كِتَابُ الصَّدَاقِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَشَطُّرِ الصَّدَاقِ
بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ يُشَطَّرُ الصَّدَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَفِي الْبَابِ أَطْرَافٌ.
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي مَوْضِعِ التَّشَطُّرِ وَكَيْفِيَّتِهِ.
أَمَّا مَوْضِعُهُ، فَيَتَشَطَّرُ الصَّدَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ.
وَفِيمَا إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِهِ إِلَيْهَا، أَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِدُخُولِ الدَّارِ فَدَخَلَتْ، أَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ بِطَلَبِهَا، وَبِكُلِّ فُرْقَةٍ تَحْصُلُ لَا بِسَبَبٍ مِنَ الْمَرْأَةِ، بِأَنْ أَسْلَمَ أَوِ ارْتَدَّ أَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجَةِ الزَّوْجَ وَهُوَ صَغِيرٌ، أَوْ أُمُّ الزَّوْجِ أَوِ ابْنَةُ الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ، أَوْ وَطِئَهَا أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ بِشُبْهَةٍ وَهِيَ تَظُنُّهُ زَوْجَهَا، أَوْ قَذَفَهَا وَلَاعَنَ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبٍ فِيهَا، بِأَنْ أَسْلَمَتْ أَوِ ارْتَدَّتْ، أَوْ فَسَخَتِ النِّكَاحَ بِعِتْقٍ أَوْ عَيْبٍ، أَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةٌ أُخْرَى لَهُ صَغِيرَةً، أَوْ فَسَخَ النِّكَاحَ بِعَيْبِهَا، فَيَسْقُطُ جَمِيعُ الْمَهْرِ، وَشِرَاؤُهَا زَوْجَهَا يُسْقِطُ الْجَمِيعَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَشِرَاؤُهُ زَوْجَتَهُ يُشَطَّرُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
إِذَا طَلَّقَ الْمُفَوَّضَةَ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ، فَالْقَوْلُ فِي التَّشَطُّرِ سَبَقَ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُفَوَّضَةِ، فَكُلُّ صَدَاقٍ وَاجِبٍ وَرَدَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ شَطَرَهُ، سَوَاءٌ فِيهِ
الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ فِي الْعَقْدِ، وَالْمَفْرُوضُ بَعْدَهُ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ إِذَا جَرَتْ تَسْمِيَةٌ فَاسِدَةٌ فِي الْعَقْدِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّشَطُّرِ، فَفِيهَا أَوْجُهٌ.
الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ بِنَفْسِ الْفِرَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفِرَاقَ يُثْبِتُ لَهُ خِيَارُ الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ، فَإِنْ شَاءَ يَمْلِكُهُ وَإِلَّا فَيَتْرُكْهُ كَالشُّفْعَةِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
وَحَكَى الْعَبَّادِيُّ، أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْقَاشَانِيَّ الزَّاهِدَ، حَكَى الثَّالِثَ قَوْلًا قَدِيمًا.
وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ كَوْنَهُ قَوْلًا أَوْ وَجْهًا، فَإِذَا قُلْنَا: يَثْبِتُ الْمِلْكُ بِالِاخْتِيَارِ، فَطَلَّقَهَا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهَا كُلَّ الصَّدَاقِ، وَهَذَا إِعْرَاضٌ مِنْهُ وَرِضًى بِسُقُوطِ حَقِّهِ، فَيُسَلِّمُ لَهَا جَمِيعَهُ.
وَعَلَى الصَّحِيحِ يَلْغُو قَوْلُهُ، وَيَتَشَطَّرُ الْمَهْرُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ وَنَفَى الْوَلَاءَ.
وَلَوْ طَلَّقَ ثُمَّ قَالَ: أَسْقَطْتُ خِيَارِي، وَقُلْنَا: الطَّلَاقُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، فَقَدْ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ إِلَى احْتِمَالَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ كَخِيَارِ الْبَيْعِ.
وَأَرْجَحُهُمَا: لَا، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْوَاهِبُ خِيَارَ الرُّجُوعِ، وَلَمْ يَجْرِ هَذَا التَّرَدُّدِ فِيمَا لَوْ طَلَّقَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهَا كُلَّ الصَّدَاقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
وَلَوْ حَدَثَتْ زِيَادَةٌ فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: الصَّحِيحُ نِصْفُهَا لِلزَّوْجِ، وَعَلَى الثَّانِي: إِنْ حَدَثَتْ قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فَالْجَمِيعُ لِلزَّوْجَةِ كَالْحَادِثِ قَبْلَ الطَّلَاقِ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً وَقُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَالنِّصْفُ بِزِيَادَتِهِ لِلزَّوْجِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي: يُمْنَعُ الرُّجُوعَ إِلَّا بِرِضَاهَا.
وَإِنْ حَدَثَ نَقْصٌ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالِاخْتِيَارِ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ نَاقِصًا بِلَا أَرْشٍ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَأَخَذَ نِصْفَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ
وَجَدَ مِنْهَا تَعَدٍّ، بِأَنْ طَالَبَهَا بِرَدِّ النِّصْفِ، فَامْتَنَعَتْ، فَلَهُ النِّصْفُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ وَإِنْ تَلِفَ الْكُلُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَعَلَيْهَا الضَّمَانُ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَعَدٍّ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَبِهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ: أَنَّهَا تُغَرَّمُ أَرْشَ النَّقْصِ.
وَإِنْ تَلِفَ، غُرِّمَتِ الْبَدَلَ ; لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَنْ مُعَاوَضَةٍ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْإِقَالَةِ.
وَفِي «الْأُمِّ» نَصٌّ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَبِهِ قَالَ الْمَرَاوِزَةُ ; لِأَنَّهُ فِي يَدِهَا بِلَا تَعَدٍّ، فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: حَدَثَ النَّقْصُ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَعَلَيْكِ الضَّمَانُ، وَقَالَتْ: قَبْلَهُ وَلَا ضَمَانَ، فَأَيُّهُمَا الْمُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَرْأَةُ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ.
وَلَوْ رَجَعَ كُلُّ الصَّدَاقِ إِلَيْهِ بِرِدَّتِهَا، أَوْ فَسَخَ وَتَلِفَ فِي يَدِهَا، فَمَضْمُونٌ عَلَيْهَا كَالْبَيْعِ يَنْفَسِخُ بِإِقَالَةٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَحُكْمُ النِّصْفِ عِنْدِ رِدَّتِهِ كَالطَّلَاقِ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالِاخْتِيَارِ، فَهَلْ تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ.
قَالَ: الْقِيَاسُ أَنَّهَا تَمْلِكُ كَمَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَكَمَا يَمْلِكُ الْمُتَّهِبُ قَبْلَ رُجُوعِ الْوَاهِبِ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا، سَقَطَ نِصْفُهُ بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعِنْدَ الِاخْتِيَارِ: عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَدَّى الدَّيْنَ وَالْمُؤَدَّى بَاقٍ، فَهَلْ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِهِ؟ أَمْ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيهِ لِتَعَيُّنِهِ بِالدَّفْعِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي تَغَيُّرِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الطَّلَاقِ.
إِذَا أَصْدَقَهَا عَيْنًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً، رَجَعَ بِنِصْفِ مِثْلِهَا إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، أَوْ نِصْفِ قِيمَتِهَا إِنْ كَانَتْ مُتَقَوَّمَةً.
وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، فَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا تُغَيِّرٌ، رَجَعَ فِي نِصْفِهَا كَمَا سَبَقَ.
وَإِنْ حَدَثَ تُغَيِّرٌ وَهُوَ مَقْصُودُ الْفَصْلِ، فَهُوَ نَقْصٌ أَوْ زِيَادَةٌ أَوْ كِلَاهُمَا، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: نَقْصٌ مَحْضٌ وَهُوَ نَوْعَانِ، نَقْصُ صِفَةٍ وَنَقْصُ جُزْءٍ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: نَقْصُ الصِّفَةِ كَالْعَمَى وَالْعَوَرِ، وَنِسْيَانِ الصَّنْعَةِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ.
حَادِثٌ فِي يَدِهَا، وَحَادِثٌ فِي يَدِهِ.
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَحْدُثَ فِي يَدِهَا، فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى نِصْفِ قِيمَةِ الصَّدَاقِ سَلِيمًا، وَإِنْ شَاءَ قَنِعَ بِنِصْفِ النَّاقِصِ بِلَا أَرْشٍ.
هَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ: يَجِبُ الْأَرْشُ، وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَجْهَانِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَحْدُثَ فِي يَدِهِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَأَجَازَتْ، فَلَهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ نِصْفُهَا نَاقِصًا، وَلَا خِيَارَ لَهُ وَلَا أَرْشَ ; لِأَنَّهُ نَقَصَ وَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ، لَكِنْ لَوْ حَدَثَ النَّقْصُ بِجِنَايَةٍ وَأَخَذَتِ الْأَرْشَ، فَهَلْ لَهُ نِصْفُ الْأَرْشِ ; لِأَنَّهُ بَدَلُ الْفَائِتِ أَمْ لَا شَيْءَ [لَهُ] مِنَ الْأَرْشِ كَزِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
النَّوْعُ الثَّانِي: نَقْصُ جُزْءٍ، بِأَنْ أَصْدَقَهَا عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: يَرْجِعُ إِلَى نِصْفِ الْبَاقِي وَنِصْفِ قِيمَةِ التَّالِفِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِحَقِّهِ إِنِ اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا.
وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الْبَاقِي وَنِصْفَ قِيمَةِ التَّالِفِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَبْدَيْنِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: زِيَادَةٌ مَحْضَةٌ وَهِيَ صِنْفَانِ، مُنْفَصِلَةٌ وَمُتَّصِلَةٌ.
أَمَّا الْمُنْفَصِلَةُ، كَاللَّبَنِ، وَالْوَلَدِ، وَالْكَسْبِ، فَيُسَلَّمُ لِلْمَرْأَةِ - سَوَاءٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهَا أَوْ فِي يَدِ الزَّوْجِ، وَيَخْتَصُّ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ الْأَصْلِ.
ثُمَّ فِي «الشَّامِلِ» وَ «التَّتِمَّةِ» : إِنَّ قَوْلَنَا: يَرْجِعُ بِنِصْفِ الْأَصْلِ وَيَبْقَى الْوَلَدُ لَهَا، مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ الْجَوَارِي، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِ الْجَارِيَةِ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيمَةِ.
فَإِنْ وَافَقَتْهُ الزَّوْجَةُ وَرَضِيَتْ بِرُجُوعِهِ إِلَى نِصْفِ الْأُمِّ، فَهُوَ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ بِالْبَيْعِ.
الصِّنْفُ الثَّانِي: الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ، كَالسَّمِنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، فَلَا يَسْتَقِلُّ الزَّوْجُ بِالرُّجُوعِ إِلَى عَيْنِ النِّصْفِ، بَلْ يُخَيِّرُ الزَّوْجَةَ.
فَإِنْ أَبَتْ، رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ بِغَيْرِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ سَمَحَتْ، أُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبُ الْقِيمَةِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا، أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ لِلْمِنَّةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا تَمْنَعُ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الِاسْتِقْلَالَ بِالرُّجُوعِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَأَمَّا فِي سَائِرِ الْأُصُولِ، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُفْلِسِ، وَالْمَوْهُوبِ فِي يَدِ الْوَلَدِ، وَالْمَرْدُودِ بِالْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ، فَلَا تَمْنَعُ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الرُّجُوعَ، بَلْ يَسْتَقِلُّونَ بِالرُّجُوعِ مَعَهَا، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِالْفَسْخِ، وَهُوَ رَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ حِينِهِ.
فَإِنْ رُفِعَ مِنْ أَصْلِهِ، فَكَأَنَّهُ لَا عَقْدَ.
وَإِنْ رُفِعَ مِنْ حِينِهِ، فَالْفَسْخُ مُشَبَّهٌ بِالْعَقْدِ، وَالزِّيَادَةُ تَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ، فَكَذَا فِي الْفَسْخِ، وَعَوْدُ الشَّطْرِ بِالطَّلَاقِ لَيْسَ فَسْخًا، وَلِهَذَا لَوْ سَلَّمَ الْعَبْدُ الصَّدَاقَ مِنْ كَسْبِهِ ثُمَّ عَتَقَ وَطَلَّقَ، عَادَ النِّصْفُ إِلَيْهِ لَا إِلَى السَّيِّدِ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ يَثْبُتُ فِيمَا فَرَضَ صَدَاقًا.
وَفَرَّقَ أَبُو إِسْحَاقَ
بَيْنَ الصَّدَاقِ وَصُورَةِ الْإِفْلَاسِ، بِأَنَّ غَرِيمَ الْمُفْلِسِ لَوْ مَنَعْنَاهُ الرُّجُوعَ إِلَى الْعَيْنِ، لَمْ يَتِمَّ لَهُ الثَّمَنُ لِمُزَاحَمَةِ الْغُرَمَاءِ، وَهُنَا إِذَا لَمْ تُسَلِّمِ الْعَيْنَ، سَلَّمَتِ الْقِيمَةَ بِتَمَامِهَا، فَلَا ضَرَرَ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا بِفَلَسٍ عِنْدَ الطَّلَاقِ وَلَوْ تَرَكَ الْعَيْنَ لَاحْتَاجَ إِلَى الْمُضَارَبَةِ، قَالَ: يَرْجِعُ إِلَى الْعَيْنِ بِزِيَادَتِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا.
وَعَوَّلَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى الْفَرْقِ الْأَوَّلِ، وَمَنَعُوا اسْتِقْلَالَهُ بِالرُّجُوعِ وَإِنْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا، وَاعْتَبَرُوا فِي الرُّجُوعِ حِينَئِذٍ رِضَاهَا وَرِضَى الْغُرَمَاءِ.
وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا أَنَّ كَوْنَهَا مَحْجُورًا عَلَيْهَا، يَمْنَعُ الرُّجُوعَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زِيَادَةً، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ قَبْلَ ثُبُوتِ الرُّجُوعِ، وَالزَّوَائِدُ الْمُنْفَصِلَةُ وَالْمُتَّصِلَةُ فِيمَا سِوَى الطَّلَاقِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُشَطِّرَةِ كَهِيَ فِي الطَّلَاقِ.
وَأَمَّا مَا يُوجِبُ عَوْدَ جَمِيعِ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ، فَيُنْظَرُ فِيهِ، إِنْ كَانَ سَبَبُهُ عَارِضًا كَالرَّضَاعِ وَرِدَّتِهَا، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ.
وَفِي رِدَّتِهَا وَجْهٌ أَنَّ الزَّوْجَ يَسْتَقِلُّ بِالرُّجُوعِ فِي الزَّوَائِدِ الْمُتَّصِلَةِ.
وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ مُقَارِنًا كَالْفَسْخِ بِعَيْبِهِ أَوْ عَيْبِهَا، فَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَعُودُ بِزِيَادَتِهِ إِلَى الزَّوْجِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى رِضَاهَا كَفَسْخِ الْبَيْعِ بِالْعَيْبِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ قُلْنَا فِي الْفَسْخِ بَعْدَ الدُّخُولِ: يَبْقَى الْمُسَمَّى لَهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ السَّبَبُ عَارِضًا.
وَإِنْ قُلْنَا: يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، فَهَلْ يَسْتَنِدُ الْفَسْخُ إِلَى أَصْلِ الْعَقْدِ وَيَرْفَعُ أَصْلَهُ، أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ.
إِنْ قُلْنَا: لَا، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، عَادَ الصَّدَاقُ إِلَيْهِ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ.
فَرْعٌ
إِذَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ إِلَى نِصْفِ عَيْنِ الصَّدَاقِ، رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَلَا يُقَالُ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ النِّصْفِ.
وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ بِقِيمَةِ النِّصْفِ، وَهُوَ تَسَاهُلٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ التَّشْقِيصَ عَيْبٌ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِذَا تَغَيَّرَ الصَّدَاقُ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ مَعًا، إِمَّا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا صَغِيرًا فَكَبِرَ، فَإِنَّهُ نَقْصٌ بِسَبَبِ نَقْصِ الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّ الصَّغِيرَ يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا يَعْرِفُ الْغَوَائِلَ، وَيَقْبَلُ التَّأْدِيبَ وَالرِّيَاضَةَ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ بِقُوَّتِهِ عَلَى الشَّدَائِدِ وَالْأَسْفَارِ، وَحِفْظِ مَا يَسْتَحْفِظُهُ.
وَكَمَا إِذَا أَصْدَقَهَا شَجَرَةً فَكَبِرَتْ فَقَلَّ ثَمَرُهَا وَزَادَ حَطَبُهَا.
وَإِمَّا بِسَبَبَيْنِ، بِأَنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَاعْوَرَّ، فَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ لَا يَقْبَلَ الْعَيْنَ لِنَقْصِهَا، وَيَعْدِلَ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ، وَلَهَا أَنْ لَا تَبْذُلَهَا لِزِيَادَتِهَا وَتَدْفَعَ نِصْفَ الْقِيمَةِ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ، جَازَ، وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَلَيْسَ الِاعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ، بَلْ كُلُّ مَا حَدَثَ وَفِيهِ فَائِدَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَهُوَ زِيَادَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي كِبَرِ الْعَبْدِ.
فَرْعٌ
أَصْدَقَهَا جَارِيَةً حَائِلًا، فَحَبِلَتْ فِي يَدِهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهُوَ زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَنَقْصٌ مِنْ وَجْهٍ، لِلضَّعْفِ فِي الْحَالِ، وَلِخَطَرِ الْوِلَادَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى نِصْفِ الْجَارِيَةِ،
فَالْمَعْدُولُ إِلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا إِجْبَارُ الْآخَرِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا، أَنَّ الزَّوْجَ يُجْبَرُ إِذَا رَضِيَتْ بِرُجُوعِهِ إِلَى نِصْفِ الْجَارِيَةِ حَامِلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا يُعْرَفُ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ تُجْبَرَ هِيَ أَيْضًا إِذَا رَغِبَ الزَّوْجُ فِي نِصْفِهَا حَامِلًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا الْحَمْلُ فِي الْبَهِيمَةِ، فَكَالْجَارِيَةِ.
وَقِيلَ: زِيَادَةٌ مَحْضَةٌ، إِذْ لَا خَطَرَ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا حَامِلًا مَا يَحْمِلُ حَائِلًا، وَلِأَنَّ لَحْمَ الْحَامِلِ أَرْدَأُ.
فَرْعٌ
أَصْدَقَهَا أَرْضًا فَحَرَثَتْهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ مُعَدَّةً لِلزِّرَاعَةِ، فَزِيَادَةٌ مَحْضَةٌ.
وَإِنْ كَانَتْ مُعَدَّةً لِلْبِنَاءِ، فَنَقْصٌ مَحْضٌ، فَحِينَئِذٍ إِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى نِصْفِ عَيْنِهَا، مَكَّنَ، وَإِنْ أَبَى، رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ بِلَا حِرَاثَةٍ.
وَإِنْ زَرَعَتْهَا، فَنَقْصٌ مَحْضٌ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى نِصْفِ الْعَيْنِ وَتَرْكِ الزَّرْعِ إِلَى الْحَصَادِ، فَذَاكَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَعَلَيْهِ إِبْقَاؤُهُ بِلَا أُجْرَةٍ ; لِأَنَّهَا زَرَعَتْ مِلْكَهَا الْخَالِصَ.
وَإِنْ رَغِبَ فِيهَا الزَّوْجُ وَامْتَنَعَتْ، أُجْبِرَتْ.
وَإِنْ رَغِبَتْ هِيَ، فَلَهُ الِامْتِنَاعُ، وَيَأْخُذُ نِصْفَ قِيمَةِ الْأَرْضِ.
فَإِنْ قَالَتْ: خُذْ نِصْفَ الْأَرْضِ مَعَ نِصْفِ الزَّرْعِ، فَفِي إِجْبَارِهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: وَجْهَانِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الثِّمَارِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ لَيْسَ مِنْ عَيْنِ الصَّدَاقِ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ كَيْفَ كَانَ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْحَصَادِ، وَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ أَثَرُ الْعِمَارَةِ، وَكَانَتْ تَصْلُحُ لِمَا لَا تَصْلُحُ لَهُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مَحْضَةٌ وَلَوْ غَرَسَتْهَا، فَكَمَا لَوْ زَرَعَتْهَا.
لَكِنْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِ الْأَرْضِ وَيَتْرُكَ الْغِرَاسَ، فَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ ; لِأَنَّ الْغِرَاسَ لِلتَّأْبِيدِ.
وَفِي إِبْقَائِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ضَرَرٌ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا وَالْأَرْضُ مَزْرُوعَةٌ أَوْ مَغْرُوسَةٌ،
فَبَادَرَتْ بِالْقَلْعِ، نُظِرَ، إِنْ بَقِيَ فِي الْأَرْضِ نَقْصٌ لِضَعْفِهَا بِهِمَا وَهُوَ الْغَالِبُ، فَهُوَ عَلَى خِيرَتِهِ، وَإِلَّا انْحَصَرَ حَقُّهُ فِي الْأَرْضِ.
فَصْلٌ
أَصْدَقَهَا نَخِيلًا حَوَائِلَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَهِيَ مُطْلِعَةٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ نِصْفِ الطَّلْعِ قَهْرًا، وَلَا نِصْفِ الْعَيْنِ قَهْرًا ; لِأَنَّ الطَّلْعَ كَزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ فَيُمْنَعُ الرُّجُوعَ قَهْرًا.
فَإِنْ رَضِيَتْ بِأَخْذِهِ نِصْفَ النَّخْلِ وَالطَّلْعِ، أُجْبِرَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ، أَمَّا إِذَا طَلَّقَهَا وَعَلَيْهَا ثِمَارٌ مُؤَبَّرَةٌ، فَفِيهَا مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: لَيْسَ لَهُ تَكْلِيفُهَا قَطْعَ الثَّمَرَةِ لِيَرْجِعَ إِلَى نِصْفِ الْعَيْنِ.
فَلَوْ بَادَرَتْ بِقَطْعِهَا، أَوْ قَالَتْ: اقْطَعْهَا لِيَرْجِعَ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إِلَّا الرُّجُوعُ إِلَى نِصْفِ الشَّجَرِ إِذَا لَمْ يَمْتَدَّ زَمَنُ الْقَطْعِ وَلَمْ يَحْدُثْ بِهِ نَقْصٌ فِي الشَّجَرِ بِانْكِسَارِ سَعَفٍ وَأَغْصَانٍ.
الثَّانِيَةُ: أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ النَّخْلِ وَتَرْكِ الثِّمَارِ إِلَى الْجِدَادِ فَأَبَتْ، أُجْبِرَتْ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ ; لِأَنَّ الْأَشْجَارَ فِي يَدِهَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَرَجَّحَ الْمُتَوَلِّي مَنَعَ الْإِجْبَارِ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ ; لِأَنَّهَا قَدْ [لَا] تَرْضَى بِيَدِهِ وَدُخُولِهِ الْبُسْتَانَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَنْمِيَةِ الثِّمَارِ بِالسَّقْيِ، وَلَا يُمْكِنُ تَكْلِيفُهَا السَّقْيَ ; لِأَنَّ نَفْعَهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالثَّمَرِ، بَلْ يُنْفَعُ بِهِ الشَّجَرُ أَيْضًا، وَلَا يُمْكِنُ تَكْلِيفُهَا تَرْكَ السَّقْيِ لِتَضَرُّرِ الثَّمَرِ
وَالشَّجَرِ.
وَلِمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ: حُكْمُ السَّقْيِ هُنَا حُكْمُهُ فِيمَا إِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي الشَّجَرِ وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالثَّمَرِ فِي غَيْرِ الصَّدَاقِ.
الثَّالِثَةُ: أَرَادَتْ رُجُوعَهُ فِي نِصْفِ الشَّجَرِ وَتَرْكَ ثَمَرِهَا إِلَى الْجِدَادِ، فَلَهُ الِامْتِنَاعُ وَطَلَبُ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الشَّجَرِ خَالِيَةً، وَلَيْسَ لَهَا تَكْلِيفُهُ تَأْخِيرَ الرُّجُوعِ إِلَى الْجِدَادِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ نَاجِزٌ فِي الْعَيْنِ أَوِ الْقِيمَةِ.
وَلَوْ قَالَ: أُؤَخِّرُ الرُّجُوعَ إِلَى الْجِدَادِ، فَلَهَا الِامْتِنَاعُ لِأَنَّ نَصِيبَهُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهَا، كَذَا وَجَّهُوهُ، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ الرَّاجِعَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهَا، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ.
وَلَوْ قَالَ: أَرْجِعُ وَيَكُونُ نَصِيبِي وَدِيعَةً عِنْدَكِ وَقَدْ أَبْرَأْتُكِ عَنْ ضَمَانِهِ، فَوَجْهَانِ لَهُمَا الْتِفَاتٌ إِلَى إِبْرَاءِ الْغَاصِبِ مَعَ بَقَاءِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِهِ.
وَزَادَ مَنْ نَظَرَ إِلَى السَّقْيِ، فَقَالَ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَقُولَ: ارْجِعْ وَاسْقِ ; لِأَنَّ فَائِدَةَ السَّقْيِ تَعُودُ إِلَى نَصِيبِهَا مِنَ الشَّجَرِ وَإِلَى الثِّمَارِ وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهَا، وَلَا أَنْ تَقُولَ: ارْجِعْ وَلَا تَسْقِ ; لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ.
وَلَوْ قَالَتْ: ارْجِعْ وَأَنَا لَا أَسْقِي وَإِلَيْكَ الْخِيرَةُ فِي السَّقْيِ وَتَرَكِهِ، أَوْ قَالَ: ارْجِعِ وَلَا أَسْقِي وَلَكِ الْخِيَارُ فِي السَّقْيِ وَتَرْكِهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْآخَرُ الْإِجَابَةَ ; لِأَنَّهُ إِنْ تَرَكَ السَّقْيَ تَضَرَّرَ، وَإِنْ سَقَى اخْتَصَّ بِالْمُؤْنَةِ دُونَ الْفَائِدَةِ.
وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: ارْجِعِ إِلَى النِّصْفِ وَاسْقِ وَالْتَزِمِ الْمُؤْنَةَ، أَوْ قَالَتْ: ارْجِعْ وَأَنَا أَسْقِي، فَهَلْ يَلْزَمُ الْآخَرُ الْإِجَابَةَ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ وَعْدٌ وَقَدْ لَا يَفِي بِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْإِجَابَةِ، فَبَدَا لِلْمُلْتَزِمِ وَامْتَنَعَ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الزَّوْجِ، وَكَأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ، وَأَلْحَقُوا بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَا إِذَا أَصْدَقَهَا جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فِي يَدِهَا وَلَدًا مَمْلُوكًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقَالَ: أَرْجِعُ إِلَى نِصْفِ الْجَارِيَةِ وَأَرْضَى
أَنْ تُرْضِعَ الْوَلَدَ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجَابُ.
وَلَوْ قَالَ: أَرْجِعُ وَأَمْنَعُهَا الْإِرْضَاعَ، لَمْ تُجَبْ بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَرَاءَ الْإِرْضَاعِ وَمُضِيَّ زَمَانِهِ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبَا «الشَّامِلِ» وَ «التَّتِمَّةِ» فِيهِ.
الرَّابِعَةُ: وَهَبَتْ لَهُ نِصْفَ الثِّمَارِ لِيَشْتَرِكَا فِي الثَّمَرِ وَالشَّجَرِ، فَهَلْ يَجِبُ الْقَبُولُ لِأَنَّ الثَّمَرَ مُتَّصِلٌ كَالسَّمِنِ، أَمْ لَا ; لِأَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ كَالْمُنْفَصِلَةِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ مِلْكِ الْغَيْرِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
الْخَامِسَةُ: تَرَاضَيَا عَلَى الرُّجُوعِ فِي نِصْفِ الشَّجَرِ فِي الْحَالِ، أَوْ عَلَى تَأْخِيرِ الرُّجُوعِ إِلَى الْجِدَادِ، مَكَّنَا مِنْهُ.
وَإِذَا بَدَا لِأَحَدِهِمَا فِي التَّأْخِيرِ، مَكَّنَ مِنَ الرُّجُوعِ عَنْهُ.
وَقَالَ الْمُعَلِّلُونَ بِالسَّقْيِ: إِنْ رَضِيَا بِالرُّجُوعِ فِي الْحَالِ عَلَى أَنْ يَسْقِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا مُتَبَرِّعًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَتْرُكَا أَوْ أَحَدُهُمَا السَّقْيَ، فَمَنِ الْتَزَمَ السَّقْيَ، فَهُوَ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، لَكِنْ إِذَا لَمْ يَفِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَعُدْ إِلَى الزَّوْجِ.
وَمَنْ تَرَكَ السَّقْيَ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْعَوْدِ إِلَيْهِ.
هَذَا حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ أَرَ تَعَرُّضًا لِلسَّقْيِ إِلَّا لِلْإِمَامِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ.
فَرْعٌ
ظُهُورُ النَّوَرِ فِي سَائِرِ الْأَشْجَارِ كَبُدُوِّ الطَّلْعِ فِي النَّخْلِ، وَانْعِقَادِ الثِّمَارِ مَعَ تَنَاثُرِ النَّوَرِ، كَالتَّأْبِيرِ فِي النَّخْلِ.
فَرْعٌ
أَصْدَقَهَا نَخْلَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهُ نِصْفُ الثَّمَرَةِ مَعَ نِصْفِ النَّخْلَةِ، سَوَاءٌ جَدَّتِ الثَّمَرَةُ أَمْ لَا.
وَإِنْ أَصْدَقَهَا وَالثَّمَرَةُ مُطْلِعَةٌ، وَطَلَّقَهَا وَهِيَ بَعْدُ مُطْلِعَةٌ، أَخَذَ نَصِفَهَا مَعَ الطَّلْعِ.
وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ إِذَا امْتَدَّ الزَّمَانُ بِحَيْثُ يَزْدَادُ فِي مِثْلِهِ الطَّلْعُ، لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، هَذَا لَفْظُهُ.
وَلَوْ قَالَ: لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ بِغَيْرِ رِضَاهَا، لَكَانَ أَحْسَنَ.
فَلَوْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً عِنْدَ الطَّلَاقِ، فَهَلْ لَهُ فِي الثَّمَرَةِ حَقٌّ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا إِذَا أَصْدَقَهَا جَارِيَةً حَامِلًا فَوَلَدَتْ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِثُبُوتِ حَقِّهِ فِي الثَّمَرَةِ لِأَنَّهَا مُشَاهَدَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ، وَيَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ الْحَمْلِ.
فَإِنْ أَثْبَتْنَا لَهُ حَقًّا فِي الثَّمَرَةِ، لَمْ يَأْخُذْ إِلَّا بِرِضَاهَا ; لِأَنَّهَا زَادَتْ.
فَإِنْ لَمْ تَرْضَ، أَخَذَ نِصْفَ الشَّجَرِ مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ الطَّلْعِ.
فَرْعٌ
أَصْدَقَهَا جَارِيَةً حَامِلًا فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، نُظِرَ، إِنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ بَعْدُ حَامِلٌ، فَلَهُ نِصْفُهَا حَامِلًا، وَيَجِيءُ عِنْدَ امْتِدَادِ الزَّمَانِ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي فِي الْفَرْعِ قَبْلَ هَذَا.
وَإِنْ طَلَّقَهَا وَقَدْ وَلَدَتْ، فَالْكَلَامُ فِي الْأُمِّ ثُمَّ الْوَلَدِ، أَمَّا الْأُمُّ، فَلَا يَأْخُذُ نِصْفَهَا إِنْ كَانَ الْوَلَدُ رَضِيعًا لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ، لَكِنْ يَرْجِعُ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَ فَطِيمًا، فَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ التَّفْرِيقِ الْمُحَرَّمِ، فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا فَلَهُ نِصْفُهَا.
وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا بِالْوِلَادَةِ، نُظِرَ، إِنْ وَلَدَتْ فِي يَدِ الزَّوْجِ، فَعَلَى مَا سَبَقَ مِنْ حُكْمِ النَّقْصِ فِي يَدِ الزَّوْجِ.
وَإِنْ وَلَدَتْ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ، فَلَهُ الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ.
وَأَمَّا الْوَلَدُ، فَهَلْ
لِلزَّوْجِ حَقٌّ فِي نِصْفِهِ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ لَهُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ سَبَقَا فِي مَوَاضِعَ.
أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ حَادِثٌ فِي مِلْكِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَهُ فِيهِ حَقٌّ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا عَيْنَيْنِ، لَكِنَّ الْوَلَدَ زَادَ بِالْوِلَادَةِ، فَلَهَا الْخِيَارُ.
فَإِنْ رَضِيَتْ بِرُجُوعِ الزَّوْجِ فِي نِصْفِهِ وَنِصْفِ الْأُمِّ، أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ.
وَإِنْ أَبَتْ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْجَارِيَةِ لِلتَّفْرِيقِ، لَكِنْ يَرْجِعُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا وَنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ انْفِصَالِهِ.
وَالثَّانِي: لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ الْمُصْدَقَةُ حَائِلًا، وَطَلَّقَهَا حَامِلًا، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ.
فَإِنْ وَلَدَتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَالْوَلَدُ لَهَا، وَالْقَوْلُ فِي الْأُمِّ كَمَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا يَوْمَ الْإِصْدَاقِ وَوَلَدَتْ وَطَلَّقَهَا، وَإِنْ حَبَلَتْ فِي يَدِ الزَّوْجِ وَوَلَدَتْ فِي يَدِهَا، فَهَلِ النَّقْصُ مِنْ ضَمَانِهِ وَلَهَا الْخِيَارُ ; لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ فِي يَدِهِ، أَمْ مِنْ ضَمَانِهَا وَلَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ عِنْدَهَا؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
أَصْدَقَهَا حُلِيًّا فَكَسَرَتْهُ، أَوِ انْكَسَرَ فِي يَدِهَا وَبَطَلَتْ صَنْعَتُهُ، ثُمَّ أَعَادَتِ الْمُنْكَسِرَ حُلِيًّا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، نُظِرَ، إِنْ صَاغَتْهُ عَلَى هَيْئَةٍ أُخْرَى، فَالْحَاصِلُ زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَنَقْصٌ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى نِصْفِهِ، جَازَ.
وَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا، تَعَيَّنَ نِصْفُ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ عَادَتِ الصَّنْعَةُ بِحَالِهَا، فَهَلْ يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ رِضَاهَا، أَمْ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَبِهِ قَالَ
ابْنُ الْحَدَّادِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ أَصْدَقَهَا جَارِيَةً فَهَزُلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ، وَفِيمَا لَوْ نَسِيَ الْعَبْدُ الصَّنْعَةَ ثُمَّ تَعَلَّمَهَا.
وَلَوْ طَرَأَتْ عَلَى عَيْنِ الْعَبْدِ غِشَاوَةٌ وَكَانَ لَا يُبْصِرُ شَيْئًا، ثُمَّ زَالَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَفِيمَا عُلِّقَ عَنِ الْإِمَامِ، أَنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَوْ حَدَثَ فِي يَدِهَا عَيْبٌ فَزَالَ ثُمَّ طَلَّقَهَا.
وَإِذَا قُلْنَا فِي الْحُلِيِّ: يُعْتَبَرُ رِضَاهَا فَفِيمَا يُرْجَعُ بِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نِصْفُ قِيمَةِ الْحُلِيِّ بِهَيْأَتِهِ الَّتِي كَانَتْ.
وَالثَّانِي: مِثْلُ نِصْفِهِ بِالْوَزْنِ تِبْرًا، وَإِلَّا نَصِفُ أُجْرَتِهِ مِثْلُ الصَّنْعَةِ وَهِيَ قِيمَتُهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ، فِيمَا يُقَوَّمُ بِهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَالْمُذَهَّبُ بِفِضَّةٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ.
وَالثَّانِي: يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي قِيمَةِ الصَّنْعَةِ، فَفِي وَجْهٍ: يُقَوَّمُ بِغَيْرِ جِنْسِ الْحُلِيِّ، وَفِي وَجْهٍ: بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا سَبَقَ فِي الْغَصْبِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، بُنِيَ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِهِ.
وَهَلْ لِصَنْعَتِهِ قِيمَةٌ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ، سَوَاءٌ عَادَتِ الصَّنْعَةُ الْأُولَى أَمْ غَيْرُهَا، إِذْ لَا زِيَادَةَ.
وَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَالْحُلِّيِ.
وَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً مُغَنِّيَةً فَنَسِيَتْ عِنْدَهُ الْأَلْحَانَ، هَلْ يَرُدُّ مَعَهَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا بِنِسْيَانِ الْأَلْحَانِ، أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فَلَا عِبْرَةَ بِفَوَاتِهِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ اشْتَرَى مُغَنِّيَةً بِأَلْفَيْنِ، وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا بِلَا غِنَاءٍ، فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ.
أَحَدُهَا: الْبُطْلَانُ ; لِأَنَّهُ بَذْلٌ فِي مُقَابَلَةِ حَرَامٍ، وَبِهِ
أَفْتَى الْمَحْمُودِيُّ.
وَالثَّانِي قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ: إِنْ قَصَدَ بِالشِّرَاءِ الْغَنَاءَ، بَطَلَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّالِثُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ قَالَهُ الْأَوْدَنِيُّ، قَالَ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ.
قُلْتُ: وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الصِّحَّةَ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَلَوْ بِيعَتْ بِأَلْفٍ، فَالْبَيْعُ صَحِيحُ بِلَا خِلَافٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
أَصْدَقَ ذِمِّيٌّ خَمْرًا، ثُمَّ أَسْلَمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْنَا، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لَمْ نَحْكُمْ لَهَا بِشَيْءٍ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ، حَكَمْنَا بِوُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَلَوْ صَارَتِ الْخَمْرَةُ الْمُصْدَقَةُ فِي يَدِهِ خَلًّا، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدَهُمَا، فَوَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا شَيْءَ لَهَا إِلَّا الْخَلَّ.
وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا تَصْلُحُ صَدَاقًا، وَلَا عِبْرَةً بِذِكْرِهَا إِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا قَبَضٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَصِيرًا، فَتَخَمَّرَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ عَادَ خَلًّا، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا، لَزِمَهُ قِيمَةُ الْعَصِيرِ.
وَلَوْ قَبَضَتِ الذِّمِّيَّةُ الْخَمْرَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا، فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ وَمَنْعِ إِمْسَاكِ الْخَمْرِ.
وَلَوْ صَارَتْ خَلًّا عِنْدَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ إِلَى نِصْفِهِ لِكَوْنِ الْعَيْنِ بَاقِيَةً وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا، أَمْ لَا تَرْجِعُ بِشَيْءٍ لِأَنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا كَانَ الْمَقْبُوضُ مَالًا، وَهُنَا حَدَثَتِ الْمَالِيَّةُ فِي يَدِهَا فَهُوَ كَزِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ تَلِفَ الْخَلُّ أَوْ أَتْلَفَتْهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَوَجْهَانِ.
أَصَحَّهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْخِضْرِيِّ: يَرْجِعُ بِمِثْلِ نِصْفِ الْخَلِّ.
وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْإِصْدَاقِ وَالْقَبْضِ،
وَلَا قِيمَةَ لِهَذَا يَوْمَ الْإِصْدَاقِ وَالْقَبْضِ.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا جِلْدَ مَيْتَةٍ، فَقَبَضَتْهُ وَدَبَغَتْهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَفِي رُجُوعِهِ فِي نِصْفِهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى تَخَلُّلِ الْخَمْرِ، وَأَوْلَى بِعَدَمِ الرُّجُوعِ ; لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ حَدَثَتْ بِفِعْلِهَا وَمَعَ التَّرْتِيبِ، فَالْأَصَحُّ الرُّجُوعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ.
فَعَلَى هَذَا: إِنْ هَلَكَ الْجِلْدُ عِنْدَهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَرْجِعُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ هُنَا بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ الْخَلِّ ; لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ وَالْجِلْدُ مُتَقَوَّمٌ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُتَقَوَّمِ إِلَى وَقْتِ الْإِصْدَاقِ وَالْإِقْبَاضِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ حِينَئِذٍ.
وَلَوِ ارْتَدَّتْ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالْقَوْلُ فِي كُلِّ الْخَلِّ وَكُلِّ الْجِلْدِ، كَالْقَوْلِ فِي النِّصْفِ عِنْدِ الطَّلَاقِ.
فَصْلٌ
كُلُّ عَمَلٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، جَازَ جَعْلُهُ صَدَاقًا، وَذَلِكَ كَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالصَّنَائِعِ، وَكَالْخِيَاطَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْبِنَاءِ وَغَيْرِهَا، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: يُشْتَرَطُ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لِيَصِحَّ صَدَاقًا شَرْطَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ، تَعْلِيمُهُ بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ.
الْأَوَّلُ: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يَعْلَمُهُ بِأَنْ يَقُولَ: كُلُّ الْقُرْآنِ أَوِ السُّبْعُ الْأَوَّلُ أَوِ الْأَخِيرُ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السُّبْعِ.
فَإِنْ عُيِّنَ بِالسُّورِ وَالْآيَاتِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْخِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا.
وَقَطَعَ ابْنُ كَجٍّ هُنَا بِعَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَالَ: فَلَوْ شَرَطَ حَرْفَ أَبِي عَمْرٍو، عَلَّمَهَا بِحَرْفِهِ، فَإِنْ عَلَّمَهَا بِحَرْفِ الْكِسَائِيِّ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، أَمْ لَا شَيْءَ لَهُ؟ وَجْهَانِ.
وَحَكَى قَوْلَيْنِ فِي أَنَّهَا تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَمْ بِقَدَرِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ بِالْحَرْفِ الْمَشْرُوطِ وَالْآخَرِ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَفَاوُتٌ،
لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ثُمَّ قَالَ: وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: يُعَلِّمُهَا بِحَرْفِ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِمَا عَلِمَ.
ثُمَّ الْعِلْمُ بِهَذَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا قَدْرَ السُّوَرِ وَالْأَجْزَاءِ وَالْآيَاتِ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ: الطَّرِيقُ التَّوْكِيلُ، وَإِلَّا فَيُرَى الْمُصْحَفُ، وَيُقَالُ: تَعَلَّمْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى هَذَا، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: لَا يَكْفِي هَذَا، إِذْ لَا يُعْرَفُ بِهِ صُعُوبَتُهُ وَسُهُولَتُهُ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ إِذَا لَمْ يُعَلِّمْهَا فَيَتَعَيَّنُ التَّوْكِيلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: تَقْدِيرُهَا بِالزَّمَانِ، بِأَنْ يَصْدُقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ شَهْرًا، وَيُعَلِّمُهَا فِيهِ مَا شَاءَتْ، كَمَا يَخِيطُ الْأَجِيرُ لِلْخِيَاطَةِ مَا شَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ.
فَلَوْ جَمَعَ الطَّرِيقَيْنِ فَقَالَ: تُعَلِّمُهَا فِي شَهْرٍ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْإِجَارَةِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَى تَعْلِيمِهِ قَدْرًا فِي تَعْلِيمِهِ كُلْفَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، بِأَنْ شُرِطَ تَعْلِيمُ لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ، أَوْ قَدْرٍ يَسِيرٍ وَإِنْ كَانَ آيَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ نَظَرَ لَمْ يَصِحَّ الْإِصْدَاقُ وَهُوَ كَبَيْعِ حَبَّةِ حِنْطَةٍ.
الثَّانِيَةُ: أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ لِلتَّعْلِيمِ، فَفِي صِحَّةِ الْإِصْدَاقِ وَجْهَانِ، كَنَظِيرِهِ فِي الْإِجَارَةِ.
أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ.
وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَدَاءِ شَهَادَةٍ لَهَا عِنْدَهُ، أَوْ نَكَحَ كِتَابِيَّةً عَلَى أَنْ يُلَقِّنَهَا كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ الزَّوْجُ لَا يُحْسِنُ مَا شُرِطَ تَعْلِيمُهُ، فَإِنِ الْتَزَمَ التَّعْلِيمَ فِي الذِّمَّةِ، جَازَ ثُمَّ يُأْمَرُ بِتَعْلِيمِهَا أَوْ يَتَعَلَّمُ وَيُعَلِّمُهَا.
وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَنْ يُعْلِمَهَا بِنَفْسِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ ثُمَّ يَتَعَلَّمُ وَيُعَلِّمُهَا، أَمْ لَا يَصِحُّ لِعَجْزِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَتَعَلَّمَ ثُمَّ يُعَلِّمَهَا، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْعَمَلَ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ، وَالْأَعْيَانُ لَا تَقْبَلُ التَّأْجِيلَ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ صَحَّحْنَا فَأَمْهَلَتْهُ لِيَتَعَلَّمَ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُعْسِرٌ بِالصَّدَاقِ.
وَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ يُعَلِّمُهَا، جَازَ إِنْ كَانَ الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تُقِيمَ غَيْرَهَا مُتَعَلِّمًا، فَهَلْ يُجْبَرُ الزَّوْجُ كَالْمُسْتَأْجِرِ لِلرُّكُوبِ يَرْكَبُ غَيْرُهُ، أَمْ لَا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْفَهْمِ وَالْحِفْظِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الثَّانِي، وَخَالَفَهُمُ الْإِمَامُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْإِبْدَالِ مَعَ التَّرَاضِي.
وَلَوْ فُرِضَ عَقْدٌ مُجَدِّدٌ، فَأَبْدَلَتْ مَنْفَعَةً بِمَنْفَعَةٍ، جَازَ قَطْعًا.
الرَّابِعَةُ: أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ وَلَدِهَا، لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ كَمَا لَوْ شَرَطَ الصَّدَاقَ لِوَلَدِهَا.
وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ غُلَامِهَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَا يَصِحُّ كَالْوَلَدِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يَصِحُّ، وَهَذَا أَصَحُّ.
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا تَعْلِيمُ الْوَلَدِ أَوْ خِتَانِ الْعَبْدِ، فَشَرَطَتْهُ صَدَاقًا، جَازَ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ تَعَذَّرَ التَّعْلِيمُ، بِأَنْ تَعَلَّمَتْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَتْ بَلِيدَةً لَا تَتَعَلَّمُ، أَوْ لَا تَتَعَلَّمُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ وَيَذْهَبُ الْوَقْتُ فِي تَعْلِيمِهَا فَوْقَ الْعَادَةِ، أَوْ مَاتَتْ أَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَالشَّرْطُ أَنْ يُعَلِّمَ بِنَفْسِهِ، فَفِي الْوَاجِبِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ فِيمَا لَوْ تَلِفَ الصَّدَاقُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
فَعَلَى الْأَظْهَرِ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَعَلَى الْآخَرِ: أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ.
السَّادِسَةُ: قَالَ: عَلَّمْتُكِ وَأَنْكَرَتْ، فَإِذَا لَمْ تُحْسِنْهُ، صَدَقَتْ، وَإِنْ أَحْسَنَتْهُ
وَادَّعَتِ التَّعَلُّمَ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ لِتَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ، أَصَحُّهُمَا: هِيَ.
السَّابِعَةُ: أَصْدَقَهَا تَعَلُّمَ سُورَةٍ، فَعَلَمَّهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ التَّعْلِيمِ، فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ التَّعْلِيمِ إِنْ دَخَلَ، وَإِلَّا، فَتَعْلِيمُ النِّصْفِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُعَلِّمُهَا وَرَاءَ حِجَابٍ بِغَيْرِ خَلْوَةٍ.
وَأَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : أَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ التَّعْلِيمُ ; لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَلَا تُؤْمَنُ مُفْسِدَةٌ.
فَعَلَى هَذَا: تَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ إِنْ دَخَلَ، وَإِلَّا فَنَصِفُهُ، وَعَلَى الْآخَرِ: تَرْجِعُ بِأُجْرَةِ التَّعْلِيمِ أَوْ نِصْفِهَا.
الثَّامِنَةُ: نَكَحَ كِتَابِيَّةً عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، فَإِنْ تَوَقَّعَ إِسْلَامَهَا، صَحَّ الصَّدَاقُ، وَإِلَّا فَسَدَ، وَمَالَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا.
وَلَوْ نَكَحَ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً عَلَى تَعْلِيمِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِهِ لِتَبْدِيلِهِ، وَالْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ قَطْعًا، إِذْ لَا قِيمَةَ لِلْمُسَمَّى.
وَلَوْ نَكَحَ ذِمِّيٌّ عَلَى تَعْلِيمِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا بَعْدَ التَّعْلِيمِ، لَمْ نُوجِبْ شَيْئًا آخَرَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيمِ، أَوْجَبْنَا مَهْرَ الْمِثْلِ كَمَا فِي الْخَمْرِ.
التَّاسِعَةُ: أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ فِقْهٍ، أَوْ أَدَبٍ أَوْ طِبٍّ أَوْ شِعْرٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، صَحَّ الصَّدَاقُ.
وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَالْهَجْوِ وَالْفُحْشِ، لَمْ يَصِحَّ.
الْعَاشِرَةُ: نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَبْدَهَا الْآبِقَ، أَوْ جَمَلَهَا التَّائِهَ وَكَانَ الْمَوْضِعُ مَعْلُومًا، صَحَّ.
وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ كَالْجَعَالَةِ.
وَالْمَشْهُورُ: الْمَنْعُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ، فَإِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ احْتُمِلَتِ الْجَهَالَةُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ.
فَإِنْ رَدَّهُ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ الرَّدِّ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَإِذَا صَحَّ الصَّدَاقُ، فَطَلَّقَهَا بَعْدَ رَدِّ الْعَبْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ، اسْتَرَدَّ مِنْهَا نِصْفَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الرَّدِّ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَيْهِ الرَّدُّ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَعَلَيْهِ الرَّدُّ إِلَى نِصْفِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْحَاكِمِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا يُمْكِنُ تَرْكُهُ فِيهِ، وَلَمْ يَتَبَرَّعْ بِالرَّدِّ إِلَيْهَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ إِلَيْهَا، وَلَهُ عَلَيْهَا نِصْفُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَلَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِرَدِّ غَيْرِهِ، أَوْ رُجُوعُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَوْتِهِ، فَقَدْ فَاتَ الصَّدَاقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَتَرْجِعُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَعَلَى الْآخَرِ: إِلَى أُجْرَةِ الرَّدِّ.
الْحَادِيَةُ عَشْرَةُ: نَكَحَهَا عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَعْلُومٍ، جَازَ، وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْخِيَاطَةِ إِنِ الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ نَكَحَ عَلَى أَنْ يَخِيطَ بِنَفْسِهِ، فَعَجَزَ بِأَنْ سَقَطَتْ يَدُهُ أَوْ مَاتَ، فَفِيمَا عَلَيْهِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: أُجْرَةُ الْخِيَاطَةِ.
وَلَوْ تَلِفَ ذَلِكَ الثَّوْبُ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: تَلَفُ الصَّدَاقِ فَيَعُودُ الْقَوْلَانِ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ وَالْأُجْرَةِ.
وَالثَّانِي: تَأْتِي بِثَوْبٍ مِثْلِهِ لِيَخِيطَهُ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْخِيَاطَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهُ عَلَيْهَا نِصْفُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْخِيَاطَةِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَيْهِ الْخِيَاطَةُ، وَإِلَّا خَاطَ نِصْفَهُ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ الضَّبْطُ، عَادَ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَمِ الْأُجْرَةُ؟
الثَّانِيَةُ عَشْرَةُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهَا قِصَاصٌ فَنَكَحَهَا، وَجَعَلَ النُّزُولَ عَنِ الْقِصَاصِ صَدَاقًا، جَازَ.
وَلَوْ جَعَلَ النُّزُولَ عَنِ الشُّفْعَةِ، أَوْ حَدِّ الْقَذْفِ صَدَاقًا، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِمَالٍ، وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ طَلَاقِ امْرَأَةٍ صَدَاقًا لِأُخْرَى، وَلَا بُضْعِ أَمَتِهِ صَدَاقُ الْمَنْكُوحَةِ.
فَصْلٌ
إِذَا أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الصَّدَاقِ، أَوْ لَهُ بِنَقْصِهِ، أَوْ لَهُمَا بِهِمَا، لَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ النِّصْفَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ الرُّجُوعَ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا، وَقَبْلَ أَنْ يَتَوَافَقَا إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَإِنْ قُلْنَا: الطَّلَاقُ يَشْطُرُ الصَّدَاقَ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهَا الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ هُوَ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ عَلَى الْهِبَةِ، لَكِنْ إِذَا تَوَجَّهَتْ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ، لَا تُمَكَّنُ هِيَ مِنَ التَّأْخِيرِ، بَلْ تُكَلَّفُ اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا.
وَإِذَا طَلَبَ الزَّوْجُ، فَلَا يُعَيِّنُ فِي طَلَبِهِ الْعَيْنَ وَلَا الْقِيمَةَ ; لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُنَاقِضُ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَيْهَا، لَكِنْ يُطَالِبُهَا بِحَقِّهِ عِنْدَهَا، فَإِنِ امْتَنَعَتْ، قَالَ الْإِمَامُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِحَبْسِهَا لِبَذْلِ الْعَيْنِ أَوِ الْقِيمَةِ، بَلْ يَحْبِسُ الْعَيْنَ عَنْهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، وَيَمْنَعُهَا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الزَّوْجِ بِالصَّدَاقِ فَوْقَ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالْمَرْهُونِ وَالْغُرَمَاءِ بِالتَّرِكَةِ.
فَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ دُونَ نِصْفِ الْعَيْنِ لِلزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ، بَاعَ مَا يَفِي بِالْوَاجِبِ مِنَ الْقِيمَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي شِرَاءِ الْبَعْضِ، بَاعَ الْكُلَّ وَصَرَفَ الْفَاضِلَ عَنِ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ إِلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْعَيْنِ مِثْلَ نِصْفِ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَمْ تُؤَثِّرِ الزِّيَادَةُ فِي الْقِيمَةِ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ: تُسَلِّمُ نِصْفَ الْعَيْنِ إِلَيْهِ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْبَيْعِ، فَإِذَا سُلِّمَ إِلَيْهِ، أَفَادَ قَضَاؤُهُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ.
وَالثَّانِي: لَا تُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْعَيْنَ، بَلْ يَبِيعُهُ، فَلَعَلَّهُ يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيهِ بِزِيَادَةٍ.
فَرْعٌ
إِذَا وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيمَةِ بِهَلَاكِ الصَّدَاقِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهَا، أَوْ زِيَادَةٍ فِيهِ أَوْ نَقْصٍ، فَالْمُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ يَوْمِ الْإِصْدَاقِ، وَيَوْمِ الْقَبْضِ.
لَكِنْ لَوْ تَلِفَ الصَّدَاقُ فِي يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَقُلْنَا: إِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهَا، اعْتُبِرَتْ قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ مِلْكُهُ تَحْتَ يَدٍ مُضَمَّنَةٍ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ حُكْمِ التَّشَطُّرِ بَعْدَ تَصَرُّفِهَا فِي الصَّدَاقِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: إِذَا زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ نَقْصُ تَصَرُّفِهَا لِطَلَاقِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، بَلْ زَوَالُ مِلْكِهَا كَالْهَلَاكِ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ إِلَى نِصْفٍ بَدَلُهُ وَهُوَ الْمِثْلُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ.
وَإِنْ لَمْ يَزُلِ الْمِلْكُ، بَلْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ، بِأَنْ أَوْصَتْ بِهِ، أَوْ وَهَبَتْهُ، أَوْ رَهَنَتْهُ وَلَمْ يَقْبِضْ، فَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهِ.
وَفِي «الشَّامِلِ» وَغَيْرِهِ، نَقْلُ قَوْلٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْمَوْهُوبِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ، لِئَلَّا يُبْطِلَ تَصَرُّفَهَا فِي مِلْكِهَا، وَحُقُّ هَذَا أَنْ يَطَّرِدَ فِي الرَّهْنِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ بَاعَتْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَطَلَّقَهَا فِي مُدَّتِهِ، فَإِنْ جَعْلَنَا الْمِلْكَ لِلْبَائِعِ، فَهُوَ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ لِلْمُشْتَرِي، فَلَا رُجُوعَ فِي الْعَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَازِمًا، بِأَنْ رَهَنَتْهُ وَأَقْبَضَتْهُ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى نِصْفِهِ.
وَإِنْ أَجَّرَتْهُ، فَقَدْ نَقَصَ الصَّدَاقُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمُسْتَأْجِرِ مَنْفَعِتِهِ، فَإِنْ شَاءَ الزَّوْجُ رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْعَيْنِ مَسْلُوبَةَ
الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ.
فَلَوْ قَالَ: أَنَا أَصْبِرُ إِلَى انْفِكَاكِ الرَّهْنِ وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، نُظِرَ، إِنْ قَالَ: أَتَسَلَّمُهُ ثُمَّ أُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَتَسَلَّمُهُ وَأَصْبِرُ، فَلَهَا الِامْتِنَاعُ، وَتَدْفَعُ إِلَيْهِ نِصْفَ الْقِيمَةِ لِمَا عَلَيْهَا مِنْ خَطَرِ الضَّمَانِ، هَذَا إِنْ قُلْنَا: الصَّدَاقُ فِي يَدِهَا مَضْمُونٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا ضَمَانَ أَوْ أَبْرَأَهَا عَنِ الضَّمَانِ وَصَحَّحْنَا الْإِبْرَاءَ، فَهَلْ عَلَيْهَا الْإِجَابَةُ، أَمْ لَا لِأَنَّهُ قَدْ يَبْدُو لَهُ فَيُطَالِبُهَا بِالْقِيمَةِ وَتَخْلُو يَدُهَا عَنْهَا؟ وَجْهَانِ، فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْإِجَابَةَ وَلَمْ نُطَالِبْهَا حَتَّى انْفَكَّ الرَّهْنُ، وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالْعَيْنِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، أَمْ تَتَعَيَّنُ الْقِيمَةُ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ نَقَلَ حَقَّهُ إِلَيْهَا؟ وَجْهَانِ.
وَتَزْوِيجُ جَارِيَةِ الصَّدَاقِ كَالْإِجَارَةِ.
وَلَوْ زَالَ مِلْكُهَا وَعَادَ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالْعَيْنِ أَمْ بِالْقِيمَةِ؟ وَجْهَانِ سَبَقَتْ نَظَائِرُهُمَا فِي الْفَلَسِ وَالْهِبَةِ.
أَصَحُّهُمَا هُنَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: التَّعَلُّقُ بِالْعَيْنِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ يَخْتَصُّ بِالْعَيْنِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَلِ، فَالْعَيْنُ الْعَائِدَةُ أَوْلَى مِنَ الْبَدَلِ، هَذَا إِذَا زَالَ الْمِلْكُ بِجِهَةٍ لَازِمَةٍ، فَإِنْ زَالَ بِغَيْرٍ لَا زِمٍ، بِأَنْ بَاعَ بِالْخِيَارِ، وَقُلْنَا: يَزُولُ الْمِلْكُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَالْخِلَافُ مُرَتَّبٌ فِي التَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ، وَأَوْلَى بِالثُّبُوتِ.
وَلَوْ كَاتَبَتْ عِنْدَ الصَّدَاقِ وَعَجَزَ نَفْسُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ إِجْرَاؤُهُ مَجْرَى الزَّوَالِ اللَّازِمِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: هَذَا أَوْلَى بِالثُّبُوتِ ; لِأَنَّ الْمَكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عُرُوضَ الرَّهْنِ وَزَوَالَهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ لَا يُؤَثِّرُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَدَبَّرَتْهُ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» أَيْضًا سِوَى جَعْلِ التَّدْبِيرِ وَصِيَّةَ الْأُمِّ تَعْلِيقًا بِصِفَةٍ ; لِأَنَّ التَّدْبِيرَ قُرْبَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ لَا يَتَقَاعَدُ عَنِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ فِي الْقِيمَةِ.
وَقِيلَ: فِي الرُّجُوعِ قَوْلَانِ، إِنْ قُلْنَا:
التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ، رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقِيلَ: يَرْجِعُ قَطْعًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَتْ مُوسِرَةً تَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْقِيمَةِ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ، رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْعَبْدِ قَطْعًا.
وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْخِلَافِ فُرُوعٌ.
[الْفَرْعُ] الْأَوَّلُ: إِنْ قُلْنَا بِالرُّجُوعِ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الزَّوْجَ يَسْتَقِلُّ بِهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقَدُّمِ رُجُوعِ الْمَرْأَةِ.
وَقَالَ الْحَنَّاطِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الرُّجُوعِ وَإِعْطَاءِ الزَّوْجِ النِّصْفَ.
فَإِنِ امْتَنَعَتْ، قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهَا فَفَسَخَهُ.
الثَّانِي: لَوْ رَجَعَتْ عَنِ التَّدْبِيرِ بِالْقَوْلِ وَجَوَّزْنَاهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَقُلْنَا: التَّدْبِيرُ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِتَمَكُّنِهِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى نِصْفِهِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا لَوْ دَبَّرَتْهُ ثُمَّ بَاعَتْهُ ثُمَّ مَلَكَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَيَعُودُ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي عَوْدِ الْمِلْكِ بَعْدَ زَوَالِهِ.
أَصَحُّهُمَا: التَّمَكُّنُ، وَمَعَ هَذَا التَّمَكُّنِ لَوْ تَرَكَهُ وَطَلَبَ نِصْفَ الْقِيمَةِ، أُجِيبَ إِلَيْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقْضِيَ قَاضٍ بِبُطْلَانِ الرُّجُوعِ وَالْبَيْعِ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهُوَ مُدَبَّرٌ، وَقُلْنَا: حَقُّ الزَّوْجِ فِي الْقِيمَةِ، فَرَجَعَتْ عَنِ التَّدْبِيرِ بِاللَّفْظِ وَجَوَّزْنَاهُ، أَوْ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، فَفِي الرُّجُوعِ إِلَى نِصْفِ الْعَبْدِ وَجْهَانِ يَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا كَالصَّدَاقِ نَاقِصٌ، ثُمَّ زَالَ نَقْصُهُ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا إِذَا طَلَّقَهَا وَمِلْكُهَا زَائِلٌ عَنِ الصَّدَاقِ، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ.
الثَّالِثُ: لَوْ عَلَّقَتْ عِتْقَ الْعَبْدِ عَلَى صِفَةٍ، فَهَلْ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؟ قِيلَ: إِنْ قُلْنَا: التَّدْبِيرُ يَمْنَعُ، فَالتَّعْلِيقُ أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ لِقُوَّةِ التَّعْلِيقِ.
وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَمْنَعِ
التَّدْبِيرُ، فَالتَّعْلِيقُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ; لِأَنَّ التَّدْبِيرَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، وَالتَّعْلِيقُ يُرَادُ بِهِ مَنْعٌ أَوْ حَثٌّ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَقَالَ: الْمَذْهَبُ مَنْعُ الرُّجُوعِ.
وَلَوْ أَوْصَتْ لِلْعَبْدِ بِعِتْقِهِ، فَهَلْ هُوَ كَالتَّدْبِيرِ فِي مَنْعِ الرُّجُوعِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا.
الرَّابِعُ: إِذَا جَوَّزْنَا لِلزَّوْجِ الرُّجُوعَ فِي النِّصْفِ، فَرَجَعَ، بَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ مُدَبَّرًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا، أَنَّهُ يَنْتَقِضُ التَّدْبِيرُ فِي جَمِيعِهِ.
الْخَامِسُ: إِذَا قُلْنَا: التَّدْبِيرُ يَمْنَعُ التَّشَطُّرَ، فَهَلْ يَمْنَعُ رُجُوعَ الْبَائِعِ فِيمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِثَوْبٍ وَتَقَابَضَا، ثُمَّ دَبَّرَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بِالثَّوْبِ عَيْبًا؟ وَكَذَا هَلْ يَمْنَعُ رُجُوعَ الْوَاهِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا بَلْ يَرْجِعُ وَيَنْقَضُّ التَّدْبِيرُ لِقُوَّةِ الْفَسْخِ، وَلِهَذَا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَمْنَعُ التَّشَطُّرَ دُونَ الْفَسْخِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: سَبَقَ فِي «كِتَابِ الْحَجِّ» خِلَافٌ فِي أَنَّ الْمُحْرِمَ هَلْ يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ؟ وَهَلْ يَزُولُ مِلْكُهُ إِذَا أَحْرَمَ عَنْ صَيْدِهِ؟ وَهَلْ يَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ؟ فَلَوْ أَصْدَقَهَا صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ، عَادَ الصَّيْدُ إِلَى مِلْكِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ الْوَجْهُ الضَّعِيفُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِرْثِ ; لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ يَعُودُ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ أَمْ بِاخْتِيَارِهِ؟ إِنْ قُلْنَا: بِاخْتِيَارِهِ فَلَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ مَا دَامَ مُحْرِمًا، فَإِنْ فَعَلَ، كَانَ كَشِرَائِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: بِنَفْسِ الطَّلَاقِ، فَفِي عَوْدِ النِّصْفِ إِلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا.
وَيَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِاخْتِيَارِهِ، وَالطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْعَوْدُ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَنْشَأُ لِاجْتِلَابِ الْمِلْكِ، فَأَشْبَهَ الْإِرْثَ، ثُمَّ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ الْكُلُّ بِالرِّدَّةِ، لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ ; لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ إِمْسَاكِ الصَّيْدِ، كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرْنَاهُ فِي «الْحَجِّ» ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَرِثُ الصَّيْدَ،
وَحَكَيْنَا عَنْ بَعْضِهِمْ، أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِرْثِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ.
وَإِذَا عَادَ النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ، وَقُلْنَا: يَجِبُ الْإِرْسَالُ وَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ، فَلَا يُمْكِنُ إِرْسَالُ النِّصْفِ إِلَّا بِإِرْسَالِ الْكُلِّ، فَخَرَّجَ مُخَرِّجُونَ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ عَلَى الْأَقْوَالِ فِي ازْدِحَامِ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحَقِّ الْآدَمِيِّ.
إِنْ قَدَّمْنَا حَقَّ اللَّهِ، تَعَالَى، لَزِمَهُ الْإِرْسَالُ وَغُرِّمَ لَهَا نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ قَدَّمْنَا حَقَّ الْآدَمِيِّ، لَمْ يَجِبِ الْإِرْسَالُ.
فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ يَدِهَا، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْجَزَاءِ.
وَإِنْ سَوَّيْنَا، فَالْخِيرَةُ إِلَيْهِمَا.
فَإِنِ اخْتَارَ الْإِرْسَالَ، غُرِّمَ لَهَا النِّصْفَ، وَإِلَّا بَقِيَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا وَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ الْجَزَاءِ، وَهَذَا التَّخْرِيجُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الِازْدِحَامِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، كَالتَّرِكَةِ إِذَا ازْدَحَمَ فِيهَا دَيْنٌ وَزَكَاةٌ، وَنَصِيبُ الْمَرْأَةِ لَا ازْدِحَامَ فِيهِ.
وَإِذَا تَضَمَّنَ إِرْسَالُ الْمُحْرِمِ فَوَاتَ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ، وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وَعَلَى التَّخْرِيجِ يَنْبَغِي أَنْ يَخُصَّ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ بِالْمُوسِرِ كَسَرَايَةِ الْعِتْقِ.
الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِيمَا إِذَا وَهَبَتْهُ الصَّدَاقَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَنُصَدِّرُهُ بِقَاعِدَتَيْنِ مُسْتَمَدَّتَيْنِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [الْبَقَرَةِ: 237] . وَمَعْنَى الْآيَةِ، أَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُنَصِّفُ الصَّدَاقَ، إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ الزَّوْجَةُ وَتَتَبَرَّعَ بِحَقِّهَا، فَيَعُودُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ.
وَفِيمَنْ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، قَوْلَانِ.
الْقَدِيمُ: أَنَّهُ الْوَلِيُّ، وَالْمَعْنَى: إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ أَهْلًا لِلْعَفْوِ.
وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ الزَّوْجُ، وَالْمَعْنَى: أَنْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ عَنْ حَقِّهِ فَيَخْلُصَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ.
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: فِي أَلْفَاظِ التَّبَرُّعِ.
فَالْوَاجِبُ عِنْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، دَيْنٌ أَوْ عَيْنٌ، وَالدَّيْنُ قَدْ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهَا بِأَنْ قَبَضَتْهُ وَتَلِفَ
عِنْدَهَا، فَيُنْظَرُ، إِنْ تَبَرَّعَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ بِإِسْقَاطِهِ، نُفِّذَ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ وَالتَّرْكِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ لَفْظَ التَّرْكِ، صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ؟ وَلَا حَاجَةَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إِلَى قَبُولِ مَنْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُنَفَّذُ أَيْضًا بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَهَلْ يَفْتَقِرُ اللَّفْظَانِ إِلَى الْقَبُولِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ اعْتِمَادًا عَلَى حَقِيقَةِ التَّصَرُّفِ وَهُوَ الْإِسْقَاطُ.
أَمَّا إِذَا تَبَرَّعَ مَنْ فِي ذِمَّتِهِ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَنْقِلَ وَيَمْلِكَهُ وَيَقْبَلَهُ صَاحِبُهُ وَيَقْبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابْتِدَاءُ هِبَةٍ، وَلَا يَنْتَظِمُ لَفْظُ الْعَفْوِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْ جِهَتِهِ.
لَكِنْ لَوْ كَانَ الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَقُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ، فَقَالَ: عَفَوْتُ، سَقَطَ اخْتِيَارُهُ كَعَفْوِهِ عَنِ الشُّفْعَةِ، وَيَبْقَى جَمِيعُ الصَّدَاقِ لَهَا فِي ذِمَّتِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ عَيْنًا، فَالتَّبَرُّعُ فِيهَا هِبَةٌ.
فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُتَبَرِّعِ، اشْتُرِطَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالْقَبْضُ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْآخَرِ، فَهُوَ هِبَةٌ لِمَنِ الْمَالُ فِي يَدِهِ، فَتُعْتَبَرُ مُدَّةُ إِمْكَانِ الْقَبْضِ.
وَفِي افْتِقَارِهِ إِلَى إِذْنٍ جَدِيدٍ، فِي الْقَبْضِ بِهَذِهِ الْجِهَةِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي (كِتَابِ الرَّهْنِ) . وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ عِنْدَ الطَّلَاقِ فِي يَدِ الزَّوْجِ، فَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِهَا، وَقَدْ يَكُونُ بِاسْتِمْرَارِ يَدِهِ السَّابِقَةِ قَبْلَ الْإِصْدَاقِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي، يَزِيدُ النَّظَرُ فِي أَنَّ تَبَرُّعَهَا كَهِبَةِ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِذَا قُلْنَا: الصَّدَاقُ فِي يَدِهِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْعُقُودِ، ثُمَّ التَّبَرُّعُ فِي الْعَيْنِ يُنَفَّذُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَلَا يُنَفَّذُ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فِيهِمَا وَجْهَيْنِ.
وَيُنَفَّذُ بِلَفْظِ الْعَفْوِ عَلَى الْأَصَحِّ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، هَذَا فِي تَبَرُّعِهَا وَتَبَرُّعِهِ
إِذَا مَلَّكْنَاهُ بِنِصْفِ الطَّلَاقِ، فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: لَهُ خِيَارُ التَّمَلُّكِ، فَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الْعَفْوِ فِي إِسْقَاطِ الْخِيَارِ وَيَبْقَى الْجَمِيعُ لَهَا.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ لِلْوَلِيِّ الْعَفُوُّ عَنْ صَدَاقِهَا؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟ الْجَدِيدُ: الْمَنْعُ، وَالْقَدِيمُ: الْجَوَازُ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ.
أَنْ يَكُونَ أَبًا أَوْ جَدًّا، وَأَنْ تَكُونَ بِكْرًا عَاقِلَةً صَغِيرَةً، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ دَيْنًا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ.
وَفِي وَجْهٍ: لَهُ الْعَفْوُ فِي الثَّيِّبِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْبَالِغَةِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهَا وَالرَّشِيدَةِ، وَقَبْلَ الطَّلَاقِ إِذَا رَآهُ مَصْلَحَةً، وَعَنِ الْعَيْنِ أَيْضًا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ زَوَّجَهَا الْأَبُ وَمَاتَ، فَفِي صِحَّةِ عَفْوِ الْجَدِّ وَجْهَانِ ; لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ لَكِنَّهُ وَلِيٌّ.
وَلَوْ خَلَعَهَا الْوَلِيُّ عَلَى نِصْفِ الصَّدَاقِ وَجَوَّزْنَا الْعَفْوَ، صَحَّتِ الْمُخَالَعَةُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ.
وَفِي الْوَسِيطِ فِي صِحَّةِ الْخُلْعِ مَعَ صِحَّةِ الْعَفْوِ وَجْهَانِ.
وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ.
فَصْلٌ
وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا الصَّدَاقَ الْمُعَيَّنَ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْقَدِيمُ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْجَدِيدِ وَالرَّاجِحُ [عِنْدَ الْبَغَوِيِّ] أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالْإِمَامُ، وَالرُّويَانِيُّ: يَرْجِعُ بِنِصْفِ بَدَلِهِ الْمِثْلِ [أَ] وَالْقِيمَةِ.
وَقِيلَ: إِنْ وَهَبَتْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لَمْ
يَرْجِعْ قَطْعًا.
وَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ، سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَمْ لَا.
وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ وَهَبَتْ لَهُ الدَّيْنَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالْإِبْرَاءِ.
وَقِيلَ: كَهِبَةِ الْعَيْنِ.
وَلَوْ قَبَضَتْ مِنْهُ الدَّيْنَ ثُمَّ وَهَبَتْهُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَكَهِبَةِ الْعَيْنِ.
وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ قَطْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيمَا دُفِعَ عَنِ الدَّيْنِ لَوْ طَلَّقَهَا وَهُوَ بَاقٍ عِنْدَهَا.
وَلَوْ وَهَبَتِ الصَّدَاقَ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا بِعَيْبٍ، فَفِي الرُّجُوعِ بِالْجَمِيعِ مِثْلُ الْخِلَافِ فِي النِّصْفِ إِذَا طَلَّقَ.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ، وَوَهَبَ الْجَارِيَةَ لِبَائِعِهَا، ثُمَّ وَجَدَ بَائِعُهَا بِالْعَبْدِ [عَيْبًا] فَأَرَادَ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَفِي تَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَمِنَ الْمُطَالَبَةِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ وَجْهَانِ مَأْخُوذَانِ مِنْ هِبَةِ الصَّدَاقِ، وَيَجْرِيَانِ فِي تَمَكُّنِهِ [مِنْ] طَلَبِ الْأَرْشِ لَوْ رَأَى عَيْبًا بَعْدَ هَلَاكِ الْعَبْدِ، أَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ يَمْنَعُ الرَّدَّ.
وَفِيمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمَكَاتَبُ عَنِ النُّجُومِ وَعَتَقَ، هَلْ [لَهُ] مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ بِالْإِيتَاءِ؟ وَلَوْ وَهَبَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ، ثُمَّ أَفْلَسَ بِالثَّمَنِ، فَلِلْبَائِعِ الْمُضَارَبَةُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ وَهُوَ الثَّمَنُ.
وَفِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ، الْمَوْهُوبُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، فَالْهِبَةُ تَعْجِيلٌ عَلَى قَوْلٍ.
وَطَرَدَ الْحَنَّاطِيُّ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْفَلَسِ.
وَلَوِ ادَّعَى عَيْنًا وَأَخَذَهَا بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ وَهَبَهَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ وَقُلْنَا بِتَغْرِيمِ شُهُودِ الْمَالِ، فَهَلْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَغْرِيمُ الشُّهُودِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى وَجْهَيْنِ أَخْذًا مِنْ هِبَةِ الصَّدَاقِ.
وَالثَّانِي:
الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَقُولُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ، بَلْ يَزْعُمُ دَوَامَ الْمِلْكِ السَّابِقِ، وَفِي الصَّدَاقِ زَالَ الْمِلْكُ حَقِيقَةً وَعَادَ بِالْهِبَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
وَهَبَتِ الصَّدَاقَ لِلزَّوْجِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ بِالطَّلَاقِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: فَسَادُ الْهِبَةِ وَيَبْقَى الصَّدَاقُ مِلْكًا لَهَا.
فَإِنْ طَلَّقَ، تَشَطَّرَ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَلَا رُجُوعَ بِالطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ، وَلْيَكُنِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَيْنِ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ هَلْ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ؟ إِنْ قُلْنَا: تَمْنَعُ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَاهَا، فَيَصِحُّ وَلَا رُجُوعَ، وَإِلَّا فَتَفْسَدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
فَرْعٌ
وَهَبَتْهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ، فَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَإِنْ قُلْنَا: هِبَةُ الْكُلِّ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَى مَاذَا يَرْجِعُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: إِلَى نِصْفِ الْبَاقِي وَرُبْعِ بَدَلِ الْجُمْلَةِ.
وَالثَّانِي: إِلَى نِصْفِ الْبَاقِي.
وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ بَدَلَ نِصْفِ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الْبَاقِي وَرُبْعَ بَدَلِ الْجُمْلَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا:
هِبَةُ الْكُلِّ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي، أَمْ بِنِصْفِ الْبَاقِي، أَمْ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: الثَّالِثُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي (الْمُخْتَصَرِ) ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ نِصْفِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ قُلْنَا: لَوْ أَبْرَأَتْ عَنِ الْجَمِيعِ يَرْجِعُ، فَهُنَا يَسْقُطُ عَنْهُ النِّصْفُ الْبَاقِي.
وَ [أَيْضًا] إِنْ قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، فَهُنَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُحْسَبُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يَسْقُطُ عَنْهُ النِّصْفُ الْبَاقِي.
وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِي عَنْ نِصْفِ الثَّمَنِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا وَأَرَادَ رَدَّهُ، فَحُكْمُهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِبْرَاءِ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ.
وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ عُشْرِ الثَّمَنِ، وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ، وَحَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ، وَأَرْشُ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ الْعُشْرُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُطَالِبُ بِالْأَرْشِ.
فَصْلٌ
خَالَعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى غَيْرِ الصَّدَاقِ، فَلَهُ الْمُسَمَّى وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى جَمِيعِ الصَّدَاقِ، فَقَدْ خَالَعَ عَلَى مَالِهِ وَمَالِهَا، لِعَوْدِ النِّصْفِ إِلَيْهِ بِالْخُلْعِ، فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ وَتَبْطُلُ التَّسْمِيَةُ فِي نَصِيبِهِ، وَفِي نَصِيبِهَا قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ.
إِنْ لَمْ نُصَحِّحْ، بَقِيَ لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ.
وَفِيمَا لَهُ عَلَيْهَا قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: مِثْلُ الصَّدَاقِ أَوْ قِيمَتُهُ.
وَإِنْ صَحَّحْنَا التَّسْمِيَةَ فِي نَصِيبِهَا، قَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ الْخِيَارُ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّشْطِيرِ وَالتَّفْرِيقِ.
فَإِنْ فَسَخَ، عَادَ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّ الرُّجُوعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَمْ بَدَلِ الْمُسَمَّى.
وَإِنْ جَازَ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ
الْمَذْكُورِينَ فِي الْبَيْعِ، أَنْ يُجْبِرَ مَا صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَمْ بِالْقِسْطِ إِنْ قُلْنَا: بِالْكُلِّ، فَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَى النِّصْفِ الَّذِي صَحَّ الْخُلْعُ فِيهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: بِالْقِسْطِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَعَلَى الْآخَرِ: بِمِثْلِ نِصْفِ الصَّدَاقِ أَوْ قِيمَتِهِ.
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى نِصْفِ الصَّدَاقِ، نُظِرَ، إِنْ قَالَ: بِالنِّصْفِ الْبَاقِي لَكِ بَعْدَ الْفِرَاقِ، صَحَّ وَبَرِئَ عَنْ جَمِيعِ الصَّدَاقِ إِنْ كَانَ دَيْنًا، وَيَعُودُ إِلَيْهِ الْمِلْكُ فِي جَمِيعِهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي النِّصْفِ الْمُطْلَقِ مِنَ الْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ نِصْفَيْنِ، هَلْ يُنَزَّلُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي لَهُ، أَمْ يَشِيعُ أَحَدُهُمَا يُنَزَّلُ عَلَى نَصِيبِهِمَا وَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَيَّدَ بِنِصْفِهَا؟ وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: يَشِيعُ لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَكَأَنَّهُ خَالَعَ عَلَى نِصْفِ نَصِيبِهَا وَنِصْفِ نَصِيبِهِ، فَيَبْطُلُ فِي نِصْفِ نَصِيبِهِ، وَفِي نَصِيبِهَا الْقَوْلَانِ.
إِنْ لَمْ يَصِحَّ، بَقِيَ لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَمِثْلُ نِصْفِ الصَّدَاقِ أَوْ قِيمَتِهِ فِي الْآخَرِ.
وَإِنْ صَحَّ فِي نِصْفِ نَصِيبِهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ رُبْعُ الصَّدَاقِ وَيَسْقُطُ الْبَاقِي بِحُكْمِ التَّشَطُّرِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ، ثُمَّ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ لِعِوَضِ الْخُلْعَ إِلَّا الرُّبْعَ الَّذِي صَحَّ الْخُلْعُ فِيهِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَرُبْعَ مِثْلِ الصَّدَاقِ أَوْ قِيمَتِهِ عَلَى قَوْلٍ.
وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ الصَّدَاقِ لَهَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، فَيَصِحُّ أَنْ نَجْعَلَهُ أَوْ بَعْضَهُ عِوَضًا، ثُمَّ إِذَا تَفَرَّقَا بِالْخُلْعِ، سَقَطَ النِّصْفُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَيْنٍ وَتَلِفَ نِصْفُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، فَيَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي قَوْلٍ، وَبَدَلِ التَّالِفِ فِي قَوْلٍ.
فَرْعٌ
عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، قَالَتْ خَالِعْنِي عَلَى أَنْ لَا تَبِعَةَ لَكَ عَلَيَّ فِي الْمَهْرِ صَحَّ.
وَمَعْنَاهُ: عَلَى مَا سَلَّمَ [لِي] مِنَ الْمَهْرِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْمُتْعَةِ.
هِيَ اسْمٌ لِلْمَالِ الَّذِي يَدْفَعُهُ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ لِمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهَا، وَالْفُرْقَةُ ضَرْبَانِ.
فُرْقَةٌ تَحْصُلُ بِالْمَوْتِ، فَلَا تُوجِبُ مُتْعَةً بِالْإِجْمَاعِ، وَفُرْقَةٌ تَحْصُلُ فِي الْحَيَاةِ كَالطَّلَاقِ.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَشْطُرِ الْمَهْرَ، فَلَهَا الْمُتْعَةُ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْمُتْعَةُ عَلَى الْجَدِيدِ الْأَظْهَرِ.
وَكُلُّ فُرْقَةٍ مِنَ الزَّوْجِ لَا بِسَبَبٍ فِيهَا، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، فَكَالطَّلَاقِ، مِثْلَ إِنِ ارْتَدَّ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ لَاعَنَ، أَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَفَارَقَ بَعْضَهُنَّ، أَوْ وَطِئَ أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ زَوْجَتَهُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ أَرْضَعَتْ أَمُّهُ أَوْ بِنْتُهُ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ، وَالْخُلْعُ كَالطَّلَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ فَوَّضَ الطَّلَاقَ إِلَيْهَا فَطَلَّقَتْ فَكَتَطْلِيقِهِ.
وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهَا، فَفَعَلَتْ، أَوْ آلَى مِنْهَا، ثُمَّ طَلَّقَ بَعْدَ الْمُدَّةِ بِطَلَبِهَا، فَكَالطَّلَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ.
قُلْتُ: وَيَجِيءُ هَذَا الْوَجْهُ فِي تَطْلِيقِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ ارْتَدَّا مَعًا، فَلَا مُتْعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَكُلُّ فُرْقَةٍ مِنْهَا أَوْ لِسَبَبٍ فِيهَا، لَا مُتْعَةَ فِيهَا، كَرِدَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا، وَفَسْخِهَا بِإِعْسَارِهِ، أَوْ عِتْقِهَا، أَوْ تَغْرِيرِهِ، أَوْ عَيْبِهِ، أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا.
وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ إِثْبَاتَ الْمُتْعَةِ إِذَا فَسَخَتْ بِالتَّعْيِينِ، فَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا آخَرَ، وَأَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ.
وَلَوْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً صَغِيرَةً تَحْتَ ذِمِّيٍّ، فَأَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَلَا مُتْعَةَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ بِنَفْسِهَا.
وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، فَلَا مُتْعَةَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنِ اسْتَدْعَاهُ الزَّوْجُ، وَجَبَ، وَإِنِ اسْتَدْعَاهُ السَّيِّدُ فَلَا.
فَرْعٌ
يُسَوَّى فِي الْمُتْعَةِ، الْمُسْلِمُ، وَالذِّمِّيُّ، وَالْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرَّةُ، وَالذِّمِّيَّةُ، وَهِيَ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ، وَلِسَيِّدِ الْأَمَةِ كَالْمَهْرِ.
فَصْلٌ
الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمَتِّعَهَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَفِي الْقَدِيمِ: ثَوْبًا قِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا.
وَفِي نَصٍّ آخَرَ: يُمَتِّعُهَا خَادِمًا، وَإِلَّا فَمِقْنَعَةً، وَإِلَّا فَبِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَلَيْسَ هُوَ اخْتِلَافًا، بَلْ نَزَّلَهَا الْأَصْحَابُ عَلَى دَرَجَاتِ الِاسْتِحْبَابِ وَقَالُوا: أَقَلُّ الْمُسْتَحَبِّ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا.
وَفِي نَصٍّ آخَرَ: يُمَتِّعُهَا بِخَادِمٍ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَبِمِقْنَعَةٍ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا.
وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا، فَبِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ، فَإِنْ تَرَاضَيَا بِشَيْءٍ، فَذَاكَ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحَلِّلَ كُلٌّ مِنْهُمَا
صَاحِبَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا، لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ، وَلَهَا رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْقَاضِي لِيُقَدِّرَهَا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَإِنْ تَنَازَعَا، فَهَلْ يَكْفِي أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ، أَمْ يُقَدِّرُهُ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ؟ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ الثَّانِي.
وَهَلْ يُعْتَبَرُ بِحَالِهِ، أَمْ بِحَالِهَا، أَمْ بِحَالِهِمَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تُزَادَ الْمُتْعَةُ عَلَى نِصْفِ مَهْرِهَا، أَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَزِيدَ، أَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَبْلُغَ نِصْفَهُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ، لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
الْبَابُ السَّادِسُ فِي النِّزَاعِ فِي الصَّدَاقِ.
وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ أَوْ صِفَتِهِ، كَالصِّحَّةِ وَالتَّكَسُّرِ، وَالْأَجَلِ وَقَدْرِهِ، تَحَالَفَا كَالْبَيْعِ، سَوَاءٌ اخْتَلَفَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، أَوِ اخْتَلَفَ وَارِثَاهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَارِثُ الْآخَرِ، وَيَحْلِفُ الزَّوْجَانِ عَلَى الْبَتِّ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى الْبَتِّ، وَفِي النَّفْيِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: يَحْلِفُ فِيهِ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّ مَنْ قَطَعَ بِأَنَّ النِّكَاحَ جَرَى بِخَمْسِمِائَةٍ، فَهُوَ قَاطِعٌ بِأَنَّهُ مَا جَرَى بِأَلْفٍ.
فَإِذَا ثَبَتَ جَرَيَانُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: لَا أَعْلَمُهُ نَكَحَ بِأَلْفٍ.
وَكَيْفِيَّةُ الْيَمِينِ وَمَنْ يَبْدَأُ بِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ.
فَإِذَا تَحَالَفَا، فُسِخَ الصَّدَاقُ وَرَجَعَتْ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَيْعِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ، فَلْيَجِئْ هُنَا مِثْلُهُ، وَلْيَكُنْ
الْقَوْلُ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْفَسْخَ وَفِي الِانْفِسَاخِ بَاطِنًا عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِجَمِيعِ هَذَا الْحَنَّاطِيُّ، وَسَوَاءٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، زَادَ عَلَى مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ أَمْ لَا.
وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ وَابْنُ الْوَكِيلِ: إِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ زَائِدًا فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا مَا ادَّعَتْهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
هَذَا فِي الظَّاهِرِ، أَمَّا فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، لَمْ يَخْفَ مَا يَحِلُّ لَهَا.
الثَّانِيَةُ: ادَّعَتْ مُسَمًّى، فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ أَصْلَ التَّسْمِيَةِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَتَحَالَفَانِ لِأَنْ يَقُولَ: الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهِيَ تَدَّعِي الْمُسَمَّى، فَحَاصِلُهُ الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، فَيَتَحَالَفَانِ.
وَإِنَّمَا يَحْسُنُ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ مَا تَدَّعِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَلَوْ أَنْكَرَتْ تَسْمِيَةَ مَهْرٍ وَادَّعَاهَا الزَّوْجُ، فَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا، أَمْ يَتَحَالَفَانِ؟ الْقِيَاسُ مَجِيءُ الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّفْوِيضَ، وَالْآخَرُ التَّسْمِيَةَ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْمَهْرَ فِي التَّفْوِيضِ بِالْعَقْدِ، فَهُوَ كَمَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا السُّكُوتَ، وَالْآخَرُ التَّسْمِيَةَ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ مِنْ جَانِبٍ، وَعَدَمُ التَّفْوِيضِ مِنْ جَانِبٍ.
وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّفْوِيضَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمَهْرِ ذِكْرٌ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الثَّانِي.
الثَّالِثَةُ: إِذَا حَكَمْنَا بِالتَّحَالُفِ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ، حَكَمْنَا لِلْحَالِفِ.
وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، حَكَمْنَا بِهَا.
وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْمَرْأَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الزِّيَادَةِ.
وَالثَّانِي: يَتَعَارَضَانِ إِذَا قُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ، فَكَأَنَّ لَا بَيِّنَةَ، فَيَتَحَالَفَانِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ، فَهَلْ يَحْتَاجُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ إِلَى الْيَمِينِ؟ وَجْهَانِ.
الرَّابِعَةُ: ادَّعَتِ النِّكَاحَ وَمَهْرَ الْمِثْلِ، وَاعْتَرَفَ الزَّوْجُ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ الْمَهْرَ، أَوْ سَكَتَ عَنْهُ وَلَمْ يَدَّعِ التَّفْوِيضَ وَلَا إِخْلَاءَ النِّكَاحِ عَنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ، حَكَى
الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا وَيُنْسَبُ إِلَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: يَثْبُتُ لَهَا الْمَهْرُ إِذَا حَلَفَتْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا، فَإِنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ مَهْرُ مِثْلِهَا بِيَمِينِهَا، بَلْ يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْكِحُهَا بِأَقَلِّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَهَذَا الَّذِي فَرَضَهُ لَا يَكَادُ يُتَصَوَّرُ، فَإِنَّ التَّحَالُفَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى إِثْبَاتِ مَا يَزْعُمُهُ، وَنَفْيِ مَا زَعَمَهُ صَاحِبُهُ.
وَالْمَفْرُوضُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ إِنْكَارٌ مُطْلَقٌ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّحَالُفِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الرُّويَانِيُّ الْخِلَافَ هَكَذَا، بَلْ قَالَ: قَالَ مَشَايِخُ طَبَرِسْتَانَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ إِنْكَارُهُ لِاعْتِرَافِهِ بِمَا يَقْتَضِي الْمَهْرَ، وَلَكِنْ يُكَلَّفُ الْبَيَانَ.
فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا وَادَّعَتْ زِيَادَةً، تَحَالَفَا.
وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا وَقُضِيَ لَهَا بِهَا.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ يُفْتُونَ بِهَذَا، وَهُوَ الْقَدِيمُ.
وَلَوِ ادَّعَتْ زَوْجِيَّةً وَمَهْرًا مُسَمًّى يُسَاوِي مَهْرَ الْمِثْلِ، وَقَالَ الزَّوْجُ: لَا أَدْرِي، أَوْ سَكَتَ، قَالَ الْإِمَامُ: ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا لِمَا سَبَقَ أَنَّ النِّكَاحَ اقْتَضَى مَهْرَ الْمِثْلِ.
قَالَ: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَنَّ دَعْوَاهَا مُتَوَجِّهَةٌ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ التَّرَدُّدُ، بَلْ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ مَا تَدَّعِيهِ.
فَإِنْ نَكَلَ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا وَقُضِيَ بِيَمِينِهَا.
ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْقَاضِي عَلَى قِيَاسِ الْوَجْهِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا ابْنِي مِنْ فُلَانَةَ، اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ مَهْرَ الْمِثْلِ إِذَا حَلَفَتْ؛ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِالْوَطْءِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ اسْتِدْخَالَ الْمَاءِ بَعِيدٌ، وَالْوَطْءَ الْمُحَرَّمَ [هُوَ] الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ الْوَلَدُ النَّسِيبُ ظَاهِرًا، وَهُوَ يَقْتَضِي الْمَهْرَ.
وَقِيَاسُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ إِذَا أَنْكَرَ مَا ادَّعَتْهُ.
فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا.
فَرْعٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَادَّعَتْ عَلَى الْوَارِثِ أَنَّ الزَّوْجَ سَمَّى لَهَا أَلْفًا، فَقَالَ الْوَارِثُ: لَا أَعْلَمُ كَمْ سَمَّى، لَمْ يَتَحَالَفَا، بَلْ يَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
فَإِذَا حَلَفَ، قُضِيَ لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، قَالَ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يُحْكَمَ بِانْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ، يَحْلِفُ الْوَارِثُ، وَالْقَدْرُ الثَّابِتُ عَلَى قَطْعٍ هُوَ أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَالْمُخْتَارُ بَلِ الصَّوَابُ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي وَالْقَاضِي، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ قَبْلَهُمَا الْقَفَّالُ شَيْخُ طَرِيقَةِ خُرَاسَانَ، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ «الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ» ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا، وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَصْحَابِ خِلَافًا، وَدَلِيلُهُ أَنَّ تَعَذُّرَ مُعَرَّفَةِ الْمُسَمَّى، كَعَدَمِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَلِهَذَا نُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي التَّحَالُفِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُسَمًّى زَائِدٌ أَوْ نَاقِصٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ الصَّغِيرَةِ أَوِ الْمَجْنُونَةِ، فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا بِأَلْفَيْنِ، فَقَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ.
فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: يَتَحَالَفَانِ.
وَالثَّانِي: لَا، فَعَلَى هَذَا تُوقَفُ إِلَى بُلُوغِهَا فَيَتَحَالَفَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ، وَيُوقَفَ يَمِينُهَا إِلَى بُلُوغِهَا.
وَإِذْ قُلْنَا: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ، فَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى زِيَادَةً عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالزَّوْجُ مُعْتَرِفٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ نِكَاحَهَا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَلَا تَحَالُفَ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ نَقَصَ الْوَلِيُّ.
وَلَوْ ذَكَرَ الزَّوْجُ قَدْرًا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَادَّعَى الْوَلِيُّ زِيَادَةً عَلَيْهِ، لَمْ يَتَحَالَفَا كَيْلَا يَرْجِعَ الْوَاجِبُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، بَلْ يَأْخُذُ الْوَلِيُّ مَا يَقُولُهُ الزَّوْجُ.
وَلَوِ ادَّعَى الْوَلِيُّ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ
أَكْثَرَ، وَذَكَرَ الزَّوْجُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَهَلْ يَتَحَالَفَانِ، أَمْ يُؤْخَذُ بِمَا قَالَهُ الزَّوْجُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْحَنَّاطِيُّ، وَهَذَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجِ وَوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ، يَجْرِي فِي اخْتِلَافِ الْمَرْأَةِ وَوَلِيِّ الزَّوْجِ الصَّغِيرِ، وَفِيمَا إِذَا اخْتَلَفَ وَلِيَّا الزَّوْجَيْنِ الصَّغِيرَيْنِ.
وَلَوْ بَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ قَبْلَ التَّحَالُفِ، حَلَفَتْ هِيَ وَلَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ.
وَادَّعَى الْبَغَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَ وَلِيُّ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ وَزَوْجُهَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْلِفُ.
وَقِيلَ: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ.
وَمَنْ قَالَ بِهَذَا لَا يُسَلِّمُ فِي الصَّغِيرَةِ إِذَا بَلَغَتْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَيْهَا.
وَالْخِلَافُ فِي حَلِفِ الْوَلِيِّ يَجْرِي فِي الْوَكِيلِ فِي النِّكَاحِ، وَفِي وَكِيلِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي، وَوَكِيلِ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ، وَفِي وَكِيلَيْهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَ وَقَالَ: إِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْوَلِيُّ، فَالْوَكِيلُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ لِقُوَّةِ الْوِلَايَةِ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ فَنَكَلَ، فَهَلْ يُقْضَى بِيَمِينِ صَاحِبِهِ، أَمْ يُوقَفُ حَتَّى تَبْلُغَ الصَّبِيَّةُ وَتَفِيقَ الْمَجْنُونَةُ فَلَعَلَّهَا تَحْلِفُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الْحَنَّاطِيُّ.
فَرْعٌ
جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، هُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِنْشَاءِ الْوَلِيِّ، أَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، بِأَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ الطِّفْلِ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَكَلَ، فَهَلْ يَحْلِفُ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ إِتْمَامًا لِلْخُصُومَةِ وَاسْتِخْلَاصًا لِحَقِّ الصَّبِيِّ، أَمْ لَا لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِنْشَائِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَعَلَى هَذَا لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا تُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيُتَوَقَّفُ فِي أَصْلِ
الْخُصُومَةِ.
وَأَفْتَى الْقَفَّالُ فِيمَا إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا وَرِثَهُ الصَّبِيُّ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ: كُنْتُ قَضَيْتُهُ، أَوْ أَبْرَأَنِي مُوَرِّثُهُ، أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ، بَلْ يَحْلِفُ الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْقَيِّمُ بِمَا قَالَهُ الْخَصْمُ، انْعَزَلَ وَأَقَامَ الْقَاضِي غَيْرَهُ.
وَلَوِ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْقَيِّمَ قَبَضَهُ وَأَنْكَرَ، حَلَفَ.
السَّادِسَةُ: ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ نَكَحَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِأَلْفٍ، وَنَكَحَهَا يَوْمَ السَّبْتِ بِأَلْفٍ، وَطَلَبَتِ الْأَلْفَيْنِ، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا لِإِمْكَانِ ثُبُوتِ الْأَلْفَيْنِ بِأَنْ يَطَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَخْلَعَهَا ثُمَّ يَنْكِحَهَا يَوْمَ السَّبْتِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْعَقْدَانِ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولِهِ، لَزِمَهُ الْأَلْفَانِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعَرُّضِ لِتَخَلُّلِ الْفُرْقَةِ، وَلَا لِحُصُولِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِقْدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ مُسَمَّاهُ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ.
فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ كَانَ إِظْهَارًا لِلْأَوَّلِ لَا إِنْشَاءً، لَمْ يُقْبَلْ.
وَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «الْعُدَّةِ» أَصَحُّهُمَا: لَهُ.
فَإِنِ ادَّعَى عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُطَالَبُ مِنَ الْمَهْرِ الْأَوَّلِ إِلَّا بِالنِّصْفِ، وَتَكُونُ مَعَهُ بِطَلْقَتَيْنِ.
وَلَوِ ادَّعَى فِي النِّكَاحِ الثَّانِي الطَّلَاقَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، صُدِّقَ بِيَمِينٍ، وَقُنِعَ مِنْهُ بِنِصْفِ الْمَهْرِ الثَّانِي أَيْضًا.
وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ كَذَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِأَلْفٍ، ثُمَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأَلْفٍ، وَطَالَبَهُ بِالثَّمَنَيْنِ، لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ إِذَا ثَبَتَ الْعَقْدَانِ كَمَا فِي الْمَهْرَيْنِ.
السَّابِعَةُ: رَجُلٌ يَمْلِكُ أَبَوَيْ حُرَّةٍ، فَنَكَحَهَا عَلَى أَحَدِهِمَا مُعَيِّنًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ: