روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 335-374
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الدِّيَاتِ.

صفحات 335-374
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَكَذَا إِذَا تَعَلَّقَ أَرْشٌ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ فَقَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ؛ ثَبَتَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ قَاتِلِ الْجَانِي بِالْقِيمَةِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ مُطَالَبَةُ قَاتِلِ الْمَرْهُونِ بِالْقِيمَةِ لِيَتَوَثَّقَ بِهَا، وَلْيَكُنْ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ هَلْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْجَانِيَ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ؛ الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُخَاصِمَ وَيَأْخُذَ؛ فَإِنْ لَمْ يَصِرِ الْمَأْخُوذُ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ لَمْ يَصِحَّ التَّوَثُّقُ.
وَإِنْ صَارَ فَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ نَائِبًا عَنْهُ قَهْرًا بَعِيدٌ.

السَّادِسُةُ: اصْطَدَمَ مُسْتَوْلِدَتَانِ لِرَجُلَيْنِ فَمَاتَتَا؛ أُهْدِرَ نِصْفُ قِيمَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَوَجَبَ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى سَيِّدِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ ضَمَانَ جِنَايَةِ الْمُسْتَوْلَدَةِ عَلَى سَيِّدِهَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَضْمَنُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَقِيمَةِ مُسْتَوْلَدَتِهِ؛ وَإِنْ كَانَتَا حَامِلَيْنِ فَمَاتَتَا وَأَجْهَضَتَا جَنِينَهُمَا، فَحُكْمُ الْقِيمَةِ مَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا ضَمَانُ الْجَنِينَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ؛ فَعَلَى سَيِّدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ الْأُخْرَى نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهَا لِنِصْفِ جَنِينِهَا.
وَإِنْ كَانَتَا حَامِلَيْنِ بِحُرَّيْنِ مِنْ شُبْهَةٍ؛ فَعَلَى كُلِّ سَيِّدٍ مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ الْأُخْرَى نِصْفُ غُرَّةٍ لِجَنِينِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَنِصْفُ غُرَّةٍ لِجَنِينِ الْأُخْرَى.
وَإِنْ كَانَتَا حَامِلَيْنِ بِحُرَّيْنِ مِنَ السَّيِّدَيْنِ؛ فَنِصْفُ كُلِّ جَنِينٍ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْلَدَةَ إِذَا جَنَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَأَلْقَتْ جَنِينًا؛ كَانَ هَدَرًا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّيِّدَيْنِ نِصْفُ غُرَّةِ جَنِينِ الْأُخْرَى، وَتَصِيرُ الصُّورَةُ مِنْ صُوَرِ التَّقَاصِّ؛ وَإِذَا فَضَلَ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ أَخَذَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حَامِلًا؛ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا؛ فَنِصْفُ الْغُرَّةِ عَلَى سَيِّدِ الْحَامِلِ؛ فَإِنْ كَانَ لِلْجَنِينِ أُمٌّ أَمْ وَارِثَةٌ؛ فَلَهَا نِصْفُ سُدْسِ الْغُرَّةِ، وَالْبَاقِي لِسَيِّدِ الْحَامِلِ، وَعَلَيْهِ لِلْجَدَّةِ نِصْفُ سُدْسٍ أَيْضًا لِيُكْمِلَ لَهَا سُدْسُ الْغُرَّةِ.

السَّابِعَةُ: إِذَا اصْطَدَمَ سَفِينَتَانِ، وَغَرِقَتَا بِمَا فِيهِمَا؛ فَإِمَّا أَنْ

يَحْصُلُ الِاصْطِدَامُ بِفِعْلِهِمَا، وَإِمَّا لَا؛ فَهُمَا حَالَانِ.
الْأَوَّلُ بِفِعْلِهِمَا؛ فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَتِ السَّفِينَتَانِ وَمَا فِيهِمَا مِلْكًا لِلْمَلَّاحَيْنِ الْمُجْرِيَيْنِ لَهُمَا؛ فَنِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ سَفِينَةٍ وَمَا فِيهِمَا مُهْدَرٌ، وَنِصْفُ قِيمَتِهَا وَنِصْفُ قِيمَةِ مَا فِيهَا عَلَى صَاحِبِ الْأُخْرَى؛ فَإِنْ هَلَكَ الْمَلَّاحَانِ أَيْضًا؛ فَهُمَا كَالْفَارِسَيْنِ يَمُوتَانِ بِالِاصْطِدَامِ.
وَإِنْ كَانَتِ السَّفِينَتَانِ لَهُمَا وَحَمَلَا الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ تَبَرُّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ، نُظِرَ إِنْ تَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ بِمَا يَعُدُّهُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مُفْضِيًا إِلَى الْهَلَاكِ؛ تَعَلَّقَ بِفِعْلِهِمَا الْقِصَاصُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي كُلِّ سَفِينَةٍ عَشْرَةُ أَنْفَسٍ مَثَلًا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ لِمَوْتِهِمْ مَعًا؛ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، قُتِلَ بِهِ الْمَلَّاحَانِ.
وَفِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَاتِ الْبَاقِينَ؛ فَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ تِسْعُ دِيَاتٍ وَنِصْفٌ مَعَ الْقِصَاصِ، وَفِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ بِعَدَدِ مَنْ فِي السَّفِينَتَيْنِ مِنَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَةِ مَا فِي السَّفِينَتَيْنِ لَا يُهْدَرُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَنِصْفُ قِيمَةِ سَفِينَةِ صَاحِبِهِ، وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا، وَيَجْرِي التَّقَاصُّ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَشْتَرِكَانِ فِيهِ.
وَإِنْ تَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ بِمَا لَا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا وَقَدْ يُفْضِي إِلَيْهِ؛ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُغَلَّظَةً، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ بَلْ ظَنَّا أَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ عَلَى الرِّيحِ؛ فَأَخْطَأَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنَّ بِقُرْبِ سَفِينَتِهِ سَفِينَةَ الْآخَرِ؛ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَإِنْ كَانَتِ السَّفِينَتَانِ لِغَيْرِ الْمَلَّاحَيْنِ، وَكَانَا أَجِيرَيْنِ لِلْمَالِكِ، أَوْ أَمِينَيْنِ، لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ ضَمَانِ السَّفِينَتَيْنِ بَلْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ سَفِينَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكِينَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ قِيمَةِ سَفِينَتِهِ مِنْ أَمِينِهِ، ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ بِنِصْفِهَا عَلَى أَمِينِ الْآخَرِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهَا مِنْهُ وَنِصْفَهَا مِنْ أَمِينِ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُجْرِيَانِ عَبْدَيْنِ؛ فَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِمَا.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ الِاصْطِدَامُ لَا بِفِعْلِهِمَا؛ فَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمَا تَقْصِيرٌ بِأَنْ تَوَانَيَا فِي الضَّبْطِ؛ فَلَمْ يَعْدِلَاهُمَا عَنْ صَوْبِ الِاصْطِدَامِ مَعَ إِمْكَانِهِ، أَوْ سَيَّرَا فِي رِيحٍ شَدِيدَةٍ لَا تَسِيرُ فِي مِثْلِهَا السُّفُنُ، أَوْ لَمْ يُكْمِلَا عِدَّتَهُمَا مِنَ الرِّجَالِ وَالْآلَاتِ، وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا تَقْصِيرٌ، وَحَصَلَ الْهَلَاكُ بِغَلَبَةِ الرِّيَاحِ وَهَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ؛ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ كَالْفَارِسَيْنِ إِذَا غَلَبَتْهُمَا دَابَّتَاهُمَا؛ وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِمَا، كَمَا لَوْ حَصَلَ الْهَلَاكُ بِصَاعِقَةٍ بِخِلَافِ غَلَبَةِ الدَّابَّةِ؛ فَإِنَّ ضَبْطَهَا مُمْكِنٌ بِاللِّجَامِ.
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا فِعْلٌ؛ بِأَنْ كَانَتِ السَّفِينَةُ مَرْبُوطَةً بِالشَّطِّ أَوْ مِرْسَاةٍ فِي مَوْضِعٍ؛ فَهَاجَتْ رِيحٌ فَسَيَّرَتْهَا فَأَمَّا إِذَا سَيَّرَاهُمَا، ثُمَّ غَلَبَتِ الرِّيحُ، وَعَجَزَا عَنْ ضَبْطِهِمَا؛ فَيَجِبُ الضَّمَانُ قَطْعًا.
وَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الضَّمَانُ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ فَرَطَا، وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِدَا الِاصْطِدَامَ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: لَمْ يَجِبْ ضَمَانُ الْأَحْرَارِ، وَلَا ضَمَانَ الْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ فِيهِمَا وَلَا ضَمَانَ الْأَمْوَالِ الْمَحْمُولَةِ بِالْأُجْرَةِ إِنْ كَانَ مَالِكُهَا أَوْ عَبَدُهُ مَعَهَا يَحْفَظُهَا.
وَإِنِ اسْتَقَلَّ الْمُجْرِيَانِ بِالْيَدِ؛ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ يَدَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ هَلْ هِيَ يَدُ ضَمَانٍ؟ وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا عَبِيدٌ؛ فَإِنْ كَانُوا أَعْوَانًا أَوْ حُفَّاظًا لِلْمَالِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُمْ؛ وَإِلَّا فَهُمْ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفَ صَاحِبُ الْمَالِ وَالْمَلَّاحَانِ؛ فَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ: كَانَ الِاصْطِدَامُ بِفِعْلِكُمَا، وَقَالَا: بَلْ بِغَلَبَةِ الرِّيحِ، صَدَقَا بِيَمِينِهِمَا؛ وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا مُفَرِّطًا أَوْ عَامِدًا دُونَ الْآخَرِ؛ خُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْحُكْمِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَالُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ صَدَمَتْ سَفِينَةٌ السَّفِينَةَ الْمَرْبُوطَةَ بِالشَّطِّ فَكَسَرَتْهَا؛ فَالضَّمَانُ عَلَى مُجْرِي السَّفِينَةِ الصَّادِمَةِ.
فَرْعٌ إِذَا خَرَقَ وَاحِدٌ سَفِينَةً؛ فَغَرِقَ مَا فِيهَا مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ؛ وَجَبَ ضَمَانُهُ،

ثُمَّ إِنْ تَعَمَّدَ الْخَرْقَ بِمَا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا كَالْخَرْقِ الْوَاسِعِ الَّذِي لَا مِدْفَعَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ فِي مَالِهِ.
وَإِنْ تَعَمَّدَهُ بِمَا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْهَلَاكُ غَالِبًا؛ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَكَذَا لَوْ قَصَدَ إِصْلَاحَ السَّفِينَةِ؛ فَنَفَذَتِ الْآلَةُ فِي مَوْضِعِ الْإِصْلَاحِ فَغَرِقَتْ بِهِ السَّفِينَةُ، وَإِنْ أَصَابَتِ الْآلَةُ غَيْرَ مَوْضِعِ الْإِصْلَاحِ، أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ حَجَرٌ، أَوْ غَيْرُهُ؛ فَخَرَقَتِ السَّفِينَةَ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ.
فَرْعٌ لَوْ كَانَتِ السَّفِينَةُ مُثْقَلَةً بِتِسْعَةِ أَعْدَالٍ، فَوَضَعَ آخَرُ فِيهَا عَدْلًا آخَرَ عُدْوَانًا؛ فَغَرِقَتْ؛ فَهَلْ يَغْرَمُ جَمِيعَ الْأَعْدَالِ التِّسْعَةِ أَمْ بَعْضَهَا؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَمِيعُهَا؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ تَرَتَّبَ عَلَى فِعْلِهِ؛ وَأَصَحُّهُمَا: الْبَعْضُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: النِّصْفُ، وَالثَّانِي: قِسْطُهُ إِذَا وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْدَالِ، وَهُوَ كَالْخِلَافِ فِي الْجَلَّادِ إِذَا زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، وَلَهُ نَظَائِرُ مُتَقَدِّمَةٌ.

فَصْلٌ

إِذَا أَشْرَفَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْغَرَقِ؛ جَازَ إِلْقَاءُ بَعْضِ أَمْتِعَتِهَا فِي الْبَحْرِ، وَيَجِبُ الْإِلْقَاءُ رَجَاءَ نَجَاةِ الرَّاكِبِينَ إِذَا خِيفَ الْهَلَاكُ، وَيَجِبُ إِلْقَاءُ مَا لَا رُوحَ فِيهِ لِتَخْلِيصِ ذِي الرُّوحِ، وَلَا يَجُوزُ إِلْقَاءُ الدَّوَابِّ إِذَا أَمْكَنَ دَفْعُ الْغَرَقِ بِغَيْرِ الْحَيَوَانِ.
وَإِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى إِلْقَاءِ الدَّوَابِّ، أُلْقِيَتْ لِإِبْقَاءِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْعَبِيدُ كَالْأَحْرَارِ، وَإِذَا قَصَّرَ مَنْ عَلَيْهِ الْإِلْقَاءَ حَتَّى غَرِقَتِ السَّفِينَةُ؛ فَعَلَيْهِ الْإِثْمُ وَلَا ضَمَانَ كَمَا لَوْ لَمْ يُطْعِمْ صَاحِبُ الطَّعَامِ الْمُضْطَرَّ حَتَّى مَاتَ، يَعْصِي وَلَا يَضْمَنُهُ.
وَلَا يَجُوزُ إِلْقَاءُ الْمَالِ فِي الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ؛ لِأَنَّهُ إِضَاعَةٌ لِلْمَالِ.
وَإِذَا أَلْقَى مَتَاعَ نَفْسِهِ أَوْ مَتَاعَ

غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ رَجَاءَ السَّلَامَةِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ أَلْقَى مَتَاعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ وَجَبَ الضَّمَانُ.
وَقِيلَ: إِذَا أَلْقَى مَنْ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ مَتَاعَ نَفْسِهِ لِإِنْقَاذِ غَيْرِهِ؛ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، كَمَنْ أَطْعَمَ الْمُضْطَرَّ قَهْرًا.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ أَوْ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ، أَوْ عَلَى أَنِّي أَضْمَنُ قِيمَتَهُ؛ فَأَلْقَاهُ فَعَلَى الْمُلْتَمِسِ ضَمَانُهُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ؛ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ الْتِمَاسُ إِتْلَافٍ بِعِوَضٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كَذَا؛ فَأَعْتَقَ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْسَ هَذَا عَلَى حَقِيقَةِ الضَّمَانِ وَإِنْ سُمِّيَ ضَمَانًا؛ وَلَكِنَّهُ بَذْلُ مَالٍ لِلتَّخْلِيصِ عَنِ الْهَلَاكِ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَطْلِقْ هَذَا الْأَسِيرَ وَلَكَ عَلَيَّ كَذَا؛ فَأَطْلَقَهُ، يَجِبُ الضَّمَانُ.
وَبَنَى الْقَاضِي حُسَيْنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ: اعْفُ وَلَكَ كَذَا، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَطْعِمْ هَذَا الْجَائِعَ وَلَكَ عَلَيَّ كَذَا فَأَجَابَ: يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى؛ أَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، فَأَلْقَاهُ؛ فَقِيلَ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ خِلَافٌ؛ كَقَوْلِهِ: أَدِّ دَيْنِي.
وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ يَنْفَعُهُ قَطْعًا وَهَذَا قَدْ لَا يَنْفَعُهُ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمُلْقَى قَبْلَ هَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ؛ فَإِنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْمَالِ فِي تِلْكَ الْحَالِ؛ فَلَا تُجْعَلُ قِيمَةُ الْمَالِ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ عَلَى خَطَرِ الْهَلَاكِ كَقِيمَةِ الْبَرِّ.
ثُمَّ إِنَّمَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُلْتَمِسِ بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الِالْتِمَاسُ عِنْدَ خَوْفِ الْغَرَقِ؛ فَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالِ الْخَوْفِ فَلَا يَقْتَضِي الِالْتِمَاسُ ضَمَانًا؛ سَوَاءٌ قَالَ: عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ، أَوْ لَمْ يَقُلْ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: اهْدِمْ دَارَكَ فَفَعَلَ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَخْتَصَّ فَائِدَةُ الْإِلْقَاءِ بِصَاحِبِ الْمَتَاعِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ التَّخْلِيصِ بِإِلْقَاءِ الْمَتَاعِ تُتَصَوَّرُ فِي صُوَرٍ:

إِحْدَاهَا: أَنْ يَخْتَصَّ بِصَاحِبِ الْمَتَاعِ؛ فَإِذَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ الْمُشْرِفَةِ رَاكِبٌ وَمَتَاعُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الشَّطِّ، أَوْ مِنْ زَوْرَقٍ بِقُرْبِهَا: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ فَأَلْقَى؛ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِغَرَضِ نَفْسِهِ؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا؛ كَمَا لَوْ قَالَ لِلْمُضْطَرِّ: كُلْ طَعَامَكَ وَأَنَا ضَامِنُهُ لَكَ فَأَكَلَهُ، لَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَمِسِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمُلْتَمِسِ، بِأَنْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى الْغَرَقِ وَفِيهَا مَتَاعُ رَجُلٍ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا؛ فَقَالَ لِلْخَارِجِ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ فَأَلْقَى؛ وَجَبَ الضَّمَانُ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ حَصَلَتِ السَّلَامَةُ أَمْ لَا؛ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمُلْتَمِسُ وَجَبَ الضَّمَانُ فِي تَرِكَتِهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْتَصَّ بِغَيْرِهِمَا؛ بِأَنْ كَانَ الْمُلْتَمِسُ وَصَاحِبُ الْمَتَاعِ خَارِجَيْنِ عَنِ السَّفِينَةِ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مُشْرِفُونَ عَلَى الْغَرَقِ؛ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُلْتَمِسِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ تَعُودَ الْمَصْلَحَةُ إِلَى مُلْقِي الْمَتَاعِ وَغَيْرِهِ دُونَ الْمُلْتَمِسِ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ ضَمَانُ جَمِيعِ الْمَتَاعِ، وَالثَّانِي: بِقِسْطِ الْمُلْقَى عَلَى مَالِكِهِ وَسَائِرِ مَنْ فِيهَا، فَيَسْقُطُ قِسْطُ الْمَالِكِ وَيَجِبُ الْبَاقِي.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَاحِدٌ، وَجَبَ نِصْفُ الضَّمَانِ؛ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ تِسْعَةٌ، وَجَبَ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ.
الْخَامِسَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْإِلْقَاءِ تَخْلِيصُ الْمُلْتَمِسِ وَغَيْرِهِ؛ بِأَنِ الْتَمَسَ بَعْضُ رُكَّابِ السَّفِينَةِ مِنْ بَعْضٍ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُلْتَمِسِ؛ قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجِيءُ الْوَجْهَانِ فِي أَنَّهُ هَلْ تَسْقُطُ حِصَّةُ الْمَالِكِ؟

فَرْعٌ إِذَا قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ وَأَنَا وَرُكَّابُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى الْكَمَالِ، أَوْ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ؛ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْجَمِيعِ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا وَهُمْ ضَامِنُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِالْحِصَّةِ؛ لَزِمَهُ مَا يَخُصُّهُ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنَا وَهُمْ ضَامِنُونَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: وَأَنَا ضَامِنٌ وَرُكَّابُ السَّفِينَةِ، أَوْ عَلَى أَنْ أَضْمَنَهُ أَنَا وَالرُّكَّابُ، أَوْ قَالَ: وَأَنَا ضَامِنٌ وَهُمْ ضَامِنُونَ، لَزِمَهُ ضَمَانُ الْجَمِيعِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: عَلَى الْقِسْطِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: هُمْ ضَامِنُونَ، إِمَّا لِلْجَمِيعِ، وَإِمَّا لِلْحِصَّةِ، إِنْ أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ ضَمَانٍ سَبَقَ مِنْهُمْ، وَاعْتَرَفُوا بِهِ لَزِمَهُمْ، وَإِنْ أَنْكَرُوا؛ فَهُمُ الْمُصَدِّقُونَ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ إِنْشَاءَ الضَّمَانِ عَنْهُمْ؛ فَقِيلَ: إِنْ رَضَوْا بِهِ، ثَبَتَ الْمَالُ عَلَيْهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا تُوقَفُ.
وَإِنْ قَالَ: وَأَنَا وَهُمْ ضُمَنَاءُ وَضَمِنْتُ عَنْهُمْ بِإِذْنِهِمْ؛ طُولِبَ هُوَ بِالْجَمِيعِ بِقَوْلِهِ.
وَإِذَا أَنْكَرُوا الْإِذْنَ؛ فَهُمُ الْمُصَدِّقُونَ حَتَّى لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا وَهُمْ ضُمَنَاءُ وَأُصَحِّحُهُ مِنْ مَالِهِمْ؛ فَقَدْ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ لَا سِيَّمَا الْعِرَاقِيُّونَ: أَنَّهُ يُطَالَبُ بِالْجَمِيعِ أَيْضًا.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنَا أُحَصِّلُهُ مِنْ مَالِهِمْ كَمَا لَوْ قَالَ: اخْلَعْهَا عَلَى أَلْفٍ أُصَحِّحُهَا لَكَ مِنْ مَالِهَا، أَوْ أَضْمَنُهَا لَكَ مِنْ مَالِهَا؛ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ.
وَلَوْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ عَلَى أَنِّي وَهُمْ ضُمَنَاءُ؛ فَأَذِنَ لَهُ فِي الْإِلْقَاءِ فَأَلْقَاهُ؛ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْحِصَّةُ أَمِ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْإِتْلَافَ؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَلَيَّ نِصْفُ الضَّمَانِ، وَعَلَى فُلَانٍ الثُّلْثُ، وَعَلَى فُلَانٍ السُّدْسُ؛ لَزِمَهُ النِّصْفُ.
فَرْعٌ قَالَ لِرَجُلٍ: أَلْقِ مَتَاعَ زَيْدٍ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ إِنْ طَالَبَكَ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُلْقِي دُونَ الْآمِرِ.

فَرْعٌ قَالَ الْإِمَامُ: الْمَتَاعُ الْمُلْقَى لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ حَتَّى لَوْ لَفَظَهُ الْبَحْرُ عَلَى السَّاحِلِ، وَظَفِرْنَا بِهِ؛ فَهُوَ لِمَالِكِهِ، وَيَسْتَرِدُّ الضَّامِنُ الْمَبْذُولَ.
وَهَلْ لِلْمَالِكِ أَنْ يُمْسِكَ مَا أَخَذَهُ، وَيَرُدَّ بَدَلَهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ كَالْخِلَافِ فِي الْعَيْنِ الْمُقْرَضَةِ إِذَا كَانَتْ بَاقِيَةً؛ فَهَلْ لِلْمُقْتَرِضِ إِمْسَاكُهَا وَرَدُّ بَدَلِهَا؟

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا عَادَ حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَى الرَّامِينَ، فَقَتَلَ أَحَدَهُمْ؛ فَقَدْ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ شُرَكَائِهِ، وَحُكْمُهُ كَالِاصْطِدَامِ؛ فَإِنْ كَانُوا عَشْرَةً، سَقَطَ عُشْرُ دِيَتِهِ، وَوَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التِّسْعَةِ عُشْرُهَا، وَلَوْ قَتَلَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، فَصَاعِدًا فَكَذَلِكَ؛ فَلَوْ قَتَلَ الْعَشْرَةَ، أُهْدِرَ مِنْ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُهَا، وَوَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَاقِينَ عُشْرُهَا.
وَلَوْ أَصَابَ الْحَجَرُ غَيْرَهُمْ، نُظِرَ؛ إِنْ لَمْ يَقْصِدُوا وَاحِدًا أَوْ أَصَابَ غَيْرَ مَنْ قَصَدُوهُ؛ بِأَنْ عَادَ فَقَتَلَ بَعْضَ النَّظَّارَةِ؛ فَهَذَا خَطَأٌ يُوجِبُ الدِّيَةَ الْمُخَفِّفَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ قَصَدُوا شَخْصًا أَوْ جَمَاعَةً بِأَعْيَانِهِمْ فَأَصَابُوا مَنْ قَصَدُوهُ، فَوَجْهَانِ؛ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ قَصْدٌ مُعَيَّنٌ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي، وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: أَنَّهُ عَمْدٌ إِذَا كَانُوا حَاذِقِينَ تَتَأَتَّى لَهُمُ الْإِصَابَةُ، وَالْغَالِبُ الْإِصَابَةُ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي «الْمُحَرِّرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قَصَدُوا وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُ مَنْ قَصَدُوهُ وَقَدْ يُصِيبُ؛ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ يُصِيبُ أَحَدَهُمْ لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ لَا بِأَعْيَانِهِمْ، لَا يُحَقِّقُ الْعَمْدِيَّةَ، وَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ الْعَمْدِيَّةَ تَعْتَمِدُ قَصْدَ عَيْنِ الشَّخْصِ؛ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: اقْتُلْ أَحَدَ هَؤُلَاءِ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ؛ فَقَتَلَ أَحَدَهُمْ، لَا قِصَاصَ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ عَيْنَ أَحَدِهِمْ، ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: يَكُونُ هَذَا خَطَأً فِي حَقِّ ذَلِكَ الْوَاحِدِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ:

يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ تَجِبُ بِهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إِذَا قَصَدُوا وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً لَا بِأَعْيَانِهِمْ، وَكَذَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إِلَى جَمَاعَةٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَهُمْ.
ثُمَّ اسْتَدْرَكَ الْإِمَامُ فَقَالَ: قَوْلُنَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ قَصَدَ إِصَابَةَ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ جَمَاعَةٍ لَا بِأَعْيَانِهِمْ وَأَصَابَ الْحَجَرُ بَعْضَهُمْ؛ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقَوْمُ مَحْصُورِينَ فِي مَوْضِعٍ وَعَلِمَ الْحَاذِقُ أَنَّهُ إِذَا سَدَّدَ عَلَيْهِمُ الْحَجَرَ أَصَابَ جَمِيعَهُمْ وَحَقَّقَ قَصْدَهُ فَأَتَى عَلَيْهِمْ؛ فَالَّذِي أَرَاهُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ.

التَّاسِعَةُ: جَرَحَ مُرْتَدًّا بِقَطْعِ يَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا؛ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ جَرَحَهُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ جَرَحَهُ ثَلَاثَةٌ آخَرُونَ فَمَاتَ، نُظِرَ؛ إِنْ وَقَعَتِ الْجِرَاحَاتُ الْأَرْبَعُ بَعْدَ انْدِمَالِ الْأُولَى؛ لَزِمَهُمُ الدِّيَةُ أَرْبَاعًا، وَإِنْ وَقَعَتْ قَبْلَ انْدِمَالِهَا وَمَاتَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ الْخَمْسِ؛ فَفِيمَا عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: تُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِينَ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ؛ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعُهَا، ثُمَّ يَعُودُ مَا عَلَى الْجَارِحِ فِي الرِّدَّةِ إِلَى الثُّمْنِ؛ لِأَنَّ جِرَاحَةَ الرِّدَّةِ مُهْدَرَةٌ.
وَالثَّانِي: تُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَى الْجِرَاحَاتِ؛ فَيَسْقُطُ خُمْسُهَا لِلرِّدَّةِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ خُمْسُهَا، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ فِي الرِّدَّةِ وَأَرْبَعَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ خُمْسُ الدِّيَةِ.
وَلَوْ جَرَحَهُ ثَلَاثَةٌ فِي الرِّدَّةِ، ثُمَّ جَرَحُوهُ مَعَ رَابِعٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَاتَ بِالْجِرَاحَاتِ؛ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ تُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ جُرِحَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ جِرَاحَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا فِي الرِّدَّةِ؛ فَيَعُودُ مَا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ إِلَى الثُّمْنِ، وَيَبْقَى عَلَى الرَّابِعِ الرُّبْعُ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ: الْجِرَاحَاتُ سَبْعٌ، فَيَسْقُطُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ الدِّيَةِ بِجِرَاحَاتِ الرِّدَّةِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُبْعُهَا.
وَلَوْ جَرَحَهُ فِي الرِّدَّةِ أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ جَرَحَهُ أَحَدُهُمْ مَعَ ثَلَاثَةٍ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ: الْجَارِحُونَ سَبْعَةٌ؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَجْرَحُوا إِلَّا فِي الْإِسْلَامِ سُبْعُ الدِّيَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَارِحِينَ فِي الرِّدَّةِ فَقَطْ، وَعَلَى الْجَارِحِ فِي الْحَالَيْنِ نِصْفُ سُبْعٍ.
وَعَلَى الْوَجْهِ

الْآخَرِ مَاتَ بِثَمَانِ جِرَاحَاتٍ؛ أَرْبَعٌ فِي الْإِهْدَارِ؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَارِحِينَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمْنُ الدِّيَةِ.
وَلَوْ جَرَحَهُ أَرْبَعَةٌ فِي الرِّدَّةِ، ثُمَّ جَرَحَهُ أَحَدُهُمْ وَحْدَهُ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ: الْجَارِحُونَ أَرْبَعَةٌ، يَلْزَمُ الْجَارِحَ فِي الْإِسْلَامِ الثُّمْنُ؛ لِأَنَّ حِصَّتَهُ الرُّبْعُ؛ فَيَسْقُطُ نِصْفُهُ بِجِرَاحَةِ الرِّدَّةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَاقِينَ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ يَلْزَمُهُ خُمْسُ الدِّيَةِ، وَيَسْقُطُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا.
وَلَوْ جَرَحَهُ ثَلَاثَةٌ فِي الرِّدَّةِ، ثُمَّ جَرَحَهُ أَحَدُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَهَلْ عَلَيْهِ سُدْسُ الدِّيَةِ أَمْ رُبُعُهَا؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَلَوْ جَرَحَهُ اثْنَانِ فِي الرِّدَّةِ، ثُمَّ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا مَعَ ثَالِثٍ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ، لَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي لَمْ يَجْرَحْ إِلَّا فِي الرِّدَّةِ، وَعَلَى الْجَارِحِ فِي الْحَالَيْنِ سُدْسٌ، وَعَلَى الْآخَرِ ثُلْثٌ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ؛ يَلْزَمُ الْجَارِحَ فِي الْحَالَيْنِ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَكَذَا الْجَارِحُ فِي الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ جَرَحَهُ اثْنَانِ فِي الرِّدَّةِ، ثُمَّ فِي الْإِسْلَامِ، لَزِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبُعُ الدِّيَةِ بِاتِّفَاقِ الْوَجْهَيْنِ، وَلَوْ جَرَحَهُ ثَلَاثَةٌ فِي الرِّدَّةِ ثُمَّ فِي الْإِسْلَامِ؛ لَزِمَ كُلُّ وَاحِدٍ سُدْسُ الدِّيَةِ بِاتِّفَاقِ الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا يَتَّفِقَانِ مَتَى لَمْ يَخْتَلِفْ عَدَدُ الْجِرَاحَاتِ وَلَا الْجَارِحِينَ فِي الْحَالَيْنِ.
فَرْعٌ إِذَا اخْتَلَفَ جِنَايَاتُ رَجُلٍ عَمْدًا وَخَطَأً، وَشَارَكَهُ غَيْرُهُ بِأَنْ جُرِحَ خَطَأً، ثُمَّ عَادَ مَعَ آخَرَ، فَجُرِحَا عَمْدًا، فَالتَّوْزِيعُ لِمَعْرِفَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وَمَا يُضْرَبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا جَنَى فِي الرِّدَّةِ وَالْإِسْلَامِ.

الْعَاشِرَةُ: جَنَى عَبْدٌ عَلَى زَيْدٍ بِإِيضَاحٍ، أَوْ قَطْعِ يَدٍ، أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ قَطَعَ عَمْرٌو يَدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ جَنَى الْعَبْدُ عَلَى بَكْرٍ، وَمَاتَ زَيْدٌ وَبَكْرٌ بِالْجِرَاحَةِ أَوْ لَمْ يَمُوتَا، وَمَاتَ الْعَبْدُ بِالْقَطْعِ، لَزِمَ عَمْرًا قِيمَةُ الْعَبْدِ؛ فَحِصَّةُ الْيَدِ مِنْهَا يُخَصُّ بِهَا زَيْدٌ، وَيَتَضَارَبُ زَيْدٌ وَبَكْرٌ أَوْ وَرَثَتُهُمَا فِي الْبَاقِي: زَيْدٌ بِمَا بَقِيَ بَعْدَ أَخْذِ حِصَّةِ الْيَدِ، وَبَكْرٌ بِالْجَمِيعِ،

لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى زَيْدٍ بِتَمَامِ بَدَنِهِ، وَجَنَى عَلَى بَكْرٍ وَلَا يَدَ لَهُ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي بَدَلِهَا، وَأَمَّا حِصَّةُ الْيَدِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِقَطْعِ الْيَدِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يُغْلِطُ؛ فَيَعْتَبِرُ أَرْشَهَا وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ.
قَالَ: وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْ زَيْدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى اثْنَيْنِ، ثُمَّ تَكُونُ قِيمَتُهُ لِأَحَدِهِمَا، وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِرَاحَةَ إِذَا صَارَتْ نَفْسًا، سَقَطَ اعْتِبَارُ بَدَلِ الطَّرَفِ.

فَرْعٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ ذَكَرَهَا الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الْعَاقِلَةِ؛ مِنْهَا: حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا، ثُمَّ أَحْكَمَ رَأْسَهَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَفَتَحَهُ، فَوَقَعَ فِيهَا شَخْصٌ؛ فَمَاتَ فَالضَّمَانُ عَلَى فَاتِحِ الرَّأْسِ.
وَلَوْ أَحْكَمَ رَأْسَهَا آخَرُ فَفَتَحَهُ ثَالِثٌ؛ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِالثَّالِثِ.
وَلَوْ وَقَعَتْ بَهِيمَةٌ فِي بِئْرِ عُدْوَانٍ فَلَمْ تَتَأَثَّرْ بِالصَّدْمَةِ وَبَقِيَتْ فِيهَا أَيَّامًا؛ فَمَاتَتْ جُوعًا أَوْ عَطَشًا؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ لِحُدُوثِ سَبَبٍ آخَرَ، كَمَا لَوِ افْتَرَسَهَا سَبْعٌ فِي الْبِئْرِ.
وَلَوْ تَقَاتَلَ رَجُلَانِ فَرَمَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ فَسَقَطَ بِصَوْلَتِهِ وَتَلَفَ؛ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ سَقَطَ بِصَوْلَتِهِ وَضَرْبَةِ صَاحَبِهِ، وَجَبَ نِصْفُ الضَّمَانِ.
وَلَوْ شَدَّ عُنُقَ أَحَدِ بَعِيرَيْهِ بِالْآخَرِ، وَتَرَكَهُمَا بِالْمَسْرَحِ؛ فَدَخَلَ بِعِيرُ رَجُلٍ بَيْنَهُمَا فَتَلَفَ مِنْ جَذْبَةِ الْحَبْلِ أَحَدُ الْبَعِيرَيْنِ؛ فَلَا ضَمَانَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعِيرُ مَعْرُوفًا بِالْإِفْسَادِ.

الطَّرَفُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ السِّحْرِ: اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ السِّحْرِ وَقَعَ بَعْضُهُ فِي أَوَّلِ الْجِنَايَاتِ، وَبَعْضُهُ هُنَا، وَمُعْظَمُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ دَعْوَى الدَّمِ وَقَدْ رَأَيْتُ تَقْدِيمَ هَذَا الْأَخِيرِ إِلَى هُنَا؛ فَالسَّاحِرُ قَدْ يَأْتِي بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَتَغَيَّرُ بِهِ حَالُ الْمَسْحُورِ؛ فَيَمْرَضُ

وَيَمُوتُ مِنْهُ.
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِوُصُولِ شَيْءٍ إِلَى بَدَنِهِ مِنْ دُخَانٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ دُونَهُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الِاسْتِرَابَادِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا حَقِيقَةَ لِلسِّحْرِ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ.
وَيَحْرُمُ فِعْلُ السِّحْرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ إِبَاحَتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِذَا قَالَ إِنْسَانٌ: تَعَلَّمْتُ السِّحْرَ، أَوْ أُحْسِنُهُ، اسْتُوصِفَ؛ فَإِنْ وَصَفَهُ بِمَا هُوَ كُفْرٌ فَهُوَ كَافِرٌ؛ بِأَنْ يَعْتَقِدَ التَّقَرُّبَ إِلَى الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَوْ قَالَ: أَفْعَلُ بِالسِّحْرِ بِقُدْرَتِي دُونَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ وَصَفَهُ بِمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ.
وَأَمَّا تَعَلُّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ؛ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُمَا حَرَامَانِ، وَالثَّانِي: مَكْرُوهَانِ، وَالثَّالِثُ: مُبَاحَانِ، وَهَذَانِ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ فِي تَعْلِيمِهِ إِلَى تَقْدِيمِ اعْتِقَادٍ هُوَ كُفْرٌ.
قُلْتُ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ «الْإِرْشَادُ» : لَا يَظْهَرُ السِّحْرُ إِلَّا عَلَى فَاسِقٍ، وَلَا تَظْهَرُ الْكَرَامَةُ عَلَى فَاسِقٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ، وَلَكِنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِهِ «الْغَنِيَّةُ» نَحْوَ هَذَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّكَهُّنَ، وَإِتْيَانَ الْكُهَّانِ، وَتَعَلُّمَ الْكِهَانَةِ وَالتَّنْجِيمِ وَالضَّرْبِ بِالرَّمْلِ وَبِالشَّعِيرِ وَالْحَصَى، وَتَعْلِيمَ هَذِهِ كُلِّهَا حَرَامٌ، وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهَا حَرَامٌ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ فِي حُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا الْفَصْلَ فِي «تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ» عِنْدَ ذِكْرِ الْحُلْوَانِ وَالْكِهَانَةِ، وَنَبَّهْتُ فِيهِ عَلَى النُّصُوصِ، وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَلَا يَغْتَرُّ بِجَهَالَةِ مَنْ يَتَعَاطَى الرَّمْلَ وَإِنْ نَسَبَ نَفْسَهُ، أَوْ نَسَبَهُ النَّاسُ إِلَى عِلْمٍ، كَمَا لَا يَغْتَرُّ بِهِ فِيمَا يَعْرِفُهُ مِنْ حَالِهِ مِنْ تَسَاهُلِهِ فِي الشُّبُهَاتِ،

وَبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ؛ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» فَمَعْنَاهُ: مَنْ عَلِمْتُمْ مُوَافَقَتَهُ لَهُ؛ فَلَا بَأْسَ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ الْمُوَافَقَةَ، فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ مُعَلَّقٌ بِمَعْرِفَةِ الْمُوَافَقَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ لَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَعْلَمُ قَصْدَ السَّاحِرِ، وَلَا يُشَاهِدُ تَأْثِيرَ السِّحْرِ؛ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ السَّاحِرِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْجِنَايَاتِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: قَتَلْتُهُ بِسِحْرِي، وَسِحْرِي يَقْتُلُ غَالِبًا؛ فَقَدْ أَقَرَّ بِقَتْلِ الْعَمْدِ.
وَإِنْ قَالَ: وَهُوَ يَقْتُلُ نَادِرًا، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِشِبْهِ الْعَمْدِ، وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْتُ مِنِ اسْمِ غَيْرِهِ إِلَى اسْمِهِ؛ فَهُوَ إِقْرَارٌ بِالْخَطَأِ، ثُمَّ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَدِيَةُ الْخَطَأِ الْمُخَفَّفَةِ كِلَاهُمَا فِي مَالِ السَّاحِرِ، وَلَا تُطَالَبُ الْعَاقِلَةُ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ عَلَيْهِمْ لَا يُقْبَلُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ فِي «الْوَجِيزِ» هِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ خَطَأٌ وَسَبْقُ قَلَمٍ، لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَلَا هُوَ فِي «الْوَسِيطِ» . فَرْعٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «الْأُمِّ» : لَوْ قَالَ: أُمَرِّضُ بِسِحْرِي وَلَا أَقْتُلُ، وَأَنَا سَحَرْتُ فُلَانًا فَأَمْرَضْتُهُ؛ عُزِّرَ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ: لَا أَمْرَضُ بِهِ، وَلَكِنْ أُوذِيَ؛ نُهِيَ عَنْهُ؛ فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ؛ لِأَنَّ السِّحْرَ كُلُّهُ حَرَامٌ.
فَرْعٌ إِذَا قَالَ: أَمْرَضْتُهُ بِسِحْرِي وَلَمْ يَمُتْ بِهِ؛ بَلْ بِسَبَبٍ آخَرَ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» أَنَّهُ لَوْثٌ يُقْسِمُ بِهِ الْوَلِيُّ، وَيَأْخُذُ الدِّيَةَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ: أَنَّهُ لَيْسَ بِلَوْثٍ؛ وَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ فِي «الْأُمِّ» وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ أَنَّهُ إِنْ بَقِيَ مُتَأَلِّمًا إِلَى أَنْ

مَاتَ، حَلَفَ الْوَلِيُّ، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَذَلِكَ قَدْ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَدْ يَثْبُتُ بِاعْتِرَافِ السَّاحِرِ؛ وَإِنِ ادَّعَى السَّاحِرَ الْبُرْءَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةٌ يُحْتَمَلُ الْبُرْءُ فِيهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ نَصُّ «الْمُخْتَصَرِ» . فَرْعٌ قَالَ: قَتَلْتُ بِسِحْرِي جَمَاعَةً، وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا؛ فَلَا قِصَاصَ وَلَا يُقْتَلُ حَدًّا؛ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
فَرْعٌ إِذَا أَصَابَ غَيْرَهُ بِالْعَيْنِ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْعَيْنِ فَلَا قِصَاصَ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ حَقًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ غَالِبًا، وَلَا يُعَدُّ مُهْلِكًا.
قُلْتُ: وَلَا دِيَةَ فِيهِ أَيْضًا وَلَا كَفَّارَةَ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَائِنِ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُعِينِ بِالْبَرَكَةِ؛ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ، وَأَنْ يَقُولَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتَغْسَلْتُمْ فَاغْسِلُوا» قَالَ الْعُلَمَاءُ: الِاسْتِغْسَالُ أَنْ يُقَالَ لِلْعَائِنِ: اغْسِلْ دَاخِلَةَ إِزَارِكَ مِمَّا يَلِي الْجِلْدَ بِمَاءٍ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى الْمَعِينِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ وَغَيْرِهَا أَوْضَحْتُهَا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْعَاقِلَةِ وَمَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَفِي جِنَايَةِ الرَّقِيق قَدْ سَبَقَ عِنْدَ ذِكْرِ جِهَاتِ تَخْفِيفِ الدِّيَةِ وَتَغْلِيظِهَا، أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ عَلَى الْجَانِي، وَفِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ وَسَوَاءٌ فِي الْعَمْدِ كَانَ مُوجِبًا لِلدِّيَةِ ابْتِدَاءً كَقَتْلِ الْأَبِ الِابْنَ، أَمْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ، ثُمَّ عُفِيَ عَلَى الدِّيَةِ.
وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ أَيْضًا دِيَةَ الْأَطْرَافِ فِي

جِنَايَةِ الْعَمْدِ، ثُمَّ بَدَلُ الْعَمْدِ يَجِبُ حَالًا عَلَى قِيَاسِ أَبِدَالِ الْمَتْلَفَاتِ، وَبَدَلُ شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، يَجِبُ مُؤَجَّلًا، وَفِي الْبَابِ أَطْرَافٌ: الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْعَاقِلَةِ، وَالثَّانِي: فِي صِفَتِهِمْ، وَالثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ عَلَيْهِمْ؛ وَهَذِهِ الْأَطْرَافُ مُخْتَصَّةٌ بِجِنَايَةِ الْحُرِّ، وَالرَّابِعُ: فِي جِنَايَةِ الرَّقِيقِ.
أَمَّا الْعَاقِلَةُ فَجِهَاتُ التَّحَمُّلِ ثَلَاثٌ: الْقَرَابَةُ وَالْوَلَاءُ وَبَيْتُ الْمَالِ، وَلَيْسَتِ الْمُحَالَفَةُ وَالْمُوَالَاةُ مِنْ جِهَاتِ التَّحَمُّلِ.
وَلَا يَتَحَمَّلُ الْحَلِيفُ وَلَا الْعَدِيدُ الَّذِي لَا عَشِيرَةَ لَهُ؛ فَيُدْخِلُ نَفْسَهُ فِي قَبِيلَةٍ لِيُعَدَّ مِنْهَا.
وَلَا يَتَحَمَّلُ أَيْضًا عِنْدَنَا أَهْلُ الدِّيوَانِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ؛ أَمَّا جِهَةُ الْقَرَابَةِ؛ فَإِنَّمَا يَتَحَمَّلُ مِنْهَا مَنْ كَانَ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ وَهُمُ الْإِخْوَةُ وَبَنُوهُمْ وَالْأَعْمَامُ وَبَنُوهُمْ.
وَأَمَّا أَبُو الْجَانِي وَأَجْدَادُهُ وَبَنُوهُ وَبَنُو بَنِيهِ؛ فَلَا يَتَحَمَّلُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْعَاضُهُ وَأُصُولُهُ؛ فَلَمْ يَتَحَمَّلُوهُ، كَمَا لَا يَتَحَمَّلُ الْجَانِي.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِدِيَةِ مَقْتُولَةٍ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَالْوَلَدَ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ قَالَ لِرَجُلٍ مَعَهُ ابْنُهُ: «لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» أَيْ: لَا يَلْزَمُكَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ مُوجَبُ جِنَايَتِكَ.
فَلَوْ جَنَتِ امْرَأَةٌ وَلَهَا ابْنٌ هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا؛ لَمْ يَتَحَمَّلْ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مَانِعَةٌ.
فَرْعٌ يُقَدَّمُ أَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ فَأَقْرَبُهُمْ.
وَمَعْنَى التَّقْدِيمِ: أَنْ يُنْظَرَ فِي الْوَاجِبِ عِنْدَ آخِرِ الْحَوْلِ، وَفِي الْأَقْرَبِينَ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ وَفَاءٌ إِذَا وُزِّعَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ لِقِلَّةِ الْوَاجِبِ أَوْ لِكَثْرَتِهِمْ، وُزِّعَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُشَارِكُهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ وَإِلَّا فَيُشَارِكُهُمْ فِي التَّحَمُّلِ مَنْ بَعْدَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.
وَالْمُقَدَّمُ مِنَ الْعَاقِلَةِ الْإِخْوَةُ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْأَعْمَامُ ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ أَعْمَامُ الْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ أَعْمَامُ الْجَدِّ ثُمَّ بَنُوهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْمِيرَاثِ.
وَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ

يُدْلِي مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْأَبَوَيْنِ عَلَى الْمُدْلِي بِالْأَبِ كَالْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ أَمْ يَسْتَوِيَانِ؟ قَوْلَانِ: الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ تَقْدِيمُهُ.
فَرْعٌ ذَوُو الْأَرْحَامِ لَا يَتَحَمَّلُونَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِلَّا إِذَا قُلْنَا بِتَوْرِيثِهِمْ فَيَتَحَمَّلُونَ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَاتِ كَمَا يَرِثُونَ عِنْدَ عَدَمِهِمْ، وَلَا تُحَمَّلُ بِالزَّوْجِيَّةِ بِحَالٍ.
الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: الْوَلَاءُ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي عَصَبَةُ نَسَبٍ، أَوْ كَانُوا وَلَمْ يَفِ التَّوْزِيعُ عَلَيْهِمْ يَحْمِلُ مُعْتِقُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أَوْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ، تَحْمِلُ عَصَبَتُهُ مِنَ النَّسَبِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَوْ فَضَلَ شَيْءٌ؛ تَحَمَّلَ مُعْتِقُ الْمُعْتَقِ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ ابْنُهُ وَأَبُوهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يَدْخُلُ لِفَقْدِ الْبَعْضِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَانِي، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي ابْنِ مُعْتِقِ الْمُعَتَقِ وَأَبِيهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ لَهُ نِعْمَةُ الْوَلَاءِ عَلَى الْأَبِ الْجَانِي وَلَا أَحَدٍ مِنْ عَصَبَاتِهِ؛ تَحَمَّلَ مُعَتِقُ الْأَبِ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ، ثُمَّ مُعَتِقُ مُعَتَقِ الْأَبِ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ لَهُ نِعْمَةُ الْوَلَاءِ عَلَى الْأَبِ؛ تَحَمَّلَ مُعَتِقُ الْجَدِّ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ كَذَلِكَ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي.
وَاللَّقِيطُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ لَوِ ادَّعَاهُ رَجُلٌ، أَوْ بَلَغَ وَانْتَسَبَ إِلَى مَيِّتٍ وَاعْتَرَفَ بِهِ وَرَثَتُهُ، يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَتُؤْخَذُ دِيَةُ جِنَايَتِهِ مِنْ عَصَبَاتِهِ؛ فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى؛ فَالْحُكْمُ لِلْبَيِّنَةِ.

فَصْلٌ

سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ بِحَالٍ؛ فَلَوْ أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَمْ تَحْمِلْ عَقْلَهُ؛ وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُ مَنْ يَحْمِلُ دِيَةَ جِنَايَتِهَا؛ كَمَا يُزَوِّجُ عَتِيقَهَا مَنْ يُزَوِّجُهَا.

فَرْعٌ أَعْتَقَ جَمَاعَةٌ عَبْدًا؛ فَجَنَى خَطَأً، حَمَلُوا عَنْهُ حَمْلَ شَخْصٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِجَمِيعِهِمْ لَا لِكُلِّ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ فَالْمَضْرُوبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ نِصْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانُوا مُتَوَسِّطِينَ؛ فَرُبُعٌ، وَإِنْ كَانُوا بَعْضًا وَبَعْضًا؛ فَعَلَى الْغَنِيِّ حِصَّتُهُ مِنَ النِّصْفِ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ حِصَّتُهُ مِنَ الرُّبْعِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعَتِقُ وَاحِدًا وَمَاتَ عَنْ إِخْوَةٍ مَثَلًا، ضُرِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ حِصَّتُهُ تَامَّةً مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ أَوْ رُبُعِهِ، وَلَا يُقَالُ: يُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ الْمَيِّتُ يَحْمِلُهُ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَتَوَزَّعُ عَلَيْهِمْ تَوَزُّعَهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ، وَلَا يَرِثُونَ الْوَلَاءَ مِنَ الْمَيِّتِ، بَلْ يَرِثُونَ بِهِ.
وَلَوْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الشُّرَكَاءِ الْمُعْتِقِينَ، أَوْ جَمِيعِهِمْ؛ حَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَصَبَاتِهِ مِثْلَ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ الْمَيِّتُ وَهُوَ حِصَّتُهُ مِنْ نِصْفٍ أَوْ رُبُعٍ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ نُزُولُهُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ الشَّرِيكِ.
فَرْعٌ إِذَا ضَرَبْنَا عَلَى الْمُعْتَقِ؛ فَبَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْوَاجِبِ؛ فَهَلْ يُضْرَبُ عَلَى عَصَبَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ؟ نَقَلَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ الْمَنْعَ إِذْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْوَلَاءِ وَلَا بِالْوَلَاءِ فِي حَيَاتِهِ.
وَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ فِيمَا لَوْ لَمْ يَبْقَ الْمُعْتَقُ وَضَرَبْنَا عَلَى عَصَبَتِهِ؛ فَهَلْ يُخَصُّ بِالْأَقْرَبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْوَلَاءِ وَالْإِرْثِ، أَمْ يَتَعَدَّى إِلَى الْأَبَاعِدِ كَعَصَبَةِ الْجَانِي؟ وَرَجَّحَ الِاحْتِمَالَ الثَّانِي وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَصَرَّحَ صَاحِبَا «الشَّامِلِ» وَ «التَّتِمَّةِ» وَغَيْرُهُمَا بِالضَّرْبِ عَلَيْهِمْ.

فَصْلٌ

فِي تَحَمُّلِ الْعَتِيقِ عَنِ الْمُعْتِقِ قَوْلَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا: الْمَنْعُ إِذْ لَا إِرْثَ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْمُعَتِقِ، وَلَا يُضْرَبُ عَلَى عَصَبَتِهِ بِحَالٍ؛ قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ فِي عَتِيقِ الْعَتِيقِ الْقَوْلَانِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ.

فَصْلٌ

سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَمَسَّهُ رِقٌّ قَدْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ أُمِّهِ؛ وَأَنَّ أُمَّهُ إِذَا كَانَتْ عَتِيقَةً وَالْأَبُ رَقِيقٌ؛ فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهَا؛ فَإِنْ أَعْتَقَ الْأَبُ، انْجَرَّ وَلَاءُ الْوَلَدِ إِلَى مَوْلَى الْأَبِ، وَتَحَمُّلُ عَقْلِهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْوَلَاءِ؛ فَيَتَحَمَّلُهُ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ.
فَلَوْ جَنَى مُتَوَلِّدٌ مِنْ عَتِيقَةٍ وَرَقِيقٍ؛ فَالدِّيَةُ عَلَى مَوْلَى الْأُمِّ، وَلَوْ جَرَحَ رَجُلًا؛ فَأَعْتَقَ أَبُوهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ فَأَرْشُ الْجِرَاحَةِ عَلَى مَوْلَى الْأُمِّ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِيجَابُهُ عَلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ؛ لِزَوَالِ اسْتِحْقَاقِهِ الْوَلَاءَ، وَلَا عَلَى مُعْتِقِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِسَرَايَةٍ وُجِدَتْ قَبْلَ انْجِرَارِ الْوَلَاءِ إِلَيْهِ، وَلَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِوُجُودِ جِهَةِ الْوَلَاءِ؛ هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْأَصْحَابِ، وَلِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ احْتِمَالٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْوَلَاءِ كَعَدَمِهِ؛ وَلِلْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ مِنْهَا: مُتَوَلِّدٌ مِنْ عَتِيقَةٍ وَرَقِيقٍ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا، أَوْ أَشْرَعَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا؛ فَمَاتَ بِهِ رَجُلٌ؛ فَالدِّيَةُ عَلَى مَوْلَى الْأُمِّ؛ فَإِنْ أَعْتَقَ أَبُوهُ، ثُمَّ حَصَلَ الْهَلَاكُ، فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ.
ثُمَّ لَوْ حَفَرَ الْعَبْدُ بِئْرًا، ثُمَّ عَتَقَ، ثُمَّ تَرَدَّى فِيهَا شَخْصٌ.
أَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ، فَعَتَقَ، ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمُ شَخْصًا؛ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ.
وَلَوْ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ خَطَأً؛ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ، صَارَ السَّيِّدُ بِإِعْتَاقِهِ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ؛ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ وَكَمَالِ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَيَجِبُ فِي مَالِ الْجَانِي نِصْفُ الدِّيَةِ؛ قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَجِيءُ وَجْهَانِ؛ السَّيِّدُ يَفْدِيهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ وَكُلِّ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وُجِدَتْ فِي الرِّقِّ.
وَمِنْهَا: رَمَى ذِمِّيٌّ صَيْدًا؛ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَصَابَ إِنْسَانًا؛ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى عَاقِلَةِ الذِّمِّيِّ وَلَا الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إِنَّمَا يَحْمِلُهَا مَنْ كَانَ عَاقِلَةً فِي حَالَتَيِ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ؛ وَلَوْ رَمَى يَهُودِيٌّ صَيْدًا، ثُمَّ تَنَصَّرَ، ثُمَّ أَصَابَ

شَخْصًا، قَالَ الْأَصْحَابَ: إِنْ قُلْنَا: لَا يُقِرُّ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ مُرْتَدٌ لَا عَاقِلَةَ لَهُ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُقِرُّ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانُوا؛ وَلْيَكُنْ تَحَمُّلُهُمْ عَلَى خِلَافٍ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا بِهِ.
وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ رَجُلًا خَطَأً، وَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ؛ فَأَرْشُ الْجُرْحِ عَلَى عَاقِلَتِهِ الذِّمِّيِّينَ، وَالْبَاقِي فِي مَالِهِ؛ فَإِنْ زَادَ أَرْشُ الْجُرْحِ عَلَى دِيَةٍ بِأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ؛ فَالْوَاجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ عَلَى عَاقِلَتِهِ الذِّمِّيِّينَ؛ قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ وَوَافَقَهُ الْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ قَطَعَ بِهِ فِي «الْمُهَذَّبِ» أَنَّ الْأَرْشَ وَالزَّائِدَ عَلَى الْعَاقِلَةِ الذِّمِّيِّينَ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجُرْحِ، وَلَوْ عَادَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَجَنَى عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ جِنَايَةً أُخْرَى خَطَأً، وَمَاتَ مِنْهُمَا؛ فَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّونَ، فَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجُرْحِ نِصْفَ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ؛ فَعَلَيْهِمُ النِّصْفُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ كَأَرْشِ مُوضِحَةٍ؛ فَهُوَ عَلَى الذِّمِّيِّينَ، وَمَا زَادَ إِلَى تَمَامِ النِّصْفِ؛ فَعَلَى الْجَانِي، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ مُذَفَّفًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ: أَرْشُ الْجُرْحِ الْوَاقِعِ فِي الْكُفْرِ عَلَى الذِّمِّيِّينَ، وَالْبَاقِي إِلَى تَمَامِ الدِّيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِي «النِّهَايَةِ» وَ «الْبَيَانِ» إِنَّ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيمَنْ جُرِحَ ثُمَّ قُتِلَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَرْشُ جُرْحِهِ فِي الدِّيَةِ؛ وَأَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ الدُّخُولُ؛ فَجَمِيعُ الدِّيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَلَوْ عَادَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ فَجُرْحُهُ مَعَ آخَرَ خَطَأٌ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ أَنَّ الدِّيَةَ تُوَزَّعُ عَلَى الْجَارِحِينَ أَمْ عَلَى الْجِرَاحَاتِ؟ إِنْ قُلْنَا: عَلَى الْجَارِحِينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ بِالْجُرْحَيْنِ؛ فَحِصَّةُ جُرْحِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ الرُّبْعُ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا جُرْحُ الْكُفْرِ؛ فَإِنْ كَانَ أَرْشُهُ كَرُبُعِ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ؛ فَعَلَى الذِّمِّيِّينَ الرُّبْعُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ دُونَ الرُّبْعِ؛ فَعَلَيْهِمْ قَدْرُ الْأَرْشِ، وَالزِّيَادَةُ إِلَى تَمَامِ الرُّبْعِ فِي مَالِ الْجَانِي؛ وَإِنْ وَزَّعْنَا عَلَى الْجِرَاحَاتِ؛ فَثُلْثُ الدِّيَةِ وَهُوَ حِصَّةُ جُرْحِ الْإِسْلَامِ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَجُرْحُ الْكُفْرِ إِنْ كَانَ

أَرْشُهُ كَثُلْثِ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ؛ فَعَلَى الذِّمِّيِّينَ الثُّلْثُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، فَعَلَيْهِمُ الْأَرْشُ، وَالْبَاقِي إِلَى تَمَامِ الثُّلْثِ فِي مَالِ الْجَانِي.
وَمِنْهَا: لَوْ جَرَحَ شَخْصًا خَطَأً، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِالسِّرَايَةِ، فَأَرْشُ الْجُرْحِ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَاقِي إِلَى تَمَامِ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْجَانِي؛ فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ كَالدِّيَةِ، أَوْ أَكْثَرَ بِأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ؛ فَقَدْرُ الدِّيَةِ وَهُوَ الْوَاجِبُ يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ.
وَلَوْ جَرَحَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ، ثُمَّ أَسْلَمُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ؛ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ إِذْ لَا عَاقِلَةَ لِلْمُرْتَدِّ.
وَلَوْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ؛ فَارْتَدَّ الْجَارِحُ، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ؛ فَهَلْ عَلَى عَاقِلَتِهِ جَمِيعُ الدِّيَةِ اعْتِبَارًا بِالطَّرَفَيْنِ، أَمْ عَلَيْهِمْ أَرْشُ الْجُرْحِ وَمَا زَادَ فِي مَالِ الْجَانِي؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: فِيهِ قَوْلَانِ، وَجَزَمَ آخَرُونَ بِوُجُوبِ الْجَمِيعِ عَلَيْهِمْ إِنْ قَصُرَ زَمَانُ الرِّدَّةِ الْمُتَخَلِّلَةِ، وَخَصُّوا الْقَوْلَيْنِ بِطُولِ زَمَانِهَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَجِيءُ وَجْهٌ أَنَّ عَلَى الْعَاقِلَةِ ثُلْثَيِ الدِّيَةِ لِوُجُودِ الْإِسْلَامِ فِي حَالَيْنِ.
وَلَوْ رَمَى سَهْمًا إِلَى صَيْدٍ وَارْتَدَّ، فَأَصَابَ شَخْصًا، أَوْ رَمَى الْمُرْتَدُّ صَيْدًا فَأَسْلَمَ فَأَصَابَ السَّهْمَ؛ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَدَّلَ حَالُهُ رَمْيًا وَإِصَابَةً، وَلَوْ تَخَلَّلَتِ الرِّدَّةُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ؛ فَكَذَا الْجَوَابُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُمْ خَرَّجُوهَا عَلَى قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِي: فِي مَالِهِ.
الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: بَيْتُ الْمَالِ؛ فَيَتَحَمَّلُ جِنَايَةَ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ بِنَسَبٍ وَلَا وَلَاءٍ، أَوْ لَهُ عَصَبَةٌ مُعْسِرُونَ، أَوْ فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَاجِبِ؛ فَيَجِبُ الْبَاقِي فِي بَيْتِ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا؛ فَإِنْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا أَوْ ذِمِّيًّا فَلَا، بَلِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ؛ كَمُسْلِمٍ لَا عَاقِلَةَ لَهُ وَلَا بَيْتَ مَالٍ، وَهَلْ يَتَحَمَّلُ أَبُوهُ وَابْنُهُ؟ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ وَلَا بَيْتُ مَالٍ، وَقُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، هَلْ

يَلْزَمُ أَبَاهُ وَابْنَهُ؟ وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ؛ فَلَا عَاقِلَةَ لَهُ، فِدْيَةُ قَتْلِهِ خَطَأً فِي مَالِهِ مُؤَجَّلَةٌ؛ فَإِنْ مَاتَ، سَقَطَ الْأَجَلُ.

الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي صِفَاتِ الْعَاقِلَةِ وَهِيَ خَمْسٌ: الْأُولَى: التَّكْلِيفُ؛ فَلَا يَعْقِلُ صَبِيٌّ وَلَا مَعْتُوهٌ، الثَّانِيَةُ: الذُّكُورَةُ؛ فَلَا تَعْقِلُ امْرَأَةٌ وَلَا خُنْثَى، فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا؛ فَهَلْ يَغْرَمُ حِصَّتَهُ الَّتِي أَدَّاهَا غَيْرُهُ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: لَعَلَّ أَصَحَّهُمَا: نَعَمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: اتِّفَاقُ الدِّينِ؛ فَلَا يَعْقِلُ مُسْلِمٌ عَنْ ذَمِّيٍّ وَعَكْسُهُ، وَفِي عَقْلِ يَهُودِيٍّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَعَكْسِهِ قَوْلَانِ.
قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ لِذِمِّيٍّ أَقَارِبُ حَرْبِيُّونَ؛ فَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِمْ؛ فَهُمْ كَالْعَدَمِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ قَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى الضَّرْبِ عَلَيْهِمْ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ، إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَلَا ضَرْبَ؛ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَالْمُعَاهِدُ كَالذِّمِّيِّ؛ فَيَعْقِلُ عَنْهُ الذِّمِّيُّ، وَيَعْقِلُ هُوَ عَنِ الذِّمِّيِّ إِنْ زَادَتْ مُدَّةُ الْعَهْدِ عَلَى أَجَلِ الدِّيَةِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ.
الرَّابِعَةُ: الْحُرِّيَّةُ؛ فَلَا يَعْقِلُ مَكَاتَبٌ.
الْخَامِسَةُ: أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا أَوْ مُتَوَسِّطًا لَا فَقِيرًا مُعْتَمِلًا، وَلَا يَمْنَعُ الْعَقْلَ مُطْلَقُ الْمَرَضِ وَالْكِبَرِ وَالزَّمَانَةِ وَالْعَمَى وَالْهَرَمِ.
وَفِي الزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَالْهَرَمِ وَجْهٌ، لِضَعْفِهِمْ عَنِ النُّصْرَةِ.

فَصْلٌ

يُضْرَبُ عَلَى الْغَنِيِّ نِصْفُ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبُعُ دِينَارٍ، وَهَلِ النِّصْفُ وَالرُّبْعُ حِصَّةُ كُلِّ سَنَةٍ أَمْ لَا يَجِبُ فِي السِّنِينَ الثَّلَاثِ إِلَّا النِّصْفُ أَوِ الرُّبْعُ؟ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يُضْبَطُ الْغِنَى

وَالتَّوَسُّطُ بِالْعَادَةِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ، وَرَأْيُ الْإِمَامِ أَنَّ الْأَقْرَبَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِالزَّكَاةِ؛ فَإِنْ مَلَكَ عِشْرِينَ دِينَارًا آخِرَ الْحَوْلِ فَغَنِيٌّ، وَإِنْ مَلَكَ دُونَ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَاتِهِ فَمُتَوَسِّطٌ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَمْلِكَ شَيْئًا فَوْقَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَهُوَ الرُّبْعُ لِئَلَّا يَصِيرَ فَقِيرًا، وَشَرْطُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَا يَمْلِكَانِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَثِيَابٍ وَسَائِرِ مَا لَا يُكَلَّفُ بَيْعُهُ فِي الْكَفَّارَةِ.
فَرْعٌ الِاعْتِبَارُ فِيمَا يُؤْخَذُ كُلُّ حَوْلٍ بِآخِرِ ذَلِكَ الْحَوْلِ فِي أُمُورٍ: أَحَدُهَا: إِذَا تَمَّ حَوْلٌ وَهُنَاكَ إِبِلٌ، جَمَعَتِ الْعَاقِلَةُ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ نِصْفٍ وَرُبُعٍ فَاشْتَرَوْا بِهِ إِبِلًا؛ فَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الْإِبِلُ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ حِينَئِذٍ الْقِيمَةُ أَمْ بَدَلٌ مُقَدَّرٌ؛ فَلَوْ تَأَخَّرَ الْأَدَاءُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَوُجِدَتْ؛ لَزِمَهُمُ الْإِبِلُ، وَإِنْ وُجِدَتْ بَعْدَ أَخْذِ الْبَدَلِ لَمْ يُؤَثِّرْ.
الثَّانِي: إِذَا لَمْ يَفِ التَّوْزِيعُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِوَاجِبِ الْحَوْلِ؛ أُخِذَ الْبَاقِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُنْتَظَرُ مُضِيُّ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ.
الثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ غِنَاهُ وَتَوَسُّطُهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ؛ فَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا آخِرَ الْحَوْلِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبِ ذَلِكَ الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا مِنْ قَبْلُ، أَوْ أُيْسِرَ بَعْدُ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا آخِرَ الْحَوْلِ؛ لَزِمَهُ.
فَلَوْ أَعْسَرَ بَعْدَهُ؛ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَصَارَ فِي آخِرِهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ؛ فَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ حِصَّتُهُ مِنْ وَاجِبِ تِلْكَ السَّنَةِ وَمَا بَعْدَهَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ؛ أَصَحُّهَا: لَا، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَالثَّالِثُ: لَا تُؤْخَذُ حِصَّةُ تِلْكَ السَّنَةِ وَيُؤْخَذُ مَا بَعْدَهَا.
فَرْعٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْعِيُّ فِي وُجُوبِ النِّصْفِ وَالرُّبْعِ قَدْرُهُمَا؛ لَا أَنَّهُ

يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ بَذْلُ الدَّنَانِيرِ بِأَعْيَانِهِمَا، لِأَنَّ الْإِبِلَ هِيَ الْوَاجِبُ فِي الدِّيَةِ، وَمَا يُؤْخَذُ يُصْرَفُ إِلَى الْإِبِلِ، وَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ لَا يَقْبَلَ غَيْرَهَا؛ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ قَالَ: عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ، أَوْ سِتَّةُ دَرَاهِمَ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، قَدْ سَبَقَ بَيَانُ تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ وَالْجِهَاتِ، وَقَدْرُ الْوَاجِبِ؛ فَإِذَا انْتَهَى التَّحَمُّلُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ؛ فَهَلْ يُؤْخَذُ الْوَاجِبُ مِنَ الْجَانِي؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوَّلًا أَمْ عَلَى الْجَانِي، ثُمَّ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: تُؤْخَذُ مِنَ الْجَانِي؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تُؤْخَذُ؛ فَفِي وَجْهٍ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كَنَفَقَةِ الْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ هَذَا.
لَكِنْ لَوْ حَدَثَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، هَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْوَاجِبُ؟ وَجْهَانِ؛ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ؛ أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَا يُطَالَبُ فَقِيرُ الْعَاقِلَةِ لِغِنَاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تُؤْخَذُ مِنَ الْجَانِي؛ فَهِيَ مُؤَجَّلَةٌ عَلَيْهِ كَالْعَاقِلَةِ، وَهَلْ تَجِبُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَيُقَدَّمَانِ عَلَى الْقَاتِلِ.
فَرْعٌ إِذَا اعْتَرَفَ الْجَانِي بِالْخَطَأِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَصَدَّقَتْهُ الْعَاقِلَةُ؛ فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ؛ وَإِنْ كَذَّبُوهُ؛ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لَكِنْ يَحْلِفُونَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ فَإِذَا حَلَفُوا؛ فَالدِّيَةُ عَلَى الْمُقِرِّ قَطْعًا.
وَعَنِ الْمُزَنِيِّ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ الدِّيَةُ أَوَّلًا عَلَى الْعَاقِلَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَبْعُدُ هَذَا عَنِ الْقِيَاسِ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَتَتَأَجَّلُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ كَالْعَاقِلَةِ؛ لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ ثُلْثُ الدِّيَةِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ مِنَ الْعَاقِلَةِ؛ فَلَوْ مَاتَ، فَهَلْ تَحِلُّ الدِّيَةُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّ الْأَجَلَ يُلَازِمُ دِيَةَ الْخَطَأِ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛

كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، لَا تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ سَبِيلَهُ الْمُوَاسَاةُ، وَالْوُجُوبُ عَلَى الْجَانِي سَبِيلُهُ صِيَانَةُ الْحَقِّ عَنِ الضَّيَاعِ؛ فَلَا يَسْقُطُ؛ فَلَوْ مَاتَ مُعْسِرًا.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ تُؤْخَذَ الدِّيَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا مُعْسِرًا.
الثَّانِي أَرْجَحُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ غَرِمَ الْجَانِي ثُمَّ اعْتَرَفَتِ الْعَاقِلَةُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوُجُوبُ يُلَاقِيهِ؛ لَمْ يَرُدَّ الْوَلِيُّ مَا قَبَضَ؛ بَلْ يَرْجِعُ الْجَانِي عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوَّلًا؛ رَدَّ الْوَلِيُّ مَا أَخَذَ، وَابْتَدَأَ بِمُطَالَبَةِ الْعَاقِلَةِ.
وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ قَتْلَ خَطَأٍ، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي؛ فَإِنْ قُلْنَا: الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ كَذَّبَتِ الْعَاقِلَةُ الْمُدَّعِيَ.
وَإِنْ قُلْنَا: كَالْبَيِّنَةِ؛ فَهَلِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَمْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَهَابًا إِلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ كَالْبَيِّنَةِ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُتَدَاعِيَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

فَصْلٌ

بَدَلُ الْأَطْرَافِ وَأُرُوشُ الْجِرَاحَاتِ وَالْحُكُومَاتِ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا يُضْرَبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَدِيَةِ النَّفْسِ، وَحُكِيَ عَنِ الْقَدِيمِ قَوْلُ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَكِنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي النَّفْسِ؛ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا؛ وَلِهَذَا لَا كَفَّارَةَ وَلَا قَسَامَةَ فِي الطَّرَفِ، وَقَوْلٌ آخَرُ: إِنَّ مَا دُونَ ثُلْثِ الدِّيَةِ لَا يُضْرَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْظُمُ إِجْحَافُهُ بِالْجَانِي.
فَرْعٌ لَوْ كَانَ الْأَرْشُ نِصْفَ دِينَارٍ مَثَلًا، وَالْعَاقِلَةُ جَمَاعَاتٌ فَوَجْهَانِ؛

أَصَحُّهُمَا: يُوَزَّعُ النِّصْفُ عَلَيْهِمْ، وَالثَّانِي يُعَيِّنُ لَهُ الْقَاضِي وَاحِدًا، أَوْ جَمَاعَةً بِاجْتِهَادِهِ كَيْ لَا يَعْسُرَ التَّوْزِيعُ، وَهَذَا كَالْخِلَافِ فِيمَا لَوْ كَثُرَتِ الْعَاقِلَةُ فِي دَرَجَةٍ بِحَيْثُ لَوْ وُزِّعَ الْوَاجِبُ، لَأَصَابَ كُلَّ غَنِيٍّ دُونَ نِصْفٍ، وَكُلَّ مُتَوَسِّطٍ دُونَ رُبُعٍ فَقَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ: ضَرْبُهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَالثَّانِي: يَخُصُّ الْإِمَامَ جَمَاعَةً يُضْرَبُ عَلَى أَغْنِيَائِهِمُ النِّصْفُ، وَمُتَوَسِّطِهِمُ الرُّبْعُ.
وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ؛ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَخُصُّ جَمَاعَةً بِاجْتِهَادِهِ، وَالثَّانِي: يَجْعَلُهُمْ فَرِيقَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَيُقْرَعُ.

فَصْلٌ

لَا خِلَافَ أَنَّ مَا يُضْرَبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ يُضْرَبُ مُؤَجَّلًا وَأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَنْقُصُ عَنْ سَنَةٍ؛ وَأَنَّ دِيَةَ النَّفْسِ الْكَامِلَةِ تُؤَجَّلُ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ؛ يُؤْخَذُ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلْثُهَا، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي عِلَّتِهِ؛ فَرَاعَتْ طَائِفَةٌ كَوْنَهَا بَدَلَ نَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ، وَرَاعَى آخَرُونَ قَدْرَ الْوَاجِبِ وَاعْتَبَرُوا التَّأْجِيلَ بِهِ؛ وَهَذَا أَصَحُّ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي صُوَرٍ: إِحْدَاهَا: بَدَلُ الْعَبْدِ أَوْ طَرَفُهُ إِذَا جُنِيَ عَلَيْهِ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ؛ هَلْ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ أَمْ هُوَ فِي مَالِ الْجَانِي؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ وَهُوَ الْجَدِيدُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ آدَمِيٍّ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ وَكَفَّارَةٌ؛ فَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِلَةُ فِي قِيمَتِهِ؛ صُدِّقُوا بِأَيْمَانِهِمْ؛ فَلَوْ صَدَّقَهُ الْجَانِي لَمْ يَقْبَلْ عَلَيْهِمْ بَلِ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا اعْتَرَفَتْ بِهِ الْعَاقِلَةُ فِي مَالِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ قَدْرَ دِيَةِ حُرٍّ ضُرِبَتْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْرَ دِيَتَيْنِ؛ فَهَلْ تُضْرَبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِكَوْنِهَا بَدَلَ نَفْسٍ؛ أَمْ فِي سِتِّ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَدْرَ ثُلْثِ دِيَةٍ نَظَرًا إِلَى الْقَدْرِ؟ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.

الثَّانِيَةُ: فِي دِيَةِ النَّفْسِ النَّاقِصَةِ؛ كَامْرَأَةٍ وَذِمِّيٍّ وَغُرَّةِ جَنِينٍ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِأَنَّهَا نَفْسٌ؛ وَأَصَحُّهُمَا: يُنْظَرُ إِلَى الْقَدْرِ؛ فِدْيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ وَالْجَنِينِ فِي سَنَةٍ؛ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الثُّلْثِ، وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ فِي سَنَتَيْنِ، فِي آخِرِ الْأُولَى ثُلْثُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَفِي آخِرِ الثَّانِيَةِ الْبَاقِي.
الثَّالِثَةُ: قَتْلُ جَمَاعَةٍ كَثَلَاثَةِ رِجَالٍ مَثَلًا؛ فَهَلْ تُضْرَبُ دِيَاتُهُمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَمْ فِي تِسْعٍ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَلَوْ قَتَلَ ثَلَاثَةٌ وَاحِدًا؛ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلْثُ دِيَتِهِ؛ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةٍ.
الرَّابِعَةُ: دِيَةُ الْأَطْرَافِ وَأُرُوشُ الْجِرَاحِ وَالْحُكُومَاتِ، قِيلَ: تُضْرَبُ فِي سَنَةٍ قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ؛ وَالصَّحِيحُ: التَّفْضِيلُ؛ فَإِنْ لَمْ يَزِدِ الْوَاجِبُ عَلَى ثُلْثِ الدِّيَةِ؛ ضُرِبَ فِي سَنَةٍ؛ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُجَاوِزِ الثُّلْثَيْنِ؛ فَفِي سَنَتَيْنِ فِي آخِرِ الْأُولَى ثُلْثُ دِيَةٍ وَفِي آخِرِ الثَّانِيَةِ الْبَاقِي، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلْثَيْنِ وَلَمْ يُجَاوِزِ الدِّيَةَ؛ فَفِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ زَادَ كَقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ فِي سِتِّ سِنِينَ، وَقِيلَ: فِي ثَلَاثٍ، وَيَدُ الْمَرْأَةِ فِي سَنَةٍ وَيَدَاهَا كَنَفْسِهَا.

فَصْلٌ

مَاتَ بَعْضُ الْعَاقِلَةِ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ لَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ تَرِكَتِهِ كَالزَّكَاةِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوَلِ وَالْوُجُوبِ عَلَيْهِ، وَجَبَ فِي تَرِكَتِهِ.

فَصْلٌ

إِنْ كَانَتِ الْعَاقِلَةُ حَاضِرِينَ فِي بَلَدِ الْجِنَايَةِ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا غَائِبِينَ، لَمْ يَسْتَحْضِرُوا وَلَا يُنْتَظَرْ حُضُورُهُمْ بَلْ إِنْ كَانَ لَهُمْ

هُنَاكَ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ؛ وَإِلَّا فَيَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ، وَيَكْتُبُ بِذَلِكَ إِلَى قَاضِي بَلَدِهِمْ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنْ شَاءَ حَكَمَ بِالْقَتْلِ وَكَتَبَ إِلَى قَاضِي بَلَدِهِمْ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ، وَيَأْخُذَهَا مِنْهُمْ.
وَإِنْ غَابَ بَعْضُهُمْ وَحَضَرَ بَعْضُهُمْ، نُظِرَ، إِنِ اسْتَوَوْا فِي الدَّرَجَةِ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ مَنْ حَضَرَ لِقُرْبِ دَارِهِ وَإِمْكَانِ النُّصْرَةِ مِنْهُ.
وَأَظْهَرُهُمَا: تُضْرَبُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ حَضَرُوا كُلُّهُمْ أَوْ غَابُوا، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَاضِرِينَ وَفَاءٌ، ضُرِبَ الْبَاقِي عَلَى الْغَائِبِينَ، وَطَرِيقُهُ كِتَابُ الْقَاضِي كَمَا سَبَقَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دَارُهُمْ؛ قَدِمَ الْأَقْرَبُ دَارًا فَالْأَقْرَبُ.
هَكَذَا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ الْجُمْهُورُ، وَجَعَلَهُمَا الْمُتَوَلِّي فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْحَاضِرِينَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دَرَجَتُهُمْ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَاضِرُونَ أَقْرَبَ، وُزِّعَ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَفُوا بِالْوَاجِبِ كَتَبَ الْقَاضِي لِمَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانُوا أَبْعَدَ فَفِي تَخْصِيصِ الْحَاضِرِينَ طَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْخِلَافِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالضَّرْبِ عَلَى الْأَقْرَبِينَ وَإِنْ بَعُدَتْ دَارُهُمْ؛ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْعِرَاقِيُّونَ.

فَصْلٌ

ابْتِدَاءً الْمُدَّةُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ مِنْ وَقْتِ الزَّهُوقِ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ مُذَفَّفٍ أَوْ بِسَرَايَةِ جُرْحٍ وَلَا خِلَافَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: إِنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي؛ فَلَا يُعْرَفُ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» عَنِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْغَزَالِيَّ؛ وَأَمَّا أَرْشُ مَا دُونَ النَّفْسِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْرِ وَانْدَمَلَتْ، فَابْتِدَاءُ مُدَّتِهَا مِنْ وَقْتِ الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ أَبُو الْفَيَّاضِ: مِنَ الِانْدِمَالِ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ مَضَتْ سَنَةٌ وَلَمْ تَنْدَمِلْ؛ فَفِي مُطَالَبَةِ الْعَاقِلَةِ بِالْأَرْشِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي مُطَالَبَةِ الْجَانِي الْعَامِدِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَإِنْ سَرَتْ مِنْ عُضْوٍ إِلَى عُضْوٍ بِأَنْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ؛ فَسَرَتْ إِلَى كَفِّهِ؛ فَهَلِ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ سُقُوطِ الْكَفِّ أَمْ مِنْ الِانْدِمَالِ، أَمْ أَرْشُ

الْأُصْبُعِ مِنْ يَوْمِ الْقَطْعِ، وَأَرْشُ الْكَفِّ مِنْ يَوْمِ سُقُوطِهَا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَبِالثَّانِي الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَصْحَابُهُ، وَالثَّالِثُ اخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.

فَصْلٌ

فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ: الْقَاتِلُ خَطَأً لَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الدِّيَةِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَهَدَرٌ.
جِنَايَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَحْمُولَةٌ إِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ عَمْدًا، وَقُلْنَا: عَمْدُهُمَا خَطَأٌ.
لَوْ حَلَّ نَجْمٌ وَلَا إِبِلَ فِي الْبَلَدِ؛ قُوِّمَتْ يَوْمَئِذٍ، وَأَخَذَتْ قِيمَتَهَا، وَلَا تُعْتَبَرُ بَعْضُ النُّجُومِ بِبَعْضٍ، وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ إِذَا قُتِلَ خَطَأً تَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ.

الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ فَإِذَا جَنَى عَبْدٌ جِنَايَةً تُوجِبُ مَالًا أَوْ قِصَاصًا، وَعُفِيَ عَلَى مَالٍ، تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ فَتُؤَدَّى مِنْهَا، وَهَلْ تَتَعَلَّقُ مَعَ ذَلِكَ بِذِمَّتِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مُسْتَنْبَطَانِ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُقَالُ: وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، فَتَكُونُ الرَّقَبَةُ مَرْهُونَةً بِهِ، وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا، وَيُنْسَبُ إِلَى الْجَدِيدِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالذِّمَّةِ؛ فَبَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ صَرْفِ ثَمَنِهِ إِلَى الْأَرْشِ؛ اتَّبَعَ بِهِ بَعْدَ مُعْتَقٍ، وَكَذَا لَوْ ضَاعَ الثَّمَنُ قَبْلَ صَرْفِهِ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يُطَالِبُ بِالْجَمِيعِ، وَهَلْ يَجُوزُ ضَمَانُهُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ فِي الْحَالِ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَضَمَانِ الْمُعْسِرِ وَأَوْلَى لِتَوَقُّعِ يَسَارِهِ، وَضَمَانِ مَا يَلْزَمُ ذِمَّتَهُ بِدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ مَا تَعَلَّقَ بِكَسْبِهِ؛ كَالْمَهْرِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ ضَمِنَهُ السَّيِّدُ فَمُرَتَّبٌ عَلَى ضَمَانِ الْأَجْنَبِيِّ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِتَعَلُّقِهِ بِمِلْكِهِ، ثُمَّ الْعَبْدُ الْمُتَعَلِّقُ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ لَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ بَلْ سَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ

يُسَلِّمَهُ لِلْبَيْعِ، وَبَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ لِنَفْسِهِ وَيَفْدِيَهَا، وَيَكُونُ الْمَالُ الَّذِي بَذَلَهُ فِدَاءٌ كَالثَّمَنِ الَّذِي يَشْتَرِيهِ بِهِ أَجْنَبِيٌّ؛ وَإِذَا سَلَّمَهُ لِلْبَيْعِ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، بِيعَ كُلُّهُ؛ وَإِلَّا فَقَدْرَ الْحَاجَةِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ سَيِّدُهُ فِي بَيْعِ الْجَمِيعِ؛ فَيُؤَدِّي الْأَرْشَ وَيَكُونُ الْبَاقِي لَهُ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِي بَعْضُهُ، وَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُهُ فَدَاءَهُ، فَبِكَمْ يَفْدِيهِ؟ قَوْلَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الْجَدِيدُ: بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَالْقَدِيمُ: بِالْأَرْشِ بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ فَعَلَى الْجَدِيدِ قَالَ الْبَغَوِيُّ: النَّصُّ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ؛ وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْفِدَاءِ، لِأَنَّ مَا نَقَصَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُؤَاخَذُ السَّيِّدُ بِهِ.
وَحُمِلَ النَّصُّ عَلَى مَا إِذَا سَبَقَ مِنَ السَّيِّدِ مَنْعٌ مِنْ بَيْعِهِ حَالَةَ الْجِنَايَةِ، ثُمَّ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ.
وَلَوْ جَنَى فَفَدَاهُ ثُمَّ جَنَى؛ فَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ لِيُبَاعَ، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَهُ ثَانِيًا، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْفِدَاءِ، فَإِنْ سَلَّمَهُ لِلْبَيْعِ، بِيعَ وَوُزِّعَ الثَّمَنُ عَلَى أَرْشِ الْجِنَايَتَيْنِ، وَإِنِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ، فَدَاهُ عَلَى الْجَدِيدِ: بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْقِيمَةِ وَالْأَرْشَيْنِ، وَعَلَى الْقَدِيمِ: بِالْأَرْشَيْنِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ سَلَّمَهُ لِلْبَيْعِ؛ فَجَنَى ثَانِيًا قَبْلَ الْبَيْعِ.
وَلَوْ قَتَلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ، وَقُلْنَا بِنُفُوذِهِمَا، أَوِ اسْتَوْلَدَ الْجَانِيَةَ؛ لَزِمَهُ الْفِدَاءُ، وَفِي قَدْرِهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ لِتَعَذُّرِ الْبَيْعِ وَبُطْلَانِ تَوَقُّعِ زِيَادَةِ رَاغِبٍ.
وَلَوْ مَاتَ الْجَانِي أَوْ هَرَبَ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَ السَّيِّدَ بِتَسْلِيمِهِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ، وَكَذَا لَوْ طُولِبَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ فَلَوْ مَنَعَهُ، صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ قَتَلَ الْجَانِي؛ فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَقْتَصَّ، وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزَ أَنْ يُنْظَرَ فِي وُجُوبِ الْفِدَاءِ عَلَيْهِ إِلَى أَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ، أَوْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ مُوجِبًا لِلْمَالِ؛ تَعَلَّقَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ؛ وَإِذَا أُخِذَتْ،

يُخَيَّرُ السَّيِّدُ فِي تَسْلِيمِ عَيْنِهَا أَوْ بَدَلِهَا مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ؛ وَإِذَا لَزِمَ الْفِدَاءُ بَعْدَ مَوْتِ الْعَبْدِ أَوْ قَبْلَهُ؛ فَفِيمَا يَفْدِيهِ بِهِ؟ الطَّرِيقَانِ فِيمَنْ قَتَلَ الْعَبْدَ أَوْ أَعْتَقَهُ لِحُصُولِ الْيَأْسِ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا يَزِيدُ عَلَى قِيمَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: اخْتَرْتُ الْفِدَاءَ، أَوْ قَالَ: أَنَا أَفْدِيهِ؛ فَوَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ الْفِدَاءُ وَلَا يَقْبَلُ رُجُوعَهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَلْ يَبْقَى خِيَارُهُ كَمَا كَانَ، وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا؛ فَإِنْ مَاتَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِحَالٍ.

فَصْلٌ

إِذَا جَنَتْ مُسْتَوْلَدَة عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَجَبَ عَلَى سَيِّدِهَا الْفِدَاءُ، وَفِيمَا يَفْدِيهِ بِهِ طَرِيقَانِ؛ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا وَالْأَرْشُ، وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ، كَالْقِنِّ، وَالْفَرْقُ أَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْبَيْعِ، وَهَلْ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ يَوْمِ الْجِنَايَةِ، أَمْ يَوْمِ الِاسْتِيلَادِ، وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَلَوْ جَنَتْ جِنَايَتَيْنِ، وَقُلْنَا: يَفْدِي بِالْأَرْشِ؛ لَزِمَ السَّيِّدَ الْأُرُوشُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إِنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ الْأُولَى دُونَ الْقِيمَةِ وَفِدَاهَا بِهِ وَكَانَ الْبَاقِي مِنْ قِيمَتِهَا يَفِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، فَدَاهَا بِأَرْشِهَا أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْأُولَى كَالْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَالْبَاقِي مِنَ الْقِيمَةِ لَا يَفِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَظْهَرُهَا: أَنَّ الْجِنَايَاتِ كُلُّهَا كَوَاحِدَةٍ، فَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ فَدَاءَ وَاحِدٍ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ لِكُلِّ جِنَايَةٍ فِدَاءٌ، وَالثَّالِثُ: إِنْ فَدَى الْأُولَى قَبْلَ جِنَايَتِهَا الثَّانِيَةِ؛ لَزِمَهُ فَدَاءٌ آخَرُ، وَإِلَّا فَوَاحِدٌ، وَإِذَا أَلْزَمْنَاهُ فَدَاءً وَاحِدًا، اشْتَرَكَ فِيهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُسْتَوْلَدَةِ أَلْفًا وَأَرْشُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِنَايَتَيْنِ أَلْفًا؛ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَبَضَ الْأَلْفَ، اسْتَرَدَّ الثَّانِي مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ.
فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا وَأَرْشُ الْأُولَى أَلْفٌ وَالثَّانِيَةُ خَمْسُمِائَةٍ، يَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِثُلْثِ

الْأَلْفِ وَلَوْ كَانَتِ الْأُولَى خَمْسَمِائَةٍ وَالثَّانِيَةُ أَلْفًا، أَخَذَ الثَّانِي مِنَ السَّيِّدِ خَمْسَمِائَةٍ تَمَامَ الْقِيمَةِ، وَرَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِثُلْثِ خُمْسِ الْمِائَةِ الَّتِي قَبَضَهَا لِيَصِيرَ مَعَهُ ثُلْثَا الْأَلْفِ، وَمَعَ الْأَوَّلِ ثُلْثُهُ، ثُمَّ قِيلَ: الْخِلَافُ عِنْدَ تَخَلُّلِ الْفِدَاءِ فِيمَا إِذَا دَفَعَ السَّيِّدُ الْفِدَاءَ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ بِاخْتِيَارِهِ؛ أَمَّا إِذَا دَفَعَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ قَطْعًا.
وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَتَجْرِي الْأَقْوَالُ فِي الْجِنَايَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَإِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَمَهْمَا زَادَتِ الْجِنَايَةُ، زَادَ الِاسْتِرْدَادُ، وَشُبِّهَ ذَلِكَ بِمَا إِذَا قُسِّمَتْ تَرِكَةُ إِنْسَانٍ عَلَى غُرَمَائِهِ أَوْ وَرَثَتِهِ وَكَانَ حَفَرَ بِئْرَ عُدْوَانٍ فَهَلَكَ بِهَا شَيْءٌ، زَاحَمَ الْمُسْتَحِقُّ الْغُرَمَاءَ وَالْوَرَثَةَ، وَاسْتَرَدَّ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ؛ فَلَوْ هَلَكَ آخَرُ، زَادَ الِاسْتِرْدَادُ.
فَرْعٌ جَنَى الْقِنُّ؛ فَمَنَعَ السَّيِّدُ بَيْعَهُ وَاخْتَارَ الْفِدَاءَ، ثُمَّ جَنَى؛ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، لَزِمَهُ لِكُلِّ جِنَايَةٍ الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِهَا وَقِيمَتُهُ، وَلَوْ جَنَى جِنَايَاتٍ ثُمَّ قَتَلَهُ السَّيِّدُ أَوْ أَعْتَقَهُ، لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا فَدَاءٌ وَاحِدٌ.
فَرْعٌ وَطِئَ الْجَانِيَةَ؛ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اخْتِيَارٌ لِلْفِدَاءِ، كَمَا أَنَّ وَطْءَ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَسْخٌ، وَوَطْءُ الْمُشْتَرِي إِجَازَةٌ.
وَالصَّحِيحُ: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الِالْتِزَامِ، مَعَ أَنَّهُ لَوِ الْتَزَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَبَقَ وَيُخَالِفُ الْخِيَارَ؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِفِعْلِهِ فَسَقَطَ بِهِ، وَخِيَارُ السَّيِّدِ هُنَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ؛ فَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِهِ.
فَرْعٌ جَنَتْ جَارِيَةٌ لَهَا وَلَدٌ، أَوْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ

الْجِنَايَةِ، أَوْ حَدَثَ بَعْدَهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَرْشُ؛ فَإِنْ لَمْ يَجُزِ التَّفْرِيقُ، بِيعَ مَعَهَا وَصُرِفَتْ حِصَّةُ الْأُمِّ إِلَى الْأَرْشِ، وَحِصَّةُ الْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ، وَهَلْ تُبَاعُ حَامِلًا بِحَمْلٍ كَانَ يَوْمَ الْجِنَايَةِ أَوْ حَدَثٍ؟ إِنْ قُلْنَا: الْحَمْلُ لَا يُعْرَفُ، بِيعَتْ، كَمَا لَوْ زِيدَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، وَإِلَّا فَلَا تُبَاعُ حَتَّى تَضَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْبَارُ السَّيِّدِ عَلَى بَيْعِ الْحَمْلِ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِثْنَاؤُهُ.
فَرْعٌ لَوْ لَمْ يُفِدِ السَّيِّدُ الْجَانِيَ وَلَا سَلَّمَهُ لِلْبَيْعِ، بَاعَهُ الْقَاضِي، وَصَرَفَ الثَّمَنَ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَاعَهُ بِالْأَرْشِ، جَازَ إِنْ كَانَ نَقْدًا؛ وَكَذَا إِنْ كَانَ إِبِلًا، وَقُلْنَا: يَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْهَا.

الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْجَنِينِ فِيهِ أَطْرَافٌ: الْأَوَّلُ: الْمُوجِبُ وَهُوَ جِنَايَةٌ تُوجِبُ انْفِصَالَ الْجَنِينِ مَيْتًا؛ فَهَذِهِ قُيُودٌ: الْأَوَّلُ: الْجِنَايَةُ وَهِيَ مَا يُؤَثِّرُ فِي الْجَنِينِ مِنْ ضَرْبٍ، وَإِيجَارُ دَوَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا أَثَرَ لِلَطْمَةٍ خَفِيفَةٍ وَنَحْوِهَا، كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الدِّيَةِ.
الثَّانِي: الِانْفِصَالُ؛ فَلَوْ مَاتَتِ الْأُمُّ وَلَمْ يَنْفَصِلْ جَنِينٌ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الضَّارِبِ شَيْءٌ؛ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُنْتَفِخَةَ الْبَطْنِ، فَضَرَبَهَا شَخْصٌ فَزَالَ الِانْتِفَاخُ، أَوْ كَانَتْ تَجِدُ حَرَكَةً فِي بَطْنِهَا فَزَالَتْ، لِجَوَازِ أَنَّهُ كَانَ رِيحًا فَانْفَشَّتْ، ثُمَّ هَلْ يُعْتَبَرُ انْكِشَافُ الْجَنِينِ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهُ أَمِ الِانْفِصَالِ التَّامِّ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ لِتَحَقُّقِ وَجُودِهِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا مَا لَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا، فَخَرَجَ رَأْسُ الْجَنِينِ مَثَلًا، وَمَاتَتِ الْأُمُّ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَنْفَصِلْ، أَوْ خَرَجَ رَأْسُهُ ثُمَّ جَنَى عَلَيْهَا فَمَاتَتْ؛ فَعَلَى الْأَصَحِّ تَجِبُ الْغُرَّةُ لِتَيَقُّنِ وَجُودِهِ، وَعَلَى الثَّانِي لَا، وَلَوْ قُدَّتْ نِصْفَيْنِ، وَشُوهِدَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا وَلَمْ يَنْفَصِلْ؛ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، وَلَوْ

خَرَجَ رَأْسُهُ وَصَاحَ فَحَزَّ رَجُلٌ رَقَبَتَهُ؛ فَعَلَى الْأَصَحِّ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِالصِّيَاحِ حَيَاتَهُ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الِانْفِصَالَ؛ فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ.
وَلَوْ صَاحَ وَمَاتَ؛ فَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْخِلَافِ.
الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمُنْفَصِلِ مَيْتًا؛ فَلَوِ انْفَصَلَ حَيًّا، نُظِرَ؛ إِنْ بَقِيَ زَمَانًا سَالِمًا غَيْرَ مُتَأَلِّمٍ ثُمَّ مَاتَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الضَّارِبِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَإِنْ مَاتَ عِنْدَ خُرُوجِهِ أَوْ بَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، وَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَا حَيَاتَهُ؛ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَحْيَاءِ.
وَسَوَاءٌ اسْتَهَلَّ، أَوْ وَجَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ؛ كَتَنَفُّسٍ وَامْتِصَاصِ لَبَنٍ وَحَرَكَةٍ قَوِيَّةٍ؛ كَقَبْضِ يَدٍ وَبَسْطِهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِمُجَرَّدِ الِاخْتِلَاجِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِذَا عُلِمَتِ الْحَيَاةُ؛ فَسَوَاءٌ كَانَ انْتَهَى إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ أَمْ لَمْ يَنْتَهِ، وَبَقِيَ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ ثُمَّ مَاتَ، لِأَنَّا تَيَقَّنَا الْحَيَاةَ فِي الْحَالَيْنِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ بِهَا.
وَسَوَاءٌ انْفَصَلَ لِوَقْتٍ يَعِيشُ فِيهِ، أَوْ لِوَقْتٍ لَا يَتَوَقَّعُ أَنْ يَعِيشَ، بِأَنْ يَنْفَصِلَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: إِنْ لَمْ يَتَوَقَّعْ أَنْ يَعِيشَ أَوْ كَانَ انْتَهَى إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ؛ فَفِيهِ الْغُرَّةُ دُونَ الدِّيَةِ.
وَلَوْ قَتَلَ شَخْصٌ هَذَا الْجَنِينَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ؛ فَإِنِ انْفَصَلَ لَا بِجِنَايَةٍ، فَعَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ قَتَلَ مَرِيضًا مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ.
وَإِنِ انْفَصَلَ بِجِنَايَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَكَذَلِكَ؛ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي، وَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَلَوِ انْفَصَلَ مَيِّتًا بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ مِنَ الضَّرْبِ، وَجَبَتِ الْغُرَّةُ كَمَا لَوِ انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهَا؛ لِأَنَّهُ شَخْصٌ مُسْتَقِلٌّ؛ فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهَا.
فَرْعٌ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغُرَّةِ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ ثَابِتَ النِّسَبِ أَوْ غَيْرِهِ، تَامُّ الْأَعْضَاءِ أَوْ نَاقِصُهَا، وَلَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي الضَّرْبِ؛ فَالْغُرَّةُ عَلَيْهِمَا؛ وَلَوْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ، وَجَبَ غُرَّتَانِ، وَلَوْ أَلْقَتْ حَيًّا وَمَيِّتًا وَمَاتَ الْحَيُّ، وَجَبَ دِيَةٌ وَغُرَّةٌ، وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ مَيْتَةٍ فَانْفَصَلَ مِنْهَا جَنِينٌ مَيِّتٌ،

فَلَا غُرَّةَ؛ كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي الطَّبَرِيُّ: يَجِبُ لِأَنَّ الْجَنِينَ قَدْ يَبْقَى فِي جَوْفِهَا حَيًّا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ.
فَرْعٌ أَلْقَتِ الْمَضْرُوبَةُ يَدًا أَوْ رِجْلًا وَمَاتَتْ، وَلَمْ يَنْفَصِلِ الْجَنِينُ بِتَمَامِهِ؛ فَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْغُرَّةِ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَفِي وَجْهٍ يَجِبُ نِصْفُ غُرَّةٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تُضْمَنُ بِنِصْفِ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْجَنِينَ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يَنْفَصِلَ كُلُّهُ، وَلَوْ أَلْقَتْ يَدَيْنِ أَوْ رِجْلَيْنِ، أَوْ يَدًا وَرِجْلًا، وَجَبَتْ غُرَّةٌ قَطْعًا.
وَلَوْ أَلْقَتْ مِنَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا، أَوْ رَأْسَيْنِ؛ فَغُرَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: غُرَّتَانِ، وَلَوْ أَلْقَتْ بَدَنَيْنِ فَغُرَّتَانِ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَنَانِ بِحَالٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلَافَهُ وَجَوَّزَ بَدَنَيْنِ لِرَأْسٍ، كَرَأْسَيْنِ لِبَدَنٍ.
وَلَوْ أَلْقَتْ عُضْوًا؛ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا؛ فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْجَنِينُ فَقِيدَ ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ أَلْقَتْهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَزَوَالِ أَلَمِ الضَّرْبِ؛ فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، لَمْ تَجِبْ إِلَّا غُرَّةٌ، وَبِقَدْرِ الْعُضْوِ مُبَانًا مِنْهُ بِالْجِنَايَةِ، وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجِنَايَةِ، وَجَبَ دِيَةٌ وَدَخَلَ فِيهَا أَرْشُ الْيَدِ.
وَإِنْ عَاشَ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ وُجُوبَ نِصْفِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ، وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ تُرَاجَعُ الْقَوَابِلُ، فَإِنْ قُلْنَ: إِنَّهَا يَدُ مَنْ خُلِقَ فِيهِ حَيَاةٌ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَكَذَا إِنْ عَلِمْنَا انْفِصَالَ الْيَدِ مِنْهُ بَعْدَ خَلْقِ الْحَيَاةِ؛ بِأَنْ أَلْقَتْهَا ثُمَّ انْفَصَلَ الْجَنِينُ عَقِبَ الضَّرْبِ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي حَالِهِ، وَجَبَ نِصْفُ الْغُرَّةِ عَمَلًا بِالْيَقِينِ، وَلِيَكُنْ إِطْلَاقُ الْبَغَوِيِّ مَحْمُولًا عَلَى ذَا التَّفْصِيلِ.
وَإِنْ أَلْقَتْهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، لَمْ يَضْمَنِ الْجَنِينَ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، لِزَوَالِ الْأَلَمِ الْحَاصِلِ بِفِعْلِهِ.
وَأَمَّا الْيَدُ، فَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَعَلَيْهِ نِصْفُ غُرَّةٍ لَهَا، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا وَمَاتَ أَوْ عَاشَ، فَقِيلَ: يَجِبُ نِصْفُ غُرَّةٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ

شَخْصٍ فَانْدَمَلَ ثُمَّ مَاتَ، وَقِيلَ: تُرَاجَعُ الْقَوَابِلُ كَمَا سَبَقَ.
وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ يَدًا، ثُمَّ ضَرَبَهَا آخَرُ فَأَلْقَتْ جَنِينًا لَا يَدَ لَهُ، فَإِنْ ضَرَبَ الثَّانِي قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَانْفَصَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا، فَالْغُرَّةُ عَلَيْهِمَا.
وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا، فَإِنْ عَاشَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَلَيْسَ عَلَى الثَّانِي سِوَى التَّعْزِيرِ.
وَإِنْ مَاتَ فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ ضَرَبَ الثَّانِي بَعْدَ الِانْدِمَالِ؛ فَإِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْغُرَّةِ، وَعَلَى الثَّانِي غُرَّةٌ كَامِلَةٌ.
كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فَانْدَمَلَ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ دِيَةٍ وَعَلَى الثَّانِي دِيَةٌ.
وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا، فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ، ثُمَّ إِنْ عَاشَ فَلَيْسَ عَلَى الثَّانِي إِلَّا التَّعْزِيرُ.
وَإِنْ مَاتَ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَنْفَصِلَ الْجَنِينُ كَامِلَ الْأَطْرَافِ؛ فَيُنْظَرُ؛ إِنِ انْفَصَلَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ؛ فَمُقْتَضَى مَا سَبَقَ فِيمَنْ أَلْقَتْ ثَلَاثَ أَيْدٍ، أَنْ يُقَالَ: إِنِ انْفَصَلَ مَيْتًا، لَمْ يَجِبْ إِلَّا غُرَّةٌ وَاحِدَةٌ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّتِي أَلْقَتْهَا كَانَتْ يَدًا زَائِدَةً، وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا وَمَاتَ؛ فَالْوَاجِبُ غُرَّةٌ، وَإِنْ عَاشَ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا حُكُومَةٌ؛ وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ، وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَ «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ إِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا وَجَبَ غُرَّتَانِ، إِحْدَاهُمَا لِلْيَدِ، وَالْأُخْرَى لِلْجَنِينِ.
وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا وَمَاتَ، وَجَبَ دِيَةٌ وَغُرَّةٌ، وَلَوْ أَلْقَتْ أَوَّلًا جَنِينًا كَامِلًا، ثُمَّ يَدًا؛ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِنِ انْفَصَلَ الْجَنِينُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، لَمْ يَجِبْ بِسَبَبِ الْجَنِينِ شَيْءٌ، وَلَوْ ضَرَبَهَا رَجُلٌ، فَأَلْقَتِ الْيَدَ، ثُمَّ ضَرَبَهَا آخَرُ، فَأَلْقَتِ الْجَنِينَ؛ فَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّ ضَمَانَ الْجَنِينِ عَلَى الثَّانِي؛ سَوَاءٌ ضَرَبَ بَعْدَ انْدِمَالِ الْأَوَّلِ، أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا وَجَبَ فِيهِ غُرَّةٌ.
وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ فَدِيَةٌ.
وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ ضَرَبَ الثَّانِي قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَانْفَصَلَ مَيِّتًا، وَجَبَتِ الْغُرَّةُ عَلَيْهِمَا، وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا وَعَاشَ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ حُكُومَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى الثَّانِي إِلَّا التَّعْزِيرُ.
وَإِنْ مَاتَ فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ.

الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْجَنِينِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ: قَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْعُدَّةِ أَنَّ الْغُرَّةَ تَجِبُ إِذَا سَقَطَتْ بِالْجِنَايَةِ مَا ظَهَرَ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ؛ كَعَيْنٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ يَدٍ وَنَحْوِهَا، وَيَكْفِي الظُّهُورُ فِي طَرَفٍ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي كُلِّهَا، وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَشَهِدَ الْقَوَابِلُ أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ، وَجَبَتِ الْغُرَّةُ أَيْضًا، وَإِنْ قُلْنَ: لَيْسَ فِيهِ صُورَةٌ خَفِيَّةٌ، لَكِنَّهُ أَصْلٌ آدَمِيٌّ وَلَوْ بَقِيَ لِتَصَوُّرٍ، لَمْ تَجِبِ الْغُرَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ شَكَكْنَ هَلْ هُوَ أَصْلٌ آدَمِيٌّ، لَمْ تَجِبْ قَطْعًا.

فَصْلٌ

إِنَّمَا تَجِبُ الْغُرَّةُ الْكَامِلَةُ فِي جَنِينٍ مَحْكُومٍ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَبِحُرِّيَّتِهِ.
فَأَمَّا الْجَنِينُ الْمَحْكُومُ بِأَنَّهُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ؛ فَفِيهِ أَوْجُهٌ؛ أَحَدُهَا: لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا، وَالثَّانِي: تَجِبُ غُرَّةٌ كَالْمُسْلِمِ، وَأَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: يَجِبُ ثُلْثُ غُرَّةِ الْمُسْلِمِ؛ فَعَلَى هَذَا فِي الْجَنِينِ الْمَجُوسِيِّ ثُلْثَا عُشْرِ غُرَّةِ الْمُسْلِمِ؛ وَهُوَ ثُلْثُ بَعِيرٍ، ثُمَّ قِيلَ: يُؤْخَذُ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الدِّيَةِ وَيُدْفَعُ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَلَا يُصْرَفُ فِي غُرَّةٍ، وَقِيلَ: يَدْفَعُ هَذَا الْقَدْرَ، أَوْ غُرَّةٌ بِقِيمَتِهِ.
وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ غُرَّةً؛ إِلَّا أَنْ لَا تُوجَدُ فَيَعْدِلَ حِينَئِذٍ إِلَى الْإِبِلِ أَوِ الدَّرَاهِمِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدَ أَبَوَيِ الْجَنِينِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا؛ فَهَلْ يَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ النَّصْرَانِيِّ أَمِ الْمَجُوسِيِّ، أَمْ يُعْتَبَرُ بِالْأَبِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ ذِمِّيًّا، وَالْآخَرُ وَثَنِيًّا لَا أَمَانَ لَهُ؛ فَعَلَى الْأَصَحِّ يَجِبُ مَا يَجِبُ فِيمَنْ أَبَوَاهُ ذِمِّيَّانِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا شَيْءَ فِيهِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: يُعْتَبَرُ جَانِبُ الْأَبِ، وَالْجَنِينِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ مُسْتَأْمَنَيْنِ كَجَنِينِ الذِّمِّيَّيْنِ، وَلَوِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي وَطْءِ ذِمِّيَّةٍ بِشُبْهَةٍ فَحَبِلَتْ وَأَجْهَضَتْ جَنِينًا بِجِنَايَةٍ، يَعْرِضُ الْجَنِينُ عَلَى الْقَائِفِ وَلَهُ حُكْمُ مَنْ

أَلْحَقَهُ بِهِ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ أَخَذَ الْأَقَلَّ وَوَقَفَ إِلَى أَنْ يَنْكَشِفَ الْحَالُ أَوْ يَصْطَلِحُوا.
قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْطَلِحَ الذِّمِّيُّ وَالذِّمِّيَّةُ فِي قَدْرِ الثُّلْثِ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ لِلْمُسْلِمِ لَا حَقَّ لَهُمَا فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَصْطَلِحَ فِي الثُّلْثِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلذِّمِّيِّ فِيهِ، وَلَا يَخْرُجُ اسْتِحْقَاقُهُ عَنْهُمَا.
وَالْمَسْأَلَةُ مُفَرَّعَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِضُ عَلَى الْقَائِفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ جَنَى عَلَى مُرْتَدَّةٍ حُبْلَى فَأُجْهِضَتْ، نُظِرَ، إِنِ ارْتَدَّتَ بَعْدَ الْحَبَلِ، وَجَبَتِ غُرَّةٌ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنْ حَبِلَتْ بَعْدَ الرِّدَّةِ مِنْ مُرْتَدٍّ، بُنِيَ عَلَى الْمُتَوَلِّدِ مِنْ مُرْتَدَّيْنِ مُسْلِمٍ أَمْ كَافِرٍ؟ إِنْ قُلْنَا: مُسْلِمٌ، وَجَبَ غُرَّةٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، كَجَنِينِ الْحَرْبِيَّيْنِ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّ فِيهِ دِيَةُ جَنِينٍ مَجُوسِيٍّ لِعَلَقَةِ الْإِسْلَامِ.
فَرْعٌ جَنَى عَلَى ذِمِّيَّةٍ حُبْلَى مِنْ ذِمِّيٍ، فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أَجْهَضَتْ، وَجَبَتْ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الضَّمَانِ بِآخِرِ الْأَمْرِ، وَكَذَا حُكْمُ مَنْ جَنَى عَلَى أَمَةٍ حُبْلَى فَعُتِقَتْ ثُمَّ مَاتَتْ، وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ سَيِّدُهَا مِنْ ذَلِكَ وَجْهَانِ، أَوْ قَوْلَانِ: الصَّحِيحُ: الْأَقَلُّ مِنْ عُشْرِ قِيمَةِ الْأَمَةِ وَمِنِ الْغُرَّةِ، وَالثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ شَيْئًا؛ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَفَّالُ؛ لِأَنَّ الْإِجْهَاضَ حَصَلَ حَالَ الْحُرِّيَّةِ؛ فَصَارَ كَحُرٍّ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ كَانَ عِنْدَ حَفْرِهَا رَقِيقًا، لَا شَيْءَ لِسَيِّدِهِ مِنَ الضَّمَانِ.
فَرْعٌ جَنَى عَلَى حَرْبِيَّةٍ؛ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ أُجْهِضَتْ؛ فَالْأَصَحُّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَقِيلَ: يَجِبُ غُرَّةٌ.

قُلْتُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَى أَمَتِهِ الْحَامِلِ مِنْ غَيْرِهِ، فَعُتِقَتْ، ثُمَّ أَلْقَتِ الْجَنِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ الْجَنِينُ الرَّقِيقُ فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، قِنَّةً كَانَتْ أُمُّهُ أَوْ مُدَبَّرَةً وَمُكَاتَبَةً وَمُسْتَوْلَدَةً، وَلَوْ أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعُتِقَتْ، ثُمَّ أَلْقَتْ آخَرَ مَيِّتًا؛ فَالْوَاجِبُ فِي الْأَوَّلِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَفِي الثَّانِي الْغُرَّةُ، وَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قِيمَةُ يَوْمِ الْإِجْهَاضِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنَ الْجِنَايَةِ إِلَى الْإِجْهَاضِ.
فَلَوْ كَانَ الْجَنِينُ سَلِيمًا وَالْأُمُّ مَقْطُوعَةُ الْأَطْرَافِ أَوْ بِالْعَكْسِ؛ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَقُومُ مَقْطُوعَةٌ، وَأَصَحُّهُمَا: سَلِيمَةٌ، كَمَا لَوْ كَانَتْ كَافِرَةً وَالْجَنِينُ مُسْلِمٌ، يُقَدَّرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ وَتَقُومُ مَسْلَمَةٌ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْجَنِينُ رَقِيقًا وَهِيَ حُرَّةٌ، بِأَنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ وَالْجَنِينُ لِآخَرَ فَأَعْتَقَهَا صَاحِبُهَا، وَبَقِيَ الْجَنِينُ رَقِيقًا لِصَاحِبِهِ، تُقَدَّرُ الْأُمُّ رَقِيقَةً، وَيَجِبُ فِي الْجَنِينِ عُشْرُ قِيمَتِهَا.
فَرْعٌ جَارِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، حَبِلَتْ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا، وَجَنَى عَلَيْهَا رَجُلٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا؛ لَزِمَهُ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ لِلسَّيِّدَيْنِ؛ فَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا أَحَدُهُمَا؛ فَأَلْقَتْ مَيِّتًا؛ لَزِمَهُ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ لِشَرِيكِهِ.
وَلَوْ أَعْتَقَهَا بَعْدَمَا جَنَى، ثُمَّ أَلْقَتْهُ، نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا عُتِقَ نَصِيبُهُ مِنَ الْأُمِّ وَالْجَنِينِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ لِشَرِيكِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْغُرَّةِ لِلنِّصْفِ الْحُرِّ؟ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْجِنَايَةِ كَانَ مِلْكُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَعَمْ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْجَنِينِ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْإِلْقَاءِ، وَهُوَ حُرٌّ حِينَئِذٍ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُرَّةِ الضَّرْبُ أَوِ الْإِجْهَاضُ؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَأَكْثَرُ النَّاقِلِينَ يَمِيلُونَ إِلَى تَرْجِيحِ

وُجُوبِ نِصْفِ الْغُرَّةِ، وَالْأَصَحُّ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَأَنَّ الْمُوجِبَ الضَّرْبُ لِتَأْثِيرِهِ؛ فَإِنْ أَوْجَبْنَا، بُنِيَ عَلَى أَنَّ مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ هَلْ يُوَرَّثُ.
إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ غَيْرُ سَيِّدِهِ وَأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ وَبَعْضُهَا رَقِيقٌ؛ وَإِنْ قُلْنَا: لَا، فَهَلْ هُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ أَمْ لِلْمَالِكِ نِصْفُهُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْفَرَائِضِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُعَتِقُ مُوسِرًا؛ فَإِنْ قُلْنَا: تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ أَوْ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ وَأَدَّاهَا قَبْلَ الْإِجْهَاضِ؛ فَعَلَى الْجَانِي الْغُرَّةُ وَتُصْرَفُ إِلَى وَرَثَةِ الْجَنِينِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَحْصُلُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ وَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى أُجْهِضَتْ؛ فَحُكْمُهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا لَوْ كَانَ مُعْسِرًا.
وَإِنْ قُلْنَا: الْعِتْقُ مَوْقُوفٌ؛ فَإِنْ أَدَّى الْقِيمَةَ تَبَيَّنَ حُصُولُ الْعِتْقِ مِنْ وَقْتِ اللَّفْظِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَمَا إِذَا قُلْنَا: تَحْصُلُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ، فَكَمَا ذَكَرْنَا لَوْ كَانَ مُعْسِرًا، وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَكِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ ثُمَّ جَنَى عَلَيْهَا جَانٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا؛ فَالْجَانِي الْمُعْتِقُ أَوْ شَرِيكُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُعَتِقَ، نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، بَقِيَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ مِلْكًا لَهُ.
فَعَلَيْهِ لَهُ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَعَلَيْهِ لِلنِّصْفِ الَّذِي عَتَقَ نِصْفُ الْغُرَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَلِمَنْ يَكُونُ ذَلِكَ؟ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، هَلْ يُوَرَّثُ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، فَإِنْ قُلْنَا: تَحْصُلُ السَّرَايَةُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، أَوْ قُلْنَا: بِالْوَقْفِ، وَأَدَّى الْقِيمَةَ، غَرِمَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْأَمَةِ حَامِلًا وَلَا يُفْرَدُ الْجَنِينُ بِقِيمَتِهِ؛ بَلْ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي التَّقْوِيمِ، كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ، وَيَلْزَمُهُ بِالْجِنَايَةِ الْغُرَّةُ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ حُرٌّ، وَتَرِثُ الْأُمُّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ، وَالْبَاقِي مِنْهَا لِعَصَبَتِهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُعْتَقِ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ.
وَإِنْ جَنَى الشَّرِيكُ الْآخَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا؛ فَنِصْفُ الْجَنِينِ مَمْلُوكٌ لِلْجَانِي؛ فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ غُرَّةِ لِلنِّصْفِ الْحُرِّ، وَيَعُودُ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ لِمَنْ هُوَ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَحْصُلُ السَّرَايَةُ إِلَّا بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، أَوْ قُلْنَا: بِالْوَقْفِ، وَلَمْ يُؤَدِّ الْقِيمَةَ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانَ مُعْسِرًا.

وَإِنْ قُلْنَا: يُعْتَقُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالتَّوَقُّفِ، وَأَدَّى الْقِيمَةَ؛ فَلِلْجَانِي عَلَى الْمُعْتَقِ نِصْفُ قِيمَتِهَا حَامِلًا وَعَلَى الْجَانِي الْغُرَّةُ، وَتَرِثُهَا الْأُمُّ وَالْعَصَبَةُ؛ وَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا؛ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا، فَقَدْ أَتْلَفَ الْأَجْنَبِيُّ جَنِينًا نِصْفُهُ حُرٌّ، وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ غُرَّةٍ، وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُوسِرًا، وَعُتِقَ كُلُّهُ؛ فَقَدْ أَتْلَفَ الْأَجْنَبِيُّ جَنِينًا حُرًّا فَفِيهِ غُرَّةٌ.
وَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا الشَّرِيكَانِ مَعًا، فَأَجْهَضَتْ جَنِينًا؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ رُبُعُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَنَى عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ وَمِلْكِ صَاحِبِهِ، وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ تَلَفَ بِفِعْلَيْهِمَا؛ فَهَدَرَ جِنَايَتَهُ عَلَى مِلْكِهِ وَالْحَقَّانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ فَيَكُونُ عَلَى خِلَافِ الْتَقَاصِّ.
وَإِنْ أَعْتَقَاهَا مَعًا بَعْدَمَا جَنَيَا، أَوْ وَكَّلَا رَجُلًا؛ فَأَعْتَقَهَا بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ أَجْهَضَتْ، فَقَدْ عَتَقَ الْجَنِينُ مَعَ الْأُمِّ قَبْلَ الْإِجْهَاضِ، فَيُضْمَنُ بِالْغُرَّةِ، وَفِيمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: رُبُعُ الْغُرَّةِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: نَصِفُهَا اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِجْهَاضِ، وَلِلْأُمِّ ثُلْثُ الْوَاجِبِ وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ، وَلَا يَرِثُ السَّيِّدَانِ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا قَاتِلَانِ.
وَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا أَحَدُهُمَا، ثُمَّ أَعْتَقَاهَا، ثُمَّ أَجْهَضَتْ؛ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ: عَلَى الْجَانِي نِصْفُ الْغُرَّةِ، وَلِشَرِيكِهِ الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِهَا وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ: عَلَيْهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ اعْتِبَارًا بِيَوْمِ الْإِجْهَاضِ.
فَرْعٌ وَطِئَ شَرِيكَانِ مُشْتَرَكَةً، فَحَبِلَتْ، فَجَنَى، فَأَلْقَتْ مَيِّتًا؛ فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ؛ فَالْجَنِينُ حُرٌّ وَعَلَى الْجَانِي غُرَّةٌ، وَهِيَ لِمَنْ يَلْحَقُهُ الْجَنِينُ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، فَهَلْ كُلُّ الْوَلَدِ حُرٌّ أَمْ نِصْفُهُ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي؛ فَعَلَى هَذَا عَلَى الْجَانِي نِصْفُ الْغُرَّةِ، وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ؛ فَنِصْفُ الْغُرَّةِ لِمَنْ يَلْحَقُهُ، وَنِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ لِلْآخَرِ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل