كِتَابُ السِّيَرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْأَسَارَى، وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ: يَجِبُ بَعْثُ الْمَالِ، أَوِ الْعَوْدُ إِلَيْهِمْ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَالَّذِي يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَبْعُوثَ إِلَيْهِمِ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا لَا يَمْلِكُونَهُ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُمُ الْأَسِيرُ شَيْئًا لِيَبْعَثَ إِلَيْهِمْ ثَمَنَهُ، أَوِ اقْتَرَضَ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا، فَثَلَاثُ طُرُقٍ، الْمُذَهَبُ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، وَيَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَلَى الشِّرَاءِ، وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ وَيَلْزَمُ الثَّمَنُ، لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَعَ الْكُفَّارِ يَتَسَاهَلُ فِيهَا، وَالثَّالِثُ: قَوْلَانِ، الْجَدِيدُ: الْبُطْلَانُ، وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّ الْعَيْنِ وَرَدِّ الثَّمَنِ، وَلَوْ لَمْ يَجُرْ لَفْظُ بَيْعٍ، بَلْ قَالُوا: خُذْ هَذَا، وَابْعَثْ كَذَا مِنَ الْمَالِ، فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ كَالشِّرَاءِ مُكْرَهًا، وَلَوْ أَعْطَوْهُ شَيْئًا لِيَبِيعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيَبْعَثَ إِلَيْهِمْ ثَمَنَهُ، فَهُوَ وَكِيلٌ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْوَكِيلِ.
السَّابِعَةُ: إِذَا بَارَزَ مُسْلِمٌ كَافِرًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُ يَجُوزُ، وَشَرَطَ الْمُتَبَارِزَانِ أَنْ لَا يُعِينَ الْمُسْلِمُونَ الْمُسْلِمَ، وَلَا الْكُفَّارُ الْكَافِرَ إِلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يَجُزْ لِمَنْ فِي الصَّفِّ الْإِعَانَةُ، ثُمَّ إِنْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا، أَوْ قُتِلَ الْمُسْلِمُ، جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ قَصْدُ الْكَافِرِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ إِلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَقَدِ انْقَضَى، فَإِنْ شُرِطَ الْأَمَانُ إِلَى الْعَوْدِ إِلَى الصَّفِّ، وَفَّى بِهِ، فَإِنْ وَلَّى الْمُسْلِمُ عَنْهُ، فَتَبِعَهُ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ تَرَكَ قِتَالَ الْمُسْلِمِ وَقَصَدَ الصَّفَّ، فَلَهُمْ قَتْلُهُ لِنَقْضِهِ الْأَمَانَ، وَلَوْ أُثْخِنَ، جَازَ قَتْلُهُ أَيْضًا لِانْقِطَاعِ الْقِتَالِ، وَإِذَا قَصَدَ قَتْلَ الْمُثْخَنِ، مُنِعَ، وَقِيلَ: فَإِنْ شُرِطَ لَهُ التَّمْكِينُ مِنْهُ، فَهُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَهَلْ يَفْسُدُ بِهِ أَصْلُ الْأَمَانِ؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ لِإِعَانَةِ الْمُشْرِكِ، خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ لِإِعَانَةِ الْمُسْلِمِ، فَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ اسْتَنْجَدَهُمْ، جَازَ قَتْلُهُ مَعَهُمْ، وَكَذَا لَوْ خَرَجُوا بِغَيْرِ اسْتِنْجَادِهِ
فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ، وَإِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَنَعَهُمْ، فَلَمْ يَمْتَنِعُوا، جَازَ قَتْلُهُمْ وَلَمْ يَجُزِ التَّعَرُّضُ لَهُ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا شَرَطَا الْأَمَانَ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ، وَلَكِنِ اطَّرَدَتْ عَادَةُ الْمُتَبَارِزِينَ بِالْأَمَانِ، فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ، وَلَمْ تَجْرِ عَادَةٌ، فَلِلْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُ.
فَرْعٌ
لَوْ أَثْخَنَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، فَهَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ أَمْ يُتْرَكُ؟ وَجْهَانِ، نَقَلَهُمَا ابْنُ كَجٍّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ شَرَطَ الْأَمَانَ إِلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، جَازَ قَتْلُهُ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يُتَعَرَّضَ لِلْمُثْخَنِ، وَجَبَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ.
الثَّامِنَةُ: مَسْأَلَةُ الْعِلْجِ، وَهُوَ الْكَافِرُ الْغَلِيظُ الشَّدِيدُ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِقُوَّتِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَمِنْهُ سُمِّي الْعِلَاجُ لِدَفْعِهِ الدَّاءَ وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ كَافِرٌ لِلْإِمَامِ: أَدُلُّكَ عَلَى قَلْعَةِ كَذَا عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي مِنْهَا جَارِيَةً كَذَا، فَيُعَاقِدُهُ الْإِمَامُ، فَيَجُوزُ وَهِيَ جَعَالَةٌ بِجَعْلٍ مَجْهُولٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ احْتُمِلَتْ لِلْحَاجَةِ، وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ ابْتِدَاءً: إِنْ دَلَلْتِنِي عَلَى هَذِهِ الْقَلْعَةِ، فَلَكَ مِنْهَا جَارِيَةٌ كَذَا، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَسَوَاءً كَانَتِ الْمُعَيَّنَةُ حُرَّةً أَمْ أَمَةً لِأَنَّ الْحُرَّةَ تَرِقُّ بِالْأَسْرِ، وَلَوْ شَرَطَ الْعَلْجُ أَوِ الْإِمَامُ جَارِيَةً مُبْهَمَةً، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْجَعْلِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِلْجُ، فَلَوْ قَالَ: أُعْطِيكَ جَارِيَةً مِمَّا عِنْدِي، أَوْ ثُلُثَ مَالِي، لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ مَجْهُولًا كَسَائِرِ الْجَعَالَاتِ، وَلَوْ قَالَ مُسْلِمٌ: أَدُلُّكَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي مِنْهَا جَارِيَةً كَذَا، أَوْ ثُلُثَ مَا فِيهَا، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِيهِ أَنْوَاع غَرَرٍ، فَلَا تُحْتَمَلُ مَعَ الْمُسْلِمِ الْمُلْتَزِمِ لِلْأَحْكَامِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِقِلَاعِهِمْ وَطُرُقِهِمْ غَالِبًا، وَالثَّانِي: يَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لِلْحَاجَةِ، فَقَدْ يَكُونُ الْمُسْلِمُ أَعْرَفَ وَهُوَ أَنْصَحُ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ مُتَعَلِّقٌ بِالْكُفَّارِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى تَجْوِيزِ
اسْتِئْجَارِ الْمُسْلِمِ لِلْجِهَادِ، وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ مَعَ مُسْلِمٍ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، ثُمَّ إِذَا فَتَحْنَا الْقَلْعَةَ بِدَلَالَةِ الْعِلْجِ، وَظَفِرْنَا بِالْجَارِيَةِ، سَلَّمْنَاهَا إِلَيْهِ، وَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ دَلَّنَا، وَفَتَحْنَاهَا بِغَيْرِ دَلَالَتِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ نَفْتَحْهَا، فَإِنْ عُلِّقَ الشَّرْطُ بِالْفَتْحِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِلَّا فَأَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَالثَّانِي: يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَالثَّالِثُ: يُرْضَخُ لَهُ، وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ الْقِتَالُ مُمْكِنًا وَالْفَتْحُ مُتَوَقَّعًا قَرِيبًا، اسْتَحَقَّ، وَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ إِلَّا بِاحْتِمَالٍ نَادِرٍ، فَلَا، أَمَّا إِذَا قَاتَلْنَا، فَلَمْ نَظْفَرْ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ تَرَكْنَاهَا، ثُمَّ عُدْنَا، فَفَتَحْنَاهَا بِدَلَالَتِهِ، فَلَهُ الْجَارِيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ فَتَحْنَاهَا بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ فَتَحَهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى بِالطَّرِيقِ الَّذِي دَلَّنَا عَلَيْهِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ مَعَهُمْ شَرْطٌ.
فَرْعٌ
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلْعَةِ تِلْكَ الْجَارِيَةُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ وَمَاتَتْ قَبْلَ الشَّرْطِ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الشَّرْطِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا إِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ، وَجَبَ بَدَلُهَا، لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي يَدِ الْإِمَامِ، فَتَلَفَتْ مِنْ ضَمَانِهِ، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْبَدَلُ، فَمَا الْبَدَلُ؟ بَنَاهُ الْإِمَامُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ فِي جَعْلِ الْجَعَالَةِ، فَقَالَ: إِذَا جُعِلَ الْجَعْل عَيْنًا، كَثَوْبٍ وَعَبْدٍ، وَتَمَّمَ الْعَامِلُ الْعَمَلَ وَالْعَيْنُ تَالِفَةٌ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَمَلِ، نُظِرَ إِنْ عَلِمَ الْعَامِلُ تَلَفَهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّ الْمُعَاقَدَةَ كَانَتْ مَقْصُورَةً عَلَى تِلْكَ الْعَيْنِ، فَإِذَا عَمِلَ عَالِمًا بِتَلَفِهَا، كَانَ كَالْمُتَبَرِّعِ، وَإِنْ جَهِلَ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِعَدَمِ التَّبَرُّعِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْعَمَلِ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الْعَامِلُ بِتَسْلِيمِهَا، فَهَلْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَعْلَ الْمُعَيَّنَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْعَقْدِ،
أَمْ ضَمَانَ الْيَدِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ، كَالصَّدَاقِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي الْقَطْعُ بِأَنَّ الْجَعْلَ يُضْمَنُ ضَمَانَ الْعَقْدِ، لِأَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْجَعَالَةِ وَلَيْسَ الصَّدَاقُ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَامْتِنَاعِ الْجَاعِلِ مِنَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ قُلْنَا بِضَمَانِ الْيَدِ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ قُلْنَا: ضَمَانُ الْعَقْدِ، فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: التَّلَفُ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ كَإِتْلَافِ الْجَاعِلِ، فَيَكُونُ فِي قَوْلٍ: كَتَلَفِهِ بِآفَةٍ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: كَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، فَيَتَخَيَّرُ الْعَامِلُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِجَارَةِ إِذَا عَرَفْتَ الْمُقَدِّمَةَ، فَبَدَلُ الْجَارِيَةِ حَيْثُ حَكَمْنَا بِهِ هُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إِنْ قُلْنَا بِضَمَانِ الْعَقْدِ، وَقِيمَتُهَا إِنْ قُلْنَا بِضَمَانِ الْيَدِ، هَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ، وَلَكِنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ قَوْلَيِ الصَّدَاقِ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْمَوْجُودُ لِجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ هُنَا قِيمَةُ الْجَارِيَةِ، ثُمَّ مَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا كَانَتْ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً وَمَاتَ كُلُّ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجَوَارِي، وَأَوْجَبْنَا الْبَدَلَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ قَطْعًا، لِتَعَذُّرِ تَقْوِيمِ الْمَجْهُولِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: تُسَلَّمُ إِلَيْهِ قِيمَةُ مَنْ تَسَلُّمُ إِلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، ثُمَّ الْبَدَلُ الْوَاجِبُ هَلْ يَجِبُ فِي مَالِ الْمَصَالَحِ أَمْ فِي أَصْلِ الْغَنِيمَةِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الرَّضْخِ.
فَرْعٌ
إِذَا شَرَطَ جَارِيَةً مُبْهَمَةً وَلَمْ يُوجَدْ إِلَّا جَارِيَةٌ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ جَوَارٍ، فَلِلْإِمَامِ التَّعْيِينُ، وَيُجْبَرُ الْعِلْجُ عَلَى الْقَبُولِ، لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ جَارِيَةٌ وَهَذِهِ جَارِيَةٌ، كَمَا أَنَّ لِلْمُسْلِمِ إِلَيْهِ أَنْ يُعَيِّنَ مَا شَاءَ بِالصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ، وَيُجْبُرُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الْقَبُولِ، وَلَوْ شَرَطَ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً، فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا سِوَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ، فَهَلْ تُسَلَّمُ إِلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَفَاءً بِالشَّرْطِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ سَعْيَنَا حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْعِلْجِ خَاصَّةً،
وَالْخِلَافُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْقَلْعَةَ، وَيُدِيمَ الْيَدَ عَلَيْهَا، لِكَوْنِهَا مَحْفُوفَةً بِبِلَادِ الْكُفْرِ، فَإِنْ أَمْكَنَ، وَجَبَ الْوَفَاءُ قَطْعًا.
فَرْعٌ
لَوْ وَجَدْنَا الْجَارِيَةَ مَسْلَمَةً، نُظِرَ إِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ وَهِيَ حُرَّةٌ، لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهَا، وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا أَنَّهَا تُسَلَّمُ إِلَى الْعِلْجِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ، فَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ مُسْلِمًا، وَصَحَّحْنَا هَذِهِ الْمُعَاقَدَةَ مَعَهُ، أَوْ كَافِرًا وَأَسْلَمَ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَيُبْنَى عَلَى شِرَاءِ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا، إِنْ جَوَّزْنَاهُ، سَلَّمْنَاهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهُ، لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَفِي وُجُوبِ بَدَلِهَا طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْخِلَافِ فِي الْمَوْتِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْبَدَلِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْخِلَافُ وَهُوَ فِيمَا إِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِيمَا إِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا إِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ تَكُونُ مَمْلُوكَةً.
فَرْعٌ
جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إِذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، فَإِنْ فُتِحَتْ صُلْحًا، نُظِرَ إِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ الْمَشْرُوطَةُ خَارِجَةً عَنِ الْأَمَانِ، بِأَنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَمَانِ صَاحِبِ الْقَلْعَةِ وَأَهْلِهِ وَلَمْ تَكُنِ الْجَارِيَةُ مِنْ أَهْلِهِ، سُلِّمَتْ إِلَى الْعِلْجِ، وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْأَمَانِ، أَعْلَمْنَا صَاحِبَ الْقَلْعَةِ بِشَرْطِنَا مَعَ الْعِلْجِ وَقُلْنَا لَهُ: إِنْ رَضِيتَ بِتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، غَرِمْنَا لَكَ قِيمَتَهَا وَأَمْضَيْنَا الصُّلْحَ، وَتَكُونُ الْقَيِّمَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ، وَفِي الشَّامِلِ أَنَّهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الرَّضْخِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ، رَاجَعْنَا الْعِلْجَ، فَإِنْ رَضِيَ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِجَارِيَةٍ أُخْرَى، فَذَاكَ، وَإِلَّا قُلْنَا لِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ: إِنْ لَمْ تُسَلِّمْهَا،
فَسَخْنَا الصُّلْحَ، وَنَبَذْنَا عَهْدَكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ، رَدَدْنَاهُ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَاسْتَأْنَفْنَا الْقِتَالَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ الصُّلْحَ فِي الْجَارِيَةِ فَاسِدٌ، لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ الْإِمَامُ نَازِلًا بِجَنْبِ قَلْعَةٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا فَقَالَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةِ كَذَا، فَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ، فَقَالَ لَهُ عِلْجٌ: هِيَ هَذِهِ الَّتِي أَنْتَ عِنْدَهَا، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ تِلْكَ الْجَارِيَةَ إِذَا فُتِحَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ، فَلَهُ كَذَا، فَجَاءَ بِهِ إِنْسَانٌ مِنَ الْبَلَدِ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إِذَا دَخَلَ كَافِرٌ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ أَوْ ذِمَّةٍ، كَانَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَالِ وَالْأَوْلَادِ فِي أَمَانٍ، فَإِنْ شَرَطَ الْأَمَانَ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ وَلَا أَمَانَ لِمَا خَلَّفَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَيَجُوزُ اغْتِنَامُ مَالِهِ وَسَبْيُ أَوْلَادِهِ هُنَاكَ، وَعَنْ صَاحِبِ «الْحَاوِي» أَنَّهُ إِنْ قَالَ: لَكَ الْأَمَانُ، ثَبَتَ الْأَمَانُ فِي ذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَكَ الْأَمَانُ فِي نَفْسِكَ، لَمْ يَثْبُتْ فِي الذُّرِّيَّةِ وَالْمَالِ، وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ قَالُوا: وَقَدْ يَفْتَرِقُ الْمَالِكُ وَالْمَمْلُوكُ فِي الْأَمَانِ، وَلِهَذَا لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَبَعَثَ مَعَهُ حَرْبِيٌّ مَالًا لِشِرَاءِ مَتَاعٍ، كَانَ مَالُهُ فِي أَمَانٍ حَتَّى يَرُدَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَالِكُ فِي أَمَانٍ، وَكَذَا لَوْ بَعَثَهُ مَعَ ذِمِّيٍّ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَكُونُ مَعَ الذِّمِّيِّ فِي أَمَانٍ، لِأَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ بَاطِلٌ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَيْهِ، وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ أَوْ ذِمَّةٍ أَوْ لِرِسَالَةٍ فَنَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَمِنْ أَسْبَابِ النَّقْضِ أَنْ يَعُودَ لِيَتَوَطَّنَ هُنَاكَ، فَلَا يُسْبَى أَوْلَادُهُ عِنْدَنَا، وَإِنْ مَاتَ فَأَبْلَغُوا، فَإِذَا بَلَغُوا وَقَبِلُوا الْجِزْيَةَ، تُرِكُوا، وَإِلَّا بُلِّغُوا الْمَأْمَنَ، وَمَا خَلَّفَهُ عِنْدَنَا مِنْ وَدِيعَةٍ وَدَيْنٍ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ فِي أَمَانٍ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا، هَذَا هُوَ
الصَّحِيحُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ الْأَمَانُ فِي مَالِهِ لِانْتِقَاضِهِ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الْمَالِ تَبَعًا، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَمَانِ فِي مَالِهِ، حَصَلَ الْأَمَانُ فِيهِ تَبَعًا، فَيَنْتَقِضُ فِيهِ تَبَعًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْأَمَانِ لَمْ يَنْتَقِضْ، قَالَ الْإِمَامُ: فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَلِلْكَافِرِ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ أَمَانٍ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الْمَالِ، وَالدُّخُولُ لَهُ يُؤَمِّنُهُ، كَالدُّخُولِ لِرِسَالَةٍ وَسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعَجِّلَ فِي تَحْصِيلِ غَرَضِهِ، وَلَا يُعَرِّجَ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا لَا يُكَرِّرُ الْعَوْدَ لِأَخْذِ قِطْعَةٍ مِنَ الْمَالِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَإِنْ خَالَفَ، تَعَرَّضَ لِلْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ الدُّخُولُ، وَثُبُوتُ الْأَمَانِ فِي الْمَالِ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَهُ فِي النَّفْسِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَبْقَى الْأَمَانُ فِي مَالِهِ كَانَ فَيْئًا، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْخِلَافُ فِي مَالِهِ الْمُخَلَّفِ بَعْدَ الْتِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَأَمَّا إِذَا فَارَقَ الْمَالَ وَلَمْ يَلْتَحِقْ بَعْدُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَالْوَجْهُ الْجَزْمُ بِبَقَاءِ الْأَمَانِ، وَيُحْتَمَلُ طَرْدُ الْخِلَافِ، وَإِذَا نَبَذَ الْمُسْتَأْمَنُ الْعَهْدَ، وَجَبَ تَبْلِيغُهُ الْمَأْمَنَ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لِمَا مَعَهُ بِلَا خِلَافٍ، هَذَا حُكْمُ مَا تَرَكَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَوْ مَاتَ هُنَاكَ أَوْ قُتِلَ وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ، وَهُوَ بَقَاءُ الْأَمَانِ فِيهِ فِي حَيَاتِهِ، فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَكُونُ فَيْئًا، وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لِوَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، فَهُوَ فَيْءٌ قَطْعًا، وَلَوْ مَاتَ عِنْدَنَا، فَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِرَدِّهِ إِلَى وَارِثِهِ، لِأَنَّهُ مَاتَ وَالْأَمَانُ بَاقٍ فِي نَفْسِهِ، فَكَذَا فِي مَالِهِ، وَهُنَاكَ انْتَقَضَ فِي نَفْسِهِ، فَكَذَا فِي مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ وَارِثُهُ حَرْبِيًّا، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الذِّمِّيَّ وَالْحَرْبِيَّ هَلْ يَتَوَارَثَانِ؟ وَلَوْ خَرَجَ الْمُسْتَأْمَنُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ غَيْرَ نَاقِضٍ لِلْعَهْدِ بَلْ لِرِسَالَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ وَمَاتَ هُنَاكَ، فَهُوَ كَمَوْتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَوِ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ، بُنِيَ عَلَى مَا إِذَا مَاتَ، فَإِنْ قُلْنَا: إِذَا مَاتَ يَكُونُ لِوَارِثِهِ، وُقِفَ، فَإِنْ عَتَقَ، فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ رَقِيقًا فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يُصْرَفُ إِلَى وَارِثِهِ كَمَا لَوْ
مَاتَ حُرًّا، وَأَظْهَرُهُمَا: يَكُونُ فَيْئًا، لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُورَثُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِذَا مَاتَ يَكُونُ فَيْئًا، فَهُنَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: يُوقَفُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُعْتَقَ وَيَعُودَ بِخِلَافِ الْمَوْتِ، فَإِنْ عَتَقَ، سُلِّمَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لِلسَّيِّدِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا صَرَفْنَاهُ إِلَى الْوَرَثَةِ، احْتَمَلَ أَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهِمْ إِرْثًا، وَلَا يَلْزَمُ الْكُفَّارَ تَفْضِيلُ شَرْعِنَا فِي مَنْعِ التَّوْرِيثِ مِنْ رَقِيقٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُصْرَفَ إِلَيْهِمْ إِرْثًا، بَلْ لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّوْرِيثِ، فَهَلْ يَرِثُونَ إِذَا مَاتَ أَمْ يَسْتَنِدُ اسْتِحْقَاقُ الْوَرَثَةِ إِلَى مَا قَبْلَ جَرَيَانِ الرِّقِّ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، وَإِذَا قُلْنَا: الصَّرْفُ إِلَى الْوَرَثَةِ، فَلَهُمْ دُخُولُ الْإِسْلَامِ لِطَلَبِ ذَلِكَ الْمَالِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي صَاحِبِ الْمَالِ.
فَرْعٌ
دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَاقْتَرَضَ مِنْهُمْ شَيْئًا، أَوْ سَرَقَ وَعَادَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ.
الْعَاشِرَةُ: إِذَا حَاصَرْنَا قَلْعَةً أَوْ بَلْدَةً، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ الْإِمَامِ، جَازَ، وَكَذَا لَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ، وَشَرْطُهُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ذَكَرًا حُرًّا مُكَلَّفًا عَدْلًا، لِأَنَّهُ وِلَايَةُ حُكْمٍ، كَالْقَضَاءِ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الرَّأْيُ، فَهُوَ كَالشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ تَصِحُّ مِنَ الْأَعْمَى، وَأَطْلَقُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا، وَرُبَّمَا قَالُوا: فَقِيهًا، وَرُبَّمَا قَالُوا: مُجْتَهِدًا، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا أَظُنُّهُمْ شَرَطُوا أَوْصَافَ الِاجْتِهَادِ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْمُفْتِي، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا التَّهَدِّي إِلَى طَلَبِ الصَّلَاحِ وَمَا فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ حُسْنَ الرَّأْيِ فِي الْكُفَّارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اثْنَيْنِ، أَوْ عَلَى حُكْمِ مَنْ يَخْتَارُهُ الْإِمَامُ، أَوْ مَنْ يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى حُكْمِ مَنْ يَخْتَارُونَهُ إِلَّا إِذَا شَرَطُوا الْأَوْصَافَ
الْمَشْرُوطَةَ، وَلَوِ اسْتَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، كُرِهَ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَيْسَ مَنْصُوصًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَحْصُلُ مِنْهُ اخْتِلَافٌ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوِ اسْتَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنَّ مَا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ يُنَفِّذُهُ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْحُكْمَ فِيهِمْ وَإِذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ اثْنَيْنِ، فَلْيَتَّفِقَا عَلَى الْحُكْمِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا، لَمْ يُنَفَّذْ إِلَّا أَنْ تَتَّفِقَ الطَّائِفَتَانِ عَلَى حُكْمٍ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ، أَوْ نَزَلُوا عَلَى حَكَمٍ وَاحِدٍ، فَمَاتَ قَبْلَ الْحُكْمِ، أَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ، رُدُّوا إِلَى الْقَلْعَةِ إِلَى أَنْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ حَاكِمٍ فِي الْحَالِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ إِلَّا بِمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمَنِّ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَلَوْ حَكَمَ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، كَقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، لَمْ يُنَفَّذْ، وَلَوْ حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، جَازَ.
وَتَكُونُ الْأَمْوَالُ غَنِيمَةً، لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ بِالْقَهْرِ، وَإِنْ حَكَمَ بِاسْتِرْقَاقِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَقَتْلِ مَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، أَوْ بِاسْتِرْقَاقِ مَنْ أَسْلَمَ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى الْكُفْرِ، جَازَ، وَيُنَفَّذُ حُكْمُ الْحَاكِمِ عَلَى الْإِمَامِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حُكْمِهِ فِي التَّشْدِيدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْهُ وَيُسَامِحَ، فَإِذَا حَكَمَ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، فَلَيْسَ لَهُ الْقَتْلُ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْقَتْلِ، فَلَهُ الْمَنُّ، وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْقَاقُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ ذُلٌّ مُؤَبَّدٌ، وَإِنْ حَكَمَ بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَلَيْسَ لَهُ الْمَنُّ إِلَّا بِرِضَى الْغَانِمِينَ، لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا لَهُمْ، وَإِنْ حَكَمَ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ، فَهَلْ يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ حُكْمُهُ وَقَدِ الْتَزَمُوهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُجْبَرُونَ، بُلِّغُوا الْمَأْمَنَ، وَإِنْ قُلْنَا: يُجْبَرُونَ، فَامْتَنَعُوا، فَهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ بَعْدَ قَبُولِهَا، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَطُرِدَ الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ حَكَمَ
بِالْمُفَادَاةِ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبِلَ الْحُكْمَ، حُقِنَ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَلَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ بِخِلَافِ الْأَسِيرِ فَإِنَّهُ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْقَتْلِ، امْتَنَعَ قَتْلُهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِقَتْلِ الرِّجَالِ وَسَبْيِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، لَمْ يَنْدَفِعْ بِإِسْلَامِ الرِّجَالِ إِلَّا قَتْلُهُمْ، وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْمَحْكُومِ بِقَتْلِهِ إِذَا أَسْلَمَ؟ نَقَلَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْزِلُوا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَيُطْلِقُهُمْ، وَلَا يُفَادِيهِمْ بِمَالٍ، وَيَجِيءُ عَلَى تَجْوِيزِ اسْتِرْقَاقِهِ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَيْضًا، وَلَوْ حَكَمَ بِالْإِرْقَاقِ، فَأَسْلَمَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِرْقَاقِ جَازَ إِرْقَاقُهُ، عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
حَاصَرْنَا قَلْعَةً، فَصَالَحَ زَعِيمُهَا عَلَى أَمَانِ مِائَةِ شَخْصٍ مِنْهُمْ، صَحَّ لِلْحَاجَةِ، وَيُعَيِّنُ الزَّعِيمُ مِائَةً، فَإِنْ عَدَّ مِائَةً وَأَغْفَلَ نَفْسَهُ، جَازَ قَتْلُهُ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ السَّيْرِ
إِذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ وَقَدْ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ، فَفِي سُقُوطِهَا عَنْهُ وَجْهَانِ، نَقَلَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، كَالدَّيْنِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا ضَعِيفٌ هَادِمٌ لِلْقَوَاعِدِ.
قُلْتُ: وَلَوْ وَجَبَ عَلَى ذِمِّيٍّ حَدُّ زِنَى فَأَسْلَمَ، نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي «الْإِشْرَافِ» عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، وَرِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَسْقُطُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَمْلِكُوهَا سَوَاءً
أَحْرَزُوهَا بِدَارِ الْحَرْبِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ الْعَقَارُ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا أَسْلَمُوا وَالْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَإِنْ غَنِمَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ الْحَالُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، رَدَّهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَيُعَوِّضُهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، أَعَادَ الْقِسْمَةَ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَزَ مُشْرِكٌ جَارِيَةَ مُسْلِمٍ وَأَوْلَدَهَا، ثُمَّ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ، فَالْجَارِيَةُ وَالْوَلَدُ لِلْمُسْلِمِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْوَاطِئُ، أَخَذَ مَالِكُهَا مِنْهُ الْمَهْرَ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وَطِئَ وَأَوْلَدَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لِلشُّبْهَةِ، وَلَوْ أُسِرَتْ مَسْلَمَةً، فَنَكَحَهَا حَرْبِيٌّ، أَوْ أَصَابَهَا بِلَا نِكَاحٍ، فَأَوْلَدَهَا، ثُمَّ ظَفَرْنَا بِهِمْ، لَمْ يُسْتَرَقَّ أَوْلَادُهَا، لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهَا، وَيَلْحَقُونَ النَّاكِحَ لِلشُّبْهَةِ، وَنَصَّ أَنَّ جَارِيَةَ الْمُسْلِمِ لَوِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا كُفَّارٌ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى مَالِكِهَا، فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ، لَأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَلَوْ أَسَرْنَا قَوْمًا، فَقَالُوا: نَحْنُ مُسْلِمُونَ أَوْ أَهْلُ ذِمَّةٍ، صُدِّقُوا بِأَيْمَانِهِمْ إِنْ وُجِدُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ وُجِدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يُصَدَّقُوا، وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ، فَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا، وَخَرَجَ بِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَظَفَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ الشِّرَاءُ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ لِبَائِعِهِ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ.
فَرْعٌ
نَصَّ فِي حَرْمَلَةَ، أَنَّهُ لَوْ أَهْدَى مُشْرِكٌ إِلَى الْأَمِيرِ، أَوْ إِلَى الْإِمَامِ هَدِيَّةً وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهْدَى قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلُوا عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لِلْمُهْدَى إِلَيْهِ.
فَرْعٌ
فِدَاءُ الْأَمِيرِ الْأَسِيرَ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ قَالَ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ: أَطْلِقْ أَسِيرَكَ
وَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَأَطْلَقَهُ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَمَتَى فَدَى أَسِيرًا بِمَالٍ بِغَيْرِ سُؤَالِ الْأَسِيرِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ الْأَسِيرُ: افْدِنِي بِكَذَا عَلَى أَنْ تَرْجِعَ عَلَيَّ، فَفَعَلَ، رَجَعَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَشْرُطِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ الْأَسِيرُ لِلْكَافِرِ: أَطْلِقْنِي عَلَى كَذَا، فَفَعَلَ، أَوْ قَالَ لَهُ كَافِرٌ: افْتَدِ نَفْسَكَ بِكَذَا، فَفَعَلَ، لَزِمَهُ مَا الْتَزَمَ، وَالْمَالُ الَّذِي فَدَى الْأَسِيرَ بِهِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، هَلْ يَكُونُ غَنِيمَةً أَمْ يُرَدُّ إِلَى الْفَادِي؟ وَجْهَانِ: قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُرَدُّ وَهُوَ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ، فَوَجَدَ مُسْلِمَةً أَسَرُوهَا، لَزِمَهُ إِخْرَاجُهَا إِنْ أَمْكَنَهُ.
فَرْعٌ
سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ فِي الْأَمَانِ عَلَى قَوْلِهِ: أَمَّنْتُكَ، هَلْ يَتَعَدَّى إِلَى مَا مَعَهُ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ، تَعَدَّى قَطْعًا، وَفِي «الْبَحْرِ» تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، حَكَاهُ أَوْ بَعْضَهُ عَنِ الْحَاوِي وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَطْلَقَ الْأَمَانَ، دَخَلَ فِيهِ مَا يَلْبَسُهُ مِنْ ثِيَابٍ، وَمَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي حِرْفَتِهِ مِنْ آلَاتٍ، وَمَا يُنْفِقُهُ فِي مُدَّةِ الْأَمَانِ لِلْعُرْفِ الْجَارِي بِذَلِكَ، وَمَرْكُوبُهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ بَذَلَ لَهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَالْمَالُ أَيْضًا فِي أَمَانٍ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، سَوَاءً أَمَّنَهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، لَمْ يَصِحَّ الْأَمَانُ فِيهِ إِلَّا مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَكَذَلِكَ الذَّرَارِيُّ يُفَرَّقُ فِيهِمْ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ وَالْغَائِبِينَ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ: أَمَّنْتُكَ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، كَانَ آمِنًا فِي جَمِيعِهَا، سَوَاءً أَمَّنَهُ الْإِمَامُ
أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَمَّنْتُكَ فِي بَلَدِ كَذَا، كَانَ آمِنًا فِيهِ، وَفِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لَا غَيْرَ، وَإِنْ أَطْلَقَ، نُظِرَ إِنْ أَمَّنَهُ الْإِمَامُ، كَانَ آمِنًا فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَمَّنَهُ وَالِي الْإِقْلِيمِ، كَانَ آمِنًا فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، وَإِنْ أَمَّنَهُ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ، اخْتَصَّ الْأَمَانُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُنُهُ الْمُؤَمَّنُ، بَلْدَةً كَانَتْ أَوْ قَرْيَةً، وَبِالطَّرِيقِ إِلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ آمِنًا فِي الطَّرِيقِ إِذَا اجْتَازَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْأَمَانُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةِ، فَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا بِبَلَدٍ، فَلَهُ اسْتِيفَاءُ الْمُدَّةِ بِالْإِقَامَةِ فِيهِ، وَلَهُ الْأَمَانُ بَعْدَهَا إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَأْمَنِهِ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، انْقَضَى أَمَانُهُ بِمُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَا أَمَانَ لَهُ بَعْدَهَا لِلْعَوْدِ، لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْ مَحَلِّ أَمَانِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مُدَّةِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعِ الْأَمَانِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.