كِتَابُ الزَّكَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَرْعٌ
إِذَا رَهَنَ مَالَ الزَّكَاةِ، فَتَارَةً يَرْهَنُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوَلِ، وَتَارَةً قَبْلَهُ، فَإِنْ رَهَنَهُ بَعْدَ الْحَوَلِ فَالْقَوْلُ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ كَالْقَوْلِ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ، فَيَعُودُ فِيهِ جَمِيعُ مَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِذَا صَحَّحْنَا فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ فَمَا زَادَ أَوْلَى، وَإِنْ أَبْطَلْنَاهُ فِيهِ فَالْبَاقِي يُرَتَّبُ عَلَى الْبَيْعِ؛ إِنْ صَحَّحْنَاهُ فَالرَّهْنُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الرَّهْنِ إِذَا جَمَعَ حَلَالًا وَحَرَامًا، فَإِذَا صَحَّحْنَا الرَّهْنَ فِي الْجَمِيعِ فَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَلِلسَّاعِي أَخْذُهَا مِنْهُ.
فَإِذَا أَخَذَ انْفَسَخَ الرَّهْنُ فِيهِ، وَفِي الْبَاقِي الْخِلَافُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ، وَإِذَا أَبْطَلْنَاهُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَكَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعِهِ، فَفِي فَسَادِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ، فَإِنْ لَمْ يَفْسَدْ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، وَلَا يَسْقُطْ خِيَارُهُ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، أَمَّا إِذَا رَهَنَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَتَمَّ، فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ، وَالرَّهْنُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَيْنٍ، وَفِي كَوْنِ الدَّيْنِ مَانِعًا مِنَ الزَّكَاةِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ، فَإِنْ قُلْنَا: الرَّهْنُ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، وَقُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ أَيْضًا، أَوْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ يَفِي بِالدَّيْنِ - وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَمْلِكِ الرَّاهِنُ مَالًا آخَرَ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى الثَّانِي.
فَعَلَى الْأَصَحِّ: لَوْ كَانَتِ الزَّكَاةُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ كَالشَّاةِ مِنَ الْإِبِلِ - بِيعَ جُزْءٌ مِنَ الْمَالِ فِيهَا.
وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أُخِذَ مِنَ الْمَرْهُونِ قَطْعًا، ثُمَّ إِذَا أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِ الْمَرْهُونِ فَأَيْسَرَ الرَّاهِنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قَدْرُهَا لِيَكُونَ رَهْنًا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ؟ إِنْ عَلَّقْنَا الزَّكَاةَ بِالذِّمَّةِ، أُخِذَ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَخْذِ، وَكَانَ النَّصَّابُ مِثْلِيًّا، أُخِذَ الْمِثْلُ، وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ عَلَى قَاعِدَةِ الْغَرَامَاتِ.
أَمَّا إِذَا مَلَكَ مَالًا آخَرَ،
فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ عَيْنِ الْمَرْهُونِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: تُؤْخَذُ مِنْ عَيْنِهِ إِنْ عَلَّقْنَاهَا بِالْعَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ فِدَاءُ الْمَرْهُونِ إِذَا جَنَى.
بَابُ زَكَاةِ الْمُعْشِرَاتِ
تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْأَقْوَاتِ، وَهِيَ مِنَ الثِّمَارِ: النَّخْلُ وَالْعِنَبُ، وَمِنَ الْحُبُوبِ: الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ، وَالْأُرْزُ، وَالْعَدَسُ، وَالْحِمَّصُ، وَالْبَاقِلَاءُ، وَالدُّخْنُ، وَالذُّرَةُ، وَاللُّوبْيَاءُ وَالْمَاشُ، وَالْهُرْطُمَانُ وَهُوَ الْجُلْبَانُ.
وَأَمَّا مَا سِوَى الْأَقْوَاتِ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مُعْظَمِهَا بِلَا خِلَافٍ، وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ.
فَمِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ: التِّينُ، وَالسَّفَرْجَلُ، وَالْخَوْخُ، وَالتُّفَّاحُ، وَالْجَوْزُ، وَاللَّوْزُ، وَالرُّمَّانُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الثِّمَارِ، وَكَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَالسِّمْسِمِ، وَالْإِسْبِيُوشِ وَهُوَ بِزْرُ الْقَطُونَا، وَالثُّفَّاءُ وَهُوَ حَبُّ الرَّشَادِ، وَالْكَمُّونُ، وَالْكُزْبَرَةُ، وَالْبِطِّيخُ، وَالْقِثَّاءُ، وَالسِّلْقُ، وَالْجَزَرُ، وَالْقُنَّبِيطُ، وَحُبُوبُهَا وَبُزُورُهَا.
وَمِنَ الْمُخْتَلِفِ فِيهِ: الزَّيْتُونُ، فَالْجَدِيدُ الْمَشْهُورُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْقَدِيمُ: تَجِبُ بِبُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَهُوَ نُضْجُهُ وَاسْوِدَادُهُ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَخَرَّجَ ابْنُ الْقَطَّانِ اعْتِبَارَ النِّصَابِ فِيهِ وَفِي سَائِرِ مَا يَخْتَصُّ الْقَدِيمُ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الزَّيْتُونُ مِمَّا لَا يَجِيءُ مِنْهُ الزَّيْتُ كَالْبَغْدَادِيِّ، أَخْرَجَ عُشْرَهُ زَيْتُونًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِيءُ مِنْهُ الزَّيْتُ كَالشَّامِيِّ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ الزَّيْتُ، وَإِنْ شَاءَ الزَّيْتُونُ، وَالزَّيْتُ أَوْلَى، وَالثَّانِي: يَتَعَيَّنُ الزَّيْتُ، وَالثَّالِثُ: يَتَعَيَّنُ الزَّيْتُونُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ النِّصَابُ بِالزَّيْتُونِ دُونَ الزَّيْتِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَمِنْهَا: الزَّعْفَرَانُ، وَالْوَرْسُ وَهُوَ شَجَرٌ يُخْرِجُ شَيْئًا كَالزَّعْفَرَانِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا عَلَى الْجَدِيدِ الْمَشْهُورِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: تَجِبُ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْوَرْسِ.
فَإِنْ أَوْجَبْنَا فِيهِ فَفِي الزَّعْفَرَانِ قَوْلَانِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا فِيهِمَا فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ النِّصَابُ، بَلْ تَجِبُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ.
وَمِنْهَا: الْعَسَلُ، لَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَى الْجَدِيدِ، وَعُلِّقَ الْقَوْلُ فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ، وَقَطَعَ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِنَفْيِ الزَّكَاةِ فِيهِ قَدِيمًا وَجَدِيدًا.
فَإِنْ أَوْجَبْنَا فَاعْتِبَارُ النِّصَابِ كَمَا سَبَقَ.
وَمِنْهَا: الْقِرْطِمُ وَهُوَ حَبُّ الْعُصْفُرِ، الْجَدِيدُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْقَدِيمُ: تَجِبُ.
فَعَلَى هَذَا، الْمَذْهَبُ: اعْتِبَارُ النِّصَابِ كَسَائِرِ الْحُبُوبِ، وَفِي الْعُصْفُرِ نَفْسِهِ طَرِيقَانِ.
قِيلَ: كَالْقِرْطِمِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ قَطْعًا.
وَمِنْهَا: التُّرْمُسُ، الْجَدِيدُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْقَدِيمُ: تَجِبُ.
وَمِنْهَا: حَبُّ الْفِجْلِ، حَكَى ابْنُ كَجٍّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
فَرْعٌ
لَا يَكْفِي فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ كَوْنُ الشَّيْءِ مُقْتَاتًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلِ الْمُعْتَبَرُ أَنْ يُقْتَاتَ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، فَقَدْ يُقْتَاتُ الشَّيْءُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالْفَثِّ، وَحَبِّ الْحَنْظَلِ، وَسَائِرِ بُزُورِ الْبَرِّيَّةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْفَثِّ، فَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَطَائِفَةٌ: هُوَ حَبُّ الْغَاسُولِ، وَهُوَ الْأُشْنَانُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ حَبٌّ أَسْوَدُ يَابِسٌ، يُدْفَنُ فَيَلِينُ قِشْرُهُ، فَيُزَالُ وَيُطْحَنُ، وَيُخْبَزُ، تَقْتَاتُهُ أَعْرَابُ طَيِّئٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ ضَبَطُوا مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ بِقَيْدَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قُوتًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ.
قَالُوا: فَإِنْ فُقِدَ الْأَوَّلُ كَالْإِسْبِيُوشِ، أَوِ الثَّانِي كَالْفَثِّ، أَوْ كِلَاهُمَا كَالثُّفَّاءِ، فَلَا زَكَاةَ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْقَيْدَيْنِ مَنْ
أَطْلَقَ الْقَيْدَ الْأَوَّلَ.
فَأَمَّا مَنْ قَيَّدَهُ فَقَالَ: يَكُونُ قُوتًا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الثَّانِي؛ إِذْ لَيْسَ فِيمَا يُسْتَنْبَتُ إِلَّا مَا يُقْتَاتُ اخْتِيَارًا، وَاعْتَبَرَ الْعِرَاقِيُّونَ مَعَ الْقَيْدَيْنِ، قَيْدَيْنِ آخَرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُدَّخَرَ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَيْبَسَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَازِمَانِ لِكُلِّ مُقْتَاتٍ مُسْتَنْبِتٍ.
فَصْلٌ
النِّصَابُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُعَشَّرَاتِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ بِالْبَغْدَادِيِّ.
فَالْخَمْسَةُ هِيَ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ تَحْدِيدٌ، وَقِيلَ: تَقْرِيبٌ.
فَعَلَى التَّقْرِيبِ يُحْتَمَلُ نُقْصَانُ الْقَلِيلِ كَالرِّطْلَيْنِ، وَحَاوَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ضَبْطُهُ فَقَالَ: الْأَوْسُقُ: الْأَوْقَارُ، وَالْوِقْرُ الْمُقْتَصِدُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، فَكُلُّ نَقْصٍ لَوْ وُزِّعَ عَلَى الْأَوْسُقِ الْخَمْسَةِ لَمْ تَعُدْ مُنْحَطَّةً عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ، لَا يَضُرُّ، وَإِنْ عُدَّتْ مُنْحَطَّةً، ضَرَّ، وَإِنْ أَشْكَلَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا زَكَاةَ حَتَّى تُحَقَّقَ الْكَثْرَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تَجِبُ لِبَقَاءِ الْأَوْسُقِ، قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرَ.
ثُمَّ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الِاعْتِبَارُ فِيمَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِالصَّاعِ وَالْمُدِّ بِمِقْدَارٍ مَوْزُونٍ يُضَافُ إِلَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ، لَا لِمَا يَحْوِي الْمُدُّ وَنَحْوُهُ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْكَيْلِ لَا بِالْوَزْنِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ: إِلَّا الْعَسَلُ إِذَا أَوْجَبْنَا فِيهِ الزَّكَاةَ، فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالْوَزْنِ.
وَتَوَسَّطَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» فَقَالَ: هُوَ عَلَى التَّحْدِيدِ فِي الْكَيْلِ، وَعَلَى التَّقْرِيبِ فِي الْوَزْنِ، وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِالْوَزْنِ اسْتِظْهَارًا.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: اعْتِبَارُ الْكَيْلِ كَمَا صَحَّحَهُ، وَبِهَذَا قَطَعَ الدَّارِمِيُّ، وَصَنَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَصْنِيفًا، وَسَيَأْتِي فِي إِيضَاحِهِ زِيَادَةٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُنَاكَ نَذْكُرُ الْخِلَافَ فِي قَدْرِ رِطْلِ بَغْدَادَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ
وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ.
فَعَلَى هَذَا، الْأَوْسُقُ الْخَمْسَةُ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَنِصْفُ رِطْلٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَسُبُعَا أُوقِيَّةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ الْمَمْلُوكَةُ وَالْمُسْتَأْجَرَةُ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ، فَيَجِبُ عَلَى مُسْتَأْجِرِ الْأَرْضِ الْعُشْرُ مَعَ الْأُجْرَةِ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتَكُونُ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً فِي صُورَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَفْتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً قَهْرًا وَيُقَسِّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، ثُمَّ يُعَوِّضُهُمْ عَنْهَا، ثُمَّ يَقِفُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِسَوَادِ الْعِرَاقِ، عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَفْتَحَ بَلْدَةً صُلْحًا، عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُسْكِنُهَا الْكُفَّارُ بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ، فَالْأَرْضُ تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْخَرَاجُ عَلَيْهَا أُجْرَةٌ لَا تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ، وَهَكَذَا إِذَا انْجَلَى الْكُفَّارُ عَنْ بَلْدَةٍ وَقُلْنَا: إِنَّ الْأَرْضَ تَصِيرُ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، يَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا يُؤَدِّيهِ مَنْ يَسْكُنُهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا.
فَأَمَّا إِذَا فُتِحَتْ صُلْحًا وَلَمْ يُشْرَطْ كَوْنُ الْأَرْضِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ سَكَنُوا فِيهَا بِخَرَاجٍ، فَهَذَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ جِزْيَةٌ، وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي فُتِحَتْ قَهْرًا وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَبَقِيَتْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَكَذَا الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، وَالْأَرْضُ الَّتِي أَحْيَاهَا الْمُسْلِمُونَ - فَكُلُّهَا عُشْرِيَّةٌ، وَأَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْهَا ظُلْمٌ.
فَرْعٌ
النَّوَاحِي الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ، وَلَا يُعْرَفُ كَيْفَ كَانَ حَالُهَا فِي الْأَصْلِ، حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَدَامُ الْأَخْذُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي فَتَحَهَا صَنَعَ بِهَا كَمَا صَنَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِسَوَادِ الْعِرَاقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا جَرَى لِطُولِ الدَّهْرِ، جَرَى بِحَقٍّ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ أَرْضِ السَّوَادِ مِنِ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ؟ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ فِي الْأَخْذِ كَوْنُهُ حَقًّا، وَفِي الْأَيْدِي الْمِلْكُ، فَلَا نَتْرُكُ وَاحِدًا مِنَ الظَّاهِرَيْنِ، إِلَّا بِيَقِينٍ.
فَرْعٌ
الْخَرَاجُ الْمَأْخُوذُ ظُلْمًا لَا يَقُومُ مَقَامَ الْعُشْرِ، فَإِنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ الْعُشْرِ فَهُوَ كَأَخْذِ الْقِيمَةِ بِالِاجْتِهَادِ، وَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا وَبِهِ قُطِعَ فِي «التَّتِمَّةِ» : السُّقُوطُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قَدْرَ الْعُشْرِ أَخْرَجَ الْبَاقِيَ، وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ بَعْضَ الْمُصَنِّفِينَ حَكَى قَرِيبًا مِنْ هَذَا عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَاسْتَبْعَدَهُ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: السُّقُوطُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْمَحَامِلِيِّ، وَالْمَاوَرْدِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَنَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
ثِمَارُ الْبُسْتَانِ وَغَلَّةُ الْقَرْيَةِ الْمَوْقُوفَيْنِ عَلَى الْمَسَاجِدِ، أَوِ الرِّبَاطَاتِ، أَوِ الْقَنَاطِرِ، أَوِ الْفُقَرَاءِ، أَوِ الْمَسَاكِينِ، لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ إِذْ لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا.
فَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْخُلْطَةِ.
فَصْلٌ فِي الْحَالِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ بُلُوغُ الْمُعَشَّرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ
إِنْ كَانَ نَخْلًا أَوْ عِنَبًا، اعْتُبِرَ تَمْرًا وَزَبِيبًا، فَإِنْ كَانَ رُطَبًا لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ تَمْرٌ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يُوسَقُ رُطَبًا، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ بِحَالَةِ الْجَفَافِ، وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ بُلُوغُهُ نِصَابًا وَإِنْ كَانَ حَشَفًا، وَالثَّانِي: بِأَقْرَبِ الْأَرْطَابِ إِلَيْهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ يَفْسَدُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَصَحِّ، وَهُوَ تَوْسِيقُهُ رُطَبًا.
وَالْعِنَبُ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ، كَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ، وَلَا خِلَافَ فِي ضَمِّ مَا لَا يُجَفَّفُ مِنْهُمَا إِلَى مَا يُجَفَّفُ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
ثُمَّ فِي أَخْذِ الْوَاجِبِ مِنَ الَّذِي لَا يُجَفَّفُ إِشْكَالٌ، سَتَعْرِفُهُ مَعَ الْخَلَاصِ مِنْهُ فِي مَسْأَلَةِ إِصَابَةِ النَّخْلِ الْعَطَشَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْحُبُوبُ فَيُعْتَبَرُ بُلُوغُهَا نِصَابًا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ مِنَ التِّبْنِ، ثُمَّ قُشُورُهَا أَضْرُبٌ؛ أَحَدُهَا: قِشْرٌ لَا يُدَّخَرُ الْحَبُّ فِيهِ وَلَا يُؤْكَلُ مَعَهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النِّصَابِ، وَالثَّانِي: قِشْرٌ يُدَّخَرُ الْحَبُّ فِيهِ وَيُؤْكَلُ مَعَهُ كَالذُّرَةِ، فَيَدْخُلُ الْقِشْرُ فِي الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُزَالُ كَمَا تُقَشَّرُ الْحِنْطَةُ.
وَفِي
دُخُولِ الْقِشْرَةِ السُّفْلَى مِنَ الْبَاقِلَاءِ فِي الْحِسَابِ وَجْهَانِ.
قَالَ فِي «الْعُدَّةِ» : الْمَذْهَبُ لَا يَدْخُلُ.
الثَّالِثُ: قِشْرٌ يُدَّخَرُ الْحَبُّ فِيهِ وَلَا يُؤْكَلُ مَعَهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي حِسَابِ النِّصَابِ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ الْوَاجِبُ فِيهِ كَالْعَلَسِ وَالْأُرْزِ.
أَمَّا الْعَلَسُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْهُ فِي الْأُمِّ: يَبْقَى بَعْدَ دِيَاسِهِ عَلَى كُلِّ حَبَّتَيْنِ مِنْهُ كِمَامٌ لَا يَزُولُ إِلَّا بِالرَّحَى الْخَفِيفَةِ، أَوْ بِمِهْرَاسٍ، وَادِّخَارُهُ فِي ذَلِكَ الْكِمَامِ أَصْلَحُ لَهُ، وَإِذَا أُزِيلَ كَانَ الصَّافِي نِصْفَ الْمَبْلَغِ، فَلَا يُكَلَّفُ صَاحِبُهُ إِزَالَةَ ذَلِكَ الْكِمَامِ عَنْهُ، وَيُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ بَعْدَ الدِّيَاسِ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ لِيَكُونَ الصَّافِي مِنْهُ خَمْسَةً.
وَأَمَّا الْأُرْزُ، فَيُدَّخَرُ أَيْضًا مَعَ قِشْرِهِ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لَهُ، وَيُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ مَعَ الْقِشْرِ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ كَالْعَلَسِ، وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ قَدْ يُخْرَجُ مِنْهُ الثُّلُثُ، فَيُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ قَدْرًا يَكُونُ الْخَارِجُ مِنْهُ نِصَابًا.
فَصْلٌ
لَا يُضَمُّ التَّمْرُ إِلَى الزَّبِيبِ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ، وَيُضَمُّ أَنْوَاعُ التَّمْرِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَأَنْوَاعُ الزَّبِيبِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَلَا سَائِرُ أَجْنَاسِ الْحُبُوبِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيُضَمُّ الْعَلَسُ إِلَى الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَأَكِمَّتُهُ يَحْوِي الْوَاحِدُ مِنْهَا حَبَّتَيْنِ، وَإِذَا نَحَّيْتَ الْأَكِمَّةَ، خَرَجَتِ الْحِنْطَةُ الصَّافِيَةُ، وَقَبْلَ التَّنْحِيَةِ إِذَا كَانَ لَهُ وَسَقَانِ مِنَ الْعَلَسِ، وَأَرْبَعَةٌ حِنْطَةٌ، تَمَّ نِصَابُهُ.
فَلَوْ كَانَتِ الْحِنْطَةُ ثَلَاثَةَ أَوْسُقٍ لَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ إِلَّا بِأَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ عَلَسًا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
وَأَمَّا السُّلْتُ، فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ: هُوَ حَبٌّ يُشْبِهُ الْحِنْطَةَ فِي اللَّوْنِ وَالنُّعُومَةِ، وَالشَّعِيرَ فِي بُرُودَةِ الطَّبْعِ، وَعَكَسَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَآخَرُونَ فَقَالُوا: هُوَ فِي صُورَةِ الشَّعِيرِ، وَطَبْعُهُ حَارٌّ كَالْحِنْطَةِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَا يُضَمُّ إِلَى غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: يُضَمُّ إِلَى الْحِنْطَةِ، وَالثَّالِثُ: إِلَى الشَّعِيرِ.
فَرْعٌ
تَقَدَّمَ فِي الْخُلْطَةِ خِلَافٌ فِي ثُبُوتِهَا فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ، وَأَنَّهَا إِنْ ثَبَتَتْ فَهَلْ تَثْبُتُ خُلْطَتَا الشُّيُوعِ وَالْجِوَارِ أَمِ الشُّيُوعِ فَقَطْ؟ وَالْمَذْهَبُ ثُبُوتُهُمَا مَعًا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَثْبُتَانِ، لَمْ يَكْمُلْ مِلْكُ رَجُلٍ بِمِلْكِ غَيْرِهِ فِي إِتْمَامِ النِّصَابِ، وَإِنْ أَثْبَتْنَاهُمَا كَمُلَ بِمِلْكِ الشَّرِيكِ وَالْجَارِ.
وَلَوْ مَاتَ إِنْسَانٌ وَخَلَّفَ وَرَثَةً وَنَخِيلًا مُثْمِرَةً أَوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الْحَالَيْنِ فِي مِلْكِ الْوَرَثَةِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ فِي الثِّمَارِ، فَحُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مُنْقَطِعٌ عَنْ غَيْرِهِ، فَمَنْ بَلَغَ نَصِيبُهُ نِصَابًا زَكَّى، وَمَنْ لَا فَلَا، وَسَوَاءٌ اقْتَسَمُوا، أَمْ لَا.
وَإِنْ قُلْنَا: تَثْبُتُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنِ اقْتَسَمُوا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، زَكَّوْا زَكَاةَ الِانْفِرَادِ، فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ نَصِيبُهُ نِصَابًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةُ الْجِوَارِ، أَوْ أَثْبَتْنَاهَا وَكَانَتْ مُتَبَاعِدَةً.
أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُتَجَاوِرَةً وَأَثْبَتْنَاهَا، فَيُزَكُّونَ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، كَمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَإِنِ اقْتَسَمُوا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، زَكَّوْا زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، لِاشْتِرَاكِهِمْ حَالَةَ الْوُجُوبِ.
ثُمَّ هُنَا اعْتِرَاضَانِ:
أَحَدُهُمَا لِلْمُزَنِيِّ، قَالَ: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ، وَبَيْعُ الرِّبَوِيِّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا لَا يَجُوزُ، وَبَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالرُّطَبِ بَيْعٌ جُزَافٌ، وَأَيْضًا فَبَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.
أَجَابَ الْأَصْحَابُ بِجَوَابَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: قَالُوا: الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ إِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ، وَلَكِنْ فَرَّعَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهَا إِفْرَازُ الثَّانِي، وَإِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ، فَتُتَصَوَّرُ الْقِسْمَةُ هُنَا مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّخِيلِ مُثْمِرًا، وَبَعْضُهَا غَيْرَ مُثْمِرٍ، فَيَجْعَلُ هَذَا سَهْمًا وَذَاكَ سَهْمًا، وَيُقَسِّمُهُ قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ، فَيَكُونُ بَيْعَ نَخِيلٍ وَرُطَبٍ بِنَخْلٍ مُتَمَحِّضٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ التَّرِكَةُ نَخْلَتَيْنِ وَالْوَرَثَةُ شَخْصَيْنِ، اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ مِنْ إِحْدَى النَّخْلَتَيْنِ - أَصْلُهَا وَثَمَرُهَا - بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَبَاعَ نَصِيبَهُ مِنَ الْأُخْرَى لِصَاحِبِهِ بِعِشَرَةٍ وَتَقَاصَّا.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ جُزْءٌ شَائِعٌ مِنَ الثَّمَرَةِ وَالشَّجَرَةِ مَعًا، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهَا كُلَّهَا بِثَمَرَتِهَا صَفْقَةً، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ إِذَا أَفْرَدَ الثَّمَرَةَ بِالْبَيْعِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَهُ مِنْ ثَمَرَةِ إِحْدَى النَّخْلَتَيْنِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ جِذْعِهَا، فَيَجُوزُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَلَا يَكُونُ رِبًا، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ بُدُوِّهِ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ ثَمَرَةٍ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى جِذْعِ الْبَائِعِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: قِسْمَةُ الثِّمَارِ بِالْخَرْصِ تَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
قَالَ: وَالَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هُنَا تَفْرِيعٌ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا يَدْفَعُ إِشْكَالَ الْبَيْعِ جُزَافًا، وَلَا يَدْفَعُ إِشْكَالَ مَنْعِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ.
الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: جَوَازُ الْقِسْمَةِ قَبْلَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ هُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الذِّمَّةِ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْقِسْمَةِ مَعَ التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِ الْعَيْنِ بِأَنْ تُخَرَّصَ الثِّمَارُ عَلَيْهِمْ، وَيَضْمَنُوا حَقَّ الْمَسَاكِينِ، فَلَهُمُ التَّصَرُّفُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّا حَكَيْنَا فِي قَوْلِ الْبَيْعِ قَوْلَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ إِنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا، وَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ فَلَا مَنْعَ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، فَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ نَخِيلٌ مُثْمِرَةٌ، فَبَدَا الصَّلَاحُ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ أَنْ تُبَاعَ - فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُمْ مَا لَمْ تُبَعْ فِي الدَّيْنِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ، وَيُمْكِنُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَمْنَعُ الْإِرْثَ أَمْ لَا؟ فَعَلَى
الْمَذْهَبِ: حُكْمُهُمْ فِي كَوْنِهِمْ يُزَكُّونَ زَكَاةَ خُلْطَةٍ أَمِ انْفِرَادٍ؟ عَلَى مَا سَبَقَ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ.
ثُمَّ إِنْ كَانُوا مُوسِرِينَ، أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْهُمْ، وَصُرِفَتِ النَّخِيلُ وَالثِّمَارُ إِلَى دَيْنِ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانُوا مُعْسِرِينَ، فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ أَمْ بِالْعَيْنِ؟ إِنْ قُلْنَا بِالذِّمَّةِ وَالْمَالُ مَرْهُونٌ بِهَا خَرَجَ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي اجْتِمَاعِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْآدَمِيِّ.
فَإِنْ سَوَّيْنَا وَزَّعَنَا الْمَالَ عَلَى الزَّكَاةِ وَالْغُرَمَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْعَيْنِ أُخِذَتْ، سَوَاءٌ قُلْنَا: تَعَلُّقُ الْأَرْشِ، أَوْ تَعَلُّقُ الشَّرِكَةِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَالِ.
ثُمَّ إِذَا أُخِذَتْ مِنَ الْعَيْنِ وَلَمْ يَفِ الْبَاقِي بِالدَّيْنِ غُرِّمَ الْوَرَثَةُ قَدْرَ الزَّكَاةِ لِغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ إِذَا أَيْسَرُوا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ، وَبِسَبَبِهِ خَرَجَ ذَلِكَ الْقَدْرُ عَنِ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: هَذَا إِذَا قُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ.
فَإِنْ عَلَّقْنَاهَا بِالْعَيْنِ لَمْ يُغَرَّمُوا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الرَّهْنِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ إِطْلَاعُ النَّخْلِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَالثَّمَرَةُ مَحْضُ حَقِّ الْوَرَثَةِ، لَا تُصْرَفُ إِلَى دَيْنِ الْغُرَمَاءِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ: إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الْإِرْثَ، فَحُكْمُهَا كَمَا لَوْ حَدَثَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ.
فَصْلٌ
لَا تُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الثَّانِي إِلَى ثَمَرَةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ فُرِضَ إِطْلَاعُ ثَمَرَةِ الْعَامِ الثَّانِي قَبْلَ جِدَادِ ثَمَرَةِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ كَانَتْ لَهُ نَخِيلٌ تَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ، لَمْ يُضَمَّ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: هَذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْمِلَانِ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي التِّينِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا لِحُكْمِهَا لَوْ تُصُوِّرَتْ.
ثُمَّ إِنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ فَصَّلَ فَقَالَ: إِنْ أَطْلَعَتِ النَّخْلُ الْحِمْلَ الثَّانِي بَعْدَ جِدَادِ الْأَوَّلِ، فَلَا يُضَمُّ، وَإِنْ أَطْلَعَتْ قَبْلَ جِدَادِهِ وَبَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَمْلِ نَخْلَتَيْنِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُخَالِفُ
إِطْلَاقَ الْجُمْهُورِ عَدَمَ الضَّمِّ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ الْحَمْلِ الثَّانِي هُوَ الْحَادِثُ بَعْدَ جِدَادِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ نَخِيلٌ أَوْ أَعْنَابٌ يَخْتَلِفُ إِدْرَاكُ ثِمَارِهَا فِي الْعَامِ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا أَوْ بِلَادِهَا، فَإِنْ أَطْلَعَ الْمُتَأَخِّرُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ الْأَوَّلِ، ضُمَّ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَعَ بَعْدَ جِدَادِ الْأَوَّلِ فَوَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ وَأَصْحَابُ الْقَفَّالِ: لَا يُضَمُّ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: يُضَمُّ، وَفِي ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ لَهُمْ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَرَجَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ إِطْلَاعُهُ قَبْلَ جِدَادِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: فِيمَا بَعْدُ الْجِدَادِ يُضَمُّ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا فِي التَّهْذِيبِ: لَا يُضَمُّ، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ، فَهَلْ يُقَامُ وَقْتُ الْجِدَادِ مَقَامَ الْجِدَادِ؟ وَجْهَانِ.
أَوْفَقُهُمَا: يُقَامُ، فَإِنَّ الثِّمَارَ بَعْدَ وَقْتِ الْجِدَادِ كَالْمَجْدُودَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَطْلَعَتِ النَّخْلَةُ لِلْعَامِ الثَّانِي وَعَلَيْهَا بَعْضُ ثَمَرَةِ الْأَوَّلِ لَمْ يُضَمَّ قَطْعًا.
فَعَلَى هَذَا قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لِجِدَادِ الثِّمَارِ أَوَّلُ وَقْتٍ وَنِهَايَةٌ يَكُونُ تَرْكُ الثِّمَارِ إِلَيْهَا أَوْلَى، وَتِلْكَ النِّهَايَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ.
فَرْعٌ
مِنْ مَوَاضِعِ اخْتِلَافِ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ نَجْدٌ، وَتِهَامَةٌ.
فَتِهَامَةُ حَارَّةٌ يُسْرَعُ إِدْرَاكُ الثَّمَرَةِ بِهَا، بِخِلَافِ نَجْدٍ، فَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخِيلٌ تِهَامِيَّةٌ، وَنَخِيلٌ نَجْدِيَّةٌ، فَأَطْلَعَتِ التِّهَامِيَّةُ ثُمَّ النَّجْدِيَّةُ لِذَلِكَ الْعَامِ، وَاقْتَضَى الْحَالُ ضَمَّ النَّجْدِيَّةِ إِلَى التَّهَامِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، فَضَمَّهَا ثُمَّ أَطْلَعَتِ التِّهَامِيَّةُ ثَمَرَةً أُخْرَى - فَلَا يَضُمُّ ثَمَرَةَ هَذِهِ الْمَرَّةِ إِلَى النَّجْدِيَّةِ وَإِنْ أَطْلَعَتْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا؛ لِأَنَّا لَوْ ضَمَمْنَاهَا إِلَى النَّجْدِيَّةِ لَزِمَ ضَمُّهَا إِلَى التِّهَامِيَّةِ الْأُولَى، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ:
وَلَوْ لَمْ تَكُنِ النَّجْدِيَّةُ مَضْمُومَةً إِلَى التَّهَامِيَّةِ الْأُولَى بِأَنْ أَطْلَعَتْ بَعْدَ جِدَادِهَا - ضَمَمْنَا التَّهَامِيَّةَ الثَّانِيَةَ إِلَى النَّجْدِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ قَدْ لَا يُسَلِّمُهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِضَمِّ ثَمَرَةِ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَبِأَنَّهُ لَا تُضَمُّ ثَمَرَةُ عَامٍ إِلَى ثَمَرَةِ عَامٍ آخَرَ، وَالتِّهَامِيَّةُ الثَّانِيَةُ حِمْلُ عَامٍ آخَرَ.
فَصْلٌ
لَا يُضَمُّ زَرْعُ عَامٍ إِلَى زَرْعِ عَامٍ آخَرَ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ وَاخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الزِّرَاعَةِ، لِضَرُورَةِ التَّدْرِيجِ، كَالَّذِي يَبْتَدِئُ الزِّرَاعَةَ، وَيَسْتَمِرُّ فِيهَا شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ لَا يَقْدَحُ، بَلْ يُعَدُّ زَرْعًا وَاحِدًا، وَيُضَمُّ قَطْعًا.
ثُمَّ الشَّيْءُ قَدْ يُزْرَعُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، كَالذُّرَةِ تُزْرَعُ فِي الْخَرِيفِ وَالرَّبِيعِ وَالصَّيْفِ، فَفِي ضَمِّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضِ عَشْرَةُ أَقْوَالٍ، أَكْثَرُهَا مَنْصُوصَةٌ.
وَأَرْجَحُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: إِنْ وَقَعَ الْحَصَادَانِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، ضُمَّ، وَإِلَّا فَلَا.
الثَّانِي: إِنْ وَقَعَ الزَّرْعَانِ فِي سَنَةٍ، ضُمَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يُؤْثِرُ اخْتِلَافُ الْحَصَادِ وَاتِّفَاقُهُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ وَقَعَ الزَّرْعَانِ وَالْحَصَادَانِ فِي سَنَةٍ، ضُمَّ، وَإِلَّا فَلَا.
وَاجْتِمَاعُهُمَا فِي سَنَةٍ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَرْعِ الْأَوَّلِ وَحَصْدِ الثَّانِي، أَقَلُّ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا عَرَبِيَّةً.
كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالتَّهْذِيبِ.
وَالرَّابِعُ: إِنْ وَقَعَ الزَّرْعَانِ وَالْحَصَادَانِ، أَوْ زَرْعُ الثَّانِي وَحَصْدُ الْأَوَّلِ فِي سَنَةٍ، ضُمَّ، وَهَذَا بِعِيدٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
وَالْخَامِسُ: الِاعْتِبَارُ بِجَمِيعِ السَّنَةِ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ؛ إِمَّا الزَّرْعَيْنِ وَإِمَّا الْحَصَادَيْنِ.
وَالسَّادِسُ: إِنْ وَقَعَ الْحَصَادَانِ فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ، ضُمَّ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالسَّابِعُ: إِنْ وَقَعَ الزَّرْعَانِ فِي فَصْلٍ، ضُمَّ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّامِنُ: إِنْ وَقَعَ الزَّرْعَانِ وَالْحَصَادَانِ فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ، ضُمَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْمُرَادُ بِالْفَصْلِ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.
وَالتَّاسِعُ أَنَّ الْمَزْرُوعَ بَعْدَ حَصْدِ الْأَوَّلِ لَا يُضَمُّ كَحَمْلَيِ الشَّجَرَةِ.
وَالْعَاشِرُ خَرَّجَهُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ مَا يُعَدُّ زَرْعَ سَنَةٍ يُضَمُّ،
وَلَا أَثَرَ لِاخْتِلَافِ الزَّرْعِ وَالْحَصَادِ.
قَالَ: وَلَا أَعْنِي بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا؛ فَإِنَّ الزَّرْعَ لَا يَبْقَى هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَإِنَّمَا أَعْنِي بِهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِلَى ثَمَانِيَةٍ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ زَرْعُ الثَّانِي بَعْدَ حَصْدِ الْأَوَّلِ، فَلَوْ كَانَ زَرْعُ الثَّانِي بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّ الْأَوَّلِ فَطَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالضَّمِّ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الْحُصُولِ فِي الْأَرْضِ.
وَلَوْ وَقَعَ الزَّرْعَانِ مَعًا أَوْ عَلَى التَّوَاصُلِ الْمُعْتَادِ، ثُمَّ أَدْرَكَ أَحَدُهُمَا وَالثَّانِي بَقْلٌ لَمْ يَنْعَقِدْ حَبُّهُ، فَطَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالضَّمِّ، وَالثَّانِي: عَلَى الْخِلَافِ؛ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَأَخَّرَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِ الثِّمَارِ، فَإِنَّهُ يُضَمُّ إِلَى مَا بَدَا فِيهِ الصَّلَاحُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ الْحَاصِلَةَ هِيَ مُتَعَلِّقُ الزَّكَاةِ بِعَيْنِهَا، وَالْمُنْتَظَرُ فِيهَا صِفَةُ الثَّمَرَةِ، وَهُنَا مُتَعَلِّقُ الزَّكَاةِ الْحَبُّ، وَلَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَالْمَوْجُودُ حَشِيشٌ مَحْضٌ.
فَرْعٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الذُّرَةُ تُزْرَعُ مَرَّةً فَتَخْرُجُ فَتُحْصَدُ، ثُمَّ تُسْتَخْلَفُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَتُحْصَدُ أُخْرَى، فَهُوَ زَرْعٌ وَاحِدٌ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ حَصْدَتُهُ الْأُخْرَى.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: مُرَادُهُ إِذَا سَنْبَلَتْ وَاشْتَدَّتْ، فَانْتَثَرَ بَعْضُ حَبَّاتِهَا بِنَفْسِهَا، أَوْ بِنَقْرِ الْعَصَافِيرِ، أَوْ بِهُبُوبِ الرِّيَاحِ، فَنَبَتَتِ الْحَبَّاتُ الْمُنْتَثِرَةُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مَرَّةً أُخْرَى وَأَدْرَكَتْ، وَالثَّانِي: مُرَادُهُ إِذَا نَبَتَتْ وَالْتَقَتْ، وَعَلَا بَعْضُ طَاقَاتِهَا فَغَطَّى الْبَعْضَ، وَبَقِيَ الْمُغَطَّى مُخْضَرًّا تَحْتَ الْعَالِي، فَإِذَا حُصِدَ الْعَالِي أَثَّرَتِ الشَّمْسُ فِي الْمُخْضَرِّ، فَأَدْرَكَ، وَالثَّالِثُ: مُرَادُهُ الذُّرَةُ الْهِنْدِيَّةُ، تُحْصَدُ سَنَابِلُهَا، وَتَبْقَى سُوقُهَا، فَتُخْرِجُ سَنَابِلَ أُخَرَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمُرَادِ بِالنَّصِّ، وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَا نُصَّ عَلَيْهِ،
قُطِعَ مِنْهُ بِالضَّمِّ، وَلَيْسَ تَفْرِيعًا عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ فِي الْفَرْعِ الْمَاضِي.
فَذَكَرُوا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالضَّمِّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الْأَقْوَالِ فِي الزَّرْعَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْوَقْتِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَالْبَغَوِيِّ، تَرْجِيحُ هَذَا.
وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالضَّمِّ، وَالثَّانِي: عَلَى الْخِلَافِ.
وَفِي الثَّالِثِ: طُرُقٌ.
أَصَحُّهَا: الْقَطْعُ بِالضَّمِّ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الضَّمِّ، وَالثَّالِثُ: عَلَى الْخِلَافِ.
فَصْلٌ
يَجِبُ فِيمَا سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ مِنَ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الْعُشْرُ، وَكَذَا الْبَقْلُ وَهُوَ الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَاءِ، وَكَذَا مَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ يَنْصَبُّ إِلَيْهِ مِنْ جَبَلٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ كَبِيرَةٍ، فَفِي هَذَا كُلِّهِ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ أَوِ الدِّلَاءِ أَوِ الدَّوَالِيبِ، فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَكَذَا مَا سُقِيَ بِالدَّالِيَةِ وَهِيَ الْمَنْجَنُونُ يُدِيرُهَا الْبَقَرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّاعُورِ وَهُوَ مَا يُدِيرُهُ الْمَاءُ بِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا الْقَنَوَاتُ وَالسَّوَاقِي الْمَحْفُورَةُ مِنَ النَّهْرِ الْعَظِيمِ، فَفِيهَا الْعُشْرُ كَمَاءِ السَّمَاءِ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ طَوَائِفُ الْأَصْحَابِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَادَّعَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْقَنَوَاتِ إِنَّمَا تُتَحَمَّلُ لِإِصْلَاحِ الضَّيْعَةِ، وَالْأَنْهَارُ تُشَقُّ لِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَإِذَا تَهَيَّأَتْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى الزَّرْعِ بِنَفْسِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، بِخِلَافِ النَّوَاضِحِ وَنَحْوِهَا، فَمُؤْنَتُهَا فِيهَا لِنَفْسِ الزَّرْعِ.
وَلَنَا وَجْهٌ أَفْتَى بِهِ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ أَنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي السَّقْيِ بِمَاءِ الْقَنَاةِ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: إِنْ كَانَتِ الْقَنَاةُ أَوِ الْعَيْنُ كَثِيرَةَ الْمُؤْنَةِ بِأَنْ لَا تَزَالَ تَنْهَارُ وَتَحْتَاجُ إِلَى إِحْدَاثِ حَفْرٍ، وَجَبَ نِصْفُ الْعُشْرِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُؤْنَةٌ أَكْثَرُ مِنْ مُؤْنَةِ الْحَفْرِ الْأَوَّلِ، وَكَسَحَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَالْعُشَرُ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
فَرْعٌ
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ: لَوِ اشْتَرَى الْمَاءَ كَانَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَكَذَا لَوْ سَقَاهُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ؛ لَأَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ، وَهَذَا حَسَنٌ جَارٍ عَلَى كُلِّ مَأْخَذٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِصَلَاحِ الضَّيْعَةِ، بِخِلَافِ الْقَنَاةِ.
ثُمَّ حَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ وَهَبَ لَهُ الْمَاءَ، وَرَجَّحَ إِلْحَاقَهُ بِالْمَغْصُوبِ لِلْمِنَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَكَمَا لَوْ عَلَفَ مَاشِيَتَهُ بِعَلَفٍ مَوْهُوبٍ.
قُلْتُ: الْوَجْهَانِ إِذَا قُلْنَا: لَا تَقْتَضِي الْهِبَةُ ثَوَابًا.
صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: فَإِنْ قُلْنَا: تَقْتَضِيهِ، فَنِصْفُ الْعُشْرِ قَطْعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا اجْتَمَعَ فِي الزَّرْعِ الْوَاحِدِ السَّقْيُ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالنَّضْحِ فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَزْرَعَ عَازِمًا عَلَى السَّقْيِ بِهِمَا، فَفِيهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يُقَسَّطُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَ ثُلُثَا السَّقْيِ بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَالثُّلُثُ بِالنَّضْحِ وَجَبَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْعُشْرِ.
وَلَوْ سُقِيَ عَلَى التَّسَاوِي وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَالثَّانِي: الِاعْتِبَارُ بِالْأَغْلَبِ، فَإِنْ كَانَ مَاءُ السَّمَاءِ أَغْلَبَ وَجَبَ الْعُشْرُ، وَإِنْ غَلَبَ النَّضْحُ فَنِصْفُ الْعُشْرِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يُقَسَّطُ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَالثَّانِي: يَجِبُ الْعُشْرُ؛ نَظَرًا لِلْمَسَاكِينِ.
ثُمَّ سَوَاءٌ قَسَّطْنَا أَوِ اعْتَبَرْنَا الْأَغْلَبَ، فَالنَّظَرُ إِلَى مَاذَا؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: النَّظَرُ إِلَى عَدَدِ السَّقَيَاتِ، وَالْمُرَادُ: السَّقَيَاتُ النَّافِعَةُ دُونَ مَا لَا يَنْفَعُ.
وَالثَّانِي وَهُوَ أَوْفَقُ لِظَاهِرِ النَّصِّ: الِاعْتِبَارُ بِعَيْشِ الزَّرْعِ أَوِ الثَّمَرِ وَنَمَائِهِ، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الثَّانِي بِالنَّظَرِ إِلَى النَّفْعِ، وَقَدْ تَكُونُ السَّقْيَةُ الْوَاحِدَةُ
أَنْفَعَ مِنْ سَقَيَاتٍ كَثِيرَةٍ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْعِبَارَتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ الثَّانِيَةِ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْمُدَّةِ، بَلْ يَعْتَبِرُ النَّفْعَ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، وَصَاحِبُ الْأُولَى يَعْتَبِرُ الْمُدَّةَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمُدَّةِ هُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ، تَفْرِيعًا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَذَكَرُوا فِي الْمِثَالِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ مِنْ يَوْمِ الزَّرْعِ إِلَى يَوْمِ الْإِدْرَاكِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَاحْتَاجَ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ زَمَنَ الشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ إِلَى سَقْيَتَيْنِ، فَسُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَفِي شَهْرَيْنِ مِنَ الصَّيْفِ إِلَى ثَلَاثِ سَقَيَاتٍ، فَسُقِيَ بِالنَّضْحِ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا عَدَدَ السَّقَيَاتِ، فَعَلَى قَوْلِ التَّوْزِيعِ: يَجِبُ خُمُسَا الْعُشْرِ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ نِصْفِ الْعُشْرِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ: يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْمُدَّةَ فَعَلَى قَوْلِ التَّوْزِيعِ: يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ وَرُبُعُ نِصْفِ الْعُشْرِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ: يَجِبُ الْعُشْرُ.
وَلَوْ سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالنَّضْحِ جَمِيعًا، وَجُهِلَ الْمِقْدَارُ، وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِمَّا زَادَ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَزْرَعَ نَاوِيًا السَّقْيَ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ يَقَعُ الْآخَرُ، فَهَلْ يُسْتَصْحَبُ حُكْمُ مَا نَوَاهُ أَوَّلًا أَمْ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِهِمَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ.
فَرْعٌ
لَوِ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالسَّاعِي فِي أَنَّهُ بِمَاذَا سَقَى؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ سَقَى زَرْعًا بِمَاءِ السَّمَاءِ وَآخَرَ بِالنَّضْحِ، وَلَمْ يَبْلُغْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا نِصَابًا - ضُمَّ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ؛ لِتَمَامِ النِّصَابِ وَإِنِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الْوَاجِبِ.
فَصْلٌ
إِذَا كَانَ الَّذِي يَمْلِكُهُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ نَوْعًا وَاحِدًا أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ، فَإِنْ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهُ أَجْزَأَهُ، وَدُونَهُ لَا يَجُوزُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَسَّرْ أَخْذُ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِالْحِصَّةِ أُخِذَ بِالْحِصَّةِ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمَوَاشِي، فَقَدْ قَدَّمْنَا فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ التَّشْقِيصَ مَحْذُورٌ فِي الْحَيَوَانِ دُونَ الثِّمَارِ، وَطَرَدَ ابْنُ كَجٍّ الْقَوْلَيْنِ هُنَا، وَالْمَذْهَبُ: الْفَرْقُ.
فَإِنْ عَسُرَ أَخْذُ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِأَنْ كَثُرَتْ وَقَلَّ ثَمَرُهَا - فَفِيهِ أَوْجُهٌ.
الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنَ الْوَسَطِ؛ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ، وَالثَّانِي: يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِقِسْطِهِ، وَالثَّالِثُ: مِنَ الْغَالِبِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ الْوَسَطُ قَطْعًا.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَسَطِ فَتَكَلَّفَ وَأَخْرَجَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِقِسْطِهِ - جَازَ، وَوَجَبَ عَلَى السَّاعِي قَبُولُهُ.
فَرْعٌ
إِذَا حَضَرَ السَّاعِي لِأَخْذِ الْعُشْرِ كُيِّلَ لِرَبِّ الْمَالِ تِسْعَةً وَأَخَذَ السَّاعِي الْعَاشِرَ، وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالْمَالِكِ لِأَنَّ حَقَّهُ أَكْثَرُ، وَبِهِ يُعْرَفُ حَقُّ الْمَسَاكِينِ.
فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الْعُشْرِ، كُيِّلَ لِرَبِّ الْمَالِ تِسْعَةَ عَشَرَ ثُمَّ لِلسَّاعِي وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ كُيِّلَ لِلْمَالِكِ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَلِلسَّاعِي ثَلَاثَةٌ، وَلَا يُهَزُّ الْمِكْيَالُ، وَلَا يُزَلْزَلُ، وَلَا تُوضَعُ الْيَدُ فَوْقَهُ، وَلَا يُمْسَحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، بَلْ يُصَبُّ فِيهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ثُمَّ يُفَرَّغُ.
فَصْلٌ
وَقْتُ وُجُوبِ زَكَاةِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ الزَّهْوُ، وَهُوَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ.
وَوَقْتُ الْوُجُوبِ فِي الْحُبُوبِ اشْتِدَادُهَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَشْهُورُ.
وَحُكِيَ قَوْلُ أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ الْجَفَافُ وَالتَّصْفِيَةُ، وَلَا يَتَقَدَّمُ الْوُجُوبُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ، وَقَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عِنْدَ فِعْلِ الْحَصَادِ.
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي الْبَعْضِ كَبُدُوِّهِ فِي الْجَمِيعِ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَمَامُ اشْتِدَادِ الْحَبِّ، كَمَا لَا يُشْتَرَطُ تَمَامُ الصَّلَاحِ فِي الثِّمَارِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى نَخِيلًا مُثْمِرَةً، أَوْ وَرِثَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، ثُمَّ بَدَا - فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
وَلَوِ اشْتَرَى بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَبَدَا الصَّلَاحُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ فُسِخَ، وَإِنْ قُلْنَا: مَوْقُوفٌ فَالزَّكَاةُ مَوْقُوفَةٌ، وَلَوْ بَاعَ الْمُسْلِمُ النَّخْلَةَ الْمُثْمِرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِذِمِّيٍّ أَوْ مَكَاتَبٍ، فَبَدَا الصَّلَاحُ فِي مِلْكِهِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ.
فَلَوْ عَادَ إِلَى مِلْكِ الْمُسْلِمِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، بِبَيْعٍ مُسْتَأْنَفٍ، أَوْ بِهِبَةٍ، أَوْ تَقَايُلٍ، أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ حَالَ الْوُجُوبِ.
وَلَوْ بَاعَ النَّخِيلَ لِمُسْلِمٍ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَبَدَا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا - فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ إِلَّا بِرِضَى الْبَائِعِ؛ لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهَا، وَهُوَ كَعَيْبٍ حَدَثَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْمُشْتَرِي الزَّكَاةَ مِنْ نَفْسِ الثَّمَرَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، فَحُكْمُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الشَّرْطِ الرَّابِعِ مِنْ زَكَاةِ النَّعَمِ.
أَمَّا إِذَا بَاعَ الثَّمَرَةَ وَحْدَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، فَإِنْ شَرَطَهُ وَلَمْ يَتَّفِقِ الْقَطْعُ حَتَّى بَدَا الصَّلَاحُ، فَقَدْ وَجَبَ الْعُشْرُ.
ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ رَضِيَا بِإِبْقَائِهَا إِلَى أَوَانِ الْجِدَادِ - جَازَ، وَالْعُشْرُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَحُكِيَ قَوْلٌ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ كَمَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى الْإِبْقَاءِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا بِالْإِبْقَاءِ لَمْ تُقْطَعِ الثَّمَرَةُ؛
لِأَنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالْمَسَاكِينِ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ لِتَعَذُّرِ إِمْضَائِهِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يَنْفَسِخُ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِالْإِبْقَاءِ، يُفْسَخُ، وَإِنْ رَضِيَ بِهِ وَأَبَى الْمُشْتَرِي إِلَّا الْقَطْعَ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُفْسَخُ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يُفْسَخُ.
وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ ثُمَّ رَجَعَ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ إِعَارَةٌ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يُفْسَخُ الْبَيْعُ، فَفُسِخَ، فَعَلَى مَنْ تَجِبُ الزَّكَاةُ؟ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: عَلَى الْبَائِعِ، وَأَظْهَرُهُمَا: عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا لَوْ فُسِخَ بِعَيْبٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَخَذَ السَّاعِي مِنْ عَيْنِ الثَّمَرَةِ رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إِنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ وَاشْتِدَادَ الْحَبِّ وَقْتَ الْوُجُوبِ، لَمْ يُكَلَّفِ الْإِخْرَاجَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكِنْ يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْإِخْرَاجِ إِذَا صَارَ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ حَبًّا مُصَفًّى، وَصَارَ لِلْفُقَرَاءِ فِي الْحَالِ حَقٌّ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ إِجْزَاءً، فَلَوْ أَخْرَجَ الرُّطَبَ فِي الْحَالِ لَمْ يَجُزْ، فَلَوْ أَخَذَ السَّاعِي الرُّطَبَ، لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعُ، وَوَجَبَ رَدُّهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ تَلِفَ فَوَجْهَانِ، الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ يَرُدُّ قِيمَتَهُ، وَالثَّانِي: يَرُدُّ مَثَلَهُ.
وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرُّطَبَ وَالْعِنَبَ مِثْلِيَّانِ، أَمْ لَا؟ وَلَوْ جَفَّ عِنْدَ السَّاعِي، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الزَّكَاةِ، أَجْزَأَ، وَإِلَّا رَدَّ التَّفَاوُتَ أَوْ أَخَذَهُ، كَذَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالْأَوْلَى: وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ بِحَالٍ؛ لِفَسَادِ الْقَبْضِ مِنْ أَصْلِهِ، وَمَئُونَةُ تَجْفِيفِ الثَّمَرِ وَجِدَادُهُ وَحَصَادُ الْحَبِّ وَتَصْفِيَتُهُ تَكُونُ مِنْ خَلَاصِ مَالِ الْمَالِكِ لَا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا هُوَ فِي الرُّطَبِ الَّذِي يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ، فَإِنْ كَانَ لَا يَجِيءُ شَيْءٌ مِنْهُ، فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ
خَرْصُ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ اللَّذَيْنِ تَجِبُ فِيهِمَا الزَّكَاةُ مُسْتَحَبٌّ.
وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ حِكَايَةِ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْخَرْصُ فِي الزَّرْعِ.
وَوَقْتُ خَرْصِ الثَّمَرَةِ بُدُوُّ الصَّلَاحِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَطُوفَ بِالنَّخْلَةِ وَيَرَى جَمِيعَ عَنَاقِيدِهَا وَيَقُولَ: خَرْصُهَا كَذَا رُطَبًا، وَيَجِيءُ مِنْهُ مِنَ التَّمْرِ كَذَا، ثُمَّ يَفْعَلُ بِالنَّخْلَةِ الْأُخْرَى كَذَلِكَ، وَكَذَا بَاقِي الْحَدِيقَةِ.
وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَعْضِ وَقِيَاسِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ، وَإِنَّمَا تُخْرَصُ رُطَبًا ثُمَّ تَمْرًا؛ لِأَنَّ الْأَرْطَابَ تَتَفَاوَتُ، فَإِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ جَازَ أَنْ يُخْرَصَ الْجَمِيعُ رُطَبًا ثُمَّ تَمْرًا، ثُمَّ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُخْرَصُ جَمِيعُ النَّخْلِ، وَحُكِيَ قَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ يُتْرَكُ لِلْمَالِكِ نَخْلَةٌ أَوْ نَخَلَاتٌ يَأْكُلُهَا أَهْلُهُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالِ الرَّجُلِ فِي كَثْرَةِ عِيَالِهِ وَقِلَّتِهِمْ.
قُلْتُ: هَذَا الْقَدِيمُ نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْبُوَيْطِيِّ وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْبُيُوعِ وَالْقَدِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
هَلْ يَكْفِي خَارِصٌ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ خَارِصِينَ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِخَارِصٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْإِصْطَخْرِيُّ.
وَأَصَحُّهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَظْهَرُهَا: وَاحِدٌ، وَالثَّانِي: لَا بُدَّ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ خَرَصَ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ غَائِبٍ، فَلَا بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ، وَإِلَّا كَفَى وَاحِدٌ، وَسَوَاءٌ اكْتَفَيْنَا بِوَاحِدٍ، أَمِ اشْتَرَطْنَا اثْنَيْنِ، فَشَرْطُ الْخَارِصِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَدْلًا، عَالِمًا بِالْخَرْصِ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ الذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَقَالَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» : إِنِ اكْتَفَيْنَا بِوَاحِدٍ، اعْتُبِرَا، وَإِلَّا جَازَ
عَبْدٌ وَامْرَأَةٌ، وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ فِي اعْتِبَارِ الذُّكُورَةِ وَجْهَيْنِ مُطْلَقًا.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنِ اكْتَفَيْنَا بِوَاحِدٍ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْحُكْمِ، فَتُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا اثْنَيْنِ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الشَّهَادَاتِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُشْتَرَطَ الْحُرِّيَّةُ، وَأَنْ تُشْتَرَطَ الذُّكُورَةُ فِي أَحَدِهِمَا، وَتُقَامَ امْرَأَتَانِ مَقَامَ الْآخَرِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَوِ اخْتَلَفَ الْخَارِصَانِ، تَوَقَّفْنَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمِقْدَارُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا.
قَالَهُ الدَّارِمِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
هَلِ الْخَرْصُ عِبْرَةٌ أَوْ تَضْمِينٌ؟ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا: تَضْمِينٌ، وَمَعْنَاهُ: يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَسَاكِينِ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرَةِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى ذِمَّةِ الْمَالِكِ.
وَالثَّانِي: عِبْرَةٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ اعْتِبَارٍ لِلْقَدْرِ، وَلَا يَضُرُّ حَقَّ الْمَسَاكِينِ فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ.
وَفَائِدَتُهُ عَلَى هَذَا جَوَازُ التَّصَرُّفِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا: لَوْ أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثِّمَارَ، أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ مَا خَرَصَ، وَلَوْلَا الْخَرْصُ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ.
فَإِذَا قُلْنَا: عِبْرَةٌ، فَضَمِنَ الْخَارِصُ لِلْمَالِكِ حَقَّ الْمَسَاكِينِ تَضْمِينًا صَرِيحًا وَقَبِلَهُ الْمَالِكُ، كَانَ لَغْوًا، وَيَبْقَى حَقُّهُمْ عَلَى مَا كَانَ.
وَإِذَا قُلْنَا: تَضْمِينٌ، فَهَلْ نَفْسُ الْخَرْصِ تَضْمِينٌ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَصْرِيحِ الْخَارِصِ بِذَلِكَ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: نَفْسُهُ تَضْمِينٌ، وَالثَّانِي: لَا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَكْفِي تَضْمِينُ الْخَارِصِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى قَبُولِ الْمَالِكِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالتَّضْمِينِ وَقَبُولِ الْمَالِكِ، فَإِنْ لَمْ يَضْمَنْهُ أَوْ ضَمِنَهُ، فَلَمْ يَقْبَلِ الْمَالِكُ، بَقِيَ حَقُّ الْمَسَاكِينِ عَلَى مَا كَانَ، وَهَلْ يَقُومُ وَقْتُ الْخَرْصِ مَقَامَ الْخَرْصِ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالتَّضْمِينِ، لَمْ يَقُمْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يَقُومُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا أَصَابَتِ الثِّمَارَ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ أَوْ سُرِقَتْ فِي الشَّجَرَةِ أَوْ فِي الْجَرِينِ قَبْلَ الْجَفَافِ، فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَالِكِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لِفَوَاتِ الْإِمْكَانِ، وَالْمُرَادُ إِذَا لَمْ يُقَصِّرُ.
فَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ الدَّفْعُ فَأَخَّرَ، أَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الثِّمَارِ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي نِصَابًا زَكَّاهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ دُونِهِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ أَوْ لِلضَّمَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ، وَإِلَّا زَكَّى الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ.
أَمَّا إِذَا أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثَّمَرَةَ أَوْ أَكَلَهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَلَا زَكَاةَ، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ إِنْ قَصَدَ الْفِرَارَ مِنْهَا، وَإِنْ قَصَدَ الْأَكْلَ أَوِ التَّخْفِيفَ عَنِ الشَّجَرَةِ أَوْ غَرَضًا آخَرَ، فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الصَّلَاحِ، ضَمِنَ لِلْمَسَاكِينِ.
ثُمَّ لَهُ حَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الْخَرْصِ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْخَرْصُ تَضْمِينٌ ضَمِنَ لَهُمْ عُشْرَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِالْخَرْصِ، وَإِنْ قُلْنَا: عِبْرَةٌ، فَهَلْ يَضْمَنُ عُشْرَ الرُّطَبِ، أَوْ قِيمَةَ عُشْرِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِثْلِيٌّ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ: عُشْرُ الْقِيمَةِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْإِتْلَافُ قَبْلَ الْخَرْصِ، فَيُعَزَّرَ، وَالْوَاجِبُ ضَمَانُ الرُّطَبِ، إِنْ قُلْنَا: لَوْ جَرَى الْخَرْصُ لَكَانَ عِبْرَةً.
وَإِنْ قُلْنَا: تَضْمِينٌ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: ضَمَانُ الرُّطْبِ.
وَالثَّانِي: التَّمْرُ.
وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عُشْرِ الثَّمَنِ، وَقِيمَةُ عُشْرِ الرُّطَبِ.
وَالْحَالَانِ مَفْرُوضَانِ فِي رُطَبٍ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَعِنَبٍ يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ فِي الْحَالَيْنِ ضَمَانُ الرُّطَبِ بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ
تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِيمَا خَرَصَ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ وَالْأَكْلِ وَغَيْرِهِمَا، مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلَيِ التَّضْمِينِ وَالْعِبْرَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّضْمِينِ تَصَرَّفَ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْعِبْرَةِ فَنُفُوذُ تَصَرُّفِهِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالذِّمَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ.
وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الزَّكَاةِ، فَنَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ (أَنَّ) الْأَصْحَابَ قَطَعُوا بِنُفُوذِهِ.
وَلَكِنَّ الْمَوْجُودَ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَلَا سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الثِّمَارِ إِذَا لَمْ يَصِرِ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ بِالْخَرْصِ.
فَإِنْ أَرَادُوا نَفْيَ الْإِبَاحَةِ دُونَ الْفَسَادِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَدَعْوَى الْقَطْعِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ.
وَكَيْفَ كَانَ فَالْمَذْهَبُ جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي الْأَعْشَارِ التِّسْعَةِ، سَوَاءٌ أُفْرِدَتْ بِالتَّصَرُّفِ أَوْ تُصُرِّفَ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِالْفَسَادِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ فَلَا يُعَدِّيهِ إِلَى الْبَاقِي عَلَى الْمَذْهَبِ.
أَمَّا إِذَا تَصَرَّفَ الْمَالِكُ قَبْلَ الْخَرْصِ، فَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ وَلَا يَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْعَثِ الْحَاكِمُ خَارِصًا أَوْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ - يُحَاكَمُ إِلَى عَدْلَيْنِ يَخْرُصَانِ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ
إِذَا ادَّعَى الْمَالِكُ هَلَاكَ الثِّمَارِ الْمَخْرُوصَةِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْضِهَا، نُظِرَ، إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى سَبَبٍ يُكَذِّبُهُ الْحِسُّ كَقَوْلِهِ: هَلَكَ بِحَرِيقٍ وَقَعَ فِي الْجَرِينِ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْجَرِينِ حَرِيقٌ - لَمْ نُبَالِ بِكَلَامِهِ، وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى سَبَبٍ خَفِيٍّ كَالسَّرِقَةِ، لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً، وَيَقْبَلْ قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ.
وَهَلْ يَمِينُهُ وَاجِبَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: مُسْتَحَبَّةٌ، وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ، كَالْبَرْدِ، وَالنَّهْبِ وَالْجَرَادِ، وَنُزُولِ الْعَسْكَرِ، فَإِنْ عُرِفَ
وُقُوعُ ذَلِكَ السَّبَبِ وَعُمُومُ أَثَرِهِ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ.
فَإِنِ اتُّهِمَ فِي هَلَاكِ ثِمَارِهِ بِهِ، حَلِفَ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وُقُوعُهُ، فَالصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ: يُطَالَبُ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِإِمْكَانِهَا.
ثُمَّ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْهَلَاكِ بِهِ، وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَالثَّالِثُ: يُقْبَلُ بِلَا يَمِينٍ إِذَا كَانَ ثِقَةً.
وَحَيْثُ حَلَّفْنَاهُ، فَالْيَمِينُ مُسْتَحَبَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَبَقَ.
أَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى دَعْوَى الْهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِسَبَبٍ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ قَبُولُهُ مَعَ الْيَمِينِ.
فَرْعٌ
إِذَا ادَّعَى الْمَالِكُ إِجْحَافًا فِي الْخَرْصِ، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَارِصَ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى مَيْلَ الْحَاكِمِ أَوْ كَذِبَ الشَّاهِدَ، لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ غَلَطٌ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الْقَدْرَ، لَمْ تُسْمَعْ، وَإِنْ بَيَّنَهُ وَكَانَ يَحْتَمِلُ الْغَلَطَ فِي مَثَلِهِ، كَخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي مِائَةٍ، قُبِلَ.
فَإِنِ اتُّهِمَ، حُلِّفَ وَحُطَّ عَنْهُ.
هَذَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى فَوْقَ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ.
وَأَمَّا إِذَا بَعْدَ الْكَيْلُ غَلَطًا يَسِيرًا فِي الْخَرْصِ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ فِي الْكَيْلَيْنِ، فَهَلْ يُحَطُّ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ النَّقْصَ وَقَعَ فِي الْكَيْلِ، وَلَوْ كَيَّلَ ثَانِيًا وَفَّى، وَالثَّانِي: يُحَطُّ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ يَقِينٌ وَالْخَرْصُ تَخْمِينٌ، فَالْإِحَالَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى.
قُلْتُ: هَذَا أَقْوَى، وَصَحَّحَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْأَوَّلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنِ ادَّعَى نَقْصًا فَاحِشًا لَا يُجَوِّزُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ الْغَلَطَ بِمِثْلِهِ، لَمْ يُقْبَلْ فِي حَطِّ جَمِيعِهِ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي حَطِّ الْمُمْكِنِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يُقْبَلُ، كَمَا لَوِ ادَّعَتْ مُعْتَدَّةً بِالْأَقْرَاءِ انْقِضَاءَهَا قَبْلَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، وَكَذَّبْنَاهَا، وَأَصَرَّتْ عَلَى الدَّعْوَى حَتَّى جَاءَ زَمَنُ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِانْقِضَائِهَا لِأَوَّلِ زَمَنِ الْإِمْكَانِ.
فَصْلٌ
إِذَا أَصَابَ النَّخْلَ عَطَشٌ، وَلَوْ تُرِكَتِ الثِّمَارُ عَلَيْهَا إِلَى أَوَانِ الْجِدَادِ لَأَضَرَّتْ بِهَا - جَازَ قَطْعُ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ، إِمَّا كُلُّهَا وَإِمَّا بَعْضُهَا.
وَهَلْ يَسْتَقِلُّ الْمَالِكُ بِقَطْعِهَا، أَمْ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ أَوِ السَّاعِي؟ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَطَائِفَةٌ: يُسْتَحَبُّ الِاسْتِئْذَانُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ، فَإِنِ اسْتَقَلَّ عُزِّرَ إِنْ كَانَ عَالِمًا.
قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالسَّرَخْسِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا إِذَا عَلِمَ السَّاعِي قَبْلَ الْقَطْعِ، وَأَرَادَ الْقِسْمَةَ بِأَنْ يَخْرُصَ الثِّمَارَ وَيُعَيِّنَ حَقَّ الْمَسَاكِينِ فِي نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا - فَقَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: هُمَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ أَوْ إِفْرَازُ حَقٍّ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ، جَازَ، ثُمَّ لِلسَّاعِي أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَ الْمَسَاكِينِ لِلْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَقْطَعَ وَيُفَرِّقَهُ بَيْنَهُمْ، يَفْعَلُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لَهُمْ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا بَيْعٌ، لَمْ يَجُزْ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ تَخْرُجُ الْقِسْمَةُ بَعْدَ قَطْعِهَا.
إِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ - جَازَتْ، وَإِلَّا، فَفِي جَوَازِهَا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ بِمِثْلِهِ.
فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، جَازَتِ الْقِسْمَةُ بِالْكَيْلِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تَجُوزُ مُقَاسَمَةُ السَّاعِي؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُرَاعَى فِيهَا تَعَبُّدَاتُ الرِّبَا، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: لَا تَجُوزُ.
فَعَلَى هَذَا لَهُ فِي الْأَخْذِ مَسْلَكَانِ أَحَدُهُمَا: يَأْخُذُ قِيمَةَ عُشْرِ الرُّطَبِ الْمَقْطُوعِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الْقِيمَةَ لِلضَّرُورَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي شِقْصِ الْحَيَوَانِ، وَالثَّانِي: يُسَلِّمُ عُشْرًا مُشَاعًا إِلَى السَّاعِي، لِيَتَعَيَّنَ حَقُّ الْمَسَاكِينِ، وَطَرِيقُ تَسْلِيمِ الْعُشْرِ تَسْلِيمُ الْجَمِيعِ.
فَإِذَا سَلَّمَهُ، فَلِلسَّاعِي بَيْعُ نَصِيبِ الْمَسَاكِينِ لِلْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يَبِيعُ هُوَ وَالْمَالِكُ وَيُقَسِّمَانِ الثَّمَنَ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزِ الْقِسْمَةَ، وَأَخَذَ الْقِيمَةَ.
وَخَيَّرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ السَّاعِيَ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَأَخْذِ الْقِيمَةِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِلَافَ الْقَاعِدَةِ، وَاحْتَمَلَ لِلْحَاجَةِ، فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنَ الْخِلَافِ، وَالتَّفْصِيلِ فِي إِخْرَاجِ الْوَاجِبِ، يَجْرِي بِعَيْنِهِ فِي إِخْرَاجِ الْوَاجِبِ عَنِ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ.
وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُسْتَدْرَكٌ حَسَنٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
قَالَ: إِنَّمَا يَثُورُ الْإِشْكَالُ عَلَى قَوْلِنَا: الْمَسَاكِينُ شُرَكَاءُ فِي النِّصَابِ بِقَدَرِ الزَّكَاةِ، وَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ التَّخْرِيجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقِسْمَةِ.
فَأَمَّا إِذَا لَمْ نَجْعَلْهُمْ شُرَكَاءَ، فَلَيْسَ تَسْلِيمُ جُزْءٍ إِلَى السَّاعِي قِسْمَةً حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْقِسْمَةِ، بَلْ هُوَ تَوْفِيَةُ حَقٍّ إِلَى مُسْتَحِقٍّ.
قُلْتُ: لَوِ اخْتَلَفَ السَّاعِي وَالْمَالِكُ فِي جِنْسِ التَّمْرِ بَعْدَ تَلَفِهِ تَلَفًا مُضَمَّنًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
فَإِنْ أَقَامَ السَّاعِي شَاهِدِينَ أَوْ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، قُضِيَ لَهُ، وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ، قَالَهُ الدَّارِمِيُّ.
وَإِذَا خَرَصَ عَلَيْهِ، فَتَلِفَ بَعْضُهُ تَلَفًا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ، وَأَكَلَ بَعْضُهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَعْرِفِ السَّاعِي مَا تَلِفَ، فَإِنْ عَرَفَ الْمَالِكُ مَا أَكَلَ، زَكَّاهُ مَعَ مَا بَقِيَ، فَإِنِ اتَّهَمَهُ، حَلَّفَهُ اسْتِحْبَابًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَوُجُوبًا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ قَدْرَ مَا أَكَلْتُهُ وَلَا مَا تَلِفَ.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: قُلْنَا لَهُ: إِنْ ذَكَرْتَ قَدْرًا أَلْزَمْنَاكَ بِمَا أَقْرَرْتَ بِهِ، فَإِنِ اتَّهَمْنَاكَ حَلَّفْنَاكَ، وَإِنْ ذَكَرَتْ مُجْمَلًا، أَخَذْنَا الزَّكَاةَ بِخَرْصِنَا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ خَرَصَ، فَأَقَرَّ الْمَالِكُ بِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْمَخْرُوصِ، أَخَذْنَا الزَّكَاةَ مِنَ الزِّيَادَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ضَمِنَ أَمْ لَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
لَا زَكَاةَ فِيهِمَا فِيمَا دُونَ النِّصَابِ.
وَنِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ.
وَالذَّهَبُ: عِشْرُونَ مِثْقَالَا، وَزَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ، وَيَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ مِنْهُمَا بِحِسَابِهِ، قَلَّ
أَمْ كَثُرَ، وَسَوَاءٌ فِيهِمَا الْمَضْرُوبُ وَالتِّبْرُ، وَغَيْرُهُ، وَالِاعْتِبَارُ بِوَزْنِ مَكَّةَ.
فَأَمَّا الْمِثْقَالُ فَمَعْرُوفٌ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَدْرُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الْفِضَّةُ: فَالْمُرَادُ دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ، وَزْنُ الدِّرْهَمِ سِتَّةُ دَوَانِيقَ، وَكُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلِ ذَهَبٍ.
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأُوَلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ.
قِيلَ: كَانَ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَلَوْ نَقَصَ عَنِ النِّصَابِ حَبَّةً أَوْ بَعْضَ حَبَّةٍ فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ رَاجَ رَوَاجَ التَّامِّ، أَوْ زَادَ عَلَى التَّامِّ بِجَوْدَةِ نَوْعِهِ وَلَوْ نَقَصَ فِي بَعْضِ الْمَوَازِينِ وَتَمَّ فِي بَعْضِهَا - فَوَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ، وَبِهِ قَطَعُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَيُشْتَرَطُ مِلْكُ النَّصَّابِ بِتَمَامِهِ حَوْلًا كَامِلًا.
وَلَا يَكْمُلُ نِصَابُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ، كَمَا لَا يَكْمُلُ التَّمْرُ بِالزَّبِيبِ، وَيَكْمُلُ الْجَيِّدُ بِالرَّدِيءِ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، كَأَنْوَاعِ الْمَاشِيَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَوْدَةِ: النُّعُومَةُ، وَالصَّبْرُ عَلَى الضَّرْبِ وَنَحْوُهُمَا.
وَبِالرَّدَاءَةِ: الْخُشُونَةُ، وَالتَّفَتُّتُ عِنْدَ الضَّرْبِ.
وَأَمَّا إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، فَإِنْ لَمْ تَكْثُرْ أَنْوَاعُهُ، أَخْرَجَ مِنْ كُلٍّ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَشَقَّ اعْتِبَارُ الْجَمِيعِ أَخْرَجَ مِنَ الْوَسَطِ.
وَلَوْ أَخْرَجَ الْجَيِّدَ عَنِ الرَّدِيءِ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ أَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنِ الْجِيدِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يُجْزِئْهُ، وَهُوَ غَلَطٌ.
وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ الصَّحِيحِ عَنِ الْمُكَسَّرِ، وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ، بَلْ يَجْمَعُ الْمُسْتَحِقِّينَ وَيَصْرِفُ إِلَيْهِمُ الدِّينَارَ الصَّحِيحَ بِأَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَى وَاحِدٍ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ مُكَسَّرًا.
وَوَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، لَكِنْ مَعَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمُكَسَّرِ.
وَوَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمُكَسَّرِ فَرْقٌ فِي الْمُعَامَلَةِ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ لَهُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ مَغْشُوشَةٌ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهَا نِصَابًا، فَإِذَا بَلَغَهُ، أَخْرَجَ الْوَاجِبَ خَالِصًا، أَوْ أَخْرَجَ مِنَ الْمَغْشُوشِ مَا يَعْلَمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى خَالِصٍ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ.
وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ أَلْفٍ مَغْشُوشَةٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ خَالِصَةً أَجْزَأَهُ وَقَدْ تَطَوَّعَ بِالْفَضْلِ، وَلَوْ أَخْرَجَ خَمْسَةً مَغْشُوشَةً عَنْ مِائَتَيْنِ خَالِصَةً، لَمْ تُجْزِئْهُ.
وَهَلْ لَهُ الِاسْتِرْجَاعُ؟ حَكَوْا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيهِ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ كَفَّارَةٍ مَعِيبَةٍ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِهَا، وَأَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ فَتَلِفَ مَالُهُ.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَهَذَا إِذَا كَانَ قَدْ بَيَّنَ عِنْدَ الدَّفْعِ أَنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ هَذَا الْمَالِ.
فَرْعٌ
يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ، وَيُكْرَهُ لِلرَّعِيَّةِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَتْ خَالِصَةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ.
ثُمَّ الدَّرَاهِمُ الْمَغْشُوشَةُ إِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْعِيَارِ صَحَّتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا عَلَى عَيْنِهَا الْحَاضِرَةِ وَفِي الذِّمَّةِ.
وَإِنْ كَانَ مِقْدَارُ النَّقْرَةِ فِيهَا مَجْهُولًا، فَفِي جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى عَيْنِهَا وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَوَاجُهَا، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَاطُهَا بِالنُّحَاسِ كَالْمَعْجُونَاتِ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، فَبَاعَ بِدَرَاهِمَ مُطْلَقًا وَنَقْدُ الْبَلَدِ مَغْشُوشٌ - صَحَّ الْعَقْدُ وَوَجَبَ مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ لَهُ إِنَاءٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَزْنُهُ أَلْفٌ، مِنْ أَحَدِهِمَا سِتُّمِائَةٍ وَمِنَ الْآخَرِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَلَا يُعْرَفُ أَيُّهُمَا الْأَكْثَرُ، فَإِنِ احْتَاطَ فَزَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا وَسِتَّمِائَةٍ فِضَّةً - أَجْزَأَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَطْ، مَيَّزَهُمَا بِالنَّارِ.
قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَيَقُومُ مَقَامَهُ الِامْتِحَانُ بِالْمَاءِ، بِأَنْ يُوضَعَ قَدْرُ الْمَخْلُوطِ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ فِي مَاءٍ، وَيُعَلَّمَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ الْمَاءُ، ثُمَّ يُخْرَجَ وَيُوضَعَ مَثَلُهُ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ، وَيُعَلَّمُ عَلَى مَوْضِعِ الِارْتِفَاعِ، وَهَذِهِ الْعَلَامَةُ تَقَعُ فَوْقَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الذَّهَبِ أَكْثَرُ اكْتِنَازًا، ثُمَّ يُوضَعُ فِيهِ الْمَخْلُوطُ، وَيُنْظَرُ ارْتِفَاعُ الْمَاءِ بِهِ، أَهُوَ إِلَى عَلَامَةِ الْفِضَّةِ أَقْرَبُ أَمْ إِلَى عَلَامَةِ الذَّهَبِ؟ وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ: إِنْ كَانَ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، فَلَهُ اعْتِمَادُ ظَنِّهِ، وَإِنْ دَفْعَهَا إِلَى السَّاعِي، لَمْ يُقْبَلْ ظَنُّهُ، بَلْ يَلْزَمُهُ الِاحْتِيَاطُ أَوِ التَّمْيِيزُ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الَّذِي قَطَعَ بِهِ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ ظَنِّهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْأَخْذُ بِمَا شَاءَ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَ ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَجْهًا.
فَرْعٌ
لَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي يَدِهِ وَلَهُ مِائَةٌ مُؤَجَّلَةٌ عَلَى مَلِيءٍ، فَكَيْفَ يُزَكِّي؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْمُؤَجَّلَ تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ أَمْ لَا؟ وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهَا.
وَإِذَا أَوْجَبْنَاهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ فِي الْحَالِ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا زَكَاةَ فِي الْمُؤَجَّلِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِعَدَمِ النِّصَابِ.
وَإِنْ أَوْجَبْنَا إِخْرَاجَ زَكَاةِ الْمُؤَجَّلِ فِي
الْحَالِ، زَكَّى الْمِائَتَيْنِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا وَلَمْ نُوجِبِ الْإِخْرَاجَ فِي الْحَالِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ حِصَّةِ الْمِائَةِ الَّتِي فِي يَدِهِ فِي الْحَالِ، أَمْ يَتَأَخَّرُ إِلَى قَبْضِ الْمُؤَجَّلَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ فِي الْحَالِ، وَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوِ الضَّمَانِ، إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْمُؤَجَّلُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي أَخْرَجَ، وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ دُونَ نِصَابٍ، وَتَمَامُهُ مَغْصُوبٌ، أَوْ دَيْنٌ، وَلَمْ نُوجِبْ فِيهِمَا زَكَاةً - ابْتَدَأَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ يَقْبِضُ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ.
فَصْلٌ
لَا زَكَاةَ فِيمَا سِوَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، كَالْيَاقُوتِ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَغَيْرِهِمَا، وَلَا فِي الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ.
فَصْلٌ
هَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا تَجِبُ، كَالْعَوَامِلِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
أَمَّا الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَهُوَ نَوْعَانِ: مُحَرِّمٌ لِعَيْنِهِ كَالْأَوَانِي وَالْمَلَاعِقِ وَالْمَجَامِرِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمُحَرَّمٌ بِالْقَصْدِ، بِأَنْ يَقْصِدَ الرَّجُلُ بِحُلِيِّ النِّسَاءِ الَّذِي يَمْلِكُهُ - كَالسِّوَارِ وَالْخَلْخَالِ - أَنْ يَلْبَسَهُ غِلْمَانُهُ، أَوْ قَصَدَتِ الْمَرْأَةُ بِحُلِيِّ الرَّجُلِ - كَالسَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ - أَنْ تَلْبَسَهُ هِيَ أَوْ تَلْبَسَهُ جَوَارِيهَا أَوْ غَيْرُهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، أَوْ أَعَدَّ الرَّجُلُ حُلِيَّ الرِّجَالِ لِنِسَائِهِ وَجَوَارِيهِ، أَوْ أَعَدَّتِ الْمَرْأَةُ حُلِيَّ النِّسَاءِ لِزَوْجِهَا وَغِلْمَانِهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ.
وَلَوِ اتَّخَذَ حُلِيًّا وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ اسْتِعْمَالًا مُبَاحًا وَلَا مُحَرَّمًا، بَلْ قَصَدَ كَنْزَهُ - فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: فِيهِ خِلَافٌ.
وَهَلْ يَجُوزُ إِلْبَاسُ حُلِيِّ الذَّهَبِ الْأَطْفَالَ الذُّكُورَ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي إِلْبَاسِهِمُ الْحَرِيرَ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: جَوَازُهُ مَا لَمْ يَبْلُغُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا: لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ، فَاتَّخَذَ حُلِيًّا مُبَاحًا فِي عَيْنِهِ، لَمْ يَقْصِدْ بِهِ اسْتِعْمَالًا وَلَا كَنْزًا، أَوِ اتَّخَذَهُ لِيُؤَجِّرَهُ مِمَّنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْأَصَحِّ.
كَمَا لَوِ اتَّخَذَهُ لِيُعِيرَهُ.
وَلَا اعْتِبَارَ بِالْأُجْرَةِ، كَأُجْرَةِ الْمَاشِيَةِ الْعَوَامِلِ.
فَرْعٌ
حُكْمُ الْقَصْدِ الطَّارِئِ بَعْدَ الصِّيَاغَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا حُكْمُ الْمُقَارَنِ.
فَلَوِ اتَّخَذَهُ قَاصِدًا اسْتِعْمَالًا مُحَرَّمًا ثُمَّ غَيَّرَ قَصْدَهُ إِلَى مُبَاحٍ بِطَلَ الْحَوْلُ.
فَلَوْ عَادَ الْقَصْدُ الْمُحَرَّمُ ابْتَدَأَ الْحَوْلُ، وَكَذَا لَوْ قَصَدَ الِاسْتِعْمَالَ ثُمَّ قَصَدَ كَنْزًا، ابْتَدَأَ الْحَوْلُ، وَكَذَا نَظَائِرُهُ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا: لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ، فَانْكَسَرَ، فَلَهُ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْكَسِرَ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ، فَلَا تَأْثِيرَ لِانْكِسَارِهِ.
الثَّانِي: يَنْكَسِرُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ وَيُحْوِجُ إِلَى سَبْكٍ وَصَوْغٍ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ، وَأَوَّلُ الْحَوْلِ وَقْتُ الِانْكِسَارِ.
الثَّالِثُ: يَنْكَسِرُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَوْغٍ، وَيَقْبَلُ الْإِصْلَاحَ بِالْإِلْحَامِ، فَإِنْ قُصِدَ جَعْلُهُ تِبْرًا أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ قُصِدَ كَنْزُهُ - انْعَقَدَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ الِانْكِسَارِ.
وَإِنْ قُصِدَ إِصْلَاحُهُ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا زَكَاةَ وَإِنْ تَمَادَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ، لِدَوَامِ صُورَةِ الْحُلِيِّ وَقَصْدِ الْإِصْلَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ هَذَا وَلَا ذَاكَ، فَفِيهِ خِلَافٌ.
قِيلَ: وَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَرْجَحُهُمَا: الْوُجُوبُ.
فَصْلٌ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْحُلِيِّ
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا لِيُعْلَمَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَمَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ.
فَالْمَذْهَبُ: أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَعَلَى الْإِبَاحَةِ لِلنِّسَاءِ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ التَّحْرِيمِ عَلَى الرِّجَالِ مَوْضِعَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِمَنْ قُطِعَ أَنْفُهُ اتِّخَاذُ أَنْفٍ مِنْ ذَهَبٍ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنِ اتِّخَاذِهِ فِضَّةً، وَفِي مَعْنَى الْأَنْفِ: السِّنُّ وَالْأُنْمُلَةُ، فَيَجُوزُ اتِّخَاذُهُمَا ذَهَبًا، وَمَا جَازَ مِنَ الذَّهَبِ فَمِنَ الْفِضَّةِ أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ أُصْبُعُهُ أَنْ يَتَّخِذَهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ.
قُلْتُ: وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَمْوِيهُ الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَغَيْرِهِمَا تَمْوِيهًا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِالتَّحْرِيمِ.
وَأَمَّا اتِّخَاذُ سِنٍّأَوْ أَسْنَانٍ مِنْ ذَهَبٍ لِلْخَاتَمِ، فَقَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِتَحْرِيمِهِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يَبْعُدُ تَشْبِيهُهُ بِالضَّبَّةِ الصَّغِيرَةِ فِي الْإِنَاءِ، وَكُلُّ حُلِيٍّ حَرَّمْنَاهُ عَلَى الرِّجَالِ حَرَّمْنَاهُ عَلَى الْخُنْثَى، عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: فِي وُجُوبِهَا الْقَوْلَانِ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ، وَأَشَارَ فِي «التَّتِمَّةِ» إِلَى أَنَّ لَهُ لُبْسَ حُلِيِّ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ لُبْسُهَا فِي الصِّغَرِ فَتَبْقَى.
وَأَمَّا الْفِضَّةُ: فَيَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّخَتُّمُ بِهَا، وَهَلْ لَهُ لُبْسُ مَا سِوَى الْخَاتَمِ مِنْ حُلِيِّ الْفِضَّةِ، كَالدُّمْلُجِ، وَالسِّوَارِ، وَالطَّوْقِ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ: يَحْرُمُ، وَقَالَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» وَالْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفِضَّةِ إِلَّا تَحْرِيمُ الْأَوَانِي، وَتَحْرِيمُ التَّحَلِّي عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ التَّشْبِيهَ بِالنِّسَاءِ.
وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَحْلِيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ كَالسَّيْفِ، وَالرُّمْحِ، وَأَطْرَافِ السِّهَامِ، وَالدِّرْعِ، وَالْمِنْطَقَةِ، وَالرَّانَيْنِ، وَالْخُفِّ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ يَغِيظُ الْكُفَّارَ.
وَفِي تَحْلِيَةِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَالثَّفَرِ
وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ وَالرَّبِيعِ، وَمُوسَى بْنِ أَبِي جَارُودٍ، وَأَجْرَوْا هَذَا الْخِلَافَ فِي الرِّكَابِ وَبُرَةِ النَّاقَةِ مِنَ الْفِضَّةِ.
وَقَطَعَ كَثِيرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِتَحْرِيمِ الْقِلَادَةِ لِلدَّابَّةِ، وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا بِالذَّهَبِ قَطْعًا.
وَيَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ تَحْلِيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُنَّ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالرِّجَالِ وَلَيْسَ لَهُنَّ التَّشَبُّهُ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّ آلَاتِ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيَةٍ إِمَّا أَنْ يَجُوزَ لُبْسُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا لِلنِّسَاءِ، أَوْ لَا.
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ مَلَابِسِ الرِّجَالِ، إِنَّمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ دُونَ التَّحْرِيمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ: وَلَا أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسَ اللُّؤْلُؤِ إِلَّا لِلْأَدَبِ وَأَنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ، لَا لِلتَّحْرِيمِ، فَلَمْ يُحَرِّمْ زِيَّ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَلِأَنَّ الْمُحَارِبَةَ جَائِزَةٌ لِلنِّسَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِي جَوَازِهَا جَوَازُ لُبْسِ آلَاتِهَا، وَإِذَا جَازَ اسْتِعْمَالُهَا غَيْرَ مُحَلَّاةٍ، جَازَ مَعَ التَّحْلِيَةِ؛ لِأَنَّ التَّحَلِّيَ لَهُنَّ أَجْوَزُ مِنْهُ لِلرِّجَالِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قُلْتُ: الصَّوَابُ أَنَّ تَشَبُّهَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَعَكْسَهُ حَرَامٌ؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِتَحْرِيمِهِ بَعْدَ هَذَا بِأَسْطُرٍ.
وَأَمَّا نَصُّهُ فِي الْأُمِّ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِهَذَا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ زِيِّ النِّسَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجُوزُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُ أَنْوَاعِ الْحُلِيِّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، كَالطَّوْقِ، وَالْخَاتَمِ، وَالسِّوَارِ، وَالْخَلْخَالِ، وَالتَّعَاوِيذِ.
وَفِي اتِّخَاذِهِنَّ النِّعَالَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ كَسَائِرِ الْمَلْبُوسَاتِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِلْإِسْرَافِ.
وَأَمَّا التَّاجُ فَقَالُوا: إِنْ جَرَتْ عَادَةُ النِّسَاءِ بِلُبْسِهِ جَازَ، وَإِلَّا فَهُوَ لِبَاسُ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ، فَيَحْرُمُ.
وَكَأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِعَادَةِ أَهْلِ النَّوَاحِي، فَحَيْثُ جَرَتْ عَادَةُ النِّسَاءِ بِلُبْسِهِ
جَازَ، وَحَيْثُ لَمْ تَجْرِ لَا يَجُوزُ؛ حِذَارًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ، وَفِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي تُثْقَبُ وَتُجْعَلُ فِي الْقِلَادَةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ.
وَفِي لُبْسِ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدَانَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُنَّ اتِّخَاذُ زِرِّ الْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ وَالْفَرْجِيَّةِ مِنْهُمَا، وَلَعَلَّهُ جَوَابٌ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.
ثُمَّ كُلُّ حُلِيِّ أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَرَفٌ، فَإِنْ كَانَ كَخَلْخَالٍ وَزْنُهُ مِائَتَا دِينَارٍ، فَوَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ: التَّحْرِيمُ، وَمِثْلُهُ إِسْرَافُ الرَّجُلِ فِي آلَاتِ الْحَرْبِ، وَلَوِ اتَّخَذَ خَوَاتِيمَ كَثِيرَةً، أَوِ الْمَرْأَةُ خَلَاخِلَ كَثِيرَةً؛ لِيَلْبَسَ الْوَاحِدُ مِنْهُمَا بَعْدَ الْوَاحِدِ، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ.
فَرْعٌ
جَمِيعُ مَا سَبَقَ هُوَ فِيمَا يَتَحَلَّى بِهِ لُبْسًا، فَأَمَّا الْأَوَانِي مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَمِيعًا اسْتِعْمَالُهَا، وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ فِي بَابِ الْأَوَانِي، وَفِي تَحْلِيَةِ سَكَاكِينِ الْخِدْمَةِ وَسِكِّينِ الْمَقْلَمَةِ بِالْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ، وَالْمَذْهَبُ: تَحْرِيمُهَا عَلَى النِّسَاءِ.
وَفِي تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، وَنُقِلَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ وَحَرْمَلَةَ، وَنُقِلَ التَّحْرِيمُ عَنْ نَصِّهِ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ.
وَفِي تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: إِنْ كَانَ الْمُصْحَفُ لِامْرَأَةٍ، جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ، حَرُمَ، وَالثَّانِي: يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: يَحِلُّ مُطْلَقًا، وَالرَّابِعُ: يَجُوزُ تَحْلِيَةُ نَفْسِ الْمُصْحَفِ دُونَ غِلَافِهِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا تَحْلِيَةُ سَائِرِ الْكُتُبِ، فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا تَحْلِيَةُ الدَّوَاةِ، وَالْمَقْلَمَةِ، وَالْمِقْرَاضِ، فَحَرَامٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ إِلَى طَرْدِ الْخِلَافِ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ.
وَفِي تَحْلِيَةِ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهَا فِيهَا، وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ،
فَإِنَّهُ لَا يُنْقَلُ عَنِ السَّلَفِ، وَالثَّانِي: الْجَوَازُ كَمَا يَجُوزُ سَتْرُ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ، وَحُكْمُ الزَّكَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، لَكِنْ لَوْ جُعِلَ الْمُتَّخَذُ وَقْفًا فَلَا زَكَاةَ بِحَالٍ.
فَرْعٌ
إِذَا أَوْجَبْنَا الزَّكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ، فَاخْتَلَفَ قِيمَتُهُ وَوَزْنُهُ بِأَنْ كَانَ لَهَا خَلَاخِلُ وَزْنُهَا مِائَتَانِ وَقِيمَتُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ، أَوْ فُرِضَ مِثْلُهُ فِي الْمَنَاطِقِ الْمُحَلَّاةِ لِلرَّجُلِ، فَالِاعْتِبَارُ فِي الزَّكَاةِ بِقِيمَتِهَا أَوْ وَزْنِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ: بِقِيمَتِهَا، فَعَلَى هَذَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ رُبُعَ عُشْرِ الْحُلِيِّ مُشَاعًا، ثُمَّ يَبِيعَهُ السَّاعِي وَيُفَرِّقَ الثَّمَنَ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ مَصُوغَةً قِيمَتُهَا سِتَّةٌ وَنِصْفٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْسِرَهُ فَيُخْرِجَ خَمْسَةً مُكَسَّرَةً؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْهُ عَنِ الذَّهَبِ مَا يُسَاوِي سَبْعَةً وَنِصْفًا، لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِإِمْكَانِ تَسْلِيمِ رُبُعِ الْعُشْرِ مُشَاعًا وَبَيْعِهِ بِالذَّهَبِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ لِلْحَاجَةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ إِنَاءٌ وَزْنُهُ مِائَتَانِ، وَيَرْغَبُ فِيهِ بِثَلَاثِمِائَةٍ، فَإِنْ جَوَّزْنَا اتِّخَاذَهُ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الْحُلِيِّ، وَإِنْ حَرَّمْنَا فَلَا قِيمَةَ لِصَنْعَتِهِ شَرْعًا، فَلَهُ إِخْرَاجُ خُمُسِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَهُ كَسْرُهُ وَإِخْرَاجُ خُمُسِهِ مِنْهُ، وَلَهُ إِخْرَاجُ رُبُعِ عُشْرِهِ مُشَاعًا، وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الذَّهَبِ بَدَلًا.
وَكُلُّ حُلِيٍ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فَحُكْمُ صَنْعَتِهِ حُكْمُ صَنْعَةِ الْإِنَاءِ، فَفِي ضَمَانِهَا عَلَى كَاسِرِهَا وَجْهَانِ.
وَمَا يَحِلُّ لِبَعْضِ النَّاسِ، فَعَلَى كَاسِرِهِ ضَمَانُهُ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّحَلِّي كَالضَّبَّةِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْإِنَاءِ لِلزِّينَةِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَهُ حُكْمُ الْحَرَامِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ قَطْعًا.
وَقَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ: الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَالْمُبَاحِ.
قُلْتُ: وَلَوْ وَقَفَ حُلِيًّا عَلَى قَوْمٍ يَلْبَسُونَهُ أَوْ يَنْتَفِعُونَ بِأُجْرَتِهِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ قَطْعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ
زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَاجِبَةٌ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ، وَنُقِلَ عَنِ الْقَدِيمِ تَرْدِيدُ قَوْلٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ فِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ خِلَافَ الْجَدِيدِ.
وَمَالُ التِّجَارَةِ: كُلُّ مَا قُصِدَ الِاتِّجَارُ فِيهِ عِنْدَ اكْتِسَابِ الْمِلْكِ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ.
وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْقُيُودِ أَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ التِّجَارَةِ لَا تُصَيِّرُ الْمَالَ مَالَ تِجَارَةٍ، فَلَوْ كَانَ لَهُ عَرْضُ قِنْيَةٍ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَجَعَلَهُ لِلتِّجَارَةِ، لَمْ يَصِرْ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ، وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَصِيرُ.
وَأَمَّا إِذَا اقْتَرَنَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ بِالشِّرَاءِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَى يَصِيرُ مَالَ تِجَارَةٍ، وَيَدْخُلُ فِي الْحَوْلِ، سَوَاءٌ اشْتُرِيَ بِعَرْضٍ أَوْ نَقْدٍ، أَوْ دَيْنِ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ.
وَإِذَا ثَبَتَ حُكْمُ التِّجَارَةِ، لَا تَحْتَاجُ كُلُّ مُعَامَلَةٍ إِلَى نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ.
وَفِي مَعْنَى الشِّرَاءِ، لَوْ صَالَحَ عَنْ دَيْنٍ لَهُ فِي ذِمَّةِ إِنْسَانٍ عَلَى عَرْضٍ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ، صَارَ لِلتِّجَارَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ قَرْضًا، أَوْ ثَمَنَ مَبِيعٍ، أَوْ ضَمَانَ مُتْلَفٍ.
وَكَذَلِكَ الِاتِّهَابُ بِشَرْطِ الثَّوَابِ إِذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ.
وَأَمَّا الْهِبَةُ الْمَحْضَةُ، وَالِاحْتِطَابُ، وَالِاحْتِشَاشُ، وَالِاصْطِيَادُ، وَالْإِرْثُ، فَلَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التِّجَارَةِ، وَلَا أَثَرَ لِاقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِهَا.
وَكَذَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالِاسْتِرْدَادُ، حَتَّى لَوْ بَاعَ عَرْضَ قِنْيَةٍ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ، ثُمَّ وَجَدَ بِمَا أَخَذَهُ عَيْبًا فَرَدَّهُ، وَاسْتَرَدَّ الْأَوَّلَ عَلَى قَصْدِ التِّجَارَةِ، أَوْ وَجَدَ صَاحِبُهُ بِمَا أَخَذَ عَيْبًا، فَرَدَّهُ، فَقَصَدَ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ التِّجَارَةَ، لَمْ يَصِرْ مَالَ تِجَارَةٍ.
وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثَوْبُ قِنْيَةٍ، فَاشْتَرَى بِهِ عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ الثَّوْبُ بِالْعَيْبِ، انْقَطَعَ حَوْلُ التِّجَارَةِ، وَلَمْ يَكُنِ الثَّوْبُ الْمَرْدُودُ مَالَ تِجَارَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الثَّوْبُ لِلتِّجَارَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَبْقَى حُكْمُ التِّجَارَةِ فِيهِ.
وَكَذَا لَوْ تَبَايَعَ تَاجِرَانِ، ثُمَّ تَقَايَلَا، يَسْتَمِرُّ حُكْمُ التِّجَارَةِ فِي الْمَالَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثَوْبٌ لِلتِّجَارَةِ، فَبَاعَهُ بِعَبْدٍ لِلْقِنْيَةِ، فَرُدَّ عَلَيْهِ الثَّوْبُ بِالْعَيْبِ، لَمْ يَعُدْ إِلَى حُكْمِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْقِنْيَةِ قَطْعُ حَوْلِ التِّجَارَةِ.
وَالرَّدُّ وَالِاسْتِرْدَادُ لَيْسَا مِنَ التِّجَارَةِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ الْقِنْيَةَ بِمَالِ التِّجَارَةِ الَّذِي عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ قِنْيَةً.
وَلَوْ نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ جَعْلَهُ لِلتِّجَارَةِ لَا يُؤَثِّرُ حَتَّى تَقْتَرِنَ النِّيَّةُ بِتِجَارَةٍ جَدِيدَةٍ.
وَلَوْ خَالَعَ وَقَصَدَ بِعِوَضِ الْخُلْعِ التِّجَارَةَ، أَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ، أَوْ نُكِحَتِ الْحُرَّةُ وَنَوَيَا التِّجَارَةَ فِي الصَّدَاقِ - فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ مَالَ تِجَارَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ عُقُودِ التِّجَارَاتِ وَالْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ، وَأَصَحُّهُمَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ سِوَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ مَالَ تِجَارَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ تَثْبُتُ فِيهَا الشُّفْعَةُ.
وَطَرَدُوا الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَالِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ عَنِ الدَّمِ، وَالَّذِي أَجَّرَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ إِذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، وَفِيمَا إِذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَنَافِعِ بِأَنْ كَانَ يَسْتَأْجِرُ الْمُسْتَغَلَّاتِ وَيُؤَجِّرُهَا عَلَى قَصْدِ التِّجَارَةِ.
فَصْلٌ
الْحَوْلُ مُعْتَبَرٌ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالنِّصَابُ مُعْتَبَرٌ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ.
لَكِنْ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِهِ، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَعَبَّرَ عَنْهَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ بِأَقْوَالٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا أَوْجُهٌ.
الْأَوَّلُ مِنْهَا مَنْصُوصٌ، وَالْآخَرَانِ مُخَرَّجَانِ، فَالْأَوَّلُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ فَقَطْ، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ دُونَ وَسَطِهِ، وَالثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، حَتَّى لَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنِ النِّصَابِ فِي لَحْظَةٍ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، فَإِنْ كَمُلَ بَعْدَ ذَلِكَ، ابْتَدَأَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، فَاشْتَرَى عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، انْعَقَدَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ، وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا آخِرَ الْحَوْلِ، وَإِذَا احْتَمَلْنَا نُقْصَانَ النِّصَابِ فِي غَيْرِ آخِرِ الْحَوْلِ، فَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ تَرَبَّصَ بِسِلْعَتِهِ حَتَّى تَمَّ الْحَوْلُ وَهِيَ نِصَابٌ.
فَأَمَّا لَوْ بَاعَهَا بِسِلْعَةٍ أُخْرَى فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ وَيَبْتَدِئُ
حَوْلُ السِّلْعَةِ الْأُخْرَى مِنْ حِينِ مِلْكِهَا، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ كَمَا لَوْ تَرَبَّصَ بِسِلْعَتِهِ، وَلَا أَثَرَ لِلْمُبَادَلَةِ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ.
وَلَوْ بَاعَهَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ بِنَقْدٍ دُونَ النِّصَابِ، ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَتَمَّ الْحَوْلُ وَقِيمَتُهَا نِصَابٌ - فَوَجْهَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَمْثَلُ مِنْهُ فِي الْأُولَى؛ لِتَحَقُّقِ النُّقْصَانِ حِسًّا، وَرَأَيْتُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَمِيلُونَ إِلَى انْقِطَاعِ الْحَوْلِ.
وَلَوْ بَاعَهَا بِالدَّرَاهِمِ، وَالْحَالُ تَقْتَضِي التَّقْوِيمَ بِالدَّنَانِيرِ، فَهُوَ كَبَيْعِ السِّلْعَةِ بِالسِّلْعَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ تَمَّ الْحَوْلُ وَقِيمَةُ سِلْعَتِهِ دُونَ النِّصَابِ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: يَسْقُطُ حُكْمُ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَيَبْتَدِئُ حَوْلًا ثَانِيًا، وَالثَّانِي: لَا يَنْقَطِعُ، بَلْ مَتَى بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ حَوْلًا ثَانِيًا.
فَرْعٌ فِي بَيَانِ ابْتِدَاءِ حَوْلِ التِّجَارَةِ
مَالُ التِّجَارَةِ تَارَةً يَمْلِكُهُ بِنَقْدٍ، وَتَارَةً بِغَيْرِهِ، فَإِنْ مَلَكَهُ بِنَقْدٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ نِصَابًا بِأَنِ اشْتَرَى بِعِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ مَلَكَ ذَلِكَ النَّقْدَ، وَيُبْنَى حَوْلُ التِّجَارَةِ عَلَيْهِ، هَذَا إِذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ النَّصَّابِ، أَمَّا إِذَا اشْتَرَى بِنِصَابٍ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ نَقَدَهُ فِي ثَمَنِهِ، فَيَنْقَطِعُ حَوْلُ النَّقْدِ، وَيَبْتَدِئُ حَوْلُ التِّجَارَةِ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ النَّقْدُ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْمَالِ دُونَ النِّصَابِ، ابْتَدَأَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ مَلَكَ عَرْضَ التِّجَارَةِ إِذَا قُلْنَا: لَا يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ الْحَوْلُ قَبْلَ الشِّرَاءِ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى
بِهِ لَمْ يَكُنْ مَالَ زَكَاةٍ لِنَقْصِهِ.
أَمَّا إِذَا مَلَكَ بِغَيْرِ نَقْدٍ فَلَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَرْضُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ، فَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ مَلَكَ مَالَ التِّجَارَةِ إِنْ كَانَ قِيمَةُ الْعَرْضِ نِصَابًا، أَوْ كَانَتْ دُونَهُ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّ النِّصَابَ لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، بِأَنْ مَلَكَهُ بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّ حَوْلَ الْمَاشِيَةِ يَنْقَطِعُ، وَيَبْتَدِئُ حَوْلُ التِّجَارَةِ مِنْ حِينِ مَلَكَ مَالَ التِّجَارَةِ، وَلَا يَبْنِي، لِاخْتِلَافِ الزَّكَاتَيْنِ قَدْرًا وَوَقْتًا، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَبْنِي عَلَى حَوْلِ السَّائِمَةِ، كَمَا لَوْ مَلَكَ بِنِصَابٍ مِنَ النَّقْدِ.
ثُمَّ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَالنَّقْدِ يَبْنِي حَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَإِذَا بَاعَ مَالَ تِجَارَةٍ بِنَقْدٍ بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ بَنَى حَوْلَ النَّقْدِ عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ، كَمَا يَبْنِي التِّجَارَةَ عَلَى النَّقْدِ.
فَصْلٌ
رِبْحُ مَالِ التِّجَارَةِ ضَرْبَانِ: حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ نَضُوضِ الْمَالِ، وَحَاصِلٌ مَعَ نُضُوضِهِ.
فَالْأَوَّلُ: مَضْمُومٌ إِلَى الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ، كَالنِّتَاجِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: حَكَى الْأَئِمَّةُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ.
لَكِنْ مَنْ يَعْتَبِرُ النِّصَابَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ قَدْ لَا يُسَلِّمُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الرِّبْحِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَقُولَ: ظُهُورُ الرِّبْحِ فِي أَثْنَائِهِ كَنُضُوضِهِ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ: مَا سَبَقَ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوِ اشْتَرَى عَرْضًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَصَارَتْ قِيمَتُهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ثَلَاثَمِائَةٍ، زَكَّى ثَلَاثَمِائَةٍ فِي آخِرِ الْحَوْلِ وَإِنْ كَانَ ارْتِفَاعُ الْقِيمَةِ قَبْلَ آخَرِ الْحَوْلِ بِلَحْظَةٍ.
وَلَوِ ارْتَفَعَتْ بَعْدَ الْحَوَلِ، فَالرِّبْحُ مَضْمُومٌ إِلَى الْأَصْلِ فِي الْحَوَلِ الثَّانِي كَالنِّتَاجِ.