَجْنَبِيِّ.
فَإِنْ كَانَ الْأَقَارِبُ خَارِجِينَ عَنِ الْبَلَدِ، فَإِنْ مَنَعْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ، قُدِّمَ الْأَجْنَبِيُّ، وَإِلَّا، فَالْقَرِيبُ.
وَكَذَا أَهْلُ الْبَادِيَةِ، فَحَيْثُ كَانَ الْقَرِيبُ وَالْأَجْنَبِيُّ الْجَارُ بِحَيْثُ يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهِمَا، قُدِّمَ الْقَرِيبُ.

فَصْلٌ

يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِالرَّدِيءِ، وَبِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ.

فَصْلٌ وَمَنْ فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَعَنْ دَيْنِهِ مَالٌ، هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ الْفَاضِلِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَالثَّانِي: لَا، وَأَصَحُّهُمَا: إِنْ صَبَرَ عَلَى الْإِضَافَةِ، فَنَعَمْ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَأَمَّا مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِعِيَالِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَقَضَاءُ دَيْنِهِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ، وَرُبَّمَا قِيلَ: يُكْرَهُ.
قُلْتُ: هَذِهِ الْعِبَارَةُ مُوَافِقَةٌ لِعِبَارَةِ الْمَاوَرْدِيِّ، وَالْغَزَالِيِّ، وَالْمُتَوَلِّي، وَآخَرِينَ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَأَصْحَابُ «الشَّامِلِ» وَ «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» وَ «الْبَيَانِ» وَالدَّارِمِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ فِي «الْحِلْيَةِ» وَآخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَتِهِ أَوْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ وَفَائِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَلَا بَأْسَ بِالتَّصَدُّقِ، وَإِلَّا، فَلَا يَحِلُّ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الْبَابِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
مِنْهَا، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: يَقْصِدُ بِصَدَقَتِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ أَشَدَّهُمْ لَهُ عَدَاوَةً، لِيَتَأَلَّفَ قَلْبُهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ سُقُوطِ الرِّيَاءِ وَكَسْرِ النَّفْسِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْغَنِيِّ التَّنَزُّهُ عَنْهَا، وَيُكْرَهُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا.
قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : وَلَا يَحِلُّ لِلْغَنِيِّ أَخْذُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ مُظْهِرًا لِلْفَاقَةِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي مَاتَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَوَجَدُوا لَهُ دِينَارَيْنِ، فَقَالَ: «كَيَّتَانِ مِنْ نَارٍ» . فَأَمَّا إِذَا سَأَلَ الصَّدَقَةَ، فَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» وَغَيْرُهُ: إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا، لَمْ يَحْرُمُ السُّؤَالُ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِمَالٍ أَوْ صَنْعَةٍ، فَسُؤَالُهُ حَرَامٌ، وَمَا يَأْخُذُهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ.
هَذَا لَفْظُ صَاحِبِ «الْحَاوِي» . وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنَ الصَّدَقَةِ بِالْقَلِيلِ احْتِقَارًا لَهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزَّلْزَلَةِ: 7] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخُصَّ بِصَدَقَتِهِ أَهْلَ الْخَيْرِ وَالْمُحْتَاجِينَ.
وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِالْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْمَاءِ.
وَمَنْ دَفَعَ إِلَى غُلَامِهِ أَوْ وَلَدِهِ وَنَحْوِهِمَا شَيْئًا لِيُعْطِيَهُ لِسَائِلٍ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ السَّائِلُ، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ دَفْعُهُ إِلَى ذَلِكَ السَّائِلِ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يَعُودَ فِيهِ، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ مِنْ جِهَةِ مَنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ هِبَةٍ.
وَلَا بَأْسَ بِهِ بِمِلْكِهِ مِنْهُ بِالْإِرْثِ، وَلَا بِتَمَلُّكِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ الصَّدَقَةَ بِطِيبِ نَفْسٍ وَبَشَاشَةِ وَجْهٍ، وَيَحْرُمُ الْمَنُّ بِهَا، وَإِذَا مَنَّ، بَطَلَ ثَوَابُهَا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِمَّا يُحِبُّهُ.
قَالَ صَاحِبُ «الْمُعَايَاةِ» : لَوْ نَذَرَ

صَوْمًا أَوْ صَلَاةً فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ قَبْلَهُ، وَلَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، جَازَ التَّصَدُّقُ قَبْلَهُ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ.
وَمِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، مَسَائِلُ ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ فِي «الِإِحْيَاءِ» . مِنْهَا: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَنَّ الْمُحْتَاجَ، هَلِ الْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ أَوْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ؟ فَكَانَ الْجُنَيْدُ، وَالْخَوَاصُّ، وَجَمَاعَةٌ يَقُولُونَ: الْأَخْذُ مِنَ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، لِئَلَّا يُضَيِّقَ عَلَى الْأَصْنَافِ، وَلِئَلَّا يُخِلَّ بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْأَخْذِ.
وَأَمَّا الصَّدَقَةُ، فَأَمْرُهَا هَيِّنٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الزَّكَاةُ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى وَاجِبٍ، وَلَوْ تَرَكَ أَهْلُ الزَّكَاةِ كُلُّهُمْ أَخْذَهَا، أَثِمُوا، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا مِنَّةَ فِيهَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالصَّوَابُ.
أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ.
فَإِنْ عَرَضَ لَهُ شُبْهَةٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ، لَمْ يَأْخُذِ الزَّكَاةَ، وَإِنْ قُطِعَ بِاسْتِحْقَاقِهِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ إِنْ لَمْ يَأْخُذْ هَذَا، لَا يَتَصَدَّقُ، فَلْيَأْخُذِ الصَّدَقَةَ، فَإِنَّ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إِخْرَاجِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ وَلَمْ يُضَيِّقْ بِالزَّكَاةِ، تَخَيَّرَ.
وَأَخْذُ الزَّكَاةِ أَشَدُّ فِي كَسْرِ النَّفْسِ.
وَذَكَرَ أَيْضًا اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي إِخْفَاءِ أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَإِظْهَارِهِ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ فَضِيلَةٌ وَمَفْسَدَةٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخْذُ فِي الْمَلَاءِ، وَتَرْكُ الْأَخْذِ فِي الْخَلَاءِ، أَحْسَنُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل