روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 378-417
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 378-417
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الرُّؤْيَةِ، الذَّوْقُ فِي الْخَلِّ وَنَحْوُهُ، وَالشَّمُّ فِي الْمِسْكِ وَنَحْوُهُ، وَاللَّمْسُ فِي الثِّيَابِ وَنَحْوُهَا، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِ الْمَبِيعِ الْغَائِبِ.
فَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّبَايُعِ، وَجَبَ تَسْلِيمُهُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَسْلِيمِهِ فِي بَلَدِ التَّبَايُعِ.
بِخِلَافِ السَّلَمِ، فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ.
وَالْعَيْنُ الْغَائِبَةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتِرَاطُ نَقْلِهَا، يَكُونُ بَيْعًا وَشَرْطًا.
الثَّانِيَ عَشَرَ: لَوْ رَأَى ثَوْبَيْنِ فَسَرَقَ أَحَدَهُمَا، فَاشْتَرَى الْبَاقِيَ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا الْمَسْرُوقُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ» : إِنْ تَسَاوَتْ صِفَتُهُمَا وَقَدْرُهُمَا وَقِيمَتُهُمَا، كَنِصْفَيْ كِرْبَاسٍ وَاحِدٍ، صَحَّ قَطْعًا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، خَرَجَ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: إِذَا لَمْ نَشْرُطِ الرُّؤْيَةَ، فَاخْتَلَفَا، فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: رَأَيْتَ الْمَبِيعَ فَلَا خِيَارَ لَكَ، فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ شَرَطْنَا الرُّؤْيَةَ فَاخْتَلَفَا، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ إِقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَقْدِ، اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ، وَلَا يَنْفَكُّ هَذَا عَنْ خِلَافٍ.
قُلْتُ: هَذِهِ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِهِمَا فِي مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، وَفِيهَا الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، وَعَلَيْهِ فَرَّعَهَا الْغَزَالِيُّ.
وَبَقِيَتْ مَسَائِلُ تَعْلَقُ بِالْبَابِ، مِنْهَا بَيْعُ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْتُهُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ.
وَبَيْعُ أَشْجَارِ الْحَرَمِ وَصَيْدِهِ، حَرَامٌ بَاطِلٌ.
قَالَ الْقَفَّالُ: إِلَّا أَنْ يَقْطَعَ شَيْئًا يَسِيرًا لِدَوَاءٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ حِينَئِذٍ.
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ كَالطَّعَامِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ أَكْلُهُ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
قَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : حُكْمُ شَجَرِ النَّقِيعِ - بِالنُّونِ - الَّذِي هُوَ الْحِمَى، حُكْمُ أَشْجَارِ الْحَرَمِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنَ الْمَاءِ الْجَارِي مِنَ النَّهْرِ.
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي «اللُّبَابِ» : هَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْقَدْرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ

غَيْرُ مَمْلُوكٍ، وَسَيَأْتِي هَذَا مَعَ غَيْرِهِ مَبْسُوطًا فِي آخِرِ كِتَابِ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الرِّبَا

إِنَّمَا يَحْرُمُ الرِّبَا فِي الْمَطْعُومِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ.
فَأَمَّا الْمَطْعُومُ، فَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، أَمْ لَا، هَذَا هُوَ الْجَدِيدُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ الطُّعْمِ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ.
فَعَلَى هَذَا، لَا رِبَا فِي السَّفَرْجَلِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْبَيْضِ، وَالْجَوْزِ، وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ.
وَقَالَ الْأَوْدَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَالٍ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَلَا يُشْتَرَطُ الطُّعْمُ، وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَطْعُومِ: مَا يُعَدُّ لِلطُّعْمِ غَالِبًا تَقَوُّتًا، أَوْ تَأَدُّمًا، أَوْ تَفَكُّهًا، أَوْ غَيْرَهَا، فَيَدْخُلُ فِي الْفَوَاكِهِ، وَالْحُبُوبِ، وَالْبُقُولِ، وَالتَّوَابِلِ، وَغَيْرِهَا.
وَسَوَاءٌ مَا أُكِلَ نَادِرًا كَالْبَلُّوطِ، وَالطَّرْثُوثِ، وَمَا أُكِلَ غَالِبًا، وَمَا أُكِلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ.
وَيَجْرِي الرِّبَا فِي الزَّعْفَرَانِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ مَا أُكِلَ لِلتَّدَاوِي كَالْإِهْلِيلَجِ، وَالْبَلِيلَجِ، وَالسَّقَمُونِيَا وَغَيْرِهَا، وَمَا أُكِلَ لِغَرَضٍ آخَرَ.
وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ: أَنَّهُ مَا يَقْتُلُ كَثِيرُهُ وَيُسْتَعْمَلُ قَلِيلُهُ فِي الْأَدْوِيَةِ كَالسَّقَمُونِيَا، لَا رِبَا فِيهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالطِّينُ الْخُرَاسَانِيُّ، لَيْسَ رِبَوِيًّا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَالْأَرْمَنِيُّ رِبَوِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ دَوَاءٌ.
وَدُهْنُ الْبَنَفْسَجِ، وَالْوَرْدِ، وَالَبَّانِ، رِبَوِيٌّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَدُهْنُ الْكَتَّانِ، وَالسَّمَكِ، وَحَبُّ الْكَتَّانِ، وَمَاءُ الْوَرْدِ، وَالْعُودِ، لَيْسَ رِبَوِيًّا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالزَّنْجَبِيلُ، وَالْمَصْطَكَى، رِبَوِيٌّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْمَاءُ إِذَا صَحَّحْنَا بَيْعَهُ، رِبَوِيٌّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ، وَلَكِنْ مَا يُبَاحُ أَكْلُهُ عَلَى هَيْئَتِهِ كَالسَّمْكِ الصَّغِيرِ، عَلَى وَجْهٍ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، فَقِيلَ: يَثْبُتُ الرِّبَا فِيهِمَا

لِعَيْنِهِمَا، لَا لِعِلَّةٍ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا صَلَاحِيَةُ الثَّمَنِيَّةِ الْغَالِبَةِ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: جَوْهَرِيَّةُ الْأَثْمَانِ غَالِبًا.
وَالْعِبَارَتَانِ تَشْمَلَانِ التِّبْرَ، وَالْمَضْرُوبَ، وَالْحُلِيَّ، وَالْأَوَانِيَ مِنْهُمَا.
وَفِي تَعَدِّي الْحُكْمِ إِلَى الْفُلُوسِ إِذَا رَاجَتْ وَجْهٌ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا رِبَا فِيهِمَا لِانْتِفَاءِ الثَّمَنِيَّةِ الْغَالِبَةِ.
وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ الْفُلُوسِ مِنَ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِهَا قَطْعًا.

فَصْلٌ

إِذَا بَاعَ مَالًا بِمَالٍ، فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَا رِبَوِبَّيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَا.
فَالْحَالُ الْأَوَّلُ يَشْمَلُ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا رِبَوِيٌّ، وَمَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رِبَوِيًّا.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِي هَذَا الْحَالِ، لَا تَجِبُ رِعَايَةُ التَّمَاثُلِ، وَلَا الْحُلُولِ، وَلَا التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْجِنْسُ، أَوِ اخْتَلَفَ.
حَتَّى لَوْ بَاعَ حَيَوَانًا بِحَيَوَانَيْنِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ أَسْلَمَ ثَوْبًا فِي ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِي: فَتَارَةً يَكُونَانِ رِبَوِيَّيْنِ بِعِلَّتَيْنِ، وَتَارَةً بِعِلَّةٍ.
فَإِنْ كَانَا بِعِلَّتَيْنِ، لَمْ تَجِبْ رِعَايَةُ التَّمَاثُلِ وَلَا التَّقَابُضِ وَلَا الْحُلُولِ.
وَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ فِي الْحِنْطَةِ، أَوْ يَبِيعَ الْحِنْطَةَ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ، نَقْدًا، أَوْ نَسِيئَةً وَإِنْ كَانَا بِعِلَّةٍ.
فَإِنِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ، بِأَنْ بَاعَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَالْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ، ثَبَتَتْ أَحْكَامُ الرِّبَا الثَّلَاثَةُ، فَتَجِبُ رِعَايَةُ التَّمَاثُلِ وَالْحُلُولِ وَالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، كَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ، وَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، لَمْ تُعْتَبَرِ الْمُمَاثَلَةُ، وَيُعْتَبَرُ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ.

فَرْعٌ: حَيْثُ اعْتَبَرْنَا التَّقَابُضَ، فَتَفَرَّقَا قَبْلَهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَلَوْ تَقَابَضَا بَعْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ العِوَضَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَا، بَطَلَ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ.
وَفِي الْمَقْبُوضِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَالتَّخَايُرُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، كَالتَّفَرُّقِ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يَبْطُلُ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا وَكِيلًا بِالْقَبْضِ، فَقَبَضَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْمُوَكَّلِ الْمَجْلِسَ، جَازَ، وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ.
فَرْعٌ: قَدْ سَبَقَ: بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مَعَ زِيَادَةٍ لَا يَجُوزُ.
فَلَوْ أَرَادَ بَيْعَ صِحَاحٍ بِمُكَسَّرَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الزِّيَادَةِ، فَلَهُ طُرُقٌ.
مِنْهَا: أَنْ يَبِيعَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ، أَوْ بِعَرْضٍ.
فَإِذَا تَقَابَضَا وَتَخَايَرَا، أَوْ تَفَرَّقَا، اشْتَرَى مِنْهُ الدَّرَاهِمَ الْمُكَسَّرَةَ بِالدِّنَانِيرِ أَوِ الْعَرْضَ، فَيَصِحُّ ذَلِكَ، سَوَاءٌ اتَّخَذَهُ عَادَةً، أَمْ لَا.
وَلَوِ اشْتَرَى الْمُكَسَّرَةَ بِالدَّنَانِيرِ، أَوِ الْعَرْضِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِهِ وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالتَّخَايُرِ، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِ بَائِعِهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالتَّخَايُرِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ خِيَارِ الْعَاقِدِ الْآخَرِ، وَهُنَا يَحْصُلُ بِتَبَايُعِهِمَا الثَّانِي إِجَازَةُ الْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُقْرِضَ صَاحِبَهُ الصِّحَاحَ، وَيَسْتَقْرِضَ مِنْهُ الْمُكَسَّرَةَ، ثُمَّ يُبْرِئُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.

وَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مَالَهُ لِلْآخَرِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَبِيعَ الصِّحَاحَ بِوَزْنِهَا مَكْسُورَةً، وَيَهَبَهُ صَاحِبُ الْمَكْسُورَةِ الزِّيَادَةَ، فَجَمِيعُ هَذِهِ الطُّرُقِ جَائِزَةٌ، إِذَا لَمْ يَشْرُطْ فِي إِقْرَاضِهِ وَهِبَتِهِ وَبَيْعِهِ مَا يَفْعَلُهُ الْآخَرُ.
قُلْتُ: هَذِهِ الطُّرُقُ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً عِنْدَنَا، فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ إِذَا نَوَيَا ذَلِكَ.
وَدَلَائِلُ الْكَرَاهَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: لَوْ بَاعَ نِصْفًا شَائِعًا مِنْ دِينَارٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِخَمْسَةٍ، جَازَ، وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِ الدِّينَارَ لِيَحْصُلَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ، وَيَكُونُ النِّصْفُ الْآخَرُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْقَابِضِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ عَشَرَةٌ عَلَيْهِ، فَأَعْطَاهُ عَشَرَةً عَدَدًا فَوُزِنَتْ، فَكَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ، كَانَ الدِّينَارُ الْفَاضِلُ لِلدَّافِعِ عَلَى الْإِشَاعَةِ، وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ إِذَا سَلَّمَ الدَّرَاهِمَ الْخَمْسَةَ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَهَا وَيَشْتَرِيَ بِهَا النِّصْفَ الْآخَرَ.
وَلَوْ بَاعَهُ كُلَّ الدِّينَارِ بِعَشَرَةٍ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةٌ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَاسْتَقْرَضَ مِنْهُ خَمْسَةً أُخْرَى، فَقَبَضَهَا وَرَدَّهَا إِلَيْهِ عَنِ الثَّمَنِ، جَازَ، وَلَوِ اسْتَقْرَضَ الْخَمْسَةَ الْمَدْفُوعَةَ، لَمْ يَكْفِ عَلَى الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

مِعْيَارُ الشَّرْعِ الَّذِي تُرْعَى الْمُمَاثَلَةُ بِهِ، هُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ.
فَالْمَكِيلُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَزْنًا، وَلَا يَضُرُّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْكَيْلِ التَّفَاوُتُ وَزْنًا.
وَالْمَوْزُونُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيْلًا، وَلَا يَضُرُّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْوَزْنِ التَّفَاوُتُ كَيْلًا.

وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، مَوْزُونَانِ.
وَالْحِنْطَةُ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، وَالْمِلْحُ، وَنَحْوُهَا، مَكِيلَةٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ مَكِيلًا بِالْحِجَازِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَهُوَ مَكِيلٌ، وَمَا كَانَ مَوْزُونًا، فَمَوْزُونٌ.
فَلَوْ أَحْدَثَ النَّاسُ خِلَافَ ذَلِكَ، فَلَا اعْتِبَارَ بِإِحْدَاثِهِمْ.
فَلَوْ كَانَ الْمِلْحُ قِطَعًا كِبَارًا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُسْحَقُ وَيُبَاعُ كَيْلًا، فَإِنَّهُ الْأَصْلُ.
وَأَصَحُّهُمَا: يُبَاعُ وَزْنًا اعْتِبَارًا بِهَيْئَتِهِ فِي الْحَالِ.
وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَتَجَافَى فِي الْكَيْلِ، يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَزْنًا، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ كَانَ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَ يُكَالُ، أَمْ يُوزَنُ؟ أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُوزَنُ مَرَّةً وَيُكَالُ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ أَكْبَرَ جَرْمًا مِنَ التَّمْرِ، اعْتُبِرَ فِيهِ الْوَزْنُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَصْغَرَ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: تُعْتَبَرُ عَادَةُ الْوَقْتَ فِي بَلَدِ الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: عَادَةُ الْوَقْتِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ.
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ وَلَا غَالِبَ، اعْتَبَرْنَا شِبْهَ الْأَشْيَاءِ بِهِ.
وَالثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ الْوَزْنُ.
وَالرَّابِعُ: الْكَيْلُ.
وَالْخَامِسُ: يُعْتَبَرُ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ بِهِ.
وَالسَّادِسُ: يُتَخَيَّرُ بَيْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ هَذَا الْخِلَافَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْءِ أَصْلٌ مَعْلُومُ الْعِيَارِ.
أَمَّا إِذَا اسْتُخْرِجَ مَا هَذَا حَالُهُ مِنْ أَصْلٍ.
فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِأَصْلِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ، قَالَ الْإِمَامُ: وَسَوَاءٌ الْمِكْيَالُ الْمُعْتَادُ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسَائِرُ الْمَكَايِيلِ الْمُحْدَثَةِ بَعْدَهُ، كَمَا أَنَّا إِذَا عَرَفْنَا التَّسَاوِيَ بِالتَّعْدِيلِ فِي كِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، تَكْتَفِي بِهِ وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ قَدْرَ مَا فِي كُلِّ كِفَّةٍ.
وَفِي الْكَيْلِ بِالْقَصْعَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُعْتَادُ الْكَيْلُ بِهِ، تَرَدُّدٌ لِلْقَفَّالِ.
وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ.
وَالْوَزْنُ بِالطَّيَّارِ وَالْقَرَسْطُونِ وَزْنٌ.
وَأَمَّا الْمَاءُ، فَقَدْ يَتَأَتَّى بِهِ الْوَزْنُ، بِأَنْ يُوضَعَ الشَّيْءُ فِي ظَرْفٍ وَيُلْقَى فِي الْمَاءِ، وَيُنْظَرَ قَدْرُ غَوْصِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ وَزْنًا شَرْعِيًّا وَلَا عُرْفِيًّا، فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ.
قُلْتُ: قَدْ عَوَّلَ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ فِي أَدَاءِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَفِي الزَّكَاةِ، فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءِ بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَبَعْضُهُ فِضَّةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِهِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، كُلُّهُ فِي مُقَدَّرٍ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ.
أَمَّا مَا لَا يُقَدَّرُ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، كَالْبِطِّيخِ، وَالْقِثَّاءِ، وَالرُّمَّانِ، وَالسَّفَرْجَلِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إِنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا، جَازَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ كَيْفَ شَاءَ، حَتَّى قَالَ الْقَفَّالُ: لَوْ جُفِّفَ شَيْءٌ مِنْهَا، وَكَانَ يُوزَنُ فِي جَفَافِهِ، فَلَا رِبَا فِيهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا رِبَا فِيهِ فِي أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ وَهُوَ حَالُ الرُّطُوبَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ الرِّبَا فِيهِ، فَإِنَّهُ فِي حَالِ الْجَفَافِ مَطْعُومٌ مُقَدَّرٌ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ: إِنَّ فِيهِ الرِّبَا، جَازَ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَيْفَ شَاءَ.
وَأَمَّا بِجِنْسِهِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَ مِمَّا يُجَفَّفُ، كَالْبِطِّيخِ الَّذِي يُفَلَّقُ، وَحَبِّ الرُّمَّانِ الْحَامِضِ، وَكُلِّ مَا يُجَفَّفُ مِنَ الثِّمَارِ، وَإِنْ مُقَدَّرًا كَالْمِشْمِشِ، وَالْخَوْخِ، وَالْكُمِّثْرَى الَّذِي يُفَلَّقُ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ، وَيَجُوزُ حَالَ الْجَفَافِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الشَّاذِّ: لَا يَجُوزُ، إِذْ لَيْسَ لَهُ حَالُ كَمَالٍ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُجَفَّفُ، كَالْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ؟ فِيهِ وَفِي الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لَا تُجَفَّفُ، كَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ، وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ، قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجُوزُ، كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ، كَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَيْلُهُ، كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ، بِيعَ وَزْنًا.
وَإِنْ أَمْكَنَ، كَالتُّفَّاحِ وَالتِّينِ، فَيُبَاعُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: وَزْنًا، وَلَا بَأْسَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِتَفَاوُتِ الْعَدَدِ.
فَرْعٌ: لَوْ أَرَادَ شَرِيكَانِ قِسْمَةَ رِبَوِيٍّ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: إِنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، لَمْ يَجُزْ

قِسْمَةُ الْمَكِيلِ وَزْنًا، وَلَا الْمَوْزُونِ كَيْلًا.
وَمَا لَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ، لَا يُقَسَّمُ أَصْلًا.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ إِفْرَازٌ، جَازَ قِسْمَةُ الْمَكِيلِ وَزْنًا وَعَكْسُهُ، وَجَازَ قِسْمَةُ الرُّطَبِ وَنَحْوِهِ وَزْنًا.
وَلَا يَجُوزُ قِسْمَةُ غَيْرِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ خَرْصًا.
وَيَجُوزُ قِسْمَتُهُمَا خَرْصًا إِذَا قُلْنَا: إِفْرَازٌ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ جُزَافًا، وَلَا بِالتَّخْمِينِ وَالتَّحَرِّي.
فَلَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةٍ، أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ جُزَافًا، وَخَرَجَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ التَّسَاوِيَ شَرْطٌ.
وَشَرْطُ الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ.
وَلِهَذَا، لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً لَا يَعْلَمُ أَهِيَ أُخْتُهُ، أَمْ مُعْتَدَّةٌ، أَمْ لَا؟ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَسَوَاءٌ جَهِلَا الصُّبْرَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ مُكَايَلَةً، أَوْ كَيْلًا بِكَيْلٍ، أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِتِلْكَ مُوَازَنَةً، أَوْ وَزْنًا بِوَزْنٍ، فَإِنْ كَالَا، أَوْ وَزَنَا، وَخَرَجَتَا سَوَاءً، صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِلَّا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَصِحُّ فِي الْكَبِيرَةِ بِقَدْرِ مَا يُقَابِلُ الصَّغِيرَةَ، وَلِمُشْتَرِي الْكَبِيرَةِ الْخِيَارُ.
وَحَيْثُ صَحَّحْنَا، فَتَفَرَّقَا بَعْدَ تَقَابُضِ الْجُمْلَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِكَيْلِهَا مِنْ صُبْرَتِكَ، وَصُبْرَةُ الْمُخَاطَبِ أَكْبَرُ، صَحَّ.
ثُمَّ إِنْ كَالَا فِي الْمَجْلِسِ وَتَقَابَضَا، تَمَّ الْعَقْدُ.
وَإِنْ تَقَابَضَا الْجُمْلَتَيْنِ وَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْكَيْلِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةِ شَعِيرٍ جُزَافًا، جَازَ، وَلَوْ بَاعَهَا بِهَا صَاعًا بِصَاعٍ، أَوْ بِصَاعَيْنِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
قُلْتُ: قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: إِذَا بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةِ شَعِيرٍ، صَاعًا بِصَاعٍ، وَخَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، صَحَّ.
وَإِنْ تَفَاضَلَتَا، فَرَضِيَ صَاحِبُ الزَّائِدَةِ بِتَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ، تَمَّ

الْبَيْعُ، وَلَزِمَ الْآخَرَ قَبُولُهَا.
وَإِنْ رَضِيَ صَاحِبُ النَّاقِصَةِ بِقَدْرِهَا مِنَ الزَّائِدَةِ، أُقِرَّ الْعَقْدُ.
وَإِنْ تَشَاحَّا، فُسِخَ الْبَيْعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي بَيَانِ الْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمُدِّ عَجْوَةٍ وَمَقْصُودُهُ: أَنْ يَشْتَمِلَ الْعَقْدُ عَلَى رِبَوِيٍّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيَخْتَلِفَ الْعِوَضَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، جِنْسًا، أَوْ نَوْعًا، أَوْ صِفَةً، وَهُوَ ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ الرِّبَوِيُّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ جِنْسًا، وَالثَّانِي: يَكُونُ جِنْسَيْنِ.
فَالْأَوَّلُ: فِيهِ تَقَعُ الْقَاعِدَةُ الْمَقْصُودَةُ.
فَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يَخْتَلِفَ الْجِنْسُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، كَمَا إِذَا بَاعَ مُدَّ عَجْوَةٍ، وَدِرْهَمًا بِمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، أَوْ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ، أَوْ بَاعَ صَاعَ حِنْطَةٍ وَصَاعَ شَعِيرٍ بِصَاعِ حِنْطَةٍ وَصَاعِ شَعِيرٍ، أَوْ بِصَاعَيْ حِنْطَةٍ، أَوْ بِصَاعَيْ شَعِيرٍ.
وَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يَخْتَلِفَ النَّوْعُ أَوِ الصِّفَةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، كَمَا إِذَا بَاعَ مُدَّ عَجْوَةٍ وَمُدَّ صَيْحَانِيٍّ، بِمُدِّ عَجْوَةٍ، وَمُدِّ صَيْحَانِيٍّ، أَوْ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ، أَوْ بِمُدَّيْ صَيْحَانِيٍّ، أَوْ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ جَيِّدَةٍ، وَمِائَةَ دِينَارٍ رَدِيئَةٍ [بِمِائَتَيْ] دِينَارٍ جَيِّدٍ، أَوْ رَدِيءٍ، أَوْ وَسَطٍ، أَوْ بِمِائَةِ جَيِّدٍ، وَمِائَةِ رَدِيءٍ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ وَنَظَائِرِهَا.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ إِذَا بَاعَ مُدَّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمًا بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ، وَالدِّرْهَمَانِ مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ، وَالْمُدَّانِ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ بَاعَ صَاعَ حِنْطَةٍ وَصَاعَ شَعِيرٍ بِمِثْلِهِمَا، وَصَاعَا الْحِنْطَةِ مِنْ صُبْرَةٍ، وَكَذَا الشَّعِيرُ، صَحَّ.
وَيُحْكَى هَذَا عَنِ الْقَاضِيَيْنِ أَبِي الطَّيِّبِ وَحُسَيْنٍ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ.
وَحَكَى صَاحِبُ «الْبَيَانِ» وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ، إِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ.
وَالْمَعْرُوفُ مَا سَبَقَ.

وَمِنْ صُوَرِ هَذَا الْأَصْلِ: أَنْ يَبِيعَ دِينَارًا صَحِيحًا وَدِينَارًا مُكَسَّرًا بِدِينَارٍ صَحِيحٍ وَآخَرَ مُكَسَّرٍ، أَوْ بِصَحِيحَيْنِ، أَوْ بِمُكَسَّرَيْنِ إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمُكَسَّرِ دُونَ الصَّحِيحِ، وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّ صِفَةَ الصِّحَّةِ فِي مَحَلِّ الْمُسَامَحَةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَصْحَابَ، أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ فِي حِكَايَتِهِمُ الْمَذْهَبَ.
وَحَكَى صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهُ إِذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْنِ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْمُدِّ الْمَضْمُومِ إِلَى الدِّرْهَمِ وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْمُدَّيْنِ.
وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الدِّرْهَمِ وَمَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْمُدَّيْنِ؟ فِيهِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ مَا لَوْ بَاعَهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، أَوْ بَاعَ صَاعَ حِنْطَةٍ وَصَاعَ شَعِيرٍ، بِصَاعَيْ حِنْطَةٍ، أَوْ بِصَاعَيْ شَعِيرٍ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ مَحْمُولًا عَلَى مَا فَصَّلَهُ.
وَلَوْ كَانَ الْجَيِّدُ مَخْلُوطًا بِالرَّدِيءِ، فَبَاعَ صَاعًا مِنْهُ بِمِثْلِهِ، أَوْ بِجَيِّدٍ، أَوْ بِرَدِيءٍ، جَازَ؛ لِأَنَّ التَّوْزِيعَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَمَيُّزِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنِ الْآخَرِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَمَيَّزْ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا وَسَطًا بِجَيِّدٍ، أَوْ رَدِيءٍ، فَيَجُوزُ.
ثُمَّ صُوَرُ الْبُطْلَانِ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إِذَا قَابَلَ الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ.
فَلَوْ فُصِّلَ، فَتَبَايَعَا مُدَّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمًا بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ، وَجَعَلَا الْمُدَّ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ، وَالدِّرْهَمَ فِي مُقَابَلَةِ الدِّرْهَمِ، أَوْ جَعَلَا الْمُدَّ فِي مُقَابَلَةِ الدِّرْهَمِ، وَالدِّرْهَمَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ جَازَ، وَكَانَ كَصَفْقَتَيْنِ مُتَبَايِنَتَيْنِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الرِّبَوِيُّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ جِنْسَيْنِ، وَفِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ آخَرُ، فَاخْتَلَفَتْ عِلَّةُ الرِّبَا، بِأَنْ بَاعَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا بِصَاعِ حِنْطَةٍ وَصَاعِ شَعِيرٍ، جَازَ.
وَإِنِ اتَّفَقَتْ، فَإِنْ كَانَ التَّقَابُضُ شَرْطًا فِي جَمِيعِ الْعِوَضَيْنِ، بِأَنْ بَاعَ صَاعَ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ، بِصَاعَيْ تَمْرٍ، أَوْ بِصَاعِ تَمْرٍ وَصَاعِ مِلْحٍ، جَازَ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ التَّقَابُضُ شَرْطًا فِي الْبَعْضِ فَقَطْ، بِأَنْ بَاعَ صَاعَ حِنْطَةٍ وَدِرْهَمًا، بِصَاعَيْ شَعِيرٍ، فَفِيهِ قَوْلَا الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ الدِّرْهَمَ مِنَ الشَّعِيرِ، لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ.
وَمَا يُقَابِلُ الْحِنْطَةَ يُشْتَرَطُ فِيهِ.

فَرْعٌ: لَوْ بَاعَ صَاعَ حِنْطَةٍ بِصَاعِ حِنْطَةٍ، وَفِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا زُوَانٌ، أَوْ عُقَدُ التِّبْنِ، أَوْ مَدَرٌ، أَوْ حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَجُزْ.
وَضَبَطَ الْإِمَامُ الْمَنْعَ، بِأَنْ يَكُونَ الْخَلِيطُ قَدْرًا لَوْ مُيِّزَ ظَهَرَ عَلَى الْمِكْيَالِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ، لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا دُقَاقُ تِبْنٍ، أَوْ قَلِيلُ تُرَابٍ، لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي تَضَاعِيفِ الْحِنْطَةِ، وَلَا يَظْهَرُ فِي الْمِكْيَالِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ مُوَزُونًا بِجِنْسِهِ وَفِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا قَلِيلُ تُرَابٍ، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْوَزْنِ.
وَلَوْ بَاعَ حِنْطَةً بِشَعِيرٍ وَفِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا حَبَّاتٌ مِنَ الْآخَرِ يَسِيرَةٌ ; صَحَّ، وَإِنْ كَثُرَ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يُضْبَطُ ذَلِكَ بِالتَّأْثِيرِ فِي الْكَيْلِ، وَلَا بِالتَّمَوُّلِ، بَلْ ضَبْطُ الْكَثِيرِ أَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ الْمَخَالِطُ لِلْحِنْطَةِ قَدْرًا يُقْصَدُ تَمْيِيزُهُ لِيُسْتَعْمَلَ شَعِيرًا، وَكَذَا بِالْعَكْسِ.
فَرْعٌ: لَوْ بَاعَ دَارًا بِذَهَبٍ، فَظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنُ ذَهَبٍ، أَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا بِئْرُ مَاءٍ بِدَارٍ فِيهَا بِئْرُ مَاءٍ، وَقُلْنَا: الْمَاءُ رِبَوِيٌّ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، كَبَيْعِ دَارٍ مُوِّهَتْ بِذَهَبٍ تَمْوِيهًا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِذَهَبٍ.

فَصْلٌ

فِي الْحَالِ الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، الرِّبَوِيُّ ضَرْبَانِ.
مَا يَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَمَا لَا يَتَغَيَّرُ.

فَالْمُتَغَيِّرُ، تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي بَيْعِ الْجِنْسِ مِنْهُ بِالْجِنْسِ فِي أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ.
فَمِنْهُ: الْفَوَاكِهُ، فَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ حَالَ الْجَفَافِ خَاصَّةً، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِتَمْرٍ وَلَا رُطَبٍ، وَلَا بَيْعُ الْعِنَبِ بِعِنَبٍ وَلَا زَبِيبٍ، وَكَذَا كُلُّ ثَمَرَةٍ لَهَا حَالُ جَفَافٍ، كَالتِّينِ، وَالْمِشْمِشِ، وَالْخَوْخِ، وَالْبِطِّيخِ وَالْكُمِّثْرَى اللَّذَيْنِ يُفَلَّقَانِ، وَالْإِجَّاصِ، وَالرُّمَّانِ الْحَامِضِ، لَا يُبَاعُ رُطَبُهَا بِرُطَبِهَا وَلَا بِيَابِسِهَا.
وَحُكِيَ وَجْهٌ فِي الْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ، وَمَا لَا يَعُمُّ تَجْفِيفُهُ عُمُومَ تَجْفِيفِ الرُّطَبِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ أَحْوَالِهَا.
وَهَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجَدِيدِ بِالْعَتِيقِ، إِلَّا أَنْ تَبْقَى فِي الْجَدِيدِ نَدَاوَةٌ بِحَيْثُ يَظْهَرُ أَثَرُ زَوَالِهَا فِي الْمِكْيَالِ.
وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ حَالُ جَفَافٍ، كَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ، وَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ، وَالْبِطِّيخِ وَالْكُمِّثْرَى اللَّذَيْنِ لَا يُفَلَّقَانِ، وَالرُّمَّانِ الْحُلْوِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَالْقَرْعِ، وَالْبُقُولِ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَجَوَّزَ الْمُزَنِيُّ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَيُسْتَثْنَى مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، صُورَةُ الْعَرَايَا، وَسَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ مِنَ الْقِشْرِ وَالتِّبْنِ، مَا دَامَتْ عَلَى هَيْأَتِهَا بَعْدَ تَنَاهِي جَفَافِهَا.
فَإِذَا بَطَلَتْ تِلْكَ الْهَيْئَةُ خَرَجَتْ عَنِ الْكَمَالِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهَا مِنَ الْمَطْعُومَاتِ، كَالدَّقِيقِ، وَالسَّوِيقِ، وَالْخُبْزِ، وَالنَّشَا، وَلَا بِمَا فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ، كَالْمَصْلِ فَفِيهِ الدَّقِيقُ، وَالْفَالُوذَجِ فَفِيهِ النَّشَا.
وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَشْيَاءِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، لِخُرُوجِهَا عَنْ حَالِ الْكَمَالِ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَشْهُورُ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ كَيْلًا، وَجَعَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْقَوْلَ، فِي أَنَّ الْحِنْطَةَ وَالدَّقِيقَ جِنْسَانِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَحَكَى الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ قَوْلًا: أَنَّهُ يَجُوزُ

بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ، كَالدُّهْنِ بِالدُّهْنِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْخُبْزِ الْجَافِّ الْمَدْقُوقِ بِمِثْلِهِ كَيْلًا.
وَقَوْلٌ: أَنَّ الْحِنْطَةَ مَعَ السَّوِيقِ جِنْسَانِ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ شَاذَّةٌ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ وَلَا الْمَبْلُولَةِ بِمِثْلِهَا وَلَا بِغَيْرِهَا.
وَإِنْ جُفِّفَتِ الْمَبْلُولَةُ، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا؛ لِتَفَاوُتِ جَفَافِهَا، وَالْحِنْطَةُ الَّتِي فُرِكَتْ وَأُخْرِجَتْ مِنَ السَّنَابِلِ وَلَمْ يَتِمَّ جَفَافُهَا، كَالْمَبْلُولَةِ.
وَالنُّخَالَةُ لَيْسَتْ رِبَوِيَّةً، وَكَذَا الْحِنْطَةُ الْمُسَوَّسَةُ الَّتِي لَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ اللُّبِّ، فَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِالْحِنْطَةِ وَبَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا.
فَرْعٌ: السِّمْسِمُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَدْهَانُ حَالَ كَمَالِهَا مَا دَامَتْ عَلَى هَيْأَتِهَا كَالْأَقْوَاتِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ طَحِينِهَا بِطَحِينِهَا، كَالدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ.
وَأَمَّا دُهْنُهَا الْمُسْتَخْرَجُ، فَكَامِلٌ، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِمَا يُطْرَحُ فِيهِ مِنْ مِلْحٍ وَنَحْوِهِ.
فَرْعٌ: قَدْ يَكُونُ لِلشَّيْءِ حَالَتَا كَمَالٍ، كَالزَّبِيبِ وَالْخَلِّ كَامِلَانِ، وَأَصْلُهُمَا الْعِنَبُ.
وَكَذَا الْعَصِيرُ، كَامِلٌ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَجُوزُ بَيْعُ عَصِيرِ الْعِنَبِ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ، وَعَصِيرِ الرُّطَبِ بِعَصِيرِ الرَّطَبِ.
وَالْمِعْيَارُ فِيهِ وَفِي الدُّهْنِ الْكَيْلُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكُسْبِ بِالْكُسْبِ وَزْنًا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَلْطٌ.
فَإِنْ كَانَ، لَمْ يَجُزْ.

فَرْعٌ: الْأَدْهَانُ الْمُطَيِّبَةُ، كَدُهْنِ الْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَالنَّيْلُوفَرِ، كُلُّهَا مُسْتَخْرَجَةٌ مِنَ السِّمْسِمِ.
فَإِذَا قُلْنَا: يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، جَازَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَإِنْ رَبَّى السِّمْسِمَ فِيهَا ثُمَّ اسْتَخْرَجَ دُهْنَهُ.
وَإِنِ اسْتَخْرَجَ الدُّهْنَ ثُمَّ طُرِحَتْ أَوْرَاقُهَا فِيهِ، لَمْ يَجُزْ.
فَرْعٌ: عَصِيرُ الرُّمَّانِ وَالتُّفَّاحِ وَسَائِرِ الثِّمَارِ، كَعَصِيرِ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ، وَكَذَا عَصِيرُ قَصَبِ السُّكَّرِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ الرُّطَبِ، بِخَلِّ الرُّطَبِ، وَخَلِّ الْعِنَبِ، بِخَلِّ الْعِنَبِ كَيْلًا.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بِمِثْلِهِ، وَلَا خَلِّ التَّمْرِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا مَاءً، فَيَمْتَنِعُ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ، وَلَا خَلِّ الرُّطَبِ بِخَلِّ التَّمْرِ؛ لِأَنَّ فِي أَحَدِهِمَا مَاءً.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بِخَلِّ التَّمْرِ إِذَا قُلْنَا: الْمَاءُ رِبَوِيٌّ.
قُلْتُ: فَإِنْ قُلْنَا: الْمَاءُ غَيْرُ رِبَوِيٍّ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ جَوَازُهُ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ، فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْخَلَّيْنِ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ الْمَاءَيْنِ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الطَّرِيقَ - الْبَغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّعْلِيقُ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ» . وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الصَّوَابُ، وَلَعَلَّ الْأَصْحَابَ اقْتَصَرُوا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بِخَلِّ الرُّطَبِ، وَخَلِّ التَّمْرِ بِخَلِّ الْعِنَبِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْخَلَّيْنِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، تَفْرِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ.

فَرْعٌ: اللَّبَنُ كَامِلٌ، فَيُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، سَوَاءٌ فِيهِ الْحَلِيبُ، وَالْحَامِضُ، وَالرَّائِبُ الْخَاثِرُ، مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلِيًّا بِالنَّارِ، فَيُبَاعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَيْلًا.
وَلَا مُبَالَاةَ بِكَوْنِ مَا يَحْوِيهِ الْمِكْيَالُ مِنَ الْخَاثِرِ أَكْثَرَ وَزْنًا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْكَيْلِ، كَالْحِنْطَةِ الصُّلْبَةِ بِالرَّخْوَةِ.
وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ جَمِيعًا.
وَيَجُوزُ بَيْعُ السَّمْنِ بِالسَّمْنِ كَيْلًا إِنْ كَانَ ذَائِبًا، وَوَزْنًا إِنْ كَانَ جَامِدًا، قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» ، وَهُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا الْعِرَاقِيُّونَ.
الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يُوزَنُ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُكَالُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَخِيضِ بِالْمَخِيضِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا مَاءٌ.
وَمَالَ الْمُتَوَلِّي إِلَى الْمَنْعِ.
وَالْمَذْهَبُ: الْجَوَازُ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَقِطِ بِالْأَقِطِ، وَلَا الْمَصْلِ بِالْمَصْلِ، وَلَا الْجُبْنِ بِالْجُبْنِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِالزُّبْدِ، وَلَا بِالسَّمْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِمَا اتُّخِذَ مِنْهُ، كَالسَّمْنِ وَالْمَخِيضِ وَغَيْرِهِمَا.
فَرْعٌ: الرِّبَوِيُّ الْمَعْرُوضُ عَلَى النَّارِ، ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمَعْرُوضُ لِلْعَقْدِ وَالطَّبْخِ، كَالدِّبْسِ وَاللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدِّبْسِ بِالدِّبْسِ، وَالسُّكَّرِ بِالسُّكَّرِ، وَالْفَانِيذِ بِالْفَانِيذِ، وَاللِّبَأِ بِاللِّبَأِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ قَصَبِ السُّكَّرِ بِقَصَبِ السُّكَّرِ، وَلَا بِالسُّكَّرِ، كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، وَبِالتَّمْرِ.
أَمَّا اللَّحْمُ، إِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَا طَرِيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَجُزْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنْ كَانَا مُقَدَّدَيْنِ، جَازَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا مِنَ الْمِلْحِ مَا يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَنَاهَى جَفَافُهُ، بِخِلَافِ

التَّمْرِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ الْجَدِيدُ مِنْهُ بِالْعَتِيقِ وَبِالْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ، وَأَثَرُ الرُّطُوبَةِ الْبَاقِيَةِ، لَا تَظْهَرُ فِي الْمِكْيَالِ، وَاللَّحْمُ مَوْزُونٌ، فَيَظْهَرُ أَثَرُ الرُّطُوبَةِ فِي الْوَزْنِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ اللَّحْمُ مَطْبُوخًا وَلَا مَشْوِيًّا.
فَأَمَّا الْمَطْبُوخُ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا بِمِثْلِهِمَا وَلَا بِالنَّيِّءِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَعْرُوضُ لِلتَّمْيِيزِ وَالتَّصْفِيَةِ، فَهُوَ كَامِلٌ، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَالسَّمْنِ.
وَفِي الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَامِلٌ كَالْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ، وَمِعْيَارُهُ مِعْيَارُ السَّمْنِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّهْدِ بِالشَّهْدِ، وَلَا بِالْعَسَلِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الشَّمْعِ بِالْعَسَلِ وَبِالشَّهْدِ؛ لِأَنَّ الشَّمْعَ لَيْسَ رِبَوِيًّا.
فَرْعٌ: التَّمْرُ إِذَا نُزِعَ نَوَاهُ، بَطَلَ كَمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ.
فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَنْزُوعِ النَّوَى بِمِثْلِهِ، وَلَا بِغَيْرِ مَنْزُوعِهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ بِمِثْلِهِ فَقَطْ.
وَمُفَلَّقُ الْمِشْمِشِ، وَالْخَوْخِ، وَنَحْوِهِمَا، لَا يَبْطُلُ كَمَالُهُ بِنَزْعِ النَّوَى عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَا يَبْطُلُ كَمَالُ اللَّحْمِ بِنَزْعِ عَظْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ صَلَاحُهُ بِبَقَائِهِ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ نَزْعُ الْعَظْمِ فِي جَوَازِ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الِاشْتِرَاطُ.
وَالثَّانِي: يُسَامَحُ بِهِ.
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ الْفَخِذِ بِالْجَنْبِ، وَلَا يَضُرُّ تَفَاوُتُ الْعِظَامِ، كَمَا لَا يَضُرُّ تَفَاوُتُ النَّوَى.

فَصْلٌ

فِي مَعْرِفَةِ الْجِنْسِيَّةِ قَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، أَنَّ بَيْعَ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ، يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ.
وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ، يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ.
وَالتَّجَانُسُ وَعَدَمُهُ، قَدْ يَظْهَرَانِ، وَقَدْ يَشْتَبِهَانِ، فَمَا ظَهَرَ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَنْصِيصٍ عَلَيْهِ، وَمَا اشْتَبَهَ، يَحْتَاجُ.
فَمِنْ ذَلِكَ، لُحُومُ الْحَيَوَانَاتِ، هَلْ هِيَ جِنْسٌ، أَمْ أَجْنَاسٌ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُمَا أَجْنَاسٌ.
فَإِنْ قُلْنَا: جِنْسٌ، فَالْحَيَوَانَاتُ الْبَرِّيَّةُ وَحْشِيُّهَا وَأَهْلِيُّهَا كُلُّهَا جِنْسٌ، وَكَذَا الْبَحْرِيَّةُ كُلُّهَا جِنْسٌ.
وَفِي الْبَحْرِيَّةِ مَعَ الْبَرِّيَّةِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: جِنْسٌ.
وَالثَّانِي: جِنْسَانِ.
وَإِنْ قُلْنَا: أَجْنَاسٌ، فَحَيَوَانُ الْبَرِّ مَعَ الْبَحْرِ جِنْسَانِ، وَالْأَهْلِيُّ مَعَ الْوَحْشِيِّ جِنْسَانِ.
ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَاسٌ، فَلُحُومُ الْإِبِلِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلُحُومُ الْبَقَرِ جَوَامِيسِهِا وَغَيْرِهَا جِنْسٌ، وَالْغَنَمُ ضَأْنُهُا وَمَعِزُهَا جِنْسٌ، وَالْبَقَرُ الْوَحْشِيُّ جِنْسٌ، وَالظِّبَاءُ جِنْسٌ.
وَفِي الظَّبْيِ مَعَ الْإِبِلِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَاسْتَقَرَّ جَوَابُهُ أَنَّهُمَا كَالضَّأْنِ وَالْمَعِزِ.
وَأَمَّا الطُّيُورُ، فَالْعَصَافِيرُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا جِنْسٌ، وَالْبَطُّوطُ جِنْسٌ.
وَعَنِ الرَّبِيعِ: أَنَّ الْحَمَامَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ، جِنْسٌ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقُمْرِيُّ، وَالدُّبْسِيُّ، وَالْفَوَاخِتُ.
وَاخْتَارَ هَذَا جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ، وَصَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» ، وَاسْتَبْعَدَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَجَعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا جِنْسًا.
وَسُمُوكُ الْبَحْرِ جِنْسٌ.
وَأَمَّا غَنَمُ الْمَاءِ وَبَقَرُهُ وَغَيْرُهُمَا، فَفِيهَا - مَعَ السَّمَكِ - أَوْ مَعَ مِثْلِهَا، قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا أَجْنَاسٌ.
وَفِي الْجَرَادِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ جِنْسِ اللُّحُومِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ لُحُومِ الْبَرِّيَّاتِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مِنْ لُحُومِ الْبَحْرِيَّاتِ.

قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا أَعْضَاءُ الْحَيَوَانِ الْوَاحِدِ، كَالْكَرِشِ، وَالْكَبِدِ، وَالطِّحَالِ، وَالْقَلْبِ، وَالرِّئَةِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا أَجْنَاسٌ.
وَالْمُخُّ، جِنْسٌ آخَرُ، وَكَذَا الْجِلْدُ.
قُلْتُ: الْمَعْرُوفُ، أَنَّ الْجِلْدَ لَيْسَ رِبَوِيًّا، فَيَجُوزُ بَيْعُ جِلْدٍ بِجُلُودٍ وَبِغَيْرِهَا، فَلَا حَاجَةَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَحْمُ الظَّهْرِ مَعَ شَحْمِ الْبَطْنِ، جِنْسَانِ.
وَسَنَامُ الْبَعِيرِ مَعَهُمَا، جِنْسٌ آخَرُ.
وَالرَّأْسُ، وَالْأَكَارِعُ، مِنْ جِنْسِ اللُّحُومِ.
وُفِي الْأَكَارِعِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.
وَأَمَّا الْأَدِقَّةُ وَالْخُلُولُ وَالْأَدْهَانُ، فَهِيَ أَجْنَاسٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَكَذَا عَصِيرُ الْعِنَبِ مَعَ عَصِيرِ الرُّطَبِ.
وَحُكِيَ فِي الْأَدِقَّةِ قَوْلٌ أَنَّهَا جِنْسٌ، وَوَجْهٌ أَبْعَدُ مِنْهُ فِي الْخُلُولِ وَالْأَدْهَانِ، وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ مَعَ عَصِيرِ الرُّطَبِ.
وَالْأَلْبَانُ أَجْنَاسٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الْبَقَرِ بِلَبَنِ الْغَنَمِ مُتَفَاضِلًا، وَبَيْعُ أَحَدِهِمَا بِمَا يُتَّخَذُ مِنَ الْآخَرِ.
وَلَبَنُ الضَّأْنِ وَالْمَعِزِ جِنْسٌ، وَلَبَنُ الْوَعْلِ مَعَ الْمَعِزِ الْأَهْلِيِّ جِنْسَانِ.
وَبُيُوضُ الطَّيْرِ أَجْنَاسٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا أَجْنَاسٌ.
وَزَيْتُ الزَّيْتُونِ مَعَ زَيْتِ الْفُجْلِ، وَالتَّمْرُ الْمَعْرُوفُ مَعَ التَّمْرِ الْهِنْدِيِّ، أَجْنَاسٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي الْبِطِّيخِ الْمَعْرُوفِ مَعَ الْهِنْدِيِّ، وَالْقِثَّاءِ مَعَ الْخِيَارِ، وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُمَا جِنْسَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْبُقُولُ، كَالْهِنْدِبَاءِ وَالنُّعْنُعِ وَغَيْرِهِمَا، أَجْنَاسٌ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا رِبَوِيَّةٌ.
وَدُهْنُ السِّمْسِمِ وَكُسْبُهُ، جِنْسَانِ، كَالْمَخِيضِ مَعَ السَّمْنِ.
وَفِي عَصِيرِ الْعِنَبِ مَعَ خَلِّهِ، وَالسُّكَّرِ مَعَ الْفَانِيذِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: جِنْسَانِ.
وَالسُّكَّرُ الطَّبَرْزَدُ وَالنَّبَاتُ، جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَالسُّكَّرُ الْأَحْمَرُ مَعَ الْأَبْيَضِ، جِنْسٌ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ عَكَرُ الْأَبْيَضِ، إِلَّا أَنَّ صِفَتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ.

فَرْعٌ: بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ مِنْ جِنْسِهِ بَاطِلٌ، خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ مَأْكُولٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَلَحْمِ غَنَمٍ بِبَقَرَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: اللُّحُومُ جِنْسٌ، بَطَلَ.
وَإِنْ قُلْنَا: أَجْنَاسٌ، بَطَلَ أَيْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ، بَطَلَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَفِي بَيْعِ الشَّحْمِ وَالْأَلْيَةِ وَالطِّحَالِ وَالْقَلْبِ وَالْكُلْيَةِ وَالرِّئَةِ بِالْحَيَوَانِ، وَالسَّنَامِ بِالْبَعِيرِ، وَلَحْمِ السَّمَكِ بِالشَّاةِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي بَيْعِ الْجِلْدِ بِالْحَيَوَانِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْبُوغًا.
فَإِنْ دُبِغَ فَلَا مَنْعَ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ دُهْنِ السِّمْسِمِ وَلَا كُسْبِهِ بِالسِّمْسِمِ، وَلَا دُهْنِ الْجَوْزِ بِلُبِّهِ، وَلَا بَيْعُ السَّمْنِ بِاللَّبَنِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجَوْزِ بِالْجَوْزِ وَزْنًا، وَاللَّوْزِ بِاللَّوْزِ كَيْلًا مَعَ قِشْرِهِمَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَيَجُوزُ بَيْعُ لُبِّ الْجَوْزِ بِلُبِّهِ، وَلُبِّ اللَّوْزِ بِلُبِّهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَيْضِ بِالْبَيْضِ فِي قِشْرِهِ وَزْنًا، عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الشَّاةِ بِشَاةٍ لَيْسَ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ، بِأَنْ جَرَى الْبَيْعُ عَقِيبَ الْحَلْبِ، فَإِنْ كَانَ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ، لَمْ يَجُزْ.
وَلَوْ بَاعَ شَاةً فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ بِشَاةٍ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَبَيْعُ بَيْضٍ بِدَجَاجَةٍ كَبَيْعِ لَبَنٍ بِشَاةٍ.
وَلَوْ بَاعَ لَبَنَ شَاةٍ بِبَقَرَةٍ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الْأَلْبَانُ جِنْسٌ، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا، فَقَوْلَانِ، لِلْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ مَا يُقَابِلُ اللَّبَنَ مِنَ اللَّبَنِ، يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ، وَمَا يُقَابِلُ الْحَيَوَانَ، لَا يُشْتَرَطُ.

فَرْعٌ: يَجْرِي الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ جَرَيَانَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُسْلِمُ، وَالْكَافِرُ.

بَابُ الْبُيُوعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا

مَا وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ مِنَ الْبُيُوعِ، قَدْ يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى النَّهْيِ.
وَقَدْ لَا يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ، لِكَوْنِ النَّهْيِ لَيْسَ لِخُصُوصِيَّةِ الْبَيْعِ، بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ.
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْوَاعٌ.
مِنْهَا: بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، وَقَدْ سَبَقَ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعُ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، وَبَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ.
وَسَنَشْرَحُهَا بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْغَرَرِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ مَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَقَدْ سَبَقَ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ مَالِ الْغَيْرِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَفِيهِ تَفْسِيرَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِيعَ غَائِبًا.
وَالثَّانِي: مَا لَا يَمْلِكُهُ لِيَشْتَرِيَهُ فَيُسَلِّمَهُ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا فِي شَرَائِطِ الْمَبِيعِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ -، وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ: أَنَّهُ ضِرَابُهُ، وَقِيلَ: أُجْرَةُ ضِرَابِهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَاؤُهُ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، تَقْدِيرُهُ: بَدَلُ عَسْبِ الْفَحْلِ.
وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

نُهِيَ عَنْ ثَمَنِ عَسْبِ الْفَحْلِ.
وَالْحَاصِلُ: إِنْ بُذِلَ عِوَضًا عَنِ الضِّرَابِ، إِنْ كَانَ بَيْعًا، فَبَاطِلٌ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ إِجَارَةً عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبُ الْأُنْثَى صَاحِبَ الْفَحْلِ شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، هُوَ نَتَاجُ النَّتَاجِ.
وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ إِلَى أَنْ يَلِدَ وَلَدُ هَذِهِ الدَّابَّةِ.
كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَقِيلَ: هُوَ بَيْعُ وَلَدِ نَتَاجِ هَذِهِ الدَّابَّةِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَهْلُ اللُّغَةِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْمَلَاقِيحِ، وَهِيَ مَا فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ مِنَ الْأَجِنَّةِ، الْوَاحِدَةُ: مَلْقُوحَةٌ.
وَبَيْعُ الْمَضَامِينِ، وَهِيَ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ.
وَفِيهِ تَأْوِيلَاتٌ.
أَحَدُهَا: تَأْوِيلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِثَوْبٍ مَطْوِيٍّ، أَوْ فِي ظُلْمَةٍ، فَيَلْمَسُهُ الْمُسْتَامُ فَيَقُولُ صَاحِبُهُ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا، بِشَرْطِ أَنْ يَقُومَ لَمْسُكَ مَقَامَ نَظَرِكِ، وَلَا خِيَارَ لَكَ إِذَا رَأَيْتَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَ اللَّمْسِ بَيْعًا، فَيَقُولُ: إِذَا لَمَسْتَهُ فَهُوَ مَبِيعٌ لَكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمَسَهُ انْقَطَعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَغَيْرِهِ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ.
وَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ عَلَى التَّأْوِيلَاتِ كُلِّهَا.
وَفِي الْأَوَّلِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَقَالَهُ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» تَفْرِيعًا عَلَى صِحَّةِ نَفْيِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : وَعَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي، لَهُ حُكْمُ الْمُعَاطَاةِ.
وَالْمَذْهَبُ: الْجَزْمُ بِالْبُطْلَانِ عَلَى التَّأْوِيلَاتِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ، وَفِيهِ تَأْوِيلَاتٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَجْعَلَا نَفْسَ النَّبْذِ بَيْعًا، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ بَيْعٌ بَاطِلٌ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْمُعَاطَاةِ، فَإِنَّ الْمُنَابَذَةَ مَعَ قَرِينَةِ الْبَيْعِ، هِيَ نَفْسُ الْمُعَاطَاةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنِّي إِذَا نَبَذْتُهُ إِلَيْكَ، لَزِمَ الْبَيْعُ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ نَبْذُ الْحَصَاةِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْحَصَاةِ، وَفِيهِ تَأْوِيلَاتٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ

هَذِهِ الْأَثْوَابِ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ الَّتِي أَرْمِيهَا، أَوْ بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ مِنْ هُنَا إِلَى مَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْحَصَاةُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنَّكَ بِالْخِيَارِ إِلَى أَنْ أَرْمِيَ الْحَصَاةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجْعَلَا نَفْسَ الرَّمْيِ بَيْعًا، فَيَقُولَ: إِذَا رَمَيْتُ الْحَصَاةَ، فَهَذَا الثَّوْبُ مَبِيعٌ لَكَ بِكَذَا، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فِي جَمِيعِهَا.
وَمِنْهَا: بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» . أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ، عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا، أَوْ تَشْتَرِيَ مِنِّي دَارِي بِكَذَا، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ نَقْدًا، أَوْ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً، فَخُذْهُ بِأَيِّهِمَا شِئْتَ أَوْ شِئْتُ أَنَا، وَهُوَ بَاطِلٌ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ نَقْدًا، وَبِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَ نِصْفَهُ بِأَلْفٍ، وَنِصْفَهُ بِأَلْفَيْنِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، نِصْفُهُ بِسِتِّمِائَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي تَوْزِيعَ الثَّمَنِ عَلَى الْمُثَمَّنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَآخِرُهُ يُنَاقِضُهُ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْمَجْرِ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ - وَهُوَ مَا فِي الرَّحِمِ، وَقِيلَ: هُوَ الرِّبَا.
وَقِيلَ: هُوَ الْمُحَاقَلَةُ وَالْمُزَابَنَةُ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ السِّنِينَ، وَلَهُ تَفْسِيرَانِ.
أَحَدُهُمَا: بَيْعُ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ سِنِينَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا سَنَةً، عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْقَضَتِ السَّنَةُ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا، فَتَرُدُّ إِلَيَّ الْمَبِيعَ وَأَرُدُّ إِلَيْكَ الثَّمَنَ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْعُرْبَانِ.
وَيُقَالُ: الْعُرْبُونُ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً مِنْ غَيْرِهِ وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ دَرَاهِمَ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَذَ السِّلْعَةَ، فَهِيَ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِلَّا، فَهِيَ لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ مَجَّانًا.
وَيُفَسَّرُ أَيْضًا بِأَنْ يَدْفَعَ دَرَاهِمَ إِلَى صَانِعٍ لِيَعْمَلَ لَهُ خُفًّا أَوْ خَاتَمًا أَوْ يَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا، عَلَى أَنَّهُ إِنْ رَضِيَهُ، فَالْمَدْفُوعُ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِلَّا، فَهُوَ لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يَسْوَّدَ، وَالْحَبِّ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ، وَبَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمِنْهَا: بَيْعُ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، لَا يَصِحُّ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُمُ الْحَدِيدَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلسِّلَاحِ.
قُلْتُ: بَيْعُ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، صَحِيحٌ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ والرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْهِرَّةِ.
قَالَ الْقَفَّالُ: الْمُرَادُ: الْهِرَّةُ الْوَحْشِيَّةُ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةُ اسْتِئْنَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ.
قُلْتُ: مَذْهَبُنَا: أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الْهِرَّةِ الْأَهْلِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرُهُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ مِنْ أَوْجُهٍ، ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي صِحَّتِهِ.
وَالثَّانِي: جَوَابُ الْقَفَّالِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ النَّاسَ يَتَسَامَحُونَ بِهِ وَيَتَعَاوَرُونَهُ.
هَذِهِ أَجْوِبَةُ الْخَطَّابِيُّ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: النَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَهُوَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَرْضِ.
وَمِنْهَا: النَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ.
وَالشَّرْطُ يَنْقَسِمُ إِلَى فَاسِدٍ، وَصَحِيحٍ.
فَالْفَاسِدُ: يُفْسِدُ الْعَقْدَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ كَلَامٌ سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَمِنَ الْفَاسِدِ، إِذَا بَاعَ عَبْدَهُ بِأَلْفٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ دَارَهُ، أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ دَارَهُ، وَبِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ عَشَرَةً، فَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ بَاطِلٌ.
فَإِذَا أَتَيَا بِالْبَيْعِ الثَّانِي، نَظَرَ، إِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ بُطْلَانَ الْأَوَّلِ، صَحَّ، وَإِلَّا، فَلَا؛ لِأَنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِهِ عَلَى حُكْمِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، كَذَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ.
وَالْقِيَاسُ: صِحَّتُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ، وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ فِي كِتَابِ «الرَّهْنِ» . وَلَوِ اشْتَرَى زَرْعًا، وَشَرَطَ عَلَى بَائِعِهِ أَنْ يَحْصُدَهُ، بَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ.
وَقِيلَ: شَرْطُ الْحَصَادِ بَاطِلٌ.
وَفِي الْبَيْعِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ أَفْرَدَ الشِّرَاءَ

بِعِوَضٍ وَالِاسْتِئْجَارَ بِعِوَضٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ، عَلَى أَنْ تَحْصُدَهُ بِدِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِجَارَةَ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ هَذَا الزَّرْعَ، وَاسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى حَصَادِهِ بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ: بِعْتُ وَأَجَّرْتُ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ.
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ.
وَفِي الْبَيْعِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ هَذَا الزَّرْعَ بِعَشَرَةٍ، وَاسْتَأْجَرْتُكَ لِحَصْدِهِ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ.
وَنَظَائِرُ مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ تُقَاسُ بِهَا، كَمَا إِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ صَبْغَهُ، وَخِيَاطَتَهُ، أَوْ لَبَنًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ طَبْخَهُ، أَوْ نَعْلًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْعَلَ بِهِ دَابَّتَهُ، أَوْ عَبْدًا رَضِيعًا عَلَى أَنَّهُ يُتِمُّ إِرْضَاعَهُ، أَوْ مَتَاعًا عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى بَيْتِهِ، وَالْبَائِعُ يَعْرِفُ بَيْتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، بَطَلَ قَطْعًا.
وَلَوِ اشْتَرَى حَطَبًا عَلَى ظَهْرِ بَهِيمَةٍ مُطْلَقًا، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيُسَلِّمُهُ إِلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ، أَمْ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَشْتَرِطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ تَقْتَضِي حَمْلَهُ إِلَى دَارِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الصَّحِيحُ فِي الْبَيْعِ، فَمِنْ أَنْوَاعِهِ شَرْطُ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ فِي الثَّمَنِ.
فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، بَطَلَ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَوْ أَجَّلَ الثَّمَنَ أَلْفَ سَنَةٍ، بَطَلَ الْعَقْدُ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَعِيشُ هَذِهِ الْمُدَّةَ.
فَعَلَى هَذَا، يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْأَجَلِ، احْتِمَالُ بَقَائِهِ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: لَا يُشْتَرَطُ احْتِمَالُ بَقَائِهِ إِلَيْهِ، بَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِهِ، لَكِنَّ التَّأْجِيلَ بِأَلْفِ سَنَةٍ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَبْعُدُ بَقَاءُ الدُّنْيَا إِلَيْهِ، فَاسِدٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ مَوْضِعُ الْأَجَلِ، إِذَا كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ.
فَأَمَّا ذِكْرُهُ فِي الْمَبِيعِ أَوْ فِي الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَنْ أُسَلِّمَهَا فِي وَقْتِ كَذَا، فَبَاطِلٌ، يُبْطِلُ الْبَيْعَ.
وَلَوْ حَلَّ الْأَجَلُ، فَأَجَّلَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مُدَّةً، أَوْ زَادَ فِي الْأَجَلِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ، فَهُوَ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ.
كَمَا أَنَّ بَدَلَ الْإِتْلَافِ لَا يَتَأَجَّلُ وَإِنْ

أَجَّلَهُ.
وَلَوْ أَوْصَى مَنْ لَهُ دَيْنٌ حَالٌّ عَلَى إِنْسَانٍ بِإِمْهَالِهِ مُدَّةً، لَزِمَ وَرَثَتَهُ إِمْهَالُهُ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَاتِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَلْزَمُ، قَالَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . وَلَوْ أَسْقَطَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ الْأَجَلَ، فَهَلْ يَسْقُطُ حَتَّى يَتَمكَّنَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ فِي الْحَالِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ، وَالصِّفَةُ لَا تُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْحِنْطَةِ الْجَيِّدَةِ، أَوِ الدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ، لَوْ أَسْقَطَ صِفَةَ الْجَوْدَةِ وَالصِّحَّةِ، لَمْ تَسْقُطْ.
وَمِنْ أَنْوَاعِهِ، شَرْطُ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: شَرْطُ الرَّهْنِ، وَالْكَفِيلِ، وَالشَّهَادَةِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، أَوْ يَتَكَفَّلَ بِهِ كَفِيلٌ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا.
وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَشْرُطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ كَفِيلًا بِالْعُهْدَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الرَّهْنِ الْمُشَاهَدَةُ أَوِ الْوَصْفُ بِصِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ.
وَفِي الْكَفِيلِ الْمُشَاهَدَةُ، أَوِ الْمَعْرِفَةُ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَلَا يَكْفِي الْوَصْفُ، كَقَوْلِهِ: رَجُلٌ مُوسِرٌ ثِقَةٌ.
هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ لِلْأَصْحَابِ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الِاكْتِفَاءُ بِالْوَصْفِ أَوْلَى مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِمُشَاهَدَةِ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، لَمْ يَكُنْ مُبْعِدًا.
وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ: لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْكَفِيلِ.
فَإِذَا أَطْلَقَ، أَقَامَ مَنْ شَاءَ كَفِيلًا، وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الشُّهُودِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَادَّعَى الْإِمَامُ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعًا، وَرَدَّ الْخِلَافَ إِلَى أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الشُّهُودَ، هَلْ يَتَعَيَّنُونَ؟ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِكَوْنِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ عِنْدَ عَدْلٍ عَلَى الْأَصَحِّ، بَلْ إِنِ اتَّفَقَا عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ عَدْلٍ، وَإِلَّا جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ عَدْلٍ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ رَهْنُهُ غَيْرَ الْمَبِيعِ.
فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَبِيعِ نَفْسِهِ رَهْنًا بِالثَّمَنِ، بَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، إِلَّا الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْبَدَاءَةَ بِالتَّسْلِيمِ بِمَنْ؟ فَإِنْ قُلْنَا: بِالْبَائِعِ أَوْ يُجْبِرَانِ، أَوْ لَا يُجْبِرَانِ، بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: بِالْمُشْتَرِي، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا.

وَالثَّانِي: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ، سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا.
وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَرْهَنَهُ بِالثَّمَنِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَيَرُدَّهُ إِلَيْهِ، بَطَلَ الْبَيْعُ أَيْضًا.
وَلَوْ رَهَنَهُ بِالثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، صَحَّ إِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَلَا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ ثَابِتٌ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، فَهُوَ كَرَهْنِ الْمَبِيعِ بِدَيْنٍ آخَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
ثُمَّ إِذَا لَمْ يَرْهَنِ الْمُشْتَرِي مَا شَرَطَهُ، أَوْ لَمْ يَشْهَدْ، أَوْ لَمْ يَتَكَفَّلِ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَلَا إِجْبَارَ، لَكِنْ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ.
وَلَا يَقُومُ رَهْنٌ وَكَفِيلٌ آخَرُ مَقَامَ الْمُعَيَّنِ.
فَإِنْ فَسَخَ، فَذَاكَ.
وَإِنْ أَجَازَ، فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
وَلَوْ عَيَّنَ شَاهِدَيْنِ، فَامْتَنَعَا مِنَ التَّحَمُّلِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الشَّاهِدَيْنِ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ، فَهَلَكَ الْمَرْهُونُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ تَعَيَّبَ، أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، وَإِنْ تَعَيَّبَ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَلَا خِيَارَ.
وَلَوِ ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبْلَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.
وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ الْقَبْضِ، أَوْ تَعَيَّبَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ، فَلَا أَرْشَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ: فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ.
وَالثَّانِي: يَبْطُلَانِ.
وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
فَإِذَا صَحَّحْنَا الشَّرْطَ، فَذَاكَ إِذَا أَطْلَقَ، أَوْ قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ تُعْتِقَهُ عَنْ نَفْسِكَ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ تُعْتِقَهُ عَنِّي، فَهُوَ لَاغٍ.
ثُمَّ فِي الْعِتْقِ الْمَشْرُوطِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى،

كَالْمُلْتَزِمِ بِالنَّذْرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَقٌّ لِلْبَائِعِ، فَعَلَى هَذَا لِلْبَائِعِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ قَطْعًا.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلِلْبَائِعِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَالْوَلَاءُ لَهُ بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَمْ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مِلْكَهُ.
فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْعِتْقِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى، أُجْبِرَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْبَائِعِ، لَمْ يُجْبَرْ، بَلْ يُخَيَّرُ الْبَائِعُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْإِجْبَارِ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَوْلَى إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الطَّلَاقِ، فَيُعْتِقُهُ الْقَاضِي عَلَى قَوْلٍ، وَيَحْبِسُهُ حَتَّى يُعْتِقَ عَلَى قَوْلٍ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ احْتِمَالَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا.
وَالثَّانِي: يَتَعَيَّنُ الْحَبْسُ.
فَإِذَا قُلْنَا: الْعِتْقُ حَقٌّ لِلْبَائِعِ، فَأَسْقَطَهُ، سَقَطَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ رَهْنًا أَوْ كَفِيلًا ثُمَّ عَفَا عَنْهُ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أَنَّ شَرْطَ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ لَا يُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ، كَالْأَجَلِ، فَلَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ عَنِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِلْبَائِعِ، وَلَمْ يَأْذَنْ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ أَذِنَ، أَجْزَأَهُ عَنْهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ، وَالْوَطْءُ وَالْإِكْسَابُ لِلْمُشْتَرِي.
وَلَوْ قُتِلَ، كَانَتِ الْقِيمَةُ لَهُ، وَلَا يُكَلِّفُهُ صَرْفَهَا إِلَى عَبْدٍ آخَرَ لِيُعْتِقَهُ.
وَلَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ عِتْقَهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ أَوْلَدَ الْجَارِيَةَ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْإِعْتَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ عِتْقِهِ، فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الثَّمَنُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ غَيْرَهُ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ قَدْرُ التَّفَاوُتِ بِمِثْلِ نِسْبَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَالثَّالِثُ: لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ أَجَازَ الْعَقْدَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ وَرَدَّ مَا أَخَذَ مِنَ الثَّمَنِ وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَالرَّابِعُ: يَنْفَسِخُ.
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْأَوْجُهَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ لِلْبَائِعِ، أَمْ مُطَّرِدَةٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: لَهُ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى؟ فِيهِ رَأْيَانِ لِلْإِمَامِ.
أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي.
قُلْتُ: وَهَذَا الثَّانِي، مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَإِطْلَاقِهِمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يُدَبِّرَهُ، أَوْ يُكَاتِبَهُ، أَوْ يُعْتِقَهُ بَعْدَ شَهْرٍ

أَوْ سَنَةٍ، أَوْ دَارًا بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَهَا وَقْفًا، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَشَرْطِ الْإِعْتَاقِ.
وَجَمِيعُ مَا سَبَقَ فِي شَرْطِ الْإِعْتَاقِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوَلَاءِ.
فَأَمَّا إِذَا شَرَطَ مَعَ الْعِتْقِ كَوْنَ الْوَلَاءِ لِلْبَائِعِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا: أَنَّهُ يَصِحُّ الشَّرْطُ أَيْضًا، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْوَجْهُ عَنْ غَيْرِ الْإِمَامِ.
وَلَوِ اشْتَرَى بِشَرْطِ الْوَلَاءِ دُونَ شَرْطِ الْإِعْتَاقِ، بِأَنْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِيَ الْوَلَاءُ إِنْ أَعْتَقْتَهُ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ قَطْعًا، ذَكَرَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . وَلَوِ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ قَطْعًا، لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ، فَإِنَّهُ يُعْتِقُ عَلَيْهِ قَبْلَ إِعْتَاقِهِ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
قُلْتُ: قَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ «كَفَّارَةِ الظِّهَارِ» عَنِ ابْنِ كَجٍّ: أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يُعَلِّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَحَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً حَامِلًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَعْتَقَهَا، هَلْ يَتْبَعُهَا الْوَلَدُ؟ وَأَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُ الْبَيْعِ.
وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ: أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي ضَبْطِ صَحِيحِ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَفَاسِدِهَا قَالَ الْأَصْحَابُ: الشَّرْطُ ضَرْبَانِ: مَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ.
فَالْأَوَّلُ: كَالْإِقْبَاضِ وَالِانْتِفَاعِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَضُرُّ التَّعَرُّضُ لَهَا وَلَا يَنْفَعُ.
وَالثَّانِي: قِسْمَانِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ.
فَالْأَوَّلُ: قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالثَّمَنِ، كَشَرْطِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمُثَمَّنِ، كَشَرْطِ أَنْ يَكُونَ

الْعَبْدُ خَيَّاطًا، أَوْ كَاتِبًا، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، كَشَرْطِ الْخِيَارِ.
فَهَذِهِ الشُّرُوطُ لَا تُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَتَصِحُّ فِي أَنْفُسِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: نَوْعَانِ.
مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ يُورِثُ تَنَازُعًا، وَمَا يَتَعَلَّقُ.
فَالْأَوَّلُ: كَشَرْطِ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا الْهَرِيسَةَ، وَلَا يَلْبَسَ إِلَّا الْخَزَّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، بَلْ يَلْغُو، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ.
وَقَالَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : لَوْ شَرَطَ الْتِزَامَ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ، بِأَنْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يُصَلِّيَ النَّوَافِلَ، أَوْ يَصُومَ شَهْرًا غَيْرَ رَمَضَانَ، أَوْ يُصَلِّيَ الْفَرَائِضَ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وَمُقْتَضَى هَذَا فَسَادُ الْعَقْدِ فِي مَسْأَلَةِ الْهَرِيسَةِ.
وَالثَّانِي: كَشَرْطِهِ أَنْ لَا يَقْبِضَ مَا اشْتَرَاهُ، أَوْ لَا يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالْوَطْءِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَشَرْطِ بَيْعِ آخَرَ، أَوْ قَرْضٍ، وَكَشَرْطِ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ إِنْ بَاعَهُ فَنَقَصَ، فَهَذِهِ الشُّرُوطُ وَأَشْبَاهُهَا فَاسِدَةٌ تُفْسِدُ الْبَيْعَ، إِلَّا الْإِعْتَاقَ عَلَى مَا سَبَقَ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمْلِ، لَا مِنْ مَالِكِ الْأُمِّ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ بَاعَ حَامِلًا بَيْعًا مُطْلَقًا، دَخَلَ الْحَمْلُ فِي الْبَيْعِ.
وَلَوْ بَاعَهَا وَاسْتَثْنَى حَمْلَهَا، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَحَكَى الْإِمَامُ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْأُمُّ لِإِنْسَانٍ، وَالْحَمْلُ لِآخَرَ، فَبَاعَ الْأُمَّ لِمَالِكِ الْحَمْلِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ بَاعَ جَارِيَةً حَامِلًا بِحُرٍّ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ.
وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً، أَوْ دَابَّةً بِشَرْطِ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَقَوْلَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَصِحُّ الْبَيْعُ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْجَارِيَةِ قَطْعًا، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ، أَمْ لَا.
إِنْ قُلْنَا: لَا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا،

صَحَّ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَحَمْلَهَا، أَوْ هَذِهِ الشَّاةَ وَمَا فِي ضَرْعِهَا مِنَ اللَّبَنِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَجْهُولَ مَبِيعًا مَعَ الْمَعْلُومِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَإِنَّهُ وَصْفٌ تَابِعٌ.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهُ كَأَسَاسِ الدَّارِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ الْجُبَّةَ بِحَشْوِهَا، فَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْحَشْوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْجُبَّةِ، فَذِكْرُهُ تَأْكِيدٌ لِلَفْظِ الْجُبَّةِ، بِخِلَافِ الْحَمْلِ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: فِي صُورَةِ الْجُبَّةِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الظِّهَارَةِ وَالْبِطَانَةِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَفِي صُورَةِ الدَّابَّةِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْحَشْوَ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ قِيمَتِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا حَسَنٌ.
وَلَوْ بَاعَ حَامِلًا وَشَرَطَ وَضْعَهَا لِرَأْسِ الشَّهْرِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ قَطْعًا، وَبَيْضُ الطَّيْرِ كَحَمْلِ الدَّابَّةِ وَالْجَارِيَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَلَوْ بَاعَ شَاةً بِشَرْطِ أَنَّهَا لَبُونٌ، فَطَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْحَمْلِ، لَكِنَّ الصِّحَّةَ هُنَا أَقْوَى.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: يَصِحُّ قَطْعًا؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطُ صِفَةٍ فِيهَا لَا يَقْتَضِي وُجُودَ اللَّبَنِ فِيهَا حَالَةَ الْعَقْدِ، فَهُوَ كَشَرْطِ الْكِتَابَةِ فِي الْعَبْدِ.
فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، كَانَ كَشَرْطِ الْحَمْلِ قَطْعًا.
وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَهَا تُدِرُّ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا رِطْلًا مِنَ اللَّبَنِ، بَطَلَ الْبَيْعُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْضَبِطُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْعَبْدِ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ وَرَقَاتٍ.
وَلَوْ بَاعَ لَبُوْنًا، وَاسْتَثْنَى لَبَنَهَا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَى الصَّحِيحِ، كَاسْتِثْنَاءِ حَمْلِ الْجَارِيَةِ، وَالْكُسْبِ فِي بَيْعِ السِّمْسِمِ، وَالْحَبِّ فِي بَيْعِ الْقُطْنِ.
فَرْعٌ: وَمِنَ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ بِاتِّفَاقٍ، أَوْ عَلَى خِلَافٍ، مَسَائِلُ نُشِيرُ إِلَى بَعْضِهَا مُخْتَصَرَةً.

مِنْهَا الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الثِّمَارِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَذْرُوعًا، بِشَرْطِ أَنْ يُكَالَ بِمِكْيَالٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ بِوَزْنٍ [مُعَيَّنٍ] ، أَوْ بِذَرْعٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الثَّمَنِ، فَفِيهِ خِلَافٌ نَشْرَحُهُ فِي بَابِ السَّلَمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي مَعْنَاهُ، تَعْيِينُ رَجُلٍ يَتَوَلَّى الْكَيْلَ أَوِ الْوَزْنَ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ دَارًا وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ سُكْنَاهَا، أَوْ دَابَّةً اسْتَثْنَى ظَهْرَهَا، إِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الْمُدَّةَ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ قَطْعًا، وَإِنْ بَيَّنَهَا، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَإِنْ كَانَ حَالًّا، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْبَدَاءَةَ بِالتَّسْلِيمِ بِمَنْ؟ فَإِنْ جَعْلَنَا ذَلِكَ [مِنْ] مُقْتَضَى الْعَقْدِ، لَمْ يَضُرَّ ذِكْرُهُ، وَإِلَّا، فَيُفْسِدُ الْعَقْدَ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ [هَذِهِ] الصُّبْرَةَ كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ صَاعًا، فَإِنْ أَرَادَ هِبَةَ صَاعٍ أَوْ بَيْعِهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا إِنْ خَرَجَتْ عَشَرَةَ [آصُعٍ] أَخَذْتُ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ، فَإِنْ كَانَتِ الصِّيعَانُ مَجْهُولَةً، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حِصَّةَ كُلِّ صَاعٍ.
وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً، صَحَّ.
فَإِنْ كَانَتْ عَشَرَةً، فَقَدْ بَاعَ كُلَّ صَاعٍ وَتُسْعًا بِدِرْهَمٍ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، عَلَى أَنْ أَنْقُصَكَ صَاعًا، فَإِنْ أَرَادَ رَدَّ صَاعٍ إِلَيْهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا إِنْ خَرَجَتْ تِسْعَةَ آصُعٍ، أَخَذْتُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَإِنْ كَانَتِ الصِّيعَانُ مَجْهُولَةً، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً، صَحَّ.
فَإِنْ كَانَتْ تِسْعَةَ آصُعٍ، فَقَدْ بَاعَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَتُسْعٍ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ الْعِلْمِ أَيْضًا؛ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنِ الْمَحْمَلِ الْمَذْكُورِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ صَاعًا، أَوْ أَنْقُصَكَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ، فَهُوَ فَاسِدٌ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ أَرْضًا عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ، فَخَرَجَتْ دُونَ الْمِائَةِ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: صِحَّةُ الْبَيْعِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ قَطْعًا لِلْإِشَارَةِ، وَصَارَ كَالْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ فَعَلَى هَذَا، لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ، وَلَا يَسْقُطُ بِحَطِّ الْبَائِعِ مِنَ الثَّمَنِ قَدْرَ النَّقْصِ.
وَإِذَا أَجَازَ، يُجِيزُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبِقِسْطِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ.
وَلَوْ خَرَجَتْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ الْقَوْلَانِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ.
فَإِنْ أَجَازَ، كَانَتْ كُلُّهَا لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يُطَالِبُهُ لِلزِّيَادَةِ بِشَيْءٍ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ، اخْتَارَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ، بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى، وَيُنَزَّلُ شَرْطُهُ مَنْزِلَةً مِنْ شَرْطِ كَوْنِ الْمَبِيعِ مَعِيبًا فَخَرَجَ سَلِيمًا، لَا خِيَارَ لَهُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا تَفْسَخْ، فَأَنَا أَقْنَعُ بِالْقَدْرِ الْمَشْرُوطِ شَائِعًا وَلَكَ الزِّيَادَةُ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُ الْبَائِعِ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا تَفْسَخْ لِأَزِيدَكَ فِي الثَّمَنِ لَمَا زَادَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ خِيَارُ الْبَائِعِ بِلَا خِلَافٍ.
وَيُقَاسُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا إِذَا بَاعَ الثَّوْبَ عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، أَوِ الْقَطِيعَ عَلَى أَنَّهُ عِشْرُونَ شَاةً، أَوِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثُونَ صَاعًا، وَحَصَلَ نَقْصٌ أَوْ زِيَادَةٌ.
وَفَرَّقَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» بَيْنَ الصُّبْرَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ: إِنْ زَادَتِ الصُّبْرَةُ، رَدَّ الزِّيَادَةَ.
وَإِنْ نَقَصَتْ وَأَجَازَ الْمُشْتَرِي، أَجَازَ بِالْحِصَّةِ، وَفِيمَا سِوَاهَا يُجِيزُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: بِعْ عَبْدَكَ مِنْ زَيْدٍ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ عَلَيَّ خَمْسَمِائَةٍ، فَبَاعَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَيَجِبُ عَلَى زَيْدٍ أَلْفٌ، وَعَلَى الْآمِرِ خَمْسُمِائَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ عَلَى أَنَّ عَلَيَّ كَذَا.

فَصْلٌ

الْبَيْعُ الصَّحِيحُ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ شَرْطٌ، فَذَلِكَ الشَّرْطُ ضَرْبَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.
فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ.
وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ، نَظَرَ: إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ يُورِثُ تَنَازُعًا، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، مَا إِذَا عُيِّنَ الشُّهُودُ لِتَوْثِيقِ الثَّمَنِ، وَقُلْنَا: لَا يَتَعَيَّنُونَ، فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ، فَسَدَ الْبَيْعُ بِفَسَادِهِ، لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَلَنَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو ثَوْرٍ: أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ بِحَالٍ؛ لِقِصَّةِ بَرِيرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ، كَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ، فَهَلْ يَفْسَدُ الْبَيْعُ لِفَسَادِهِمَا؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَفْسَدُ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
وَالثَّانِي: لَا، كَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ لَا يُفْسِدُ النِّكَاحَ.
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، أَوْ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَفِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَصْلٌ

إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا شِرَاءً فَاسِدًا، إِمَّا لِشَرْطٍ فَاسِدٍ، وَإِمَّا لِسَبَبٍ آخَرَ، ثُمَّ قَبَضَهُ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْقَبْضِ، وَلَا يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَيَلْزَمْهُ رَدُّهُ، وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ رَدِّهِ كَالْمَغْصُوبِ.
وَلَا يَجُوزُ حَبْسُهُ، لِاسْتِرْدَادِ الثَّمَنِ.
وَلَا يُقَدَّمُ بِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ وَوَجْهٌ لِلْإِصْطَخْرِيِّ: أَنَّ لَهُ حَبْسَهُ وَيُقَدَّمُ بِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَتَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ فِي يَدِهِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ، أَمْ

تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ.
وَإِنْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ، وَإِنْ تَلِفَ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ، كَالْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ كُلَّ لَحْظَةٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِرَدِّهِ.
وَفِي وَجْهٍ: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ.
وَفِي وَجْهٍ: يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ هَذَا الْخِلَافِ بِالْأَقْوَالِ.
وَكَيْفَ كَانَ، فَالْمَذْهَبُ: اعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ.
وَمَا حَدَثَ مِنَ الزَّوَائِدِ الْمُنْفَصِلَةِ، كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ، وَالْمُتَّصِلَةِ، كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، مَضْمُونٌ عَلَيْهِ كَزَوَائِدِ الْمَغْصُوبِ.
وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ عِنْدَ التَّلَفِ.
وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى الْعَبْدِ مُدَّةً، لَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِفَسَادِ الْبَيْعِ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا لَا يَرْجِعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ وَالْمَوْطُوءَةُ جَاهِلِينَ، فَلَا حَدَّ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ.
وَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ، وَجَبَ الْحَدُّ إِنِ اشْتَرَاهَا بِمَيْتَةٍ، أَوْ دَمٍ.
وَإِنِ اشْتَرَاهَا بِخَمْرٍ، أَوْ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ، فَلَا حَدَّ، لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي حُصُولِ الْمِلْكِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُمَلِّكُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَصَارَ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَنَحْوِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ الْحَدُّ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يُبِيحُ الْوَطْءَ، وَإِنْ كَانَ يُثْبِتُ الْمِلْكَ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ.
وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ، وَجَبَ الْمَهْرُ.
فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَجَبَ مَعَ مَهْرِ الْبِكْرِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ.
أَمَّا مَهْرُ الْبِكْرِ، فَلِلِاسْتِمْتَاعِ بِبِكْرٍ.
وَأَمَّا الْأَرْشُ، فَلِإِتْلَافِ الْبَكَارَةِ.
وَإِنِ اسْتَوْلَدَهَا، فَالْوَلَدُ حُرٌّ لِلشُّبْهَةِ.
فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
بِخِلَافِ مَا لَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً وَاسْتَوْلَدَهَا فَخَرَجَتْ مُسْتَحِقَّةً، فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْوَلَدِ، وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَلَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ فِي الْحَالِ أُمَّ وَلَدٍ.
فَإِنْ كَانَ مَلَكَهَا فِي وَقْتٍ، فَقَوْلَانِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ بِالْحَمْلِ أَوِ الْوَضْعِ، لَزِمَهُ الْأَرْشُ.
وَإِنْ خَرَجَ الْوَلَدُ مَيِّتًا، فَلَا قِيمَةَ.
لَكِنْ إِنْ سَقَطَ بِجِنَايَةٍ، وَجَبَتِ الْغُرَّةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي، وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَالْغُرَّةِ، وَيُطَالِبُ

بِهِ الْمَالِكُ مَنْ شَاءَ مِنَ الْجَانِي وَالْمُشْتَرِي.
وَلَوْ مَاتَتْ فِي الطَّلْقِ، لَزِمَهُ قِيمَتُهَا، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ أَمَةَ الْغَيْرِ بِشُبْهَةٍ فَأَحْبَلَهَا فَمَاتَتْ فِي الطَّلْقِ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ وَأَخَوَاتُهَا، مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ «الرَّهْنِ» وَاضِحَةٌ.
فَرْعٌ: لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا شِرَاءً فَاسِدًا، فَبَاعَهُ لِآخَرَ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ يَبِيعُ الْمَغْصُوبَ.
فَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِ الثَّانِي، لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَى الْمَالِكِ.
فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، نَظَرَ، إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ فِي يَدِهِمَا سَوَاءً، أَوْ كَانَتْ فِي يَدِ الثَّانِي أَكْثَرَ، رَجَعَ الْمَالِكُ بِالْجَمِيعِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَالْقَرَارُ عَلَى الثَّانِي؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ فِي يَدِ الْأَوَّلِ أَكْثَرَ، فَضَمَانُ النَّقْصِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْبَاقِي يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَالْقَرَارُ عَلَى الثَّانِي.
وَكُلُّ نَقْصٍ حَدَثَ فِي يَدِ الثَّانِي، يُطَالِبُ بِهِ الْأَوَّلَ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الثَّانِي، وَكَذَا حُكْمُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.

فَصْلٌ

إِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ حَذَفَا الشَّرْطَ، لَمْ يَنْقَلِبِ الْعَقْدُ صَحِيحًا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَذْفُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَفِي وَجْهٍ: يَنْقَلِبُ صَحِيحًا إِنْ حُذِفَ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ زَادَ فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ، أَوْ زَادَ إِثْبَاتُ الْخِيَارِ، أَوِ الْأَجَلِ، أَوْ قَدْرُهُمَا، نَظَرَ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، لَمْ يَلْحَقْ بِالْعَقْدِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَالْمُسَلَّمِ فِيهِ وَالصَّدَاقِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا الْحَطُّ، لَا يُلْحَقُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ، حَتَّى إِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِمَا سُمِّيَ فِي الْعَقْدِ، لَا بِمَا بَقِيَ بَعْدَ الْحَطِّ.
وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْإِلْحَاقَاتُ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ، بِأَنْ كَانَتْ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، أَوْ فِي زَمَنِ خِيَارِ الشَّرْطِ، فَأَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: لَا يُلْحَقُ،

وَصَحَّحَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . وَالثَّانِي: يُلْحَقُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ، دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ، قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ، وَالْقَفَّالُ.
وَالثَّالِثُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: يُلْحَقُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ.
فَعَلَى هَذَا فِي مَحَلِّ الْجَوَازِ، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وَصَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، أَوْ قُلْنَا: مَوْقُوفٌ وَفُسِخَ الْعَقْدُ، فَأَمَّا إِنْ قُلْنَا لِلْمُشْتَرِي، أَوْ قُلْنَا إِنَّهُ مَوْقُوفٌ وَأُمْضِيَ الْعَقْدُ، فَلَا يُلْحَقُ كَمَا بَعْدَ اللُّزُومِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْجَوَازَ مُطَّرِدٌ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ.
فَإِذَا قُلْنَا: يُلْحَقُ، فَالزِّيَادَةُ تَلْزَمُ الشَّفِيعَ كَمَا تَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ.
وَفِي الْحَطِّ قَبْلَ اللُّزُومِ، مِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ.
فَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بِالْعَقْدِ، انْحَطَّ عَنِ الشَّفِيعِ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: مَا يُلْحَقُ بِالْعَقْدِ مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، لَهُ حُكْمُ الْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ فِي إِفْسَادِهِ، وَيَنْحَطُّ جَمِيعُ الثَّمَنِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِلَا ثَمَنٍ.

الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْمَنَاهِي: مَا لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
فَمِنْهُ الِاحْتِكَارُ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ، وَلَا يَدَعَهُ لِلضُّعَفَاءِ، وَيَحْبِسَهُ لِيَبِيعَهُ بِأَكْثَرَ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ.
وَلَا بَأْسَ بِالشِّرَاءِ فِي وَقْتِ الرُّخْصِ لِيَبِيعَ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ.
وَلَا بَأْسَ بِإِمْسَاكِ غَلَّةِ ضَيْعَتِهِ لِيَبِيعَ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَبِيعَ مَا فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِ.
وَفِي كَرَاهَةِ إِمْسَاكِهِ وَجْهَانِ.
ثُمَّ تَحْرِيمُ الِاحْتِكَارِ يَخْتَصُّ بِالْأَقْوَاتِ.
وَمِنْهَا: التَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، وَلَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَطْعِمَةِ.
وَمِنْهَا: التَّسْعِيرُ، وَهُوَ حَرَامٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ دُونَ الرُّخْصِ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَجْلُوبًا، حَرُمَ التَّسْعِيرُ.
وَإِنْ كَانَ يُزْرَعُ فِي الْبَلَدِ وَيَكُونُ عِنْدَ الْقُنَاةِ، جَازَ.
وَحَيْثُ جَوَّزْنَا التَّسْعِيرَ، فَذَلِكَ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَيَلْحَقُ بِهَا عَلَفُ الدَّوَابِّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِذَا سَعَّرَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ، فَخَالَفَ، اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ.
وَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي «التَّتِمَّةِ» .

قُلْتُ: الْأَصَحُّ: صِحَّةُ الْبَيْعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

يَحْرُمُ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لَبَادٍ، وَهُوَ أَنْ يَقْدُمَ إِلَى الْبَلَدِ بَدَوِيٌّ أَوْ قَرَوِيٌّ بِسِلْعَةٍ يُرِيدُ بَيْعَهَا بِسِعْرِ الْوَقْتِ، لِيَرْجِعَ إِلَى وَطَنِهِ، فَيَأْتِيهِ بَلَدِيٌّ فَيَقُولُ: ضَعْ مَتَاعَكَ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ لَكَ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى مِنْ هَذَا السِّعْرِ.
وَلِتَحْرِيمِهِ، شُرُوطٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ فِيهِ.
وَهَذَا شَرْطٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَنَاهِي.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ الْمَجْلُوبُ مِمَّا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، كَالْأَطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا.
فَأَمَّا مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَّا نَادِرًا، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَظْهَرَ بِبَيْعِ ذَلِكَ الْمَتَاعِ سَعَةٌ فِي الْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِكِبَرِ الْبَلَدِ، أَوْ قِلَّةِ مَا مَعَهُ، أَوْ لِعُمُومِ وَجُودِهِ وَرُخْصِ السِّعْرِ، فَوَجْهَانِ أَوْفَقُهُمَا لِلْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَعْرِضَ الْحَضَرِيُّ، ذَلِكَ عَلَى الْبَدَوِيِّ وَيَدْعُوَهُ إِلَيْهِ.
أَمَّا إِذَا الْتَمَسَ الْبَدَوِيُّ مِنْهُ بِيعَهُ تَدْرِيجًا، أَوْ قَصَدَ الْإِقَامَةَ فِي الْبَلَدِ لِيَبِيعَهُ كَذَلِكَ، فَسَأَلَ الْبَلَدِيَّ تَفْوِيضَهُ إِلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَنْعِ الْمَالِكِ مِنْهُ، وَلَوْ أَنَّ الْبَلَدِيَّ اسْتَشَارَ الْبَلَدِيَّ فِيمَا فِيهِ حَظُّهُ، فَهَلْ يُرْشِدُهُ إِلَى الِادِّخَارِ وَالْبَيْعِ عَلَى التَّدْرِيجِ؟ وَجْهَانِ.
حَكَى الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِرْشَادُهُ إِلَيْهِ، أَدَاءً لِلنَّصِيحَةِ.
وَعَنْ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ: أَنَّهُ لَا يُرْشِدُهُ إِلَيْهِ تَوْسِيعًا عَلَى النَّاسِ.
ثُمَّ لَوْ بَاعَ الْبَلَدِيُّ لِلْبَدَوِيِّ عِنْدَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّحْرِيمِ، أَثِمَ وَصَحَّ الْبَيْعُ.
قُلْتُ: قَالَ الْقَفَّالُ: الْإِثْمُ عَلَى الْبَلَدِيِّ دُونَ الْبَدَوِيِّ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

يَحْرُمُ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَهُوَ أَنْ يَتَلَقَّى طَائِفَةً يَحْمِلُونَ طَعَامًا إِلَى الْبَلَدِ، فَيَشْتَرِيَهِ مِنْهُمْ قَبْلَ قُدُومِهِمُ الْبَلَدَ وَمَعْرِفَةِ سِعْرِهِ.
وَشَرْطُ تَحْرِيمِهِ، أَنْ يَعْلَمَ النَّهْيَ وَيَقْصِدَ التَّلَقِّي.
فَلَوْ خَالَفَ فَتَلَقَّى وَاشْتَرَى، أَثِمَ، وَصَحَّ الْبَيْعُ، وَلَا خِيَارَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمُوا وَيَعْلَمُوا السِّعْرَ، وَبَعْدَهُ يَثْبُتُ لَهُمُ الْخِيَارُ إِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِأَرْخَصَ مِنْ سِعْرِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ أَخَبْرَ كَاذِبًا أَوْ لَمْ يُخْبِرْ.
وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِسِعْرِ الْبَلَدِ أَوْ أَكْثَرَ، فَوَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: لَا خِيَارَ لَهُمْ.
وَلَوِ ابْتَدَأَ الْقَادِمُونَ فَالْتَمَسُوا مِنْهُ الشِّرَاءَ وَهُمْ عَالِمُونَ بِسِعْرِ الْبَلَدِ أَوْ غَيْرُ عَالِمِينَ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ التَّلَقِّي، بَلْ خَرَجَ لِشُغُلٍ مِنِ اصْطِيَادٍ وَغَيْرِهِ، فَرَآهُمْ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَعْصِي؛ لِعَدَمِ التَّلَقِّي، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: يَعْصِي؛ لِشُمُولِ الْمَعْنَى.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا خِيَارَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مَغْبُونِينَ.
وَقِيلَ: إِنْ أَخْبَرَ بِالسِّعْرِ كَاذِبًا، فَلَهُمُ الْخِيَارُ.
وَحَيْثُ أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَلَوْ تَلَقَّى الرُّكْبَانَ وَبَاعَهُمْ مَا يَقْصِدُونَ شِرَاءَهُ مِنَ الْبَلَدِ، فَهَلْ هُوَ كَالْمُتَلَقِّي لِلشِّرَاءِ؟ وَجْهَانِ.

فَصْلٌ

يَحْرُمُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ.
وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لِيَشْتَرِيَهُ، فَيَجِيءَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَقُولَ: رُدَّهُ حَتَّى أَبِيعَكَ خَيْرًا مِنْهُ بِهَذَا الثَّمَنِ، أَوْ يَقُولَ لِمَالِكِهِ: اسْتَرِدَّهُ لِأَشْتَرِيَهُ مِنْكَ بِأَكْثَرَ.
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ.
فَأَمَّا مَا يُطَافُ بِهِ فِيمَنْ يَزِيدُ وَطَلَبَهُ طَالِبٌ، فَلِغَيْرِهِ الدُّخُولُ عَلَيْهِ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ.
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ، إِذَا حَصَلَ

التَّرَاضِي صَرِيحًا.
فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ، وَلَكِنْ جَرَى مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، فَفِي التَّحْرِيمِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَحْرُمُ.
فَإِنْ لَمْ يَجْرِ شَيْءٌ، بَلْ سَكَتَ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالرَّدِّ.
وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَيَحَرُمُ أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ.
فَالْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوِ الشَّرْطِ: افْسَخْ لِأَبِيعَكَ خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ أَرْخَصَ.
وَالشِّرَاءُ عَلَى شِرَائِهِ أَنْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ: افْسَخْ لِأَشْتَرِيَهُ مِنْكَ بِأَكْثَرَ.
وَشَرَطَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ، أَنْ لَا يَكُونَ الْمُشْتَرِي مَغْبُونًا غَبْنَا مُفْرِطًا.
فَإِنْ كَانَ، فَلَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ وَيَبِيعَ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ النَّصِيحَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الشَّرْطُ انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ كَجٍّ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَذِنَ الْبَائِعُ فِي بَيْعِهِ، ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ عَلَى الصَّحِيحِ.

فَصْلٌ

يَحْرُمُ النَّجْشُ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْبَيْعِ وَهُوَ غَيْرُ رَاغِبٍ فِيهَا لِيَغُرَّ غَيْرَهَ.
فَإِنِ اغْتَرَّ بِهِ إِنْسَانٌ فَاشْتَرَاهَا، صَحَّ الْبَيْعُ، ثُمَّ لَا خِيَارَ لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الَّذِي فَعَلَهُ النَّاجِشُ بِمُوَاطَأَةٍ مِنَ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ، فَلَا خِيَارَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: أَعْطَيْتُ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ كَذَا، فَصَدَّقَهُ وَاشْتَرَاهُ، فَبَانَ خِلَافُهُ، قَالَ ابْنَ الصَّبَّاغِ: فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ، الْوَجْهَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِتَعْصِيَةِ النَّاجِشِ، وَشَرَطَ فِي تَعْصِيَةِ الْبَائِعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ النَّجْشَ خَدِيعَةٌ، وَتَحْرِيمُ الْخَدِيعَةِ وَاضِحٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، مَعْلُومٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا

الْحَدِيثَ، وَالْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، إِنَّمَا عُرِفَ تَحْرِيمُهُ مِنَ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ فَلَا يَعْرِفُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْخَبَرَ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، إِضْرَارٌ أَيْضًا، وَتَحْرِيمُ الْإِضْرَارِ مَعْلُومٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَالْوَجْهُ تَخْصِيصُ التَّعْصِيَةِ بِمَنْ عَرَفَ التَّحْرِيمَ بِعُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ.

فَصْلٌ

يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا الصَّغِيرِ بِالْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ فِي الْعِتْقِ، وَلَا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَفِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَجْهَانِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَلَدَهَا الصَّغِيرَ، ثُمَّ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ فِي أَحَدِهِمَا، جَازَ، وَحُكْمُ التَّفْرِيقِ فِي الرَّهْنِ مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ.
وَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ تَسْلِيمِهِ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْبَزَّازُ: الْقَوْلَانِ فِي التَّفْرِيقِ بَعْدَ أَنْ تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ، أَمَّا قَبْلَهُ، فَلَا يَصِحُّ قَطْعًا.
وَإِلَى مَتَى يَمْتَدُّ تَحْرِيمُ التَّفْرِيقِ؟ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: إِلَى الْبُلُوغِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: إِلَى بُلُوغِهِ سِنَّ التَّمْيِيزِ سَبْعَ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ تَقْرِيبًا.
وَيُكْرَهُ التَّفْرِيقُ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
فَلَوْ فَرَّقَ بَعْدَهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، يَصِحُّ قَطْعًا.
وَلَوْ كَانَتِ الْأُمُّ رَقِيقَةً وَالْوَلَدُ حُرًّا، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَا مَنْعَ مِنْ بَيْعِ الرَّقِيقِ مِنْهُمَا.
وَهَلِ الْجَدَّةُ وَالْأَبُ وَسَائِرُ الْمَحَارِمِ كَالْأُمِّ؟ فِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي كِتَابِ «السِّيَرِ» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْبَهِيمَةِ وَوَلَدِهَا بَعْدَ اسْتِغْنَائِهِ عَنِ اللَّبَنِ، جَائِزٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
قُلْتُ: هَذَا الْوَجْهُ الشَّاذُّ فِي مَنْعِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبَهِيمَةِ وَوَلَدِهَا، هُوَ فِي التَّفْرِيقِ بِغَيْرِ الذَّبْحِ.
وَأَمَّا ذَبْحُ أَحَدِهِمَا، فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل