كِتَابُ الْوَصَايَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لِكَوْنِ التَّرِكَةِ زَادَتْ بِمَا أَدَّى؟ فِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ زِيدَتْ، فَطَرِيقُ الْحِسَابِ، أَنَّ الْكِتَابَةَ تَصِحُّ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعَبْدِ، وَيُؤَدِّي الْمُكَاتِبُ عَنْهُ شَيْئًا، وَالْفَرْضُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ النُّجُومُ مِثْلَ الْقِيمَةِ، فَيَحْصُلُ لِلْوَرَثَةِ مِنَ الرَّقَبَةِ وَمَالِ الْكِتَابَةِ مِثْلُ عَبْدٍ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ ضِعْفَ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْكِتَابَةُ وَهُوَ شَيْئَانِ، فَالشَّيْءُ نِصْفُ الْعَبْدِ، فَإِذَا أَدَّى نُجُومَ النِّصْفِ، عَتَقَ [نِصْفُهُ] ، وَاسْتَرَدَّ مِنَ الْوَرَثَةِ كَسْبَ سُدْسِهِ، فَيَحْصُلُ لِلْوَرَثَةِ نِصْفُ الرَّقَبَةِ وَنِصْفُ النُّجُومِ، وَذَلِكَ ضِعْفُ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْكِتَابَةُ.
وَلَوْ كَاتَبَ فِي الصِّحَّةِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي الْمَرَضِ، أَوْ أَبْرَأَهُ عَنِ النُّجُومِ، نُظِرَ، إِنْ عَجَزَ نَفْسُهُ، عَتَقَ ثُلْثُهُ، وَرَقَّ ثُلْثَاهُ.
وَإِنِ اسْتَدَامَ الْكِتَابَةَ، فَإِنْ كَانَتِ النُّجُومُ مِثْلَ الْقِيمَةِ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: يَعْتِقُ ثُلْثُهُ، وَتَبْقَى الْكِتَابَةُ فِي ثُلْثَيْهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَعْتِقُ ثُلْثُهُ حَتَّى يُسَلَّمَ الثُّلْثَانِ لِلْوَرَثَةِ، إِمَّا بِالْعَجْزِ، وَإِمَّا بِأَدَاءِ نُجُومِ الثُّلْثَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ النُّجُومِ وَالْقِيمَةِ تَفَاوُتٌ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ كَانَتِ النُّجُومُ أَقَلَّ، عَتَقَ ثُلْثُهُ، وَسَقَطَ ثُلُثُ النُّجُومِ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ثُلْثَا النُّجُومِ إِنْ أَدَّى، وَإِلَّا، فَثُلْثَا الرَّقَبَةِ.
وَإِنْ كَانَتِ الرَّقَبَةُ أَقَلَّ، بِأَنْ كَانَتْ مِائَةً، وَالنُّجُومُ مِائَتَيْنِ، حَصَلَ الدَّوْرُ، فَيُقَالُ: عَتَقَ شَيْءٌ، وَسَقَطَ مِنَ النُّجُومِ شَيْئَانِ، يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ مِنَ النُّجُومِ مَائَتَا دِرْهَمٍ إِلَّا شَيْئَيْنِ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ ضِعْفَ مَا عَتَقَ وَهُوَ شَيْئَانِ، فَبَعْدَ الْجَبْرِ: مِائَتَانِ تَعْدِلَانِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، فَالشَّيْءُ رُبْعُ الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ نِصْفُ الْعَبْدِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الَّذِي عَتَقَ نِصْفُ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ يَسْقُطُ نِصْفُ النُّجُومِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: فَإِنْ عَجَّلَ مَا عَلَيْهِ مِنَ النُّجُومِ، عَتَقَ نِصْفُهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا، لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِ شَيْءٍ.
ثُمَّ كُلَّمَا أَدَّى شَيْئًا، حُكِمَ بِعِتْقِ نِصْفِ مَا أَدَّى حَتَّى يُؤَدِّيَ نِصْفَ الْكِتَابَةِ وَيَسْتَوْفِيَ وَصِيَّتَهُ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ يَتَوَلَّدُ الدَّوْرُ فِيهَا مِنْ أَصْلَيْنِ
مَسْأَلَةٌ: أَعْتَقَ مَرِيضٌ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ السَّيِّدُ، فَهَلْ يَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي جَمِيعِهِ إِذْ لَا تَرِكَةَ، أَمْ لَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ الْمَحْكُومِ بِعِتْقِهِ؟
فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: قِيَاسُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ الثَّانِي، فَإِنْ تَرَكَ السَّيِّدُ مَالًا إِذَا قُضِيَتِ الدِّيَةُ مِنْهُ كَانَ الْبَاقِي ضِعْفَ قِيمَتِهِ، فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ تَرَكَ مِنَ الْمَالِ دُونَ ذَلِكَ، عَتَقَ بَعْضُهُ، وَلَزِمَ السَّيِّدَ قِسْطُ مَا عَتَقَ مِنَ الدِّيَةِ، وَلَا يَرِثُ السَّيِّدُ مِنْ دِيَتِهِ، لِأَنَّهُ قَاتِلٌ، بَلْ إِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ أَقْرَبَ مِنْ سَيِّدِهِ، فَهِيَ لَهُ، وَإِلَّا، فَلِأَقْرَبِ عَصَبَاتِ السَّيِّدِ.
مِثَالُهُ: قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ إِبِلِ الدِّيَةِ ثَلَثُمِائَةٍ، وَلَوْ تَرَكَ السَّيِّدُ ثَلَثَمِائَةً، فَتَقُولُ: عَتَقَ شَيْءٌ، وَعَلَى السَّيِّدِ مِنَ الدِّيَةِ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهِ، وَبَاقِي الْعَبْدِ الَّذِي بَطَلَ الْعِتْقُ فِيهِ قَدْ أَتْلَفَهُ بِالْقَتْلِ، فَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا ثَلَاثَمِائَةٍ، وَهِيَ مِثْلُ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ، يَقْضِي مِنْهَا مَا وَجَبَ مِنَ الدِّيَةِ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ تَعْدِلُ ضِعْفَ مَا عَتَقَ وَهُوَ شَيْئَانِ، فَتُجْبَرُ وَتُقَابَلُ، فَثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ تَعْدِلُ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ، فَتَقْلِبُ الِاسْمَ، فَالْعَبْدُ خَمْسَةٌ، وَالشَّيْءُ ثَلَاثَةٌ، يَعْتِقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَهُوَ سِتُّونَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ؛ وَهِيَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ، يَبْقَى مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ضِعْفَ مَا عَتَقَ.
مَسْأَلَةٌ: أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عَبْدًا، فَجَنَى الْعَبْدُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِقَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ، وَلَا مَالَ لِلسَّيِّدِ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ مِثْلَ قِيمَتِهِ فَأَكْثُرُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ دَيْنٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ دُونَهَا، بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً، وَالْأَرْشُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، عَتَقَ شَيْءٌ، وَرَقَّ الْبَاقِي، وَالْأَرْشُ يَتَوَزَّعُ عَلَيْهِمَا، فَحِصَّةُ مَا عَتَقَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَحِصَّةُ مَا رَقَّ تُؤَدَّى مِنْهُ إِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ التَّسْلِيمَ، وَالْأَرْشُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْقِيمَةِ، فَعَلَى
السَّيِّدِ تَسْلِيمُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ مَا رَقَّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ عَبْدٍ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ شَيْءٍ، يَبْقَى مَعَ وَرَثَتِهِ رُبُعُ عَبْدٍ إِلَّا رُبُعَ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَبَعْدَ الْجَبْرِ: رُبُعُ عَبْدٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَرُبُعَ شَيْءٍ، فَتَبْسُطُهَا أَرْبَاعًا، وَتَقْلِبُ الِاسْمَ، فَالْعَبْدُ تِسْعَةٌ، وَالشَّيْءُ وَاحِدٌ، فَيَعْتِقُ مِنْهُ سَبْعَةٌ، وَيَرِقُّ الْبَاقِي، فَيُسَلَّمُ فِي الْجِنَايَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ؛ وَهِيَ سِتَّةُ أَتْسَاعٍ، يَبْقَى مَعَ الْوَرَثَةِ تُسْعَانِ ضِعْفَ مَا عَتَقَ.
الطَّرَفُ الْخَامِسُ: فِي مَسَائِلِ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ.
مَقْصُودُهُ: أَنْ يُخْلِفَ الْمَيِّتُ عَيْنًا وَدَيْنًا عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ، أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَنَصِيبُ الْوَارِثِ بَعْضُ مَا عَلَيْهِ بِالْإِرْثِ، أَوِ الْأَجْنَبِيُّ بَعْضُ مَا عَلَيْهِ بِوَصِيَّةٍ.
وَأَوَّلُ مَا نُقَدِّمُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا لَمْ يُخْلِفْ إِلَّا دَيْنًا عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ، بَرِئَ مَنْ عَلَيْهِ مِنْ حِصَّتِهِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ بَرَاءَتُهُ عَلَى تَوْفِيرِ حِصَّةِ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِرْثِ لَا يَتَأَخَّرُ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا.
وَلَوْ خَلَفَ عَيْنًا وَدَيْنًا عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعَيْنِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ، قُسِّمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَمَا أَصَابَ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، دُفِعَ إِلَيْهِ، وَمَا أَصَابَ الْمَدِينَ، دُفِعَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مُقِرًّا مَلِيئًا.
وَإِنْ كَانَ جَاحِدًا أَوْ مُعْسِرًا، فَالْآخَرُ مُسْتَحِقٌّ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ.
وَحُكْمُهُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ نَوْعِ الْعَيْنِ، بِأَنْ خَلَفَ عَشَرَةً عَيْنًا [وَعَشَرَةً دَيْنًا] عَلَى أَحَدِ ابْنَيْهِ الْحَائِزَيْنِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ: يَأْخُذُ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ الْعَشَرَةَ نِصْفُهَا إِرْثًا وَنِصْفُهَا قِصَاصًا بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الدَّيْنِ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ الْقِصَاصِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا بَعِيدٌ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي تَقَاصِّ الدَّيْنَيْنِ، لَا فِي تَقَاصِّ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ، بَلِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِرْثَ يَثْبُتُ شَائِعًا فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، وَلَيْسَ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ الِاسْتِبْدَادُ بِالْعَشَرَةِ إِنْ كَانَ الْمَدِينُ مُقِرًّا مَلِيئًا، فَإِنْ تَرَاضَيَا، أَنْشَآ عَقْدًا، وَإِنْ كَانَ جَاحِدًا أَوْ مُعْسِرًا، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ، لِأَنَّهُ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ الْمُتَعَذِّرِ تَحْصِيلُهُ.
وَلَوْ خَلَفَ دَيْنًا وَعَيْنًا، وَأَوْصَى بِالدَّيْنِ لِإِنْسَانٍ وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ أَوْ أَقَلُّ،
فَحَقُّهُ مُنْحَصِرٌ فِيهِ، فَمَا نَضَّ دُفِعَ إِلَيْهِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ الدَّيْنِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا نَضَّ مِنْهُ يُضَمُّ إِلَى الْعَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ مَا نَضَّ ثُلُثَ الْجَمِيعِ أَوْ أَقَلَّ، دُفِعَ إِلَى الْمُوصَى لَهُ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كُلَّمَا نَضَّ مِنْهُ شَيْءٌ، دُفِعَ ثُلُثُهُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ وَثُلُثَاهُ إِلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ شَائِعَةٌ فِي الدَّيْنِ.
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَالدَّيْنُ الْمُخَلَّفُ مَعَ الْعَيْنِ مِنْ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَارِثٍ، [وَإِمَّا عَلَى أَجْنَبِيٍّ، وَإِمَّا عَلَيْهِمَا.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: عَلَى وَارِثٍ] ، فَنَصِيبُهُ مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَإِمَّا أَكْثَرَ، وَإِمَّا أَقَلَّ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، فَتُصَحَّحُ الْمَسْأَلَةُ، وَيُطْرَحُ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ نَصِيبُ الْمَدِينِ، وَتُقَسَّمُ الْعَيْنُ عَلَى سِهَامِ الْبَاقِينَ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَى الْمَدِينِ شَيْءٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ.
مِثَالُهُ: زَوْجٌ وَثَلَاثَةُ بَنِينَ، وَتَرَكَ خَمْسَةً دَيْنًا عَلَى ابْنٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ عَيْنًا، فَجُمْلَةُ التَّرِكَةِ عِشْرُونَ، نَصِيبُ كُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ، وَمَا عَلَى الْمَدِينِ مِثْلَ نَصِيبِهِ، فَتُصَحَّحُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَيُطْرَحُ مِنْهَا نَصِيبُ ابْنٍ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ، تُقَسَّمُ الْعَيْنُ عَلَيْهَا، نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ، وَنَصِيبُ الْمَدِينِ يَقَعُ قِصَاصًا، كَذَا أَطْلَقُوهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا رَضِيَ الْمَدِينُ بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ جَاحِدًا، أَوْ مُعْسِرًا.
وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ الْجَوَابُ الْمُطْلَقُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِ، فَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ، فَمَا أَصَابَ الْمَدِينُ، طُرِحَ مِنْهُ مَا عَلَيْهِ، وَيُعْطَى الْبَاقِي مِنَ الْعَيْنِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ أَقَلَّ، فَيُطْرَحُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ نُصِيبُهُ، وَتُقَسَّمُ الْعَيْنُ عَلَى الْبَاقِي، فَمَا خَرَجَ مِنَ الْقِسْمَةِ، يُضْرَبُ فِي نَصِيبِ الْمَدِينِ الَّذِي طُرِحَ، فَمَا بَلَغَ، فَهُوَ
الَّذِي حَيِيَ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ أَنَّ مَا يَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ مِنَ الدَّيْنِ، كَالْمُسْتَوْفَى بِالْمُقَاصَّةِ، فَكَأَنَّهُ حَيِيَ مِنَ الدَّيْنِ، وَلَوْلَا الْمُقَاصَّةُ، فَالدَّيْنُ عَلَى الْمُفْلِسِ مَيِّتٌ فَائِتٌ، ثُمَّ الْبَاقِي مِنَ الدَّيْنِ بَعْدَ الَّذِي حَيِيَ يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَبْقَى شَيْءٌ يُؤَدِّيهِ الْمَدِينُ إِلَى سَائِرِ الْوَرَثَةِ.
وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ السَّاقِطِ وَالْبَاقِي، أَنْ تُقَسَّمَ كُلُّ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَمَا أَصَابَ الْمَدِينُ، طُرِحَ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَمَا بَقِيَ، فَهُوَ الَّذِي يُؤَدِّيهِ الْمَدِينُ، فَيُقَسِّمُهُ سَائِرُ الْوَرَثَةِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ سِهَامِ الْفَرِيضَةِ بَعْدَ إِسْقَاطِ نَصِيبِ الْمَدِينِ.
مِثَالُهُ: الدَّيْنُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ ثَمَانِيَةٌ، وَالْعَيْنُ اثْنَا عَشَرَ، فَسِهَامُ الْفَرِيضَةِ أَرْبَعَةٌ، يُطْرَحُ مِنْهَا نَصِيبُ الْمَدْيُونِ، وَتُقَسَّمُ الْعَيْنُ عَلَى الْبَاقِي، يَخْرُجُ مِنَ الْقِسْمَةِ أَرْبَعَةٌ، تَضْرِبُهَا فِي نَصِيبِ الْمَدِينِ وَهُوَ وَاحِدٌ، يَكُونُ أَرْبَعَةٌ، فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي حَيِيَ مِنَ الدَّيْنِ، يَبْقَى مِنْهُ أَرْبَعَةٌ، تَأْخُذُ مِنْهُ نَصِيبَ الْمَدِينِ مِنَ التَّرِكَةِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، تَطْرَحُهَا مِمَّا عَلَيْهِ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ، فَالثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي تَبْقَى مِنَ الدَّيْنِ، وَيَسْقُطُ وَاحِدٌ، وَتِلْكَ الثَّلَاثَةُ مَقْسُومَةٌ عَلَى سِهَامِهِمْ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةٌ، فَإِنْ كَانَتْ، بِأَنْ خَلَفَ ابْنَيْنِ وَتَرَكَ عَشَرَةً عَيْنًا، وَعَشَرَةً دَيْنًا عَلَى أَحَدِهِمَا، وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، فَوَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا وَيُنْسَبُ إِلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: أَنَّنَا نَنْظُرُ إِلَى الْفَرِيضَةِ الْجَامِعَةِ لِلْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ، لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ سَهْمٌ، فَيَأْخُذُ الْمَدِينُ سَهْمَهُ مِمَّا عَلَيْهِ، وَيَقْتَسِمُ الِابْنُ الْآخَرُ وَزَيْدٌ الْعَيْنَ نِصْفَيْنِ، وَقَدْ حَيِيَ مِنَ الدَّيْنِ خَمْسَةٌ، يَبْقَى خَمْسَةٌ، لِلْمَدِينِ ثَلَاثَةٌ، يَبْقَى [ثَلَاثَةٌ] وَثُلُثٌ، إِذَا أَدَّاهَا اقْتَسَمَهَا الِابْنُ الْآخَرُ وَزَيْدٌ نِصْفَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَيُنْسَبُ إِلَى أَبِي ثَوْرٍ: يَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْعَيْنِ، وَالِابْنُ
الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، يَأْخُذُ ثُلُثًا إِرْثًا، وَالثُّلُثَ قِصَاصًا، فَيَبْرَأُ الْمَدِينُ مِنْ ثُلُثَيِ الدَّيْنِ بِالْإِرْثِ وَالْمُقَاصَّةِ، يَبْقَى عَلَيْهِ ثُلُثُ الدَّيْنِ، يَأْخُذُهُ الْمُوصَى لَهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَيُنْظَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً، اشْتَرَكَتِ الْوَرَثَةُ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَدِينِ، وَإِمَّا لَهُ، وَإِمَّا لَهُمَا.
فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ، بِأَنْ خَلَفَ ابْنَيْنِ، وَتَرَكَ عَشَرَةً عَيْنًا وَعَشَرَةً دَيْنًا عَلَى زَيْدٍ، وَأَوْصَى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ، فَالِابْنَانِ وَعَمْرٍو يَقْتَسِمُونَ الْعَيْنَ أَثْلَاثًا، وَكُلَّمَا حُصِّلَ مِنَ الدَّيْنِ شَيْءٌ اقْتَسَمُوهُ كَذَلِكَ.
وَلَوْ قَيَّدَ الْوَصِيَّةَ بِثُلُثِ الدَّيْنِ، اقْتَسَمَ الِابْنَانِ الْعَيْنَ.
وَأَمَّا الدَّيْنُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُ الدَّيْنُ، يُضَمُّ إِلَى الْعَيْنِ وَيُدْفَعُ ثُلُثُ الدَّيْنِ مِمَّا حَصَّلَ إِلَى زَيْدٍ، وَيُسَمَّى: وَجْهَ الْحَصْرِ، لِأَنَّهُ حَصَرَ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِيمَا يُتَنَجَّزُ مِنَ الدَّيْنِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ مَا يُحَصَّلُ مِنَ الدَّيْنِ يُدْفَعُ إِلَى زَيْدٍ ثُلُثُهُ، وَيُسَمَّى: وَجْهَ الشُّيُوعِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْمَدِينِ، نُظِرَ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ بِالْوَصِيَّةِ، أَهُوَ مِثْلُ الدَّيْنِ، أَمْ أَقَلُّ، أَمْ أَكْثَرُ؟ وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى وَارِثٍ.
وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا، بِأَنْ أَوْصَى - وَالصُّورَةُ مَا سَبَقَ - لِعَمْرٍو بِثُلُثِ الْعَيْنِ، وَلِزَيْدٍ بِمَا عَلَيْهِ، وَرَدَّ الِابْنَانِ الْوَصِيَّتَيْنِ إِلَى الثُّلُثِ، فَيَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ، لِعَمْرٍو سَهْمٌ، وَلِزَيْدٍ ثَلَاثَةٌ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ: الْفَرِيضَةُ الْجَامِعَةُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، لِلْوَصِيَّتَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلِابْنَيْنِ ثَمَانِيَةٌ، فَيَقْتَسِمُ عَمْرٌو وَالِابْنَانِ الْعَيْنَ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ وَهِيَ تِسْعَةٌ، لِعَمْرٍو سَهْمٌ وَتُسْعٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ، وَيَبْرَأُ زَيْدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثُّلُثِ وَهِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، يَبْقَى عَلَيْهِ خَمْسَةٌ، كُلَّمَا أَدَّى شَيْئًا كَانَ بَيْنَ عَمْرٍو وَالِابْنَيْنِ عَلَى تِسْعَةٍ، فَيَحْصُلُ لِعَمْرٍو خَمْسَةُ أَتْسَاعِ دِرْهَمٍ، فَيَتِمُّ لَهُ رُبْعُ الثُّلُثِ وَهُوَ دِرْهَمٌ وَثُلْثَانِ، وَلِلِابْنَيْنِ الْبَاقِي.
ثُمَّ لِيَكُنِ الْمَصْرُوفُ إِلَى عَمْرٍو عِنْدَ خُرُوجِ الدَّيْنِ مِنْ نَفْسِ الْعَيْنِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْمَنْسُوبِ إِلَى أَبِي ثَوْرٍ: لِعَمْرٍو رُبُعُ الثُّلُثِ،
وَهُوَ دِرْهَمٌ وَثُلْثَانِ يَأْخُذُهُ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْبَاقِي مِنَ الْعَيْنِ لِلِابْنَيْنِ، فَيَبْرَأُ الْغَرِيمُ مِنْ خَمْسَةٍ، يَبْقَى عَلَيْهِ [خَمْسَةٌ] ، إِذَا أَدَّاهَا اقْتَسَمَهَا الِابْنَانِ.
وَلَوْ خَلَفَ ابْنَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا عَيْنًا وَعَشَرَةً دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ، وَأَوْصَى لِلْغَرِيمِ بِمَا عَلَيْهِ، وَلِزَيْدٍ بِعَشَرَةٍ مِنَ الْعَيْنِ، وَلَمْ يُجِزِ الِابْنَانِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثُ، فَيَجْعَلُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
ثُمَّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْفَرِيضَةَ الْجَامِعَةَ مِنْ سِتَّةٍ، لِلْوَصِيَّتَيْنِ اثْنَانِ، وَلِلِابْنَيْنِ أَرْبَعَةٌ، فَلِزَيْدٍ مِنَ الْعِشْرِينَ أَرْبَعَةٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ ثَمَانِيَةٌ، وَيَبْرَأُ الْغَرِيمُ عَنْ نِصْفِ الثُّلُثِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، يَبْقَى عَلَيْهِ خَمْسَةٌ، إِذَا حُصِّلَ مِنْهَا شَيْءٌ جُعِلَ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا حَتَّى يُتِمَّ لِزَيْدٍ خَمْسَةً، وَلِكُلِّ ابْنٍ عَشَرَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَدْفَعُ إِلَى زَيْدٍ مِنَ الْعَيْنِ نِصْفَ وَصِيَّتِهِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَيَبْرَأُ الْغَرِيمُ مِنْ نِصْفِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَلِلِابْنَيْنِ بَاقِي الْعَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَيَقْتَصَّانِ بَاقِي الدَّيْنِ وَهُوَ خَمْسَةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا الْوَجْهُ عَلَى ضَعْفِهِ يَجْرِي فِيمَا سَبَقَ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ، بِأَنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ وَعَشَرَةً عَيْنًا وَعَشَرَةً [دَيْنًا] عَلَى أَحَدِهِمَا وَعَشَرَةً [دَيْنًا] عَلَى أَجْنَبِيٍّ، وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، فَعَلَى قِيَاسِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْجُمْهُورِ: الْفَرِيضَةُ الْجَامِعَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، يَجْعَلُ سَهْمَ الْمَدِينِ مَا عَلَيْهِ، وَيَقْتَسِمُ [الِابْنُ] الْآخَرُ وَالْمُوصَى لَهُ الْعَيْنَ نِصْفَيْنِ، وَمَا حُصِّلَ مِمَّا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ اقْتَسَمَاهُ نِصْفَيْنِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْعَيْنِ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَيَبْرَأُ الِابْنُ الْمَدِينُ مِمَّا عَلَيْهِ، وَإِذَا حُصِّلَ مَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَيْهِ، وَالِابْنُ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ ثُلُثَهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ
يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِهَا، كَمَنْ أَوْصَى بِعَبْدٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ نِصْفِهِ، وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي كُلِّ تَبَرُّعٍ مُعَلَّقٍ بِالْمَوْتِ، كَقَوْلِهِ: إِذَا مِتُّ فَلِفُلَانٍ كَذَا، أَوْ فَادْفَعُوا إِلَيْهِ، أَوْ فَأَعْتِقُوا عَبْدِي، أَوْ فَهُوَ وَقْفٌ.
وَفِي الرُّجُوعِ عَنِ التَّدْبِيرِ صَرِيحًا خِلَافٌ، يُذْكَرُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ.
فَصْلٌ
يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِطُرُقٍ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ: نَقَضْتُ وَصِيَّتِي، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا، أَوْ رَفَعْتُهَا، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ رَجَعْتُ عَنْهَا.
وَلَوْ سُئِلَ عَنِ الْوَصِيَّةِ فَأَنْكَرَهَا، فَهُوَ رُجُوعٌ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ.
وَلَوْ قَالَ: هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُوصَى لَهُ، فَرُجُوعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا لِوَارِثِي بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ هُوَ مِيرَاثٌ عَنِّي، فَرُجُوعٌ.
وَلَوْ قَالَ: هُوَ تَرِكَتِي، فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: إِزَالَةُ الْمِلْكِ عَنِ الْمُوصَى بِهِ بِبَيْعٍ أَوْ إِعْتَاقٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ جَعْلِهِ أُجْرَةً، أَوْ عِوَضِ خُلْعٍ، فَهُوَ رُجُوعٌ.
وَالْهِبَةُ مَعَ الْإِقْبَاضِ رُجُوعٌ، وَدُونَهُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالرَّهْنُ كَالْهِبَةِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ بِرُجُوعٍ، لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَأَشْبَهَ الِاسْتِخْدَامَ.
وَالْكِتَابَةُ رُجُوعٌ، وَالتَّدْبِيرُ رُجُوعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إِنْ جَعَلْنَاهُ وَصِيَّةً، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ عَمْرٍو، فَيَكُونُ نِصْفُهُ مُدَبَّرًا.
وَلَوْ أَوْصَى بِالْبَيْعِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ رُجُوعٌ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ رُجُوعٌ، وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ ثُمَّ عَمْرٍو.
وَذَكَرَ صَاحِبُ: ((الْمُعْتَمَدِ))
الْوَجْهَيْنِ، فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِعِتْقِهِ، فَفِي وَجْهٍ: يَعْتِقُ وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى.
وَفِي وَجْهٍ: يَعْتِقُ نِصْفُهُ، وَيُدْفَعُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ نِصْفُهُ.
وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَأَنْ يُنَصَّفَ عَلَى الثَّانِي، لَكِنَّهُ قَالَ: أَحَدُهُمَا: يَتَعَيَّنُ [الْعِتْقُ] ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ.
وَالثَّانِي: التَّنْصِيفُ، وَالتَّوْكِيلُ بِالتَّصَرُّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ كَالْوَصِيَّةِ بِهَا، وَالِاسْتِيلَادُ رُجُوعٌ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُوصَى بِهِ مَغْصُوبٌ أَوْ حُرُّ الْأَصْلِ، أَوْ قَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ فَسَخَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ يَزُولُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ حَصَلَ الرُّجُوعُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَحْصُلُ بِانْقِطَاعِ الْخِيَارِ، فَلَا، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: هُوَ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَقْوَى مِنَ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
فَإِذَا كَانَ الْأَصَحُّ فِيهِمَا حُصُولَ الرُّجُوعِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ رُجُوعٌ، قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي ((الرَّقْمِ)) ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَا لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ.
فَرْعٌ
أَوْصَى بِعَيْنٍ لِزَيْدٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِعَمْرٍو، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رُجُوعٌ عَنِ الْأَوْلَى، فَتَصِحُّ وَصِيَّةُ عَمْرٍو، كَمَا لَوْ وَهَبَ لِزَيْدٍ مَالًا ثُمَّ وَهَبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِعَمْرٍو.
وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ التَّشْرِيكِ، فَيُشْرَكُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ قَالَ دُفْعَةً وَاحِدَةً: أَوْصَيْتُ لَكُمَا، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِهِ لَكُمَا، فَرَدَّ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ إِلَّا نِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ لَهُ إِلَّا النِّصْفَ.
وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو، فَرَدَّ أَحَدُهُمَا، كَانَ لِلْآخَرِ الْجَمِيعُ.
وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ أَوْصَى
بِنِصْفِهِ لِلْآخَرِ، فَإِنْ قَبِلَاهُ، فَثُلُثَاهُ لِلْأَوَّلِ، وَثُلُثَهُ لِلثَّانِي.
وَإِنْ رَدَّ الْأَوَّلَ، فَنِصْفُهُ لِلثَّانِي.
وَإِنْ رَدَّ الثَّانِي، فَكُلُّهُ لِلْأَوَّلِ.
فَرْعٌ
قَالَ: الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِزَيْدٍ، قَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِعَمْرٍو، أَوْ قَالَ لِعَمْرٍو: أَوْصَيْتُ لَكَ بِالْعَبْدِ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِزَيْدٍ، فَهُوَ رُجُوعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لِإِشْعَارِهِ بِهِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ بِرُجُوعٍ كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ.
وَالْفَرْقُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَنَّ هُنَاكَ يَجُوزُ أَنَّهُ نَسِيَ الْوَصِيَّةَ الْأُولَى، فَاسْتَصْحَبْنَاهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَهُنَا بِخِلَافِهِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِبَيْعِهِ وَصَرْفِ ثَمَنِهِ إِلَى الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ قَالَ: بِيعُوهُ وَاصْرِفُوا ثَمَنَهُ إِلَى الرِّقَابِ، جُعِلَ الثَّمَنُ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ مُتَّفِقَتَانِ عَلَى الْبَيْعِ، وَأَنَّ الزَّحْمَةَ فِي الثَّمَنِ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِدَارٍ، أَوْ بِخَاتَمٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِأَبْنِيَةِ الدَّارِ، أَوْ بِفَصِّ الْخَاتَمِ لِآخَرَ، فَالدَّارُ وَالْخَاتَمُ لِلْأَوَّلِ، وَالْأَبْنِيَةُ وَالْفَصُّ بَيْنَهُمَا تَفْرِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِدَارٍ، ثُمَّ أَوْصَى لِآخَرَ بِسُكْنَاهَا، أَوْ بِعَبْدٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ، نَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ أَنَّ الرَّقَبَةَ لِلْأَوَّلِ، وَالْمَنْفَعَةَ لِلثَّانِي، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْمَنْفَعَةِ كَالْأَبْنِيَةِ وَالْفَصِّ.
فَرْعٌ
هَذَا كُلُّهُ فِي الْوَصِيَّةِ بِمُعَيَّنٍ، فَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَّ تَصَرَّفَ فِي جَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ بِبَيْعٍ أَوْ إِعْتَاقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ هَلَكَ جَمِيعُ مَالِهِ، لَمْ تَبْطُلِ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ الْمَالِ مُطْلَقًا لَا يَخْتَصُّ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ حَالَ الْوَصِيَّةِ، بَلِ الْمُعْتَبَرُ مَا يَمْلِكُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ زَادَ أَمْ نَقَصَ أَمْ تَبَدَّلَ.
فَرْعٌ
التَّوَسُّلُ إِلَى أَمْرٍ يَحْصُلُ بِهِ الرُّجُوعُ، كَالْعَرَضِ عَلَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ، رُجُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي مُجَرَّدِ الْإِيجَابِ فِي الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ.
فَرْعٌ
أَوْصَى بِحِنْطَةٍ فَطَحَنَهَا، أَوْ جَعَلَهَا سَوِيقًا، أَوْ بَذَرَهَا، أَوْ بِدَقِيقٍ فَعَجَنَهُ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَكَانَ مَا أَتَى بِهِ رُجُوعًا لِمَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: زَوَالُ الِاسْمِ.
وَالثَّانِي: إِشْعَارُهُ بِإِعْرَاضِهِ عَنِ الْوَصِيَّةِ.
وَنَسَبَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ إِلَى الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَالثَّانِي إِلَى أَبِي إِسْحَاقَ.
فَلَوْ حَصَلَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ بِغَيْرِ إِذَنِ الْمُوصِي، فَقِيَاسُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ، وَقِيَاسُ الثَّانِي بَقَاؤُهَا، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ فِي بَعْضِهَا، وَالْبَاقِي مُلْحَقٌ بِهِ، وَأَلْحَقُوا بِهَذِهِ الصُّوَرِ مَا إِذَا أَوْصَى بِشَاةٍ فَذَبَحَهَا، أَوْ بِعَجِينٍ فَخَبَزَهُ، لَكِنَّ خَبْزَ الْعَجِينِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْحَقَ بِعَجْنِ الدَّقِيقِ، فَإِنَّ الْعَجِينَ يَفْسُدُ لَوْ تُرِكَ، فَلَعَلَّهُ قَصَدَ إِصْلَاحَهُ وَحِفْظَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ، وَأَلْحَقَ الْعَبَّادِيُّ فِي ((الرَّقْمِ)) بِهَا مَا إِذَا أَوْصَى بِجِلْدٍ فَدَبَغَهُ، أَوْ بَيْضٍ فَأَحْضَنَهُ دَجَاجَةً، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: قِيَاسُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَكُونَ الدَّبْغُ رُجُوعًا، لِبَقَاءِ الِاسْمِ، وَكَذَا الْإِحْضَانُ إِلَى أَنْ يَتَفَرَّخَ.
وَلَوْ أَوْصَى بِخُبْزٍ فَجَعَلَهُ فَتِيتًا، فَرُجُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ ثَرَدَهُ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِلَحْمٍ ثُمَّ قَدَّدَهُ.
وَلَوْ طَبَخَهُ أَوْ شَوَاهُ، فَرُجُوعٌ قَطْعًا.
وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبٍ فَتَمَّرَهُ، فَوَجْهَانِ.
الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَكَذَا تَقْدِيدُ اللَّحْمِ إِذَا تَعَرَّضَ لِلْفَسَادِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِقُطْنٍ فَغَزَلَهُ، فَرُجُوعٌ، أَوْ بِغَزْلٍ فَنَسَجَهُ، فَرُجُوعٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ حَشَا بِالْقُطْنِ فِرَاشًا أَوْ جُبَّةً، فَرُجُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
أَوْصَى بِدَارٍ فَهَدَمَهَا حَتَّى بَطَلَ اسْمُ الدَّارِ، فَهُوَ رُجُوعٌ فِي الْأَخْشَابِ وَالنَّقْضِ، وَكَذَا فِي الْعَرْصَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوِ انْهَدَمَتْ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِي النَّقْضِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِزَوَالِ اسْمِ الدَّارِ، وَتَبْقَى فِي الْعَرْصَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ.
وَإِنْ كَانَ الِانْهِدَامُ بِحَيْثُ لَا يُبْطِلُ اسْمَ الدَّارِ بَقِيَتِ الْوَصِيَّةُ فِيمَا بَقِيَ بِحَالِهِ.
وَفِي الْمُنْفَصِلِ وَجْهَانِ.
وَإِذَا قُلْنَا فِي الِانْهِدَامِ: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ فِي النَّقْضِ، فَكَانَ الِانْهِدَامُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، فَطَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: تَخْرِيجُهُ عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ وَكَانَ اسْمُ الدَّارِ بَاقِيًا يَوْمَئِذٍ.
فَرْعٌ
أَوْصَى بِثَوْبٍ فَقَطَعَهُ قَمِيصًا، أَوْ صَبَغَهُ، فَرُجُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَغَسْلُهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ.
وَلَوْ قَصَّرَهُ وَقُلْنَا: الْقِصَارَةُ أَثَرٌ، فَكَالْغَسْلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، فَكَالصَّبْغِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِثَوْبٍ مَقْطُوعٍ فَخَاطَهُ، فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَاتِّخَاذُ الْبَابِ مِنَ الْخَشَبِ الْمُوصَى بِهِ كَاتِّخَاذِ الْقَمِيصِ مِنَ الثَّوْبِ.
فَرْعٌ
أَوْصَى بِشَيْءٍ، ثُمَّ نَقَلَهُ مِنْ بَلَدِ الْمُوصَى لَهُ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مَخْصُوصًا بِمَا إِذَا أَشْعَرَ التَّبْعِيدَ بِتَغَيُّرِ الْقَصْدِ.
فَأَمَّا إِذَا أَوْصَى صَحِيحُ الْبَدَنِ بِدَابَّةٍ، ثُمَّ أَرْكَبَهَا غُلَامَهُ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلَا إِشْعَارَ.
فَرْعٌ
أَوْصَى بِصَاعِ حِنْطَةٍ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ خَلَطَهُ بِحِنْطَةٍ، فَرُجُوعٌ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: إِنْ خَلَطَهُ بِأَجْوَدَ، فَرُجُوعٌ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ.
وَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صَبْرَةٍ، ثُمَّ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا، فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ كَانَ مَخْلُوطًا شَائِعًا، فَلَا تَضُرُّ زِيَادَةُ الْخَلْطِ.
وَإِنْ خَلَطَ بِأَجْوَدَ، فَرُجُوعٌ، وَبِالْأَرْدَإِ، لَيْسَ بِرُجُوعٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوِ اخْتَلَطَتْ بِنَفْسِهَا بِالْأَجْوَدِ، فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي نَظَائِرِهِ.
وَإِذَا أَبْقَيْنَا الْوَصِيَّةَ، فَالزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْجَوْدَةِ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ، فَتَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، وَلَمْ يُعَيِّنِ الصَّاعَ، وَلَا وَصَفَ الْحِنْطَةَ، فَلَا أَثَرَ لِلْخَلْطِ، وَيُعْطِيهِ الْوَارِثُ مِمَّا شَاءَ مِنْ حِنْطَةِ التَّرِكَةِ.
وَلَوْ وَصَفَهَا وَقَالَ: مِنْ حِنْطَتِي الْفُلَانِيَّةِ، فَالْوَصْفُ مَرْعِيٌّ.
فَإِنْ بَطَلَ بِالْخَلْطِ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
وَإِنْ قَالَ: مِنْ مَالِي، حَصَّلَهُ الْوَارِثُ.
فَرْعٌ
أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ سَنَةً، ثُمَّ أَجَّرَ الْمُوصَى بِهِ سَنَةً مَثَلًا، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَالْوَصِيَّةُ بِحَالِهَا.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ إِنِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ قَبْلَ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ، كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ بَقِيَّةَ السَّنَةِ لِلْمُوصَى لَهُ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ فِيمَا مَضَى.
وَإِنِ انْقَضَتْ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةُ السَّنَةِ الْأُولَى، فَإِذَا انْصَرَفَتْ إِلَى جِهَةٍ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْتَأْنَفُ لِلْمُوصَى لَهُ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي قَيَّدَ وَصِيَّتَهُ بِالسَّنَةِ الْأُولَى، وَجَبَ أَنَّهُ لَا يَجِيءُ الْخِلَافُ.
وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمِ الْوَارِثَ حَتَّى انْقَضَتْ سَنَةٌ بِلَا عُذْرٍ، فَمُقْتَضَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ، وَمُقْتَضَى الثَّانِي تَسْلِيمُ سَنَةٍ أُخْرَى.
فَرْعٌ
تَزْوِيجُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الْمُوصَى بِهِمَا، وَإِجَارَتُهُمَا، وَخِتَانُهُمَا، وَتَعْلِيمُهُمَا، وَالْإِعَارَةُ، وَالْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ، وَالِاسْتِخْدَامُ، وَرُكُوبُ الدَّابَّةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ، لَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَوَطْءُ الْجَارِيَةِ مَعَ الْعَزْلِ، لَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَكَذَا مَعَ الْإِنْزَالِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: رُجُوعٌ.
فَرْعٌ
أَوْصَى بِعَرْصَةٍ ثُمَّ زَرَعَهَا، فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ كَلُبْسِ الثَّوْبِ.
وَلَوْ بَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ، فَرُجُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ رُجُوعًا، فَمَوْضِعُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ هَلْ هُوَ كَالْبَيَاضِ الْمُتَخَلَّلِ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُوصَى لَهُ إِنْ زَالَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ يَوْمًا؟ أَمْ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ فِيهِ تَبَعًا لِلْبِنَاءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَمُطْلَقُ عِمَارَةِ الدَّارِ، لَيْسَ بِرُجُوعٍ.
فَإِنْ بَطَلَ الِاسْمُ، بِأَنْ جَعَلَهَا خَانًا، فَرُجُوعٌ.
وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ، وَلَكِنْ أَحْدَثَ فِيهَا بِنَاءً وَبَابًا مِنْ عِنْدِهِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ بَنَى فِي الْأَرْضِ.
فَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ رُجُوعًا، فَالْبِنَاءُ الْجَدِيدُ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَصْلٌ
أَوْصَى بِمِائَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ بِمِائَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَهُ الْمَائَتَانِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ إِحْدَاهُمَا، حُمِلَتِ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا مِائَةٌ.
وَلَوْ أَوْصَى بِخَمْسِينَ، ثُمَّ بِمِائَةٍ، فَلَهُ مِائَةٌ.
وَلَوْ أَوْصَى بِمِائَةٍ، ثُمَّ بِخَمْسِينَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لَهُ إِلَّا خَمْسُونَ.
وَالثَّانِي: لَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ.
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْأَوْصِيَاءِ
الْوِصَايَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي رَدِّ الْمَظَالِمِ، وَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا، وَأُمُورِ الْأَطْفَالِ.
قُلْتُ: هِيَ فِي رَدِّ الْمَظَالِمِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا فِي الْحَالِ وَاجِبَةٌ.
فَإِنْ لَمْ يُوصِ إِلَى أَحَدٍ نَصَّبَ الْقَاضِي مَنْ يَقُومُ بِهَا.
وَأَغْرَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فَحَكَى وَجْهًا، أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ رَشِيدٌ، قَامَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَإِنْ لَمْ يُنَصِّبْهُ الْقَاضِي.
وَلِلْوِصَايَةِ أَرْكَانٌ وَأَحْكَامٌ، أَمَّا أَرْكَانُهَا، فَأَرْبَعَةٌ.
[الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: الْوَصِيُّ، وَلَهُ خَمْسَةُ شُرُوطٍ، وَهِيَ: التَّكْلِيفُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالْكِفَايَةُ فِي التَّصَرُّفَاتِ.
فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ، وَالْمُكَاتِبُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إِلَيْهِمْ.
وَفِي مُسْتَوْلَدَتِهِ وَمُدَبَّرِهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الْوَصِيِّ تُعْتَبَرُ حَالَةَ الْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ، أَمْ حَالَةَ الْمَوْتِ؟ وَلَا يَجُوزُ وِصَايَةُ مُسْلِمٍ إِلَى ذِمِّيٍّ، وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، وَتَجُوزُ وِصَايَةُ الذِّمِّيِّ إِلَى الذِّمِّيِّ عَلَى الْأَصَحِّ بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ فِي دِينِهِ، وَلَا تَجُوزُ إِلَى فَاسِقٍ وَلَا إِلَى عَاجِزٍ عَنِ التَّصَرُّفِ لَا يُهْتَدَى إِلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ هَرَمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَرُبَّمَا دَلَّ كَلَامُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ الْأَخِيرَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
وَتَجُوزُ الْوِصَايَةُ إِلَى أَعْمَى عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: لَا، فَتَكُونُ الشُّرُوطُ سِتَّةً.
وَزَادَ الرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ شَرْطًا سَابِعًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَصِيُّ عَدُوًّا لِلطِّفْلِ الَّذِي يُفَوَّضُ أَمْرُهُ إِلَيْهِ، وَحَصَرُوا الشُّرُوطَ كُلَّهَا بِلَفْظٍ مُخْتَصَرٍ فَقَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَصِيُّ بِحَيْثُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الطِّفْلِ.
وَكُلُّ مَا اعْتُبِرَ مِنَ الشُّرُوطِ، فَفِي وَقْتِ اعْتِبَارِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: يُعْتَبَرُ حَالُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَالثَّانِي: عِنْدَ الْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا.
وَالثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ فِي الْحَالَتَيْنِ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا.
فَرْعٌ
لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَصِيِّ الذُّكُورَةُ، بَلْ يَجُوزُ التَّفْوِيضُ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَإِذَا حَصَلَتِ الشُّرُوطُ فِي أُمِّ الْأَطْفَالِ، فَهِيَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوِصَايَةُ إِلَيْهَا، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَمُقْتَضَاهُ الطَّرْدُ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ.
فَرْعٌ
إِذَا تَغَيَّرَ حَالُ الْوَصِيِّ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ مَتَى تُعْتَبَرُ؟ وَإِنْ تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، نُظِرَ، إِنْ فَسَقَ، إِمَّا بِتَعَدٍّ فِي الْمَالِ، وَإِمَّا بِسَبَبٍ آخَرَ، بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ.
وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ حَتَّى يَعْزِلَهُ الْحَاكِمُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَفِي مَعْنَاهُ قَيِّمُ الْقَاضِي.
وَفِي بُطْلَانِ وِلَايَةِ الْقَاضِي بِالْفِسْقِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ.
وَالثَّانِي: لَا، كَالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ.
وَالْأَبُ، وَالْجَدُّ، إِذَا فَسَقَا، انْتَزَعَ الْحَاكِمُ مَالَ الطِّفْلِ مِنْهُمَا.
وَلَا تَبْطُلُ وِلَايَةُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ بِالْفِسْقِ، لِتَعَلُّقِ الْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ بِوِلَايَتِهِ؛ بَلْ تَجُوزُ وِلَايَةُ الْفَاسِقِ ابْتِدَاءً، إِذَا دَعَتْ إِلَيْهَا ضَرُورَةٌ، لَكِنْ لَوْ أَمْكَنَ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ إِذَا فَسَقَ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ، اسْتُبْدِلَ.
وَفِيهِ وَجْهٌ، أَنَّهَا تَبْطُلُ أَيْضًا، وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَإِذَا تَابَ الْفَاسِقُ وَصَلَحَتْ حَالُهُ، فَهَلْ تَعُودُ وِلَايَتُهُ؟ أَمَّا الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ، فَلَا تَعُودُ وِلَايَتُهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالْأَبُ، وَالْجَدُّ، تَعُودُ وِلَايَتُهُمَا، وَالْقَاضِي كَالْوَصِيِّ.
وَإِذَا كَانَ الْوَصِيُّ قَدْ أَتْلَفَ مَالًا، لَمْ يَبْرَأْ عَنْ ضَمَانِهِ حَتَّى يَدْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ إِنْ وَلَّاهُ.
فَإِنْ كَانَ أَبًا، قَبَضَ الْمَضْمُونَ مِنْ نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ، وَلَيْسَ مِنَ التَّعَدِّي أَكْلُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ مَالَ الطِّفْلِ لِضَرُورَةٍ، لَكِنْ إِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ، فَطَرِيقُ الْبَرَاءَةِ مَا ذَكَرْنَا.
فَرْعٌ
تَصَرُّفَاتُ الْوَصِيِّ بَعْدَ الِانْعِزَالِ بَاطِلَةٌ.
قَالَ الْقَفَّالُ: لَكِنْ رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَالْعَوَارِي وَالْوَدَائِعِ وَقَضَاءُ الدُّيُونِ مِنْ جِنْسِهَا فِي التَّرِكَةِ، لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْمُسْتَحَقِّ فِيهَا كَافٍ.
فَرْعٌ
إِذَا جُنَّ الْمُوصِي، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَقَامَ الْحَاكِمُ غَيْرَهُ مَقَامَهُ.
فَإِنْ أَفَاقَ، فَهَلْ يَبْقَى عَلَى وِلَايَتِهِ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ إِذَا أَفَاقُوا؟ أَمْ تَبْطُلُ لِأَنَّهُ يَلِي بِالتَّفْوِيضِ كَالتَّوْكِيلِ بِخِلَافِ الْأَبِ وَبِخِلَافِ الْإِمَامِ لِلْمَصْلَحَةِ الْكُلِّيَّةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَيَجْرِيَانِ فِي الْقَاضِي إِذَا أَفَاقَ.
وَإِذَا أَفَاقَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ بَعْدَمَا وُلِّيَ غَيْرُهُ، فَالْوِلَايَةُ لِلثَّانِي، إِلَّا أَنْ تَثُورَ فِتْنَةٌ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
فَرْعٌ
لَوِ اخْتَلَّتْ كِفَايَةُ الْوَصِيِّ، بِأَنْ ضَعُفَ عَنِ الْكِتَابَةِ وَالْحِسَابِ، أَوْ سَاءَ تَدْبِيرُهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ، ضَمَّ الْقَاضِي إِلَيْهِ مَنْ يُعِينُهُ وَيُرْشِدُهُ.
وَلَوْ عَرَضَ ذَلِكَ لِقَيِّمِ الْقَاضِي، عَزَلَهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَلَّاهُ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُوصِي، فَإِنْ كَانَتِ الْوِصَايَةُ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا، صَحَّتْ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي أُمُورِ الْأَطْفَالِ، اشْتُرِطَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوصِي وِلَايَةٌ عَلَى الْمُوصَى فِي حَقِّهِ مِنَ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ ابْتِدَاءً مِنَ الشَّرْعِ، لَا بِتَفْوِيضٍ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: أَنَّ الْوَصِيَّ هَلْ يُوصِي؟ فِيهِ صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: لَيْسَ لِلْمُوصِي فِي الْوِصَايَةِ الْمُطْلَقَةِ أَنْ يُوصِيَ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ ابْنِي فُلَانٌ، أَوْ يَقْدَمَ مِنْ سَفَرِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ، فَهُوَ الْوَصِيُّ.
أَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ سَنَةً وَبَعْدَهَا وَصِيِّي فُلَانٌ، فَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَتَحْتَمِلُ الْوَصِيَّةُ التَّعْلِيقَ كَمَا تَحْتَمِلُ الْجَهَالَاتِ وَالْأَخْطَارَ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَآخَرُونَ فِيهِ خِلَافًا كَتَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ، وَبِالْمَنْعِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: لَوْ قَالَ: إِذَا مِتُّ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ، لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ إِذَا مِتُّ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ، فَإِذَا حَضَرَكَ الْمَوْتُ فَقَدْ أَوْصَيْتُ [إِلَى مَنْ أَوْصَيْتَ] إِلَيْهِ، أَوْ فَوَصِيُّكَ وَصِيِّي، فَبَاطِلَةٌ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: قَطْعًا.
وَقِيلَ: صَحِيحَةٌ قَطْعًا.
الثَّالِثَةُ: أَوْصَى إِلَى زَيْدٍ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْوِصَايَةِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، بَلْ قَالَ: أَوْصِ بِتَرِكَتِي إِلَى مَنْ شِئْتَ، فَأَوْصَى بِهَا إِلَى شَخْصٍ، صَحَّ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: قَطْعًا.
وَإِنْ عَيَّنَ فَقَالَ: أَوْصِ بِهَا إِلَى فُلَانٍ، فَكَذَلِكَ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ قَطْعًا، لِأَنَّهُ قَطَعَ اجْتِهَادَهُ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ بَعْدَهُ إِلَى فُلَانٍ.
فَرْعٌ
لَوْ أَطْلَقَ فَقَالَ: أَوْصِ إِلَى مَنْ شِئْتَ، أَوْ إِلَى فُلَانٍ، وَلَمْ يُضِفْ إِلَى نَفْسِهِ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْوِصَايَةِ عَنْهُ حَتَّى يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ؟ أَمْ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يُوصِي عَنْهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ، وَقَالَ: الْأَصَحُّ الثَّانِي.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ نَصْبُ وَصِيٍّ عَلَى الْأَوْلَادِ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي أَمْرَهُمْ.
وَأَمَّا الْمَجَانِينُ، فَتَجُوزُ الْوِصَايَةُ فِي أَمْرِهِمْ كَالصِّبْيَانِ، وَلَهُ نَصْبُ الْوَصِيِّ لِقَضَاءِ
الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا.
وَإِذَا نَصَبَهُ لِذَلِكَ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِلْزَامِ الْوَرَثَةِ تَسْلِيمَ التَّرِكَةِ لِتُبَاعَ فِي الدَّيْنِ، بَلْ لَهُمْ إِمْسَاكُهَا وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِمْ.
فَلَوِ امْتَنَعُوا مِنَ التَّسْلِيمِ وَالْقَضَاءِ مِنْ عِنْدِهِمْ، أَلْزَمَهُمْ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ.
هَذَا إِذَا أَطْلَقَ الْوِصَايَةَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ.
فَإِنْ قَالَ: ادْفَعْ هَذَا الْعَبْدَ إِلَيْهِ عِوَضًا عَنْ دَيْنِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَرَثَةِ إِمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّ فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ أَغْرَاضًا.
وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ وَاقْضِ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمُ الْإِمْسَاكُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَطْيَبَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ نَصْبُ الْوَصِيِّ فِي حَيَاةِ الْجَدِّ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ شَرْعًا كَوِلَايَةِ التَّزْوِيجِ.
هَذَا فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ، فَأَمَّا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا، فَلَهُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْوَصِيُّ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ.
وَلَوْ لَمْ يُنَصِّبْ وَصِيًّا، فَأَبُوهُ أَوْلَى بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَمْرِ الْأَطْفَالِ، وَالْحَاكِمُ أَوْلَى بِتَنْفِيذِ الْوَصَايَا، كَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
الرَّابِعَةُ: لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ الْوِصَايَةُ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ، وَلَا لِلْأُمِّ إِلَّا عَلَى قَوْلِ الْإِصْطَخْرِيِّ فِي أَنَّهَا تَلِي فَتُوصِي.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُوصَى فِيهِ، وَهُوَ التَّصَرُّفَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمُبَاحَةُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوِصَايَةُ بِقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَتُنَفَّذُ فِي الْوَصَايَا وَأُمُورِ الْأَطْفَالِ، وَلَا تَجُوزُ فِي تَزْوِيجِ الْأَطْفَالِ، وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ، كَبِنَاءِ كَنِيسَةٍ وَكُتُبِ التَّوْرَاةِ.
وَذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْإِمَامُ، أَنَّ الْوِصَايَةَ لَا تَجْرِي فِي رَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ، وَلَا فِي الْوَصِيَّةِ بِعَيْنٍ لِمُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ بِأَعْيَانِهَا فَيَأْخُذُهَا أَصْحَابُهَا، وَإِنَّمَا يُوصِي فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، كَالْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ مَوْضِعُ تَوَقُّفٍ نَقْلًا وَمَعْنًى.
أَمَّا النَّقْلُ، فَمَا سَيَأْتِي فِي بَقِيَّةِ الْبَابِ وَفِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ قَالُوا: إِنْ أَوْصَى إِلَى فَاسِقٍ، ضَمِنَ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى، فَلِأَنَّهُ قَدْ يُخَافُ خِيَانَةُ الْوَارِثِ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ، فَلَا بُدَّ فِي الْوِصَايَةِ مِنَ الْإِيجَابِ، بِأَنْ يَقُولَ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ، أَوْ فَوَّضْتُ، أَوْ أَقَمْتُكَ مَقَامِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ فِيهَا التَّوْقِيتُ كَمَا سَبَقَ مِنْ جَوَازِ التَّعْلِيقِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ سَنَةً، أَوْ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ ابْنِي فُلَانٌ، أَوْ أَوْصَى إِلَى زَوْجَتِهِ إِلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ.
وَأَمَّا الْقَبُولُ، فَالْمَذْهَبُ اشْتِرَاطُهُ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى خِلَافٍ فِيهِ.
وَهَلْ يَقُومُ عَمَلُ الْوَصِيِّ مَقَامَ لَفْظِ قَبُولِهِ؟ وَجْهَانِ.
وَكُلُّ هَذَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَكَالَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي.
فَلَوْ قِيلَ فِي حَيَاتِهِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
كَمَا لَوْ أَوْصَى بِمَالٍ، يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقِيلَ: يُعْتَدُّ بِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِعَمَلٍ يَتَأَخَّرُ، يَصِحُّ الْقَبُولُ فِي الْحَالِ.
وَالرَّدُّ فِي حَيَاةِ الْوَصِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ رَدَّ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ قَبِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ، جَازَ، وَلَوْ رَدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَغَتِ الْوِصَايَةُ.
فَرْعٌ
إِنْ فَصَّلَ فَقَالَ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ فِي قَضَاءِ دُيُونِي وَتَنْفِيذِ وِصَايَاتِي وَالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ أَطْفَالِي وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمْ، أَوْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، فَذَاكَ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ، أَوْ أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي أَمْرِ أَطْفَالِي، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّصَرُّفَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: لَهُ التَّصَرُّفُ وَالْحِفْظُ اعْتِمَادًا عَلَى الْعُرْفِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْحِفْظُ تَنْزِيلًا عَلَى الْأَقَلِّ.
وَالثَّالِثُ: لَا تَصِحُّ الْوِصَايَةُ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا فَوَّضَهُ إِلَيْهِ.
وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ، فَبَاطِلَةٌ قَطْعًا.
فَرْعٌ
لَوِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ، فَأَوْصَى بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ كِتَابُ الْوِصَايَةِ، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، صَحَّتِ الْوِصَايَةُ كَالْأَخْرَسِ.
فَرْعٌ
أَوْصَى إِلَيْهِ فِي تَصَرُّفٍ، لَا يَتَعَدَّاهُ.
فَرْعٌ
يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إِلَى اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَأَنْ يُوصِيَ إِلَى وَاحِدٍ وَيُنَصِّبَ عَلَيْهِ مُشْرِفًا، وَلَا يَتَصَرَّفَ الْوَصِيُّ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
ثُمَّ إِذَا أَوْصَى إِلَى اثْنَيْنِ، إِنْ كَانَتْ فِي رَدِّ الْوَدَائِعِ أَوِ الْغُصُوبِ وَالْعَوَارِي وَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ الَّذِي فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِهِ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ مُسْتَقِلٌّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِالْأَخْذِ.
هَكَذَا نَقَلَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي صَرَّحُوا فِيهَا بِجَرَيَانِ الْوِصَايَةِ فِي رَدِّ الْغُصُوبِ وَالْعَوَارِي، خِلَافَ مَا قَالَتْهُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ.
ثُمَّ وُقُوعُ الْمَدْفُوعِ مَوْقِعَهُ، وَعَدَمُ الرَّدِّ وَالنَّقْصِ عِنْدَ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا، بَيِّنٌ، لَكِنَّ تَجْوِيزَ الِانْفِرَادِ لَيْسَ بِبَيِّنٍ، فَإِنَّ تَصَرُّفَهُمَا فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ مُسْتَفَادٌ بِالْوِصَايَةِ، فَلْيَكُنْ بِحَسَبِهَا، وَلْتَجِئْ فِيهِ الْأَحْوَالُ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَسَتَجِدُ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِيمَا ذَكَرْتُهُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْوِصَايَةُ فِي تَفْرِقَةِ الثُّلُثِ وَأُمُورِ الْأَطْفَالِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَهَا أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَثْبُتَ الِاسْتِقْلَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَيَقُولُ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكُمَا، أَوْ إِلَى كُلٍّ مِنْكُمَا، أَوْ يَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا وَصِيِّي فِي كَذَا، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازِ: أَوْ يَقُولُ: أَنْتُمَا وَصِيَّايَ فِي كَذَا، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ.
وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ، أَوْ لَمْ يَقْبَلِ الْوِصَايَةَ، كَانَ لِلْآخَرِ الِانْفِرَادُ.
وَإِنْ ضَعُفَ نَظَرُ أَحَدِهِمَا، فَلِلْآخَرِ الِانْفِرَادُ، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَضُمَّ إِلَى ضَعِيفِ النَّظَرِ مَنْ يُعِينُهُ.
الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ.
فَإِنِ انْفَرَدَ، لَمْ يُنَفَّذِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْإِعْتَاقُ، وَيَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ.
فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ جُنَّ، أَوْ فَسَقَ، أَوْ غَابَ، أَوْ لَمْ يَقْبَلِ الْوَصِيَّةَ، نَصَبَ الْحَاكِمُ بَدَلًا عَنْهُ لِيَتَصَرَّفَ مَعَ الْآخَرِ.
وَهَلْ لَهُ إِثْبَاتُ الِاسْتِبْدَادِ لِلْآخَرِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَهُ.
وَلَوْ مَاتَا جَمِيعًا، فَهَلْ لِلْحَاكِمِ نَصْبُ وَاحِدٍ؟ أَمْ لَا بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى التَّصَرُّفِ تَلَفُّظُهُمَا بِصِيَغِ الْعُقُودِ مَعًا؛ بَلِ الْمُرَادُ صُدُورُهُ عَنْ رَأْيِهِمَا، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ أَحَدُهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا بِإِذْنِهِمَا.
الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ قَوْلَهُ: أَوْصَيْتُ إِلَيْكُمَا، فَهُوَ كَالتَّقْيِيدِ بِالِاجْتِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
فَصْلٌ
قَالَ: أَوْصَيْتُ إِلَى زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ:
[أَوْصَيْتُ] إِلَى عَمْرٍو، لَمْ يَكُنْ عَزْلًا لِزَيْدٍ، ثُمَّ إِنْ قَبِلَا، فَهُمَا شَرِيكَانِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْفَرِدُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ قَبِلَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، انْفَرَدَ بِالتَّصَرُّفِ.
وَلَوْ قَالَ لِعَمْرٍو: مَا أَوْصَيْتُ بِهِ إِلَى زَيْدٍ قَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَهُوَ رُجُوعٌ.
وَلَوْ قَالَ لِزَيْدٍ: ضَمَمْتُ إِلَيْكَ عَمْرًا، أَوْ قَالَ لِعَمْرٍو: ضَمَمْتُكَ إِلَى زَيْدٍ، فَإِنْ قَبِلَ عَمْرٌو دُونَ زَيْدٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالتَّصَرُّفِ، بَلْ يَضُمُّ الْقَاضِي إِلَيْهِ أَمِينًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ
فِي اسْتِقْلَالِهِ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ قَبِلَ زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو، فَالَّذِي ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي، أَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ قَبِلَا جَمِيعًا، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُمَا شَرِيكَانِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: زَيْدٌ وَصِيِّي، وَعَمْرٌو مُشْرِفٌ.
فَرْعٌ
أَوْصَى إِلَى شَخْصَيْنِ، فَاخْتَلَفَا فِي التَّصَرُّفِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَا مُسْتَقِلَّيْنِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: أَنَا أَتَصَرَّفُ، حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَنَّهُ يُقَسَّمُ فَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي نِصْفِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ، تُرِكَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَصَرَّفَا فِيهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا حَاصِلَ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، وَمَنْ سَبَقَ نُفِّذَ تَصَرُّفُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُسْتَقِلَّيْنِ، أَمَرَهُمَا الْحَاكِمُ بِمَا رَآهُ مَصْلَحَةً.
فَإِنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا، ضَمَّ الْقَاضِي إِلَى الْآخَرِ أَمِينًا.
وَإِنِ امْتَنَعَا، أَقَامَ مَقَامَهُمَا أَمِينَيْنِ، وَلَا يَنْعَزِلَانِ بِالِاخْتِلَافِ؛ بَلِ الْآخَرَانِ نَائِبَانِ عَنْهُمَا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي تَعْيِينِ مَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنَ الْفُقَرَاءِ، عَيَّنَ الْقَاضِي مَنْ يَرَاهُ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْحِفْظِ، قُسِّمَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ التَّصَرُّفُ فِيمَا فِي يَدِهِ وَيَدِ صَاحِبِهِ.
وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُونَا مُسْتَقِلَّيْنِ، لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِحِفْظِ شَيْءٍ.
وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ.
ثُمَّ إِذَا قُسِّمَ، وَتَنَازَعَا فِي عَيْنِ النِّصْفِ الْمَحْفُوظِ، أَقْرَعَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يُعَيِّنُ الْقَاضِي.
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَتَاعُ مُنْقَسِمًا، وَإِلَّا فَيَحْفَظَانِهِ مَعًا بِجَعْلِهِ فِي بَيْتٍ يَقْفِلَانِهِ، أَوْ بِرِضَاهُمَا بِنَائِبٍ يَحْفَظُهُ مِنْ جِهَتِهِمَا، وَإِلَّا فَيَتَوَلَّى الْقَاضِي حِفْظَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُنْقَسِمًا وَقُلْنَا: لَا يَنْقَسِمُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِيمَا إِذَا جَعَلَ إِلَيْهِمَا التَّصَرُّفَ وَاخْتَلَفَا فِي الْحِفْظِ إِلَى التَّصَرُّفِ.
فَأَمَّا إِذَا جَعَلَ الْحِفْظَ إِلَى اثْنَيْنِ، فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِحَالٍ.
فَصْلٌ
فِي أَحْكَامِ الْوِصَايَةِ
فَمِنْهَا الْجَوَازُ، فَلِلْمُوصِي الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ، وَلِلْمُوصَى عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ.
قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُ الْمَالِ بِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ مِنْ قَاضٍ وَغَيْرِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَصِيَّ يَقْضِي الدُّيُونَ الَّتِي عَلَى الصَّبِيِّ مِنَ الْغَرَامَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْرِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَلْيُنْفِقْ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ تَرْكُ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ.
فَإِنْ أَسْرَفَ، ضَمِنَ الزِّيَادَةَ، وَيَشْتَرِي لَهُ الْخَادِمَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِذَا كَانَ مِثْلُهُ يُخْدَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَنَازَعَهُ فِي أَصْلِ الْإِنْفَاقِ، صُدِّقَ الْوَصِيُّ بِيَمِينِهِ.
وَلَوْ قَالَ: أَسْرَفْتُ فِي الْإِنْفَاقِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَعْيِينِهِمَا قَدْرًا، نُظِرَ فِيهِ، وَصُدِّقَ مَنْ يَقْتَضِي الْحَالُ تَصْدِيقَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنَا، فَالْمُصَدَّقُ الْوَصِيُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَهَذَا عَلَى غَرَابَتِهِ يَجِيءُ فِي أَصْلِ الْإِنْفَاقِ.
فَرْعٌ
ادَّعَى أَنَّ الْوَصِيَّ خَانَ فِي بَيْعِ مَالِهِ، فَبَاعَهُ بِلَا حَاجَةٍ وَلَا غِبْطَةٍ، فَفِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الْحَجْرِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُدَّعِي.
فَرْعٌ
تَنَازَعَا فِي تَارِيخِ مَوْتِ أَبِيهِ، فَقَالَ: مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، فَقَالَ الْوَصِيُّ: مِنْ سِتٍّ، وَاتَّفَقَا عَلَى إِنْفَاقِهِ مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْوَصِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
ادَّعَى دَفْعَ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، لَا يُقْبَلُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ
يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِي التَّلَفِ بِالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ.
فَرْعٌ
قَيِّمُ الْحَاكِمِ، كَالْوَصِيِّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْمَجْنُونُ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ كَالصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
فَصْلٌ
إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مَجْنُونًا أَوْ سَفِيهًا، اسْتَمَرَّتْ وِلَايَةُ الصَّبِيِّ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْحَجْرِ،
ثُمَّ إِنْ رَأَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْمُبَذِّرِ نَفَقَةَ أُسْبُوعٍ أُسْبُوعٍ، فَعَلَ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِهِ، دَفَعَهَا إِلَيْهِ يَوْمًا يَوْمًا، وَيَكْسُوهُ كُسْوَةً مِثْلَهُ، فَإِنْ كَانَ يَخْرِقُهَا، هَدَّدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ، اقْتَصَرَ فِي الْبَيْتِ عَلَى إِزَارٍ.
وَإِذَا خَرَجَ، كَسَاهُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ رَقِيبًا.
فَصْلٌ
لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ الْأَطْفَالِ وَإِنْ ذَكَرَهُ الْمُوصِي، وَلَا بَيْعُ مَالِ الصَّبِيِّ لِنَفْسِهِ وَلَا عَكْسِهِ، وَلَا بَيْعُ مَالِ صَبِيٍّ لِصَبِيٍّ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْأَطْفَالِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ بِمَالٍ وَإِنْ كَانَ وَصِيًّا فِي تَفْرِقَةِ الثُّلُثِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ وِلَايَةً، وَيَجُوزُ لِمَنْ هُوَ وَصِيٌّ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَشْهَدَ بِغَيْرِهِ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ
يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَتِهِ لِمِثْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ كِبَارِ الْوَرَثَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ.
وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا عَبْدٌ، لَمْ يَبِعِ الْوَصِيُّ إِلَّا ثُلُثَهُ.
وَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ وَالصَّبِيُّ شَرِيكَيْنِ، لَمْ يَسْتَقِلَّ بِالْقِسْمَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ أَوْ إِفْرَازٌ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: لَيْسَ لَهُ خَلْطُ حِنْطَتِهِ بِحِنْطَةِ الصَّبِيِّ، وَلَا دَرَاهِمِهِ بِدَرَاهِمِهِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ [الْبَقَرَةِ: 220] مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْإِرْفَاقِ، وَهُوَ خَلْطُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ وَاللَّحْمِ بِاللَّحْمِ لِلطَّبْخِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ الْإِشْهَادُ فِي بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَفِي الْجُرْجَانِيَّاتِ لِأَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ وَجْهَانِ فِي أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ فَسَقَ قَبْلَ انْبِرَامِ الْبَيْعِ، هَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ وَوَجْهَانِ فِي أَنَّ الْوِصَايَةَ هَلْ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْوِلَايَةِ، كَقَوْلِهِ: وَلَّيْتُكَ كَذَا بَعْدَ مَوْتِي؟ وَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ
أَنْ يَدْفَعَ مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً إِلَى مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي الْبَلَدِ، وَيَجُوزُ إِلَى مَنْ يُسَافِرُ بِهِ إِذَا جَوَّزْنَا الْمُسَافَرَةَ بِهِ عِنْدَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَجْرِ وَلَوْ أَوْصَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى زَيْدٍ، فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا أَوْصَى لِلَّهِ تَعَالَى وَلِزَيْدٍ مَجِيءُ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوِصَايَةَ إِلَى زَيْدٍ.
وَالثَّانِي: إِلَى زَيْدٍ وَالْحَاكِمِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِرَجُلٍ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَقَالَ: قَدْ سَمَّيْتُهُ لِوَصِيِّي، فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ.
وَفِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِأَبِي عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: سَمَّيْتُهُ لِوَصِيَّيَّ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، فَعَيَّنَا رَجُلًا، اسْتَحَقَّهُ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي التَّعْيِينِ، فَهَلْ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، أَمْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعَ شَاهِدِهِ؟ قَوْلَانِ.
وَفِي الزِّيَادَاتِ لِأَبِي عَاصِمٍ: أَنَّهُ لَوْ خَافَ الْوَصِيُّ أَنْ يَسْتَوْلِيَ غَاصِبٌ عَلَى الْمَالِ، فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا لِتَخْلِيصِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
وَفِي ((فَتَاوَى)) الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ: بِعْ أَرْضِي الْفُلَانِيَّةَ، وَاشْتَرِ مِنْ ثَمَنِهَا رَقَبَةً فَأَعْتِقْهَا عَنِّي، وَأَحِجَّ عَنِّي، وَاشْتَرِ مِائَةَ رَطْلٍ خُبْزٍ فَأَطْعِمْهَا الْفُقَرَاءَ، فَبَاعَ الْأَرْضَ بِعَشَرَةٍ، وَكَانَ لَا تُوجَدُ رَقَبَةٌ إِلَّا بِعَشَرَةٍ، وَلَا يُحَجُّ إِلَّا بِعَشَرَةٍ، وَلَا يُبَاعُ الْخُبْزُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ، فَتُوَزَّعُ الْعَشْرُ عَلَيْهَا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِعْتَاقُ وَالْحَجُّ بِحِصَّتِهِمَا، فَيَضُمُّ إِلَى حِصَّةِ الْخُبْزِ تَمَامَ الْخَمْسَةِ، فَيُنَفِّذُ فِيهِ الْوَصِيَّةَ، وَيَرُدُّ الْبَاقِيَ عَلَى الْوَرَثَةِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو بِعَشَرَةٍ، وَكَانَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَرَدَّ أَحَدُهُمَا، دُفِعَتِ الْعَشَرَةُ إِلَى الْآخَرِ.
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ مِنْ ثُلُثِي رَقَبَةً فَأَعْتِقْهَا، وَأَحِجَّ عَنِّي، وَاحْتَاجَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى عَشَرَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ، صُرِفَتِ الْعَشَرَةُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَلَا يُوَزِّعَ، إِذْ لَوْ وَزَّعَ، لَمْ يَحْصُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.