روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 92-131
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ التَّيَمُّمِ

صفحات 92-131
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
الْأَوَّلُ: فِيمَا يُبِيحُهُ.
وَإِنَّمَا يُبَاحُ بِالْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِتَعَذُّرِهِ، أَوْ بِعُسْرِهِ، لِخَوْفِ ضَرَرٍ ظَاهِرٍ.
وَأَسْبَابُ الْعَجْزِ سَبْعَةٌ.
أَحَدُهَا: فَقْدُ الْمَاءِ.
وَلِلْمُسَافِرِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَيَقَّنَ عَدَمَ الْمَاءِ حَوْلَهُ، كَبَعْضِ رِمَالِ الْبَوَادِي، فَيَتَيَمَّمُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ الْمَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ.
الثَّانِي: أَنْ يَجُوزَ وُجُودُهُ تَجْوِيزًا بَعِيدًا، أَوْ قَرِيبًا، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الطَّلَبِ قَطْعًا.
وَيُشْتَرَطُ فِي الطَّلَبِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ بِنَفْسِهِ، وَيَكْفِيهِ طَلَبُ مَنْ أَذِنَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَكْفِيهِ طَلَبُ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ قَطْعًا.
وَالطَّلَبُ: أَنْ يُفَتِّشَ رَحْلَهُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ، نَظَرَ يَمِينًا، وَشِمَالًا، وَقُدَّامًا، وَخَلْفًا، إِنِ اسْتَوَى مَوْضِعُهُ، وَيَخُصُّ مَوَاضِعَ الْخُضْرَةِ، وَاجْتِمَاعَ الطَّيْرِ بِمَزِيدِ احْتِيَاطٍ.
وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ الْمَوْضِعُ، نُظِرَ، إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، لَوْ تَرَدَّدَ، لَمْ يَجِبِ التَّرَدُّدُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ، وَجَبَ التَّرَدُّدُ إِلَى حَدٍّ يَلْحَقُهُ غَوْثُ الرِّفَاقِ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّشَاغُلِ بِشُغْلِهِمْ، وَالتَّفَاوُضِ فِي أَقْوَالِهِمْ.
وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاسْتِوَاءِ الْأَرْضِ وَاخْتِلَافِهَا صُعُودًا وَهُبُوطًا، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ رُفْقَةٌ، وَجَبَ سُؤَالُهُمْ إِلَى أَنْ يَسْتَوْعِبَهُمْ، أَوْ يَضِيقَ الْوَقْتُ

فَلَا يَبْقَى إِلَّا مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي الْأَصَحِّ.
وَفِي وَجْهٍ: إِلَى أَنْ يَبْقَى مَا يَسَعُ رَكْعَةً.
وَفِي وَجْهٍ: يَسْتَوْعِبُهُمْ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرُّفْقَةِ بِعَيْنِهِ، بَلْ يُنَادِي فِيهِمْ: مَنْ مَعَهُ مَاءٌ؟ مَنْ يَجُودُ بِالْمَاءِ؟ وَنَحْوِهِ.
حَتَّى قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: لَوْ قَلَّتِ الرُّفْقَةُ، لَمْ يَطْلُبْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَلَوْ بَعَثَ النَّازِلُونَ ثِقَةً يَطْلُبُ لَهُمْ، كَفَاهُمْ كُلَّهُمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَتَى عَرَفَ مَعَهُمْ مَاءً، وَجَبَ اسْتِيهَابُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ تَيَمُّمٌ وَطَلَبٌ.
فَإِنْ سَبَقَ، نَظَرَ، إِنْ جَرَى أَمْرٌ يُحْتَمَلُ بِسَبَبِهِ حُصُولُ مَاءٍ، بِأَنِ انْتَقَلَ مِنْ مَوْضِعِهِ، أَوْ طَلَعَ رَكْبٌ، أَوْ سَحَابَةٌ، وَجَبَ الطَّلَبُ أَيْضًا.
لَكِنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَيَقَّنَ بِالطَّلَبِ أَنْ لَا مَاءَ فِيهِ، وَلَمْ يَحْتَمِلْ حُدُوثَهُ فِيهِ، لَمْ يَجِبِ الطَّلَبُ مِنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ لَمْ يَجْرِ الْأَمْرُ الْمَذْكُورُ، نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ تَيَقَّنَ عَدَمَ الْمَاءِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ ظَنَّهُ، وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ، لَكِنَّهُ أَخَفُّ طَلَبًا مِنَ الْأَوَّلِ.
وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ تَخَلَّلَ بَيْنَ التَّيَمُّمَيْنِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، أَوْ قَصِيرٌ، أَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ.
وَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ.
الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةٍ يَنْتَشِرُ إِلَيْهَا النَّازِلُونَ لِلْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالرَّعْيِ، فَيَجِبُ السَّعْيُ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ.
وَهَذَا فَوْقَ حَدِّ الْغَوْثِ الَّذِي يَقْصِدُهُ عِنْدَ التَّوَهُّمِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: لَعَلَّهُ يَقْرُبُ مِنْ نِصْفِ فَرْسَخٍ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا، بِحَيْثُ لَوْ سَعَى إِلَيْهِ فَاتَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ، فَيَتَيَمَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ، وَخَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي (التَّهْذِيبِ) وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُعِيدُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
ثُمَّ الْأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ، أَنَّ الِاعْتِبَارَ

فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ لَوْ كَانَ نَازِلًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَلَا بَأْسَ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاقِيتِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَلَا بِاخْتِلَافِ الْمَسَافَةِ فِي السُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ.
فَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِفَائِتَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ، اعْتُبِرَ بِوَقْتِ الْفَرِيضَةِ الْحَاضِرَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوِ انْتَهَى إِلَى الْمَنْزِلِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَالْمَاءُ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، وَجَبَ قَصْدُهُ وَالْوُضُوءُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي رَحْلِهِ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ، مِنَ اعْتِبَارِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَيْسَ كَمَا قَالَهُ، بَلِ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الطَّلَبِ.
هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كُتُبِهِمُ الْمَشْهُورَةِ وَالْمَهْجُورَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي (الْأُمِّ) وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ وَعِبَارَتَهُمْ: وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَاءٍ، وَلَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ، وَلَا ضَرَرًا، لَزِمَهُ طَلَبُهُ.
هَذَا نَصُّهُ وَنَصُّهُمْ، وَهُوَ صَرِيحٌ، أَوْ كَالصَّرِيحِ فِيمَا قُلْتُهُ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ ذَلِكَ وَأَتْقَنْتُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ، فَيَزِيدُ عَلَى مَا يَنْتَشِرُ إِلَيْهِ النَّازِلُونَ، وَيَقْصُرُ عَنْ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
فَهَلْ يَجِبُ قَصْدُهُ، أَمْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ؟ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى يَمِينِ الْمَنْزِلِ أَوْ يَسَارِهِ، وَجَبَ.
وَإِنْ كَانَ صَوْبَ مَقْصِدِهِ، لَمْ يَجِبْ، فَقِيلَ بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ، وَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ.
وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ التَّيَمُّمِ وَإِنْ عَلِمَ وُصُولَهُ إِلَى الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ.
وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لِلسَّائِرِ إِلَى جِهَةِ الْمَاءِ، فَالنَّازِلُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْلَى.
وَالسَّائِرُ وَهُوَ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْلَى، هَذَا فِي الْمُسَافِرِ.
أَمَّا الْمُقِيمُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ سَعَى إِلَى الْمَاءِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْقَضَاءِ.
ثُمَّ إِذَا قُلْنَا فِي الْمُسَافِرِ بِالْمَذْهَبِ: وَهُوَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ مُطْلَقًا، فَإِنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ، فَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِيُؤَدِّيَهَا بِالْوُضُوءِ.
وَفِي (التَّتِمَّةِ) وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّ تَقْدِيمَهَا بِالتَّيَمُّمِ أَفْضَلُ، لِفَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنِ الْمَاءَ، وَلَكِنْ رَجَا، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ.
وَمَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ.
أَمَّا إِذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَ الْوَقْتِ،

وَبِالْوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى آخِرَهُ، فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي إِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ.
وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ، أَوْ تَسَاوَى احْتِمَالُ وَجُودِهِ وَعَدَمِهِ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ قَطْعًا.
وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ نَقْلُ الْقَوْلَيْنِ، فِيمَا إِذَا لَمْ يَظُنَّ الْوُجُودَ.
وَلَا وُثُوقَ بِهَذَا النَّقْلِ.
قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَصَاحِبُ (الْحَاوِي) وَ (الْمَحَامِلِيُّ) وَآخَرُونَ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا تَسَاوَى الِاحْتِمَالُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا تَعْجِيلُ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا، وَتَأْخِيرُهَا لِانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ.
قِيلَ: التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
قُلْتُ: قَطَعَ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ، بِأَنَّ التَّأْخِيرَ لِلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ.
وَمُعْظَمُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، بِأَنَّ التَّقْدِيمَ مُنْفَرِدًا أَفْضَلُ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ كَالتَّيَمُّمِ.
فَإِنْ تَيَقَّنَ الْجَمَاعَةَ آخِرَ الْوَقْتِ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ.
وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَهَا، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ.
وَإِنْ رَجَاهَا، فَقَوْلَانِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَسَّطَ فَيُقَالُ: إِنْ فَحُشَ التَّأْخِيرُ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ.
وَإِنْ خَفَّ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ.
وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ، إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلَاةٍ.
فَأَمَّا إِذَا صَلَّى أَوَّلَ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا، وَآخِرَهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي الْفَضِيلَةِ، وَقَدْ جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ) وَغَيْرِهِ.
قَالَ صَاحِبُ (الْبَيَانِ) : قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْقَوْلَانِ فِي التَّيَمُّمِ، يَجْرِيَانِ فِي مَرِيضٍ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ، وَرَجَاهُ آخِرَ الْوَقْتِ، أَوْ رَجَا الْعُرْيَانُ السُّتْرَةَ آخِرَهُ، هَلِ الْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى حَالِهِمَا، أَمِ التَّأْخِيرُ؟ قَالَ: وَلَا يَتْرُكُ التَّرَخُّصَ بِالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ.
وَإِنْ عَلِمَ إِقَامَتَهُ آخِرَ الْوَقْتِ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ: قَالَ صَاحِبُ (الْفُرُوعِ) : إِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لَوْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ، فَإِدْرَاكُهَا أَوْلَى مِنَ الِانْحِبَاسِ، لِإِكْمَالِهِ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ حَاضِرًا، بِأَنْ يَزْدَحِمَ مُسَافِرُونَ عَلَى بِئْرٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا إِلَّا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، لِضِيقِ الْمَوْقِفِ، أَوِ اتِّحَادِ الْآلَةِ، فَإِنْ تَوَقَّعَ حُصُولَ نَوْبَتِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ يَجِبُ الصَّبْرُ لِيَتَوَضَّأَ.
وَنَصَّ فِي عُرَاةٍ مَعَهُمْ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَتَنَاوَبُونَهُ، أَنَّهُ يَصْبِرُ لِيَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، وَيُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ.
وَنَصَّ فِي جَمَاعَةٍ فِي مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَائِمًا إِلَّا وَاحِدٌ، أَنَّهُ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ قَاعِدًا، إِذَا عَلِمَ أَنَّ نَوْبَتَهُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ.
وَهَذَا يُخَالِفُ النَّصَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، فَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّ فِي الْجَمِيعِ قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ، وَعَارِيًا، وَقَاعِدًا، لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِي: يَصْبِرُ، لِلْقُدْرَةِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، فَيَصْبِرُ لِلْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ، دُونَ الْقِيَامِ، لِسُهُولَةِ أَمْرِهِ.
وَقَالَ كَثِيرُونَ: لَا نَصَّ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ، وَنَصَّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَأَلْحَقُوا الْوُضُوءَ بِالْقِيَامِ لِحُصُولِ بَدَلِهِمَا.
فَقَالُوا: يَتَيَمَّمُ فِي الْوَقْتِ وَيُصَلِّي.
وَأَجْرَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا لَاحَ لِلْمُسَافِرِ الْمَاءُ، وَلَا عَائِقَ دُونَهُ، وَلَكِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِهِ، فَاتَهُ الْوَقْتُ.
وَهَذَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْخِلَافِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، مِنَ الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ هُنَاكَ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ إِجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ، وَعَارِيًا، وَقَاعِدًا، وَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي (التَّهْذِيبِ) فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، قَوْلَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
إِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ، أَوِ الْمُحْدِثُ مَا لَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، ثُمَّ يَجِبُ التَّيَمُّمُ بَعْدَهُ لِلْبَاقِي، فَيَغْسِلُ الْمُحْدِثُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَيَغْسِلُ الْجُنُبُ مِنْ جَسَدِهِ مَا شَاءَ.
وَالْأَوْلَى: أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ.
فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا

جُنُبًا، وَوَجَدَ مَا يَكْفِي الْوُضُوءَ وَحْدَهُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُدْخِلُ الْأَصْغَرَ فِي الْأَكْبَرِ، فَهُوَ كَالْجُنُبِ الْمَحْضِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُدْخِلُ، تَوَضَّأَ بِهِ عَنِ الْأَصْغَرِ، وَتَيَمَّمَ عَنِ الْجَنَابَةِ، يُقَدِّمُ أَيُّهُمَا شَاءَ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا صَلَحَ الْمَوْجُودُ لِلْغُسْلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُحْدِثُ إِلَّا ثَلْجًا، أَوْ بَرَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِذَابَتِهِ، لَمْ يَجِبِ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ.
فَإِنْ أَوْجَبْنَا، تَيَمَّمَ عَنِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلرِّجْلَيْنِ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا وَجَدَ تُرَابًا.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُ النَّاقِصِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ.
قُلْتُ: وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، وَوَجَدَ مَا يَشْتَرِي بِهِ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ، فَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، وَلَا تُرَابًا، فَفِي وُجُوبِ شِرَاءِ بَعْضِ مَا يَكْفِي مِنَ الْمَاءِ الطَّرِيقَانِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ، ثُمَّ رَأَى مَا لَا يَكْفِيهِ، فَإِنِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ عَلِمَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ، أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اسْتِعْمَالِهِ.
إِنْ أَوْجَبْنَاهُ، بَطَلَ.
وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَاتٌ، وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بَعْضَهَا، وَجَبَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ مُحْدِثًا، أَوْ حَائِضًا، وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَوَجَدَ مَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا، تَعَيَّنَ لِلنَّجَاسَةِ، فَيَغْسِلُهَا ثُمَّ يَتَيَمَّمُ.
فَلَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ غَسَلَهَا، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبَقِيَتْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ، اسْتَقْصَيْتُهَا فِي شَرْحَيِ (الْمُهَذَّبِ) وَ (التَّنْبِيهِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

إِذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَصْلُحُ لِطَهَارَتِهِ، فَأَتْلَفَهُ بِإِرَاقَةٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ تَنْجِيسٍ، تَيَمَّمَ قَطْعًا.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْإِتْلَافُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُطْلَقًا، أَوْ بَعْدَهُ لِغَرَضٍ، كَشُرْبٍ لِلْحَاجَةِ، أَوْ غَسْلِ ثَوْبٍ لِلنَّظَافَةِ، أَوْ تَبَرُّدٍ، أَوِ اشْتَبَهَ الْإِنَاءَانِ وَاجْتَهَدَ، وَلَمْ

يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ، فَأَرَاقَهُمَا، أَوْ صَبَّ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ غَرَضٍ، فَلَا إِعَادَةَ أَيْضًا، عَلَى الْأَصَحِّ، لِفَقْدِهِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ لِعِصْيَانِهِ قَطْعًا.
وَلَوِ اجْتَازَ بِمَاءٍ فِي الْوَقْتِ، فَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَلَمَّا بَعُدَ مِنْهُ، صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، لَمْ يُعِدْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَهُوَ شَاذٌّ.
وَلَوْ وَهَبَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، أَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِلْمُتَّهَبِ وَالْمُشْتَرَى، كَعَطَشٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا حَاجَةَ لِلْبَائِعِ إِلَى ثَمَنِهِ، فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: لَا يَصِحَّانِ.
فَإِنْ صَحَّ، فَحُكْمُهُ فِي الْقَضَاءِ، حُكْمُ الْإِرَاقَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، مَا دَامَ الْمَاءُ فِي يَدِ الْمُبْتَاعِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ، وَعَلَيْهِ الِاسْتِرْدَادُ.
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ وَتَيَمَّمَ، وَجَبَ الْقَضَاءُ.
وَإِنْ أُتْلِفَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ كَالْإِرَاقَةِ.
ثُمَّ فِي الْمَقْضِيِّ فِي الصُّوَرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الْأَصَحُّ: تُقْضَى الصَّلَاةُ الَّتِي فَوْتُ الْمَاءِ فِي وَقْتِهَا.
وَالثَّانِي: تُقْضَى أَغْلَبُ مَا يُؤَدِّيهِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّالِثُ: تُقْضَى كُلُّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ.
قُلْتُ: وَإِذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ لَا يَصِحُّ فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ، بَلْ يُؤَخِّرُهُ إِلَى وُجُودِ الْمَاءِ، أَوْ حَالَةٍ يَسْقُطُ الْفَرْضُ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ هِبَةُ هَذَا الْمَاءِ، وَتَلَفَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

السَّبَبُ الثَّانِي: الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، فَإِذَا كَانَ بِقُرْبِهِ مَا يَخَافُ مِنْ قَصْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عُضْوِهِ، مِنْ سَبُعٍ، أَوْ عَدُوٍّ.
أَوْ عَلَى مَالِهِ الَّذِي مَعَهُ، أَوِ الْمُخَلَّفِ فِي رَحْلِهِ، مِنْ غَاصِبٍ، أَوْ سَارِقٍ.
أَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، وَخَافَ لَوِ اسْتَقَى مِنَ الْبَحْرِ فَلَهُ التَّيَمُّمُ.
وَلَوْ خَافَ مِنْ قَصْدِهِ الِانْقِطَاعَ عَنْ رُفْقَتِهِ، تَيَمَّمَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ ضَرَرٌ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَهَبَ الْمَاءَ لِعَادِمِهِ، وَجَبَ قَبُولُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ أُعِيرَ الدَّلْوُ وَالرِّشَاءُ، وَجَبَ قَبُولُهُ قَطْعًا.
وَقِيلَ: إِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الْمُسْتَعَارِ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ، لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ.
وَلَوْ أُقْرِضَ الْمَاءَ،

وَجَبَ قَبُولُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ وَهَبَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ ثَمَنَ الْمَاءِ، أَوْ آلَةَ الِاسْتِقَاءِ، لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ.
وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ الْأَبُ، أَوِ الِابْنُ، عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ أُقْرِضَ ثَمَنَ الْمَاءِ وَهُوَ مُعْسِرٌ، لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ.
وَكَذَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا بِمَالٍ غَائِبٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ بِيعَ الْمَاءَ بِنَسِيئَةٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ، لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ.
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَجَبَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قُلْتُ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ، أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مُمْتَدًّا إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى بَلَدِ مَالِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ وَجَدَ ثَمَنَ الْمَاءِ، وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، أَوْ نَفَقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ مَعَهُ، أَوْ لِمُؤْنَةٍ مِنْ مُؤَنِ سَفَرِهِ، فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، لَمْ يَجِبْ شِرَاؤُهُ.
وَإِنْ فَضَلَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ، وَجَبَ الشِّرَاءُ إِنْ بِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَيَصْرِفُ إِلَيْهِ أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ.
وَإِنْ بِيعَ بِزِيَادَةٍ، لَمْ يَجِبِ الشِّرَاءُ وَإِنْ قَلَّتِ الزِّيَادَةُ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهَا، وَجَبَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ بِيعَ نَسِيئَةً، وَزِيدَ بِسَبَبِ الْأَجَلِ مَا يَلِيقُ بِهِ، فَهُوَ ثَمَنُ مِثْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِي ضَبْطِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْجُهٌ.
الْأَصَحُّ: أَنَّهُ ثَمَنُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَتِلْكَ الْحَالَةِ.
وَالثَّانِي: ثَمَنُ مِثْلِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْرُ أُجْرَةِ نَقْلِهِ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَمْ يَتَقَدَّمِ الْغَزَالِيَّ أَحَدٌ بِاخْتِيَارِهِ إِيَّاهُ.
وَلَوْ بِيعَ آلَةَ الِاسْتِقَاءِ، أَوْ أُجِّرَهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُجْرَتِهِ، وَجَبَ الْقَبُولُ.
فَإِنْ زَادَ، لَمْ يَجِبْ.
كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَلَوْ قِيلَ: يَجِبُ التَّحْصِيلُ مَا لَمْ يُجَاوِزِ الزِّيَادَةُ ثَمَنَ مِثْلِ الْمَاءِ، لَكَانَ حَسَنًا.
وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا وَقَدَرَ عَلَى شَدِّهِ فِي الدَّلْوِ لِيَسْتَقِيَ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَلْوٌ وَأَمْكَنَ إِدْلَاؤُهُ فِي الْبِئْرِ لِيَبْتَلَّ، وَيَعْصُرَ مَا يُوَضِّئُهُ، لَزِمَهُ،

فَلَوْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءَ وَأَمْكَنَ شَقُّهُ، وَشَدُّ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، لَزِمَهُ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ فِي الثَّوْبِ نَقْصٌ يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ: ثَمَنُ الْمَاءِ، وَأُجْرَةُ الْحَبْلِ.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْحَاجَةُ إِلَى الْمَاءِ، لِعَطَشٍ وَنَحْوِهِ.
فِيهِ مَسَائِلُ: أَحَدُهَا: إِذَا وَجَدَ مَاءً وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِهِ، أَوْ عَطَشِ رَفِيقِهِ، أَوْ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ فِي الْحَالِ، أَوْ فِي الْمَآلِ بِعِوَضٍ، أَوْ بِغَيْرِهِ، جَازَ التَّيَمُّمُ.
وَذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ: تَرَدُّدًا فِي التَّزَوُّدِ لِعَطَشِ رَفِيقِهِ.
وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِجَوَازِهِ.
وَضَبْطُ الْحَاجَةِ يُقَاسُ بِمَا سَيَأْتِي فِي (الْمَرَضِ الْمُبِيحِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِلْعَطْشَانِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا، إِذَا لَمْ يَبْذُلْهُ.
وَغَيْرُ الْمُحْتَرَمِ مِنَ الْحَيَوَانِ، هُوَ الْحَرْبِيُّ، وَالْمُرْتَدُّ، وَالْخِنْزِيرُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَسَائِرُ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ وَيَشْرَبَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الزُّجَاجِيُّ - بِضَمِّ الزَّايِ - وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ مَاءَانِ: طَاهِرٌ، وَنَجِسٌ، وَعَطَشَ، تَوَضَّأَ بِالطَّاهِرِ، وَشَرِبَ النَّجِسَ.
قُلْتُ: ذَكَرَ الشَّاشِيُّ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيِّ هَذَا، ثُمَّ أَنْكَرَهُ، وَاخْتَارَ: أَنَّهُ يَشْرَبُ الطَّاهِرَ وَيَتَيَمَّمُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، أَمَّا قَبْلُهُ، فَيَشْرَبُ الطَّاهِرَ بِلَا خِلَافٍ.
صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ كَانَ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ فِي غَدِهِ وَلَا يَتَحَقَّقُهُ، فَهَلْ لَهُ التَّزَوُّدُ؟ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: جَوَازُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إِذَا مَاتَ رَجُلٌ لَهُ مَاءٌ وَرُفْقَتُهُ عِطَاشٌ، شَرِبُوهُ وَيَمَّمُوهُ وَأَدَّوْا ثَمَنَهُ فِي مِيرَاثِهِ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى الْبَلَدِ، وَأَرَادَ بِالثَّمَنِ الْقِيمَةَ، مَوْضِعَ الْإِتْلَافِ وَوَقْتَهُ.
وَقِيلَ: أَرَادَ مِثْلَ الْقِيمَةِ.

الثَّالِثَةُ: إِذَا أَوْصَى، أَوْ وَكَّلَ بِصَرْفِ مَاءٍ إِلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَحَضَرَ مَيِّتٌ، وَجُنُبٌ، وَحَائِضٌ، وَمَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَمُحْدِثٌ، فَالْمَيِّتُ وَصَاحِبُ النَّجَاسَةِ أَوْلَاهُمْ، وَالْمَيِّتُ أَوْلَاهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ.
فَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ أَيْضًا نَجَاسَةٌ، فَهُوَ أَوْلَى قَطْعًا.
وَلَا يُشْتَرَطُ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَيِّتِ قَبُولُ وَارِثٍ، كَمَا لَوْ تَطَوَّعَ إِنْسَانٌ بِكَفَنِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ.
وَلَوْ مَاتَ اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَكَانَ قَبْلَ مَوْتِهِمَا مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمَا، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
فَإِنْ مَاتَا مَعًا، أَوْ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا، فَأَفْضَلُهُمَا أَوْلَى، فَإِنِ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.
أَمَّا إِذَا اجْتَمَعَ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الْأَصَحُّ: الْحَائِضُ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: الْجُنُبُ.
وَالثَّالِثُ: سَوَاءٌ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ، وَالْآخَرُ الْقُرْعَةَ، فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ اسْتِعْمَالَ النَّاقِصِ، أُقْرِعَ.
وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، أُقْرِعَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: يُقَسَّمُ.
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الْقِسْمَةِ، جَازَ إِنْ أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ النَّاقِصِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمُحْدِثٌ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ، فَالْمُحْدِثُ أَوْلَى إِنْ لَمْ نُوجِبِ اسْتِعْمَالَ النَّاقِصِ، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَأَوْجُهٌ.
الْأَصَحُّ: الْمُحْدِثُ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: الْجُنُبُ.
وَالثَّالِثُ: سَوَاءٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكْفِ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَالْجُنُبُ أَوْلَى إِنْ أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ.
وَإِنْ كَفَى وَفَضَلَ عَنِ الْوُضُوءِ شَيْءٌ دُونَ الْغُسْلِ، فَالْجُنُبُ أَوْلَى إِنْ لَمْ نُوجِبِ اسْتِعْمَالَ النَّاقِصِ، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ.
فَعَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ.
أَصَحُّهَا: الْجُنُبُ أَوْلَى.
وَإِنْ فَضَلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ وَاحِدٍ، أَوْ كَفَى الْجُنُبَ دُونَ الْمُحْدِثِ، فَالْجُنُبُ أَوْلَى قَطْعًا.
وَلَوِ انْتَهَى هَؤُلَاءِ الْمُحْتَاجُونَ إِلَى مَاءٍ مُبَاحٍ، وَاسْتَوَوْا فِي إِحْرَازِهِ وَإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، مَلَكُوهُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْذُلَ نَصِيبَهُ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَحْوَجَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، إِلَّا إِذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ النَّاقِصِ.
كَذَا قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَقْدِيمُ الْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ كَالْوَصِيَّةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ.
وَأَرَادَ الْأَصْحَابُ: أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَقْدِيمُ الْأَحْوَجِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ تَنَازَعُوا، كَانَ كَمَا قَالَهُ

إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُنَازِعَهُمْ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَيَقُولَ: لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ مَاءٍ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ لِلطَّهَارَةِ.

السَّبَبُ الرَّابِعُ: الْعَجْزُ بِسَبَبِ الْجَهْلِ، هَذَا قَدْ جَعَلَهُ الْغَزَالِيُّ سَبَبًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ هُوَ سَبَبًا، فَإِنَّ السَّبَبَ هُوَ ظَنُّ الْعَدَمِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ.
وَأَمَّا قَضَاءُ الصَّلَاةِ، فَأَمْرٌ آخَرُ.
وَاللَّائِقُ ذِكْرُهُ فِي آخِرِ سَبَبِ الْفَقْدِ، أَوْ فِيمَا يُقْضَى مِنَ الصَّلَوَاتِ.
قُلْتُ: بَلْ لَهُ هُنَا وَجْهٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِهِ، إِذَا أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ أَوْ مَاءَهُ، فَهَذَا مِنْ وَجْهٍ كَالْوَاجِدِ، فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَمِنْ وَجْهٍ عَادِمٌ، فَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي (الْأَسْبَابِ الْمُبِيحَةِ) لِلْإِقْدَامِ عَلَى التَّيَمُّمِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: لَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، أَوْ عَلِمَ مَوْضِعَ نُزُولِهِ بِئْرًا، فَنَسِيَهَا، وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: تَجِبُ الْإِعَادَةُ قَطْعًا.
وَأَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ.
الْجَدِيدُ الْمَشْهُورُ وُجُوبُهَا، كَنِسْيَانِ عُضْوِ الطَّهَارَةِ، وَسَاتِرِ الْعَوْرَةِ.
وَلَوْ نَسِيَ ثَمَنَ الْمَاءِ، فَكَنِسْيَانِ الْمَاءِ.
وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ أُدْرِجَ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ عَلِمَ، أَوْ تَيَمَّمَ، ثُمَّ عَلِمَ بِقُرْبِهِ بِئْرًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهَا، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا إِعَادَةَ.
وَأَصَحُّهُمَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا إِعَادَةَ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ أَضَلَّ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، إِنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الطَّلَبِ، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ.
وَإِنْ أَمْعَنَ حَتَّى ظَنَّ الْعَدَمَ، وَجَبَتْ أَيْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: الْأَصَحُّ.
الرَّابِعَةُ: أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي الرِّحَالِ، إِنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الطَّلَبِ، أَعَادَ، وَإِنْ أَمْعَنَ،

فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَهُ قَرِيبًا، أَعَادَ، وَإِلَّا فَلَا.

السَّبَبُ الْخَامِسُ: الْمَرَضُ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: مَا يَخَافُ مَعَهُ مِنَ الْوُضُوءِ فَوْتَ الرَّوَحِ، أَوْ فَوْتَ عُضْوٍ، أَوْ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ، فَبِيحَ التَّيَمُّمُ.
وَلَوْ خَافَ مَرَضًا مَخُوفًا، تَيَمَّمَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
الثَّانِي: أَنْ يَخَافَ زِيَادَةَ الْعِلَّةِ، وَهُوَ كَثْرَةُ أَلَمٍ، وَإِنْ لَمْ تَزِدِ الْمُدَّةُ، أَوْ يَخَافُ بُطْءَ الْبُرْءِ، وَهُوَ طُولُ مُدَّةِ الْمَرَضِ.
وَإِنْ لَمْ يَزِدِ الْأَلَمُ، أَوْ يَخَافُ شِدَّةَ الضَّنَا، وَهُوَ الْمَرَضُ الْمُدْنِفُ الَّذِي يَجْعَلُهُ زَمَنًا، أَوْ يَخَافُ حُصُولَ شَيْنٍ قَبِيحٍ، كَالسَّوَادِ عَلَى عُضْوٍ ظَاهِرٍ، كَالْوَجْهِ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يَبْدُو فِي حَالِ الْمِهْنَةِ، فَفِي الْجَمِيعِ ثَلَاثُ طُرُقٍ.
أَصَحُّهَا: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: جَوَازُ التَّيَمُّمِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ قَطْعًا.
وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ قَطْعًا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَخَافَ شَيْئًا يَسِيرًا، كَأَثَرِ الْجُدَرِيِّ، وَسَوَادٍ قَلِيلٍ.
أَوْ شَيْنًا قَبِيحًا عَلَى غَيْرِ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ، أَوْ يَكُونُ بِهِ مَرَضٌ لَا يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَعَهُ مَحْذُورًا فِي الْعَاقِبَةِ.
وَإِنْ كَانَ يَتَأَلَّمُ فِي الْحَالِ بِجِرَاحَةٍ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ حَرٍّ، فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي كَوْنِ الْمَرَضِ مُرَخِّصًا، عَلَى مَعْرِفَةِ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ عَارِفًا.
وَيَجُوزُ اعْتِمَادُ طَبِيبٍ حَاذِقٍ، بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْعَدَالَةِ، وَيُعْتَمَدُ الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ.
وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يُعْتَمَدُ الصَّبِيُّ الْمُرَاهِقُ، أَوِ الْفَاسِقُ.
وَوَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَبِيبَيْنِ.

فَرْعٌ إِذَا عَمَّتِ الْعِلَّةُ أَعْضَاءَ الطَّهَارَةِ، اقْتَصَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَعْضِ، غَسَلَ الصَّحِيحَ.
وَفِي الْعَلِيلِ، كَلَامٌ مَذْكُورٌ فِي (الْجَرِيحِ) . قُلْتُ: وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ طَبِيبٌ بِشَرْطِهِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ السَّبَخِيُّ: لَا يَتَيَمَّمُ.
وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا السَّبَبِ بَيْنَ الْحَاضِرِ، وَالْمُسَافِرِ، وَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَالْأَكْبَرِ، وَلَا إِعَادَةَ فِيهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

السَّبَبُ السَّادِسُ: إِلْقَاءُ الْجَبِيرَةِ.
وَهِيَ تَكُونُ لِكَسْرٍ، أَوِ انْخِلَاعٍ.
وَتَارَةً يَحْتَاجُ إِلَى الْجَبِيرَةِ عَلَى الْكَسْرِ أَوِ الِانْخِلَاعِ، وَتَارَةً لَا يَحْتَاجُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْحَاجَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرَضِ.
فَالْحَالَةُ الْأُولَى: إِذَا احْتَاجَ، وَوَضَعَ الْجَبِيرَةَ، فَإِمَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى نَزْعِهَا عِنْدَ الطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْمَرَضِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، لَمْ يُكَلَّفِ النَّزْعَ.
وَيُرَاعِي فِي طَهَارَتِهِ أُمُورًا.
الْأَوَّلُ: غَسْلُ الصَّحِيحِ.
وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَجِبُ غَسْلُ مَا يُمْكِنُ حَتَّى مَا تَحْتَ أَطْرَافِ الْجَبِيرَةِ مِنَ الصَّحِيحِ، بِأَنْ يَضَعَ خِرْقَةً مَبْلُولَةً عَلَيْهَا، وَيَعْصِرَهَا لِتَغْسِلَ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ بِالْمُتَقَاطِرِ.
الثَّانِي: مَسْحُ الْجَبِيرَةِ بِالْمَاءِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ وَوَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، بَلْ يَكْفِي الْغَسْلُ مَعَ التَّيَمُّمِ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ: إِنْ كَانَ جُنُبًا، مَسَحَ مَتَى شَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا، مَسَحَ إِذَا وَصَلَ إِلَى غَسْلِ الْعُضْوِ

الَّذِي عَلَيْهِ الْجَبِيرَةُ.
وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ الْجَبِيرَةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَالْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَكْفِي مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ: كَمَسْحِ الرَّأْسِ، وَالْخُفِّ، وَلَا تَتَقَدَّرُ مُدَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الثَّانِي: تَتَقَدَّرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ، وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْحَاضِرِ.
وَالْخِلَافُ فِيمَا إِذَا تَأَتَّى النَّزْعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرَةِ بِلَا ضَرَرٍ.
فَإِنْ حَصَلَ ضَرَرٌ، لَمْ يَجِبْ قَطْعًا.
وَإِنْ تَأَتَّى فِي كُلِّ طَهَارَةٍ، وَجَبَ النَّزْعُ قَطْعًا.
الثَّالِثُ: التَّيَمُّمُ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ.
فَفِيهِ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَجِبُ.
وَالثَّانِي: لَا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: إِنْ كَانَ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ عَلِيلًا، بِحَيْثُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ لَوْ ظَهَرَ، لَمْ يَجِبِ التَّيَمُّمُ، وَإِلَّا وَجَبَ.
وَإِذَا وَجَبَ، فَلَوْ كَانَتِ الْجَبِيرَةُ عَلَى مَوْضِعِ التَّيَمُّمِ، لَمْ يَجِبْ مَسْحُهَا بِالتُّرَابِ عَلَى الْأَصَحِّ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ جُنُبًا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ قَدَّمَ غَسْلَ الصَّحِيحِ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُ الْغَسْلِ.
وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
هَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي الْجُنُبِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ عُضْوٍ حَتَّى يُتِمَّ طَهَارَتَهُ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ كَانَتِ الْجَبِيرَةُ عَلَى الْوَجْهِ، وَجَبَ تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ.
فَإِنْ شَاءَ غَسَلَ صَحِيحَ الْوَجْهِ، ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنْ عَلِيلِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَكَسَ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَجَبَ تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْ غَسْلِ الْوَجْهِ.
وَلَوْ كَانَ عَلَى عُضْوَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ جَبَائِرَ، تَعَدَّدَ التَّيَمُّمُ.
فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْوَجْهِ جَبِيرَةٌ، وَعَلَى الْيَدِ جَبِيرَةٌ، غَسَلَ صَحِيحَ الْوَجْهِ، وَتَيَمَّمَ عَنْ عَلِيلِهِ.
ثُمَّ الْيَدُ كَذَلِكَ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، يَكْفِي تَيَمُّمُ وَاحِدٍ وَإِنْ تَعَدَّدَتِ الْجَبَائِرُ.
قُلْتُ: وَلَوْ عَمَّتِ الْجِرَاحَاتُ أَعْضَاءَهُ الْأَرْبَعَةَ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ: يَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ عَنِ الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ لِسُقُوطِ الْغُسْلِ.
قَالُوا: وَلَوْ عَمَّتِ الرَّأْسَ، وَلَمْ تَعُمَّ الْأَعْضَاءَ الثَّلَاثَةَ، وَجَبَ غَسْلُ صَحِيحِ الْأَعْضَاءِ، وَأَرْبَعُ تَيَمُّمَاتٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ صَاحِبُ (الْبَحْرِ) : فَإِذَا تَيَمَّمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ

أَرْبَعَ تَيَمُّمَاتٍ، وَصَلَّى، ثُمَّ حَضَرَتْ فَرِيضَةٌ أُخْرَى، أَعَادَ التَّيَمُّمَاتِ الْأَرْبَعَةَ، فَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ صَحِيحِ الْوَجْهِ، وَيُعِيدُ مَا بَعْدَهُ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْغُسْلِ، فِيهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي قَرِيبًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ صَاحِبُ (الْبَيَانِ) : وَإِذَا كَانَتِ الْجِرَاحَةُ فِي يَدَيْهِ، اسْتُحِبَّ أَنْ تُجْعَلَ كُلُّ يَدٍ كَعُضْوٍ، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ، ثُمَّ صَحِيحَ الْيُمْنَى، وَتَيَمَّمَ عَنْ جَرِيحِهَا، ثُمَّ يُطَهِّرُ الْيُسْرَى غَسْلًا وَتَيَمُّمًا، وَكَذَا الرِّجْلَانِ.
وَهَذَا حَسَنٌ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى سُنَّةٌ، فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى تَيَمُّمٍ، فَقَدْ طَهَّرَهُمَا دُفْعَةً.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ، إِنَّمَا يَكْفِي بِشَرْطَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَأْخُذَ تَحْتَ الْجَبِيرَةِ مِنَ الصَّحِيحِ، إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِمْسَاكِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يُشْتَرَطُ الْوَضْعُ عَلَى طُهْرٍ، وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُهُ.
فَيَجِبُ النَّزْعُ، وَاسْتِئْنَافُ الْوَضْعِ عَلَى طُهْرٍ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَيَتْرُكُ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْبُرْءِ عَلَى الْمَذْهَبِ، بِخِلَافِ الْوَضْعِ عَلَى طُهْرٍ عَلَى الْأَظْهَرِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَزْعِ الْجَبِيرَةِ عِنْدَ الطُّهْرِ، فَإِنْ قَدَرَ بِلَا ضَرَرٍ، وَجَبَ النَّزْعُ، وَغَسَلَ الصَّحِيحَ إِنْ أَمْكَنَ، وَمَسَحَهُ بِالتَّيَمُّمِ إِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يُمْكِنْ غَسْلُهُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَحْتَاجَ إِلَى الْجَبِيرَةِ، وَيَخَافَ مِنْ إِيصَالِ الْمَاءِ، فَيَغْسِلُ الصَّحِيحَ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَيَتَلَطَّفُ بِوَضْعِ خِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ، وَيَتَحَامَلُ عَلَيْهَا، لِيَغْسِلَ بِالْمُتَقَاطِرِ بَاقِيَ الصَّحِيحِ.
وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِأُجْرَةٍ، كَالْأَقْطَعِ.
وَفِي افْتِقَارِهِ إِلَى التَّيَمُّمِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى.
وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَوْضِعِ الْعِلَّةِ بِالْمَاءِ وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ مِنْهُ.
كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصٌّ سِيَاقُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَإِذَا أَوْجَبْنَا التَّيَمُّمَ، وَالْعِلَّةُ فِي مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، أَمَرَّ التُّرَابَ عَلَيْهِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْجِرَاحَةِ أَفْوَاهٌ مُنْفَتِحَةٌ، وَأَمْكَنَ إِمْرَارُ التُّرَابِ عَلَيْهَا، وَجَبَ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ ثُبُوتِ خِلَافٍ فِي وُجُوبِ التَّيَمُّمِ غَلَطٌ.

وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ.
فَالصَّوَابُ: الْجَزْمُ بِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، لِئَلَّا يَبْقَى مَوْضِعُ الْكَسْرِ بِلَا طَهَارَةٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

السَّبَبُ السَّابِعُ: الْجِرَاحَةُ.
اعْلَمْ أَنَّ الْجِرَاحَةَ قَدْ تَحْتَاجُ إِلَى لُصُوقٍ، مِنْ خِرْقَةٍ، وَقُطْنَةٍ، وَنَحْوِهِمَا، فَيَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْجَبِيرَةِ فِي كُلِّ مَا سَبَقَ.
وَقَدْ لَا تَحْتَاجُ، فَيَجِبُ غَسْلُ الصَّحِيحِ، وَالتَّيَمُّمُ عَنِ الْجَرِيحِ.
وَلَا يَجِبُ مَسْحُ الْجَرِيحِ بِالْمَاءِ، وَلَا يَجِبُ وَضْعُ اللُّصُوقِ، أَوِ الْجَبِيرَةِ عَلَيْهِ، لِيَمْسَحَ عَلَيْهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: وَأَوْجَبَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَنْ هُوَ مُتَطَهِّرٌ وَأَرْهَقَهُ حَدَثٌ، وَمَعَهُ مَاءٌ يَكْفِيهِ لِمَا عَدَا رِجْلَيْهِ، وَمَعَهُ خُفٌّ ; فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لُبْسُ الْخُفِّ.
وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
فَرْعٌ إِذَا غَسَلَ الصَّحِيحَ، وَتَيَمَّمَ لِمَرَضٍ، أَوْ كَسْرٍ، أَوْ جُرْحٍ، مَعَ الْمَسْحِ عَلَى حَائِلٍ، أَوْ دُونَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ، وَصَلَّى فَرِيضَةً بِطَهَارَتِهِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ التَّيَمُّمِ لِلْفَرِيضَةِ الْأُخْرَى.
وَهَلْ يَجِبُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ إِنْ كَانَ مُحْدِثًا، أَوِ الْغُسْلِ إِنْ كَانَ جُنُبًا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ.
وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، فَلَيْسَ عَلَى الْجُنُبِ غَيْرُ التَّيَمُّمِ إِلَى أَنْ يُحْدِثَ، وَفِي الْمُحْدِثِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: كَالْجُنُبِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ أَنْ يُعِيدَ مَعَ التَّيَمُّمِ كُلَّ عُضْوٍ يَجِبُ تَرْتِيبُهُ عَلَى الْعُضْوِ الْمَجْرُوحِ.
قُلْتُ: بَلِ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّهُ كَالْجُنُبِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَإِذَا كَانَ جُنُبًا، وَالْجِرَاحَةُ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَغَسَلَ الصَّحِيحَ، وَتَيَمَّمَ لِلْجَرِيحِ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةً، لَزِمَهُ الْوُضُوءُ، وَلَا يَلْزَمَهُ التَّيَمُّمُ، لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ

عَنْ غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَدَثُ.
وَلَوْ صَلَّى فَرِيضَةً، ثُمَّ أَحْدَثَ، تَوَضَّأَ لِلنَّافِلَةِ، وَلَا يَتَيَمَّمَ.
وَكَذَا حُكْمُ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَطَهَّرُ الْعَلِيلُ كَمَا ذَكَرْنَا فَبَرُأَ، وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ، غَسَلَ مَوْضِعَ الْعُذْرِ، جُنُبًا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا، وَيَغْسِلُ الْمُحْدِثُ مَا بَعْدَ الْعَلِيلِ بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي اسْتِئْنَافِهِمَا الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ، الْقَوْلَانِ فِي نَازِعِ الْخُفِّ.
وَلَوْ تَحَقَّقَ الْبُرْءُ بَعْدَ الطَّهَارَةِ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَوَجَبَ غَسْلُ الْمَوْضِعِ.
وَحُكْمُ الِاسْتِئْنَافِ مَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ تَوَهَّمَ الِانْدِمَالَ، فَرَفَعَ اللُّصُوقَ، فَرَآهُ لَمْ يَنْدَمِلْ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ تَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ، لِأَنَّ تَوَهُّمَ الْمَاءِ يُوجِبُ طَلَبَهُ.
وَتَوَهُّمُ الِانْدِمَالِ، لَا يُوجِبُ الْبَحْثَ عَنْهُ.
كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَتَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يَجِبُ الْبَحْثُ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ

الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ لَهُ سَبْعَةُ أَرْكَانٍ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: التُّرَابُ.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا خَالِصًا، غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ.
فَالتُّرَابُ مُتَعَيَّنٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِهِ، مِنَ الْأَحْمَرِ، وَالْأَسْوَدِ، وَالْأَصْفَرِ، وَالْأَغْبَرِ، وَطِينِ الدَّوَاةِ، وَطِينِ الْأَرْمَنِيِّ الَّذِي يُؤْكَلُ تَدَاوِيًا وَسَفَهًا، وَالْبَطْحَاءِ وَهُوَ التُّرَابُ الَّذِي فِي مَسِيلِ الْمَاءِ، وَالسَّبَخُ الَّذِي لَا يُنْبِتُ دُونَ الَّذِي يَعْلُوهُ مِلْحٌ.
وَلَوْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى ثَوْبٍ، أَوْ جِدَارٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَارْتَفَعَ غُبَارٌ، كَفَى.
وَالتُّرَابُ الَّذِي أَخْرَجَتْهُ الْأَرَضَةُ مِنْ مَدَرٍ، يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَالتُّرَابِ الْمَعْجُونِ بِالْخَلِّ إِذَا جَفَّ، يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِالنُّورَةِ، وَالْجِصِّ، وَالزَّرْنِيخِ،

وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ، وَالذَّرِيرَةِ، وَالْأَحْجَارِ الْمَدْقُوقَةِ، وَالْقَوَارِيرِ الْمَسْحُوقَةِ، وَشِبْهِهَا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي وَجْهٍ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَهُوَ غَلَطٌ، وَلَوْ أَحْرَقَ التُّرَابَ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، أَوْ سَحَقَ الْخَزَفَ، فَصَارَ نَاعِمًا، لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ.
وَلَوْ شَوَى الطِّينَ وَسَحَقَهُ، فَفِي التَّيَمُّمِ بِهِ وَجْهَانِ.
وَكَذَا لَوْ أَصَابَ التُّرَابَ نَارٌ، فَاسْوَدَّ، وَلَمْ يَحْتَرِقْ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي الْأُولَى، الْجَوَازُ.
وَالصَّحِيحُ فِي الْأَخِيرَةِ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الرَّمْلُ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ خَشِنًا لَا يَرْتَفِعُ مِنْهُ غُبَارٌ، لَمْ يَكْفِ ضَرْبُ الْيَدِ عَلَيْهِ.
وَإِنِ ارْتَفَعَ، كَفَى.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ طَاهِرًا، فَلَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَا يَصِحُّ بِنَجِسٍ مُطْلَقًا.
فَإِنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ كَلْبٍ تُرَابٌ، فَإِنْ عَلِمَ الْتِصَاقَهُ بِرُطُوبَةٍ عَلَيْهِ، مِنْ مَاءٍ، أَوْ عَرَقٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ.
وَإِنْ عَلِمَ انْتِفَاءَ ذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اجْتِمَاعِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.
قُلْتُ: كَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: فِيمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَلَيْسَ هَنَا ظَاهِرٌ يُعَارِضُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ خَالِصًا، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَشُوبُ بِزَعْفَرَانٍ، وَدَقِيقٍ، وَنَحْوِهِمَا.
وَإِنْ كَثُرَ الْمُخَالِطُ، لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ.
وَكَذَا إِنْ قَلَّ عَلَى الصَّحِيحِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْكَثِيرُ: مَا يَظْهَرُ فِي التُّرَابِ.
وَالْقَلِيلُ: مَا لَا يَظْهَرُ.
وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ فِيهِ ضَبْطًا.
وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ كَمَا فِي الْمَاءِ، لَكَانَ مَسْلَكًا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالْمُسْتَعْمَلُ: مَا لَصَقَ بِالْعُضْوِ.
وَكَذَا مَا تَنَاثَرَ عَنْهُ، عَلَى الْأَصَحِّ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: قَصْدُ التُّرَابِ.
فَلَا بُدَّ مِنْهُ.
فَلَوْ وَقَفَ فِي مَهَبِّ رِيحٍ، فَسَفَتْ عَلَيْهِ تُرَابًا، فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ، إِنْ كَانَ وَقَفَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَإِنْ قَصَدَ تَحْصِيلَ التُّرَابِ، لَمْ يُجْزِئْهُ أَيْضًا، عَلَى الْأَصَحِّ، أَوِ الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ.
إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَالْوُقُوفِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ.
وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ لِعُذْرٍ، كَقَطْعٍ، وَغَيْرِهِ، جَازَ.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، جَازَ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: نَقْلُ التُّرَابِ الْمَمْسُوحِ بِهِ إِلَى الْعُضْوِ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ تُرَابٌ، فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَإِنْ نَقَلَهُ مِنْهُ إِلَى الْيَدِ، أَوْ مِنَ الْيَدِ إِلَيْهِ، أَوْ أَخَذَهُ مِنَ الْوَجْهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ، أَوْ سَفَتِ الرِّيحُ تُرَابًا عَلَى كُمِّهِ، فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ، أَوْ أَخَذَ التُّرَابَ مِنَ الْهَوَاءِ بِإِثَارَةِ الرِّيحِ، جَازَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ نَقَلَهُ مِنْ عُضْوٍ غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ إِلَيْهَا جَازَ بِلَا خِلَافٍ.
وَإِنْ تَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ لِعُذْرٍ، جَازَ.
وَكَذَا لِغَيْرِ عُذْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ.

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: النِّيَّةُ.
فَلَا بُدَّ مِنْهَا، فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ نَوَى الْجُنُبُ رَفْعَ الْجَنَابَةِ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ مَعًا، فَيَسْتَبِيحُهُمَا، وَلَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الْوَقْتِ إِنْ كَانَتِ الْفَرِيضَةُ مُعَيَّنَةً.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْفَرْضَ مُطْلَقًا، صَلَّى أَيَّةَ فَرِيضَةٍ شَاءَ.
وَلَوْ نَوَى مُعَيَّنَةً، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَهَا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ الْفَرِيضَةَ، سَوَاءً كَانَتْ إِحْدَى الْخَمْسِ، أَوْ مَنْذُورَةً وَلَا تَخْطُرُ لَهُ النَّافِلَةُ، فَتُبَاحُ الْفَرِيضَةُ.
وَكَذَا النَّافِلَةُ قَبْلَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبَعْدَهَا عَلَى

الْمَذْهَبِ فِي الْوَقْتِ، وَكَذَا بَعْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَتَيْنِ، أَوْ مَنْذُورَتَيْنِ، اسْتَبَاحَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
أَوْ لِفَائِتَةِ الظُّهْرِ، فَكَانَتِ الْعَصْرَ، لَمْ تَصِحَّ.
قُلْتُ: فَلَوْ ظَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً، وَلَمْ يَجْزِمْ بِهَا، فَتَيَمَّمَ لَهَا، ثُمَّ ذَكَرَهَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَا يَصِحُّ.
وَصَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ النَّفْلَ، فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: قَطْعًا.
فَإِنْ أَبَحْنَاهُ، فَالنَّفْلُ أَوْلَى، وَإِلَّا اسْتَبَاحَ النَّفْلَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ نَوَى مَسَّ الْمُصْحَفِ، أَوْ سُجُودَ التِّلَاوَةِ، أَوِ الشُّكْرَ، أَوْ نَوَى الْجُنُبُ الِاعْتِكَافَ، أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَهُوَ كَنِيَّةِ النَّفْلِ، فَلَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَيَسْتَبِيحُ مَا نَوَى عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الْآخَرِ يَسْتَبِيحُ الْجَمِيعَ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَهُوَ كَنِيَّةِ النَّفْلِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ تَيَمَّمَتْ مُنْقَطِعَةُ الْحَيْضِ لِاسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَكُونُ كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّافِلَةِ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فَحَسْبُ، فَلَهُ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: هُوَ كَمَنْ نَوَى النَّفْلَ وَالْفَرْضَ مَعًا.
أَمَّا إِذَا نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ، أَوْ إِقَامَةَ التَّيَمُّمِ الْمَفْرُوضِ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: وَلَوْ نَوَى التَّيَمُّمَ وَحْدَهُ، لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا.
ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، ظَانًّا أَنَّ حَدَثَهُ أَصْغَرُ، فَكَانَ أَكْبَرَ، أَوْ عَكْسَهُ، صَحَّ قَطْعًا، لِأَنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ.
وَلَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ.
ذَكَرُهُ الْمُتَوَلِّي.
وَلَوْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ وَنَسِيَ، وَكَانَ يَتَيَمَّمُ وَقْتًا، وَيَتَوَضَّأُ وَقْتًا، أَعَادَ صَلَوَاتِ الْوُضُوءِ فَقَطْ، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَأَخَّرَ النِّيَّةُ عَنْ أَوَّلِ فِعْلٍ مَفْرُوضٍ فِي التَّيَمُّمِ.

وَأَوَّلُ أَفْعَالِهِ الْمَفْرُوضَةِ نَقْلُ التُّرَابِ.
وَلَوْ قَارَنَتْهُ وَعَزَبَتْ قَبْلَ مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ تَقَدَّمَتْ عَلَى أَوَّلِ فِعْلٍ مَفْرُوضٍ، فَهُوَ كَمِثْلِهِ فِي الْوُضُوءِ.

الرُّكْنُ الْخَامِسُ: مَسْحُ الْوَجْهِ.
وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُ.
وَلَا يَجِبُ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ الَّتِي يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهَا فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَيَجِبُ إِيصَالُهُ إِلَى ظَاهِرِ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، كَمَا فِي الْوُضُوءِ.

الرُّكْنُ السَّادِسُ: مَسْحُ الْيَدَيْنِ.
وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا هَذَا، وَالْقَدِيمُ يَمْسَحُهُمَا إِلَى الْكُوعَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَكَرَّرَ لَفْظُ الضَّرْبَتَيْنِ فِي الْإِخْبَارِ، فَجَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ عَلَى الظَّاهِرِ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ، وَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ.
وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ آخَرُونَ: أَنَّ الْوَاجِبَ إِيصَالُ التُّرَابِ، سَوَاءٌ حَصَلَ بِضَرْبَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ، وَلَا يَنْقُصُ.
وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ.
ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَتَانِ لِلْيَدَيْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: وُجُوبُ الضَّرْبَتَيْنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ.
وَصُورَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى ضَرْبَةٍ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصُورَةُ الضَّرْبِ لَيْسَتْ مُتَعَيِّنَةً.
فَلَوْ وَضَعَ الْيَدَ عَلَى تُرَابٍ نَاعِمٍ وَعَلَقَ بِهَا غُبَارٌ، كَفَى.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِأَعْلَى الْوَجْهِ.
وَأَمَّا الْيَدَانِ، فَيَضَعُ أَصَابِعَ الْيُسْرَى سِوَى الْإِبْهَامِ، عَلَى ظُهُورِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى سِوَى الْإِبْهَامِ، بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ أَنَامِلُ الْيُمْنَى عَنْ مُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى، وَيُمِرُّهَا عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا بَلَغَتِ الْكُوعَ، ضَمَّ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ إِلَى حَرْفِ الذِّرَاعِ.
وَيُمِرُّهَا إِلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ يُدِيرُ كَفَّهُ إِلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ فَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ وَإِبْهَامُهُ مَرْفُوعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ، مَسَحَ بِبَطْنِ إِبْهَامِ الْيُسْرَى ظَهَرَ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَضَعُ أَصَابِعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَيَمْسَحُهَا كَذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، لَكِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ.

وَأَمَّا تَفْرِيقُ الْأَصَابِعِ، فَيَفْعَلُهُ فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ.
وَأَمَّا الْأُولَى، فَالْأَصَحُّ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ فِيهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُسْتَحَبُّ.
ثُمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ: هُوَ جَائِزٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الثَّانِيَةِ، كَفَاهُ التَّفْرِيقُ فِي الْأُولَى بَيْنَ الْأَصَابِعِ.
وَقَالَ قَلِيلُونَ، مِنْهُمُ الْقَفَّالُ: لَا يَجُوزُ: وَلَوْ فَعَلَهُ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ.
ثُمَّ إِذَا فَرَّقَ فِي الضَّرْبَتَيْنِ وَجَوَّزْنَاهُ، أَوْ فِي الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا، يُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ بَعْدَ مَسْحِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِمَا، وَفَرَّقَ فِي الْأُولَى وَحْدَهَا، وَجَبَ التَّخْلِيلُ، ثُمَّ يَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى.
وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَوَاجِبٌ عَلَى الْآخَرِ.
وَالْوَاجِبُ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ كَيْفَ كَانَ، سَوَاءٌ حَصَلَ بِيَدٍ، أَوْ خِرْقَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ.
وَلَا يُشْتَرَطُ إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ كَانَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ فَرَفَعَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعُضْوِ، ثُمَّ رَدَّهَا، جَازَ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى أَخْذِ تُرَابٍ جَدِيدٍ فِي الْأَصَحِّ.

الرُّكْنُ السَّابِعُ: التَّرْتِيبُ.
فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْوَجْهِ عَلَى الْيَدَيْنِ.
فَلَوْ تَرَكَهُ نَاسِيًا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا فِي الْوُضُوءِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ فِي أَخْذِ التُّرَابِ لِلْعُضْوَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَلَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَمْكَنَهُ مَسْحُ الْوَجْهِ بِيَمِينِهِ، وَيَمِينُهُ بِيَسَارِهِ، جَازَ.

فَرْعٌ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ أَخْذِ التُّرَابِ قَبْلَ مَسْحِ وَجْهِهِ، بَطَلَ أَخْذُهُ، وَعَلَيْهِ النَّقْلُ ثَانِيَةً.
وَلَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ حَيْثُ يَجُوزُ، فَأَحْدَثَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَخْذِ التُّرَابِ قَبْلَ الْمَسْحِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يَضُرُّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْأَخْذُ بِحَدَثِ الْآمِرِ.
وَلَوْ ضَرَبَ

يَدَهُ عَلَى بَشَرَةِ امْرَأَةٍ يَنْقُضُ وَعَلَيْهَا تُرَابٌ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَمْنَعُ الْتِقَاءَ الْبَشَرَتَيْنِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ، لَمْ يَصِحَّ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ أَخْذُهُ لِلْوَجْهِ.
فَإِنْ ضَرَبَ بَعْدَهُ لِلْيَدِ، بَطَلَ.
وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ.

فَرْعٌ لِلتَّيَمُّمِ سُنَنٌ سَبَقَ بَعْضُهَا فِي كَيْفِيَّةِ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَبَقِيَ مِنْهَا التَّسْمِيَةُ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَإِمْرَارُ التُّرَابِ عَلَى الْعَضُدِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمُوَالَاةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتَخْفِيفُ التُّرَابِ الْمَأْخُوذِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا، وَأَنْ لَا يُكَرِّرَ الْمَسْحَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَأَنْ لَا يَرْفَعَ الْيَدَ عَنِ الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ حَتَّى يَتِمَّ مَسْحُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: هُوَ وَاجِبٌ.
وَقَدْ سَبَقَ.
وَأَنْ يَنْزِعَ خَاتَمَهُ فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى.
قُلْتُ: وَأَمَّا الضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ، فَيَجِبُ نَزْعُهُ فِيهَا، وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ.
ذَكَرُهُ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) وَغَيْرُهُ.
وَمِنْ مَنْدُوبَاتِهِ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ.
وَيَنْبَغِي اسْتِحْبَابُ الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَهُ، كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
وَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ نَجِسَةً، وَضَرَبَ بِهَا عَلَى تُرَابٍ وَمَسَحَ وَجْهَهُ، جَازَ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَا يَجُوزُ مَسْحُ النَّجِسَةِ قَطْعًا، كَمَا لَا يَصِحُّ غَسْلُهَا عَنِ الْوُضُوءِ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ كَرِدَّةِ الْمُتَيَمِّمِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ هِيَ ثَلَاثَةٌ.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَا يَبْطُلُ بِهِ الْوُضُوءُ.
ثُمَّ هُوَ قِسْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، كَتَيَمُّمِ الْمَرِيضِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ عَدَمِهِ، أَوِ الْخَوْفِ فِي تَحْصِيلِهِ، أَوِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا.
فَالْأَوَّلُ: لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ رُؤْيَةُ الْمَاءِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَيَبْطُلُ بِتَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا إِذَا رَأَى سَرَابًا فَتَوَهَّمَهُ مَاءً، أَوْ أَطْبَقَتْ بِقُرْبِهِ غَمَامَةٌ، أَوْ طَلَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ مَاءٌ، هَذَا إِذَا لَمْ يُقَارِنِ التَّوَهُّمَ مَانِعٌ مِنَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ قَارَنَهُ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، كَمَا إِذَا رَأَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعَطَشِ، أَوْ دُونَهُ حَائِلٌ، مِنْ سَبُعٍ، أَوْ عَدُوٍّ، أَوْ قَعْرِ بِئْرٍ يَعْلَمُ حَالَ رُؤْيَتِهِ تَعَذُّرَ تَحْصِيلِهِ، أَوْ سَمِعَ إِنْسَانًا يَقُولُ: أَوْدَعَنِي فُلَانٌ مَاءً وَهُوَ يَعْلَمُ غَيْبَةَ فُلَانٍ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا.
أَمَّا إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُغْنِيَةً عَنِ الْقَضَاءِ، كَصَلَاةِ الْحَاضِرِ بِالتَّيَمُّمِ، بَطَلَتْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الثَّانِي: يُتِمُّهَا وَيُعِيدُ.
وَإِنْ كَانَتْ مُغْنِيَةً كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ، فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا تَيَمُّمُهُ.
فَلَوْ نَوَى فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْإِقَامَةَ بَعْدَ وِجْدَانِ الْمَاءِ، أَوْ نَوَى الْقَصْرَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا.
وَحَيْثُ لَمْ تَبْطُلْ وَكَانَتْ فَرِيضَةً، هَلْ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا لِيَتَوَضَّأَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: الْخُرُوجُ أَفْضَلُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ الْخُرُوجُ، لَكِنَّ الِاسْتِمْرَارَ أَفْضَلُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ قَلَبَهَا نَفْلًا وَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، فَهُوَ أَفْضَلُ.
وَإِنْ أَرَادَ إِبْطَالَهَا مُطْلَقًا، فَالِاسْتِمْرَارُ أَفْضَلُ.
وَالرَّابِعُ: يَحْرُمُ قَطْعُهَا مُطْلَقًا.

وَالْخَامِسُ: إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، حَرُمَ الْخُرُوجُ، وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ.
قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَطَرَدَهُ فِي كُلِّ مُصَلٍّ، سَوَاءً الْمُتَيَمِّمُ وَغَيْرُهُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ اخْتِيَارٌ لَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ بِهِ أَحَدٌ، وَاعْتَرَفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِهَذَا، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَخِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَقَدْ نَصَّ فِي (الْأُمِّ) وَنَقَلَهُ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) وَالْغَزَالِيُّ فِي (الْبَسِيطِ) عَنِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِالْفَرِيضَةِ فِي أَوْلِ وَقْتِهَا، قَطَعَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ نَقْلَهُ، وَدَلَائِلَهُ فِي شَرْحِ (الْمُهَذَّبِ) . . . . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا أَتَمَّ الْفَرِيضَةَ بِالتَّيَمُّمِ، وَبَقِيَ الْمَاءُ الَّذِي رَآهُ إِلَى أَنْ سَلَّمَ، بِطَلَ تَيَمُّمُهُ، فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ نَافِلَةً، حَتَّى حَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ: أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ.
قُلْتُ: وَفِيمَا حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ الثَّانِيَةَ، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا فَنِيَ الْمَاءُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى يَسْتَبِيحَ النَّافِلَةَ أَيْضًا، وَإِنْ عَلِمَ بِفَنَائِهِ قَبْلَ سَلَامِهِ، فَفِي بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ وَمَنْعِهِ النَّافِلَةَ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: مَنْعُهُ النَّافِلَةَ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ.
. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إِذَا رَأَى الْمَاءَ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ، فَأَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: إِنْ كَانَ نَوَى عَدَدًا، أَتَمَّهُ وَلَمْ يَزِدْ، وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ نَوَاهُ.
وَالثَّالِثُ: لَهُ أَنْ يَزِيدَ مَا شَاءَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ.
وَالرَّابِعُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.

الْحُكْمُ الثَّانِي - فِيمَا يُؤَدَّى بِالتَّيَمُّمِ - لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ إِلَّا فَرِيضَةً وَاحِدَةً، وَسَوَاءً كَانَتِ الْفَرِيضَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَتَيْنِ، كَصَلَاتَيْنِ، وَطَوَافَيْنِ، أَوْ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ.
أَوْ مُتَّفِقَيْنِ، كَظَهْرَيْنِ، أَوْ مَكْتُوبَةٍ وَمَنْذُورَةٍ، أَوْ مَنْذُورَتَيْنِ،

فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِتَيَمُّمٍ.
وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَجُوزُ فِي مَنْذُورَتَيْنِ، وَفِي مَنْذُورَةٍ وَمَكْتُوبَةٍ، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يَجُوزُ فِي فَوَائِتَ وَفَائِتَةٍ وَمُؤَدَّاةٍ.
وَالصَّبِيُّ كَالْبَالِغِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
الثَّانِي: يَجْمَعُ بَيْنَ مَكْتُوبَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بِتَيَمُّمٍ بَيْنَ فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ.
وَأَمَّا رَكْعَتَا الطَّوَافِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُمَا سُنَّةٌ، فَلَهُمَا حُكْمُ النَّوَافِلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: وَاجِبَتَانِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَكَذَا لَا يَجْمَعُ بَيْنَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
إِذَا شَرَطْنَا الطَّهَارَةَ فِي الْخُطْبَةِ.
وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَهَا حُكْمُ النَّافِلَةِ مُطْلَقًا، فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَوَاتِ الْجَنَائِزِ، وَبَيْنَ جَنَائِزَ وَمَكْتُوبَةٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ.
وَيَجُوزُ صَلَاتُهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَيَجُوزُ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
وَالثَّانِي: لَهَا حُكْمُ الْفَرَائِضِ.
فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: إِنْ تَعَيَّنَتْ، فَكَالْفَرَائِضِ، وَإِلَّا فَكَالنَّوَافِلِ.
وَالثَّالِثُ: لَهَا حُكْمُ النَّوَافِلِ مُطْلَقًا، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ فِيهَا، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بِتَيَمُّمٍ بِكُلِّ حَالٍ.
وَلَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَتَيْنِ صَلَاةً وَاحِدَةً، فَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا، وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ.
فَرْعٌ إِذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَوَاتٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً، كَظُهْرٍ مِنْ أُسْبُوعٍ، لَزِمَهُ ظُهْرٌ وَاحِدَةٌ بِتَيَمُّمٍ.
وَإِنْ نَسْيَ صَلَاةً مِنَ الْخَمْسِ، لَزِمَهُ الْخَمْسُ، وَكَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ لِلْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ خَمْسَةُ تَيَمُّمَاتٍ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: الْخِلَافُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ تَعْيِينَ الْفَرِيضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ لَهَا غَيْرُ وَاجِبٍ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، لَزِمَهُ خَمْسُ تَيَمُّمَاتٍ قَطْعًا.
وَيُحْتَمَلُ خِلَافُ مَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ.
قُلْتُ: هَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، قَدْ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ،

وَاخْتَارَ الدَّارِمِيُّ طَرْدَ الْخِلَافِ وَإِنْ أَوْجَبْنَا التَّعْيِينَ.
وَهَذَا أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ نَسِيَ صَلَاتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ مِنَ الْخَمْسِ، لَزِمَهُ الْخَمْسُ.
فَإِنْ قُلْنَا: فِي الْوَاحِدَةِ يَلْزَمُهُ خَمْسُ تَيَمُّمَاتٍ.
فَكَذَا هَاهُنَا.
وَإِنْ قُلْنَا يَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْخَمْسِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: يَقْتَصِرُ عَلَى تَيَمُّمَيْنِ، وَيَزِيدُ فِي الصَّلَوَاتِ، فَيُصَلِّي بِالْأَوَّلِ الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ.
وَبِالثَّانِي: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
قَالَ الْأَكْثَرُونَ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ عَمِلَ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاصِّ، وَإِنْ شَاءَ [عَمِلَ] بِقَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ.
فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَاصِّ فِي «التَّلْخِيصِ» : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ تَيَمُّمَيْنِ، وَيُصَلِّي بِكُلِّ وَاحِدٍ الْخَمْسَ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَالْمُسْتَحْسَنُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ: طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَدَّادِ.
وَعَلَيْهَا يُفَرِّعُونَ مَا زَادَ مِنَ الْمَنْسِيِّ.
وَلَهَا ضَابِطٌ، وَشَرْطٌ.
فَضَابِطُهَا: أَنْ تَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الْمَنْسِيِّ فِيهِ عَدَدًا لَا يَنْقُصُ عَمَّا تَبَقَّى مِنَ الْمَنْسِيِّ فِيهِ بَعْدَ إِسْقَاطِ الْمَنْسِيِّ، وَيَنْقَسِمُ الْمَجْمُوعُ صَحِيحًا عَلَى الْمَنْسِيِّ.
مِثَالُهُ: مَسْأَلَتُنَا، الْمَنْسِيُّ صَلَاتَانِ، وَالْمَنْسِيُّ فِيهِ خَمْسٌ، تَزِيدُهُ ثَلَاثَةً، لِأَنَّهُ لَا تَنْقُصُ عَمَّا يَبْقَى مِنَ الْخَمْسِ بَعْدَ إِسْقَاطِ الِاثْنَيْنِ بَلْ تُسَاوِيهِ.
وَالْمَجْمُوعُ: وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ، يَنْقَسِمُ عَلَى الِاثْنَيْنِ صَحِيحًا.
وَلَوْ صَلَّى عَشْرًا كَمَا قَالَهُ الْوَجْهُ الشَّاذُّ، أَجْزَأَهُ، وَكَانَ قَدْ زَادَ خَيْرًا لِدُخُولِهِ فِي الضَّابِطِ.
وَأَمَّا شَرْطُهَا: فَإِنْ يَبْتَدِئْ مِنَ الْمَنْسِيِّ فِيهِ بِأَيَّةِ صَلَاةٍ شَاءَ، وَيُصَلِّي بِكُلِّ تَيَمُّمٍ مَا تَقْتَضِيهِ الْقِسْمَةُ، وَيَتْرُكُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مَا ابْتَدَأَ بِهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَيَأْتِي فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَوَاتِ.
وَلَوْ نَسِيَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَعَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاصِّ، يُصَلِّي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَمْسِ بِتَيَمُّمٍ، وَعَلَى الْوَجْهِ الشَّاذِّ: يَتَيَمَّمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يُصَلِّي بِكُلِّ وَاحِدٍ الْخَمْسَ، وَعَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ، يَقْتَصِرُ عَلَى ثَلَاثِ تَيَمُّمَاتٍ، وَيُصَلِّي بِالْأَوَّلِ: الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ.
وَبِالثَّانِي: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ

وَالْمَغْرِبَ.
وَبِالثَّالِثِ: الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
وَلَهُ مُخَالَفَةُ هَذَا التَّرْتِيبِ إِذَا وَفَّى بِالشَّرْطِ.
أَمَّا إِذَا نَسِيَ صَلَاتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَمْسِ مَرَّتَيْنِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ: يَجِبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَيَمُّمٌ، فَيَتَيَمَّمُ عَشْرَ تَيَمُّمَاتٍ.
وَعَلَى الصَّحِيحِ: يَكْفِيهِ تَيَمُّمَانِ يُصَلِّي بِكُلِّ وَاحِدٍ الْخَمْسَ، وَلَا يَكْتَفِي بِثَمَانِ صَلَوَاتٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَنْسِيَّيْنِ، صُبْحَيْنِ أَوْ عِشَاءَيْنِ، وَمَا صَلَّاهُمَا إِلَّا مَرَّةً مَرَّةً.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، هَلِ الْفَائِتَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، أَمْ مُتَّفِقَتَانِ؟ فَيَلْزَمُهُ الْأَحْوَطُ، وَهُوَ أَنَّهُمَا مُتَّفِقَتَانِ.
أَمَّا إِذَا تَرَكَ صَلَاةً مَفْرُوضَةً، أَوْ طَوَافًا مَفْرُوضًا، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ، فَيَأْتِي بِطَوَافٍ، وَبِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الضَّعِيفِ: بِسِتِّ تَيَمُّمَاتٍ، وَلَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا بِتَيَمُّمٍ، ثُمَّ أَرَادَ إِعَادَتَهَا مَعَ جَمَاعَةٍ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، جَازَ إِنْ قُلْنَا: الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ.
وَكَذَا إِنْ قُلْنَا: الْفَرْضُ إِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، كَالْمَنْسِيَّةِ.
وَلَوْ صَلَّى الْفَرْضَ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى وَجْهٍ، يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ، وَأَرَادَ الْقَضَاءَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْفَرْضُ الْأَوَّلُ جَازَ.
وَإِنْ قُلْنَا: الثَّانِي أَوْ كِلَاهُمَا فَرْضٌ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي إِذَا قُلْنَا: الثَّانِيَةُ فَرْضٌ أَنْ يَجُوزَ، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِفَرِيضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَوْ فَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ لِلْفَرْضِ، وَلَا لِلنَّفْلِ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيَكُونُ وَقْتُ الْأُولَى وَقْتًا لِلثَّانِيَةِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ فَصَلَّاهَا، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلْعَصْرِ لِيَجْمَعَهَا، فَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ قَبْلَ فِعْلِهَا، بَطَلَ الْجَمْعُ وَالتَّيَمُّمُ.
وَوَقْتُ الْفَائِتَةِ

بِتَذَكُّرِهَا.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِمُؤَدَّاةٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَصَلَّاهَا بِهِ فِي آخِرِهِ، جَازَ قَطْعًا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ فِي (الْحَاوِي) وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ إِلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ.
وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ضَحْوَةً، فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى دَخَلَتِ الظُّهْرُ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فَائِتَةً، قِيلَ: يَسْتَبِيحُهَا بِهِ قَطْعًا.
وَقِيلَ: عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ تَعْيِينَ الْفَرِيضَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
فَإِنْ شَرَطْنَاهُ، لَمْ يَصِحَّ غَيْرُ مَا نَوَاهُ.
أَمَّا النَّوَافِلُ: فَمُؤَقَّتَةٌ وَغَيْرُهَا.
أَمَّا الْمُؤَقَّتَةُ: فَكَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْكُسُوفِ.
وَأَوْقَاتُهَا مَعْرُوفَةٌ.
وَوَقْتُ الِاسْتِسْقَاءِ، الِاجْتِمَاعُ لَهَا فِي الصَّحْرَاءِ.
وَوَقْتُ الْجِنَازَةِ: انْقِضَاءُ الْغُسْلِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمَوْتُ، عَلَى الثَّانِي، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِمُؤَقَّتَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
وَإِنْ تَيَمَّمَ لَهَا فِي وَقْتِهَا، اسْتَبَاحَهَا، وَفِي اسْتِبَاحَةِ الْفَرْضِ، الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ.
فَإِنِ اسْتَبَاحَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ تَيَمُّمُهُ فِي وَقْتِ الْفَرِيضَةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ لِفَائِتَةِ ضَحْوَةٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَقَّتَةِ، فَيَتَيَمَّمُ لَهَا كُلَّ وَقْتٍ، إِلَّا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، فِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلنَّافِلَةِ وَحْدَهَا صَحِيحٌ.
وَفِيهِ الْوَجْهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ مِنَ الْبَابِ الثَّانِي.
قُلْتُ: وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ لَا سَبَبَ لَهَا قَبْلَ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، لَمْ تَبْطُلْ بِدُخُولِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، بَلْ يَسْتَبِيحُهَا بَعْدَهُ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ أَخَذَ التُّرَابَ قَبْلَ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ مَسَحَ الْوَجْهَ فِي الْوَقْتِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ أَخْذَ التُّرَابِ مِنْ وَاجِبَاتِ

التَّيَمُّمِ، فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ شَاكًّا فِي الْوَقْتِ، وَصَادَفَهُ، لَمْ يَصِحَّ.
وَكَذَا لَوْ طَلَبَ شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، لَمْ يَصِحَّ الطَّلَبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحُكْمُ الثَّالِثُ: قَضَاءُ الصَّلَاةِ لَعُذْرٍ ضَرْبَانِ: عَامٌّ، وَنَادِرٌ.
فَالْعَامُّ: لَا قَضَاءَ مَعَهُ، كَصَلَاةِ مُسَافِرٍ مُحْدِثٍ، أَوْ جُنُبٍ بِالتَّيَمُّمِ - لِعَدَمِ مَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ.
وَفِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَوْجُهٌ.
الْأَصَحُّ: يَجِبُ التَّيَمُّمُ وَالْقَضَاءُ.
وَالثَّانِي: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَقْضِي.
وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ.
وَقَصِيرُ السَّفَرِ كَطَوِيلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ مَعَهُ قَوْلَانِ - وَكَصَلَاةِ الْمَرِيضِ بِالتَّيَمُّمِ، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ مُضْطَجِعًا، وَالصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ.
وَأَمَّا النَّادِرُ: فَقِسْمَانِ.
قِسْمٌ يَدُومُ غَالِبًا، وَقِسْمٌ لَا يَدُومُ.
فَمَا يَدُومُ يَمْنَعُ الْقَضَاءَ، كَالِاسْتِحَاضَةِ، وَسَلَسِ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيِ، وَالْجُرْحِ السَّائِلِ، وَاسْتِرْخَاءِ الْمَقْعَدِ، وَدَوَامِ خُرُوجِ الْحَدَثِ، سَوَاءً كَانَ لَهُ بَدَلٌ، أَمْ لَا.
وَمَا لَا يَدُومُ نَوْعَانِ.
نَوْعٌ مَعَهُ بَدَلٌ، وَنَوْعٌ لَا بَدَلَ مَعَهُ، فَمَا لَا بَدَلَ مَعَهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ، وَذَلِكَ صُوَرٌ.
مِنْهَا: مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، وَلَا تُرَابًا.
وَفِيهِ أَقْوَالٌ.
الْمَشْهُورُ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ.
وَالثَّانِي: تَحْرُمُ الصَّلَاةُ.
وَالثَّالِثُ: تُسْتَحَبُّ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى هَذَيْنِ.
وَالرَّابِعُ: تَجِبُ الصَّلَاةُ بِلَا قَضَاءٍ، وَإِذَا قُلْنَا: يُصَلِّي، لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَلَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَلَا وَطْءُ الْحَائِضِ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ فِي الصَّلَاةِ، بَطَلَتْ.
وَمِنْهَا: الْمَرْبُوطُ عَلَى خَشَبَةٍ، وَمَنْ شُدَّ وَثَاقُهُ بِالْأَرْضِ، يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ وَيُعِيدُ.
وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ.
إِنْ صَلَّى مُسْتَقْبَلًا الْقِبْلَةَ، لَمْ يُعِدْ، وَإِلَّا عَادَ.
قَالَ: وَكَذَا الْغَرِيقُ يُصَلِّي عَلَى خَشَبَةٍ بِالْإِيمَاءِ.
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ نَحْوَهُ.
وَمِنْهَا: مَنْ عَلَى جُرْحِهِ نَجَاسَةٌ يَخَافُ التَّلَفَ مِنْ غَسْلِهَا، أَوْ حُبِسَ فِي

مَوْضِعٍ وَصَلَّى فِيهِ عَلَى النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ، فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِي الْقَدِيمِ: لَا يَجِبُ إِعَادَةُ صَلَاةٍ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلَّةً.
وَأَمَّا مَا مَعَهُ بَدَلٌ فَصُوَرٌ: مِنْهَا: الْمُقِيمُ إِذَا تَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لَإِنَّ فَقْدَ الْمَاءِ فِي الْإِقَامَةِ نَادِرٌ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُسَافِرِ، لَإِنَّ فَقْدَ الْمَاءِ فِيهِ يَعُمُّ.
هَذَا هُوَ الضَّابِطُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَلَيْسَ مَخْصُوصًا بِالسَّفَرِ، أَوِ الْإِقَامَةِ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ فِي مَفَازَةٍ، أَوْ مَوْضِعٍ يُعْدَمُ فِيهِ الْمَاءُ غَالِبًا، وَطَالَتْ إِقَامَتُهُ وَصَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ، فَلَا إِعَادَةَ.
وَلَوْ دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي طَرِيقِهِ قَرْيَةً، وَعُدِمَ الْمَاءُ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُ السَّفَرِ بَاقِيًا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْحَابِ: الْمُقِيمُ يَقْضِي، وَالْمُسَافِرُ لَا يَقْضِي، فَمُرَادُهُمْ: الْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ، وَحَقِيقَتُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَمِنْهَا: التَّيَمُّمُ لِعُذْرٍ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعُضْوِ سَاتِرٌ مِنْ جَبِيرَةٍ، أَوْ لُصُوقٍ، فَلَا إِعَادَةَ.
وَإِنْ كَانَ سَاتِرٌ مِنْ جَبِيرَةٍ وَنَحْوِهَا، فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
الْأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ، فَلَا إِعَادَةَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ.
وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: يُعِيدُ.
وَقَالَ ابْنُ الْوَكِيلِ مِنْ أَصْحَابِنَا: الْخِلَافُ إِذَا لَمْ يَتَيَمَّمْ.
أَمَّا إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ التَّيَمُّمُ، فَتَيَمَّمَ، فَلَا إِعَادَةَ قَطْعًا.
وَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْخِلَافِ مُطْلَقًا.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْجَبِيرَةُ عَلَى مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ، أَعَادَ بِلَا خِلَافٍ.
وَمِنْهَا: التَّيَمُّمُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ.
وَالثَّانِي: لَا.
وَالثَّالِثُ: يَجِبُ عَلَى الْحَاضِرِ دُونَ الْمُسَافِرِ.
أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ وَوَجْهٌ.
وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: يُصَلِّي قَائِمًا وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَالثَّانِي: يُصَلِّي قَاعِدًا.
وَهَلْ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَمْ يُومِئُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ حُبِسَ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ، لَوْ سَجَدَ لَسَجَدَ عَلَى نَجَاسَةٍ.
وَفِيمَا لَوْ

وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا لَوْ فَرَشَهُ عَلَى النَّجَاسَةِ، لَبَقِيَ عَارِيًا.
وَفِيمَا لَوْ وَجَدَ الْعَارِي ثَوْبًا نَجِسًا، هَلْ يُصَلِّي فِيهِ، أَمْ عَارِيًا؟ ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: الْعُرْيَانُ لَا يُتِمُّ الْأَرْكَانَ، أَعَادَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ خِلَافُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا.
وَإِنْ قُلْنَا: يُتِمُّهَا، فَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
سَوَاءً كَانَ فِي السَّفَرِ أَوِ الْحَضَرِ مِمَّنْ يَعْتَادُ الْعُرْيَ، أَوْ مِمَّنْ لَا يَعْتَادُ الْعُرْيَ.
وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَعْتَادُ الْعُرْيَ.
قُلْتُ: وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَرِيضُ مَنْ يُحَوِّلُهُ لِلْقِبْلَةِ، لَزِمَهُ الصَّلَاةُ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَهُوَ شَاذٌّ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: ثُمَّ مَا حَكَمْنَا مِنَ الْأَعْذَارِ: بِأَنَّهُ دَائِمٌ، وَأَسْقَطْنَا بِهِ الْفَرْضَ فَزَالَ بِسُرْعَةٍ، فَهُوَ كَدَائِمٍ، وَمَا حَكَمْنَا أَنَّهُ لَا يَدُومُ فَدَامَ، فَلَهُ حُكْمُ مَا لَمْ يَدُمْ إِلْحَاقًا لِشَاذِّ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ.
ثُمَّ كُلُّ صَلَاةٍ أَوْجَبْنَاهَا فِي الْوَقْتِ، وَأَوْجَبْنَا إِعَادَتَهَا، فَهَلِ الْفَرْضُ الْأُولَى، أَمِ الثَّانِيَةُ، أَمْ كِلَاهُمَا، أَمْ إِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الثَّانِيَةُ.
وَعِنْدَ الْقَفَّالِ وَالْفُورَانِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ: كِلَاهُمَا، وَهُوَ أَفْقَهُ، فَإِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِمَا - وَهَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ لَا يُسْتَحَبُّ (فِيهَا) تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَذْهَبِ - وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَفِي الْمُسْتَظْهَرِيِّ: وَجْهَانِ.
وَيُتَصَوَّرُ فِي مَرِيضٍ وَجَرِيحٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ تَيَمَّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، إِذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى فَرْضًا ثُمَّ أَرَادَ نَفْلًا، وَيُتَصَوَّرُ فِي مُتَيَمِّمٍ لِعَدَمِ الْمَاءِ إِذَا صَلَّى فَرْضًا وَلَمْ يُفَارِقْ مَوْضِعَهُ، وَلَمْ نُوجِبْ طَلَبًا لِتَحَقُّقِهِ الْعَدَمَ أَوْ لَمْ نُوجِبْهُ ثَانِيًا.
وَحُكْمُ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ كَهُوَ فِي الْوُضُوءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، اسْتُحِبَّ مَسْحُ الْعَضُدِ.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِرْفَقٌ، اسْتَطْهَرَ حَتَّى يَعْلَمَ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُسَافِرُ عَلَى الطَّرِيقِ خَابِيَةَ مَاءٍ مُسَبَّلَةٍ، تَيَمَّمَ، وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهَا، لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُوضَعُ لِلشُّرْبِ.
ذَكَرُهُ الْمُتَوَلِّي، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ.
وَلَوْ مُنِعَ مِنَ الْوُضُوءِ إِلَّا مَنْكُوسًا، فَهَلْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّيَمُّمِ، أَمْ عَلَيْهِ غَسْلُ الْوَجْهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ.

قَالَ: وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ إِذَا امْتَثَلَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَفِي الْقَضَاءِ نَظَرٌ، لِنُدُورِهِ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ مَا ذَكَرَهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ غُصِبَ مَاؤُهُ وَلَا قَضَاءَ.
قَالَ صَاحِبُ (الْحَاوِي) وَ (الْبَحْرِ) : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ مَعَهُ مَاءٌ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفِيهِ لِبَدَنِهِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ النَّاقِصِ، لَزِمَ رُفْقَتَهُ غُسْلُهُ بِهِ، وَإِلَّا يَمَّمُوهُ.
فَإِنْ غَسَّلُوهُ بِهِ، ضَمِنُوا قِيمَتَهُ لِوَارِثِهِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ فَبَرُأَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَكَرُؤْيَةِ الْمَاءِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ عَنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ، حُرُمَ مَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْدِثٍ.
وَلَا يَحْرُمُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ فَرَأَى مَاءً، حَرُمَتِ الْقِرَاءَةُ، وَكُلُّ مَا كَانَ حَرَامًا، حَتَّى يَغْتَسِلَ.
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: لَيْسَ أَحَدٌ يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِصَلَاةِ فَرْضٍ دُونَ نَفْلٍ، إِلَّا مَنْ عُدِمَ مَاءً وَتُرَابًا، أَوْ سُتْرَةً طَاهِرَةً، أَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ

مَسْحُ الْخُفِّ وَهُوَ جَائِزٌ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لُبْسُهُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ.
فَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا فَلَبِسَ خُفَّهَا، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ، فَلَوْ نَزَعَ الْأُولَى ثُمَّ لَبِسَهَا، كَفَاهُ، وَجَازَ الْمَسْحُ بَعْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ نَزْعِهِمَا.
وَلَوْ أَدْخَلَ الرِّجْلَيْنِ سَاقَيِ الْخُفَّيْنِ بِلَا غَسْلٍ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا قَرَارَ الْخُفِّ، صَحَّ لُبْسُهُ، وَجَازَ الْمَسْحُ.
وَلَوْ لَبِسَ مُتَطَهِّرًا، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِ الرِّجْلِ قَدَمَ الْخُفِّ، أَوْ مَسَحَ بِشَرْطِهِ، ثُمَّ أَزَالَ الْقَدَمَ مِنْ مَقَرِّهَا وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضُ شَيْءٌ، فَفِي الصُّورَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الصَّحِيحُ: جَوَازُ الْمَسْحِ فِي الثَّانِيَةِ، وَمَنْعُهُ فِي الْأُولَى.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ

فِيهِمَا.
وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ فِيهِمَا.
وَلَوْ لَبِسَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ عَلَى وُضُوئِهَا، ثُمَّ أَحْدَثَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ مَسْحُهَا لِضَعْفِ طَهَارَةِ لُبْسِهَا.
وَالصَّحِيحُ: الْمَنْصُوصُ جَوَازُهُ.
فَعَلَى هَذَا لَوِ انْقَطَعَ دَمُهَا، وَشُفِيَتْ قَبْلَ الْمَسْحِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَحَيْثُ جَوَّزْنَا، فَإِنَّمَا يَسْتَبِيحُ بِلُبْسِهَا الْمَسْحَ لِمَا شَاءَتْ مِنَ النَّوَافِلِ، وَلِفَرِيضَةٍ إِنْ لَمْ تَكُنْ صَلَّتْ بِوُضُوءِ اللُّبْسِ فَرِيضَةً، بِأَنْ أَحْدَثَتْ بَعْدَ وُضُوئِهَا وَلُبْسِهَا قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ تِلْكَ الْفَرِيضَةَ وَلَا غَيْرَهَا مِنَ الْفَرَائِضِ، فَإِنْ أَحْدَثَتْ بَعْدَ فِعْلِ الْفَرِيضَةِ، مَسَحَتْ، وَاسْتَبَاحَتِ النَّوَافِلَ، وَلَا تَسْتَبِيحُ فَرِيضَةً مَقْضِيَّةً، وَلَا مُؤَدَّاةً تَحْضُرُ.
فَإِنْ أَرَادَتْ فَرِيضَةً، وَجَبَ نَزْعُ الْخُفِّ، وَاسْتِئْنَافُ اللُّبْسِ بِطَهَارَةٍ.
وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهَا تَسْتَوْفِي مُدَّةَ الْمَسْحِ يَوْمًا وَلَيْلَةً حَضَرًا، وَثَلَاثَةً سَفَرًا، وَلَكِنْ تُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالْمَسْحَ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ.
وَفِي مَعْنَى طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، طَهَارَةُ سَلَسِ الْبَوْلِ، وَكُلُّ مَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ، وَكَذَا الْوُضُوءُ الْمَضْمُومُ إِلَيْهِ التَّيَمُّمُ لِجِرَاحَةٍ أَوْ كَسْرٍ، فَحُكْمُهُمْ حُكْمُهَا بِلَا فَرْقٍ.
وَأَمَّا مَنْ مَحَّضَ التَّيَمُّمَ بِلَا وُضُوءٍ، فَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ غَيْرِ إِعْوَازِ الْمَاءِ، فَهُوَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ.
وَإِنْ كَانَ لِلْإِعْوَازِ، فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: هُوَ كَهِيَ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ أَصْلًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَلْبُوسُ صَالِحًا لِلْمَسْحِ، وَصَلَاحِيَّتُهُ بِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَسْتُرَ مَحَلَّ فَرْضِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، فَلَوْ قَصُرَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، لَمْ يَجُزْ قَطْعًا، وَفِي الْمَخْرُوقِ قَوْلَانِ.
الْقَدِيمُ: جَوَازُ الْمَسْحِ مَا لَمْ يَتَفَاحَشِ الْخَرْقُ، بِأَنْ لَا يَتَمَاسَكَ فِي الرِّجْلِ، وَلَا يَتَأَتَّى الْمَشْيُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: التَّفَاحُشُ: أَنْ يَبْطُلَ اسْمُ الْخُفِّ.
وَالْجَدِيدُ: الْأَظْهَرُ لَا يَجُوزُ إِذَا ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَإِنْ قَلَّ.
وَلَوْ تَخَرَّقَتِ الْبِطَانَةُ أَوِ الظِّهَارَةُ، جَازَ الْمَسْحُ إِنْ كَانَ الْبَاقِي صَفِيقًا، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيُقَاسُ عَلَى هَذَا مَا إِذَا تَخَرَّقَ مِنَ الظِّهَارَةِ مَوْضِعٌ، وَمِنَ الْبِطَانَةِ مَوْضِعٌ آخَرُ لَا يُحَاذِيهِ.
أَمَّا الْخُفُّ الْمَشْقُوقُ الْقَدَمِ إِذَا شُدَّ مَحَلُّ الشَّقِّ بِالشَّرَجِ، فَإِنْ ظَهَرَ

شَيْءٌ مَعَ الشَّدِّ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ.
وَإِلَّا جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ.
فَلَوْ فَتَحَ الشَّرَجَ، بَطَلَ الْمَسْحُ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا، بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسَافِرُ فِي حَوَائِجِهِ عِنْدَ الْحَطِّ وَالتِّرْحَالِ، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْجَوَارِبِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ صُوفٍ وَلِبْدٍ، وَكَذَا الْجَوَارِبُ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْجِلْدِ الَّذِي يُلْبَسُ مَعَ الْمُكَعَّبِ، وَهِيَ جَوَارِبُ الصُّوفِيَّةِ، لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهَا، وَيَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ إِنْ شَرَطْنَاهُ، إِمَّا لِصَفَاقَتِهَا، وَإِمَّا لِتَجْلِيدِ الْقَدَمَيْنِ وَالنَّعْلِ عَلَى الْأَسْفَلِ، أَوِ الْإِلْصَاقِ عَلَى الْمُكَعَّبِ.
وَقِيلَ: فِي اشْتِرَاطِ تَجْلِيدِ الْقَدَمِ مَعَ صَفَاقَتِهَا قَوْلَانِ.
وَلَوْ تَعَذَّرَ الْمَشْيُ فِيهِ لِسَعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ، أَوْ ضِيقِهِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ تَعَذَّرَ لِغِلَظِهِ، أَوْ ثِقَلِهِ، كَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ، أَوْ لِتَحْدِيدِ رَأْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَجُزْ.
وَلَوِ اتَّخَذَ لَطِيفًا مِنْ خَشَبٍ، أَوْ حَدِيدٍ يَتَأَتَّى الْمَشْيُ فِيهِ، جَازَ قَطْعًا.
وَلَوْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُفِّ، بِأَنْ لَفَّ عَلَى رِجْلِهِ قِطْعَةَ أَدَمٍ وَشَدَّهَا، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: - فِي أَوْصَافَ مُخْتَلَفٍ فِيهَا - فَالْخُفُّ الْمَغْصُوبُ، وَالْمَسْرُوقُ، وَخُفُّ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْخُفُّ مِنْ جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ مَيْتَةٍ قَبْلَ الدِّبَاغِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قَطْعًا، لَا لِمَسِّ مُصْحَفٍ وَلَا لِغَيْرِهِ.
وَلَوْ وُجِدَتْ فِي الْخُفِّ شَرَائِطُهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ الْجَوَازَ.
قُلْتُ: وَلَوْ لَبِسَ وَاسِعَ الرَّأْسِ يَرَى مِنْ رَأْسِهِ الْقَدَمَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيَجُوزُ عَلَى خُفٍّ زُجَاجٍ قَطْعًا إِذَا أَمْكَنَ مُتَابِعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ الْجُرْمُوقُ: هُوَ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ غَالِبًا.
فَإِذَا لَبِسَ خُفًّا فَوْقَ خُفٍّ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَعْلَى صَالِحًا لِلْمَسْحِ عَلَيْهِ دُونَ الْأَسْفَلِ، لِضَعْفِهِ، أَوْ لِخَرْقِهِ، فَالْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى خَاصَّةً.
الثَّانِي: عَكْسُهُ، فَالْمَسْحُ عَلَى الْأَسْفَلِ خَاصَّةً.
فَلَوْ مَسَحَ الْأَعْلَى فَوَصَلَ الْبَلَلُ إِلَى الْأَسْفَلِ، فَإِنْ قَصَدَ مَسْحَ الْأَسْفَلِ، أَجْزَأَهُ.
وَكَذَا إِنْ قَصْدَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنْ قَصَدَ الْأَعْلَى، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا، بَلْ قَصَدَ الْمَسْحَ فِي الْجُمْلَةِ، أَجْزَأَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِقَصْدِهِ إِسْقَاطَ فَرَضِ الرِّجْلِ بِالْمَسْحِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَصْلُحَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَتَعَذَّرُ الْمَسْحُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَصْلُحَا كِلَاهُمَا، فَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ قَوْلَانِ: الْقَدِيمُ جَوَازُهُ، وَالْجَدِيدُ: مَنْعُهُ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْجَدِيدُ، وَصَحَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ (الْفُرُوعِ) الْقَدِيمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِيهِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ.
أَظْهَرُهَا: أَنَّ الْجُرْمُوقَ بَدَلٌ عَنِ الْخُفِّ، وَالْخُفُّ بَدَلٌ عَنِ الرِّجْلِ.
وَالثَّانِي: الْأَسْفَلُ كَلِفَافَةٍ، وَالْأَعْلَى هُوَ الْخُفُّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، فَالْأَعْلَى ظِهَارَةٌ، وَالْأَسْفَلُ بِطَانَةٌ.
وَتَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَعَانِي مَسَائِلُ.
مِنْهَا: لَوْ لَبِسَهُمَا مَعًا عَلَى طَهَارَةٍ فَأَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْأَسْفَلِ، جَازَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الْآخَرَيْنِ.
وَمِنْهَا: لَوْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَالْأَعْلَى عَلَى حَدَثٍ، فَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْأَعْلَى طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ.
وَأَصَحُّهُمَا فِيهِ وَجْهَانِ.
إِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ

وَالثَّانِي: لَمْ يَجُزْ.
وَبِالثَّالِثِ: يَجُوزُ.
فَلَوْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ بِطَهَارَةٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَمَسَحَهُ، ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ، فَهَلْ يَجُوزُ مَسْحُهُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُبْنَى عَلَى الْمَعَانِي إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَوِ الثَّالِثِ جَازَ.
وَبِالثَّانِي: لَا يَجُوزُ.
وَقِيلَ: يُبْنَى الْجَوَازُ عَلَى هَذَا الثَّانِي، عَلَى أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: يَرْفَعُ، جَازَ، وَإِلَّا فَلَا.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْبِنَاءِ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ.
وَإِذَا جَوَّزْنَا مَسْحَ الْأَعْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ إِحْدَاثِ أَوَّلِ لُبْسِهِ الْأَسْفَلَ، وَفِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَسْفَلِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَمِنْهَا: لَوْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ عَلَى حَدَثٍ، وَغَسَلَ رِجْلَهُ فِيهِ، ثُمَّ لَبِسَ الْأَعْلَى عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، فَلَا يَجُوزُ مَسْحُ الْأَسْفَلِ قَطْعًا، وَلَا مَسْحُ الْأَعْلَى إِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، أَوِ الثَّالِثِ.
وَبِالثَّانِي يَجُوزُ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلَيْنِ جَمِيعًا، أَوْ نَزَعَهُ مِنْهُمَا بَعْدَ مَسْحِهِ وَبَقِيَ الْأَسْفَلُ بِحَالِهِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، لَمْ يَجِبْ نَزْعُ الْأَسْفَلِ، بَلْ يَجِبُ مَسْحُهُ، وَهَلْ يَكْفِيهِ مَسْحُهُ أَمْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نَازِعِ الْخُفَّيْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، وَجَبَ نَزْعُ الْأَسْفَلِ أَيْضًا وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ.
وَفِي اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ الْقَوْلَانِ، فَحَصَلَ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: لَا يَجِبُ شَيْءٌ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ مَسْحُ الْأَسْفَلِ فَقَطْ.
وَالثَّالِثُ: يَجِبُ الْمَسْحُ وَاسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ.
وَالرَّابِعُ: يَجِبُ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ.
وَالْخَامِسُ: يَجِبُ ذَلِكَ مَعَ اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ نَزَعَهُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، وَجَبَ نَزْعُ الْأَسْفَلِ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الرِّجْلِ، وَوَجَبَ نَزْعُهُمَا مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى، وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ.
وَفِي اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ الْقَوْلَانِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ نَزْعُ الْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، كَمَنْ نَزَعَ إِحْدَى الْخُفَّيْنِ.
فَإِذَا نَزَعَهُ، عَادَ الْقَوْلَانِ: فِي أَنَّهُ (هَلْ) يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ، أَمْ يَكْفِيهِ مَسْحُ الْأَسْفَلِ؟ وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ الثَّانِي.

وَفِي وَاجِبِهِ الْقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَسْحُ الْأَسْفَلِ الَّذِي نَزَعَ أَعْلَاهُ.
وَالثَّانِي اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ، وَمَسْحُ هَذَا الْأَسْفَلِ، وَالْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى.
وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ مِنْهُمَا، لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمَعَانِي كُلِّهَا.
فَإِنْ تَخَرَّقَ مِنْ إِحْدَاهُمَا، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، وَجَبَ نَزْعُ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى، لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) وَغَيْرِهِ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا إِذَا تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَقَدْ حَكُوا وَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ نَزْعِهِ مِنَ الْأُخْرَى، فَلْيُحْكَمْ بِطَرْدِهِمَا هُنَا.
ثُمَّ إِذَا نَزَعَ، فَفِي وَاجِبِهِ الْقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَسْحُ الْخُفِّ الَّذِي نُزِعَ الْأَعْلَى مِنْ فَوْقِهِ.
وَالثَّانِي: اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَالْمَسْحِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَعْلَى الَّذِي تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ تَحْتَهُ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ وَالْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلَيْنِ، أَوْ مِنْ إِحْدَاهُمَا، لَزِمَ نَزْعُ الْجَمِيعِ عَلَى الْمَعَانِي كُلِّهَا، لَكِنْ إِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ، وَكَانَ الْخَرْقَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ غَيْرِ مُتَحَاذِيَيْنِ، لَمْ يَضُرَّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنْ رِجْلٍ، وَالْأَسْفَلُ مِنَ الْأُخْرَى، فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، نَزَعَ الْأَعْلَى الْمُتَخَرِّقَ، وَأَعَادَ مَسْحَ مَا تَحْتَهُ.
وَهَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ، أَمْ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ مَاسِحًا عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِ مَسْحِ الْجُرْمُوقِ.
فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَهُمَا وَمَسَحَ الْخُفَّ الْأَسْفَلَ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلَانِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ التَّخَرُّقِ عَلَى طَهَارَةِ لُبْسِهِ الْأَسْفَلَ، مَسَحَ الْأَعْلَى، لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا لِخُرُوجِ الْأَسْفَلِ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْمَسْحِ.
وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا، لَمْ يَجُزْ مَسْحُ الْأَعْلَى، كَاللُّبْسِ عَلَى حَدَثٍ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةِ مَسْحٍ، فَوَجْهَانِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّفْرِيعِ عَلَى الْقَدِيمِ.
أَمَّا إِذَا لَبِسَ جُرْمُوقًا فِي رِجْلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْخُفِّ فِي الْأُخْرَى، فَعَلَى الْجَدِيدِ: لَا يَجُوزُ مَسْحُ الْجُرْمُوقِ.
وَعَلَى الْقَدِيمِ: يُبْنَى عَلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ فِي خُفٍّ، وَغَسْلُ الرِّجْلِ الْأُخْرَى.
وَعَلَى الثَّالِثِ يَجُوزُ، وَكَذَا عَلَى الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ.

قُلْتُ: وَإِذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ، فَكَذَا إِذَا لَبِسَ ثَانِيًا وَثَالِثًا.
وَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ فَوْقَ الْجَبِيرَةِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ أَمَّا أَقَلُّهُ، فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ مِنْ مَحَلِّ فَرْضِ الْغَسْلِ فِي الرِّجْلِ، إِلَّا أَسْفَلَهَا، فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ.
وَإِلَّا الْعَقِبَ، فَلَا يُجْزِئُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: هُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنَ الْأَسْفَلِ، وَقِيلَ: أَوْلَى بِالْمَنْعِ.
قُلْتُ: وَحَرْفُ الْخُفِّ كَأَسْفَلِهِ.
قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْأَكْمَلُ: فَمَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ اسْتِيعَابُ جَمِيعِهِ سُنَّةً عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْعَقِبِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: قَطْعًا.
وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الْمَسْحِ عَلَى أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَيُجْزِئُ غَسْلُ الْخُفِّ عَنْ مَسْحِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ يُكْرَهُ.
وَيُكْرَهُ أَيْضًا تَكْرَارُ الْمَسْحِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا كَالرَّأْسِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَتَعَيَّنُ الْيَدُ لِلْمَسْحِ، بَلْ يَجُوزُ بِخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ وَلَمْ يُمِرَّهَا، أَوْ قَطَّرَ الْمَاءَ عَلَيْهِ، أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّأْسِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي حُكْمِ الْمَسْحِ يُبَاحُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ لِلصَّلَاةِ، وَسَائِرِ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْوُضُوءِ.
وَلَهُ الْمَسْحُ إِلَى إِحْدَى غَايَاتٍ أَرْبَعٍ: الْأُولَى: مُضِيُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْجَدِيدِ.
وَفِي الْقَدِيمِ: يَجُوزُ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ.
وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْجَدِيدِ.
وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ.
وَأَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ الْمُقِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنَ الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ، سِتُّ صَلَوَاتٍ إِنْ لَمْ يَجْمَعْ.
فَإِنْ جَمَعَ لِمَطَرٍ، فَسَبْعٌ، وَالْمُسَافِرُ سِتَّ عَشْرَةَ، وَبِالْجَمْعِ سَبْعَ عَشْرَةَ.
وَأَمَّا الْمَقْضِيَّاتُ فَلَا تَنْحَصِرُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ طَوِيلًا، وَغَيْرَ مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ قَصُرَ سَفَرُهُ، مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً، مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَمْسَحُ شَيْئًا.
وَيُجْزِئُ الْوَجْهَانِ فِي الْعَاصِي بِالْإِقَامَةِ، كَالْعَبْدِ الْمَأْمُورِ بِالسَّفَرِ إِذَا أَقَامَ.
فَرْعٌ إِذَا لَبِسَ الْخُفَّ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ، وَمَسَحَ فِي السَّفَرِ، مَسَحَ مَسْحَ مُسَافِرٍ، سَوَاءً كَانَ أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ، أَمْ لَا، وَسَوَاءً سَافَرَ بَعْدَ الْحَدَثِ وَخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَمْ لَا، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: إِنْ أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ، مَسَحَ مَسْحَ مُقِيمٍ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي الْحَضَرِ وَلَمْ يُصَلِّ، ثُمَّ سَافَرَ، مَسَحَ مَسْحَ مُقِيمٍ.
أَمَّا إِذَا مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، فَيُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
وَالِاعْتِبَارُ فِي الْمَسْحِ بِتَمَامِهِ، فَلَوْ مَسَحَ إِحْدَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ وَمَسَحَ الْآخَرَ فِي السَّفَرِ، فَلَهُ مَسْحُ مُسَافِرٍ، لِأَنَّهُ تَمَّ مَسْحُهُ فِي السَّفَرِ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل