روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 244-283
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ السِّيَرِ

صفحات 244-283
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَنْ يَحْضُرَ ذُو الرَّأْيِ فِي صَفِّ الْقِتَالِ، أَوْ لَا يَحْضُرَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْأَخْرَقِ مِنْهُمْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ، أَوْ يَدْخُلَ بَعْضَ بِلَادِهِمْ، فَيَجِدَهُ هُنَاكَ فِي أَنَّ فِي قَتْلِهِ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي السُّوقَةِ طَرِيقَانِ، الْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِقَتْلِهِمْ، وَالثَّانِي: عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا قَتْلَ هَؤُلَاءِ، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ، وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ، وَاغْتِنَامُ أَمْوَالِهِمْ، وَإِلَّا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ يُرَقُّونَ بِنَفْسِ الْأَسْرِ كَالنِّسَاءِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، كَأَسِيرٍ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الِاسْتِرْقَاقِ، فَفِي قَوْلٍ: يَتَعَيَّنُ رِقُّهُ، وَفِي قَوْلٍ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَرِقَّهُ وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ، أَوْ يُفَادِيَهُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ، بَلْ يُتْرَكُونَ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، وَيَجُوزُ سَبْيُ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ سَبْيُ نِسَائِهِمْ دُونَ صِبْيَانِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْعَاضُهُمْ، وَأَجْرَى بَعْضُهُمُ الْخِلَافَ فِي اغْتِنَامِ الْأَمْوَالِ، قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ مَنَعَ اغْتِنَامَ أَمْوَالِ السُّوقَةِ، فَقَدْ قَرُبَ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَلَوْ تَرَهَّبَتِ امْرَأَةٌ فَفِي جَوَازِ سَبْيِهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى قَتْلِ الرَّاهِبِ.
فَرْعٌ لَا يَجُوزُ قَتْلُ رَسُولِ الْكُفَّارِ.
التَّاسِعَةُ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ مُحَاصَرَةُ الْكُفَّارِ فِي بِلَادِهِمْ، وَالْحُصُونِ وَالْقِلَاعِ، وَتَشْدِيدِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ بِالْمَنْعِ مِنَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُصِيبَهُمْ، وَيَجُوزَ التَّحْرِيقُ بِإِضْرَامِ النَّارِ وَرَمْيِ النِّفْطِ إِلَيْهِمْ، وَالتَّغْرِيقُ بِإِرْسَالِ الْمَاءِ، وَيُبَيِّتُهُمْ وَهُمْ غَافِلُونَ، وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، نُظِرَ إِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إِلَى الرَّمْيِ وَالضَّرْبِ، بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْتِحَامِ الْقِتَالِ وَلَوْ تُرِكُوا لَغَلَبُوا الْمُسْلِمِينَ، جَازَ الرَّمْيُ وَالضَّرْبُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ، بِأَنْ كَانُوا يَدْفَعُونَ بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَاحْتَمَلَ الْحَالُ تَرْكَهُمْ، فَطَرِيقَانِ.

أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ رَمْيُهُمْ، كَمَا يَجُوزُ نَصْبُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَى الْقَلْعَةِ وَإِنْ كَانَ يُصِيبُهُمْ، وَلِئَلَّا يَتَّخِذُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْقَفَّالِ.
وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ مَائِلُونَ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ وَرَدُّ الْمَنْعِ إِلَى الْكَرَاهَةِ، وَقِيلَ: فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى هَذَا قَوْلَانِ، وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ فِي الْقَلْعَةِ، فَقِيلَ: هَذِهِ الصُّورَةُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ حِيلَةً إِلَى اسْتِبْقَاءِ الْقِلَاعِ لَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ فَسَادٌ عَظِيمٌ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَإِنْ عَجَزْنَا عَنِ الْقَلْعَةِ إِلَّا بِهِ.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ فِي الصُّورَتَيْنِ، الْجَوَازُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلْدَةِ أَوِ الْقَلْعَةِ مُسْلِمٌ، أَوْ أَسِيرٌ، أَوْ تَاجِرٌ، أَوْ مُسْتَأْمَنٌ، أَوْ طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَهَلْ يَجُوزُ قَصْدُ أَهْلِهَا بِالنَّارِ وَالْمَنْجَنِيقِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا؟ فِيهِ طُرُقٌ، الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةٌ، كُرِهَ وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَظْهَرِ لِئَلَّا يُعَطِّلُوا الْجِهَادَ بِحَبْسِ مُسْلِمٍ فِيهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ، كَخَوْفِ ضَرَرِهِمْ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ فَتْحُ الْقَلْعَةِ إِلَّا بِهِ، جَازَ قَطْعًا، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا اعْتِبَارَ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ إِنْ كَانَ مَا يُرْمَى بِهِ يُهْلِكُ الْمُسْلِمَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَالثَّالِثُ وَبِهِ أَجَابَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» : إِنْ كَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِيهِمْ مِثْلَ الْمُشْرِكِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَذْهَبُ: الْجَوَازُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُصِيبُ مُسْلِمًا وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» لِأَنَّ حُرْمَةَ مَنْ مَعَنَا أَعْظَمُ حُرْمَةً مِمَّنْ فِي أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ هَلَكَ مِنْهُمْ هَالِكٌ، فَقَدْ رُزِقَ الشَّهَادَةَ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَلَوْ رَمَى بِشَيْءٍ مِنْهَا إِلَى الْقَلْعَةِ، أَوْ

الْبَلْدَةِ، فَقَتَلَ مُسْلِمًا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِيهَا مُسْلِمًا، لَمْ يَجِبْ إِلَّا الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ عَلِمَ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ.
فَرْعٌ لَوْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمِينَ مِنَ الْأُسَارَى وَغَيْرِهِمْ، نُظِرَ إِنْ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ وَاحْتَمَلَ الْحَالُ الْإِعْرَاضَ عَنْهُمْ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، فَإِنْ رَمَى رَامٍ، فَقَتَلَ مُسْلِمًا قَالَ الْبَغَوِيُّ: هُوَ كَمَا لَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، إِنْ عَلِمَهُ مُسْلِمًا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ ظَنَّهُ كَافِرًا فَلَا قِصَاصَ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَفِي الدِّيَةِ قَوْلَانِ، وَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ، بِأَنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ فِي حَالِ الْتِحَامِ الْقِتَالِ وَكَانُوا بِحَيْثُ لَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ ظَفِرُوا بِنَا، وَكَثُرَتْ نِكَايَتُهُمْ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَرْبُ الْكُفَّارِ إِلَّا بِضَرْبِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ نَخَافَ عَلَى أَنْفُسِنَا، وَدَمُ الْمُسْلِمِ لَا يُبَاحُ بِالْخَوْفِ بِدَلِيلِ صُورَةِ الْإِكْرَاهِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ: جَوَازُ الرَّمْيِ عَلَى قَصْدِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَتَوَقَّى الْمُسْلِمِينَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ الْإِعْرَاضِ أَكْثَرُ مِنْ مَفْسَدَةِ الْإِقْدَامِ، وَلَا يَبْعُدُ احْتِمَالُ طَائِفَةٍ لِلدَّفْعِ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَمُرَاعَاةً لِلْأُمُورِ الْكُلِّيَّاتِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا الرَّمْيَ، فَرَمَى وَقَتَلَ مُسْلِمًا، فَلَا قِصَاصَ، فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَفِي الدِّيَةِ طُرُقٌ، أَصَحُّهَا وَظَاهِرُ النَّصِّ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَابْنُ سَلَمَةَ: إِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَرْمِيَّ مُسْلِمٌ، وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّانِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنْ قَصَدَهُ بِعَيْنِهِ، وَجَبَتْ، سَوَاءٌ عَلِمَهُ مُسْلِمًا أَمْ لَا، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّالِثُ: قَوْلَانِ مُطْلَقًا، وَالرَّابِعُ قَالَهُ ابْنُ الْوَكِيلِ: إِنْ عَلِمَ أَنَّ هُنَاكَ مُسْلِمًا، وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزِ الرَّمْيَ، فَرَمَى وَقَتَلَ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا قَوْلَانِ، كَالْمُكْرَهِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ قَطْعًا، كَالْمُضْطَرِّ إِذَا قَتَلَ رَجُلًا لِيَأْكُلَهُ، بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ، فَإِنَّهُ مُلْجَأٌ، وَلِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُحَالُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكْرَهُ.

وَلَوْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ أَوْ عَبْدٍ، فَالْحُكْمُ فِي جَوَازِ الرَّمْيِ وَالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ حَيْثُ تَجِبُ دِيَةٌ، يَجِبُ فِي الْعَبْدِ قِيمَتُهُ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ لَوْ تَتَرَّسَ كَافِرٌ بِتِرْسِ مُسْلِمٍ، أَوْ رَكِبَ فَرَسَهُ، فَرَمَاهُ مُسْلِمٌ فَأَتْلَفَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْتِحَامٍ، أَوْ فِي الْتِحَامٍ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَقَّى التِّرْسَ وَالْفَرَسَ، ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فِي الِالْتِحَامِ الدَّفْعُ إِلَّا بِإِصَابَتِهِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَالْمُكْرَهِ، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ فِي الْمَالِ يَكُونُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ، وَهُنَا لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَرْبِيِّ حَتَّى يَجْعَلَ الْمُسْلِمَ طَرِيقًا، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مُخْتَارًا، لَزِمَهُ الضَّمَانُ.
الْعَاشِرَةُ: فِي حُكْمِ الْهَزِيمَةِ، إِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ، قَدْ أَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي انْهِزَامِهِ كَسْرُ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزِ الِانْهِزَامُ بِحَالٍ، وَإِلَّا فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْجُمْهُورُ لِذَلِكَ بَلْ قَالُوا: إِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ، فَلَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَزِيدَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى ضِعْفِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ كَانُوا مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقَلَّ، فَتَحْرُمُ الْهَزِيمَةُ وَالِانْصِرَافُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ، أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، فَالْمُتَحَرِّفُ: مَنْ يَنْصَرِفُ لِيَكْمُنَ فِي مَوْضِعٍ، وَيَهْجُمُ، أَوْ يَكُونُ فِي مَضِيقٍ، فَيَنْصَرِفُ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إِلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَالِ، أَوْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي التَّحَوُّلِ إِلَى مَضِيقٍ، أَوْ يَتَحَوَّلُ مِنْ مُقَابَلَةِ الشَّمْسِ وَالرِّيحِ إِلَى مَوْضِعٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْقِتَالُ.
وَالْمُتَحَيِّزُ إِلَى فِئَةٍ: مَنْ يَنْصَرِفُ عَلَى قَصْدِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى طَائِفَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا فِي الْقِتَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ قُرْبُهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَلْزَمُهُ تَحْقِيقُ عَزْمِهِ بِالْقِتَالِ مَعَ الْفِئَةِ الْمُتَحَيِّزِ إِلَيْهَا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ مُرَخَّصٌ، فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْجِهَادُ لَا يَجِبْ قَضَاؤُهُ، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ، أَنَّ التَّحَيُّزَ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا اسْتَشْعَرَ الْمُتَحَيِّزُ

عَجْزًا مُحْوِجًا إِلَى الِاسْتِنْجَادِ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّ مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ الْغَزَالِيِّ أَخَذَهُ مِنْ هَذَا، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْأَصْحَابُ مَا ذَكَرَاهُ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا تَرْكَ الْقِتَالِ وَالِانْهِزَامَ فِي الْحَالِ مَجْبُورًا بِعَزْمِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ التَّحَرُّفِ وَالتَّحَيُّزِ يَتَضَمَّنُ الْعَزْمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى الْقِتَالِ، وَالرُّخْصَةُ مَنُوطَةٌ بِعَزْمِهِ، وَلَا يُمْكِنُ مُخَادَعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَزْمِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحْرِيمِ الْهَزِيمَةِ إِلَّا لِمُتَحَرِّفٍ أَوْ مُتَحَيِّزٍ هُوَ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ، أَمَّا مَنْ عَجَزَ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِلَاحٌ، فَلَهُ الِانْصِرَافُ بِكُلِّ حَالٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَلِّيَ مُتَحَرِّفًا أَوْ مُتَحَيِّزًا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّمْيُ بِالْأَحْجَارِ، فَهَلْ تَقُومُ مَقَامَ السِّلَاحِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: تَقُومُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ مَاتَ فَرَسُهُ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ رَاجِلًا، فَلَهُ الِانْصِرَافُ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ قُتِلَ، هَلْ لَهُ الِانْصِرَافُ؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ.
ثُمَّ الْمُتَحَيِّزُ إِلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ لَا يُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا يَغْنَمُونَهُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ مِمَّا غَنِمُوهُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ، هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَبِمِثْلِهِ أَجَابَ فِي الْمُتَحَرِّفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ بِأَنَّ الْمُتَحَرِّفَ يُشَارِكُ، وَلَعَلَّهُ فِيمَنْ لَمْ يَبْعُدْ، وَلَمْ يَغِبْ، وَالنَّصُّ فِيمَا إِذَا تَحَرَّفَ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنِ الْقَوْمِ قَبْلَ أَنْ يَغْنَمُوا، وَهَلْ يُشَارِكُ الْمُتَحَيِّزُ إِلَى فِئَةٍ قَرِيبَةٍ فِيمَا غَنِمُوهُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِبَقَاءِ نُصْرَتِهِ وَالِاسْتِنْجَادِ بِهِ، فَهُوَ كَالسَّرِيَّةِ الْقَرِيبَةِ تُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَهُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ، جَازَ الِانْهِزَامُ، وَهَلْ يَجُوزُ انْهِزَامُ مِائَةٍ مِنْ أَبْطَالِنَا مِنْ مِائَتَيْنِ، وَوَاحِدٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْكُفَّارِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُمْ يُقَاوِمُونَهُمْ لَوْ ثَبَتُوا، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْعَدَدُ عِنْدَ تَقَارُبِ الْأَوْصَافِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ

الْأَوْصَافِ يَعْسُرُ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْعَدَدِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي عَكْسِهِ، وَهُوَ فِرَارُ مِائَةٍ مِنْ ضُعَفَائِنَا مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ مِنْ ضُعَفَائِهِمْ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْعَدَدَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَى، جَازَ، وَإِذَا جَازَ الْفِرَارُ، نُظِرَ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ ثَبَتُوا ظَفِرُوا، اسْتُحِبَّ الثَّبَاتُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلَاكُ، فَفِي وُجُوبِ الْفِرَارِ وَجْهَانِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ كَانَ فِي الثَّبَاتِ الْهَلَاكُ الْمَحْضُ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ، وَجَبَ الْفِرَارُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ هُوَ الْحَقُّ، وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لَقِيَ مُسْلِمٌ مُشْرِكَيْنِ، إِنْ طَلَبَاهُ، فَلَهُ الْفِرَارُ، وَإِنْ طَلَبَهُمَا وَلَمْ يَطْلُبَاهُ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ وَالثَّبَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ وَلَّى النِّسَاءُ، لَمْ يَأْثَمْنَ، فَلَسْنَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، نُصَّ عَلَيْهِ، كَمَا لَا إِثْمَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ إِذَا وَلَّيَا، وَيَأْثَمُ السَّكْرَانُ.
وَلَوْ قَصَدَ الْكُفَّارُ بَلَدًا، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ إِلَى أَنْ يَجِدُوا قُوَّةً وَمَدَدًا، لَمْ يَأْثَمُوا، إِنَّمَا الْإِثْمُ عَلَى مَنْ وَلَّى بَعْدَ اللِّقَاءِ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبَا «الْحَاوِي» وَ «الْبَحْرِ» : تَجُوزُ الْهَزِيمَةُ مِنْ أَكْثَرَ مِنَ الْمِثْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فُرْسَانًا وَالْكُفَّارُ رَجَّالَةً، وَتَحْرُمُ الْهَزِيمَةُ مِنَ الْمِثْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ رَجَّالَةً وَالْكُفَّارُ فُرْسَانًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَعْنَى أَمْ بِالْعَدَدِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

الْمُبَارَزَةُ جَائِزَةٌ، وَلَوْ خَرَجَ كَافِرٌ وَطَلَبَهَا، اسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ إِلَيْهِ، وَابْتِدَاءُ الْمُبَارَزَةِ لَا مُسْتَحَبٌّ وَلَا مَكْرُوهٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: تُكْرَهُ، وَأَطْلَقَ ابْنُ كَجٍّ اسْتِحْبَابَهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ الْمُبَارَزَةُ مِمَّنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ وَعَرَفَ قُوَّتَهُ وَجُرْأَتَهُ، فَأَمَّا الضَّعِيفُ الَّذِي لَا يَثِقُ بِنَفْسِهِ، فَتُكْرَهُ لَهُ الْمُبَارَزَةُ ابْتِدَاءً وَإِجَابَةً، نُصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُبَارِزَ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، فَلَوْ بَارَزَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ التَّغْرِيرَ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ جَائِزٌ، وَالثَّانِي: يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي تَعْيِينِ الْأَبْطَالِ.

فَصْلٌ

نَقْلُ رُءُوسِ الْكُفَّارِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يُكْرَهُ لِلْإِرْعَابِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ: يُكْرَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْجُمْهُورُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ كَافِرٍ فِيهِ نِكَايَةٌ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : لَا يُكْرَهُ، إِنْ كَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ.

الطَّرَفُ الثَّانِي فِي سَبْيِ الْكُفَّارِ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ، وَفِيهِ مَسَائِلُ إِحْدَاهَا: نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إِذَا وَقَعُوا فِي الْأَسْرِ، رُقُّوا، وَكَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ سَائِرِ أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ، فَالْخُمُسُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَالْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ، وَالْعَبِيدُ إِذَا وَقَعُوا فِي الْأَسْرِ، كَانُوا كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ، لَا يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْحَرْبِيِّ مَالٌ لَهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ بِأَنَّ عَبْدَ الْحَرْبِيِّ لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَخْرُجْ، وَلَا قَهَرَ سَيِّدَهُ،

لَا يَزُولُ مِلْكُ الْحَرْبِيِّ عَنْهُ، وَإِذَا سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ، كَانَ عَبْدًا مُسْلِمًا، وَلَا يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَيْهِ، وَيُسْتَرَقُ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مَالٌ يُخْلَى سَبِيلُهُ، كَالْحُرِّ، وَلَمَا جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ قَتْلُ الْعَبِيدِ، وَلَا الْمَنُّ عَلَيْهِمْ، وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى هَذَا، وَفِي «الْمُهَذَّبِ» أَنَّهُ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَهُ لِشَرِّهِ وَقُوَّتِهِ، قَتَلَهُ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغَانِمِينَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ الْكَامِلُونَ إِذَا أُسِرُوا، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ صَبْرًا بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ، لَا بِتَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ، وَلَا يُمَثِّلُ بِهِمْ، أَوْ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ، أَوْ يُفَادِيهِمْ بِالرِّجَالِ، أَوْ بِالْمَالِ، أَوْ يَسْتَرِقُّهُمْ، وَيَكُونُ مَالُ الْفِدَاءِ وَرِقَابُهُمْ إِذَا اسْتُرِقُّوا، كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ، وَلَيْسَ هَذَا التَّخْيِيرُ لِلتَّشَهِّي، بَلْ يَلْزَمُ الْإِمَامُ أَنَّ يَجْتَهِدَ وَيَفْعَلَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ مَا هُوَ الْحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُ الصَّوَابِ فِي الْحَالِ وَتَرَدَّدَ، حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ، وَسَوَاءٌ فِي الِاسْتِرْقَاقِ كَانَ الْأَسِيرُ كِتَابِيًّا أَوْ وَثَنِيًّا، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَحْرُمُ اسْتِرْقَاقُ الْوَثَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَافِرُ مِنَ الْعَرَبِ، أَوْ غَيْرِهِمْ عَلَى الْجَدِيدِ الْمَشْهُورِ، وَفِي الْقَدِيمِ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ، وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ بَعْضِ شَخْصٍ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى بَعْضِهِ، رِقٌّ كُلُّهُ، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَرِقُّ شَيْءٌ، وَإِذَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ، جَازَ بِالْمَالِ سِلَاحًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَيَجُوزُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرُدُّ مُشْرِكًا بِمُسْلِمٍ، أَوْ مُسْلِمَيْنِ، أَوْ مُشْرِكَيْنِ بِمُسْلِمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَهُمْ بِأَسْلِحَتِنَا الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ أَسْلِحَتَهُمُ الَّتِي فِي أَيْدِينَا بِمَالٍ يَبْذُلُونَهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُمُ السِّلَاحَ، وَفِي جَوَازِ رَدِّهَا بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ لَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ الْأَسِيرَ قَبْلَ أَنْ يَرَى الْإِمَامُ رَأْيَهُ فِيهِ، عُزِّرَ

وَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُ وَهُوَ حُرٌّ إِلَى أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُخْلَى سَبِيلُهُ، وَالْأَمْوَالُ لَا تُرَدُّ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الِاغْتِنَامِ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْأَسْرِ صَبِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ، فَقِيلَ: وَجَبَتِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا بِنَفْسِ الْأَسْرِ، ثُمَّ إِنْ سُبِيَ الصَّبِيُّ وَحْدَهُ، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي، فَفِيهِ قِيمَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ قَاتِلُهُ عَبْدًا، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ.
فَرْعٌ لَوْ أُسِرَ بَالِغٌ لَهُ زَوْجَةٌ، لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ نِكَاحِهِ بِالْأَسْرِ، فَإِنْ فَادَاهُ الْإِمَامُ، أَوْ مَنَّ عَلَيْهِ، اسْتَمَرَّتِ الزَّوْجِيَّةُ، وَإِنِ اسْتَرَقَّهُ، ارْتَفَعَ النِّكَاحُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ أُسِرَ صَبِيٌّ لَهُ زَوْجَةٌ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ بِنَفْسِ أَسْرِهِ.
فَرْعٌ لَوْ أُسِرَ كَافِرٌ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَصِبْيَانُهُ، يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِ دُونَهُمْ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا أَسْلَمَ الْأَسِيرُ وَهُوَ رَجُلٌ حُرٌّ مُكَلَّفٌ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْإِمَامُ فِيهِ شَيْئًا، عُصِمَ دَمُهُ، وَهَلْ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ أَسِيرٌ مُحَرَّمُ الْقَتْلِ فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يُرَقُّ، بَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ، أَوْ يَمُنَّ، أَوْ يُفَادِيَ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالتَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا، فَلَا يَزُولُ، فَإِنِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِمْ عِزٌّ أَوْ عَشِيرَةٌ يُسَلِّمُ بِهَا دِيَتَهُ وَنَفْسَهُ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: يَرِقُّ، أَوْ يَجُوزُ إِرْقَاقُهُ، فَأَرَقَّهُ، كَانَ غَنِيمَةً، وَكَذَا لَوْ فَادَاهُ بِمَالٍ، كَانَ غَنِيمَةً، وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَسْرِهِ وَالظَّفَرِ بِهِ، عَصَمَ دَمَهُ وَمَالَهُ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ وَهُوَ مَحْصُورٌ وَقَدْ قَرُبَ الْفَتْحُ، أَوْ أَسْلَمَ فِي حَالِ أَمْنِهِ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوِ الْإِسْلَامِ، وَيَعْصِمُ أَيْضًا أَوْلَادَهُ الصِّغَارَ عَنِ السَّبْيِ، وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لَهُ، وَالْحَمْلُ كَالْمُنْفَصِلِ، فَلَا يَسْتَرِقُّ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَهَلْ يَعْصِمُ إِسْلَامُ الْجَدِّ وَلَدَ ابْنِهِ

الصَّغِيرَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: نَعَمْ، وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الِابْنُ مَيِّتًا، عَصَمَ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَجْنُونُ مِنْ أَوْلَادِهِ، كَالصَّغِيرِ، فَلَوْ كَانَ بَلَغَ عَاقِلًا، ثُمَّ جُنَّ، عَصَمَهُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهَا، عَصَمَتْ نَفْسَهَا وَمَالَهَا وَأَوْلَادَهَا الصِّغَارَ، وَحَكَى الْفُورَانِيُّ فِي الْأَوْلَادِ قَوْلًا، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ، وَأَمَّا الْأَوْلَادُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ، فَلَا يَعْصِمُهُمْ إِسْلَامُ الْأَبِ لِاسْتِقْلَالِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهَلْ يَعْصِمُ إِسْلَامُهُ قَبْلَ الْأَسْرِ زَوْجَتَهُ عَنِ الِاسْتِرْقَاقِ؟ نُصَّ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهَا، وَنُصَّ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ أَعْتَقَ كَافِرًا، فَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ، فَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا تُسْتَرَقُّ زَوْجَتُهُ وَلَا عَتِيقُهُ لِئَلَّا يُبْطَلَ حَقُّهُ، كَمَا لَا يُغْنَمُ مَالُهُ، وَالثَّانِي: يُسْتَرَقَّانِ لِاسْتِقْلَالِهِمَا، وَالْمَذْهَبُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَرْتَفِعُ وَإِنْ تَرَاضَيَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي اسْتِرْقَاقِ حَرْبِيَّةٍ نَكَحَهَا مُسْلِمٌ وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَعْصِمُهَا وَكَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ إِسْلَامِهِ، فَفِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، فَلَا تُمْلَكُ دُونَهُ كَمَا لَا تُبَاعُ دُونَهُ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهَا حَرْبِيَّةٌ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَهَا، وَإِذَا اسْتُرِقَّتْ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْقَطَعَ النِّكَاحُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَمِلْكُ الزَّوْجِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً كَافِرَةً، وَلَا يَجُوزُ إِمْسَاكُ أَمَةٍ كَافِرَةٍ لِلنِّكَاحِ، وَقِيلَ: يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ وَإِنِ اسْتُرِقَّتْ، حَكَاهُ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: انْقِطَاعُ النِّكَاحِ، وَالثَّانِي: يُتَوَقَّفُ مُدَّةَ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أُعْتِقَتْ، وَأَسْلَمَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وَكَذَا لَوْ أُعْتِقَتْ وَلَمْ تُسْلِمْ؛ لِأَنَّ إِمْسَاكَ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ لِلنِّكَاحِ جَائِزٌ، فَلَوْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ تُعْتَقْ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، فَلَهُ إِمْسَاكُهَا، وَإِلَّا فَفِي جَوَازِ إِمْسَاكِهَا وَجْهَانِ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَمَا اسْتُرِقَّتْ زَوْجَتُهُ الْحَامِلُ، حُكِمَ بِإِسْلَامِ الْحَمْلِ، وَلَمْ

يَبْطُلْ رِقُّهُ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ حَامِلٌ تَحْتَ حَرْبِيٍّ، لَمْ تُسْتَرَقَّ هِيَ وَلَا وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُمَا مُسْلِمَانِ.
فَرْعٌ لَوِ اسْتَأْجَرَ مُسْلِمٌ دَارَ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ، أَوِ اسْتَأْجَرَ حَرْبِيًّا رَقِيقًا، أَوْ حُرًّا، فَاسْتُرِقَّ، لَمْ تَنْقَطِعِ الْإِجَارَةُ، بَلْ يَبْقَى لِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِحْقَاقُ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَمْوَالِ مَمْلُوكَةٌ مِلْكًا تَامًّا مَضْمُونَةٌ، كَأَعْيَانِ الْأَمْوَالِ بِخِلَافِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، فَإِنَّهَا تُسْتَبَاحُ، وَلَا تُمَلَّكُ مِلْكًا تَامًّا، وَلِهَذَا لَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ، وَقِيلَ: فِي انْقِطَاعِ الْإِجَارَةِ خِلَافٌ كَانْقِطَاعِ النِّكَاحِ.
فَرْعٌ يَجُوزُ سَبْيُ مَنْكُوحَةِ الذِّمِّيِّ إِذَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً، وَيَنْقَطِعُ بِهِ نِكَاحُهُ، وَأَمَّا سَبْيُ عَتِيقِهِ وَاسْتِرْقَاقُهُ فَيُبْنَى عَلَى اسْتِرْقَاقِ عَتِيقِ الْمُسْلِمِ، إِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَوِ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، اسْتُرِقَّ، فَعَتِيقُهُ أَوْلَى، وَلَوْ أَعْتَقَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا، ثُمَّ نَقَضَ السَّيِّدُ الْعَهْدَ وَصَارَ حَرْبِيًّا، فَالصَّحِيحُ أَنَّ وَلَاءَهُ عَلَى عَتِيقِهِ لَا يُبْطَلُ، حَتَّى لَوْ عَتَقَ كَانَ وَلَاؤُهُ بَاقِيًا عَلَيْهِ، وَلِمُعْتِقِهِ أَيْضًا الْوَلَاءُ عَلَى عَتِيقِهِ، وَلَوْ مَلَكَ عَتِيقَهُ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْوَلَاءُ عَلَى الْآخَرِ، وَفِي وَجْهٍ يَبْطُلُ بِاسْتِرْقَاقِهِ وَلَاؤُهُ عَلَى عَتِيقِهِ، كَمَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ عَلَى عَبْدِهِ.
فَرْعٌ إِذَا سُبِيَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، صَغِيرَيْنِ كَانَا أَوْ كَبِيرَيْنِ، وَاسْتُرِقَّ الزَّوْجُ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)

وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ يُزِيلُ مِلْكَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَعِصْمَةُ النِّكَاحِ أَوْلَى بِالزَّوَالِ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ رَقِيقَيْنِ، فَغُنِمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَفِي انْقِطَاعِ النِّكَاحِ وَجْهَانِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَا أَمْ لَا، أَصَحُّهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ إِذَا لَمْ يَحْدُثْ رِقٌّ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ، وَالثَّانِي: يَنْقَطِعُ، لِحُدُوثِ السَّبْيِ، وَلِهَذَا لَوْ سُبِيَتْ مُسْتَوْلَدَةٌ، صَارَتْ قِنَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْأَوَّلِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ عَلَى حَرْبِيٍّ دَيْنٌ، فَاسْتُرِقَّ، لَمْ يَسْقُطِ الدَّيْنُ، فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِلسَّابِي، فَفِي سُقُوطِهِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ فَمَلَكَهُ، وَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ، قَضَى مِنَ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِ، وَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَى الْغَنِيمَةِ، كَمَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالرِّقِّ، كَمَا أَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْمُرْتَدِّ يُقْضَى مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ أَزَلْنَا مِلْكَهُ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ كَالْمَوْتِ وَالْحَجْرِ، وَكِلَاهُمَا يُعَلِّقُ الدَّيْنَ بِالْمَالِ، فَإِنْ غُنِمَ الْمَالُ قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِ، مَلَكَهُ الْغَانِمُونَ، وَلَمْ يُقْضَ مِنْهُ الدَّيْنُ، كَمَا لَوِ انْتَقَلَ مِلْكُهُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَإِنْ غُنِمَ مَعَ اسْتِرْقَاقِهِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ الدَّيْنُ، كَمَا يُقَدَّمُ فِي التَّرِكَةِ، وَأَصَحُّهُمَا: تُقَدَّمُ الْغَنِيمَةُ، لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ، كَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ مِنَ الْمَعِيَّةِ أَنْ يَقَعَ الِاغْتِنَامُ مَعَ الْأَسْرِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يُمْلَكُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، وَالرِّقُّ لَا يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْأَسْرِ فِي

الرِّجَالِ الْكَامِلِينَ، وَلَكِنْ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي النِّسْوَةِ، وَفِيمَا إِذَا وَقَعَ الِاغْتِنَامُ مَعَ إِرْقَاقِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدُ مَالٌ يَقْضِي مِنْهُ الدَّيْنَ، فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يُعْتَقَ، وَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ بِالرِّقِّ؟ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحُلُولِ بِالْإِفْلَاسِ، وَأَوْلَى بِالْحُلُولِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَوْتَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ، وَيَقْطَعُ النِّكَاحَ، هَذَا إِنْ كَانَ الدَّيْنُ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ لِذِمِّيٍّ، فَمِثْلُهُ أَجَابَ الْإِمَامُ، وَقَالَ: دَيْنُ الذِّمِّيِّ مُحْتَرَمٌ، كَعَيْنِ مَالِهِ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ، وَاسْتُرِقَّ الْمَدِينُ، فَالْمَحْكِيُّ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ: سُقُوطُ الدَّيْنِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، هَذَا إِذَا اسْتُرِقَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، أَمَّا إِذَا اسْتُرِقَّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، فَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَدِينِ، بَلْ هُوَ كَوَدَائِعِ الْحَرْبِيِّ الْمَسْبِي، هَذَا لَفْظُهُ فِي «الْوَسِيطِ» وَلَمْ يَنُصَّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَلَى حَالِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ هَذَا الْجَوَابَ فِيمَا إِذَا اسْتَقْرَضَ مُسْلِمٌ مِنْ حَرْبِيٍّ، أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا وَالْتَزَمَ الثَّمَنَ ثُمَّ اسْتُرِقَّ الْمُسْتَحِقُّ، قَالَ: لَا يَسْقُطُ.
وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحَرْبِيٍّ عَلَى حَرْبِيٍّ دَيْنٌ، وَاسْتُرِقَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، سَقَطَ لِزَوَالِ مِلْكِهِ، قَالَ: وَلَوْ قَهَرَ الْمَدِينُ رَبَّ الدَّيْنِ، سَقَطَ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ حَرْبٍ، حَتَّى إِذَا قَهَرَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ يَصِيرُ حُرًّا وَيَصِيرُ السَّيِّدُ عَبْدًا لَهُ، وَلَوْ قَهَرَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا، مَلَكَتْهُ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُسْتَرَقِّ عَلَى مُسْلِمٍ، طُولِبَ بِهِ، كَمَا يُطَالَبُ بِوَدَائِعِهِ؛ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى حَرْبِيٍّ، سَقَطَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ زَالَ مِلْكُهُ، وَالْحَرْبِيُّ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ حَتَّى يُطَالَبَ، وَلَوِ اقْتَرَضَ مِنْ حَرْبِيٍّ، أَوِ الْتَزَمَ بِالشِّرَاءِ ثَمَنًا، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَوْ قَبِلَا الْجِزْيَةَ، أَوِ الْأَمَانَ، فَالِاسْتِحْقَاقُ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَا يَبْقَى مَهْرُ الزَّوْجَةِ إِذَا أَسْلَمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرًا وَنَحْوَهُ، وَلَوْ سَبَقَ الْمُسْتَقْرِضُ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْأَمَانِ، فَالنَّصُّ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْتَمِرُّ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَا، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ مَاتَتْ زَوْجَةُ حَرْبِيٍّ، فَجَاءَنَا مُسْلِمًا، أَوْ

مُسْتَأْمَنًا، فَجَاءَ وَرَثَتُهَا يَطْلُبُونَ مَهْرَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ، وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: فِيهِمَا قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: يَبْقَى الِاسْتِحْقَاقُ، وَعَلَى هَذَا تُبْتَنَى قَوَاعِدُ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُمَكَّنَ الْحَرْبِيُّ مِنْ مُطَالَبَةِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَحَمْلُ النَّصِّ الثَّانِي عَلَى مَنْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا، وَقَبَضَتْهُ فِي الْكُفْرِ، وَلَوْ أَتْلَفَ حَرْبِيٌّ مَالًا عَلَى حَرْبِيٍّ، أَوْ غَصَبَهَ، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَوْ أَسْلَمَ الْمُتْلِفُ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يُطَالِبُهُ بِالضَّمَانِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا، وَالْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالْإِتْلَافُ لَيْسَ عَقْدًا يُسْتَدَامُ، وَلِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ قَهَرَ حَرْبِيًّا عَلَى مَالِهِ مَلَكَهُ، وَالْإِتْلَافُ نَوْعٌ مِنَ الْقَهْرِ، وَلِأَنَّ إِتْلَافَ مَالِ الْحَرْبِيِّ لَا يَزِيدُ عَلَى إِتْلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْحَرْبِيِّ، وَالثَّانِي: يُطَالَبُ، لِأَنَّهُ لَازِمٌ عِنْدَهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ، وَيَزِيدُ عَلَى هَذَا مَا نُقِلَ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ جَنَى عَلَى مُسْلِمٍ، فَاسْتُرِقَّ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي ذِمَّتِهِ، قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا إِخْلَالٌ مِنْ نَاقِلٍ، أَوْ هَفْوَةٌ مِنَ الْقَاضِي.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا سُبِيَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدُهَا الصَّغِيرُ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فِي الْقِسْمَةِ، بَلْ يُقَوِّمُهُمَا، فَإِنْ وَافَقَتْ قِيمَتُهُمَا نَصِيبَ أَحَدِ الْغَانِمِينَ، جَعَلَهُمَا لَهُ، وَإِلَّا اشْتَرَكَ فِيهِمَا اثْنَانِ، أَوْ بَاعَهُمَا، وَجَعَلَ ثَمَنَهُمَا فِي الْمَغْنَمِ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْقِسْمَةِ، فَفِي صِحَّتِهَا قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَعَنْ صَاحِبِ «الْحَاوِي» أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا يُقَرَّانِ عَلَى التَّفْرِيقِ، بَلْ يُقَالُ لَهُمَا: إِنْ تَرَاضَيْتُمَا بِبَيْعِ الْآخَرِ لِيَجْتَمِعَا فِي الْمِلْكِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ، وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: يُقَالُ لِلْبَائِعِ: يَتَطَوَّعُ بِتَسْلِيمِ الْآخَرِ، أَوْ يُفْسَخُ الْبَيْعُ، فَإِنْ تَطَوَّعَ، فَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْقَبُولِ، فُسِخَ الْبَيْعُ، وَلَوْ رَضِيَتِ الْأُمُّ بِالتَّفْرِيقِ، لَمْ يَرْتَفِعِ التَّحْرِيمُ عَلَى الصَّحِيحِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْوَلَدِ، وَأُمُّ الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأُمِّ كَالْأُمِّ، فَلَوْ كَانَ لَهُ أُمٌّ وَجَدَّةٌ، فَبِيعَ مَعَ الْأُمِّ، فَلَا تَحْرِيمَ، وَإِنْ بِيعَ مَعَ الْجَدَّةِ، وَقُطِعَ عَنِ الْأُمِّ، حَرُمَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَالْأَبُ كَالْأُمِّ عَلَى

الْأَظْهَرِ أَوِ الْأَصَحِّ، وَفِي الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْدَادِ دُونَ الْجَدَّاتِ، لِأَنَّهُنَّ أَصْلَحُ لِلتَّرْبِيَةِ، وَلَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمَحَارِمِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَغَيْرِهِمَا، عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: هُمْ كَالْأَبِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ، حَرُمَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبِ، وَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ لِلضَّرُورَةِ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ حُرَّةً، فَيَجُوزُ بَيْعُ الْوَلَدِ، وَلَوْ كَانَتِ الْأُمُّ لِوَاحِدٍ وَالْوَلَدُ لِآخَرَ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيْعُ مِلْكِهِ مُنْفَرِدًا، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ أَنَّ التَّحْرِيمَ هَلْ يَنْتَهِي لِسِنِّ التَّمْيِيزِ أَمْ يَبْقَى إِلَى الْبُلُوغِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي إِتْلَافِ أَمْوَالِهِمْ إِنِ احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى إِتْلَافِ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ، كَتَخْرِيبِ بِنَاءٍ، وَقَطْعِ شَجَرٍ، لِيَكُفُّوا عَنِ الْقِتَالِ أَوْ لِيَظْفَرُوا بِهِمْ، فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَاجُوا، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِمْ حُصُولُ ذَلِكَ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، جَازَ إِتْلَافُهُ مُغَايَظَةً لَهُمْ وَتَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُهُ، كُرِهَ الْإِتْلَافُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَصَحِّ، هَذَا إِذَا دَخَلَ الْإِمَامُ دَارَهُمْ مُغَيِّرًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِقْرَارُ فِيهَا، فَأَمَّا إِذَا فَتَحَهَا قَهْرًا، فَيَحْرُمُ التَّخْرِيبُ وَالْقَطْعُ، لِأَنَّهَا صَارَتْ غَنِيمَةً، وَكَذَا لَوْ فَتَحَهَا صُلْحًا عَلَى أَنْ تَكُونَ لَنَا، أَوْ لَهُمْ، وَلَوْ غَنِمَا أَمْوَالَهُمْ وَانْصَرَفْنَا، وَخِفْنَا الِاسْتِرْدَادَ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَيَوَانٍ، جَازَ إِتْلَافُهَا، لِئَلَّا يَأْخُذُوهَا فَيَتَقَوَّوْا بِهَا، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ، فَإِنْ قَاتَلُونَا عَلَيْهِ وَاحْتَجْنَا فِي الْقِتَالِ إِلَى عَقْرِهِ لِدَفْعِهِمْ أَوْ لِلظَّفَرِ بِهِمْ، جَازَ، وَإِنْ غَنِمْنَا خَيْلَهُمْ وَمَاشِيَتَهُمْ، وَلَحِقُونَا وَخِفْنَا الِاسْتِرْدَادَ، أَوْ ضَعُفَ بَعْضُهَا، وَتَعَذَّرَ سَوْقُهَا، لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا وَإِتْلَافُهَا، لَكِنْ تُذْبَحُ لِلْأَكْلِ، وَإِنْ خِفْنَا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْخَيْلَ، وَيُقَاتِلُونَنَا عَلَيْهَا، وَيَشْتَدُّ الْأَمْرُ، جَازَ إِتْلَافُهَا، وَلَوْ لَحِقُونَا وَمَعَنَا نِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ، وَخِفْنَا اسْتِرْدَادَهُمْ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ قَطْعًا.

فَرْعٌ لَوْ ظَفَرْنَا بِكُتُبٍ لَهُمْ مِمَّا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، كَطِبٍّ وَشِعْرٍ وَلُغَةٍ وَحِسَابٍ وَتَوَارِيخَ، فَلَهَا حُكْمُ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، فَتُبَاعُ أَوْ تُقَسَّمُ، وَمَا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، كَكُتُبِ الْكُفْرِ وَالْهَجْوِ وَالْفُحْشِ الْمَحْضِ، لَمْ يُتْرَكْ بِحَالِهِ بَلْ إِنْ كَانَ فِي رَقٍّ أَوْ كَاغِدٍ ثَخِينٍ وَأَمْكَنَ غَسْلُهُ، غُسِلَ، ثُمَّ هُوَ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، أُبْطِلَتْ مَنْفَعَتُهُ بِتَمْزِيقٍ، ثُمَّ الْمُمَزَّقُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهَا تُمَزَّقُ أَوْ تُحْرَقُ، وَضَعَّفُوا الْإِحْرَاقَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيعِ، لِأَنَّ لِلْمُمَزَّقِ قِيمَةً وَإِنْ قَلَّتْ، وَكُتُبُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِمَّا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، لِأَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا، وَإِنَّمَا نُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ كَمَا نُقِرُّ الْخَمْرَ.
فَرْعٌ إِذَا دَخَلْنَا دَارَهُمْ غُزَاةً، قَتَلْنَا الْخَنَازِيرَ، وَأَرَقْنَا الْخُمُورَ، وَتُحْمَلُ ظُرُوفُهَا إِلَّا أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهَا عَلَى مُؤْنَةِ حَمْلِهَا، فَنُتْلِفُهَا، وَإِنْ وَقَعَ كَلْبٌ يُنْتَفَعُ بِهِ لِلِاصْطِيَادِ أَوْ لِلْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ، فَحَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِعِلْمِهِ بِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْكَلْبَ مُنْتَفَعٌ بِهِ، فَلْيَكُنْ حَقُّ الْيَدِ فِيهِ لِجَمِيعِهِمْ، كَمَا أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ كَلْبٌ لَا يَسْتَبِدُّ بِهِ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، وَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَهُ بَعْضُ الْغَانِمِينَ، أَوْ أَهْلُ الْخُمُسِ وَلَمْ يُنَازِعْهُ غَيْرُهُ، سُلِّمَ إِلَيْهِ، وَإِنْ تَنَازَعُوا، فَإِنْ وَجَدْنَا كِلَابًا وَأَمْكَنَتِ الْقِسْمَةُ عَدَدًا، قَسَّمَ، وَإِلَّا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهَا قِيمَةً، وَتُعْتَبَرُ مَنَافِعُهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِهِ هُنَا.

الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي الِاغْتِنَامِ قَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ: الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنَ

الْكُفَّارِ بِالْقَهْرِ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ، وَالْفَيْءُ: مَا حَصَلَ مِنْهُمْ بِلَا قِتَالٍ، وَإِذَا دَخَلَ وَاحِدٌ أَوْ شِرْذِمَةٌ دَارَ الْحَرْبِ مُسْتَخْفِينَ، وَأَخَذُوا مَالًا عَلَى صُورَةِ السَّرِقَةِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَادَّعَى الْإِمَامُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّهُ مِلْكُ مَنْ أَخَذَهُ خَاصَّةً، وَالْأَصَحُّ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ، وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ غَزَتْ طَائِفَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ مُتَلَصِّصِينَ وَأَخَذَتْ مَالًا، فَهُوَ غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وَأَخَذَ مَالَ حَرْبِيٍّ بِقِتَالٍ، أُخِذَ مِنْهُ الْخُمُسُ، وَالْبَاقِي لَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ عَلَى جِهَةِ السَّوْمِ، ثُمَّ جَحَدَهُ، أَوْ هَرَبَ، فَهُوَ لَهُ، وَلَا يُخَمَّسُ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ قَرِيبَةٌ مِنَ السَّرِقَةِ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَى صُورَةِ اخْتِلَاسٍ كَالْمَأْخُوذِ عَلَى صُورَةِ السَّرِقَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: هُوَ غَنِيمَةٌ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ فَيْءٌ، لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إِيجَافِ خَيْلٍ، وَلْيَكُنِ الْوَجْهُ الْقَائِلُ بِاخْتِصَاصِ السَّارِقِ وَالْمُخْتَلِسِ مَخْصُوصًا بِمَا إِذَا دَخَلَ وَاحِدٌ أَوْ نَفَرٌ يَسِيرٌ دَارَ الْحَرْبِ، وَأَخَذُوا، فَأَمَّا إِذَا أَخَذَ بَعْضُ الْجَيْشِ بِسَرِقَةٍ أَوِ اخْتِلَاسٍ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ غُلُولًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الرُّويَانِيَّ نَقَلَ أَنَّ مَا يَهْدِيهِ الْكَافِرُ إِلَى الْإِمَامِ، أَوْ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، لَا يَمْلِكُهُ الْمُهْدَى إِلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ الْمُهْدَى إِلَيْهِ بِالْهَدِيَّةِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَخْتَصَّ سَارِقٌ بِمَسْرُوقٍ.
فَرْعٌ الْمَالُ الضَّائِعُ الَّذِي يُؤْخَذُ فِي دَارِهِمْ عَلَى هَيْئَةِ اللَّقِيطَةِ، إِنْ كَانَ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لِلْكُفَّارِ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ غَنِيمَةٌ، لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْآخِذُ، وَقَالَ الْإِمَامُ والْغَزَالِيُّ: هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ لِمَنْ أَخَذَهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، بِأَنْ كَانَ هُنَاكَ مُسْلِمُونَ، أَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ضَالَّةَ بَعْضِ الْجَيْشِ، وَجَبَ تَعْرِيفُهُ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَعُودُ خِلَافُ الْجُمْهُورِ وَالْإِمَامِ فِي أَنَّهُ غَنِيمَةٌ أَمْ لِلْآخِذِ؟ وَأَمَّا صِفَةُ التَّعْرِيفِ،

فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يُعَرِّفُهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ الْإِمَامِ: يَكْفِي بُلُوغُ التَّعْرِيفِ إِلَى الْأَجْنَادِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُسْلِمٌ سِوَاهُمْ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى احْتِمَالِ مُرُورِ التُّجَّارِ، وَفِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ يُعَرِّفُهُ سَنَةً، وَلَفْظُ التَّهْذِيبِ: أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ ضَالَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ لِحَرْبِيٍّ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ، فَالْخُمُسُ لِأَهْلِهِ، وَالْبَاقِي لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، وَلَوْ وَجَدَ ضَالَّةً لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَخْتَصَّ هُوَ بِهَا، بَلْ تَكُونُ فَيْئًا، وَكَذَا لَوْ دَخَلَ صَبِيٌّ، أَوِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ بِلَادَنَا، فَأَخَذَهُ رَجُلٌ، يَكُونُ فَيْئًا، وَإِنْ دَخَلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَأَخَذَهُ مُسْلِمٌ، كَانَ غَنِيمَةً، لِأَنَّ لِأَخْذِهِ مُؤْنَةً، وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ فِيهِ، فَإِنِ اسْتَرَقَّهُ، كَانَ الْخُمُسُ لِأَهْلِهِ، وَالْبَاقِي لِمَنْ أَخَذَهُ بِخِلَافِ الضَّالَّةِ، لِأَنَّهَا مَالٌ لِلْكُفَّارِ حَصَلَ فِي أَيْدِينَا بِلَا قِتَالٍ.
فَرْعٌ الْمُبَاحَاتُ الَّتِي لَمْ يَمْلِكْهَا أَحَدٌ، كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالْحَجَرِ وَالصَّيْدِ الْبَرِّيِّ وَالْبَحْرِيِّ، مِنْ أَخْذِهَا، مَلَكَهَا كَدَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَصْنُوعًا أَوْ صَيْدًا مُقَرَّطًا أَوْ مَوْسُومًا، فَلَا يَكُونُ لِمَنْ أَخَذَهُ، يَعْنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَجَرًا مَصْنُوعًا بِنَقْرٍ أَوْ نَقْشٍ، أَوْ مَنْحُوتًا، وَالْمُقَرَّطُ: فِي أُذُنِهِ قُرْطٌ، وَيُرْوَى مُقْرَطَقٌ، وَهُوَ الَّذِي جُزَّ صُوفُهُ، وَجُعِلَ عَلَى هَيْئَةِ الْقُرْطَقِ، فَهَذِهِ الْأَحْوَالُ آثَارٌ لِلْمِلْكِ وَالدَّارُ لِلْكُفَّارِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُمْ، فَتَكُونُ غَنِيمَةً، فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهَا لِمُسْلِمٍ، فَهِيَ كَسَائِرِ الضَّوَالِّ يَجِبُ تَعْرِيفُهَا كَمَا سَبَقَ.

فَصْلٌ

لِلْغَنِيمَةِ أَحْكَامٌ، أَحَدُهَا: يَجُوزُ التَّبَسُّطُ بِتَنَاوُلِ أَطْعِمَتِهَا، وَبِعَلَفِ الدَّوَابِّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِلَا عِوَضٍ، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ جِنْسِ الْمَأْخُوذِ، وَالْمَنْفَعَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالْأَخْذِ وَمَكَانِ الْأَخْذِ، أَمَّا جِنْسُهُ، فَهُوَ الْقُوتُ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ، وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ وَكُلُّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ، وَلِعَلَفِ

الدَّوَابِّ التِّبْنُ وَالشَّعِيرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِيمَا لَيْسَ بِقُوتٍ، وَلَكِنْ يُؤْكَلُ غَالِبًا، كَالْفَوَاكِهِ، وَجْهَيْنِ، وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِ التَّبَسُّطِ فِي الْجَمِيعِ، وَأَمَّا الْفَانِيدُ وَالسُّكَّرُ وَالْأَدْوِيَةُ الَّتِي تَنْدُرُ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا، فَفِيهَا أَوْجُهٌ، الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا تُبَاحُ لِنَدُورِ الْحَاجَةِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا مَرِيضٌ مِنْهُمْ، أَخَذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ بِقِيمَتِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يُرَاجَعُ أَمِيرُ الْجَيْشِ فِيهِ، وَالثَّانِي: تُبَاحُ لِلْحَاجَةِ بِلَا عِوَضٍ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ إِلَّا تَدَاوِيًا، يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَمَا يَكُونُ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ، لَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَنْفَعَةُ الْمُعْتَبَرَةُ، فَمَنْفَعَةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْعَلَفِ، وَفِي جَوَازِ أَخْذِ الشَّحْمِ وَالدُّهْنِ لِتَوْقِيحِ الدَّوَابِّ، وَهُوَ مَسْحُهَا بِالْمُذَابِ، وَهُوَ الْمَغْلِيُّ وَلِجَرَبِهَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ، كَعَلَفِهَا، وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: الْمَنْعُ، كَالْمُدَاوَاةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْإِدْهَانُ بِهَا، وَلَا يَجُوزَ إِطْعَامُ الْبُزَاةِ وَالصُّقُورِ مِنْهَا بِخِلَافِ الدَّوَابِّ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ.
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهَا، كَلُبْسِ ثَوْبٍ وَرُكُوبِ دَابَّةٍ، فَلَوْ خَالَفَ، لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ، كَمَا تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ إِذَا أَتْلَفَ بَعْضَ الْأَعْيَانِ، فَإِنِ احْتَاجَ لِبَرَدٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: يَسْتَأْذِنُ الْإِمَامَ وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ فِي لُبْسِهِ بِالْأُجْرَةِ مُدَّةَ الْحَاجَّةِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ السِّلَاحِ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ فِي الْقِتَالِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ، رَدَّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ، وَيَجُوزُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لِلَحْمِهِ، كَتَنَاوُلِ الْأَطْعِمَةِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، لِنَدُورِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ قَالَ الْجَمَاهِيرُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنَمِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولَةِ، وَأَشَارَ

الْإِمَامُ إِلَى تَخْصِيصِ الذَّبْحِ بِالْغَنَمِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
ثُمَّ مَا يُذْبَحُ يَجِبُ رَدُّ جِلْدِهِ إِلَى الْمَغْنَمِ، إِلَّا مَا يُؤْكَلُ مَعَ اللَّحْمِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الذَّابِحِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ جِلْدِهِ سِقَاءً أَوْ حِذَاءً أَوْ شِرَاكًا، فَإِنْ فَعَلَ، وَجَبَ رَدُّ الْمَصْنُوعِ كَذَلِكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الصَّنْعَةِ، بَلْ إِنْ نَقَصَ لَزِمَهُ الْأَرْشُ، وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ لَزِمَهُ الْأُجْرَةُ وَمَتَى ذَبَحَ مَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ، هَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِنَدُورِ الْحَاجَةِ؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ، كَالْأَطْعِمَةِ، وَدَعْوَى النُّدُورِ مَمْنُوعَةٌ.
أَمَّا الْأَخْذُ وَقَدْرُ الْمَأْخُوذِ، فَيَجُوزُ أَخْذُ الْعَلَفِ وَالطَّعَامِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُمَا، هَلْ لَهُ الْأَخْذُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، لِاسْتِغْنَائِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ، وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ فَلْيَأْخُذْ كِفَايَتَهُ، وَلَا بَأْسَ بِاخْتِلَافِ قَدْرِ مَا يَأْخُذُونَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَهُمُ التَّزَوُّدُ لِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَلَوْ أَكَلَ فَوْقَ حَاجَتِهِ، لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ دَابَّتَانِ فَأَكْثَرَ، فَلَهُ أَخْذُ عَلَفِهِنَّ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَأْخُذُ إِلَّا عَلَفَ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَا يُسْهَمُ إِلَّا لِفَرَسٍ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ أَخَذَ غَانِمٌ فَوْقَ حَاجَتِهِ، وَضَيَّفَ بِهِ غَانِمًا أَوْ غَانِمِينَ، جَازَ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ تَوَلَّى إِصْلَاحَ الطَّعَامِ لَهُمْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّفَ بِهِ غَيْرَ الْغَانِمِينَ، فَإِنْ فَعَلَ، لَزِمَ الْآكِلَ الضَّمَانُ، وَيَكُونُ الْمُضَيِّفُ كَمَنْ قَدَّمَ طَعَامًا مَغْصُوبًا إِلَى ضَيْفٍ فَأَكَلَهُ، فَيُنْظَرُ أَعَلِمَ الْحَالَ أَمْ جَهِلَهُ، وَالْحُكْمُ مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الْغَصْبَ، وَلَوْ أَتْلَفَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا، كَانَ كَإِتْلَافِهِ مَالًا آخَرَ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْقِيمَةِ إِلَى الْمَغْنَمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِي الْوَجْهِ الْمُسَوَّغِ شَرْعًا، وَمَا يَأْخُذُهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْأَخْذِ، لَكِنْ أُبِيحَ لَهُ الْأَخْذُ، كَالضَّيْفِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ.
وَلَوْ لَحِقَ الْجَيْشَ مَدَدٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَحِيَازَةِ الْمَالِ، هَلْ لَهُمْ

التَّبَسُّطُ فِي الْأَطْعِمَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ مَظِنَّةُ الْحَاجَّةِ وَعِزَّةُ الطَّعَامِ هُنَاكَ، وَمَنْ دَخَلَ مِنَ الْغَانِمِينَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ فَضَلَ مِمَّا أَخَذَهُ شَيْءٌ، فَفِي وُجُوبِ رَدِّهِ إِلَى الْمَغْنَمِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَظْهَرُهَا: يَجِبُ، لِزَوَالِ الْحَاجَةِ وَالْمَأْخُوذُ مُتَعَلِّقُ حَقِّ الْجَمِيعِ، وَالثَّانِي: لَا، لِإِبَاحَةِ الْأَخْذِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا يُبَالَى بِهِ، كَكِسَرِ الْخُبْزِ وَبَقِيَّةِ التِّبْنِ فِي الْمَخَالِي، لَمْ يَرُدَّ، وَإِلَّا فَيَرُدُّ، وَمَتَى وَجَبَ الرَّدُّ، فَإِنْ لَمْ تُقَسَّمِ الْغَنِيمَةُ، رَدَّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ، وَإِنْ قُسِّمَتْ، رَدَّهُ إِلَى الْإِمَامِ، فَإِنْ أَمْكَنَ قِسْمَتُهُ كَمَا قُسِّمَتِ الْغَنِيمَةُ، فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِنَزَارَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَلِتَفَرُّقِ الْغَانِمِينَ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يُجْعَلُ فِي سَهْمِ الْمَصَالِحِ، أَمَّا مَكَانُ الْأَخْذِ وَالتَّبَسُّطِ، فَهُوَ دَارُ الْحَرْبِ، فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَى عُمْرَانِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَمَكَّنُوا مِنَ الشِّرَاءِ، أَمْسَكُوا، وَلَوْ خَرَجُوا عَنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَنْتَهُوا إِلَى عُمْرَانِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: جَوَازُ التَّبَسُّطِ، لِبَقَاءِ الْحَاجَةِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِأَنَّ مَظِنَّةَ الْحَاجَةِ دَارُ الْحَرْبِ فَيُنَاطُ الْحُكْمُ بِهِ وَعَكْسُهُ، وَلَوْ وَجَدُوا سُوقًا فِي دَارِ الْحَرْبِ: وَتَمَكَّنُوا مِنَ الشِّرَاءِ، فَقَدْ طَرَدَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ لِانْعِكَاسِ الدَّلِيلَيْنِ، وَقَطَعَ الْإِمَامُ بِالْجَوَازِ وَقَالَ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مَنَعَ التَّبَسُّطَ بِهَذَا السَّبَبِ، وَنَزَّلُوا دَارَ الْحَرْبِ فِي إِبَاحَةِ الطَّعَامِ مَنْزِلَةَ السَّفَرِ فِي الرُّخَصِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ ثَبَتَتْ لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ، فَالْمُرَفَّهُ الَّذِي لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ يُشَارِكُ فِيهَا، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ مَعَنَا مُهَادَنَةٌ، وَكَانُوا لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ مُبَايَعَةِ مَنْ يَطْرُقُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْكَفِّ عَنْ أَطْعِمَةِ الْمَغْنَمِ فِي دَارِهِمْ، لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُضَافَةً إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ بِمَثَابَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ.
فَرْعٌ لَيْسَ لِلْغَانِمِ أَنْ يُقْرِضَ مَا أَخَذَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ لِغَيْر الْغَانِمِينَ

وَلَا أَنْ يَبِيعَهُ، فَإِنْ فَعَلَ، لَزِمَ الْآخِذَ رَدُّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ، فَلَوْ أَقْرَضَهُ غَانِمًا آخَرَ فَوَجْهَانِ، الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: أَنَّ لِلْمُقْرِضِ مُطَالَبَةَ الْمُقْتَرِضِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِمِثْلِهِ مِنَ الْمَغْنَمِ، لَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ، وَلَمْ تَزُلْ يَدُهُ عَنْهُ إِلَّا بِبَدَلٍ.
وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ: أَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ، لِأَنَّ الْآخِذَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِذَا حَصَلَ فِي يَدِهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ بِنَفْسِهِ، وَالْوَجْهَانِ مُتَّفِقَانِ أَنَّهُ لَيْسَ قَرْضًا مُحَقَّقًا، لِأَنَّ الْآخِذَ لَا يَمْلِكُ الْمَأْخُوذَ حَتَّى يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ، لَمْ يَأْخُذْهُ الْمُقْرِضُ، لَأَنَّ غَيْرَ الْمَمْلُوكِ لَا يُقَابَلُ بِالْمَمْلُوكِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَغْنَمِ طَعَامٌ آخَرُ، سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ، وَإِذَا رُدَّ مِنَ الْمَغْنَمِ، الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ لِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ، انْقَطَعَتْ حُقُوقُ الْغَانِمِينَ عَنْ أَطْعِمَةِ الْمَغْنَمِ، فَيُرَدُّ الْمُسْتَقْرَضُ عَلَى الْإِمَامِ، وَإِذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ بَقِيَ عَيْنُ الْمُسْتَقْرَضِ فِي يَدِ الْمُقْتَرِضِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ طَعَامِ الْمَغْنَمِ هَلْ يَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، رَدَّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ، وَإِلَّا، فَإِنْ جَعَلْنَا لِلْقَرْضِ اعْتِبَارًا، رَدَّهُ إِلَى الْمُقْرِضِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
فَرْعٌ لَوْ بَاعَ غَانِمٌ مَا أَخَذَهُ لِغَانِمٍ آخَرَ، فَهَذَا إِبْدَالُ مُبَاحٍ بِمُبَاحٍ، وَهُوَ كَإِبْدَالِ الضِّيفَانِ لِقِمَّةً بِلُقْمَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْلَى بِمَا صَارَ إِلَيْهِ، وَلَوْ تَبَايَعَا صَاعًا بِصَاعَيْنِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رِبًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ مُحَقَّقَةٍ.
فَرْعٌ مُقْتَضَى مَا تَكَرَّرَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مُبَاحٌ لِلْغَانِمِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامَ نَفْسِهِ، وَيَصْرِفَ الْمَأْخُوذَ إِلَى حَاجَةٍ أُخْرَى بَدَلًا عَنْ طَعَامِهِ، كَمَا لَا يَتَصَرَّفُ الضَّيْفُ فِيمَا قُدِّمَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْأَكْلِ.

فَرْعٌ قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ قَلَّ الطَّعَامُ، وَاسْتَشْعَرَ الْأَمِيرُ الِازْدِحَامَ وَالتَّنَازُعَ فِيهِ، جَعَلَهُ تَحْتَ يَدِهِ، وَقَسَّمَهُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ عَلَى قَدْرِ حَاجَاتِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ مَعَهُ كِفَايَتُهُ مُزَاحَمَةَ الْمُحْتَاجِينَ.

الْحُكْمُ الثَّانِي: سُقُوطُ حَقِّ الْغَانِمِينَ بِالْإِعْرَاضِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: يَسْقُطُ حَقُّ الْغَانِمِ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْغَنِيمَةِ، وَتَرْكِهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنَ الْجِهَادِ إِعْلَاءُ الدِّينِ، وَالذَّبُّ عَنِ الْمِلَّةِ، وَالْغَنِيمَةُ تَابِعَةٌ، فَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا، فَقْد مَحَّضَ عَمَلَهُ لِلْمَقْصُودِ الْأَعْظَمِ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمْ: وَهَبْتُ نَصِيبِي لِلْغَانِمِينَ، فَإِنْ أَرَادَ الْإِسْقَاطَ، سَقَطَ حَقُّهُ، وَإِنْ أَرَادَ التَّمْلِيكَ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ «الشَّامِلِ» : الصِّحَّةُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَقْوَاهُمَا: الْمَنْعُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَيَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ، وَلَا يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ، وَلَوْ أَفْرَزَ الْخُمُسَ، وَلَمْ يُقَسِّمِ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ فَوَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلَانِ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: يَصِحُّ الْإِعْرَاضُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَقُّهُ، وَالثَّانِي خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَمَيَّزَ عَنِ الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ، فَصَارَ كَمَالٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَوْ قَالَ: اخْتَرْتُ الْغَنِيمَةَ، هَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ صِحَّةِ الْإِعْرَاضِ وَجْهَانِ، أَشْبَهُهُمَا: نَعَمْ، وَلَوْ أَعْرَضَ جَمِيعُ الْغَانِمِينَ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ إِعْرَاضُهُمْ، فَيُصْرَفُ الْجَمِيعُ إِلَى مَصْرِفِ الْخُمُسِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُصَحَّحَ لِلْإِعْرَاضِ يَشْمَلُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الْخُمُسِ فَغَيْرُ ذَوِي الْقُرْبَى جِهَاتٌ عَامَّةٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا إِعْرَاضٌ، وَفِي صِحَّةِ إِعْرَاضِ ذَوِي الْقُرْبَى وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَالْغَانِمِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ بِلَا عَمَلٍ، فَأَشْبَهَ الْإِرْثَ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْغَانِمِينَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ، صَحَّ إِعْرَاضُهُ، لِأَنَّ اخْتِيَارَ التَّمَلُّكِ كَالِاكْتِسَابِ، فَلَا يَلْزَمُهُ، وَلِأَنَّ الْإِعْرَاضَ يُمَحِّضُ جِهَادَهُ لِلْآخِرَةِ، فَلَا يُمْنَعُ

مِنْهُ، وَلَوْ أَعْرَضَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، قَالَ الْإِمَامُ: فَفِي صِحَّةِ إِعْرَاضِهِ تَرَدُّدٌ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ: الْمَنْعُ، فَلَوْ فُكَّ حَجْرُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، صَحَّ إِعْرَاضُهُ، وَلَا يَصِحُّ إِعْرَاضُ صَبِيٍّ عَنِ الرَّضْخِ، وَلَا إِعْرَاضُ وَلِيِّهِ، فَإِنْ بَلَغَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، صَحَّ إِعْرَاضُهُ، وَلَا يَصِحُّ إِعْرَاضُ الْعَبْدِ عَنْ رَضْخِهِ، وَيَصِحُّ إِعْرَاضُ سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَلَا يَصِحُّ إِعْرَاضُ مُسْتَحِقِّ السَّلَبِ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ مُتَعَيَّنٌ كَالْوَارِثِ، وَكَنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
فَرْعٌ مَنْ أَعْرَضَ مِنَ الْغَانِمِينَ، قُدِّرَ كَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ، وَضُمَّ نَصِيبُهُ إِلَى الْمَغْنَمِ، وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْخُمُسِ خَاصَّةً، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ مَاتَ غَانِمٌ وَلَمْ يُعْرِضْ، انْتَقَلَ حَقُّهُ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَإِنْ شَاءُوا طَلَبُوا، أَوْ أَعْرَضُوا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي وَقْتِ مِلْكِ الْغَانِمِينَ الْغَنِيمَةَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: لَا يَمْلِكُونَ إِلَّا بِالْقِسْمَةِ، لَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَتَمَلَّكُوا بَيْنَ الْحِيَازَةِ وَالْقِسْمَةِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ مَلَكُوا لَمْ يَصِحَّ إِعْرَاضُهُمْ، كَمَنِ احْتَطَبَ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ كُلَّ طَائِفَةٍ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَالِ، وَلَوْ مَلَكُوا، لَمْ يَصِحَّ إِبْطَالُ حَقِّهِمْ عَنْ نَوْعٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، وَالثَّانِي: يَمْلِكُونَ بِالْحِيَازَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ التَّامِّ، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنَ الْمَالِ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ،.
وَلِأَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ زَالَ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكُوا، لَزَالَ الْمِلْكُ إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ، وَالثَّالِثُ: مَوْقُوفٌ، فَإِنْ سَلِمَتِ الْغَنِيمَةُ حَتَّى قَسَّمُوهَا، بَانَ أَنَّهُمْ مَلَكُوا بِالِاسْتِيلَاءِ، وَإِلَّا فَإِنْ تَلِفَتَ، أَوْ أَعْرَضُوا، تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْمِلْكِ، فَعَلَى هَذَا قَالَ الْإِمَامُ: لَا نَقُولُ بَانَ بِالْقِسْمَةِ أَنَّ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهَا صَارَتْ مِلْكَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ، بَلْ نَقُولُ: إِذَا اقْتَسَمُوا، بَانَ أَنَّهُمْ مَلَكُوا الْغَنِيمَةَ مِلْكًا مُشَاعًا، ثُمَّ بِالْقِسْمَةِ تَمَيَّزَتِ الْحِصَصُ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ بِالْقِسْمَةِ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مَلَكَ حِصَّتَهُ عَلَى التَّعَيُّنِ،

وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا بِأَنَّ الْغَانِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكُوا الْغَنِيمَةَ، فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: اخْتَرْتُ مِلْكَ نَصِيبِي، مَلَكَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، فَإِذَا الِاعْتِبَارُ بِاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ لَا بِالْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْقِسْمَةُ لِتَضَمُّنِهَا اخْتِيَارَ التَّمَلُّكِ.
فَرْعٌ ذَكَرُوا هُنَا وَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَسِّمَ الْغَنِيمَةَ قِسْمَةَ تَحَكُّمٍ، فَيَخُصُّ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ الْأَنْوَاعِ وَبِبَعْضِ الْأَعْيَانِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُنَا: تَمَلَّكَ بِالْقِسْمَةِ، مَعْنَاهُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ، وَهُوَ إِذَا رَضِيَ الْغَانِمُ بِالْقِسْمَةِ، أَوْ قَبِلَ مَا عَيَّنَهُ لَهُ الْإِمَامُ، فَأَمَّا إِذَا رَدَّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ رَدُّهُ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِيهِ خِلَافًا، فَقَالَ: إِذَا أَفْرَزَ الْإِمَامُ الْخُمُسَ، وَأَفْرَزَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَوْ أَفْرَزَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَلَا يَمْلِكُونَهُ قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْأَصَحِّ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ، صُرِفَ إِلَى الْبَاقِينَ.
فَرْعٌ لَوْ سَرَقَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ، لَمْ يُقْطَعْ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي خُمُسِ الْخُمُسِ وَفِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ، نُظِرَ إِنْ سُرِقَ مِنْهُ، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ سَرَقَ مِنَ الْأَخْمَاسِ قَدْرَ نَصِيبِهِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ تَبْلُغِ الزِّيَادَةُ نِصَابًا، فَلَا قَطْعَ، وَكَذَا إِنْ بَلَغَتْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْغَنِيمَةِ لِجَوَازِ إِعْرَاضِ الْبَاقِينَ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ لَهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُسْتَرَدُّ الْمَسْرُوقُ، وَإِنْ تَلِفَ، فَبَدَلُهُ، وَيُجْعَلْ فِي الْمَغْنَمِ، وَلَوْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ بَعْضَ الْغَانِمِينَ، عُزِّرَ، وَإِنْ سَرَقَ غَيْرُ الْغَانِمِينَ، نُظِرَ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الْغَانِمِينَ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ أَوْ عَبْدٌ، فَهُوَ كَسَرِقَةِ الْغَانِمِ، وَإِلَّا فَإِنْ سَرَقَ قَبْلَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ، فَهُوَ كَسَرِقَتِهِ مَالَ بَيْتِ

الْمَالِ، لِأَنَّ فِيهِ مَالًا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ، فَإِنْ سَرَقَ مِنَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ قَبْلَ إِخْرَاجِ خُمُسِهِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ خُمُسِ الْمَصَالِحِ بَعْدَ إِفْرَازِهِ، فَهُوَ سَرِقَةُ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ، لَمْ يُقْطَعْ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اسْتِحْقَاقِهَا، وَإِلَّا فَيُقْطَعُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ مِنْهُمْ.
فَرْعٌ لَوْ وَطِئَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ جَارِيَةً مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ، يُحَدُّ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً، لَكِنْ يُعَزَّرُ إِنْ كَانَ عَالِمًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ نُهِيَ عَنْهُ، وَيُعَرَّفُ حُكْمُهُ، وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ، وَجَبَ الْمَهْرُ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِنْ كَانَ الْغَانِمُونُ مَحْصُورِينَ يَتَيَسَّرُ ضَبْطُهُمْ، فَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: كُلُّ الْمَهْرِ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَغْرَمُ مِنْهُ حِصَّةَ الْخُمُسِ وَحِصَّةَ غَيْرِهِ مِنَ الْغَانِمِينَ وَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ وَقَعَتِ الْجَارِيَةُ فِي حِصَّةِ الْوَاطِئِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَخَرَّجَ الْإِمَامُ وَجْهًا أَنَّهَا إِنْ وَقَعَتْ فِي حِصَّةِ غَيْرِهِ، وَجَبَ لَهُ الْمَهْرُ، وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ عَنِ الْمَنْصُوصِ، وَإِنْ كَانَ الْغَانِمُونَ غَيْرَ مَحْصُورِينَ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْسُرَ ضَبْطُهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ، نُظِرَ إِنْ أَفْرَزَ الْإِمَامُ الْخُمُسَ، وَعَيَّنَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شَيْئًا، وَكَانَتِ الْجَارِيَةُ مُعَيَّنَةً لِمَخْصُوصِينَ، فَإِنْ وَطِئَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ اخْتِيَارِهِمْ تَمَلُّكِهَا، فَهَذَا وَطْءُ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَيَغْرَمُ مِنَ الْمَهْرِ قِسْطَ شُرَكَائِهِ، وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ اخْتِيَارِهِمُ التَّمَلُّكَ، فَقِيلَ: هُوَ كَمَا بَعْدَ الِاخْتِيَارِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ كَانُوا مَحْصُورِينَ فِي الْأَصْلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ الْمَهْرُ هُنَا، بَلْ يُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ، فَيَسْقُطُ قِسْطُ الْوَاطِئِ، وَيَلْزَمُهُ قِسْطُ الْبَاقِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْرِزِ الْإِمَامُ، وَلَا عَيَّنَ شَيْئًا، غَرِمَ الْوَاطِئُ كُلَّ الْمَهْرِ، وَضُمَّ إِلَى الْمَغْنَمِ، وَقُسِّمَ بَيْنَ

الْجَمِيعِ، فَيَعُودُ إِلَى الْوَاطِئِ حِصَّتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ الْإِمَامُ أَنْ يَضْبِطَهُمْ وَيَعْرِفَ حِصَّتَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانُوا مَحْصُورِينَ وَسَهُلَ الضَّبْطُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلْيَكُنْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مَخْصُوصًا بِمَا إِذَا طَابَتْ نَفْسُ الْوَاطِئِ بِغُرْمِ الْجَمِيعِ، فَإِنْ قَالَ: أَسْقِطُوا حِصَّتِي، فَلَا بُدَّ مِنْ إِجَابَتِهِ.
قُلْتُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافُ قَوْلِ الْإِمَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَخْذُ هَذَا الْقَدْرِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَالْمَشَقَّةِ الظَّاهِرَةِ، وَلِئَلَّا يُقَدَّمَ بَعْضُ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي الْإِعْطَاءِ عَلَى بَعْضٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إِذَا أَحْبَلَهَا، فَحُكْمُ الْحَدِّ وَالْمَهْرِ مَا ذَكَرْنَا، وَيَزِيدُ أُمُورٌ.
مِنْهَا: الِاسْتِيلَادُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، فَفِي نُفُوذِهِ فِي نَصِيبِهِ طَرِيقَانِ، الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَكَثِيرٌ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَعَلَى هَذَا إِنْ مَلَكَ الْجَارِيَةَ بِسَهْمِهِ، أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ فِي وَقْتٍ، فَفِي نُفُوذِ الِاسْتِيلَادِ قَوْلَانِ يَطَّرِدَانِ فِي نَظَائِرِهِ، الْأَظْهَرُ: النُّفُوذُ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : إِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ، وَلَمْ يَغْنَمُوا غَيْرَ تِلْكَ الْجَارِيَةِ، نَفَذَ الِاسْتِيلَادُ فِي حِصَّتِهِ قَطْعًا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ غَيْرُهَا، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ الْجَارِيَةَ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ اسْتِيلَادُ نَصِيبِهِ، سَرَى لِيَسَارِهِ إِلَى الْبَاقِي، وَهَلْ تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ، أَمْ بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ؟ قَوْلَانِ مَوْضِعُهُمَا كِتَابُ الْعِتْقِ، قَالَ الْإِمَامُ والْغَزَالِيُّ: وَيَحْصُلُ الْيَسَارُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْمَغْنَمِ لِغَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ تَفِ حِصَّتُهُ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْجَارِيَةِ بِالْقِيمَةِ، سَرَى بِقَدْرِ الْحِصَّةِ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْغَنِيمَةِ هَلْ يَحْصُلُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، لَمْ

يَكُنْ مُوسِرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِمَامَ ذَكَرَ أَنَّ الْحُكْمَ بِغِنَاهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ لَا يَعْرِضَ وَيَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ، فَإِنْ أَعْرَضَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا، وَلَا تَقُولَ: حَقُّ السِّرَايَةِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ، لِأَنَّ التَّمَلُّكَ كَابْتِدَاءِ كَسْبٍ، وَمَتَى حَكَمْنَا بِالِاسْتِيلَادِ فِي الْحَالِ، أَوْ بَعْدَ وُقُوعِهِ فِي حِصَّتِهِ، لَزِمَهُ الْقِيمَةُ، ثُمَّ هُوَ فِي سُقُوطِ حِصَّتِهِ، وَأَخْذِ الْجَمِيعِ بِحَسَبِ انْحِصَارِ الْقَوْمِ، وَعَدَمِ انْحِصَارِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَهْرِ، وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِالِاسْتِيلَادِ، فَإِنْ تَأَخَّرَتِ الْقِسْمَةُ حَتَّى وَضَعَتْ، جُعِلَتْ فِي الْمَغْنَمِ وَدَخَلَتْ فِي الْقِسْمَةِ فَإِنْ دَخَلَهَا نَقْصٌ بِالْوِلَادَةِ لَزِمَهُ الْأَرْشُ، وَأَمَّا قَبْلَ الْوَضْعِ، فَهِيَ حَامِلٌ بِحُرٍّ وَبَيْعُ الْحَامِلِ بِحُرٍّ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ، وَإِذَا جَعَلْنَا الْقِسْمَةَ بَيْعًا، لَمْ يَكُنْ إِدْخَالُهَا فِي الْقِسْمَةِ فَهَلْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهَا وَتُجْعَلُ فِي الْمَغْنَمِ لِأَنَّهُ بِالْإِحْبَالِ حَالَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَبَيْنَهَا بَيْعًا وَقِسْمَةً أَمْ تُسَلَّمُ إِلَيْهِ بِحِصَّتِهِ إِنِ احْتَمَلَتْهَا أَمْ يَجُوزُ إِدْخَالُهَا فِي الْقِسْمَةِ لِلضَّرُورَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُعْسِرًا، فَإِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ أَوْ غَيْرَ مَحْصُورِينَ وَأَفْرَزَ الْإِمَامُ الْجَارِيَةَ لِطَائِفَةٍ فَفِي ثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ فِي حِصَّتِهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي حِصَّةِ الْمُوسِرِ فَإِنْ أَثْبَتْنَاهُ فَلَا سِرَايَةَ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ وَلَمْ يُفْرِزْهَا فَلَا اسْتِيلَادَ فِي الْحَالِ فَإِنْ وَقَعَتْ فِي حِصَّتِهِ، ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ حَصَلَ لَهُ بَعْضُهَا، ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ.
وَمِنْهَا: الْوَلَدُ، وَهُوَ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَهَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْجَارِيَةَ هَلْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَلَا، لِأَنَّهَا مِلْكُهُ حِينَ الْوِلَادَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، فَنَعَمْ، لِأَنَّهُ مَنَعَ رِقَّهُ بِوَطْئِهِ، ثُمَّ حُكْمُ قِيمَةِ الْوَلَدِ حُكْمُ الْمَهْرِ، هَذَا إِذَا كَانَ مُوسِرًا وَثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ فِي كُلِّهَا، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَثَبَتَ فِي حِصَّتِهِ وَلَمْ يَسْرِ، فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْوَلَدُ حُرًّا كُلُّهُ أَمْ قَدْرُ حِصَّتِهِ حُرٌّ وَالْبَاقِيَ رَقِيقٌ؟ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: كُلُّهُ حُرٌّ، لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تَعُمُّ

الْجَارِيَةَ، وَحُرِّيَّةُ الْوَلَدِ تَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الِاسْتِيلَادُ، وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ وَهُوَ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ، انْعَقَدَ الْوَلَدُ حُرًّا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الِاسْتِيلَادُ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ تَبَعٌ لِلِاسْتِيلَادِ وَهُوَ مُتَبَعِّضٌ بِخِلَافِ الشُّبْهَةِ فَإِنَّهَا نَاشِئَةٌ مِنْ ظَنٍّ لَا يَتَبَعَّضُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ مَلَكَ بَاقِيَ الْجَارِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بَقِيَ الرِّقُّ فِيهِ، لِأَنَّهَا عَلَقَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِرَقِيقٍ، وَإِنْ قُلْنَا: جَمِيعُهُ حُرٌّ، فَفِي ثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ فِي بَاقِيهَا إِذَا مَلَكَهُ قَوْلَانِ، لِأَنَّهُ أَوْلَدَهَا حُرًّا فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي تَبْعِيضِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ يَجْرِي فِيمَا إِذَا أَوْلَدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْمُشْتَرَكَةَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَإِنْ قُلْنَا: جَمِيعُهُ حُرٌّ، لَزِمَ الْمُسْتَوْلِدَ قِيمَةُ حِصَّةِ الشُّرَكَاءِ مِنَ الْوَلَدِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَسَوَاءٌ فِي تَرْجِيحِ حُرِّيَّةِ جَمِيعِهِ اسْتِيلَادُ أَحَدِ الْغَانِمِينَ وَاسْتِيلَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَسُئِلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَمَّنْ أَوْلَدَ امْرَأَةً، نِصْفُهَا حُرٌّ، وَنِصْفُهَا رَقِيقٌ بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًى، كَيْفَ حَالُ الْوَلَدِ؟ فَقَالَ: يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وَلَدِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنَ الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ جَوَابُهُ عَلَى أَنَّهُ كَالْأُمِّ حُرِّيَّةً وَرِقًّا، قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ، لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِحُرِّيَّتِهِ إِلَّا حُرِّيَّةَ الْأُمِّ فَيَتَقَدَّرُ بِهَا، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ فِي حِصَّةِ الْمُعْسِرِ، وَالْخِلَافُ فِي حَالِ الْوَلَدِ مَوْضِعُهُ مَا إِذَا انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ، فَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرُوا، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ قُلْنَا عِنْدَ الِانْحِصَارِ: كُلُّ الْوَلَدِ حُرٌّ، أُخِذَ مِنْهُ قِيمَتُهُ، وَجُعِلَتْ فِي الْمَغْنَمِ، وَقُسِّمَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْحُرُّ بَعْضُهُ، كَانَ كُلُّهُ هُنَا رَقِيقًا، ثُمَّ الْإِمَامُ يَجْتَهِدُ حَتَّى تَقَعَ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ فِي حِصَّةِ الْوَاطِئِ، فَإِنْ وَقَعَا فِيهَا، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ وَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَإِنْ وَقَعَ الْبَعْضُ، ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ بِقَدْرِهِ، وَعَتَقَ مِنَ الْوَلَدِ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ، هَذَا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: قَدْ سَبَقَ أَنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَسِّمَ الْغَنِيمَةَ قِسْمَةَ تَحَكُّمٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَى الْغَانِمِينَ وَلَا الْإِقْرَاعُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى سَعْيٍ وَاجْتِهَادٍ، بَلْ

يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يُوقِعُهُمَا فِي حِصَّتِهِ، أَوْ يُوقِعُ بَعْضَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: وَعَتَقَ مِنَ الْوَلَدِ بِقَدْرِ مَا مَلَكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْوَلَدَ يُعْتَقُ كُلَّهُ أَوْ بِالْحِصَّةِ، فَلَعَلَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى وَجْهِ التَّبْعِيضِ أَوْ أَرَادَ أَنَّ قَدْرَ الْحِصَّةِ يُعْتَقُ قَطْعًا، وَفِي الْبَاقِي الْخِلَافُ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا إِذَا كَانَ الِاسْتِيلَادُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، وَسَوَاءً كَانَ قَبْلَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ أَمْ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ إِذَا كَانَتِ الْجَارِيَةُ مِنَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فَهُوَ كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ أَوْ جَارِيَةِ غَيْرِهِ أَوْ مُشْتَرَكَةٍ، وَلَا يَخْفَى حُكْمُهُ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَقَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فَهُوَ كَمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ، أَوْ أُفْرِزَتِ الْجَارِيَةُ لِطَائِفَةٍ مَحْصُورِينَ، فَهُوَ كَمَا بَعَدَ الْقِسْمَةِ وَاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ، وَلَوْ وَطِئَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ جَارِيَةً مِنَ الْخُمُسِ، فَكَوَطْءِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيٌّ جَارِيَةً مِنَ الْخُمُسِ، أَوْ قَبْلَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ، فَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِيهِ النَّفَقَةَ دُونَ الْإِعْفَافِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ وَطِئَ الْأَجْنَبِيُّ جَارِيَةً مِنَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، حُدَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْغَانِمِينَ وَلَدٌ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا أُسِرَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى بَعْضِ الْغَانِمِينَ، وَرُقَّ بِنَفْسِ الْأَسْرِ أَوْ بِإِرْقَاقِهِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، وَنَصَّ فِيمَا لَوِ اسْتَوْلَدَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ أَنَّهُ يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ كَمَا سَبَقَ، فَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُمَلَّكُ بِالْحِيَازَةِ أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، نَفَذَ، أَوْ غَرِمَ الْقِيمَةَ وَجُعِلَتْ فِي الْمَغْنَمِ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ، لِقُوَّةِ الِاسْتِيلَادِ، وَلِهَذَا يَنْفُذُ اسْتِيلَادُ الْمَجْنُونِ وَاسْتِيلَادُ جَارِيَةِ ابْنِهِ دُونَ الْإِعْتَاقِ، وَسَوَاءً ثَبَتَ الْخِلَافُ أَمْ لَا،

فَالْمَذْهَبُ مَنْعُ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِهِ، وَاخْتَارَ تَمَلُّكَهُ، أَوْ وَقَعَ بَعْضُهُ وَاخْتَارَهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ وَنُظِرَ إِلَى يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ فِي تَقْوِيمِ الْبَاقِي، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : إِنِ انْحَصَرُوا، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغَنِيمَةِ غَيْرُ قَرِيبِهِ، مَلَكَ حِصَّتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ، وَعَلَى هَذَا لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ عَبْدًا مِنْهَا، فَفِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عِتْقِ الْقَرِيبِ، كَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: لَا يُعْتَقُ بِحَالٍ بِخِلَافِ عِتْقِ الْقَرِيبِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِلَا اخْتِيَارٍ وَهُوَ أَقْوَى مِمَّا يَثْبُتُ بِاخْتِيَارٍ، وَلِهَذَا يُعْتَقُ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ قَرِيبُهُ إِذَا مَلَكَهُ، وَلَوْ أَعْتَقَ، لَمْ يُنَفَّذْ.
فَرْعٌ لَوْ كَانَ الْغَانِمُونَ طَائِفَةً يَسِيرَةً، وَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، لَمْ يَتَوَقَّفِ الْعِتْقُ إِلَّا عَلَى اخْتِيَارِهِمُ التَّمَلُّكَ، وَيَجِيءُ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا اخْتَارُوا جَمِيعًا، لَمْ يُفْرَضْ فِيهِ تَقْدِيمُ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ.
فَرْعٌ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ مُنْفَرِدًا، وَأَسَرَ أَبَاهُ، أَوِ ابْنَهُ الْبَالِغَ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ الْأَسْرِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْإِمَامُ قَتْلَهُ أَوِ الْمَنَّ أَوِ الْفِدَاءَ، فَذَاكَ، وَإِنِ اخْتَارَ تَمَلُّكَهُ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْآسِرُ التَّمَلُّكَ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنِ اخْتَارَ، صَارَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَيُقَوَّمُ الْخُمُسُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَلَوْ أَسَرَ أُمَّهُ، أَوْ بِنْتَهُ الْبَالِغَةَ، رَقَّتْ بِنَفْسِ الْأَسْرِ، فَإِذَا اخْتَارَ الْآسِرُ التَّمَلُّكَ، كَانَ الْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْحَدَّادِ الِابْنَ الصَّغِيرَ بِالْأُمِّ، وَهُوَ هَفْوَةٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ الصَّغِيرُ فِي الْإِسْلَامِ،

فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ سَبْيُهُ، وَلَوْ أَسَرَ أَبَاهُ فِي الْقِتَالِ، زَادَ النَّظَرُ فِي أَنَّ الْأَسِيرَ إِذَا رُقَّ هَلْ يَكُونُ مِنَ السَّلَبِ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْغَنَائِمِ.

الْحُكْمُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْأَرْضِ: أَرْضُ الْكُفَّارِ وَعَقَارُهُمْ تُمَلَّكُ بِالِاسْتِيلَاءِ، كَمَا تُمَلَّكُ الْمَنْقُولَاتُ، وَأَمَّا مَكَّةُ فَفُتِحَتْ صُلْحًا، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : عِنْدِي أَنَّ أَسْفَلَهَا، دَخَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْوَةً، وَأَعْلَاهَا فُتِحَ صُلْحًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَدُورُهَا وَعِرَاصُهَا الْمُحْيَاةُ مَمْلُوكَةٌ، كَسَائِرِ الْبِلَادِ، فَيَصِحُّ بَيْعُهَا وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا، وَأَمَّا سَوَادُ الْعِرَاقِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فُتِحَ صُلْحًا، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَتَحَهُ عَنْوَةً، وَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، ثُمَّ اسْتَطَابَ قُلُوبَهُمْ وَاسْتَرَدَّهُ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيمَا فَعَلَهُ بِأَرْضِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، وَفِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ: أَنَّهُ وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَآجَرَهُ لِأَهْلِهِ، وَالْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ مُنَجَّمَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ، وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ بَاعَهُ لَهُمْ وَالْخَرَاجُ ثَمَنٌ مَنَجَّمٌ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ رَهْنُهُ وَهِبَتُهُ وَبَيْعُهُ، وَعَلَى الصَّحِيحِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لِأَهْلِهِ إِجَارَتُهُ بِالِاتِّفَاقِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَلَا تَجُوزُ إِجَارَتُهُ مُؤَبَّدًا عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ إِجَارَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُؤَبَّدًا، فَإِنَّهَا احْتُمِلَتْ لِمَصْلَحَةٍ كُلِّيَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ سُكَّانِهِ أَنْ يُزْعِجَ سَاكِنًا وَيَقُولَ: أَنَا أَسْتَغِلُّهُ وَأُعْطِي الْخَرَاجَ، لِأَنَّهُ مَلَّكَ بِالْإِرْثِ الْمَنْفَعَةَ أَوِ الرَّقَبَةَ، هَذَا حُكْمُ الْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ وَتُغْرَسُ، فَأَمَّا مَا فِي حَدِّ السَّوَادِ مِنَ الْمَسَاكِنِ وَالدُّورِ، فَالْمَذْهَبُ جَوَازُ بَيْعِهَا، لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَمْنَعْ شِرَاءَهَا، وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ فِي يَدِهِ الْأَرْضُ تَنَاوُلُ ثَمَرِ أَشْجَارِهَا؟ إِنْ قُلْنَا: الْأَرْضُ مَبِيعَةٌ، فَكَذَا الشَّجَرُ وَالثَّمَرُ، وَإِنْ قُلْنَا: مُسْتَأْجَرَةٌ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ تُنَاوُلُهَا لِلْحَاجَةِ، وَيُحْتَمَلُ ذَلِكَ

كَمَا يُحْتَمَلُ التَّأْيِيدُ، وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، بَلِ الْإِمَامُ يَصْرِفُهَا وَأَثْمَانَهَا إِلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا حَدُّ السَّوَادِ، فَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ مِنْ عَبَّادَانَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنْ عَذِيبِ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا، وَهُوَ بِالْفَرَاسِخِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ فَرْسَخًا طُولًا، وَثَمَانُونَ عَرْضًا، وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ تَسَاهُلٌ لِمَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ أَرْضَ الْبَصْرَةِ كَانَتْ سَبِخَةً أَحْيَاهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِي وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بَعْدَ فَتْحِ الْعِرَاقِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْحَدِّ وَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِثْنَائِهَا، وَقَدْ أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ الْبَصْرَةَ لَا تَدْخُلُ فِي حُكْمِ السَّوَادِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّهِ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : حَضَرْتُ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ وَهُوَ يُدَرِّسُ فِي تَحْدِيدِ السَّوَادِ فَأَدْخَلَ فِيهِ الْبَصْرَةَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: هَكَذَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا إِنَّمَا كَانَتْ مَوَاتًا أَحْيَاهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: عَلِّقُوا مَا يَقُولُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَعْرَفُ بِهَا، وَلَكِنْ فِي إِطْلَاقِ اسْتِثْنَاءِ الْبَصْرَةِ تَسَاهُلٌ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ مَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبَصْرَةَ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ السَّوَادِ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ مِنْ شَرْقِيِّ دِجْلَتِهَا يُسَمَّى الْفُرَاتَ، وَمَوْضِعٍ مِنْ غَرْبِيِّ دِجْلَتِهَا يُسَمَّى نَهْرَ الصَّرَاةِ.
فَرْعٌ مَا يُؤْخَذُ مِنْ خَرَاجِ هَذِهِ الْأَرْضِ يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْرُ الْخَرَاجِ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ شَعِيرٍ دِرْهَمَانِ، وَجَرِيبِ الْحِنْطَةِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَجَرِيبِ الشَّجَرِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ سِتَّةٌ، وَالنَّخْلِ ثَمَانِيَةٌ، وَالْكَرْمِ عَشَرَةٌ، وَقِيلَ: النَّخْلُ عَشَرَةٌ، وَالزَّيْتُونُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا.

فَرْعٌ: لَوْ رَأَى الْإِمَامُ الْيَوْمَ أَنْ يَقِفَ أَرْضَ الْغَنِيمَةِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَازَ إِذَا اسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ فِي النُّزُولِ عَنْهَا بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ، فَهُوَ أَحَقُّ بِمَالِهِ، وَكَذَا الْمَنْقُولَاتُ وَالصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ لَا يَجُوزُ رَدُّ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَى الْكُفَّارِ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ الْغَانِمِينَ، لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ قَهْرًا وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَتَوَانَوْنَ بِسَبَبِهَا فِي الْجِهَادِ، وَلَكِنْ يَقْهَرُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ بِالْأَمَانِ قَدْ تَقْتَضِي الْمُصْلِحَةُ الْأَمَانَ لِاسْتِمَالَتِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ إِرَاحَةِ الْجَيْشِ، أَوْ تَرْتِيبِ أَمْرِهِمْ، أَوْ لِلْحَاجَةِ إِلَى دُخُولِ الْكُفَّارِ، أَوْ لِمَكِيدَةٍ وَغَيْرِهَا، وَيَنْقَسِمُ إِلَى عَامٍّ وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِأَهْلِ إِقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ، وَهُوَ عَقْدُ الْهُدْنَةِ، وَيَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ وَوُلَاتِهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِلَى خَاصٍّ وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِآحَادٍ، وَيَصِحُّ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْآحَادِ، وَالْبَابُ مَعْقُودٌ لِهَذَا وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِنَّمَا يَجُوزُ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ أَمَانُ كَافِرٍ، أَوْ كُفَّارٍ مَحْصُورِينَ، كَعَشَرَةٍ وَمِائَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَمَانُ نَاحِيَةٍ وَبَلْدَةٍ، وَفِي الْبَيَانِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ أَهْلَ قَلْعَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَرْيَةَ الصَّغِيرَةَ فِي مَعْنَاهَا، وَعَنِ الْمَاسَرْجَسِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُ وَاحِدٍ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُ مَنْ فِيهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَضَابِطُهُ أَنْ لَا يَنْسَدَّ بِهِ بَابُ الْجِهَادِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَإِذَا تَأَتَّى الْجِهَادُ بِغَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَنْ أُمِّنَ، نَفَذَ الْأَمَانُ، لِأَنَّ الْجِهَادَ شِعَارُ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ الْقَهْرِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَكَاسِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ بِأَمَانِ الْآحَادِ انْسِدَادُهُ أَوْ نُقْصَانٌ يُحَسُّ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ أُمِّنَ مِائَةُ أَلْفٍ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ لَمْ يُؤَمِّنْ إِلَّا وَاحِدًا، لَكِنْ إِذَا ظَهَرَ انْسِدَادٌ أَوْ نُقْصَانٌ، فَأَمَانُ الْجَمِيعِ مَرْدُودٌ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ أَمَّنُوهُمْ مَعًا فَرَدُّ الْجَمِيعِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَمَّنُوهُمْ مُتَعَاقِبِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ أَمَانُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ إِلَى ظُهُورِ الْخَلَلِ، عَلَى أَنَّ الرُّويَانِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ أَمَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، جَازَ، وَإِنْ كَثُرُوا حَتَّى زَادُوا عَلَى عَدَدِ أَهْلِ الْبَلْدَةِ.

الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ الْمُتَعَاقِبِينَ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْخَلَلُ، وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَوَاءً كَانَ الْكَافِرُ الْمُؤَمَّنُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي حَالِ الْقِتَالِ أَوِ الْهَزِيمَةِ، أَوْ عِنْدَ مَضِيقٍ، بَلْ يَصِحُّ الْأَمَانُ مَا دَامَ الْكَافِرُ مُمْتَنِعًا، فَأَمَّا بَعْدَ الْأَسْرِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْآحَادِ أَمَانُهُ وَلَا الْمَنُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: كُنْتُ أَمَّنْتُهُ قَبْلَ هَذَا، لَمْ يُقْبَلْ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِأَمَانِ مَنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَلَوْ قَالَ جَمَاعَةٌ: كُنَّا أَمَّنَّاهُ، لَمْ يُقْبَلْ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِهِمْ، وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ: كُنْتُ أَمَّنْتُهُ، وَشَهِدَ بِهِ اثْنَانِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.
فَرْعٌ فِي جَوَازِ عَقْدِ الْمَرْأَةِ اسْتِقْلَالًا وَجْهَانِ.
الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ الْأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ، فَيَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ كَافِرًا، وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى، وَالْفَقِيرِ وَالْمُفْلِسِ، وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَالْمَرِيضِ وَالشَّيْخِ الْهَرَمِ، وَالْفَاسِقِ وَفِي الْفَاسِقِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ كَافِرٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ، وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَجْهٌ كَتَدْبِيرِهِ.
الثَّالِثَةُ: يَنْعَقِدُ الْأَمَانُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ الْغَرَضَ، صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ: أَجَرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ مُجَارٌ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ أَنْتَ آمِنٌ، أَوْ فِي أَمَانِي، أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَوْ لَا خَوْفَ عَلَيْكَ، أَوْ لَا تَخَفْ، أَوْ لَا تَفْزَعْ، أَوْ قَالَ بِالْعَجَمِيَّةِ: مُتَرَّسٌ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : لَا تَخَفْ، لَا تَفْزَعْ.
كِنَايَةٌ.
وَالْكِنَايَةُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتَ عَلَى مَا تُحِبُّ، أَوْ كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، وَتَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ، سَوَاءً كَانَ الرَّسُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَبِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْعِبَارَةِ.
وَبِنَاءُ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ.
فَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُؤَمَّنُ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ وَبُلُوغِ خَبَرِ الْأَمَانِ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، فَلَا أَمَانَ، فَلَوْ

بَدَرَ مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ، جَازَ وَإِذَا خَاطَبَهُ بِالْأَمَانِ، أَوْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَرَدَّهُ، بَطَلَ، وَإِنْ قَبِلَ، أَوْ كَانَ قَدِ اسْتَجَارَ مِنْ قَبْلُ، تَمَّ الْأَمَانُ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لَفْظًا، بَلْ تَكْفِي الْإِشَارَةُ وَالْأَمَارَةُ الْمُشْعِرَةُ بِالْقَبُولِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْقِتَالِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ الْقِتَالُ، فَلَوْ سَكَتَ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَرُدَّ، قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالظَّاهِرُ: اشْتِرَاطُ قَبُولِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَاكْتَفَى الْبَغَوِيُّ بِالسُّكُوتِ، وَلَوْ قَالَ الْكَافِرُ: قَبِلْتُ أَمَانَكَ، وَلَسْتُ أُؤَمِّنُكَ فَخُذْ حِذْرَكَ، قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ رَدٌّ لِلْأَمَانِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَثْبُتُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْأَمَانِ بِالْأَعْذَارِ، وَلَوْ أَشَارَ مُسْلِمٌ إِلَى كَافِرٍ فِي الْقِتَالِ، فَانْحَازَ إِلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، وَتَفَاهَمَا الْأَمَانَ، فَهُوَ أَمَانٌ، وَإِنْ قَالَ الْكَافِرُ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُؤَمِّنُنِي، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: لَمْ أَرُدَّهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَلَا أَمَانَ، وَلَكِنْ لَا يُغْتَالُ، بَلْ يَلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ، وَكَذَا لَوْ دَخَلَ بِأَمَانِ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مُكْرَهٍ، وَقَالَ: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، أَوْ ظَنَنْتُهُ بَالِغًا، أَوْ عَاقِلًا، أَوْ مُخْتَارًا، وَلَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الْأَمَانَ، فَقَدْ دَخَلَ بِلَا أَمَانٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا وَأَنَّهُ لَا أَمَانَ لِلصَّبِيِّ، وَلَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ الْمُشِيرُ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَلَا أَمَانَ وَلَا اغْتِيَالَ.
فَرْعٌ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اعْتِبَارِ صِيغَةِ الْأَمَانِ هُوَ فِيمَا إِذَا دَخَلَ الْكَافِرُ بِلَادَنَا بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ دَخَلَ رَسُولًا، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ، وَلَوْ دَخَلَ لِيَسْمَعَ الذِّكْرَ، وَيَنْقَادَ لِلْحَقِّ إِذَا ظَهَرَ لَهُ، فَكَذَلِكَ، وَقَصْدُ التِّجَارَةِ لَا يُفِيدُ الْأَمَانَ، وَلَكِنْ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فِي دُخُولِ التُّجَّارِ، فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ تَاجِرًا، فَهُوَ آمِنٌ، جَازَ، وَمِثْلُ هَذَا الْأَمَانِ لَا يَصَحُّ مِنَ الْآحَادِ، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ قَصْدَ التِّجَارَةِ يُفِيدُ الْأَمَانَ، فَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ وَيُغْتَالُ إِذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ، وَلَوْ سَمِعَ مُسْلِمًا يَقُولُ: مَنْ دَخَلَ تَاجِرًا، فَهُوَ آمِنٌ، فَدَخَلَ وَقَالَ: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغْتَالُ.

الرَّابِعَةُ: شَرْطُ الْأَمَانِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ مَا لَمْ يَبْلُغْ سَنَةً، فَلَوْ زَادَ عَلَى الْجَائِزِ، بَطَلَ الزَّائِدُ، وَلَا يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي عَلَى الْأَصَحِّ تَخْرِيجًا مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَإِذَا أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَيَبْلُغُ بَعْدَهَا الْمَأْمَنَ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَلَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا، أَوْ طَلِيعَةً لَمْ يَنْعَقِدِ الْأَمَانُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ تَبْلِيغَ الْمَأْمَنِ، لِأَنَّ دُخُولَ مِثْلِهِ خِيَانَةً، فَحَقُّهُ أَنْ يُغْتَالَ، وَلَوْ أَمَّنَ آحَادًا عَلَى مَدَارِجِ الْغُزَاةِ، وَعَسِرَ بِسَبَبِهِ مَسِيرُ الْعَسْكَرِ وَاحْتَاجُوا إِلَى نَقْلِ الزَّادِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ لِلضَّرَرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِ الْأَمَانِ ظُهُورُ الْمَصْلَحَةِ، بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْمُضِرَّةِ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا انْعَقَدَ الْأَمَانُ، صَارَ الْمُؤَمَّنُ مَعْصُومًا عَنِ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، فَلَوْ قُتِلَ، قَالَ الْإِمَامُ: الْوَجْهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ الذِّمِّيُّ، وَهُوَ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَبْذُهُ، فَإِنِ اسْتَشْعَرَ مِنْهُ خِيَانَةً، نَبَذَهَ، لِأَنَّ الْمُهَادَنَةَ تُنْبَذُ بِذَلِكَ، فَأَمَانُ الْآحَادِ أَوْلَى وَهُوَ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْكَافِرِ يَنْبِذُهُ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَتَعَدَّى الْأَمَانُ إِلَى مَا خَلَّفَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ، اتْبَعِ الشَّرْطَ، وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِقُصُورِ اللَّفْظِ.
السَّادِسَةُ: الْأَسِيرُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ إِذَا أَمَّنَ بَعْضَهُمْ مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَمَّنَهُ مُخْتَارًا، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ أَمَّنَ مَنْ هُوَ فِي أَسْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ مَعَهُ، وَإِنْ أَمَّنَ غَيْرَهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا، فَهَلْ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ فِي حَقِّ الْأَمْنِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ.

فَرْعٌ الْمُسْلِمُ إِنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي دَارِ الْكُفْرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ هُنَاكَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ، فَإِنْ فُتِحَ الْبَلَدُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، سَقَطَ عَنْهُ الْهِجْرَةُ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ، لِكَوْنِهِ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، أَوْ لِأَنَّ لَهُ هُنَاكَ عَشِيرَةً يَحْمُونَهُ، وَلَمْ يَخَفْ فِتْنَةً فِي دِينِهِ، لَمْ تَجِبِ الْهِجْرَةُ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ، لِئَلَّا يَكْثُرَ سَوَادُهُمْ، أَوْ يَمِيلَ إِلَيْهِمْ، أَوْ يَكِيدُوا لَهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْهِجْرَةُ، حَكَاهُ الْإِمَامُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : فَإِنْ كَانَ يَرْجُو ظُهُورَ الْإِسْلَامِ هُنَاكَ بِمُقَامِهِ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقِيمَ، قَالَ: وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالِاعْتِزَالِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ بِهَا، لِأَنَّ مَوْضِعَهُ دَارُ إِسْلَامٍ، فَلَوْ هَاجَرَ، لَصَارَ دَارَ حَرْبٍ، فَيَحْرُمُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ وَدُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ الْأَسِيرُ الْمَقْهُورُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ، لَزِمَهُ، وَلَوْ أَطْلَقُوا أَسِيرًا بِلَا شَرْطٍ، فَلَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ قَتْلًا وَسَبْيًا وَأَخْذًا لِلْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ وَهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْهُ، حَرُمَ عَلَيْهِ اغْتِيَالُهُمْ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَسْتَأْمِنُوهُ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ لَهُ اغْتِيَالَهُمْ، وَلَوْ تَبِعَهُ قَوْمٌ بَعْدَ خُرُوجِهِ، فَلَهُ قَصْدُهُمْ وَقَتْلُهُمْ فِي الدَّفْعِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ أَطْلَقُوهُ وَشَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ وَحَرُمَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، فَإِنْ حَلَّفُوهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ، فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، خَرَجَ وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ تَنْعَقِدْ

يَمِينُهُ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ إِنْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ حَلَفَ ابْتِدَاءً بِلَا تَحْلِيفٍ لِيَتَوَثَّقُوا بِهِ وَلَا يَتَّهِمُوهُ بِالْخُرُوجِ، نُظِرَ إِنْ حَلَفَ بَعْدَمَا أَطْلَقُوهُ، لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنْ حَلَفَ وَهُوَ مَحْبُوسٌ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِذَا أُطْلِقَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ يَمِينَ إِكْرَاهٍ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ قَالُوا: لَا نُطْلِقُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ، فَحَلَفَ، فَأَطْلَقُوهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ بِالْخُرُوجِ، وَلَوْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ، لَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ أَخَذَ اللُّصُوصُ رَجُلًا وَقَالُوا: لَا نَتْرُكُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنَّكَ لَا تُخْبِرُ بِمَكَانِنَا، فَحَلَفَ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَكَانِهِمْ، لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ يَمِينُ إِكْرَاهٍ، وَلْيَكُنْ هَذَا تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ التَّخْوِيفَ بِالْحَبْسِ إِكْرَاهٌ.
قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ كَالتَّخْوِيفِ بِالْحَبْسِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هُنَا الْهِجْرَةُ وَالتَّوَصُّلُ إِلَيْهَا بِمَا أَمْكَنَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْأَحْوَالِ لَا يَغْتَالُهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ عَيْنُ مَالٍ لِمُسْلِمٍ، فَأَخَذَهَا عِنْدَ خُرُوجِهِ لِيَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا، جَازَ، فَإِنْ شَرَطُوا الْأَمَانَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، فَهَلْ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا أَخَذَ الْمَغْصُوبَ مِنَ الْغَاصِبِ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَعَنِ الْقَفَّالِ: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى الْحَرْبِيِّ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ.
وَلَوْ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ، وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ يَعُودَ، أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَالًا فِدَاءً، فَالْعَوْدُ حَرَامٌ وَأَمَّا الْمَالُ، فَإِنْ شَارَطَهُمْ عَلَيْهِ مُكْرَهًا، فَهُوَ لَغْوٌ، وَإِنْ صَالَحَهُمْ مُخْتَارًا، لَمْ يَجِبْ بَعْثُهُ، لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لِئَلَّا يَمْتَنِعُوا مِنْ إِطْلَاقِ

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل