كِتَابُ الرَّهْنِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قِيمَةَ عَلَيْهِ، وَفِي مَصِيرِهَا أُمَّ وَلَدٍ أَقْوَالُ الْعِتْقِ، وَهُنَا أَوْلَى بِالنُّفُوذِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، لِقُوَّةِ الْإِحْبَالِ.
وَقِيلَ: عَكْسُهُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ أَقْوَى مِنْ جِهَةٍ، فَإِنَّهُ تُنْجَزُ بِهِ الْحَرِيَّةُ، بِخِلَافِ الِاسْتِيلَادِ.
وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: فِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ، الْقَطْعُ بِالنُّفُوذِ، وَعَدَمُهُ، وَأَصَحُّهَا وَهُوَ الثَّالِثُ: طَرْدُ الْأَقْوَالِ، فَإِنْ نُفِّذَ بِالِاسْتِيلَادِ، لَزِمَهُ الْقِيمَةُ، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْعِتْقِ، وَإِلَّا، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ.
فَلَوْ حَلَّ الْحَقُّ وَهِيَ حَامِلٌ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ.
وَإِذَا وَلَدَتْ لَا تُبَاعُ حَتَّى تَسْقِيَ الْوَلَدَ اللِّبَأَ، وَنَجِدُ مُرْضِعًا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا الْمُشْتَرِي، فَيَهْلَكُ الْوَلَدُ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْمُرْضِعُ، بِيعَتِ الْأُمُّ، وَلَا يُبَالَى بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَلَدِ لِلضَّرُورَةِ.
ثُمَّ إِنِ اسْتَغْرَقَهَا الدَّيْنُ، بِيعَتْ كُلُّهَا، وَإِلَّا فَيُبَاعُ قَدْرُ الدَّيْنِ وَإِنْ أَفْضَى التَّشْقِيصُ إِلَى نُقْصَانِ رِعَايَةٍ لِحَقِّ الِاسْتِيلَادِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِي الْبَعْضَ، بِيعَ الْجَمِيعُ لِلضَّرُورَةِ، وَإِذَا بِيعَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ عَنِ الْبَاقِي وَاسْتَقَرَّ الِاسْتِيلَادُ فِيهِ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَوْلِدِ بِحَسْبِ النَّصِيبَيْنِ، وَيَكُونُ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا.
وَمَتَى عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ بَعْدَ بَيْعِهَا فِي الدَّيْنِ، نَفَذَ الِاسْتِيلَادُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: قَطْعًا.
وَلَوِ انْفَكَّ رَهْنُهَا مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، نَفَذَ الِاسْتِيلَادُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوْ بِيعَتْ ثُمَّ مَلَكَهَا.
وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنَّ يَهَبَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ لِلْمُرْتَهَنِ، وَإِنَّمَا تُبَاعُ فِي الْحَقِّ لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ: الِاسْتِيلَادُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ.
فَرْعٌ
لَوْ مَاتَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ.
وَقُلْنَا: الِاسْتِيلَادُ لَا يُنَفَّذُ، لَزِمَهُ قِيمَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، فَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهَا.
وَلَوْ أَوْلَدَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ وَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ، وَجَبَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً لَمْ تَجِبِ الدِّيَةُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ
سَبَبٌ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِيلَاءٌ عَلَيْهَا، وَالْعُلُوقَ مِنْ آثَارِهِ، فَأَدَمْنَا الِاسْتِيلَاءَ كَالْمُحْرِمِ إِذَا نَفَّرَ صَيْدًا وَبَقِيَ نِفَارُهُ إِلَى الْهَلَاكِ بِالتَّعَثُّرِ وَغَيْرِهِ.
وَالْحُرَّةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْتِيلَاءِ.
وَلَوْ أَوْلَدَ امْرَأَةً بِالزِّنَا مُكْرَهَةً، فَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ حُرَّةً
[كَانَتْ] أَوْ أُمَّةً لَمْ يَجِبِ الضَّمَانُ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ غَيْرُ مُضَافَةٍ إِلَيْهِ، لِقَطْعِ النَّسَبِ.
وَلَوْ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْوِلَادَةِ لَمْ يَجِبِ الضَّمَانُ بِلَا خِلَافٍ، لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مُسْتَحِقٍّ.
وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا ضَمَانَ الْحُرَّةِ، فَهُوَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ، وَجَبَ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْإِحْبَالِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ، كَمَا لَوْ جَرَحَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَبَقِيَ زَمَنًا حَتَّى مَاتَ وَقِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، لَزِمَهُ مِائَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَجِبُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّلَفِ.
وَالثَّالِثُ: يَجِبُ أَكْثَرُهُمَا، كَالْغَصْبِ.
وَلَوْ لَمْ تَمُتْ، وَنَقَصَتْ بِالْوِلَادَةِ، لَزِمَهُ الْأَرْشُ.
فَإِنْ شَاءَ جَعْلَهُ رَهْنًا مَعَهَا، وَإِنْ شَاءَ صَرَفَهُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ.
فَصْلٌ
لِلرَّاهِنِ اسْتِيفَاءُ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَا تَضُرُّ بِالْمُرْتَهِنِ، كَسُكْنَى الدَّارِ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ، وَاسْتِكْسَابُ الْعَبْدِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ، وَإِلَّا إِذَا نَقَصَ بِاللُّبْسِ، وَإِنْزَاءُ الْفَحْلِ، إِلَّا إِذَا نَقَصَ قِيمَتُهُ.
وَالْإِنْزَاءُ عَلَى الْأُنْثَى، إِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحُلُّ قَبْلَ ظُهُورِ الْحَمْلِ، أَوْ تَلِدُ قَبْلَ حُلُولِهِ.
فَإِنْ كَانَ يَحُلُّ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَقَبْلَ الْوِلَادَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْحَمْلُ لَا يُعْرَفُ، جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تُبَاعُ مَعَ الْحَمْلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يُعْرَفُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا دُونَ الْحَمْلِ، وَهُوَ غَيْرُ مَرْهُونٍ.
وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ فِي الْأَرْضِ الْمَرْهُونَةِ، وَلَا الْغِرَاسُ، وَفِي وَجْهٍ: يَجُوزُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَالصَّحِيحُ: الْمَنْعُ.
وَالزَّرْعُ إِنْ نَقَصَ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِاسْتِيفَاءِ قُوَّتِهَا، مَمْنُوعٌ.
وَإِنْ لَمْ يُنْقِصْ وَكَانَ بِحَيْثُ يُحْصَدُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، فَلَا
[مَنْعَ] . فَلَوْ تَأَخَّرَ الْإِدْرَاكُ لِعَارِضٍ، تُرِكَ إِلَى الْإِدْرَاكِ.
وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُحْصَدُ بَعْدَ الْحُلُولِ، أَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، مُنِعَ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ تَقِلُّ الرَّغْبَةُ فِي الْمَزْرُوعَةِ.
وَفِي قَوْلٍ: لَا مَنْعَ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ عِنْدَ الْمَحَلِّ إِنْ لَمْ يَفِ قِيمَتُهَا مَزْرُوعَةً دُونَ الزَّرْعِ بِالدَّيْنِ.
وَلَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى حَيْثُ مَنَعْنَاهُ لَمْ يُقْلَعْ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَلَعَلَّهُ يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْبَيْعِ، فَيُقْلَعُ إِنْ لَمْ تَفِ قِيمَةُ الْأَرْضِ بِدَيْنِهِ، وَزَادَتْ بِالْقَلْعِ.
فَلَوْ صَارَ الرَّاهِنُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالْإِفْلَاسِ، فَفِي الْقَلْعِ وَجْهَانِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَبَتَ النَّخْلُ مِنْ نَوًى حَمَلَهُ السَّيْلُ، حَيْثُ جَزَمْنَا بِأَنَّهُ لَا يُقْلَعُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ، لِأَنَّا مَنَعْنَاهُ هُنَا.
فَصْلٌ
الْيَدُ عَلَى الْمَرْهُونِ، مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُرْتَهَنِ ; لِأَنَّهَا مَقْصُودُ التَّوَثُّقِ.
فَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَالنُّقُودِ وَالْحُبُوبِ، لَا تُزَالُ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْهُ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْغَرَضِ مَعَ بَقَائِهِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، تَعَيَّنَ فِعْلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَإِنَّمَا تُزَالُ يَدُهُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُكْتَسِبًا وَتَيَسَّرَ اسْتِكْسَابُهُ هُنَاكَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ إِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ الِاسْتِكْسَابَ.
فَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِخْدَامَ أَوِ الرُّكُوبَ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنَ الِانْتِفَاعِ الْمُحْوِجِ إِلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ، فَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ: لَا يَخْرُجُ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يَخْرُجُ.
ثُمَّ إِنِ اسْتَوْفَى تِلْكَ الْمَنَافِعَ بِإِعَارَةٍ لِعَدْلٍ، أَوْ إِجَارَةٍ بِشَرْطِهَا السَّابِقِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ اسْتِيفَاءَهَا بِنَفْسِهِ، قَالَ فِي «الْأُمِّ» : لَهُ ذَلِكَ، وَمَنْعَهُ فِي الْقَدِيمِ، فَحَمَلَ حَامِلُونَ الْأَوَّلَ عَلَى الثِّقَةِ الْمَأْمُونِ جُحُودُهُ.
وَالثَّانِي: عَلَى غَيْرِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمَا قَوْلَانِ مُطْلَقًا، وَهَذَا أَصَحُّ.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: جَوَازُهُ مُطْلَقًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفَرَّعَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ عَلَى الْجَوَازِ: أَنَّهُ إِنْ وَثِقَ الْمُرْتَهِنُ بِالتَّسْلِيمِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا أَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنَ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِلِانْتِفَاعِ، فَإِنْ كَانَ مَوْثُوقًا بِهِ عِنْدَ النَّاسِ، مَشْهُورَ الْعَدَالَةِ لَمْ يُكَلَّفِ الْإِشْهَادَ فِي كُلِّ أَخْذَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ جَارِيَةً، فَأَرَادَ أَخْذَهَا لِلِاسْتِخْدَامِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ، إِلَّا إِذَا أَمِنَ غِشْيَانَهُ، بِأَنْ كَانَ مُحَرَّمًا، أَوْ ثِقَةً وَلَهُ أَهْلٌ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ إِخْرَاجُ الْمَرْهُونِ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ لِمَنْفَعَةٍ يَدُومُ اسْتِيفَاؤُهَا، فَذَاكَ.
وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى
[فِي] بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، كَالرُّكُوبِ، وَالِاسْتِخْدَامِ، اسْتُوْفِيَ نَهَارًا، وَرُدَّ إِلَى الْمُرْتَهِنِ لَيْلًا.
فَرْعٌ
لَيْسَ لِلرَّاهِنِ الْمُسَافَرَةُ بِهِ بِحَالٍ وَإِنْ قَصُرَ سَفَرُهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ.
وَلِهَذَا مُنِعَ زَوْجُ الْأَمَةِ مِنَ السَّفَرِ بِهَا.
وَإِنَّمَا جَازَ لِسَيِّدِهَا السَّفَرُ بِهَا لِحَقِّهِ الْمُتَعَلِّقِ بِالرَّقَبَةِ، وَلِئَلَّا يَمْتَنِعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا، وَيَجُوزُ لِلْحُرِّ السَّفَرُ بِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ.
فَرْعٌ
كَلَامُ الْغَزَالِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْتَزَعُ الْعَبْدُ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ إِذَا أَمْكَنَ اسْتِكْسَابُهُ، وَإِنْ طَلَبَ الرَّاهِنُ خِدْمَتَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَكْثَرُ لِذَلِكَ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ: أَنَّ لَهُ الِاسْتِخْدَامَ مَعَ إِمْكَانِ الِاسْتِكْسَابِ.
قُلْتُ: كَلَامُ الْغَزَالِيُّ، مَحْمُولٌ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ تَأْوِيلَهُ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَا تَزَالُ يَدُ الْبَائِعِ عَنِ الْعَبْدِ الْمَحْبُوسِ بِالثَّمَنِ بِسَبَبِ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَمَلِكَ الرَّاهِنِ مُسْتَقِرٌّ.
وَهَلْ يَسْتَكْسِبُ فِي يَدِهِ لِلْمُشْتَرِي، أَمْ تُعَطَّلُ مَنَافِعُهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ لِلْأَصْحَابِ.
قُلْتُ: الْأَرْجَحُ: اسْتِكْسَابُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي مُنِعَ بِهَا الرَّاهِنُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، إِذَا أَذِنَ فِيهَا، نُفِّذَتْ.
فَإِنْ أَذِنَ فِي الْوَطْءِ، حَلَّ، فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ، فَالْمَرْهُونُ وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ.
وَإِنْ أَحْبَلَ، أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ بَاعَ بِالْإِذْنِ، نَفَذَتْ وَبَطَلَ الرَّهْنُ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْإِذْنِ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ.
وَإِذَا رَجَعَ، فَالتَّصَرُّفُ بَعْدَهُ تَصَرُّفٌ بِلَا إِذْنٍ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْهِبَةِ وَالْإِقْبَاضِ، وَرَجَعَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ، صَحَّ وَامْتَنَعَ الْإِقْبَاضُ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْبَيْعِ فَبَاعَ الرَّاهِنُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَبْنِيُّ عَلَى اللُّزُومِ.
وَلَوْ رَجَعَ عَنِ الْإِذْنِ وَلَمْ يَعْلَمِ الرَّاهِنُ، فَتَصْرَّفَ لَمْ يُنَفَّذْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمَتَى أَحْبَلَ، أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ بَاعَ وَادَّعَى الْإِذْنَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ حَلَفَ، فَتَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَإِنْ نَكَلَ، فَحَلَفَ الرَّاهِنُ، فَهُوَ كَالتَّصَرُّفِ بِالْإِذْنِ.
فَإِنْ نَكَلَ الرَّاهِنُ، فَفِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْجَارِيَةِ وَالْعَبْدِ، طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْغُرَمَاءِ إِذَا نَكَلَ الْوَارِثُ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالرَّدِّ ; لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ يُثْبِتُونَ الْحَقَّ ابْتِدَاءً لِلْمَيِّتِ، وَهَذَانَ يُثْبِتَانِ لِأَنْفُسِهِمَا.
وَلَوِ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ الْمُرْتَهِنِ، حَلَفُوا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمُرْتَهِنُ وَوَرِثَةُ الرَّاهِنِ، حَلَفُوا يَمِينَ الرَّدِّ عَلَى الْبَتِّ.
وَفِي
ثُبُوتِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ، الْقِيَاسُ: الْمَنْعُ، كَالْوَكَالَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ حَصَلَ عِنْدَ الْمَرْهُونَةِ وَلَدٌ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: وَطِئْتُهَا بِإِذْنِكَ فَأَتَتْ بِهَذَا الْوَلَدِ مِنِّي وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ هُوَ مَنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًى، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِكَوْنِ الْوَلَدِ مِنْهُ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، فَلَا يَحْلِفُ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، وَهِيَ: الْإِذْنُ فِي الْوَطْءِ، وَأَنَّهُ وَطِئَ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ، وَأَنَّهَا مَضَتْ مُدَّةُ إِمْكَانِ الْوَلَدِ مِنْهُ.
فَإِنْ أَنْكَرَ وَاحِدًا مِنَ الْأَرْبَعَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَفِي وَجْهٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُرْتَهِنُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَنْعًا وَتَسْلِيمًا، وَاقْتَصَرَ عَلَى إِنْكَارِ الِاسْتِيلَادِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَلَى الرَّاهِنِ إِثْبَاتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
فَرْعٌ
لَوْ أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، بَطَلَ حَقُّهُ مِنَ الرَّهْنِ، سَوَاءٌ كَانَ دَيْنُهُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ قِيمَتَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ.
وَلَوْ بَاعَ بِإِذْنِهِ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ، فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ حَالًّا، قَضَى حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ، وَحُمِلَ إِذْنُهُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْبَيْعِ لِغَرَضِهِ.
وَلَوْ أَذِنَ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ الثَّمَنَ رَهْنًا مَكَانَهُ، فَقَوْلَانِ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا.
أَظْهَرُهُمَا: يَبْطُلُ الْإِذْنُ وَالْبَيْعُ.
وَالثَّانِي: يَصِحَّانِ، وَيَلْزَمُ الرَّاهِنُ الْوَفَاءَ بِالشَّرْطِ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْإِعْتَاقِ بِشَرْطِ جَعْلِ الْقِيمَةِ رَهْنًا، أَوْ فِي الْوَطْءِ بِهَذَا
الشَّرْطِ، إِنْ أَحْبَلَ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَهُوَ مُؤَجَّلٌ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: فَسَادُ الْبَيْعِ وَالْإِذْنِ، لِفَسَادِ الشَّرْطِ.
وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ: يَصِحَّانِ، وَيُجْعَلُ الثَّمَنُ رَهْنًا مَكَانَهُ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَذِنْتُ بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَ الثَّمَنَ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ أَذِنْتَ مُطْلَقًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَلَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَحَلَفَ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ صَحَّحْنَا الْإِذْنَ، فَعَلَى الرَّاهِنِ رَهْنُ الثَّمَنِ، وَإِلَّا، فَإِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْمُرْتَهِنَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَيَبْقَى مَرْهُونًا.
وَإِنْ كَذَّبَهُ، نُظِرَ، إِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الرَّهْنِ، حَلَفَ، وَعَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَرْهَنَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِكَوْنِهِ مَرْهُونًا، وَادَّعَى مِثْلَ مَا ادَّعَاهُ الرَّاهِنُ، فَعَلَيْهِ رَدُّ الْمَبِيعِ وَيَمِينُ الْمُرْتَهِنِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَوْ أَقَامَ الْمُرْتَهِنُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ مَرْهُونًا، فَهُوَ كَإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي بِهِ.
فَرْعٌ
مَنْقُولٌ عَنْ «الْأُمِّ»
لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي ضَرْبِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، فَهَلَكَ فِي الضَّرْبِ، فَلَا ضَمَانَ ; لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْوَطْءِ وَأَحْبَلَ.
وَلَوْ قَالَ: أَدِّبْهُ، فَضَرَبَهُ فَهَلَكَ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ.
فَصْلٌ
الدُّيُونُ الَّتِي عَلَى الْمَيِّتِ، تَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ قَطْعًا.
وَقَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، أَنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَعَلَى هَذَا، فِي كَيْفِيَّتِهِ قَوْلَانِ، وَيُقَالُ: وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي.
وَأَظْهَرُهُمَا: كَتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا أَثْبَتَ هَذَا التَّعَلُّقَ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ، لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ، فَاللَّائِقُ بِهِ، أَنْ لَا يُسَلَّطَ
الْوَارِثُ عَلَيْهِ.
فَلَوْ أَعْتَقَ الْوَارِثُ أَوْ بَاعَ وَهُوَ مُعْسِرٌ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ كَالْجَانِي أَوْ كَالْمَرْهُونِ.
وَيَجِيءُ فِي الْإِعْتَاقِ خِلَافٌ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، نُفِّذَ فِي وَجْهٍ، بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِ الْأَرْشِ، وَلَا يُنَفَّذُ فِي وَجْهٍ، بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِ الْمَرْهُونِ.
وَفِي وَجْهٍ: هُمَا مَوْقُوفَانِ.
فَإِنْ قُضِيَ الدَّيْنُ، تَبَيَّنَا نُفُوذَهُمَا، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّيْنِ مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى قِيَاسِ الْمَرْهُونِ.
وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ، نُفِّذَ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى إِلَّا قَدْرَ الدَّيْنِ ; لِأَنَّ الْحَجْرَ فِي مَالٍ كَثِيرٍ لِشَيْءٍ حَقِيرٍ، بَعِيدٌ.
وَإِذَا حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِ الْوَارِثِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنٌ ظَاهِرٌ، فَتَصَرَّفَ، ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ، بِأَنْ كَانَ بَاعَ شَيْئًا وَأَكْلَ ثَمَنَهُ، فَرُدَّ بِالْعَيْبِ، وَلَزِمَ رَدُّ الثَّمَنِ، أَوْ سَقَطَ سَاقِطٌ فِي بِئْرٍ كَانَ احْتَفَرَهَا عُدْوَانًا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تَبَيَّنَ فَسَادُ التَّصَرُّفِ لِتَقَدُّمِ سَبَبِ الدَّيْنِ، فَأُلْحِقْ بِالْمُقَارَنِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَفْسُدُ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ أَدَّى الْوَارِثُ الدَّيْنَ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يُفْسَخُ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ لِيَصِلَ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ حَقُّهُ.
وَالثَّانِي: لَا، بَلْ يُطَالَبُ الْوَارِثُ بِالدَّيْنِ، وَيُجْعَلُ كَالضَّامِنِ، وَلِلْوَارِثِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يُمْسِكَ عَيْنَ التَّرِكَةِ وَيُؤَدِّيَ الدَّيْنَ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ.
وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ مِنَ التَّرِكَةِ، فَقَالَ الْوَارِثُ: آخُذُهَا بِقِيمَتِهَا، وَأَرَادَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَهَا لِتَوَقُّعِ زِيَادَةِ رَاغِبٍ، أَيُّهُمَا يُجَابُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْوَارِثُ.
وَفِي تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ، كَالْكَسْبِ وَالنِّتَاجِ، خِلَافٌ مَبْنِيُّ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الْإِرْثَ، أَمْ لَا؟ إِنْ مَنَعَ، تَعَلَّقَ، وَإِلَّا، فَلَا.
قُلْتُ: سَوَاءٌ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ أَوْ فِي بَعْضِهَا، فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْوَارِثُ بِالدَّيْنِ الْمُقَارِنِ، أَمْ لَا، قَالَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، لَا يُخْتَلَفُ بِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْيَدِ بَعْدَ لُزُومِ الرَّهْنِ، وَلَا تُزَالُ
يَدُهُ إِلَّا لِلِانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَيْهِ لَيْلًا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ يَعْمَلُ لَيْلًا كَالْحَارِسِ، رُدَّ إِلَيْهِ نَهَارًا.
وَلَوْ شَرَطَا فِي الِابْتِدَاءِ وَضْعَهُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، جَازَ فَإِنْ شَرَطَا عِنْدَ اثْنَيْنِ، وَنَصَّا عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالْحِفْظِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَحْفَظَاهُ مَعًا فِي حِرْزٍ، اتُّبِعَ الشَّرْطُ.
وَإِنْ أَطْلَقْنَاهُ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْحِفْظِ.
كَمَا لَوْ أَوْصَى إِلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ فِي شَيْءٍ لَا يَسْتَقِلُّ أَحَدُهُمَا، فَعَلَى هَذَا يَجْعَلَانِهِ فِي حِرْزٍ لَهُمَا.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ الِانْفِرَادُ لِئَلَّا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا، فَعَلَى هَذَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَى كَوْنِهِ عِنْدَ أَحَدِهِمَا، فَذَاكَ، وَإِنْ تَنَازَعَا وَالرَّهْنُ مِمَّا يَنْقَسِمُ، قُسِمَ وَحَفِظَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَهُ، وَإِلَّا حَفِظَ هَذَا مُدَّةً، وَهَذَا مُدَّةً.
وَلَوْ قَسَمَاهُ بِالتَّرَاضِي وَالتَّفْرِيعِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرُدَّ مَا فِي يَدِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: قَطَعَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا أَرَادَ الَّذِي وَضَعَاهُ عِنْدَهُ الرَّدَّ، رَدَّهُ إِلَيْهِمَا، أَوْ إِلَى وَكِيلِهِمَا، فَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ وَلَا وَكِيلَ، فَهُوَ كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ إِلَى أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ وَاسْتُرِدَّ مِنْهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، نُظِرَ، إِنْ دَفَعَهُ إِلَى الرَّاهِنِ، رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى حَقِّهِ، لِيَكُونَ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَيُغَرِّمُ مَنْ شَاءَ مِنَ الْعَدْلِ وَالرَّاهِنِ، وَالْقَرَارُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ دَفَعَ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، ضَمِنَا، وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْقِيمَةِ، جَاءَ الْكَلَامُ فِي التَّقَاصِّ، وَإِنْ غَصَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنُ مِنْ يَدِ الْعَدْلِ، ضَمِنَ.
فَلَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ بَرِئَ.
وَقِيلَ: لَا يَبْرَأُ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى
الْمَالِكِ، أَوْ بِإِذْنٍ جَدِيدٍ لِلْعَدْلِ فِي أَخْذِهِ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ غَصَبَ الْوَدِيعَةَ مِنَ الْمُودِعِ، أَوِ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجِرَةَ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوِ الْمَرْهُونَةَ مِنَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ رَدَّ إِلَيْهِمْ.
وَلَوْ غَصَبَ اللُّقْطَةَ مِنَ الْمُلْتَقِطِ، ثُمَّ رَدَّ إِلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ.
وَلَوْ غَصَبَ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ أَوِ الْمُسْتَامِّ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ، فَوَجْهَانِ ; لِأَنَّهُمَا مَأْذُونَانِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، لَكِنَّهُمَا ضَامِنَانِ.
فَرْعٌ
لَوِ اتَّفَقَ الْمُتَرَاهِنَانِ عَلَى نَقْلِ الرَّهْنِ إِلَى يَدِ عَدْلٍ آخَرَ، جَازَ، وَإِنْ طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا، لَا يُجَابُ، إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ عَنِ الْحِفْظِ، أَوْ تَحْدُثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا عَدَاوَةٌ، وَيَطْلُبُ نَقْلَهُ، فَيُنْقَلُ إِلَى آخَرَ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَشَاحَّا، وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ.
وَلَوْ كَانَ مَنْ وَضَعَاهُ عِنْدَهُ فَاسِقًا فِي الِابْتِدَاءِ، فَازْدَادَ فِسْقًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَدَثَ فِسْقُهُ.
وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا إِخْرَاجَهُ مِنْ يَدِ وَارِثِهِ.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَتَغَيَّرَ حَالُهُ، أَوْ مَاتَ، كَانَ لِلرَّاهِنِ نَقْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي وَجْهٍ: لَا تُزَالُ يَدُ وَرَثَتِهِ، لَكِنْ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِمْ، ضَمَّ الْقَاضِي إِلَيْهِمْ مُشْرِفًا.
فَرْعٌ
إِذَا ادَّعَى الْعَدْلُ هَلَاكُ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ، أَوْ رَدَّهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، كَالْمُودِعِ.
وَلَوْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ عَمْدًا، أُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ وَوُضِعَتْ عِنْدَ آخَرَ.
وَلَوْ أَتْلَفَهُ مُخْطِئًا، أَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ، أُخِذَتِ الْقِيمَةُ وَوُضِعَتْ عِنْدَهُ، كَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَذَهَبَ الْإِمَامُ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اسْتِحْفَاظٍ جَدِيدٍ.
وَقِيَاسُهُ، أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَأُتْلِفَ وَأَخَذَ بَدَلَهُ، كَانَ لِلرَّاهِنِ أَنْ لَا يَرْضَى بِيَدِهِ فِي الْبَدَلِ.
فَصْلٌ
الْمُرْتَهِنُ يَسْتَحِقُّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيَتَقَدَّمُ بِثَمَنِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَإِنَّمَا يَبِيعُهُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَلَوْ لَمْ يَأْذَنِ الْمُرْتَهِنُ، وَأَرَادَ الرَّاهِنُ بَيْعَهُ، قَالَ لَهُ الْقَاضِي: ائْذَنْ فِي بَيْعِهِ وَخُذْ حَقَّكَ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ أَبْرِئْهُ.
وَإِنْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ، وَأَبَى الرَّاهِنُ، وَلَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ، أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى قَضَائِهِ، أَوِ الْبَيْعِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ وَكِيلِهِ، فَإِنْ أَصَرَّ، بَاعَهُ الْحَاكِمُ.
وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ غَائِبًا، أَثْبَتَ الْحَالَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيَبِيعَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ، فَلَهُ بَيْعُهُ بِنَفْسِهِ كَمَنْ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ وَهُوَ جَاحِدٌ وَلَا بَيِّنَةَ.
فَرْعٌ
لَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهَنِ فِي بَيْعِهِ بِنَفْسِهِ، فَبَاعَ فِي غَيْبَةِ الرَّاهِنِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ، فَيُتَّهَمُ فِي الِاسْتِعْجَالِ وَتَرْكِ النَّظَرِ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِحُضُورِهِ، صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ، فَعَلَى هَذَا، لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ بِبَيْعِهِ أَصْلًا، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّهْنِ، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ رَهْنُ تَبَرُّعٍ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الشَّرْطِ الْفَاسِدِ النَّافِعِ لِلْمُرْتَهَنِ أَنَّهُ هَلْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ؟ وَلَوْ قَالَ لِلْمُرْتَهَنِ: بِعِ الْمَرْهُونَ، وَاسْتَوْفِ الثَّمَنَ لِي، ثُمَّ اسْتَوْفِهِ لِنَفْسِكَ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَالِاسْتِيفَاءُ لِلرَّاهِنِ، وَلَا يَحْصُلُ الِاسْتِيفَاءُ لِنَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ إِدَامَةِ الْيَدِ وَالْإِمْسَاكِ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَزْنٍ جَدِيدٍ، أَوْ كَيْلٍ جَدِيدٍ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْقَبْضِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ.
ثُمَّ إِذَا اسْتَوْفَاهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ
بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي نَظَائِرِهِمَا فِي الْبَيْعِ، لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الرَّاهِنِ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْمُسْتَوْفِي مِنْ ضَمَانِهِ.
وَإِنْ أَبْطَلْنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ لَمْ يَبْرَأِ الرَّاهِنُ، وَيَدْخُلُ الْمُسْتَوْفِي فِي ضَمَانِهِ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ الْفَاسِدَ كَالصَّحِيحِ فِي اقْتِضَاءِ الضَّمَانِ.
قُلْتُ: دُخُولُهُ فِي ضَمَانِهِ، يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِهِ لِنَفْسِهِ، فَأَمَّا قَبْلَهُ، فَهُوَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَكَذَا لَوْ نَوَى إِمْسَاكَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ فِعْلٍ، فَالْأَمَانَةُ مُسْتَمِرَّةٌ، صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَغَيْرُهُمَا.
وَلَوْ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ بِفِعْلٍ مِنْ غَيْرِ وَكِيلٍ وَلَا وَزْنٍ، دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ فَاسِدٌ، فَلَهُ فِي الضَّمَانِ حُكْمُ الصَّحِيحِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَتِ الصِّيغَةُ: ثُمَّ أَمْسِكْهُ لِنَفْسِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِحْدَاثِ فِعْلٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَكْفِي مُجَرَّدُ الْإِمْسَاكِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ لِي وَاسْتَوْفِ الثَّمَنَ لِنَفْسِكَ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَصِحَّ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ لِلرَّاهِنِ، لَا يُتَصَوَّرُ الْقَبْضُ لِنَفْسِهِ، وَهُنَا بِمُجَرَّدِ قَبْضِهِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ لِنَفْسِكَ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: أَنَّ الْإِذْنَ بَاطِلٌ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَبِيعَ الْإِنْسَانُ مَالَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ: بِعْهُ، وَإِلْغَاءً لِلْبَاقِي، وَلِأَنَّ السَّابِقَ أَنَّ الْفَهْمَ مِنْهُ، الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ لِغَرَضِهِ بِالتَّوَصُّلِ إِلَى دَيْنِهِ.
وَلَوْ أَطْلَقَ وَقَالَ: بِعْهُ، وَلَمْ يَقُلْ: لِي، وَلَا لِنَفْسِكَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: صِحَّةُ الْبَيْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: بِعْهُ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ لِعِلَّتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ مُسْتَحِقٌّ لِلْمُرْتَهَنِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِعْهُ لِنَفْسِكَ.
وَالثَّانِيَةُ: التُّهْمَةُ كَمَا سَبَقَ.
وَعَلَى الْعِلَّتَيْنِ، لَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا وَقَالَ: بِعْهُ، صَحَّ، لِانْتِفَائِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ وَاسْتَوْفِ حَقَّكَ مِنْ ثَمَنِهِ، جَاءَتِ التُّهْمَةُ.
وَإِنْ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ عَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى، وَيَصِحُّ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا عِنْدَ الْبَيْعِ.
فَرْعٌ
إِذْنُ الْوَارِثِ لِغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ فِي بَيْعِ التَّرِكَةِ، كَإِذْنِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهَنِ، وَكَذَا إِذْنُ السَّيِّدِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي بَيْعِ الْجَانِي.
فَرْعٌ
إِذَا وَضَعَا الرَّهْنَ عِنْدَ عَدْلٍ، وَشَرَطَا أَنْ يَبِيعَهُ عِنْدَ الْمَحَلِّ، جَازَ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَجْدِيدُ إِذْنِ الرَّاهِنِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ، فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: يُشْتَرَطُ مُرَاجَعَتُهُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لِإِيصَالِهِ حَقَّهُ إِذَا طَالَبَ، فَلْيُسْتَأْذَنْ، فَرُبَّمَا أَمْهَلَ، وَرُبَّمَا أَبْرَأَ.
وَعَكَسَهُ الْإِمَامُ فَقَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُرَاجَعَ ; لِأَنَّ غَرَضَهُ تَوْفِيَةُ الْحَقِّ، بِخِلَافِ الرَّاهِنِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُبْقِي الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ.
فَرْعٌ
لَوْ عُزِلَ الرَّاهِنُ الْعَدْلَ قَبْلَ الْبَيْعِ، انْعَزَلَ.
وَلَوْ عَزَلَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَنْعَزِلُ ; لِأَنَّهُ وَكِيلُ الرَّاهِنِ، فَإِنَّهُ الْمَالِكُ.
وَالثَّانِي: يَنْعَزِلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، كَمَا لَوْ عَزَلَهُ الرَّاهِنُ ; لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُمَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ مِنَ الْبَيْعِ لَمْ يَبِعْ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْمُرْتَهِنِ، فَجَدَّدَ لَهُ إِذْنًا، جَازَ الْبَيْعُ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ تَجْدِيدُ تَوْكِيلِ الرَّاهِنِ.
قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» وَمَسَاقُ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ عَزَلَهُ الرَّاهِنُ، ثُمَّ عَادَ فَوَكَّلَهُ، اشْتُرِطَ إِذْنٌ جَدِيدٌ مِنَ الْمُرْتَهِنِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: لَا يُعْتَدُّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ تَوْكِيلِ الرَّاهِنِ، وَلَا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ لِلْوَكِيلِ قَبْلَ تَوْكِيلِ الْوَلِيِّ إِيَّاهُ، وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ.
فَرْعٌ
إِذَا بَاعَ الْعَدْلُ وَأَخْذَ الثَّمَنَ، فَهُوَ أَمِينٌ، وَالثَّمَنُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ إِلَى أَنْ يَتَسَلَّمَهُ الْمُرْتَهِنُ.
فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَدْلِ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّهْنُ مُسْتَحَقًّا، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْعَدْلِ أَوِ الرَّاهِنِ، وَالْقَرَارُ عَلَى الرَّاهِنِ.
وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ، فَأَمَرَ الْحَاكِمُ الْعَدْلَ أَوْ غَيْرَهُ بِبَيْعِهِ فَبَاعَهُ، وَتَلِفَ الثَّمَنُ ثُمَّ خَرَجَ مُسْتَحِقًّا، رَجَعَ الْمُشْتَرِي فِي مَالِ الرَّهْنِ، وَلَا يَكُونُ الْعَدْلُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ نَائِبُ الْحَاكِمِ، وَالْحَاكِمُ لَا يَضْمَنُ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ.
وَإِذَا ادَّعَى الْعَدْلُ تَلَفَ الثَّمَنِ فِي يَدِهِ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنِ ادَّعَى تَسْلِيمَهُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِذَا حَلَفَ، أَخَذَ حَقَّهُ مِنَ الرَّاهِنِ، وَرَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّسْلِيمِ.
وَلَوْ صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ فِي التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِالْإِشْهَادِ، ضَمِنَ الْعَدْلُ بِلَا خِلَافٍ، لِتَقْصِيرِهِ.
وَكَذَا إِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِتَفْرِيطِهِ.
فَلَوْ قَالَ: أَشْهَدْتُ وَمَاتَ شُهُودِي، وَصَدَّقَهُ الرَّاهِنُ، فَلَا ضَمَانَ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَوَجْهَانِ سَنَذْكُرُهُمَا مَعَ نَظَائِرِهِمَا فِي بَابِ الضَّمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ الْعَدْلُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، أَوْ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ لَمْ يَصِحَّ.
وَقِيلَ: بِالْمُؤَجَّلِ، وَهُوَ غَلَطٌ.
وَلَوْ سَلَّمَ الْمَالَ إِلَى الْمُشْتَرِي، صَارَ ضَامِنًا.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا، اسْتُرِدَّ، وَجَازَ لِلْعَدْلِ بَيْعُهُ بِالْإِذْنِ السَّابِقِ وَإِنْ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.
وَإِذَا بَاعَهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَإِنْ بَاعَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، أَوْ بِمُؤَجَّلٍ، فَالرَّاهِنُ بِالْخِيَارِ فِي التَّغْرِيمِ
مَنْ شَاءَ مِنَ الْعَدْلِ وَالْمُشْتَرِي كَمَالَ قِيمَتِهِ.
وَكَذَا إِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَعَلَى الثَّانِي: إِنْ غَرِمَ الْعَدْلُ، حُطَّ النَّقْصُ الَّذِي كَانَ يُحْتَمَلُ فِي الِابْتِدَاءِ لِلْغَبْنِ الْمُعْتَادِ.
مِثَالُهُ، ثَمَنُ مِثْلِهِ عَشَرَةٌ، وَيُتَغَابَنُ فِيهِ بِدِرْهَمٍ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِيَةٍ، نُغَرِّمُهُ تِسْعَةً، وَنَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الْبَاقِيَ مِنَ الْمُشْتَرِي، كَذَا نَقَلُوهُ.
وَغَالِبُ الظَّنِّ طَرْدُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْبَيْعِ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَفِي الْمُؤَجَّلِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ النَّصُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْغَبْنِ ; لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْأَمْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ وَآخَرِينَ، جَعَلُوا كَيْفِيَّةَ تَغْرِيمِ الْوَكِيلِ إِذَا بَاعَ عَلَى صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَسَوَّوْا بَيْنَ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَدْلِ فِي الرَّهْنِ وَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَالْقَرَارُ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِحُصُولِ الْهَلَاكِ عِنْدَهُ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ أَحَدُ الْمُتَرَاهِنَيْنِ: بِعْهُ بِالدَّرَاهِمِ، وَقَالَ الْآخَرُ: بِالدَّنَانِيرِ لَمْ يُبَعْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَرْفَعَانِ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَبِيعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْحَقُّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِلَّا صُرِفَ نَقْدُ الْبَلَدِ إِلَيْهِ.
فَلَوْ رَأَى الْحَاكِمُ بَيْعَهُ بِجِنْسِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، جَازَ.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَزَادَ رَاغِبٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَلْيَفْسَخِ الْبَيْعَ، وَلْيَبِعْهُ لَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهَا، وَأَصَحُّهُمَا الِانْفِسَاخُ ; لِأَنَّ الْمَجْلِسَ كَحَالِ الْعَقْدِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ بَدَا لِلرَّاغِبِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ بَيْعِهِ، فَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ بِحَالِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، بَطَلَ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعٍ جَدِيدٍ.
وَفِي وَجْهٍ: إِذَا بَدَا لَهُ، بَانَ أَنَّ الْبَيْعَ بِحَالِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ لَمْ يَفْسَخِ الْعَدْلُ، بَلْ بَاعَ الرَّاغِبُ،
فَفِي كَوْنِهِ فَسْخًا لِذَلِكَ الْبَيْعِ، ثُمَّ فِي صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْبَيْعِ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ بَاعَ ثُمَّ فَسَخَ الْبَيْعَ، هَلْ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْبَيْعِ مَرَّةً أُخْرَى، فِيهِ خِلَافٌ.
وَالْأَمْرُ بِالْبَيْعِ مِنَ الرَّاغِبِ هُنَا، تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ.
أَوْ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ صُرِّحَ لَهُ فِي الْإِذْنِ بِذَلِكَ.
وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، تَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الْوَكَالَاتِ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ فَزَادَ رَاغِبٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فِيهِ نَقْصٌ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، لِيَعُمَّ خِيَارَيِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ، فَإِنَّ حُكْمَهُمَا فِي هَذَا سَوَاءٌ.
صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَغَيْرُهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ زَادَ الرَّاغِبُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، لَزِمَ الْبَيْعُ، وَلَا أَثَرَ لِلزِّيَادَةِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْعَدْلِ أَنْ يَسْتَقِيلَ الْمُشْتَرِي لِيَبِيعَهُ بِالزِّيَادَةِ لِلرَّاغِبِ، أَوْ لِهَذَا الْمُشْتَرِي إِنْ شَاءَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
مُؤْنَةُ الرَّهْنِ الَّتِي يَبْقَى بِهَا، كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ وَكُسْوَتِهِ، وَعَلَفِ الدَّابَّةِ عَلَى الرَّاهِنِ.
وَفِي مَعْنَاهَا، سَقْيُ الْأَشْجَارِ وَالْكُرُومِ، وَمُؤْنَةُ الْجِدَادِ، وَتَجْفِيفُ الثِّمَارِ، وَأُجْرَةُ الِاصْطَبْلِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الْمَتَاعُ الْمَرْهُونُ إِذَا لَمْ يَتَبَرَّعُ بِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَأُجْرَةُ مَنْ يَرُدُّ الْآبِقَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي وَجْهَيْنِ، فِي أَنَّ هَذِهِ الْمُؤَنَ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهَا الرَّاهِنُ حَتَّى يَقُومَ بِهَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ، أَصَحُّهُمَا: الْإِجْبَارُ، حِفْظًا لِلْوَثِيقَةِ.
وَالثَّانِي: عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ: لَا يُجْبَرُ، بَلْ يَبِيعُ الْقَاضِي جُزْءًا مِنْهُ فِيهَا بِحَسْبِ الْحَاجَةِ.
وَفَرَّعَ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا، أَنَّ النَّفَقَةَ لَوْ كَانَتْ تَأْكُلُ الرَّهْنَ قَبْلَ الْأَجَلِ، أُلْحِقَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَفْسَدُ قَبْلَ الْأَجَلِ، فَيُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَكَذَا أَصْلُهُ الْمُفَرَّعُ عَلَيْهِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ فَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، بَاعَ الْحَاكِمُ جُزْءًا مِنَ الْمَرْهُونِ وَاكْتَرَى بِهِ بَيْتًا يُحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَأَمَّا الْمُؤْنَاتُ الدَّائِرَةُ، فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: حُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَ الْجِمَالَ الْمُسْتَأْجِرَةَ، أَوْ عَجَزَ عَنِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ لِأَرْجِعَ فِي مَالِ الرَّاهِنِ، أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ.
فَإِنِ اتَّفَقَ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالنَّفَقَةِ وَالدَّيْنِ، فَهُوَ كَفِدَائِهِ الْمَرْهُونَ الْجَانِيَ عَلَى أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالدَّيْنِ وَالْفِدَاءِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ تَقَدَّمَا.
وَالْمَذْهَبُ: الصِّحَّةُ.
فَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ، أَوْ لَمْ يُمَكِّنْهُ، وَلَمْ يَشْهَدْ، فَلَا رُجُوعَ، وَإِنْ أَشْهَدْ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى هَرَبِ الْجَمَّالُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَا يَمْنَعُ الرَّاهِنُ مَصْلَحَةً فِي الْمَرْهُونِ، كَفَصْدِهِ وَحِجَامَتِهِ، وَتَوْدِيجِ الدَّابَّةِ وَبَزْغِهَا وَالْمُعَالَجَةِ بِالْأَدْوِيَةِ وَالْمَرَاهِمِ، لَكِنْ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ.
وَطَرَدَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» الْوَجْهَيْنَ فِي الْمُدَاوَاةِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْمُدَاوَاةُ مِمَّا يُرْجَى نَفْعُهُ وَيُؤْمَنُ ضَرَرُهُ، فَذَاكَ، وَإِنْ خِيفَ وَغَلَبَتِ السَّلَامَةُ، فَهَلْ لِلْمُرْتَهَنِ مَنْعُهُ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجْرِيَانِ فِي قَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ إِذَا كَانَ فِي قَطْعِهَا وَتَرْكِهَا خَطَرٌ.
فَإِنْ كَانَ الْخَطَرُ فِي التَّرْكِ دُونَ الْقَطْعِ، فَلَهُ الْقَطْعُ، وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ سِلْعَةٍ وَأُصْبُعٍ لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا، إِذَا خِيفَ ضَرَرٌ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ، فَعَلَى الْخِلَافِ.
وَلَهُ خِتَانُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي وَقْتِ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ، إِنْ كَانَ يَنْدَمِلُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ ; لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ، وَالْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةُ.
وَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلْ، وَكَانَ فِيهِ نَقْصٌ لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ عَارِضٌ يُخَافُ مَعَهُ مِنَ الْخِتَانِ.
قُلْتُ: كَذَا أَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، أَوْ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ، جَوَازَ الْخِتَانِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي وَالشَّيْخُ نَصْرٌ، بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَمَنْ تَابَعَهُ: يُمْنَعُ مِنْ خِتَانِ الْكَبِيرِ دُونَ الصَّغِيرِ، لِخَوْفِ التَّلَفِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» وَ «الْمُخْتَصَرِ» وَيُؤَيِّدُهُ، أَنَّهُمْ عَدُّوا عَدَمَ الْخِتَانِ عَيْبًا فِي الْكَبِيرِ، دُونَ الصَّغِيرِ، كَمَا سَبَقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَهُ تَأْبِيرُ النَّخْلِ الْمَرْهُونَةِ.
وَلَوِ ازْدَحَمَتْ، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: تَحْوِيلُهَا أَنْفَعُ، جَازَ تَحْوِيلُهَا، وَكَذَا لَوْ رَأَوْا قَطْعَ الْبَعْضِ لِصَلَاحِ الْأَكْثَرِ.
ثُمَّ مَا يُقْطَعُ مِنْهَا أَوْ يَجِفُّ، يَبْقَى مَرْهُونًا، بِخِلَافِ مَا يَحْدُثُ مِنَ السَّعَفِ وَيَجِفُّ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَرْهُونٍ، كَالثَّمَرَةِ، وَمَا كَانَ ظَاهِرًا مِنْهَا عِنْدَ الرَّهْنِ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : هُوَ مَرْهُونٌ.
وَقَالَ فِي «الشَّامِلِ» : لَا فَرْقَ.
قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَمَا يَحْصُلُ مِنَ اللِّيفِ، وَالْعَرَاجِينِ وَالْكَرَبِ، كَالسَّعَفِ.
وَالْكَرَبُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالرَّاءِ: أُصُولُ السَّعَفِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَا يُمْنَعُ مِنْ رَعْيِ الْمَاشِيَةِ وَقْتَ الْأَمْنِ، وَتَأْوِي لَيْلًا إِلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوِ الْعَدْلِ.
وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُبْعِدَ فِي طَلَبِ النَّجْعَةِ، وَبِالْقُرْبِ مَا يُبَلِّغُ مِنْهَا مَبْلَغًا، فَلِلْمُرْتَهَنِ الْمَنْعُ، وَإِلَّا، فَلَا مَنْعَ، وَتَأْوِي إِلَى يَدِ عَدْلٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا، فَيُنَصِّبُهُ الْحَاكِمُ.
وَإِنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِالْقُرْبِ مَا يَكْفِي لَمْ يُمْنَعْ.
وَكَذَا لَوْ أَرَادَ نَقْلَ الْمَتَاعِ
مِنْ بَيْتٍ غَيْرِ مُحْرَزٍ إِلَى مُحْرَزٍ.
وَلَوْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ مِنْ مَكَانِهِمَا، فَإِنِ انْتَقَلَا إِلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، جُعِلَتِ الْمَاشِيَةُ مَعَ الرَّاهِنِ، وَيَحْتَاطُ لَيْلًا كَمَا سَبَقَ.
فَصْلٌ
الرَّهْنُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، لَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّيْنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ، ضَمَانُهُ إِلَّا إِذَا تَعَدَّى فِيهِ.
وَإِذَا بَرِئَ الرَّاهِنُ مِنَ الدَّيْنِ بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ أَوْ حَوَالَةٍ، بَقِيَ الرَّهْنُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَصِيرُ مَضْمُونًا إِلَّا إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الرَّدِّ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، كَمَنْ طَيَّرَتِ الرِّيحُ ثُوبًا إِلَى دَارِهِ، فَيُعْلِمُ الْمُرْتَهِنُ بِهِ، أَوْ يَرُدُّهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ.
فَرْعٌ
كُلُّ عَقْدٍ اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ، فَكَذَلِكَ فَاسِدُهُ.
وَمَا لَا يَقْتَضِي صَحِيحُهُ الضَّمَانَ، فَكَذَا فَاسِدُهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الصَّحِيحَ إِذَا أَوْجَبَ الضَّمَانَ، فَالْفَاسِدُ أَوْلَى.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنْ إِثْبَاتَ الْيَدِ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِالْعَقْدِ ضَمَانًا.
فَرْعٌ
لَوْ أَعَارَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ لِلْمُرْتَهَنِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، ضِمْنَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا، وَأَذِنَ لَهُ فِي غِرَاسِهَا بَعْدَ شَهْرٍ، فَهِيَ بَعْدَ الشَّهْرِ عَارِيَّةٌ، غَرَسَ، أَمْ لَا؟ وَقَبِلَهُ أَمَانَةً، حَتَّى لَوْ غَرَسَ قَبْلَهُ قَلَعَ.
فَرْعٌ
رَهْنَهُ مَالًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ، فَهُوَ مَبِيعٌ لَهُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَبِيعٌ لَهُ بَعْدَ شَهْرٍ، فَالْبَيْعُ وَالرَّهْنُ بَاطِلَانِ، وَيَكُونُ الْمَالُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْبَيْعِ، وَبَعْدَهُ مَضْمُونٌ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ ضَمَانٍ.
وَفِي وَجْهٍ: إِنَّمَا يَصِيرُ مَضْمُونًا، إِذَا أَمْسَكَهُ عَلَى سَبِيلِ الشِّرَاءِ.
أَمَّا إِذَا أَمْسَكَهُ عَلَى مُوجَبِ الدَّيْنِ، فَلَا، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
فَلَوْ كَانَ أَرْضًا، فَغَرَسَ فِيهَا الْمُرْتَهِنُ، أَوْ بَنَى قَبْلَ وَقْتِ الْبَيْعِ، قَلَعَ مَجَّانًا، وَكَذَا لَوْ غَرَسَ بَعْدَهُ عَالِمًا بِفَسَادِ الْبَيْعِ.
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، لِوُقُوعِهِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَجَهْلِهِ التَّحْرِيمَ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ غَرَسَ الْمُسْتَعِيرُ وَرَجَعَ الْمُعِيرُ.
فَرْعٌ
إِذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ تَلَفَ الْمَرْهُونِ فِي يَدِهِ، قَبْلَ قَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنِ ادَّعَى رَدَّهُ إِلَى الرَّاهِنِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَعِيرَ، بِخِلَافِ دَعْوَى التَّلَفِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالِاخْتِيَارِ، فَلَا تُسَاعِدُهُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ.
قَالُوا: وَكَذَا حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ إِذَا ادَّعَى الرَّدَّ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُودِعِ وَالْوَكِيلِ بِغَيْرِ جَعْلٍ مَعَ يَمِينِهِمَا.
لِأَنَّهُمَا أَمِينَانِ مُتَمَحِّضَانِ.
وَفِي الْوَكِيلِ بِجَعْلٍ.
وَالْمُضَارِبُ وَالْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ، إِذَا لَمْ نُضَمِّنْهُ، ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ.
أَصَحُّهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ مَعَ الْيَمِينِ ; لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ الْمَالِكِ، وَانْتِفَاعُهُمْ بِالْعَمَلِ فِي الْعَيْنِ، لَا بِالْعَيْنِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ، هِيَ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لَاسِيَّمَا قُدَمَاؤُهُمْ، وَتَابَعَهُمُ الرُّويَانِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنَ الْمَرَاوِزَةِ وَغَيْرِهِمْ: كُلُّ أَمِينٍ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ، كَالتَّلَفِ.
فَقَدِ اتَّفَقُوا فِي الطَّرْقِ، عَلَى تَصْدِيقِ جَمِيعِهِمْ فِي دَعْوَى التَّلَفِ.
وَفِي عِبَارَةِ الْغَزَالِيِّ مَا يَقْتَضِي خِلَافًا فِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ قَطْعًا.
فَرْعٌ
لَوْ رَهَنَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ عِنْدَ إِنْسَانٍ، فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ.
وَفِي تَضْمِينِهِ الْمُرْتَهِنَ، طَرِيقَانِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا ; لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَضْمَنُ، لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى مَا لَمْ يَأْتَمِنْهُ مَالِكُهُ عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، لِحُصُولِ التَّلَفِ عِنْدَهُ وَنُزُولِ التَّلَفِ مَنْزِلَةَ الْإِتْلَافِ فِي الْغَصْبِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ لِتَغْرِيرِهِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِتَضْمِينِهِ وَعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ، قَالَهُ الْمَرَاوِزَةُ وَيَجْرِي الطَّرِيقَانِ فِي الْمُسْتَأْجِرِ مِنَ الْغَاصِبِ، وَالْمُسْتَوْدِعِ، وَالْمَضَارِبِ، وَوَكِيلِهِ فِي بَيْعِهِ.
وَكُلُّ هَذَا إِذَا جَهِلُوا الْغَصْبَ، فَإِنْ عَلِمُوا، فَهُمْ غَاصِبُونَ أَيْضًا، وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْهُ، وَالْمُسْتَامُ، يُطَالَبَانِ وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ ; لِأَنَّهَا يَدُ ضَمَانٍ.
فَرْعٌ
لَوْ رَهَنَ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَسَدَ الشَّرْطُ وَالرَّهْنُ، وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ.
فَرْعٌ
قَالَ: خُذْ هَذَا الْكِيسَ وَاسْتَوْفِ حَقَّكَ مِنْهُ، فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ، فَإِذَا اسْتَوْفَى، كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ فِيهِ دَرَاهِمُ، فَقَالَ: خُذْهُ بِدَرَاهِمِكَ، وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي فِيهِ مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ، أَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ دَرَاهِمِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ.
وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً وَبِقَدْرِ حَقِّهِ، مَلَكَهُ.
وَلَوْ قَالَ:
خُذْ هَذَا الْعَبْدَ بِحَقِّكَ، وَلَمْ يَكُنْ سَلَمًا، فَقَبِلَ، مَلَكَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَهُ، دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ.
فَصْلٌ
لَيْسَ لِلْمُرْتَهَنِ فِي الْمَرْهُونِ إِلَّا حَقُّ الِاسْتِيثَاقِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَمِنَ الِانْتِفَاعِ.
فَلَوْ وَطِئَ الْمَرْهُونَةَ بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ، فَكَوَطْءِ غَيْرِهَا.
فَإِنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، فَلَا حَدَّ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَالْوَلَدُ نَسِيبٌ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ.
وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعِ جَهْلًا، فَهُوَ زَانٍ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ وَطِئَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمُسْتَأْجَرَةَ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً.
وَإِنْ طَاوَعَتْهُ، فَلَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنِ ادَّعَى الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُقْبَلُ، لِدَفْعِ الْحَدِّ.
وَحَكَى الْمَسْعُودِيُّ فِي قَبُولِهِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ وَحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ وَالْمَهْرِ، خِلَافًا.
وَالْأَصَحُّ: ثُبُوتُ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ الشُّبْهَةَ كَمَا تَدْفَعُ الْحَدَّ، تُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْحُرِّيَّةَ.
وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ، وَجَبَ الْمَهْرُ.
وَإِنْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَرَامٌ، لَزِمَهُ الْحَدُّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنِ ادَّعَى جَهْلَ التَّحْرِيمِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ فِي مَعْنَاهُ.
وَأَصَحُّهُمَا: يُقْبَلُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى التَّحْرِيمُ مَعَ الْإِذْنِ.
وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ، سَقَطَ الْمَهْرُ إِنْ كَانَتْ مُطَاوَعَةً، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِسُقُوطِ الْحَدِّ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُفَوَّضَةِ فِي النِّكَاحِ.
وَالثَّانِي لَا يَجِبُ، لِإِذْنِ مُسْتَحِقِّهِ، فَأَشْبَهَ زِنَا الْحُرَّةِ.
فَإِنْ أَوْلَدَهَا بِوَطْئِهِ، فَالْوَلَدُ لَهُ نَسِيبٌ حُرٌّ، وَتَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْمَهْرِ، وَلَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فِي الْحَالِ.
فَإِنْ مَلَكَهَا، فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا تَصِيرُ.
فَرْعٌ
زَعَمَ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْوَطْءِ أَنَّ الرَّاهِنَ كَانَ بَاعَهُ إِيَّاهَا، أَوْ وَهَبَهَا لَهُ، وَأَقْبَضَهُ، وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ حَلَفَ، فَهِيَ وَالْوَلَدُ رَقِيقَانِ لَهُ.
فَإِنْ مَلَكَهَا الْمُرْتَهِنَ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لِإِقْرَارِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ الرَّاهِنُ، فَحَلَفَ الْمُرْتَهِنُ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ.
فَصْلٌ
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ
وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنِ الْمَرْهُونِ قَطْعًا.
وَأَمَّا غَيْرُ الْعَيْنِ، فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَدَلُ الْعَيْنِ فَلَوْ جَنَى عَلَى الْمَرْهُونِ، وَأَخَذَ الْأَرْشَ، وَانْتَقَلَ الرَّهْنُ إِلَيْهِ، كَمَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكَ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَصْلِ، وَيُجْعَلُ فِي يَدِ مَنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي يَدِهِ.
وَمَا دَامَ الْأَرْشُ فِي ذِمَّةِ الْجَانِي، هَلْ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مَرْهُونٌ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا ; لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَكُونُ رَهْنًا.
فَإِذَا تَعَيَّنَ، صَارَ مَرْهُونًا، وَالْحَالَةُ الْمُتَخَلِّلَةُ، كَتَخَمُّرِ الْعَصِيرِ وَتَخَلُّلِهِ بَعْدُ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ ; لِأَنَّهُ مَالٌ بِخِلَافِ الْخَمْرِ، وَإِنَّمَا يُمْتَنَعُ رَهْنُ الدَّيْنِ ابْتِدَاءً.
قُلْتُ: الثَّانِي: أَرْجَحُ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْمُرَاوِزَةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْخَصْمُ فِي بَدَلِ الْمَرْهُونِ، هُوَ الرَّاهِنُ.
فَلَوْ تَرَكَ الْخُصُومَةَ، فَهَلْ يُخَاصِمُ الْمُرْتَهِنُ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: لَا، كَذَا قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» .
قُلْتُ: وَقَطَعَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، بِأَنَّهُ يُخَاصِمُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا خَاصَمَ الرَّاهِنُ، فَلِلْمُرْتَهَنِ حُضُورَ خُصُومَتِهِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْمَأْخُوذِ.
ثُمَّ إِنْ أَقَرَّ الْجَانِي، أَوْ أَقَامَ الرَّاهِنُ بَيِّنَةً، أَوْ حَلَفَ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثَبَتَتِ الْجِنَايَةُ.
وَإِنْ نَكَلَ الرَّاهِنُ، فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ؟ قَوْلَانِ، كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ إِذَا نَكَلَ.
فَرْعٌ
إِذَا ثَبَتَتِ الْجِنَايَةُ، فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، فَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَقْبِضَ وَيُبْطِلَ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ.
وَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ، ثَبَتَ الْمَالُ إِنْ قُلْنَا: مُطَلَقُ الْعَفْوِ يَقْتَضِي الْمَالَ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، كَذَا قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ.
وَإِنْ عَفَا عَلَى أَنْ لَا مَالَ، فَإِنْ قُلْنَا: يُوجِبُ الْعُمَدُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنِ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْنَا: مُوجَبُهُ الْقَوْدُ، فَإِنْ قُلْنَا الْعَفْوُ الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يُوجِبُهُ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُجِبُ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يُوجِبْهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِعَفْوِهِ، وَذَلِكَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاكْتِسَابُ لِلْمُرْتَهَنِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ وَلَمْ يَعْفُ، فَقِيلَ: يُجْبَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: مُوجَبُهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، أُجْبِرَ، وَإِلَّا، فَلَا ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ، فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى بِأَنْ يُمَلِّكَهُ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ قُلْنَا: إِذَا عَفَا عَلَى أَنْ لَا مَالَ لَا يَصِحُّ، أُجْبِرَ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً، أَوْ عَفَا وَوَجَبَ الْمَالُ، فَعَفَا عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ.
وَفِي قَوْلِ الْعَفْوِ مَوْقُوفٌ، وَيُؤْخَذُ الْمَالُ فِي الْحَالِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ،
فَإِنِ انْفَكَّ الرَّهْنُ، رُدَّ إِلَى الْجَانِي، وَبَانَ صِحَّةُ الْعَفْوِ، وَإِلَّا بَانَ بُطْلَانُهُ.
وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ الْمُصَالَحَةَ عَنِ الْأَرْشِ الْوَاجِبِ عَلَى جِنْسٍ آخَرَ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ.
وَإِذَا أَذِنَ، صَحَّ وَكَانَ الْمَأْخُوذُ مَرْهُونًا، كَذَا نَقَلُوهُ.
وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُرْتَهِنُ الْجَانِي لَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ، فَلَا يَصِحُّ مَا تَضَمَّنَهُ.
كَمَا لَوْ وُهِبَ الْمَرْهُونُ لِرَجُلٍ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: زَوَائِدُهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً، كَسِمَنِ الْعَبْدِ، وَكِبَرِ الشَّجَرَةِ، تَبِعَتِ الْأَصْلَ فِي الرَّهْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً، كَالثَّمَرَةِ، وَالْوَلَدِ، وَاللَّبَنِ، وَالْبَيْضِ، وَالصُّوفِ لَمْ يَسْرِ إِلَيْهَا الرَّهْنُ، وَكَذَا الْأَكْسَابُ وَالْمَهْرُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْدُثُ بَعْدَ الرَّهْنِ.
وَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا، وَاحْتِيجَ إِلَى بَيْعِهَا حَامِلًا، بِيعَتْ كَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ، لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا: الْحَمْلُ يُعْلَمُ، فَكَأَنَّهُ رَهْنَهُمَا، وَإِلَّا، فَقَدْ رَهَنَهَا وَالْحَمْلُ مَحْضُ صِفَةٍ.
وَلَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَهَلِ الْوَلَدُ رَهْنٌ قَوْلَانِ.
إِنْ قُلْنَا: الْحَمْلُ لَا يُعْلَمُ، فَلَا، وَإِلَّا فَنَعَمْ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ، لِضَعْفِ الرَّهْنِ عَنِ الِاسْتِتْبَاعِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا، فَقَالَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ: رَهَنْتُهَا مَعَ حَمْلِهَا، لَا يَكُونُ مَرْهُونًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَجَازَ إِفْرَادُهُ بِالرَّهْنِ.
أَمَّا إِذَا حَبِلَتْ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَكَانَتْ يَوْمَ الْبَيْعِ حَامِلًا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُعْلَمُ، بِيعَتْ، وَهُوَ كَالسِّمَنِ، وَإِلَّا، فَلَا يَكُونُ مَرْهُونًا، وَيَتَعَذَّرُ بَيْعُهَا ; لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْحَمْلِ مُتَعَذِّرٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى بَيْعِهَا حَامِلًا وَتَوْزِيعِ الثَّمَنِ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا تُعْرَفُ قِيمَتُهُ.
فَرْعٌ
لَوْ رَهَنَ نَخْلَةً، ثُمَّ أَطْلَعَتْ، فَطَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَيْعَهَا مَعَ الطَّلْعِ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَالْحَمْلِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّ الطَّلْعَ غَيْرُ مَرْهُونٍ.
فَعَلَى هَذَا يُبَاعُ النَّخْلُ، وَيُسْتَثْنَى
الطَّلْعُ، بِخِلَافِ الْحَامِلِ.
وَلَوْ كَانَتْ مُطْلِعَةً وَقْتَ الرَّهْنِ، فَفِي دُخُولِ الطَّلْعِ، عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ.
فَإِنْ أَدْخَلْنَاهُ، فَكَانَ وَقْتُ الْبَيْعِ طَلَعَا بَعْدُ، بِيعَ مَعَ النَّخْلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أُبِّرَتْ، فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْقَوْلَيْنِ، كَمَا لَوْ وَلَدَتِ الْحَامِلُ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِبَيْعِهِ مَعَ النَّخْلَةِ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مَشَاهَدٌ وَقْتَ الرَّهْنِ.
فَرْعٌ
الِاعْتِبَارُ فِي مُقَارَنَةِ الْوَلَدِ الرَّهْنَ وَحُدُوثِهِ، وَسَائِرِ الزَّوَائِدِ، بِحَالَةِ الْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: بِحَالَةِ الْقَبْضِ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ بِهِ يَلْزَمُ.
فَرْعٌ
أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَأَطْرَافِ الْعَبْدِ مَرْهُونٌ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الزَّوَائِدِ، بَلْ بَدَلُ جُزْءٍ.
فَرْعٌ
ضَرَبَ الرِّجْلُ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، لَزِمَ الضَّارِبَ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَلَا يَكُونُ مَرْهُونًا ; لِأَنَّهُ بَدَلُ الْوَلَدِ، فَإِنْ دَخَلَهَا نَقْصٌ لَمْ يَجِبْ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ قَدْرُ أَرْشِ النَّقْصِ مِنَ الْعُشْرِ يَكُونُ رَهْنًا، فَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيَّا وَمَاتَ، فَفِيمَا يَلْزَمُ الْجَانِي قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: قِيمَةُ الْجَنِينِ حَيًّا، وَأَرْشُ نُقْصَانِ الْأُمِّ إِنْ نَقَصَتْ.
فَعَلَى هَذَا؛ الْقِيمَةُ لِلرَّاهِنِ، وَالْأَرْشُ مَرْهُونٌ.
وَالثَّانِي: أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ النَّقْصِ، وَقِيمَةِ الْجَنِينِ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ كَانَ الْأَرْشُ أَكْثَرَ، فَالْمَأْخُوذُ رَهْنٌ كُلُّهُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ
أَكْثَرَ، فَقَدْرُ الْأَرْشِ رَهْنٌ.
وَأَمَّا الْبَهِيمَةُ الْمَرْهُونَةُ، إِذَا ضُرِبَتْ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَلَا شَيْءَ عَلَى الضَّارِبِ سِوَى أَرْشُ النَّقْصِ إِنْ نَقَصَتْ، وَيَكُونُ رَهْنًا.
الثَّالِثُ: فِي فَكِّ الرَّهْنِ.
يَنْفَكُّ بِأَسْبَابٍ.
أَحَدُهَا: فَسْخُ الْمُرْتَهِنِ.
وَالثَّانِي: تَلَفُ الْمَرْهُونِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
إِذَا جَنَى الْمَرْهُونُ لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ بِمَجْرَدِهِ، بَلِ الْجِنَايَةُ ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَتَعَلَّقُ بِأَجْنَبِيٍّ، فَيُقَدَّمُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الرَّقَبَةِ.
وَحَقٌّ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ.
فَإِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ.
فَإِنْ وَجَبَ مَالٌ، فَبِيعَ فِيهِ، بَطَلَ أَيْضًا.
حَتَّى لَوْ عَادَ إِلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا.
وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ قِيمَةِ الْعَبْدِ، بِيعَ بِقَدْرِهِ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ، أَوْ نَقَصَ بِالتَّبْعِيضِ، بِيعَ كُلُّهُ، وَمَا فَضَلَ عَنِ الْأَرْشِ يَكُونُ رَهْنًا.
وَلَوْ عَفَا عَنِ الْأَرْشِ، أَوْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ، بَقِيَ رَهْنًا.
وَكَذَا لَوْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ.
ثُمَّ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الرَّاهِنِ مَا سَبَقَ فِي رَهْنِ أَرْضِ الْخَرَاجِ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا جَنَى بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ.
فَإِنْ أَمَرَهُ السَّيِّدُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا، أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ السَّيِّدِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ، فَالْجَانِي هُوَ السَّيِّدُ، وَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوِ الضَّمَانُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْمَالُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ، فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ، لَزِمَ السَّيِّدُ أَنْ يَرْهَنَ قِيمَتَهُ مَكَانَهُ.
وَإِذَا جَنَى مِثْلَ هَذَا الْعَبْدِ، فَقَالَ السَّيِّدُ: أَنَا أَمَرْتُهُ بِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، بَلْ يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهَا، وَعَلَى السَّيِّدِ الْقِيمَةُ، لِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُمَيِّزًا يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يُطَاعُ السَّيِّدُ فِيهِ، بَالِغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنِ السَّيِّدُ إِلَّا أَنَّ السَّيِّدَ يَأْثَمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالسَّيِّدِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا: إِذَا جَنَى عَلَى طَرَفِ سَيِّدِهِ عَمْدًا، فَلَهُ الْقِصَاصُ.
فَإِنِ اقْتَصَّ، بَطَلَ الرَّهْنُ.
وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْمَالُ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ
لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ، فَيَبْقَى الرَّهْنُ كَمَا كَانَ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ الْمَالُ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى فَكِّ الرَّهْنِ.
الثَّانِيَةُ: جَنَى عَلَى نَفْسِ السَّيِّدِ عَمْدًا، فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ.
فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْأَظْهَرِ.
الثَّالِثَةُ: جَنَى عَلَى طَرَفِ مَنْ يَرِثُهُ السَّيِّدُ، كَأَبِيهِ، فَلَهُ الْقِصَاصُ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ.
وَلَوْ جَنَى خَطَأً، ثَبَتَ الْمَالُ.
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَوَرِثَهُ السَّيِّدُ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الصَّيْدَلَانِيِّ وَالْإِمَامِ: يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ اسْتِدَامَةُ الدَّيْنِ، كَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ.
وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ: لَا يَسْقُطُ، وَلَهُ بَيْعُهُ فِيهِ كَمَا كَانَ لِلْمُورِثِ.
الرَّابِعَةُ: جَنَى عَلَى نَفْسِ الْمُورِثِ عَمْدًا، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ.
فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ خَطَأً، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً، أَمْ يَتَلَقَّاهَا عَنِ الْمُوَرِّثِ.
إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يَثْبُتْ، وَإِلَّا، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا جَنَى عَلَى طَرَفِهِ وَانْتَقَلَ إِلَيْهِ بِالْإِرْثِ.
الْخَامِسَةُ: قُتِلَ عَبْدٌ آخَرُ لِلرَّاهِنِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْتُولُ مَرْهُونًا، فَهُوَ كَمَا
[لَوْ] جَنَى عَلَى السَّيِّدِ.
وَحُكْمُ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ سَوَاءٌ.
وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا أَيْضًا، فَلَهُ حَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ، فَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ، وَيَبْطُلُ الرَّهْنَانِ جَمِيعًا، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ قَتَلَ خَطَأً، وَجَبَ الْمَالُ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ.
وَإِنْ عَفَا بِلَا مَالٍ، فَإِنْ قُلْنَا: مُوجَبُ الْعَمْدِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَجَبَ الْمَالُ، وَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ إِلَّا بِرِضَى الْمُرْتَهِنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُهُ الْقَوْدُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْعَفْوُ الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يُوجِبُهُ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، فَإِنْ قُلْنَا: مُطْلَقُ الْعَفْوِ يُوجِبُ الْمَالَ، ثَبَتَ كَمَا لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُوجِبُهُ، صَحَّ الْعَفْوُ، وَبَطَلَ رَهْنُ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ، وَبَقِيَ الْقَاتِلُ رَهْنًا.
وَعَفْوُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ، كَعَفْوِ الرَّاهِنِ ; لِأَنَّ أَمْوَالَ الْمُفْلِسِ وَالْمَرْهُونِ
سَوَاءٌ فِي الْحَجْرِ.
ثُمَّ مَتَى وَجَبَ الْمَالُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ أَوْ مِثْلَهَا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُنْقَلُ الْقَاتِلُ إِلَى يَدِ مُرْتَهَنِ الْقَتِيلِ، وَلَا يُبَاعُ ; لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَأَصَحُّهُمَا: يُبَاعُ وَيُجْعَلُ الثَّمَنُ رَهْنًا فِي يَدِهِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ، لَا فِي عَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ رَاغِبٌ بِزِيَادَةٍ.
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَنْتَقِلُ مِنَ الْقَاتِلِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ إِلَى مُرْتَهَنِ الْقَتِيلِ.
وَعَلَى الثَّانِي: يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ، وَيَبْقَى الْبَاقِي رَهْنًا.
فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ الْبَعْضِ، أَوْ نَقَصَ بِالتَّبْعِيضِ، بِيعَ الْجَمِيعِ، وَجُعِلَ الزَّائِدُ عَلَى الْوَاجِبِ عِنْدَ مُرْتَهَنِ الْقَاتِلِ.
وَإِنَّمَا يَجِيءُ الْوَجْهَانِ، إِذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ النَّقْلَ، وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ الْبَيْعَ، فَأَيُّهُمَا يُجَابُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
أَمَّا إِذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ الْبَيْعَ، وَمُرْتَهَنُ الْقَتِيلِ النَّقْلَ، فَالْمُجَابُ الرَّاهِنُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُرْتَهَنِ الْمَذْكُورِ فِي عَيْنِهِ.
وَلَوِ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنَانِ عَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ، فَهُوَ الْمَسْلُوكُ قَطْعًا.
وَلَوِ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ عَلَى النَّقْلِ، قَالَ الْإِمَامُ: لَيْسَ لِمُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ، وَطَلَبُ الْبَيْعِ.
وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ السَّابِقِ، يَتَوَقَّعُ رَاغِبٌ أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ أَيْضًا.
فَإِنْ كَانَ الْعَبْدَانِ مَرْهُونَيْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ نَقَصَتِ الْوَثِيقَةُ وَلَا جَابِرَ، كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
وَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ بَدَيْنَيْنِ، نُظِرَ فِي الدَّيْنَيْنِ، أَهُمَا مُخْتَلِفَانِ حُلُولًا وَتَأْجِيلًا، أَمْ لَا؟ فَإِنِ اخْتَلَفَا، فَلَهُ التَّوَثُّقُ لِدَيْنِ الْقَتِيلِ بِالْقَاتِلِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْحَالُّ دَيْنُ الْمَقْتُولِ، فَفَائِدَتُهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ فِي الْحَالِّ.
وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْقَاتِلِ، فَتَحْصُلُ الْوَثِيقَةُ بِالْمُؤَجَّلِ، وَيُطَالَبُ بِالْحَالِّ.
وَكَذَا الْحُكْمُ، لَوْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ، وَأَحَدُ الْأَجَلَيْنِ أَطْوَلُ.
وَإِنِ اتَّفَقَا فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ، نُظِرَ، هَلْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ قَدْرٍ، أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَعَشَرَةٍ وَعَشَرَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدَانِ مُخْتَلِفَيِ الْقِيمَةِ، وَقِيمَةُ الْقَتِيلِ أَكْثَرُ لَمْ تُنْقَلِ الْوَثِيقَةُ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ، نُقِلَ مِنْهُ قَدْرُ قِيمَةِ الْقَتِيلِ إِلَى دَيْنِ الْقَتِيلِ، وَبَقِيَ الْبَاقِي رَهْنًا بِمَا كَانَ.
وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فِي الْقِيمَةِ، بَقِيَ الْقَاتِلُ رَهْنًا بِمَا كَانَ، وَلَا فَائِدَةَ فِي
النَّقْلِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الدَّيْنَيْنِ، نُظِرَ، إِنْ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ، أَوْ كَانَ الْقَتِيلُ أَكْثَرَ قِيمَةً، فَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِأَكْثَرِ الدَّيْنَيْنِ هُوَ الْقَتِيلُ، فَلَهُ تَوْثِيقُهُ بِالْقَاتِلِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِأَقَلِّهِمَا هُوَ الْقَتِيلُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ أَقَلَّهُمَا قِيمَةً، فَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا بِأَقَلِّ الدَّيْنَيْنِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ.
وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرِهِمَا، نُقِلَ مِنَ الْقَاتِلِ قَدْرُ قِيمَةِ الْقَتِيلِ إِلَى الدَّيْنِ الْآخَرِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: تُنْقَلُ الْوَثِيقَةُ، فَهَلْ يُبَاعُ وَيُقَامُ ثَمَنُهُ مَقَامَ الْقَتِيلِ، أَمْ يُقَامُ عَيْنُهُ مَقَامَهُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ.
فَرْعٌ
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَقْسَامِ اخْتِلَافِ الدَّيْنَيْنِ، هُوَ الْمُعْتَبَرُ فَقَطْ، كَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ.
فَلَوِ اخْتَلَفَ الدَّيْنَانِ فِي الِاسْتِقْرَارِ وَعَدِمَهُ، بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عِوَضَ مَا يُتَوَقَّعُ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ، أَوْ صَدَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا أَثَرَ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَحَكَى فِي «الشَّامِلِ» عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مَرْهُونًا بِالْمُسْتَقِرِّ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّفْلِ.
وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا بِالْآخَرِ، فَوَجْهَانِ وَكَذَا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي «الْوَسِيطِ» : اخْتِلَافُ جِنْسِ الدَّيْنَيْنِ، كَاخْتِلَافِ الْقَدْرِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُتَّجِهًا فِي الْمَعْنَى، فَمُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ: أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
قُلْتُ: الْمُرَادُ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ، وَالْآخِرُ دَرَاهِمَ، وَاسْتَوَيَا فِي الْمَالِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ قُوِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ تَسَاوَى الدَّيْنَانِ فِي الْأَوْصَافِ، وَقُلْنَا: الْوَثِيقَةُ لَا تُنْقَلُ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَدْ جَنَى فَلَا آمَنُهُ، فَبِيعُوهُ وَضَعُوا ثَمَنَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ، هَلْ يُجَابُ؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
لَوْ جُنِيَ عَلَى مَكَاتَبِ السَّيِّدِ، فَانْتَقَلَ الْحَقُّ إِلَيْهِ بِمَوْتِهِ أَوْ عَجْزِهِ، فَهُوَ كَالْمُنْتَقِلِ مِنَ الْمُورِثِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ لِانْفِكَاكِ الرَّهْنِ: بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ عَنْ جَمِيعِ الدَّيْنِ بِالْقَضَاءِ، أَوِ الْإِبْرَاءِ، أَوِ الْحَوَالَةِ، أَوِ الْإِقَالَةِ الْمُسْقِطَةِ لِلثَّمَنِ الْمَرْهُونِ بِهِ، أَوِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ الْمَرْهُونِ بِهِ.
وَلَوِ اعْتَاضَ عَنِ الدَّيْنِ عَيْنًا، انْفَكَّ الرَّهْنُ، لِتَحَوُّلِ الْحَقِّ مِنَ الذِّمَّةِ إِلَى الْعَيْنِ.
ثُمَّ لَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، بَطَلَ الِاعْتِيَاضُ، وَيَعُودُ الرَّهْنُ كَمَا عَادَ الدَّيْنُ، وَلَا يَنْفَكُّ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ بَعْضُ الرَّهْنِ، كَمَا أَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ يَبْقَى مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَلَا يُعْتَقُ شَيْءٌ مِنَ الْمُكَاتَبِ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ.
وَلَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا، كَانَ الْمُسَلَّمُ مَرْهُونًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ.
فَرْعٌ
إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُ بَعْضِ الْمَرْهُونِ بِأَحَدِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: تَعَدُّدُ الْعَقْدِ، بِأَنْ رَهَنَ نِصْفَ الْعَبْدِ بِعَشَرَةٍ، وَنِصْفَهُ الْآخَرَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى.
الثَّانِي: أَنْ يَتَعَدَّدَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ، بِأَنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ بَرِئَ مِنْ دَيْنِ أَحَدِهِمَا بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ، انْفَكَّ الرَّهْنُ بِقِسْطِ دَيْنِهِ.
وَفِي وَجْهٍ: إِنِ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنَيْهِمَا، بِأَنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِمَا مَالًا، أَوِ ابْتَاعَ مِنْهُمَا لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا يَنْفَكُّ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْجِهَةُ.
وَالصَّحِيحُ: الِانْفِكَاكُ مُطْلَقًا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَدَّدَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، بِأَنْ رَهَنَ رَجُلَانِ عِنْدَ رَجُلٍ، فَإِذَا بَرِئَ أَحَدُهُمَا، انْفَكَّ نَصِيبُهُ.
الرَّابِعُ: إِذَا وَكَّلَ رَجُلَانِ رَجُلًا يَرْهَنُ عَبْدَهُمَا عِنْدَ زَيْدٍ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ قَضَى أَحَدُ الْمُوَكِّلَيْنِ دَيْنَهُ، فَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِانْفِكَاكِ نَصِيبِهِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى اتِّحَادِ الْوَكِيلِ وَتَعَدُّدِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّ مَدَارَ الْبَابِ عَلَى اتِّحَادِ الدَّيْنِ وَتَعَدُّدِهِ، وَمَتَى تَعَدَّدَ الْمُسْتَحِقُّ أَوِ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، تَعَدَّدَ الدَّيْنُ.
وَيُخَالِفُ هَذَا، الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، حَيْثُ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي تَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ وَاتِّحَادِهَا بِالْمُتَبَايِعَيْنِ، أَمْ بِالْوَكِيلِ؟ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ عَقْدَ ضَمَانٍ حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ إِلَى الْمُبَاشِرِ.
الْخَامِسُ: إِذَا اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ مَالِكِيهِ لِيَرْهَنَهُ، فَرَهَنَهُ، ثُمَّ أَدَّى نِصْفَ الدَّيْنِ، وَقَصَدَ بِهِ الشُّيُوعَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِحِصَّةِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَنْفَكَّ مِنَ الرَّهْنِ شَيْءٌ.
وَإِنْ قَصَدَ أَدَاءً عَنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لِيَنْفَكَّ نَصِيبُهُ، فَفِي انْفِكَاكِهِ أَقْوَالٌ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الْعَبْدَ لِمَالِكَيْنِ، انْفَكَّ، وَإِلَّا، فَلَا، حَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا وَجْهًا ; لِأَنَّ عَدَمَ الِانْفِكَاكِ لِاتِّحَادِ الدَّيْنِ وَالْعَاقِدَيْنِ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْجَهْلِ وَالْعِلْمِ، وَإِنَّمَا أَثَّرَ الْجَهْلُ إِثْبَاتَ الْخِيَارِ.
ثُمَّ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ الِانْفِكَاكُ.
قُلْتُ: صَرَّحَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» وَغَيْرُهُ، بِأَنَّ الِانْفِكَاكَ أَظْهَرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ مُتَمَاثِلَا الْقِيمَةِ، فَاسْتَعَارَهُمَا لِلرَّهْنِ، فَرَهَنَهُمَا، ثُمَّ قَضَى نِصْفَ الدَّيْنِ لِيَنْفَكَّ أَحَدُهُمَا، فَالْأَصَحُّ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ.
وَقِيلَ: يَنْفَكُّ قَطْعًا.
وَإِذَا قُلْنَا بِالِانْفِكَاكِ، وَكَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ، فَلِلْمُرْتَهَنِ الْخِيَارُ إِذَا جَهِلَ بِأَنَّهُ لِمَالِكَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ.
وَلَوِ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَرَهَنَ عِنْدَ رَجُلَيْنِ، كَانَ نَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكَيْنِ مَرْهُونًا عِنْدَ الرَّجُلَيْنِ.
فَلَوْ أَرَادَ فَكَّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِقَضَاءِ نِصْفِ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرْتَهِنَيْنِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَإِنْ أَرَادَ فَكَّ نِصْفِ الْعَبْدِ بِقَضَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا، فَلَهُ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوِ اسْتَعَارَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ، وَرُهِنَا
عِنْدَ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَضَى أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ، انْفَكَّ النِّصْفُ لِتَعَدُّدِ الْعَاقِدِ، هَكَذَا نَقَلُوهُ.
فَرْعٌ
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : لَوِ اسْتَعَارَ لِيَرْهَنَ عِنْدَ وَاحِدٍ، فَرَهَنَ عِنْدَ اثْنَيْنِ، أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَجُزْ.
أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، فَلِعَدَمِ الْإِذْنِ، وَأَمَّا الْعَكْسُ، فَلِأَنَّهُ إِذَا رَهَنَ عِنْدَ اثْنَيْنِ، يَنْفَكُّ بَعْضُ الرَّهْنِ بِأَدَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا، وَإِذَا رَهَنَ عِنْدَ وَاحِدٍ، لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ إِلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ، وَنَقَلَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» وَغَيْرُهُ الْجَوَازَ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
السَّادِسُ: لَوْ رَهَنَ عَبْدًا بِمِائَةٍ، ثُمَّ مَاتَ عَنِ اثْنَيْنِ، فَقَضَى أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ، فَفِي انْفِكَاكِ نَصِيبِهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَنْفَكُّ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ صَدَرَ أَوَّلًا مِنْ وَاحِدٍ.
وَلَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِتَرِكَتِهِ، فَقَضَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُ، قَالَ الْإِمَامُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْرُجَ انْفِكَاكُ نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ لَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ، وَأَنْكَرَ الْبَاقُونَ، هَلْ عَلَى الْمُقِرِّ أَدَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ؟ وَعَلَى هَذَا الْبِنَاءِ، فَالْأَصَحُّ الِانْفِكَاكُ ; لِأَنَّ الْجَدِيدَ: أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ أَدَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنَ التَّرِكَةِ ثُمَّ الْحُكْمُ بِانْفِكَاكِ نَصِيبِهِ، إِنَّمَا يَظْهَرُ إِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ التَّعَلُّقِ مَعَ ابْتِدَاءِ تَعَدُّدِ الْمُلَّاكِ.
فَلَوْ كَانَ الْمَوْتُ مَسْبُوقًا بِالْمَرَضِ، كَانَ التَّعَلُّقُ سَابِقًا عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ لِلدَّيْنِ أَثَرًا بَيِّنًا فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ.
فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِي انْفِكَاكِ نَصِيبِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، ثَابِتًا بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ وَقَدْ قَيَّدَهَا الْغَزَالِيُّ، بِمَا إِذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ غَنِيَّةٌ عَنْ هَذَا الْقَيْدِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
قُلْتُ: قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ: الْحُكْمُ بِالِانْفِكَاكِ، إِنَّمَا يَظْهَرُ إِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ التَّعَلُّقِ.
. . إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْإِمَامِ، وَالْغَزَالِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى إِطْلَاقِهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْأُولَى فِي شَيْءٍ ; لِأَنَّ الْأُولَى: فِي انْفِكَاكِ نَصِيبِ الِابْنِ مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي رَهَنَهَا الْمَيِّتُ.
وَالثَّانِيَةُ: فِي فَكِّ نَصِيبِهِ مِنْ تَعَلُّقِ التَّرِكَةِ، وَلَيْسَ لِلرَّهْنِ فِي الثَّانِيَةِ وُجُودٌ، فَفِي قَوْلٍ: يَنْفَكُّ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِنَصِيبِهِ، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
وَفِي قَوْلٍ: لَا يَنْفَكُّ التَّعَلُّقُ، فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي نَصِيبِهِ إِذَا مَنَعْنَا تَصَرُّفَ الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ الْمَرْهُونُ لِمَالِكَيْنِ، وَانْفَكَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ، فَأَرَادَ الْقِسْمَةَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ بِالْأَجْزَاءِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَلَهُ أَنْ يُقَاسِمَ الْمُرْتَهِنَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ بِالْأَجْزَاءِ كَالثِّيَابِ، وَالْعَبِيدِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: لَا يُجَابُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ أَرْضًا مُخْتَلِفَةَ الْأَجْزَاءِ كَالدَّارِ، قَالُوا: لَزِمَ الشَّرِيكُ أَنْ يُوَافِقَهُ، وَفِي الْمُرْتَهِنِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَهُ الِامْتِنَاعُ لِمَا فِي الْقِسْمَةِ مِنَ التَّبْعِيضِ وَقِلَّةِ الرَّغْبَةِ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ فِي طُرُقِهِمْ.
وَزَادَ آخَرُونَ، مِنْهُمْ أَصْحَابُ الْقَفَّالِ، فَقَالُوا: تَجْوِيزُ الْقِسْمَةِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ، مَبْنِيُّ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا، فَهُوَ بَيْعُ الْمَرْهُونِ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَالْجُمْهُورُ أَطْبَقُوا عَلَى تَجْوِيزِ الْقِسْمَةِ هُنَا، وَجَعَلُوا تَأْثِيرَ كَوْنِهَا بَيْعًا افْتِقَارَهَا إِلَى إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ.
ثُمَّ إِذَا جَوَّزْنَا الْقِسْمَةَ، فَطَرِيقُ الطَّالِبِ أَنْ يُرَاجِعَ الشَّرِيكَ، فَإِنْ سَاعَدَ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَيَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيُقَسِّمَ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا حَاجَةَ إِلَى إِذْنِ الشَّرِيكِ فِي الْمُتَمَاثِلَاتِ ; لِأَنَّ قِسْمَتَهَا إِجْبَارٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَاسَمَ الْمُرْتَهِنَ وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، أَوِ الْحَاكِمِ عِنْدَ امْتِنَاعِ
الْمَالِكِ، جَازَ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَإِذَا مَنَعْنَاهَا فَرَضِيَ الْمُرْتَهِنُ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ صِحَّتُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: لَا يَصِحُّ وَإِنْ رَضِيَ ; لِأَنَّ رِضَاهُ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي فَكِّ الرَّهْنِ.
فَأَمَّا فِي بَيْعِهِ بِمَا لَيْسَ بِرَهْنٍ لِيَصِيرَ رَهْنًا، فَلَا.
وَهَذَا إِشْكَالٌ قَوِيٌّ.
قُلْتُ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، وَلَا يُسَلَّمُ الْحُكْمُ الَّذِي ادَّعَاهُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنَانِ الْقِسْمَةَ قَبْلَ انْفِكَاكِ شَيْءٍ مِنَ الرَّهْنِ، فَعَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي بَيَّنَاهُ.
وَلَوْ رَهَنَ وَاحِدٌ عِنْدَ اثْنَيْنِ، وَقَضَى نَصِيبَ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ أَرَادَ الْقِسْمَةَ لِيَمْتَازَ مَا بَقِيَ رَهْنًا، فَفِي اشْتِرَاطِ رِضَى الَّذِي بَقِيَ رَهْنُهُ مَا ذَكَرْنَا.
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الِاخْتِلَافِ
التَّنَازُعُ فِي الرَّهْنِ يُفْرَضُ فِي أُمُورٍ.
الْأَوَّلُ: أَصْلُ الْعَقْدِ.
فَإِذَا قَالَ: رَهَنْتَنِي، فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، أَوْ رَهَنْتَنِي ثَوْبَكَ، فَقَالَ: بَلْ عَبْدِي.
أَوْ بِأَلْفَيْنِ، فَقَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ.
أَوْ رَهَنْتَنِي الْأَرْضَ بِأَشْجَارِهَا، فَقَالَ: بَلْ وَحْدَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتَنِي الْأَشْجَارَ مَعَ الْأَرْضِ يَوْمَ رَهْنِ الْأَرْضِ، فَقَالَ: لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَشْجَارُ أَوْ بَعْضُهَا يَوْمَ رَهْنِ الْأَرْضِ، بَلْ أَحْدَثْتُهَا بَعْدُ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَشْجَارُ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهَا يَوْمَ الرَّهْنِ، فَالْمُرْتَهِنُ كَاذِبٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ بِلَا يَمِينٍ.
وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهَا بَعْدَهُ، فَالرَّاهِنُ كَاذِبٌ، فَإِنِ اعْتَرَفَ فِي مُفَاوَضَتِهَا أَنَّهُ رَهَنَ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا، كَانَتِ الْأَشْجَارُ مَرْهُونَةً، وَلَا حَاجَةَ إِلَى يَمِينِ الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ زَعَمَ رَهْنَ الْأَرْضِ وَحْدَهَا، أَوْ مَا سِوَى الْأَشْجَارِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى نَفْيِ الْوُجُودِ،
فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَذِبِهِ فِي إِنْكَارِ الْوُجُودِ كَوْنُهَا مَرْهُونَةً، فَيُطَالَبُ بِجَوَابِ دَعْوَى الرَّهْنِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إِنْكَارِ الْوُجُودِ، فَقَدْ جُعِلَ نَاكِلًا، وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ.
فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْوُجُودِ، وَأَنْكَرَ رَهْنَهَا، قَبِلْنَا إِنْكَارَهُ، وَحَلَفَ لِجَوَازِ صِدْقِهِ فِي نَفْيِ الرَّهْنِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ بِحَيْثُ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ يَوْمَ رَهْنِ الْأَرْضِ، وَالْحُدُوثَ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.
فَإِذَا حَلَفَ، فَهِيَ كَالشَّجَرَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الرَّهْنِ فِي الْقَلْعِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا.
هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ مِنْهُ بِإِنْكَارِ الْوُجُودِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا بُدَّ مِنْ إِنْكَارِ الرَّهْنِ صَرِيحًا.
وَالْحُكْمُ بِتَصْدِيقِ الرَّاهِنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي رَهْنِ تَبَرُّعٍ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَهْنٍ مَشْرُوطٍ فِي بَيْعٍ، تَحَالَفَا كَسَائِرِ صِفَاتِ الْبَيْعِ إِذَا اخْتُلِفَ فِيهَا.
فَصْلٌ
لَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبَدَهُمَا بِمِائَةٍ، وَأَقْبَضَاهُ، فَأَنْكَرَا الرَّهْنَ، أَوِ الرَّهْنَ وَالدَّيْنَ جَمِيعًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ الْيَمِينِ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، فَنُصِيبُهُ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَذِّبِ فِي نَصِيبِهِ مَعَ يَمِينِهِ.
فَلَوْ شَهِدَ الْمُصَدِّقِ لِلْمُدَّعِي عَلَى شَرِيكِ الْمُكَذِّبِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، فَإِنْ شَهِدَ مَعَهُ آخَرُ، وَحَلَفَ الْمُدَّعِي، ثَبَتَ رَهْنُ الْجَمِيعِ.
وَلَوْ زَعَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَا رَهَنَ نَصِيبَهُ، وَأَنَّ شَرِيكَهُ رَهَنَ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ.
وَيُقَالُ: قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ كَاذِبٌ ظَالِمٌ بِالْجُحُودِ.
وَطَعْنُ الْمَشْهُودِ لَهُ فِي الشَّاهِدِ، يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لَهُ.
وَأَصَحُّهُمَا: تُقْبَلُ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَا.
فَإِنْ تَعَمَّدَا، فَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُوجِبُ الْفِسْقَ.
وَلِهَذَا، لَوْ تَخَاصَمَ رَجُلَانِ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ شَهِدَا فِي حَادِثَةٍ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فِي ذَلِكَ التَّخَاصُمِ.
فَعَلَى هَذَا، إِذَا حَلَفَ مَعَ
كُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ، ثَبَتَ رَهْنُ الْجَمِيعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الَّذِي شَهِدَ أَوَّلًا يُقْبَلُ، دُونَ الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ انْتَهَضَ خَصْمًا مُنْتَقِمًا.
فَرْعٌ
ادَّعَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَهُمَا وَأَقْبَضَهُمَا، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا أَوْ كَذَّبَهُمَا لَمْ يَخْفَ الْحُكْمُ.
وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا، فَنِصْفُ الْعَبْدِ رَهْنٌ عِنْدِهِ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ.
وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَدِّقِ لِلْمُكَذِّبِ؟ قَالَ ابْنُ كَجٍّ: نَعَمْ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَا.
وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا ادَّعَيَا حَقًّا أَوْ مَلِكًا بِابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَصُدِّقَ أَحَدُهُمَا، هَلْ يَسْتَبِدُّ بِالنِّصْفِ، أَمْ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
إِنْ قُلْنَا: يَسْتَبِدُّ، قُبِلَتْ، وَإِلَّا، فَلَا ; لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ لَمْ يُنْكِرْ إِلَّا الرَّهْنَ، قُبِلَ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الرَّهْنَ وَالدَّيْنَ، فَحِينَئِذٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ دَعْوَاهُمَا الْإِرْثُ وَغَيْرُهُ.
وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِهِ، الْقَبُولُ إِنْ كَانَتِ الْحَالُ لَا تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ، وَالْمَنْعُ إِنِ اقْتَضَتْ ; لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
فَرْعٌ
مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ
ادَّعَى زَيْدٌ وَعَمْرٌو عَلَى ابْنَيْ بَكْرٍ، أَنَّهُمَا رَهَنَا عِنْدَهُمَا عَبَدَهُمَا الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا بِمِائَةٍ، فَصَدَّقَا أَحَدَ الْمُدَّعِيَيْنِ، ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ، وَكَانَ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبُعُ الْمِائَةِ، وَنِصْفُ نَصِيبِ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرْهُونٌ بِهِ.
وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ زَيْدًا، وَالْآخِرُ عَمْرًا، ثَبَتَ الرَّهْنُ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُدَّعِيَيْنِ فِي رُبُعِهِ بِرُبُعِ الْمِائَةِ.
فَلَوْ شَهِدَ
أَحَدُ الِاثْنَيْنِ عَلَى أَخِيهِ، قُبِلَتْ.
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ الْمُدَّعِيَيْنِ لِلْآخَرِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
فَرْعٌ
مَنْصُوصٌ فِي الْمُخْتَصَرِ
ادَّعَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: رَهَنْتَنِي عَبْدَكَ هَذَا وَأَقْبَضْتَنِيهِ، فَإِنْ كَذَّبَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا.
وَإِنْ كَذَّبَ أَحَدَهُمَا، وَصَدَّقَ الْآخَرَ، قُضِيَ بِالرَّهْنِ لِلْمُصَدَّقِ.
وَفِي تَحْلِيفِهِ لِلْمُكَذِّبِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا.
فَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ، فَنَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُكَذِّبِ يَمِينَ الرَّدِّ، فَفِيمَا يَسْتَفِيدُ بِهَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُقْضَى لَهُ بِالرَّهْنِ وَيُنْزَعُ مِنَ الْأَوَّلِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَأْخُذُ الْقِيمَةَ مِنَ الْمَالِكِ، لِيَكُونَ رَهْنًا عِنْدَهُ.
وَإِنْ صَدَّقَهُمَا جَمِيعًا، نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِيَا السَّبْقَ، أَوِ ادَّعَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا أَعْرِفُ السَّابِقَ، وَصَدَّقَاهُ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ فَاعْتَرَفَ لَهُمَا، وَأَصَحُّهُمَا: يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ وَلِيَّانِ وَلَمْ يُعْرَفِ السَّابِقُ.
وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ السَّبْقَ، وَأَنَّ الرَّاهِنَ عَالِمٌ بِصِدْقِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، قُضِيَ لَهُ.
وَإِنْ حَلَفَا، أَوْ نَكَلَا، تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ السَّابِقِ، وَعَادَ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ صُدِّقَ أَحَدُهُمَا فِي السَّبْقِ، وَكُذِّبَ الْآخَرُ، قُضِيَ لِلْمُصَدَّقِ.
وَهَلْ يُحَلِّفُهُ الْمُكَذَّبُ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: مُقْتَضَى الصِّدْقِ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُكَذَّبِ.
فَإِنْ كَانَ، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُقْضَى لِصَاحِبِ الْيَدِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: الْمُصَدَّقُ يُقَدَّمُ ; لِأَنَّ الْيَدَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الرَّهْنِ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ فِي أَيْدِيهِمَا،
فَالْمُصَدَّقُ مُقَدَّمٌ فِي النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ، الْقَوْلَانِ.
وَالِاعْتِبَارُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ بِسَبْقِ الْقَبْضِ، لَا الْعَقْدِ.
حَتَّى لَوْ صَدَقَ هَذَا فِي سَبْقِ الْعَقْدِ، وَهَذَا فِي سَبْقِ الْقَبْضِ، قُدِّمَ الثَّانِي.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: رَهَنْتُهُ عِنْدَ أَحَدِكُمَا، وَنَسِيْتُ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
فَإِنْ نَكَلَ، رُدَّتْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ حَلَفَا، أَوْ نَكَلَا، انْفَسَخَ الْعَقْدُ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ فِي الطُّرُقِ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَصْحَابِ.
وَخَرَجَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ، بَلْ يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْوَسِيطِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، تَحَالَفَا عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ نَكَلَ.
وَفِي وَجْهٍ: انْتَهَتِ الْخُصُومَةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
دَفَعَ مَتَاعًا إِلَى رَجُلٍ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى غَيْرِهِ لِيَسْتَقْرِضَ مِنْهُ لِلدَّافِعِ وَيَرْهَنَ الْمَتَاعَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ: اسْتَقْرَضَ مِائَةً وَرَهْنَهُ بِهَا، وَقَالَ الْمُرْسِلُ: لَمْ آذَنْ إِلَّا فِي خَمْسِينَ، نُظِرَ، إِنْ صَدَّقَ الرَّسُولُ الْمُرْسِلَ، فَالْمُرْسَلُ إِلَيْهِ مُدَّعٍ عَلَى الْمُرْسِلِ بِالْإِذْنِ، وَعَلَى الرَّسُولِ بِالْأَخْذِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا فِي نَفْيِ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ صَدَّقَ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِ، فَالْقَوْلُ فِي نَفِي الزِّيَادَةِ قَوْلُ الْمُرْسَلِ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ عَلَى الرَّسُولِ بِالزِّيَادَةِ إِنْ صَدَّقَهُ فِي الدَّفْعِ إِلَى الْمُرْسِلِ ; لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ بِزَعْمِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ، رَجَعَ عَلَيْهِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّسُولِ وَإِنْ صِدَّقَهُ فِي الدَّفْعِ إِلَى الْمُرْسِلِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: الْقَبْضُ.
فَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَبْضِ الْمَرْهُونِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ النِّزَاعِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ:
قَبَضْتُهُ عَنِ الرَّهْنِ، وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، فَقَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَإِنْ قَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ قَبْضَتَهُ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى مَأْذُونٍ فِيهَا، بِأَنْ قَالَ: أَوْدَعْتُكَهُ، أَوْ أَعَرْتُ، أَوْ أَكْرَيْتُ، أَوْ أَكْرَيْتُهُ لِفُلَانٍ فَأَكْرَاكَهُ، فَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى قَبْضٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، أَوْ قَوْلُ الرَّاهِنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ، فِيمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، حَيْثُ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ، وَصَادَفَنَا الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ أَعَارَهُ، أَوْ أَوْدَعَهُ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا حُصُولُ الْقَبْضِ، لِقُوَّةِ يَدِهِ بِالْمِلْكِ.
وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْحَبْسِ بِالْإِعَارَةِ وَالْإِيدَاعِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ.
وَلَوْ صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ فِي إِذْنِهِ فِي الْقَبْضِ عَلَى جِهَةِ الرَّهْنِ، وَلَكِنْ قَالَ: رَجَعْتُ قَبْلَ قَبْضِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: لَمْ يَقْبِضْهُ بَعْدُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَضْتُهُ، فَمَنْ كَانَ الْمَرْهُونُ فِي يَدِهِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَعَلَيْهِ حَمَلُوا النَّصَّيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي «الْأُمِّ» .
فَرْعٌ
إِقْرَارُ الرَّاهِنِ بِإِقْبَاضِ الْمَرْهُونِ، مَقْبُولٌ مُلْزِمٌ، لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِمْكَانِ.
حَتَّى لَوْ قَالَ: رَهَنْتُهُ الْيَوْمَ دَارِي بِالشَّامِ، وَأَقْبَضْتُهُ إِيَّاهَا وَهُمَا بِمَكَّةَ، فَهُوَ لَاغٍ.
وَلَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْإِقْبَاضِ فِي مَوْضِعِ الْإِمْكَانِ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ إِقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ، فَحَلَّفُوهُ أَنَّهُ قَبَضَ، نُظِرَ، إِنْ ذَكَرَ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا، بِأَنْ قَالَ: كُنْتُ أَقَبَضْتُهُ بِالْقَوْلِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْفِي قَبْضًا، أَوْ وَقْعَ إِلَيَّ كِتَابٌ عَلَى لِسَانِ وَكِيلِي بِأَنَّهُ أَقْبَضَ وَكَانَ مُزَوَّرًا، أَوْ قَالَ: أَشْهَدْتُ عَلَى رَسْمِ الْقُبَالَةِ قَبْلَ حَقِيقَةِ الْقَبْضِ، فَلَهُ تَحْلِيفُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ تَأْوِيلًا، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ: يُحَلِّفُهُ، وَبِهِ قَالَ: