كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فِيهِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى تَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ:
الدَّعْوَى وَجَوَابُهَا، وَالْيَمِينُ، وَالْبَيِّنَةُ وَالنُّكُولُ، فَهَذِهِ خَمْسَةٌ، وَالسَّادِسُ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأُصُولِ، وَالسَّابِعُ فِي دَعْوَى النَّسَبِ، وَإِلْحَاقِ الْقَائِفِ.
الْأَوَّلُ فِي الدَّعْوَى، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا فِي أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مَتَى يَحْتَاجُ إِلَى الْمُرَافَعَةِ وَالدَّعْوَى، كَالْحَقِّ إِذَا كَانَ عُقُوبَةً كَالْقَصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، اشْتُرِطَ رَفْعُهُ إِلَى الْقَاضِي، لِعِظَمِ خَطَرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَالًا، فَهُوَ عَيْنٌ، أَوْ دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَإِنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِرْدَادِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ فِتْنَةٍ أُشْغِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنَ الرَّفْعِ.
وَأَمَّا الدَّيْنُ فَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ مُقِرًّا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنَ الْأَدَاءِ طَالَبَهُ لِيُؤَدِّيَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ فِي تَعْيِينِ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إِلَى مَنْ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَالَفَ وَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ وَجَبَ ضَمَانُهُ، فَإِنِ اتَّفَقَا جَاءَ خِلَافَ التَّقَاصِّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ تَحْصِيلٌ مِنْهُ بِالْقَاضِي، وَإِمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ كَانَ مُنْكِرًا، وَلَا بَيِّنَةَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ جِنْسَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ إِنْ ظَفَرَ بِهِ، وَلَا يَأْخُذَ غَيْرَ الْجِنْسِ مَعَ ظَفْرِهِ بِالْجِنْسِ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا غَيْرَ الْجِنْسِ، جَازَ الْأَخْذُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْحَقِّ بِالْقَاضِي بِأَنْ كَانَ مُقِرًّا مُمَاطِلًا، أَوْ مُنْكِرًا عَلَيْهِ وَلَهُ بَيِّنَةٌ، أَوْ كَانَ يَرْجُو إِقْرَارَهُ لَوْ
حَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَهَلْ يَسْتَقِلُّ بِالْأَخْذِ أَمْ يَجِبُ الرَّفْعُ إِلَى الْقَاضِي؟
وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا جَوَازُ الِاسْتِقْلَالِ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ، وَلِأَنَّ فِي الْمُرَافَعَةِ مَشَقَّةً وَمُؤْنَةً، وَتَضْيِيعَ زَمَانٍ.
وَمَتَى جَازَ لِلْمُسْتَحِقِّ الْأَخْذُ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَالِ إِلَّا بِكَسْرِ الْبَابِ، وَنَقْبِ الْجِدَارِ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَضْمَنُ مَا فَوَّتَهُ، كَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِ الصَّائِلِ إِلَّا بِإِتْلَافِ مَالِهِ، فَأَتْلَفَهُ لَا يَضْمَنُ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ وَهُوَ شَاذٌّ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ فَلَهُ تَمَلُّكُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّمَلُّكُ.
وَقِيلَ: يَتَمَلَّكُ قَدْرَ حَقِّهِ، وَيَسْتَقِلُّ بِالْمُعَاوَضَةِ لِلضَّرُورَةِ، كَمَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَ أَخْذِهِ الْجِنْسَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ هَلْ يَرْفَعُهُ إِلَى الْقَاضِي لِيَبِيعَهُ، أَمْ يَسْتَقِلُّ بِبَيْعِهِ؟ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ الِاسْتِقْلَالُ، هَذَا إِنْ كَانَ الْقَاضِي جَاهِلًا بِالْحَالِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِلْآخِذِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الرَّفْعَ إِلَى الْقَاضِي، فَهَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ، أَوْ يُفَوِّضَهُ إِلَى غَيْرِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَفِي طَرِيقَةٍ عِنْدَ الرَّفْعِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَبِيعُهُ الْقَاضِي بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ، وَهَذَا يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَجْوِيزِ الْبَيْعِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْبَيِّنَةِ.
وَالثَّانِي: يُوَاطِئُ رَجُلًا يُقِرُّ لَهُ بِالْحَقِّ،
وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْأَدَاءِ، وَيُقِرُّ لَهُ الْأَخْذَ بِالْمَالِ حَتَّى يَبِيعَهُ الْقَاضِي، وَهَذَا إِرْشَادٌ إِلَى الْكَذِبِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَيَضْعُفُ وُجُوبُ الرَّفْعِ.
ثُمَّ عِنْدَ الْبَيْعِ إِنْ كَانَ الْحَقُّ مِنْ جِنْسِ نَقْدِ الْبَلَدِ بِيعَ الْمَأْخُوذُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ ظَفَرَ بِثَوْبٍ وَالدَّيْنُ حِنْطَةٌ بِيعَ الثَّوْبُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِهِ حِنْطَةً.
وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ مُحَقِّقِي الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ غَيْرَ الْحِنْطَةِ بِالثَّوْبِ، وَلَا يُوَسَّطُ النَّقْدُ بَيْنَهُمَا، وَهَلْ يَكُونُ الْمَأْخُوذُ مَضْمُونًا عَلَى الْآخِذِ حَتَّى لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوِ التَّمَلُّكِ، يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِهِ أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِغَرَضِهِ، كَالْمُسْتَامِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يُسَلِّطْهُ.
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ نُبَادِرَ إِلَى الْبَيْعِ بِحَسِبِ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ قَصُرَ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ ضَمِنَ النُّقْصَانَ، وَلَوِ انْخَفَضَتِ الْقِيمَةُ، وَارْتَفَعَتْ، وَتَلِفَ، فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِالْأَكْثَرِ، وَلَوِ اتَّفَقَ رَدُّ الْعَيْنِ، لَمْ يَضْمَنْ نَقْصَ الْقِيمَةِ كَالْغَاصِبِ، وَلَوْ بَاعَهُ وَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، ثُمَّ قَضَى الْمُسْتَحِقُّ دَيْنَهُ، فَفِيمَا عُلِّقَ عَنِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ قِيمَةَ الْمَأْخُوذِ، كَمَا إِذَا ظَفِرَ الْمَالِكُ بِغَيْرِ جِنْسِ الْمَغْصُوبِ مِنْ مَالِ الْغَاصِبِ، فَأَخَذَهُ، وَبَاعَهُ، ثُمَّ رَدَّ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ، فَإِنَّ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ مَا أَخَذَهُ وَبَاعَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَرُدَّ شَيْئًا وَلَا يُعْطِيَ شَيْئًا.
فَرْعٌ
لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْعَيْنِ الْمَأْخُوذَةِ، فَإِنِ انْتَفَعَ لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
فَرْعٌ
لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ إِذَا أَمْكَنَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَادَ فَالزِّيَادَةُ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بِأَنْ لَمْ يَظْفَرْ إِلَّا بِمَتَاعٍ يَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى
قَدْرِ حَقِّهِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ قَدْرَ حَقِّهِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا، فَكَذَا الزِّيَادَةُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَكُونُ مَضْمُونًا لَمْ يَضْمَنِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَزَّأُ بَاعَ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ، وَسَعَى فِي رَدِّ الْبَاقِي إِلَيْهِ بِهِبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى بَيْعِ الْبَعْضِ بِمَا هُوَ حَقُّهُ، بَاعَهُ وَسَعَى فِي رَدِّ الْبَاقِي إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ بَاعَ الْجَمِيعَ، وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ قَدْرَ حَقِّهِ، وَحَفِظَ الْبَاقِي إِلَى أَنْ يَرُدَّهُ.
فَرْعٌ
حَقُّهُ دَرَاهِمُ صِحَاحٌ، فَظَفِرَ بِمُكَسَّرَةٍ، فَلَهُ أَخْذُهَا، وَتَمَلُّكُهَا بِحَقِّهِ، وَلَوِ اسْتَحَقَّ مُكَسَّرَةً، فَظَفِرَ بِصِحَاحٍ، فَالْمَذْهَبُ جَوَازُ الْأَخْذِ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْخِلَافُ فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ، وَإِذَا أَخَذَهَا فَلَيْسَ لَهُ تَمَلُّكُهَا، وَلَا يَشْتَرِي بِهَا مُكَسَّرَةً لَا مُتَفَاضِلًا لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّبَا، وَلَا مُتَسَاوِيًا لِأَنَّهُ يُجْحِفُ بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ، لَكِنْ يَبِيعُ صِحَاحَ الدَّرَاهِمِ بِدَنَانِيرَ، وَيَشْتَرِي بِهَا دَرَاهِمَ مُكَسَّرَةً وَيَتَمَلَّكُهَا.
فَرْعٌ
شَخْصَانِ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَيْهِ، فَفِي حُصُولِ التَّقَاصِّ أَقْوَالٌ مَشْهُورَةٌ فِي كِتَابِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْصُلُ التَّقَاصُّ، فَجَحَدَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَهَلْ لِلْآخَرِ جَحْدُهُ، لِيَحْصُلَ التَّقَاصُّ لِلضَّرُورَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
فَرْعٌ
كَمَا يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ الْجَاحِدِ، أَوِ الْمُمَاطِلِ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ غَرِيمِ الْغَرِيمِ، بِأَنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو دَيْنٌ، وَلِعَمْرٍو عَلَى
بَكْرٍ مِثْلُهُ، يَجُوزُ لِزَيْدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ بَكْرٍ بِمَالِهِ عَلَى عَمْرٍو، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ رَدُّ عَمْرٍو، وَإِقْرَارُ بَكْرٍ وَلَا جُحُودُ بَكْرٍ اسْتِحْقَاقَ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو.
فَرْعٌ
جَحَدَ دَيْنَهُ، وَلَهُ عَلَيْهِ صَكٌّ بِدَيْنٍ آخَرَ قَدْ قَبَضَهُ، وَشُهُودُ الصَّكِّ لَا يَعْلَمُونَ الْقَبْضَ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ: لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ، وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، وَيَقْبِضَهُ بِدَيْنِهِ الْآخَرِ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي سَعْدٍ وَلَوْ حَدَثَتْ مِنَ الْمَأْخُوذِ زِيَادَةٌ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ حَيْثُ جَوَّزَ أَوْ قَبِلَ بَيْعَهُ، فَهِيَ عَلَى مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي حَدِّ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِقُوَّةِ جَانِبِهِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ مُسْتَنْبَطَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ إِسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مَنْ يَدَّعِي أَمْرًا خَفِيًّا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ.
وَالثَّانِي: الْمُدَّعِي مَنْ لَوْ سَكَتَ خُلِّيَ وَلَمْ يُطَالَبْ بِشَيْءٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ لَا يُخَلَّى وَلَا يَكْفِيهِ السُّكُوتُ، فَإِذَا ادَّعَى زِيدٌ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ عَمْرٍو، أَوْ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَأَنْكَرَ فَزِيدٌ هُوَ الَّذِي لَوْ سَكَتَ تَرَكَ، وَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُ خِلَافَ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ عَمْرٍو، وَفَرَاغُ يَدِهِ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَعَمْرٌو هُوَ الَّذِي لَا يَتْرُكُ، وَيُوَافِقُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ، فَزَيْدٌ مُدَّعٍ بِمُقْتَضَى الْقَوْلَيْنِ وَعَمْرٌو مُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَلَا يَخْتَلِفُ مُوجِبُهُمَا غَالِبًا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ كَمَا إِذَا أَسْلَمَ زَوْجَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقَالَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ، وَقَالَتْ: بَلْ عَلَى التَّعَاقُبِ وَلَا نِكَاحَ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُدَّعِي مَنْ لَوْ سَكَتَ تُرِكَ، فَالْمَرْأَةُ مُدَّعِيَةٌ وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ،
لِأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ لَوْ سَكَتَ؛ لِأَنَّهَا تَزْعُمُ انْفِسَاخَ النِّكَاحِ، فَيَحْلِفُ وَيَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ، فَالزَّوْجُ مُدَّعٍ؛ لِأَنَّ مَا يَزْعُمُهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَهِيَ مُدَّعًى عَلَيْهَا، فَتَحْلِفُ وَيَرْتَفِعُ النِّكَاحُ.
وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: أَسْلَمَتْ قَبْلِي، فَلِيَ النِّكَاحُ وَلَا مَهْرَ، وَقَالَتْ: بَلْ أَسْلَمْنَا مَعًا، وَهُمَا بِحَالِهِمَا، فَقَوْلُهُ فِي الْفِرَاقِ يَلْزَمُهُ، وَأَمَّا الْمَهْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَعَلَى الثَّانِي قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُتْرَكُ بِالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَزْعُمُ سُقُوطَ الْمَهْرِ، فَإِذَا سَكَتَتْ وَلَا بَيِّنَةَ جُعِلَتْ نَاكِلَةً، وَحَلَفَ وَسَقَطَ الْمَهْرُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَالْأُمَنَاءُ الَّذِينَ يُصَدَّقُونَ فِي الرَّدِّ بِيَمِينِهِمْ مُدَّعُونَ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ الرَّدَّ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، لَكِنِ اكْتُفِيَ مِنْهُمْ بِالْيَمِينِ، وَلِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا أَيْدِيَهُمْ، لِغَرَضِ الْمَالِكِ، وَقَدِ ائْتَمَنَهُمْ، فَلَا يَحْسُنُ تَكْلِيفُهُمْ بِنِيَّةِ الرَّدِّ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، فَهُمْ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الَّذِي لَوْ سَكَتَ تُرِكَ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ: وَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فِي الْمُنَازَعَةِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا فِي صُورَةِ التَّحَالُفِ، هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ
فِي حَدِّ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ، وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً مُلْزِمَةً.
الْأَوَّلُ الْعِلْمُ بِالْمُدَّعَى بِهِ، فَإِنْ كَانَ نَقْدًا اشْتُرِطَ ذِكْرُ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَقَدْرِهِ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَإِنِ اخْتَلَفَ الصِّحَاحُ وَالْمُكَسَّرَةُ بَيْنَ أَنَّهَا صِحَاحٌ أَوْ مُكَسَّرَةٌ، وَمُطْلَقُ الدِّينَارِ يَنْصَرِفُ إِلَى الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى بَيَانِ وَزْنِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَقْدٍ، نُظِرَ إِنْ كَانَ عَيْنًا وَهِيَ مِمَّا تُضْبَطُ بِالصِّفَةِ، كَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، وَصَفَهَا بِصِفَاتِ السَّلَمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقِيمَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً كَفَى الضَّبْطُ بِالصِّفَاتِ إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَوَّمَةً، اشْتُرِطَ ذِكْرُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا الْوَاجِبُ عِنْدَ التَّلَفِ.
وَإِنِ ادَّعَى سَيْفًا مُحَلًّى، اشْتُرِطَ ذِكْرُ قِيمَتِهِ، وَيُقَوِّمُهُ بِالذَّهَبِ إِنْ كَانَ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ، وَبِالْفِضَّةِ
إِنْ كَانَ مُحَلًّى بِالذَّهَبِ، فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِهِمَا، قَوَّمَهُ بِأَحَدِهِمَا لِلضَّرُورَةِ، وَفِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَغْشُوشَةِ يَدَّعِي مِائَةَ دِرْهَمٍ مِنْ نَقْدِ كَذَا قِيمَتُهَا كَذَا دِينَارًا.
أَوْ دِينَارًا مِنْ نَقْدِ كَذَا قِيمَتُهُ كَذَا دِرْهَمًا.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَلَى أَنَّ الْمَغْشُوشَ مُتَقَوَّمٌ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِثْلِيًّا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ التَّعَرُّضُ لِلْقِيمَةِ، وَفِي الْعَقَارِ يُتَعَرَّضُ لِلنَّاحِيَةِ وَالْبَلْدَةِ، وَالْمَحَلَّةِ وَالسِّكَّةِ، وَتُبَيَّنُ الْحُدُودُ، وَيُسْتَثْنَى مِنِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ صُوَرٌ:
إِحْدَاهَا: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ إِذَا طَلَبَ مُعَيَّنًا، فَأَمَّا مَنْ حَضَرَ لِيُعَيِّنَ، وَيَفْرِضَ لَهُ الْقَاضِي، كَالْمُفَوِّضَةِ تَطْلُبُ الْفَرْضَ عَلَى قَوْلِنَا: لَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ، وَالْوَاهِبُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِعْلَامُ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ: أَدِّعِي أَنَّ مُوَرِّثَكَ أَوْصَى لِي بِثَوْبٍ، أَوْ بِشَيْءٍ تُسْمَعُ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ، فَكَذَا دَعْوَاهَا، وَأَلْحَقَ مُلْحِقُونَ دَعْوَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ بِدَعْوَى الْوَصِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَازَعُ كَلَامُهُ فِيهِ، وَيَصِحُّ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ عَنِ الْمَجْهُولِ إِنْ صَحَّحْنَا الْإِبْرَاءَ عَنِ الْمَجْهُولِ.
الثَّالِثَةُ: ادَّعَى أَنَّ لَهُ طَرِيقًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَادَّعَى حَقَّ إِجْرَاءِ الْمَاءِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْلَامِ قَدْرِ الطَّرِيقِ وَالْمَجْرَى، وَيَكْفِي لِصِحَّةِ الدَّعْوَى تَحْدِيدُ الْأَرْضِ الَّتِي يَدَّعِي فِيهَا الطَّرِيقَ وَالْمَجْرَى، وَكَذَا لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَيْهَا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ: يُشْتَرَطُ إِعْلَامُ قَدْرِ الطَّرِيقِ وَالْمَجْرَى، وَقَالَ: وَكَذَا لَوْ بَاعَ بَيْتًا مِنْ دَارٍ، وَسَمَّى لَهُ طَرِيقًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهُ لَا يَصِحُّ، قَالَ الْقَاضِي: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هَذَا الْإِعْلَامُ فِي الدَّعْوَى، لَكِنْ يُؤْخَذُ عَلَى الشُّهُودِ إِعْلَامُ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ بِالذِّرَعَانِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَعْلَى شَأْنًا، فَإِنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِقُوَّةِ
إِيجَابِ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الدَّعْوَى.
وَلَوْ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي وَرَقَةً، وَحَرَّرَ فِيهَا دَعْوَاهُ، وَقَالَ: أَدَّعِي مَا فِيهَا، وَأَدَّعِي ثَوْبًا بِالصِّفَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِيهَا، فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِهِ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى وَجْهَانِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: كَوْنُهَا مُلْزَمَةٌ، فَلَوْ قَالَ: وَهَبَ لِي كَذَا أَوْ بَاعَ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَقُولَ: وَيَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِلَيَّ لِأَنَّهُ قَدْ يَهِبُ وَيَبِيعُ، وَيَنْقُضُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ هَكَذَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ أَنَّهُ يَقُولُ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ: لِي فِي ذِمَّتِهِ كَذَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنَ الْأَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَتَعَرَّضُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ فِي الْحَالِ، وَكَانَ هَذَا إِذَا قَصَدَ بِالدَّعْوَى تَحْصِيلَ الْمُدَّعَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَى دَفْعَ الْمُنَازَعَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِي وَهُوَ يَمْنَعْنِيهَا، صَحَّتِ الدَّعْوَى، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: هِيَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَازِعَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ، وَإِذَا ادَّعَى وَلَمْ يَقُلْ لِلْقَاضِي: مُرْهُ بِالْخُرُوجِ عَنْ حَقِّي، أَوْ سَلْهُ جَوَابَ دَعْوَايَ، فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْقَاضِي؟ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: الْأَصَحُّ نَعَمْ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ الْغَرَضُ مِنَ الْحُضُورِ وَإِنْشَاءِ الدَّعْوَى، قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ: الْأَصَحُّ لَا؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَلَا يُسْتَوْفَى إِلَّا بِاقْتِرَاحِهِ كَالْيَمِينِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَقْوَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعَلَى هَذَا الثَّانِي طَلَبُ الْجَوَابِ شَرْطٌ آخَرُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى، وَسَوَاءٌ شَرَطْنَا هَذَا الِاقْتِرَاحَ، أَمْ لَمْ نَشْرُطْهُ فَاقْتَرَحَهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ
يُقَالَ: يُغْنِي ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ: وَيَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِلَيَّ، وَأَنَّ مَنْ شَرْطَهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الِاقْتِرَاحُ الْمَذْكُورُ.
فَرْعٌ
لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يُعْرَفَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُعَامَلَةٌ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ طَبَقَاتِ النَّاسِ، فَتَصِحُّ دَعْوَى دَنِيءٍ عَلَى شَرِيفٍ، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنْ شَهِدَتْ قَرَائِنُ الْحَالِ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى دَعْوَاهُ، مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الدَّنِيءُ اسْتِئْجَارَ الْأَمِيرِ أَوِ الْفَقِيهِ لِعَلَفِ الدَّوَابِّ، أَوْ كَنْسِ بَيْتِهِ، وَمِثْلُهُ دَعْوَى الْمَعْرُوفِ بِالتَّعَنُّتِ، وَجَرِّ ذَوِي الْأَقْدَارِ إِلَى الْقُضَاةِ، وَتَحْلِيفِهِمْ لِيَفْتَدُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ.
فَرْعٌ
ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا، وَقَامَ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى إِقْرَارِهِ بِشَيْءٍ، أَوْ قَالَا: نَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مَالًا، وَلَا نَعْلَمُ قَدْرَهُ، فَفِي سَمَاعِ شَهَادَتِهِمَا هَكَذَا وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَيَرْجِعُ فِي التَّفْسِيرِ إِلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمُبْهَمٍ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، وَيَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ شَهِدَا بِغَصْبِ عَبْدٍ، أَوْ ثَوْبٍ، وَلَمْ يَصِفَاهُ.
فَرْعٌ
عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ: ادَّعَى دَرَاهِمَ مَجْهُولَةً لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي دَعْوَاهُ، وَيَقُولُ لَهُ: بَيِّنِ الْأَقَلَّ الَّذِي تَتَحَقَّقُهُ، وَإِنِ ادَّعَى ثَوْبًا وَلَمْ يَصِفْهُ أَيْضًا، لَمْ يُصْغَ إِلَيْهِ، بَلْ لَوْ قَالَ: هُوَ كِرْبَاسٌ وَلَمْ يَصِفْ، أَمْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ
بِالْأَقَلِّ وَهَذَا فِيهِ إِرْشَادٌ وَتَلْقِينٌ، ثُمَّ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ فِي قَدْرِ الدَّرَاهِمِ مُسْتَقِيمٌ، لَكِنَّ الْأَخْذَ بِالْأَقَلِّ مِنْ صِفَةِ ثَوْبٍ عَيَّنَهُ لَا وَجْهَ لَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَطَلَبَ مِنَ الْقَاضِي تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي عَلَى اسْتِحْقَاقِ مَا ادَّعَاهُ، لَمْ يُجِبْهُ لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ حُجَّةٍ بَعْدَ قِيَامِ حُجَّةٍ، وَلِأَنَّهُ كَطَعْنٍ فِي الشُّهُودِ، وَإِنِ ادَّعَى إِبْرَاءً أَوْ قَضَاءً فِي الدَّيْنِ، أَوْ بَيْعًا، أَوْ هِبَةً وَإِقْبَاضًا فِي الْعَيْنِ، نُظِرَ إِنِ ادَّعَى حُدُوثَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا يَقُولُهُ إِنْ مَضَى زَمَانُ إِمْكَانِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهِ.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ جَرَى قَبْلَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ، فَإِنْ لَمْ يَحْكُمِ الْقَاضِي بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِهِ، وَإِنْ حَكَمَ لَمْ يُحَلِّفْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: الشُّهُودُ فَسَقَةٌ، أَوْ كَذَبَةٌ، وَالْمُدَّعِي يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ؟ وَجْهَانِ، وَطَرْدًا فِي كُلِّ صُورَةٍ ادَّعَى مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ لِنَفْعِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُدَّعَى عَيْنَ حَقٍّ لَهُ، بِأَنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إِنَّكَ أَقْرَرْتَ لِي بِكَذَا، أَوْ قَالَ وَقَدْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الدَّعْوَى: إِنَّ الْمُدَّعِيَ حَلَّفَنِي مَرَّةً، وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ، أَوْ قَذَفَهُ، فَطَلَبَ الْحَدَّ، فَادَّعَى زِنَى الْمَقْذُوفِ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ التَّحْلِيفَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ: إِنَّ دَعْوَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ صَحِيحَةٌ، وَإِنَّ جَوَابَ الْأَكْثَرِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَذْفِ التَّحْلِيفُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ مَيِّتًا، وَأَرَادَ الْقَاذِفُ تَحْلِيفَ الْوَارِثِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ زِنَى مُوَرِّثِهِ حَلَفَ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَحْكِيَّةٌ عَنِ النَّصِّ، لَكِنْ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُحَلِّفُهُ إِذَا ادَّعَى فِسْقَ الشُّهُودِ، أَوْ كَذِبَهُمْ، وَأَمَّا تَحْلِيفُ الْقَاضِي وَالشُّهُودِ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا لِارْتِفَاعِ مَنْصِبَيْهِمَا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَادَّعَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ
بَاعَهُ الْعَيْنَ الْمَدْعَاةَ، أَوْ بَاعَهَا لِبَائِعِهِ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنَ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى، فَأَنْكَرَ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُدَّعِي، وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُدَّعٍ فِيمَا ذَكَرَهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ لِيَأْتِيَ بِهَا أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يَوْمٌ فَقَطْ.
وَلَوِ ادَّعَى الْإِبْرَاءَ وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ، وَقَالَ: حَلِّفُوهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَرِّئْنِي، حَلَّفْنَاهُ، وَلَا يُكَلَّفُ تَوْفِيَةَ الدَّيْنِ أَوَّلًا، وَعَنِ الْقَاضِي وَجْهٌ أَنَّهُ يُسْتَوْفَى مِنْهُ الدَّيْنُ أَوَّلًا، ثُمَّ إِنْ شَاءَ حَلَّفَهُ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى جَدِيدَةٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَيْسَ كَمَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِ الْمُدَّعِي: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ حَيْثُ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنْهُ، وَلَا يُؤَخَّرُ إِلَى حُضُورِ الْمُوَكِّلِ وَحَلِفِهِ، لِعَظَمِ الضَّرَرِ فِي التَّأْخِيرِ وَهُنَا الْحَلِفُ مُتَيَسِّرٌ فِي الْحَالِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنَّهُ أَبْرَأَنِي مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى، فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يُبَرِّئْهُ؟ وَجْهَانِ اخْتَارَ الْقَفَّالُ وَالْغَزَالِيُّ الْمَنْعَ، وَادَّعَى الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْمَذْهَبَ التَّحْلِيفُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا دَعْوَى لَهُ عَلَيْهِ بَرِئَ.
فَرْعٌ
مُدَّعِي الدَّفْعِ إِنْ قَالَ: قَضَيْتُ أَوْ أَبْرَأَنِي فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ دَافِعَةٌ وَاسْتَفْسَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ مَا لَيْسَ بِدَافِعٍ دَافِعًا إِلَّا أَنْ يَعْرِفَ مَعْرِفَتَهُ، وَإِنَّ عَيَّنَ جِهَةً، وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ عَلَيْهَا، وَادَّعَى عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ بِلَا جِهَةٍ أُخْرَى وَاسْتَمْهَلَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُجَابَ، وَإِنِ ادَّعَى فِي الْمُدَّةِ جِهَةً أُخْرَى وَجَبَ أَنْ تُسْمَعَ.
الْخَامِسَةُ: الدَّعْوَى أَنْوَاعٌ، مِنْهَا دَعْوَى الدَّمِ، وَيُشْتَرَطُ تَفْصِيلُهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْقَسَامَةِ، وَأَمَّا دَعْوَى النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ نَكَحَ امْرَأَةً، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى
يَقُولَ: نَكَحْتُهَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنِ اكْتَفَى فِي دَعْوَى النِّكَاحِ بِالْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ التَّعَرُّضَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ، كَمَا يُكْتَفَى فِي دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ بِالْإِطْلَاقِ، وَحَمَلُوا النَّصَّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّأْكِيدِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: إِنِ ادَّعَى ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَجَبَ التَّفْصِيلُ، وَإِنِ ادَّعَى دَوَامَهُ فَلَا؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ لَا تُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ، وَأَخَذَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَأَوْجَبُوا التَّفْصِيلَ وَالتَّعَرُّضَ لِلشُّرُوطِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا؛ لِأَنَّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ لَهَا كَالدِّمَاءِ، وَالْوَطْءُ الْمُسْتَوْفَى لَا يُتَدَارَكُ كَالدَّمِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى نَفْسَ الْمَالِ فَإِنَّمَا اكْتُفِيَ بِالْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَهُ لَا تَنْحَصِرُ، فَيَشُقُّ ضَبْطُهَا، وَإِنْ كَانَ عَقْدًا عَلَى مَالٍ كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَهِبَةٍ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُشْتَرَطُ التَّفْصِيلُ، وَذِكْرُ الشُّرُوطِ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِي: إِنْ تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِجَارِيَةٍ اشْتُرِطَ احْتِيَاطًا الْبِضْعُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّالِثُ وَهُوَ أَصَحُّهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنِ النَّصِّ: لَا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَالُ وَهُوَ أَخَفُّ شَأْنًا، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِشْهَادُ بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
وَأَمَّا التَّعَرُّضُ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ لِعَدَمِ مَانِعِ النِّكَاحِ، كَالرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ وَالرِّضَاعِ، فَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا، وَلِكَثْرَتِهَا، فَإِنْ شَرَطْنَا التَّفْصِيلَ فِي النِّكَاحِ، فَيَقُولُ: نَكَحْتُهَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ.
وَيُشْتَرَطُ وَصْفُ الْوَلِيِّ وَالشَّاهِدَيْنِ بِالْعَدَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيَاسُهُ وُجُوبِ التَّعَرُّضِ لِسَائِرِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْأَوْلِيَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الشَّاهِدَيْنِ وَالْوَلِيِّ، وَالْغَرَضُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَخْلُ عَنْ وَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِرِضَا الْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ رِضَاهَا شَرْطًا، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، اشْتُرِطَ التَّعَرُّضُ لِلْعَجْزِ عَنِ الطَّوْلِ، وَلِخَوْفِ الْعَنَتِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ شَرْطَنَا التَّفْصِيلَ فِي دَعْوَى الْبَيْعِ، قَالُوا: يَقُولُ: تَعَاقَدْنَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَنَحْنُ جَائِزَا التَّصَرُّفِ، وَتَفَرَّقْنَا عَنْ تَرَاضٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى النِّكَاحِ
التَّفْصِيلُ إِنْ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِهِ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولُوا بَعْدَ تَفْصِيلِ النِّكَاحِ: وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ فَارَقَهَا، أَوْ وَهِيَ الْيَوْمَ زَوْجَتُهُ، وَالْإِقْرَارُ بِالنِّكَاحِ يَكْفِي فِيهِ الْإِطْلَاقُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقِرُّ إِلَّا عَنْ تَحَقُّقٍ، وَقِيلَ: فِي اشْتِرَاطِ التَّفْصِيلِ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِهَا، لَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَقُولُوا: وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ فَارَقَهَا، وَلِتَكُنِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ إِذَا أَوْجَبْنَا التَّفْصِيلَ فِي الْبَيْعِ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا فِي النِّكَاحِ، وَنَقَلُوا فِي اشْتِرَاطِ تَقْيِيدِ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ الْمُدَّعَيَيْنِ بِالصِّحَّةِ وَجْهَيْنِ، وَبِالِاشْتِرَاطِ أَجَابَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْوَجِيزِ» وَقَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : الْوَجْهُ الْقَطْعُ بِاشْتِرَاطِهِ فِي النِّكَاحِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْوَجْهَيْنِ مُفَرَّعَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَفْصِيلُ الشَّرَائِطِ، وَإِيرَادُ الْهَرَوِيِّ يَقْتَضِي اطِّرَادَهُمَا مَعَ اشْتِرَاطِ التَّفْصِيلِ لِيَتَضَمَّنَ ذِكْرُ الصِّحَّةِ نَفْيَ الْمَانِعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ تَارَةً تَكُونُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَتَارَةً عَلَى وَلِيِّهَا الْمُجْبَرِ، كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ تَزْوِيجِ الْوَلِيَّيْنِ الْمَرْأَةَ بِشَخْصٍ، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ قَالُوا: لَوِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ سَبْقَ نِكَاحِهِ، وَعِلْمَ الْمَرْأَةِ بِهِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ إِقْرَارَهَا بِهِ هَلْ يُقْبَلُ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمَا عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ وَهُوَ الْأَظْهَرُ سُمِعَتْ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ سَمَاعِ دَعْوَى النِّكَاحِ عَلَيْهَا أَبَدًا فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَا اقْتِصَارًا عَلَى الْأَظْهَرِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: دَعْوَى الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ إِنِ اقْتَرَنَ بِهَا حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، كَصَدَاقٍ وَنَفَقَةٍ، وَقَسَمٍ وَمِيرَاثٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، سُمِعَتْ، وَإِنْ تَمَحَّضَتْ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ، سُمِعَتْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ سُمِعَتْ، نُظِرَ، إِنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَصَرَّ عَلَى السُّكُوتِ، أَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ، فَهَلْ يَكُونُ إِنْكَارُهُ طَلَاقًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا،
فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ طَلَاقٌ سَقَطَ مَا ادَّعَتْهُ، وَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَلَوْ رَجَعَ عَنِ الْإِنْكَارِ، وَقَالَ: غَلِطْتُ فِي الْإِنْكَارِ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ إِنْكَارُهُ طَلَاقًا، فَإِنْكَارُهُ كَسُكُوتِهِ، فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَجَعَ قَبِلْنَا رُجُوعَهُ، وَسَلَّمْنَا الزَّوْجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَحَلَفَ الرَّجُلُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ إِذَا لَمْ نَجْعَلِ الْإِنْكَارَ طَلَاقًا.
وَإِنِ انْدَفَعَ النِّكَاحُ ظَاهِرًا حَتَّى يُطَلِّقَهَا أَوْ يَمُوتَ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَوْ يُفْسَخُ بِإِعْسَارِهِ، أَوِ امْتِنَاعِهِ إِذَا جَعَلْنَا الِامْتِنَاعَ مَعَ الْقُدْرَةِ مُمْكِنًا مِنَ الْفَسْخِ وَلِيَكُنْ هَذَا مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ بِنَفْسِهَا، أَمَّا إِذَا أَحْوَجْنَاهَا إِلَى الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي، فَمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ النِّكَاحُ كَيْفَ يَفْسَخُ أَوْ يَأْذَنُ فِي الْفَسْخِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْفِقَ الْحَاكِمُ بِهِ حَتَّى يَقُولَ: إِنْ كُنْتُ نَكَحْتُهَا، فَهِيَ طَالِقٌ، لِيُحِلَّ لَهَا النِّكَاحُ، وَإِنْ نَكَلَ الرَّجُلُ، حَلَفَتْ هِيَ، وَاسْتَحَقَّتِ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ.
فَرْعٌ
امْرَأَةٌ تَحْتَ رَجُلٍ ادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَيْهَا لَا عَلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ، فَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، لَمْ يُقَدِّمْ بَيِّنَةَ مَنْ هِيَ تَحْتَهُ، بَلْ هِيَ كَاثْنَيْنِ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى نِكَاحِ خَلِيَّةٍ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَتَا مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ، أَوْ مُطَلَّقَتَيْنِ، فَقَدْ تَعَارَضَتَا وَلَا يَجِيءُ قَوْلَا الْقِسْمَةِ وَالْقُرْعَةِ، وَإِنْ كَانَتَا مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، قُدِّمَتِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي سَبَقَ تَارِيخُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ هَذَا التَّعَارُضُ فِي مَالٍ، فَإِنَّ فِي التَّرْجِيحِ بِالسَّبْقِ قَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ فِي الْأَمْوَالِ غَالِبٌ دُونَ النِّكَاحِ.
وَلَوْ
قَامَتِ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى النِّكَاحِ، وَبَيِّنَةُ الْآخَرِ عَلَى إِقْرَارِهَا بِالنِّكَاحِ، فَبَيِّنَةُ النِّكَاحِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ كَذَا، وَبَيِّنَةُ الْآخَرِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَلَوْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا إِذَا زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ لِشَخْصَيْنِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ سَبْقَ نِكَاحِهِ.
فَرْعٌ
ادَّعَتْ ذَاتُ وَلَدٍ أَنَّهَا مَنْكُوحَتُهُ، وَأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ، وَسَمِعْنَا دَعْوَى النِّكَاحِ مِنْهَا، فَإِنْ أَنْكَرَ النِّكَاحَ وَالنَّسَبَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قَالَ: هَذَا وَلَدِي مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ هَذَا وَلَدِي، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالنِّكَاحِ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ وَلَدِي مِنْهَا وَجَبَ الْمَهْرُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالنِّكَاحِ، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالْمَهْرُ وَالْكِسْوَةُ، فَإِنْ قَالَ: كَانَ نِكَاحَ تَفْوِيضٍ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَرْضِ إِنْ لَمْ يَجْرِ دُخُولٌ، وَإِنْ جَرَى، فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ بِالدُّخُولِ، فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: ادَّعَى رِقَّ بَالِغٍ، فَقَالَ الْبَالِغُ: أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي اسْتَخْدَمَهُ قَبْلَ الْإِنْكَارِ، وَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ، أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ جَرَى عَلَيْهِ الْبَيْعُ مِرَارًا، وَتَدَاوَلَهُ الْأَيْدِي أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مَنْ غَيْرِهِ، وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِ الرِّقِّ، فَهَلْ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ؟ فِيهِ كَلَامٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْبَابِ الثَّانِي.
فَإِنْ قَالَ الْبَالِغُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ: إِنَّكَ أَعْتَقْتَنِي أَوْ أَعْتَقَنِي مَنْ بَاعَنِي لَكَ، طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوِ ادَّعَى رِقَّ صَغِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ، نُظِرَ إِنِ اسْتَنَدَتْ إِلَى النِّقَاطِ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ: تُقْبَلُ، وَيُحْكَمُ لَهُ بِالرِّقِّ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهَا إِلَى الِالْتِقَاطِ، صُدِّقَ وَحُكِمَ
لَهُ، كَمَا لَوِ ادَّعَى الْمِلْكَ فِي دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ فِي يَدِهِ، فَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا فَأَنْكَرَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ، وَلَا أَثَرَ لِإِنْكَارِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْبَالِغِ، وَإِذَا حَكَمْنَا لَهُ بِرِقِّهِ فِي الصَّغِيرِ، فَبَلَغَ، وَأَنْكَرَ الرِّقَّ، فَالْأَصَحُّ اسْتِمْرَارُ الرِّقِّ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ، وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ مُنْكِرُ الرِّقِّ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلَا فَرْقَ فِي جَرَيَانِ الْوَجْهَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ فِي الصَّغِيرِ مِلْكَهُ وَيَسْتَخْدِمَهُ، ثُمَّ يَبْلُغُ وَيُنْكِرُ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَجَرَّدَ الِاسْتِخْدَامُ إِلَى الْبُلُوغِ، ثُمَّ يَدَّعِي مِلْكَهُ، وَيُنْكِرُ الْمُسْتَخْدَمُ، وَالْيَدُ عَلَى الْبَالِغِ الْمُسْتَرَقِّ، وَإِنْ لَمْ يُغْنِ عَنِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ إِنْكَارِهِ، فَهِيَ غَيْرُ سَاقِطَةٍ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ اعْتِمَادُهَا فِي الشِّرَاءِ إِنْ سَكَتَ الْمُسْتَرَقُّ اكْتِفَاءً بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُسْتَرَقُّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ مَعَ سُكُوتِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ مَعَ إِنْكَارِهِ الرِّقَّ، بَلْ يُسْأَلُ، فَإِنْ أَقَرَّ، اشْتُرِيَ.
الثَّامِنَةُ: فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: لَا، إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إِلْزَامٌ وَمُطَالَبَةٌ فِي الْحَالِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَالثَّالِثُ: تُسْمَعُ إِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ لِيَسْتَحِلَّ فَيَأْمَنَ غَيْبَتَهَا وَمَوْتَهَا، وَإِلَّا فَلَا، أَوْ فِي دَعْوَى الْأَمَةِ الِاسْتِيلَادَ وَالرَّقِيقِ التَّدْبِيرَ، وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ نَاجِزَةٌ، وَالثَّانِي: عَلَى الْخِلَافِ فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، الِاسْتِيلَادُ أَوْلَاهُمَا بِالْقَبُولِ، وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي التَّدْبِيرِ إِذَا لَمْ نُجَوِّزِ الرُّجُوعَ عَنْهُ بِالْقَبُولِ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَإِنْكَارُهُ رُجُوعٌ يُبْطِلُ مَقْصُودَ الْمُدَّعِي.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ سَمَاعُ دَعْوَى الِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ، وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ ادُّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ قَبْلَ الْمَحَلِّ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ: لَا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إِلَيْكَ الْآنَ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: لَا شَيْءَ عَلَيَّ مُطْلَقًا، قَالَ الْقَفَّالُ: فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ هَلْ يُوصَفُ قَبْلَ الْحُلُولِ بِالْوُجُوبِ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ.
التَّاسِعَةُ: سَلَّمَ ثَوْبًا أَوْ غَيْرَهُ إِلَى دَلَّالٍ لِيَبِيعَهُ، فَجَحَدَهُ، وَشَكَّ فِي بَقَاءِ الثَّوْبِ، فَلَا يَدْرِي أَيُطَالِبُ بِالْعَيْنِ أَمْ بِالْقِيمَةِ، فَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الشَّكِّ، فَيَقُولُ: لِي عِنْدَهُ كَذَا، فَإِنْ بَقِيَ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ، وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ فِي الدَّعْوَى الْجَزْمُ، فَيُفْرَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُطَالَبَةِ دَعْوَى بِرَأْسِهَا، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْجَمِيعِ، وَإِنْ نَكَلَ، وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى التَّرَدُّدِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى عَلَى التَّرَدُّدِ، أَمْ يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُفْرَدُ لِكُلِّ مَطْلَبٍ دَعْوَى، فَادَّعَى مَا رَآهُ أَقْرَبَ، وَنَكَلَ الْخَصْمُ، فَنُكُولُهُ يُؤَكِّدُ ظَنَّ الْمُدَّعِي بِكَذِبِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ بِذَلِكَ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمِ اسْتِدْلَالًا بِنُكُولِهِ عَلَى كَذِبِهِ، كَمَا يُسْتَدَلُّ بِخَطِّ أَبِيهِ، وَأُجْرِيَ الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا أَنْكَرَ الْمُودَعُ التَّلَفَ، وَتَأَكَّدَ ظَنُّهُ بِنُكُولِ الْمُودَعِ هَلْ يَحْلِفُ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ ثَوْبًا، فَقَالَ: كَانَ فِي يَدِي وَهَلَكَ، فَأَغْرَمُ لَكَ الْقِيمَةَ، فَقَالَ الْمُدَّعِي لِلْحَاكِمِ: قَدْ أَقَرَّ بِالثَّوْبِ، فَحَلَّفَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيَّ، حَلَّفَهُ، فَإِنْ حَلَفَ قُنِعَ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ نَكَلَ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى بَقَاءِ الثَّوْبِ طُولِبَ بِالْعَيْنِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي جَوَابِ الدَّعْوَى جَوَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِقْرَارٌ، أَوْ إِنْكَارٌ، فَإِنْ سَكَتَ، وَأَصَرَّ عَلَى
السُّكُوتِ، جُعِلَ كَالْمُنْكِرِ النَّاكِلِ، فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَهُوَ كَالْإِنْكَارِ.
وَالْكَلَامُ فِي الْإِقْرَارِ وَصِيغَتِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ، وَقَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لِي عَنْ دَعْوَاكَ مُخْرَجٌ، لَيْسَ بِإِقْرَارٍ، لِاحْتِمَالِ الْخُرُوجِ بِالْإِنْكَارِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ، لَيْسَ بِإِقْرَارٍ لِلْمُخَاطَبِ بِمَا دَعَاهُ، لِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ الِاسْتِهْزَاءِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَكَ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا ادَّعَيْتَ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ لَكَ مِنَ الْحَقِّ عِنْدِي مَا يُسْتَحَقُّ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا ادَّعَيْتَ، وَكَمَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ إِقْرَارٌ لِلْمُخَاطَبِ، لَا يَكُونُ إِقْرَارًا لِفُلَانٍ أَيْضًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِالْحَقِّ الْحُرْمَةَ.
فَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مَالٌ أَكْثَرُ مِمَّا ادَّعَيْتَ، فَهَذَا إِقْرَارٌ لِفُلَانٍ، إِلَّا أَنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِمَا دُونَهُ فِي الْقَدْرِ تَنْزِيلًا عَلَى كَثْرَةِ التَّرِكَةِ أَوِ الرَّغْبَةِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ.
وَلَوْ قَالَ: الْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُؤَدَّى، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى حَيْثُ يَكُونُ حَقًّا، فَأَمَّا أَنَا فَبَرِيءٌ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلِ الْبَابِ هِيَ سِتٌّ، الْأُولَى: ادَّعَى عَلَيْهِ عَشَرَةً، فَقَالَ: لَا يَلْزَمُنِي الْعَشَرَةُ، فَلَيْسَ بِجَوَابٍ تَامٍّ، بَلِ التَّامُّ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ «وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا» ، أَوْ «وَلَا بَعْضُهَا» ، وَكَذَا يَحْلِفُ إِنْ حَلَفَ؛ لِأَنَّ مُدَّعِيَ الْعَشَرَةِ مُدَّعٍ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا، فَاشْتُرِطَ مُطَابَقَةُ الْإِنْكَارِ وَالْيَمِينِ دَعْوَاهُ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يُكَلَّفُ فِي الْإِنْكَارِ أَنْ يَقُولَ: «وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا» ، وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِذَا حَلَّفَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَشَرَةُ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا، فَحَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعَشَرَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، لَمْ تَلْزَمْهُ الْعَشَرَةُ بِتَمَامِهَا، لَكِنَّهُ نَاكِلٌ عَمَّا دُونَ الْعَشَرَةِ، فَلِلْمُدَّعِي
أَنْ يَحْلِفَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ مَا دُونَهَا بِقَلِيلٍ، وَيَأْخُذَهُ، وَلَوْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ مُطْلَقِ الْيَمِينِ، وَأَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ عَلَى بَعْضِ الْعَشَرَةِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ عَرَضَ الْقَاضِي عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَعَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى بَعْضِهَا، وَإِنْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَحْدَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحَلِفُ عَلَى بَعْضِهَا، بَلْ يَسْتَأْنِفُ الدَّعْوَى لِلْبَعْضِ الَّذِي يُرِيدُ الْحَلِفَ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ جَوَّزْنَا لِلْمُدَّعِي الْحَلِفَ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَى عَقْدٍ، فَإِنْ أَسْنَدَهُ، بِأَنْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: نَكَحَنِي بِخَمْسِينَ وَطَالَبْتُهُ بِهِ، وَنَكَلَ الزَّوْجُ، لَمْ يُمْكِنْهَا الْحَلِفُ عَلَى أَنَّهُ نَكَحَهَا بِبَعْضِ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ مَا ادَّعَتْهُ أَوَّلًا.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدِكَ مِلْكِي يَلْزَمُكَ تَسْلِيمُهَا إِلَيَّ، فَإِذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، يَحْلِفُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا، وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهَا، كَفَاهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا.
الثَّانِيَةُ: إِذَا ادَّعَى مَالًا وَأَسْنَدَهُ إِلَى جِهَةٍ بِأَنْ قَالَ: أَقْرَضْتُكَ كَذَا، وَطَالَبَهُ بِبَدَلِهِ، أَوْ قَالَ: غَصَبْتَ عَبْدِي، فَتَلِفَ عِنْدَكَ، فَعَلَيْكَ كَذَا ضَمَانًا، أَوْ مَزَّقْتَ ثَوْبِي، فَعَلَيْكَ كَذَا أَرْشًا، أَوِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ كَذَا، وَأَقْبَضْتُكَ ثَمَنَهُ، أَوِ اشْتَرَيْتَ مِنِّي كَذَا، فَعَلَيْكَ ثَمَنُهُ، وَطَالَبَهُ بِالْمُدَّعَى، فَلَيْسَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ فِي الْجَوَابِ لِتِلْكَ الْجِهَةِ، بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، وَلَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، وَكَذَا يَكْفِيهِ فِي جَوَابِ طَالِبِ الشُّفْعَةِ: لَا شُفْعَةَ لَكَ عِنْدِي، أَوْ لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ هَذَا الشِّقْصِ إِلَيْكَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي الْإِقْرَاضِ وَالْغَصْبِ وَغَيْرِهِمَا، وَيَعْرِضُ مَا يُسْقِطُ الْحَقَّ مِنْ أَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ، فَلَوْ
نَفَى الْإِقْرَاضَ وَنَحْوَهُ كَانَ كَاذِبًا، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، وَادَّعَى الْمُسْقَطَ طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَدْ يَعْجَزُ عَنْهَا، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى قَبُولِ الْجَوَابِ الْمُطْلَقِ، وَلَوْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: طَلَّقْتَنِي، فَقَالَ: أَنْتِ زَوْجَتِي، كَفَاهُ وَإِذَا اقْتَصَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْجَوَابِ الْمُطْلَقِ، وَأَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى الْحَلِفِ، حَلَفَ عَلَى مَا أَجَابَ، وَلَمْ يُكَلَّفِ التَّعَرُّضَ لِنَفْيِ الْجِهَةِ الْمِدَّعَاةِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْجِهَةِ الْمُدَّعَاةِ بَعْدَ الْجَوَابِ الْمُطْلَقِ، جَازَ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
وَلَوْ تَعَرَّضَ فِي الْجَوَابِ لِلْجِهَةِ، فَقَالَ: مَا بَايَعْتُكَ، أَوْ مَا أَقْرَضْتَنِي، أَوْ مَا مَزَّقْتُ، فَالْجَوَابُ صَحِيحٌ، إِنْ حَلَفَ عَلَى وَفْقِ الْجَوَابِ، فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْحَلِفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ يُمْكِنُ، كَمَا لَوْ أَجَابَ كَذَلِكَ، أَمْ لَا لِيُطَابِقَ الْيَمِينُ الْإِنْكَارَ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ مَرْهُونٌ، أَوْ مُسْتَأْجَرٌ، وَادَّعَاهُ مَالِكُهُ، كَفَاهُ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُهُ، وَلَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْمِلْكِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ نُقِلَ فِي «الْوَسِيطِ» عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ يَصْدُقُ الشُّهُودُ، وَلَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لِإِجَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ، وَلَوِ اعْتَرَفَ بِالْمِلْكِ، وَادَّعَى رَهْنًا أَوْ إِجَارَةً، وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي، فَمَنِ الْمُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي بَابِ اخْتِلَافِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ صَاحِبُ الْيَدِ فَذَاكَ، وَإِنْ صَدَّقَ الْمَالِكُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - احْتَاجَ مُدَّعِي الرَّهْنِ أَوِ الْإِجَارَةِ إِلَى الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوَافِقْهُ بَيِّنَةٌ، وَخَافَ جَحُودَ الرَّاهِنِ لَوِ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْمِلْكِ، فَمَا حِيلَتُهُ؟ وَجْهَانِ، قَالَ الْقَفَّالُ: حِيلَتُهُ تَفْصِيلُ الْجَوَابِ، فَيَقُولُ: إِنِ ادَّعَيْتَ مِلْكًا مُطْلَقًا فَلَا يَلْزَمُنِي التَّسْلِيمُ، وَإِنِ ادَّعَيْتَ مَرْهُونًا عِنْدِي، فَاذْكُرْهُ لِأُجِيبَ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يُقْبَلُ الْجَوَابُ الْمُرَدَّدُ، بَلْ حِيلَتُهُ أَنْ يَجْحَدَ مِلْكَهُ
إِنْ جَحَدَ صَاحِبُهُ الدَّيْنَ وَالرَّهْنَ، وَعَلَى عَكْسِهِ لَوِ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ، وَخَافَ الرَّاهِنُ جَحُودَ الرَّهْنِ لَوِ اعْتَرَفَ بِالدَّيْنِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَفْصِلُ، فَيَقُولُ: إِنِ ادَّعَيْتَ أَلْفًا لِي عِنْدَكَ بِهِ كَذَا رَهْنًا فَحَتَّى أُجِيبَ، وَإِنِ ادَّعَيْتَ أَلْفًا، فَلَا يَلْزَمُنِي.
وَعَلَى الثَّانِي صَارَتِ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ بِالْجُحُودِ، فَلِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَجْحَدَهُ، وَيُجْعَلُ هَذَا بِذَاكَ، وَيَشْتَرِطُ التَّسَاوِي، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ الْفُورَانِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَفْصِلُ الْجَوَابَ أَبَدًا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِقْرَارًا بِشَيْءٍ مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَلْفًا، فَيَقُولُ: إِنِ ادَّعَيْتَ عَنْ ثَمَنِ كَذَا فَحَتَّى أُجِيبَ، وَإِنِ ادَّعَيْتَ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَلَا يَلْزَمُنِي.
فَرْعٌ
ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا صَدَاقًا يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْهَا، قِيلَ لِلْقَفَّالِ: هَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: هَلْ هِيَ زَوْجَتُكَ؟ فَقَالَ: مَا لِلْقَاضِي وَلِهَذَا السُّؤَالُ! لَكِنْ لَوْ سَأَلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، قَضَى عَلَيْهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ نَكَحَهَا بِكَذَا، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا ادَّعَى عَقَارًا أَوْ مَنْقُولًا عَلَى إِنْسَانٍ، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَيْسَ هُوَ لِي، نُظِرَ، أَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ أَمْ يُضِيفُهُ إِلَى مَجْهُولٍ أَمْ إِلَى مَعْلُومٍ؟ فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، أَوْ أَضَافَهُ إِلَى مَجْهُولٍ بِأَنْ قَالَ: هُوَ لِرَجُلٍ لَا أَعْرِفُهُ، أَوْ أُسَمِّيهِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهُمَا: يُسَلَّمُ الْمَالُ إِلَى الْمُدَّعِي، إِذْ لَا مُزَاحِمَ لَهُ، وَالثَّانِي: تَنْصَرِفُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ، وَيَنْتَزِعُ الْحَاكِمُ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ، أَخَذَهُ، وَإِلَّا حَفِظَهُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهُ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَنْصَرِفُ، وَلَا يُنْتَزَعُ الْمَالُ مِنْ يَدِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِمُعَيَّنٍ قُبِلَ، وَانْصَرَفَتِ الْخُصُومَةُ إِلَى ذَلِكَ
الْمُعَيَّنِ، وَإِلَّا فَيُقِيمُ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ أَوْ يُحَلِّفُهُ، وَهَلْ يُمْكِنُ مِنْ أَنْ يَعُودَ، فَيَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ؟ وَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ فِي الْجَوَابِ: نِصْفُهُ لِي، وَلَا أَدْرِي لِمَنِ النِّصْفُ الْآخَرُ، فَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ، وَأَمَّا إِذَا أَضَافَهُ إِلَى مَعْلُومٍ، فَالْمُضَافُ إِلَيْهِ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: مَنْ تَتَعَذَّرُ مُخَاصَمَتُهُ، وَتَحْلِيفُهُ بِأَنْ قَالَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ عَلَى ابْنِي الطِّفْلِ، أَوْ هُوَ مِلْكٌ لَهُ، فَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ الْخُصُومَةَ تَنْصَرِفُ عَنْهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَحْلِيفِ الْوَلِيِّ وَلَا طِفْلِهِ، وَلَا تُغْنِي إِلَّا الْبَيِّنَةُ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَإِذَا قَضَى لَهُ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ كَتَبَ صُورَةَ الْحَالِ فِي السِّجِلِّ، لِيَكُونَ الطِّفْلُ عَلَى حُجَّتِهِ إِذَا بَلَغَ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِذَا قَالَ: هُوَ لِابْنِي الطِّفْلِ، أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ، لَمْ تَسْقُطِ الدَّعْوَى، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَخَذَهُ وَإِلَّا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ هُوَ قَيِّمَ الطِّفْلِ.
قُلْتُ: اخْتَارَ فِي «الْمُحَرَّرِ» قَوْلَ الْبَغَوِيِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَنْ لَا تَتَعَذَّرُ مُخَاصَمَتُهُ وَتَحْلِيفُهُ، كَشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ نَوْعَانِ: حَاضِرٌ فِي الْبَلَدِ، وَغَائِبٌ، فَالْحَاضِرُ يُرَاجَعُ، فَإِنْ صَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ انْصَرَفَتِ الْخُصُومَةُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ فِي الْإِقْرَارِ، وَرَابِعَةٌ حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: ادْعُهُ لِنَفْسِكَ، فَتَكُونُ الْخَصْمَ، أَوْ لِمَنْ يُصَدِّقُكَ، فَيَكُونُ هُوَ الْخَصْمَ، فَإِنِ امْتَنَعْتَ، جَعَلْنَاكَ نَاكِلًا وَحَلَّفْنَا الْمُدَّعِيَ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْغَائِبُ، فَإِذَا أَضَافَ الْمُدَّعِي إِلَى غَائِبٍ، فَفِي انْصِرَافِ الْخُصُومَةِ عَنْهُ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا - وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ - يَنْصَرِفُ، وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: إِنْ قَالَ: لَيْسَ لِي، وَإِنَّمَا هُوَ لِفُلَانٍ، فَلَا،
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْصَرِفُ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي، وَأَخَذَ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ إِذَا عَادَ الْغَائِبُ، وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ، رُدَّ الْمَالُ عَلَيْهِ بِلَا حُجَّةٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ بِإِقْرَارِ صَاحِبِ الْيَدِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْمُدَّعِي الْخُصُومَةَ مَعَهُ، وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْحَاضِرِ، أَخَذَ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ أَيْضًا، وَهَلْ هُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْحَاضِرِ الَّذِي تَجْرِي الْخُصُومَةُ مَعَهُ، أَمْ عَلَى الْغَائِبِ لِأَنَّ الْمَالَ بِمُقْتَضَى الْإِقْرَارِ لَهُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي مَعَ الْبَيِّنَةِ إِلَى الْيَمِينِ، وَيُثْبِتُ الْقَاضِي فِي السِّجِلِّ أَنَّهُ قَضَى لَهُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَمَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، لِيَكُونَ الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ، وَإِذَا عَادَ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، قَضَى لَهُ لِتَرَجُّحِ جَانِبِهِ بِالْيَدِ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا، أُقِرَّ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُدَّعِي، فَإِنِ الْتَمَسَ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يُزِيدَ فِي السِّجِلِّ أَنَّ الْغَائِبَ قَدِمَ، وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ، أَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَنْصَرِفُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، وَقَفَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْغَائِبُ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، قُضِيَ لَهُ بِالْمَالِ، وَهَلْ هُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَيَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الْيَمِينِ، أَمْ عَلَى الْحَاضِرِ الَّذِي تَجْرِي الْخُصُومَةُ مَعَهُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا؟ وَجْهَانِ، رَجَّحَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى وَأَلْيَقُ بِالْوَجْهِ الْمُفَرَّعِ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَقُمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْمَالَ لِلْغَائِبِ، فَإِنْ أَقَامَهَا، نُظِرَ إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَةِ الْغَائِبِ، وَأَثْبَتَ الْوَكَالَةَ فَبَيَّنَتُهُ عَلَى أَنَّ الْمَالَ لِلْغَائِبِ مَسْمُوعَةٌ مُرَجَّحَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي.
وَإِنْ لَمْ يُثْبِتِ الْوَكَالَةَ، فَذَكَرَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ، فَعَلَى هَذَا الْحُكْمِ كَمَا لَوْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً.
وَالثَّانِي: تُسْمَعُ، وَالثَّالِثُ: إِنِ اقْتَصَرَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، لَمْ تُسْمَعْ، وَإِنْ تَعَرَّضَتْ مَعَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِي يَدِ الْمُدَّعَى
عَلَيْهِ بِعَارِيَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، سُمِعَتْ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَادَّعَى لِنَفْسِهِ حَقًّا لَازِمًا، كَرَهْنٍ وَإِجَارَةٍ، وَتَعَرَّضَتِ الْبَيِّنَةُ لِذَلِكَ، فَفِي السَّمَاعِ وَجْهَانِ.
وَإِذَا سَمِعْنَا بَيِّنَتَهُ لِصَرْفِ الْيَمِينِ عَنْهُ، حُكِمَ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ، فَإِنْ رَجَعَ الْغَائِبُ، وَأَعَادَ الْبَيِّنَةَ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ سَمِعْنَاهَا لِعُلْقَةِ الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ، فَهَلْ تُقَدَّمُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ، أَمْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، وَيَكُونُ فَائِدَةُ بَيَّنَتِهِ صَرْفَ الْيَمِينِ عَنْهُ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَالَّذِي يُفْتَى بِهِ - وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ - أَنَّ الْمُدَّعِيَ إِذَا أَضَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى الْغَائِبِ خُصُومَةً مَعَهُ، وَأُخْرَى مَعَ الْغَائِبِ، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، انْصَرَفَتِ الْخُصُومَةُ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيمَا لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِلْغَائِبِ، وَبَنَوْا عَلَى انْصِرَافِ الْخُصُومَةِ عَنْهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْيَمِينِ مَعَ الْبَيِّنَةِ، وَالْقَضَاءُ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ بِلَا خِلَافٍ، وَهِيَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْغَائِبِ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، فَلَا يُحْكَمُ لِلْغَائِبِ بِالْمِلْكِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي أَقَامَهَا الْحَاضِرُ عَلَى أَنَّهُ لِلْغَائِبِ، فَإِنْ تَعَرَّضَ الشُّهُودُ مَعَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِي رَهْنِ الْحَاضِرِ، وَإِجَارَتِهِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تُسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ لِلْغَائِبِ أَيْضًا، وَتُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، لِقُوَّتِهَا بِالْيَدِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا تُسْمَعُ، فَعَلَى هَذَا تَعْمَلُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي.
فَرْعٌ
مَتَى حَكَمْنَا بِانْصِرَافِ الْخُصُومَةِ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لِحَاضِرٍ أَوْ لِغَائِبٍ أَوْ مَجْهُولٍ عَلَى وَجْهٍ، فَهَلْ لِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُهُ؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ، هَلْ يُغَرَّمُ الْقِيمَةَ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ، إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، حَلَّفَهُ، فَلَعَلَّهُ يُقِرُّ فَيُغَرَّمُ الْقِيمَةَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، فَإِنْ قُلْنَا: النُّكُولُ وَرَدُّ الْيَمِينِ، كَالْإِقْرَارِ، لَمْ يُحَلِّفْهُ، وَإِنْ قُلْنَا: كَالْبَيِّنَةِ
حَلَّفَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْكُلُ، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي، وَيَأْخُذُ الْقِيمَةَ، وَكَأَنَّ الْعَيْنَ تَالِفَةٌ.
وَهَلْ يَسْتَرِدُّ الْعَيْنَ مِنَ الْمُقَرِّ لَهُ وَفَاءً بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْبَيِّنَةِ؟ وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ، وَأَخَذَهَا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَانِيًا، أَوْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِهِ، ثُمَّ سُلِّمَتْ لَهُ الْعَيْنُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ يَمِينِهِ بَعْدَ نُكُولِ الْمُقِرِّ لَهُ، لَزِمَهُ رَدُّ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا لِلْحَيْلُولَةِ وَقَدْ زَالَتْ.
فَرْعٌ
ادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ عَلَيَّ، وَقَالَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ: هِيَ مِلْكٌ لِفُلَانٍ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، انْتَقَلَتِ الْخُصُومَةُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ الْقِيمَةِ مِنَ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْوَقْفَ، وَلَا يُعْتَاضُ عَنْهُ، كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيُّ.
وَكَانَ لَا يَبْعُدُ طَلَبُ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ الْوَقْفَ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ وَالْحَيْلُولَةِ فِي الْحَالِ كَالْإِتْلَافِ.
وَلَوْ رَجَعَ الْغَائِبُ وَكَذَّبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي إِقْرَارِهِ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ أَضَافَ إِلَى جَاحِدٍ، فَكَذَّبَهُ، وَلَوْ أَقَامَ الْمُقِرُّ لَهُ الْحَاضِرُ أَوِ الْغَائِبُ بَعْدَ الرُّجُوعِ بَيِّنَةً عَلَى الْمِلْكِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ لِيُغَرِّمَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ اسْتَقَرَّ بِالْبَيِّنَةِ، وَخَرَجَ الْإِقْرَارُ عَنْ أَنْ تَكُونَ الْحَيْلُولَةُ بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اشْتَرَى ثَوْبًا وَعَبْدًا مِنْ رَجُلٍ، فَادَّعَاهُ آخَرُ، نُظِرَ إِنْ سَاعَدَهُ الْمُشْتَرِي، وَأَقَرَّ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنِ اسْتَحْلَفَ، فَنَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي، وَأَخْذَ الْمَالَ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ، لِتَقْصِيرِهِ بِالنُّكُولِ، وَحَلِفُ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِهِ كَإِقْرَارِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفْرَضَ فِي هَذَا الْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَالْبَيِّنَةِ.
قُلْتُ: هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ كَالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الْمُتَنَازِعَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، تَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي الِاسْتِحْقَاقَ بِالْبَيِّنَةِ، وَأَخَذَ الْمَالَ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِي مُنَازَعَتِهِ لِلْمُدَّعِي بِأَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِبَائِعِي، وَلَا بِأَنَّهُ مِلْكِي بِأَنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ - وَهُوَ سَاكِتٌّ - فَلَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ قَطْعًا، وَإِنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ ظَالِمٌ بِاعْتِرَافِهِ، وَأَصَحُّهُمَا الرُّجُوعُ مَهْمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُومَةِ، أَوِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ الْيَدِ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ قَالَ فِي الِابْتِدَاءِ: بِعْنِي هَذِهِ الدَّارَ، فَإِنَّهَا مِلْكُكَ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَلَا يَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ مُجَرَّدَ الشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ إِقْرَارًا لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ ذَلِكَ إِقْرَارٌ تَضَمَّنَهُ الشِّرَاءُ، فَبَطَلَ بِبُطْلَانِ الْمُبَايَعَةِ، وَالْإِقْرَارُ الْمُسْتَقِلُّ بِخِلَافِهِ وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فِي الظَّاهِرِ، فَقَالَ: أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَأَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى رِقِّهِ، أَوْ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالرِّقِّ لَهُ، أَوْ لِلَّذِي بَاعَهُ إِيَّاهُ، فَإِذَا حَلَفَ حَكَمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي الظَّاهِرِ، ثُمَّ أَطْلَقَ ابْنُ الْحَدَّادِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَفَصَّلَ أَكْثَرُهُمْ، فَقَالُوا: إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِي مُنَازَعَتِهِ بِأَنَّهُ رَقِيقٌ رَجَعَ، وَإِنْ صَرَّحَ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
فُرُوعٌ
مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي سَعْدٍ الْهَرَوِيِّ: أَقَرَّ الْمُشْتَرِي لِلْمُدَّعِي بِالْمِلْكِ، ثُمَّ أَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لِلْمُدَّعِي، لِيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، لَمْ يُمَكَّنْ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ بِلَا وَكَالَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ، كَيْفَ وَالْمُدَّعِي لَوْ أَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنِ الْبَيِّنَةِ
بِالْإِقْرَارِ، وَلَهُ تَحْلِيفُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَقَرَّ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ، فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي يَمِينَ الرَّدِّ، إِنْ قُلْنَا: النُّكُولُ وَالْيَمِينُ كَالْإِقْرَارِ، فَنَعَمْ، وَإِنْ قُلْنَا: كَالْبَيِّنَةِ، فَلَا.
وَلَوِ ادَّعَى الْمُسْتَرَقُّ الْمَبِيعُ أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، أَوِ اعْتَرَفَ بِهِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَرَادَ الْمُشْتَرِي إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، مُكِّنَ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِكُلِّ أَحَدٍ إِثْبَاتُهَا، وَإِذَا ثَبَتَتْ ثَبَتَ الرُّجُوعُ، وَلَا يَكْفِي فِي الرُّجُوعِ بَيِّنَةٌ بِمُطْلَقِ الْحُرِّيَّةِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَهُ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ مَا أَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِ الْبَائِعِ بِأَنَّ الْمَالَ لِلْمُدَّعِي قُبِلَتْ، وَثَبَتَ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَانَ إِقْرَارُ الْبَائِعِ مِنْ قَبْلُ لَغَا إِقْرَارُ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ أَقَامَ مُدَّعِي الِاسْتِحْقَاقِ الْبَيِّنَةَ، وَأَخَذَ الْعَيْنَ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ اشْتَرَاهَا مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي سُمِعَتْ، يُرَدُّ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ، وَتَكُونُ الْعَيْنُ لِلْمُشْتَرِي بِالْمُبَايَعَةِ السَّابِقَةِ.
فَصْلٌ
جَارِيَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، أَوْ حَلَفَ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَحُكِمَ لَهُ بِهَا فَأَخَذَهَا، فَوَطِئَهَا، ثُمَّ قَالَ: كَذِبْتُ فِي دَعْوَايَ وَيَمِينِي، وَالْجَارِيَةُ لِمَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهَا وَمَهْرُهَا، وَأَرْشُ نَقْصِهَا إِنْ نَقَصَتْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إِنَّهَا كَانَتْ زَانِيَةً؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ مَا يَقُولُ.
وَإِنْ أَوْلَدَهَا، ثُمَّ كَذَّبَ نَفْسَهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إِبْطَالِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ وَالِاسْتِيلَادِ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ وَالْأُمِّ مَعَ الْمَهْرِ، وَلَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ، فَإِنْ مَاتَ عَتَقَتْ وَوَلَاؤُهَا مَوْقُوفٌ، فَإِنْ وَافَقَتْهُ الْجَارِيَةُ فِي الرُّجُوعِ لَمْ يَبْطُلِ الِاسْتِيلَادُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ أَنْكَرَ وَحَلَفَ، وَأَوْلَدَ الْجَارِيَةَ، ثُمَّ عَادَ، وَقَالَ: كُنْتُ مُبْطِلًا
فِي الْإِنْكَارِ، وَالْجَارِيَةُ لِلْمُدَّعِي، فَالْكَلَامُ فِي الْمَهْرِ، وَقِيمَةِ الْوَلَدِ، وَالْجَارِيَةِ، وَالِاسْتِيلَادِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي طَرَفِ الْمُدَّعِي.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: مَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيهِ، كَالْحَدِّ، وَالْقَصَاصِ، فَالدَّعْوَى فِيهِ يَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْجَوَابُ بِطَلَبٍ مِنْهُ، وَمَا لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِيهِ وَهُوَ الْأَرْشُ، وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ، فَالدَّعْوَى فِيهِ تَتَوَجَّهُ عَلَى السَّيِّدِ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، وَلَوْ وُجِّهَتِ الدَّعْوَى عَلَى الْعَبْدِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا - وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ - الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ بِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَعَلَى هَذَا هَلْ لِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُهُ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْأُرُوشَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالرَّقَبَةِ هَلْ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ أَيْضًا؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ سَيَأْتِيَانِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَلَا طِلْبَةَ فِي الْحَالِ، وَلَا إِلْزَامَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُتَوَقَّعُ فِيمَا بَعْدُ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَيَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، فَإِنْ سَمِعْنَاهَا فَلَهُ تَحْلِيفُ الْعَبْدِ، فَإِنْ نَكَلَ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّعَلُّقَ بِالرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ وَإِنْ جُعِلَتْ كَالْبَيِّنَةِ، فَلَا تُؤَثِّرُ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَالرَّقَبَةُ حَقُّ السَّيِّدِ.
وَقِيلَ: لَهُ التَّعَلُّقُ بِالرَّقَبَةِ إِنْ جَعَلْنَاهَا كَالْبَيِّنَةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي «التَّهْذِيبِ» فِي بَابِ مُدَايَنَةِ الْعَبِيدِ: أَنَّ الدَّعْوَى مَسْمُوعَةٌ عَلَى الْعَبْدِ إِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، وَكَذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَقُلْنَا: الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ كَالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: كَالْإِقْرَارِ فَلَا، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ إِشْكَالٌ، وَالْمُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ لِإِثْبَاتِ الْأَرْشِ فِي ذِمَّتِهِ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِهِ بِالرَّقَبَةِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا وَلَمْ يُحَلِّفْهُ، وَطَلَبَ كَفِيلًا مِنْهُ لِيَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِعْطَاءُ كَفِيلٍ، وَإِنِ اعْتَادَ الْقُضَاةُ خِلَافَهُ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ لِلْأَصْحَابِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ:
الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ، وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ، وَطَلَبَ كَفِيلًا إِلَى أَنْ يَعْدِلَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُطَالَبُ بِهِ فَإِنِ امْتَنَعَ حُبِسَ لِامْتِنَاعِهِ لَا لِثُبُوتِ الْحَقِّ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَلْزَمُهُ إِعْطَاءُ الْكَفِيلِ، لَكِنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُطَالِبَهُ إِذَا رَأَى اجْتِهَادَهُ إِلَيْهِ، وَخَافَ هَرَبَهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الضَّمَانِ قَوْلٌ: إِنَّ كَفَالَةَ الْبَدَنِ بَاطِلَةٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْيَمِينِ
فِيهِ أَطْرَافٌ:
الْأَوَّلُ فِي نَفْسِ الْحَلِفِ، وَصِيَغُ الْأَيْمَانِ مُسْتَوْفَاةٌ فِي مَوْضِعِهَا، وَالْمَقْصُودُ الْآنَ بَيَانُ قَاعِدَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: أَنَّ لِلتَّغْلِيظِ مَدْخَلًا فِي الْأَيْمَانِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الدَّعَاوَى مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأَوْلَى التَّغْلِيظُ يَقَعُ بِوُجُودِهِ، أَحَدُهَا التَّغْلِيظُ اللَّفْظِيُّ، وَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: التَّعْدِيدُ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِاللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ، وَوَاجِبٌ فِيهِمَا، الثَّانِي: زِيَادَةُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، بِأَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ، أَوْ وَاللَّهِ الطَّالِبُ الْغَالِبُ، الْمُدْرِكُ الْمُهْلِكُ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَهَذَا الضَّرْبُ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: «اللَّهِ» كَفَى، وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْحَالِفِ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) الْآيَةَ، وَأَنْ يُحْضَرَ الْمُصْحَفُ، وَيُوضَعَ فِي حِجْرِ الْحَالِفِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَحْلِفُ قَائِمًا زِيَادَةً فِي التَّغْلِيظِ.
وَالْوَجْهُ
الثَّانِي: التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ، وَالثَّالِثُ: التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ، وَهُمَا مُفَصَّلَانِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ.
وَهَلِ التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ مُسْتَحَبٌّ أَمْ وَاجِبٌ لَا يُعْتَدُّ بِالْحَلِفِ فِي غَيْرِهِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ قَطْعًا، وَالتَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ كَالْمَكَانِ، وَرَأَى الْإِمَامُ طَرْدَ الْخِلَافِ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي مِنَ التَّغْلِيظِ اللَّفْظِيِّ، وَمِنْ وُجُوهِ التَّغْلِيظِ الْمَذْكُورَةِ فِي اللِّعَانِ التَّغْلِيظُ بِحُضُورِ جَمْعٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: الْأَيْمَانُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِإِثْبَاتِ حَدٍّ أَوْ دَفْعِهِ يَكُونُ التَّغْلِيظُ فِيهَا بِالْجَمْعِ، كَمَا هُوَ فِي اللِّعَانِ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ هُنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ التَّغْلِيظُ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ، أَمْ يُغَلِّظُ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْخَصْمُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَجْرِيَا، سَوَاءٌ قُلْنَا بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْ بِالْإِيجَابِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَجْرِي التَّغْلِيظُ فِي دَعْوَى الدَّمِ وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ، وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ، وَالْعِتْقِ وَالْحَدِّ، وَالْوَلَاءِ وَالْوَكَالَةِ، وَالْوِصَايَةِ، وَكُلِّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ حَتَّى يَجْرِيَ فِي الْوِلَادَةِ وَالرِّضَاعِ، وَعُيُوبِ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ قَبُولُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيهَا مُنْفَرِدَاتٌ لِقِلَّةِ خَطَرِهَا، بَلْ لِأَنَّ الرِّجَالَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهَا غَالِبًا، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي الْوَكَالَةِ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَيَجْرِي التَّغْلِيظُ فِي كَثِيرِهَا وَهُوَ نِصَابُ الزَّكَاةِ عِشْرُونَ دِينَارًا أَوْ مَائَتَا دِرْهَمٍ، وَأَمَّا قَلِيلُهَا وَهُوَ مَا دُونَ ذَلِكَ فَلَا تَغْلِيظَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي التَّغْلِيظَ لِجُرْأَةِ الْحَالِفِ، فَلَهُ التَّغْلِيظُ.
وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَجْهٌ غَرِيبٌ أَنَّ الْمَالَ الْوَاجِبَ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا وَخَطَأً يُغَلَّظُ فِيهِ وَإِنْ قَلَّ.
الثَّالِثَةُ: مَا جَرَى فِيهِ التَّغْلِيظُ يَسْتَوِي فِيهِ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ، وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، وَقَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ تَغْلِيظَ الْيَمِينِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ مِثْلَ إِنِ ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى سَيِّدِهِ عِتْقًا أَوْ كِتَابَةً فَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، غُلِّظَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ نَكَلَ غُلِّظَ عَلَى الْعَبْدِ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْوَقْفُ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تَغْلِيظَ فِيهِ إِلَّا إِذَا بَلَغَ نِصَابًا، وَكَذَا مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعِي إِنْ أَثْبَتْنَاهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ نُثْبِتْهُ بِهِمَا، غُلِّظَ كَالْعِتْقِ، وَفِي وَجْهٍ مَا غُلِّظَ مِنْ طَرَفٍ غُلِّظَ مِنَ الْآخَرِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الْخُلْعَ عَلَى مَالٍ، وَأَنْكَرْتُهُ حَصَلَتِ الْبَيْنُونَةُ بِقَوْلِهِ، وَتُصَدَّقُ الزَّوْجَةُ فِي إِنْكَارِ الْمَالِ بِيَمِينِهَا، وَيُنْظَرُ فِي التَّغْلِيظِ إِلَى قِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ، فَإِنْ رُدَّتِ الْيَمِينُ، وَحَلَفَ الزَّوْجُ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْمَالُ، وَإِنِ ادَّعَتْ هِيَ الْخُلْعَ، وَأَنْكَرَ، غُلِّظَ عَلَيْهِ،
[لِأَنَّ مَقْصُودَهُ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحَ، وَإِنْ نَكَلَ، فَحَلَفَتْ غُلِّظَ] ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْفِرَاقُ.
الرَّابِعَةُ: مَنْ بِهِ مَرَضٌ أَوْ زَمَانَةٌ، لَا يُغَلَّظُ عَلَيْهِ فِي الْمَكَانِ لِعُذْرِهِ، وَكَذَا الْحَائِضُ، إِذْ لَا يُمْكِنُهَا اللَّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ فِي إِحْضَارِهَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ خِلَافٌ سَبَقَ، فَإِنْ أُحْضِرَتْ، فَكَالرَّجُلِ فِي التَّغْلِيظِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَحْضُرُ، بَلْ يَبْعَثُ الْقَاضِي مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا، فَإِنِ اقْتَضَى الْحَالُ تَحْلِيفَهَا، فَهَلْ يُغَلَّظُ عَلَيْهَا بِالْمَكَانِ، وَتُكَلَّفُ حُضُورَ الْجَامِعِ أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَبِهِ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ وَالْغَزَالِيُّ.
فَرْعٌ
مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ، وَكَانَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَحْلِفَ يَمِينًا مُغَلَّظَةً، فَإِنْ قُلْنَا: التَّغْلِيظُ وَاجِبٌ، غُلِّظَ
[وَيَحْنَثُ] ، وَإِنِ امْتَنَعَ جُعِلَ نَاكِلًا، وَإِنْ قُلْنَا: مُسْتَحَبٌّ، لَمْ يُغَلَّظْ.
عَلَيْهِ إِتْلَافُ ثَوْبٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، فَإِنْ قَالَ فِي الْجَوَابِ: مَا أَتَلَفْتُ، يَحْلِفُ.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْيَمِينِ مُطَابِقَةً لِلْإِنْكَارِ، فَإِنِ ادَّعَى كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: لَا يَلْزَمُنِي شَيْءٌ، حَلَفَ كَذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ وُقُوعُهَا بَعْدَ تَحْلِيفِ الْقَاضِي، فَلَوْ حَلَفَ قَبْلَهُ، لَمْ يُعْتَدَّ
[بِهِ] ، فَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ فِي تَحْلِيفِهِ: قُلْ: بِاللَّهِ، فَقَالَ: بِالرَّحْمَنِ، لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا، وَكَانَ نُكُولًا.
وَلَوْ قَالَ: قُلْ: بِاللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، أَوْ تَاللَّهِ، فَهَلْ هُوَ نُكُولٌ كَالصُّورَةِ الْأُولَى أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِالِاسْمِ الَّذِي حَلَّفَهُ بِهِ؟ وَجْهَانِ، وَيَجْرِيَانِ فِيهِمَا لَوْ غُلِّظَ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ، فَامْتَنَعَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهِ، وَفِيمَا لَوْ أَرَادَ التَّغْلِيظَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَامْتَنَعَ، فَقَالَ الْقَفَّالُ فِي امْتِنَاعِهِ مِنَ التَّغْلِيظِ اللَّفْظِيِّ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ نَاكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّ اجْتِهَادِ الْقَاضِي، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ نَاكِلٌ فِي الِامْتِنَاعِ مِنَ الْمَكَانِيِّ وَالزَّمَانِيِّ دُونَ اللَّفْظِيِّ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ الْحَلِفِ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، سَوَاءٌ كَانَ يُثْبِتُهُ أَمْ يَنْفِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ حَالَ نَفْسِهِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى إِثْبَاتِهِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ، حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ، وَقَدْ يُخْتَصَرُ، فَيُقَالُ: الْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ إِلَّا إِذَا حَلَفَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا، فَأَنْكَرَ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، فَإِنِ ادَّعَى إِبْرَاءً أَوْ قَضَاءً، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَلَوِ ادَّعَى وَارِثٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّ لِمُوَرِّثِي عَلَيْكَ كَذَا، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَبْرَأَنِي، أَوْ قَضَيْتُهُ، حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِإِبْرَاءِ الْمُوَرِّثِ وَقَبْضِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ دَارٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: غَصَبَهَا مِنِّي أَبُوكَ أَوْ بَائِعُكَ، فَأَنْكَرَ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ
لِغَصْبِهِ، وَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى وَارِثِ الْمَيِّتِ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ، لَمْ يَكْفِ ذِكْرُ الدَّيْنِ وَوَصْفُهُ، بَلْ يُذْكَرُ مَعَ ذَلِكَ مَوْتُ مَنْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ مِنَ التَّرِكَةِ مَا يَفِي بِجَمِيعِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَأَنْ يَعْلَمَ دَيْنَهُ عَلَى مُوَرِّثِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ فِيهِ عَلَى الْعِلْمِ يُشْتَرَطُ فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ لِلْعِلْمِ، فَيَقُولُ: غَصَبَ مِنِّي مُوَرِّثُكَ كَذَا، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ غَصَبَهُ، ثُمَّ إِذَا تَعَرَّضَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْوَارِثُ الدَّيْنَ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَوْتَ مَنْ عَلَيْهِ، فَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ أَمْ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُهُ عَلَيْهِ، أَمْ يُفَرَّقُ بَيْنَ تَعَهُّدِهِ حَاضِرًا أَمْ غَائِبًا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَنْكَرَ حُصُولَ التَّرِكَةِ عِنْدَهُ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ أَنْكَرَ الدَّيْنَ، وَحُصُولَ التَّرِكَةِ مَعًا وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى نَفْيِ التَّرِكَةِ وَحْدَهُ، وَأَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ عَلَى نَفْيِ التَّرِكَةِ، وَنَفْيِ الْعِلْمِ بِالدَّيْنِ جَمِيعًا، حَلَفَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي إِثْبَاتِ الدَّيْنِ، فَلَعَلَّهُ يَظْفَرُ بِوَدِيعَةٍ لِلْمَيِّتِ أَوْ دَيْنٍ فَيَأْخُذُ مِنْهُ حَقَّهُ.
وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ عَبْدَكَ جَنَى عَلَيَّ بِمَا يُوجِبُ كَذَا، وَأَنْكَرَ فَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ أَمْ عَلَى الْبَتِّ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي؛ لِأَنَّ عَبْدَهُ مَالُهُ، وَفِعْلُهُ كَفِعْلِهِ، وَلِذَلِكَ سُمِعَتِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَلَوِ ادَّعَى أَنَّ بَهِيمَتَكَ أَتْلَفَتْ لِي زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ حَيْثُ يَجِبُ الضَّمَانُ، فَأَنْكَرَ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لَهَا، وَالْمَالِكُ لَا يَضْمَنُ بِفِعْلِ الْبَهِيمَةِ، بَلْ بِتَقْصِيرِهِ فِي حِفْظِهَا وَهُوَ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْحَالِفِ، وَلَوْ نَصَبَ الْبَائِعُ وَكِيلًا لِيَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَيُسَلِّمَ الْمَبِيعَ، فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: إِنَّ مُوَكِّلَكَ أَذِنَ فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَتَرْكِ حَقِّ الْجِنْسِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ، فَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ، أَمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؟ قَوْلَانِ، اخْتِيَارُ أَبِي زَيْدٍ الْبَتُّ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ عَلَى الْمَبِيعِ.
قُلْتُ: نَفْيُ الْعِلْمِ أَقْوَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ طَلَبَ الْبَائِعُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ، فَادَّعَى حُدُوثَ عَجْزٍ عَنْهُ، وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ عَالِمٌ بِهِ، فَأَنْكَرَ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَبْقِي بِيَمِينِهِ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِلَيْهِ، وَلَوْ مَاتَ عَنِ ابْنٍ فِي الظَّاهِرِ، فَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَخُوكَ وَالْمِيرَاثُ بَيْنَنَا، فَأَنْكَرَ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ رَابِطَةٌ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ حَالِفٌ فِي نَفْسِهِ، هَكَذَا ذَكَرَ الصُّورَتَيْنِ ابْنُ الْقَاصِّ، وَنَازَعَهُ آخَرُونَ، وَقَالُوا: يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
قُلْتُ: نَفْيُ الْعِلْمِ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
مَا حَلَفَ فِيهِ عَلَى الْبَتِّ لَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِهِ الْيَقِينُ، بَلْ يَجُوزُ الْبَتُّ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ مُؤَكَّدٍ يَحْصُلُ مِنْ خَطِّهِ أَوْ خَطِّ أَبِيهِ، أَوْ نُكُولِ خَصْمِهِ.
فَرْعٌ
لَوِ اسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي عَلَى الْبَتِّ حَيْثُ يَكُونُ الْيَمِينُ بِنَفْيِ الْعِلْمِ، فَقَدْ مَالَ عَنِ الْعَدْلِ.
فَرْعٌ
النَّظَرُ فِي الْيَمِينِ إِلَى نِيَّةِ الْقَاضِي الْمُسْتَحْلِفِ وَعَقِيدَتِهِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ وَالتَّوْرِيَةُ وَالتَّأْوِيلُ عَلَى خِلَافِ قَصْدِ الْقَاضِي لَا يُغْنِي، وَلَا يَدْفَعُ إِثْمَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَلَوِ اسْتَثْنَى، أَوْ وَصَلَ بِاللَّفْظِ شَرْطًا بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْحَاكِمُ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ سَمِعَهُ عَزَّرَهُ، وَأَعَادَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَصَلَهُ بِكَلَامٍ لَمْ يَفْهَمْهُ الْقَاضِي مَنَعَهُ مِنْهُ، وَأَعَادَ الْيَمِينَ
عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: كُنْتُ أَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا وَقْتَهَ، وَأَمَّا الْعَقِيدَةُ، فَإِذَا ادَّعَى حَنَفِيٌّ عَلَى شَافِعِيٍّ شُفْعَةَ الْجَارِ، وَالْقَاضِي يَرَى إِثْبَاتَهَا، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَمَلًا بِاعْتِقَادِهِ، بَلْ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْقَاضِي، وَيَلْزَمُهُ فِي الظَّاهِرِ مَا أَلْزَمَهُ الْقَاضِي، وَهَلْ يَلْزَمُهُ فِي الْبَاطِنِ؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِهِمْ: نَعَمْ، وَالثَّانِي: لَا، وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ يَنْفُذُ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ بَاطِنًا، فَلَوْ حَلَّفَهُ الْمُجْتَهِدُ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ لَمْ يَأْثَمْ.
قُلْتُ: هَذَا إِذَا حَلَّفَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ، أَمَّا إِذَا حَلَفَ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً، أَوْ حَلَّفَهُ غَيْرُ الْقَاضِي مِنْ قَاهِرٍ، أَوْ خَصْمٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَالِاعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ بِلَا خِلَافٍ، وَيَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ قَطْعًا، سَوَاءٌ حَلَفَ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ وَغَيْرِهِمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنِ الْأَصْحَابِ ذَكَرَاهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي الْحَالِفِ، وَهُوَ كُلُّ مَنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ، وَقِيلَ: كُلُّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى لَوْ أَقَرَّ لِمَطْلُوبِهَا أُلْزِمَ بِهِ، فَإِذَا أَنْكَرَ، حَلَفَ عَلَيْهِ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَيُسْتَثْنَى عَنْ هَذَا الضَّبْطِ صُوَرٌ، فَنَذْكُرُهَا مَعَ مَا يَدْخُلُ فِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ، إِحْدَاهَا: يُجْزِئُ التَّحْلِيفُ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْئَةِ، وَفِي الْإِيلَاءِ، وَفِي الْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَالْوَلَاءِ، وَالنَّسَبِ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا بِطَلَبِ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَقًّا لِلْمُدَّعِي، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، بِأَنْ قَذَفَهُ، فَطَلَبَ حَدَّ الْقَذْفِ، فَقَالَ الْقَاذِفُ: حَلِّفُوهُ أَنَّهُ لَمْ يَزِنِ
فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْلِفُ، كَمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ حَلَفَ أُقِيمَ عَلَى الْقَاذِفِ، وَإِنْ نَكَلَ، وَحَلَفَ الْقَاذِفُ، سَقَطَ حَدُّ الْقَذْفِ، وَلَا يَثْبُتُ بِحَلِفِهِ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمَقْذُوفِ.
وَلَوِ ادَّعَى سَرِقَةَ مَالِهِ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ لِلْمَالِ، وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي، وَاسْتَحَقَّ الْمَالَ، وَلَا يَقْطَعُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَثْبُتُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا، وَادَّعَى شُبْهَةً بِأَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ، وَقَالَ: ظَنَنْتُهَا تَحِلُّ لِي، وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، حَلَفَ وَسَقَطَ بِحَلِفِهِ الْحَدُّ، وَلَزِمَ الْمَهْرُ، وَتُسْمَعُ الدَّعْوَى.
وَيَجْرِي التَّحْلِيفُ فِي الْقَصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَكَذَا فِي الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ الْمُوجِبَيْنِ لِلتَّعْزِيرِ.
الثَّانِيَةُ: ادَّعَى عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ ظَلَمَهُ فِي الْحُكْمِ، أَوْ عَلَى الشَّاهِدِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ أَوِ الْغَلَطَ، أَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا يُسْقِطُ شَهَادَتَهُ، لَمْ يَحْلِفَا لِارْتِفَاعِ مَنْصِبِهِمَا عَنِ التَّحْلِيفِ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَفِي أَوَّلِ أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَلَوِ ادَّعَى عَلَى الْمَعْزُولِ أَنَّهُ حَكَمَ أَيَّامَ قَضَائِهِ عَلَيْهِ ظُلْمًا، وَأَنْكَرَ، فَقَدْ سَبَقَ وَجْهَانِ فِي أَنَّهُ يَحْلِفُ أَمْ يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ، هَذَا فِي دَعْوَى تَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ، وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ، كَدَعْوَى مَالٍ وَغَيْرِهِ، فَهُوَ كَسَائِرِ النَّاسِ فِي الْخُصُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ يَحْكُمُ فِيهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي خَلِيفَتُهُ، أَوْ قَاضٍ آخَرُ.
الثَّالِثَةُ: الصَّبِيُّ إِذَا ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، كَمَا سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ، وَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: أَنَا صَبِيٌّ بَعْدُ وَهُوَ مُحْتَلِمٌ، لَمْ يَحْلِفْ، وَتُوقَفُ الْخُصُومَةُ حَتَّى يَبْلُغَ، وَإِنْ وَقَعَ فِي السَّبْيِ مَنْ أَنْبَتَ، وَقَالَ: اسْتَنْبَتُّ الشَّعْرَ بِالْعِلَاجِ، وَأَنَا غَيْرُ
بَالِغٍ، بُنِيَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْحَجْرِ أَنَّ إِنْبَاتَ الْعَانَةِ نَفْسُ الْبُلُوغِ أَمْ عَلَامَتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَلَا حَاصِلَ لِكَلَامِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَالْمَنْصُوصُ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْلِفُ وَهُوَ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَدَّعِي الصَّبِيَّ، وَتَحْلِيفُ مَنْ يَدَّعِي الصَّبِيَّ لَا وَجْهَ لَهُ، كَمَا سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْقَفَّالُ: هَذَا التَّحْلِيفُ احْتِيَاطٌ وَاسْتِظْهَارٌ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَصَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ، وَنَفَى الْخِلَافَ فِيهِ، وَاعْتَمَدُوا فِي تَحْلِيفِهِ الْإِنْبَاتَ، وَقَالُوا: كَيْفَ نَتْرُكُ الدَّلِيلَ الظَّاهِرَ بِزَعْمٍ مُجَرَّدٍ؟ فَإِذَا حَلَفَ أُلْحِقَ بِالصِّبْيَانِ، وَحُقِنَ دَمُهُ، وَإِنْ نَكَلَ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُقْتَلُ، وَالثَّانِي: يُخَلَّى، وَالثَّالِثُ: يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَالرَّابِعُ: يُحْبَسُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ بُلُوغُهُ، ثُمَّ يَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الِاسْتِعْجَالِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَتَلْنَاهُ.
الرَّابِعَةُ: ادَّعَى رَجُلٌ دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ، أَوْ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ، وَلِلْمَيِّتِ وَصِيٌّ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ، فَأَنْكَرَ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْوَصِيِّ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لَمْ يُمْكِنْ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ التَّحْلِيفِ أَنْ يُقِرَّ، وَالْوَصِيُّ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ، فَلَا مَعْنَى لِتَحْلِيفِهِ، فَلَوْ كَانَ وَارِثًا حَلَفَ بِحَقِّ الْوِرَاثَةِ، وَقَيِّمُ الْقَاضِي كَالْوَصِيِّ.
فَرْعٌ
عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ لِرَجُلٍ، فَطَلَبَهُ بِهِ رَجُلٌ، وَزَعَمَ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً، وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ بِالْوَكَالَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الْحَقِّ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَسَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ، وَعَلَى هَذَا لَهُ تَحْلِيفُهُ، وَإِنَّ
لَهُ تَحْلِيفَهُ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّسْلِيمُ بِاعْتِرَافِهِ إِذَا قُلْنَا: الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ كَالْبَيِّنَةِ.
فَرْعٌ
هَلْ لِلْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ إِقَامَةُ بَيِّنَةٍ عَلَى وَكَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الْخَصْمِ؟ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْإِمَامُ، عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ اشْتِرَاطُهُ، وَغَيْرِهِ مَنْعُهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّ الْإِمَامَ حَكَى عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخَصْمُ غَائِبًا، نَصَبَ الْحَاكِمُ مُسَخَّرًا عَنْهُ، كَانَ الْمُرَادُ هُنَا إِذَا كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ، وَهُنَاكَ إِذَا كَانَ غَائِبًا، وَالْأَصَحُّ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حُضُورِهِ، وَلَا إِلَى نَصْبِ مُسَخَّرٍ، وَلَوْ وَكَّلَ بِالْخُصُومَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، اسْتَغْنَى عَنْ حُجَّةٍ يُقِيمُهَا إِنْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ؟
الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فَائِدَةُ الْيَمِينِ وَحُكْمُهَا، وَهُوَ انْقِطَاعُ الْخُصُومَةِ، وَالْمُطَالَبَةُ فِي الْحَالِ، لَا سُقُوطُ الْحَقِّ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، سُمِعَتْ، وَقُضِيَ بِهَا، وَكَذَا لَوْ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَنَكَلَ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ وَقْتَ التَّحْلِيفِ لِلْبَيِّنَةِ، فَإِنْ كَانَ قَالَ حِينَئِذٍ: لَا بَيِّنَةَ لِي حَاضِرَةٌ وَلَا غَائِبَةٌ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرْنَاهَا فِي الطَّرَفِ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ مَضْمُومَةً إِلَى مَا لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَا بَيِّنَةَ لِي، وَفِيهِمَا خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ السَّمَاعُ أَيْضًا، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي حَاضِرَةٌ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً سُمِعَتْ، فَلَعَلَّهَا حَضَرَتْ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ وَلَا أُقِيمُهَا، بَلْ أَرَدْتُ يَمِينَهُ، أَجَابَهُ الْقَاضِي، وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَا يُجِيبُهُ، بَلْ يَقُولُ: أَحْضِرِ الْبَيِّنَةَ.
فَرْعٌ
أَقَامَ الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ شُهُودًا، ثُمَّ قَالَ: كَذَبَ شُهُودِي، أَوْ شَهِدُوا مُبْطِلِينَ، فَلَا شَكَّ فِي سُقُوطِ بَيِّنَتِهِ، وَامْتِنَاعِ الْحُكْمِ، وَفِي بُطْلَانِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ، كَمَا لَوْ كَذَّبَ نَفْسَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةً أُخْرَى، وَأَصَحُّهَمَا: لَا، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَالشُّهُودِ مُبْطِلِينَ لِشَهَادَتِهِمْ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) وَبُنِيَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَا لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شُهُودًا، فَزَعَمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ بِأَنَّ شُهُودَهُ كَذَبَةٌ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا، وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ هَلْ يُمْكِنُ، وَيَحْكُمُ بِشَاهِدِهِ وَيَمِينِهِ؟ إِنْ قُلْنَا: هَذَا الْإِقْرَارُ لَا يُبْطِلُ أَصْلَ الدَّعْوَى، فَلَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حِينَئِذٍ الطَّعْنُ فِي الشُّهُودِ، وَإِخْرَاجُ شَهَادَتِهِمْ عَنْ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا، وَجَرْحُ الشُّهُودِ، وَالطَّعْنُ فِيهِمْ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِمَالٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يُبْطِلُهَا، مُكِّنَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حِينَئِذٍ إِسْقَاطُ الدَّعْوَى بِالْمَالِ، فَهُوَ كَادِّعَاءِ الْإِبْرَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
فُرُوعٌ
فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ: أَقَامَ شَاهِدَيْنِ فِي حَادِثَةٍ، وَكَانَا اسْتَبَاعَا الدَّارَ مِنْهُ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مِلْكُهُ، وَأَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ شَاهِدَيِ الْمُدَّعِي قَالَا: لَا شَهَادَةَ لَنَا فِي ذَلِكَ سَأَلَهُمَا الْحَاكِمُ: مَتَى قَالَ ذَلِكَ شَاهِدَا الْمُدَّعِي؟ فَإِنْ قَالَا: قَالَاهُ أَمْسِ، أَوْ مِنْ شَهْرٍ، لَمْ تَنْدَفِعْ شَهَادَتُهُمَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ لَا يَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ، ثُمَّ يَصِيرَانِ.
وَإِنْ قَالَا: قَالَا حِينَ تَصَدَّيَا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ،
انْدَفَعَتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَلَوْ أَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ بِأَنَّ شَاهِدَيْهِ شَرِبَا الْخَمْرَ وَقْتَ كَذَا، فَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ رَدَّ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ قَصَرَتْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُمَا شَرِبَا الْخَمْرَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَقْتٍ، سُئِلَ الْمُدَّعِي عَنْ وَقْتِهِ، وَحُكِمَ بِمَا يَقْتَضِيهِ تَعْيِينُهُ، وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، ثُمَّ قَالَ لِلْقَاضِي: لَا تَحْكُمُ بِشَيْءٍ حَتَّى تُحَلِّفَهُ، بَطَلَتْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُعْتَرِفِ بِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا.
قُلْتُ: هَذَا مُشْكَلٌ، فَقَدْ يَقْصِدُ تَحْلِيفَهُ لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، وَيُظْهِرَ إِقْدَامَهُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي قَدْحًا فِي الْبَيِّنَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَبْطُلَ الْبَيِّنَةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَقَالَ لِلْحَاكِمِ: قَدْ حَلَّفَنِي مَرَّةً عَلَى هَذَا بِطَلَبِهِ، فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفِي، فَإِنْ حَفِظَ الْقَاضِي مَا قَالَهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ، وَمَنَعَ الْمُدَّعِيَ مِمَّا طَلَبَ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ حَلَّفَهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، لِمَا سَبَقَ أَنَّ الْقَاضِيَ مَتَى تَذَكَّرَ حُكْمَهُ أَمْضَاهُ، وَإِلَّا فَلَا يَعْتَمِدُ بَيِّنَةً، وَعَنِ ابْنِ الْقَاصِّ جَوَازُ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ، حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ وَمُقْتَضَاهُ الطَّرْدُ فِي كُلِّ بَابٍ، وَإِنْ قَالَ: حَلَّفَنِي عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ وَأَطْلَقَ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَوَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ بِالْمَنْعِ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ حَلَّفَهُ عَلَى أَنَّهُ مَا حَلَّفَهُ، وَهَكَذَا فَيَدُورُ الْأَمْرُ، وَلَا يَنْفَصِلُ، وَأَصَحُّهُمَا - وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ - يُمَكَّنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتِمَلٌ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وَلَا يُسْمَعُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُدَّعِي، لِئَلَّا