روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 295-334
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الدِّيَاتِ.

صفحات 295-334
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَلَوْ عُشِيَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ بِالْجِنَايَةِ، لَزِمَهُ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَمُقْتَضَى هَذَا إِيجَابُ نِصْفِ الدِّيَةِ إِذَا جَنَى عَلَى الْأَعْشَى؛ فَأَذْهَبَ بَصَرَهُ، وَكَذَا مَنْ يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ.
فَرْعٌ شَخَصَتْ عَيْنُهُ بِجِنَايَةٍ، أَوْ صَارَ أَعْمَشَ أَوْ أَحْوَلَ، وَجَبَتْ حُكُومَةٌ.
فَرْعٌ ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ بِجِنَايَةٍ، وَقَلَعَ آخَرُ الْحَدَقَةَ، فَقَالَ: قُلِعَتْ قَبْلَ عَوْدِ الضَّوْءِ، وَقَالَ الْأَوَّلُ: بَلْ بَعْدَهُ، صُدِّقَ الثَّانِي؛ فَلَوْ صَدَّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ بَرِئَ الْأَوَّلُ، وَيَحْلِفُ الثَّانِي وَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ.
الرَّابِعُ: الشَّمُّ، وَفِي إِزَالَتِهِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَحُكِيَ وَجْهٌ وَقَوْلٌ أَنَّ وَاجِبَهُ الْحُكُومَةُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
فَلَوْ أُذْهِبَ شَمُّ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ، فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ سَدَّ الْمَنْفَذَ فَلَمْ يُدْرِكِ الرَّوَائِحَ، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: الْقُوَّةُ بَاقِيَةٌ: فَلْيَكُنْ كَمَا سَبَقَ فِي السَّمْعِ، وَإِذَا أَنْكَرَ الْجَانِي ذَهَابَ الشَّمِّ، امْتُحِنَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِتَقْرِيبِ مَالَهُ رَائِحَةٌ حَادَّةٌ مِنْهُ، طَيِّبَةٌ وَخَبِيثَةٌ؛ فَإِنْ هَشَّ لِلطَّيِّبَةِ وَعَبَسَ لِلْمُنْتِنِ، صَدَقَ الْجَانِي بِيَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَثَرٌ، صَدَقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ.
وَإِنْ نَقَصَ الشَّمُّ، نُظِرَ، إِنْ عَلِمَ قَدْرَ الذَّاهِبِ، وَجَبَ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَجَبَتْ حُكُومَةٌ يُقَدِّرُهَا الْحَاكِمُ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا هُنَا الِامْتِحَانَ بِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ شَمِّهِ، وَلَا يَبْعُدُ طَرْدُهُ هُنَا، وَإِنْ نَقَصَ شَمُّ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ؛ فَيُمْكِنُ أَنْ يَعْتَبِرَ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ، وَلَعَلَّهُمُ اكْتَفَوْا بِالْمَذْكُورِ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ.
وَإِذَا ادَّعَى النَّقْصَ

وَأَنْكَرَ الْجَانِي، صَدَقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَيِّنَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَدْرًا يُطَالِبُ بِهِ؛ وَإِلَّا فَهُوَ مُدَّعٍ مَجْهُولًا، وَطَرِيقُهُ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَطْلُبَ الْأَقَلَّ الْمُتَيَقَّنَ، وَلَوْ أَخَذَ دِيَةَ الشَّمِّ وَعَادَ، وَجَبَ رَدُّهَا، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ عِنْدَ رَائِحَةٍ مُنْكَرَةٍ، فَقَالَ الْجَانِي: فَعَلْتَ ذَلِكَ لِعَوْدِ شَمِّكِ، وَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، صَدَقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُهُ اتِّفَاقًا، وَلِامْتِخَاطٍ، وَبِفِكْرٍ وَرُعَافٍ وَغَيْرِهَا.
الْخَامِسُ: النُّطْقُ، فَإِذَا جَنَى عَلَى لِسَانِهِ فَأَبْطَلَ كَلَامَهُ، وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ الدِّيَةُ إِذَا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: لَا يَعُودُ نُطْقُهُ؛ فَإِنْ أُخِذَتْ فَعَادَ اسْتُرِدَّتْ، وَلَوِ ادَّعَى ذَهَابَ النُّطْقِ، وَأَنْكَرَ الْجَانِي، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَفْزَعُ فِي أَوْقَاتِ الْخَلْوَةِ، وَيَنْظُرُ، هَلْ يَصْدُرُ مِنْهُ مَا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ، حَلَفَ كَمَا يَحْلِفُ الْأَخْرَسُ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ.
وَلَوْ بَطَلَ بِالْجِنَايَةِ بَعْضُ الْحُرُوفِ، وُزِّعَتِ الدِّيَةُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ مَا خَفَّ مِنْهَا عَلَى اللِّسَانِ وَمَا ثَقُلَ، وَالْحُرُوفُ مُخْتَلِفَةٌ فِي اللُّغَاتِ، فَكُلُّ مِنْ تَكَلَّمَ بِلُغَةٍ؛ فَالنَّظَرُ عِنْدَ التَّوْزِيعِ إِلَى حُرُوفِ تِلْكَ اللُّغَةِ.
فَلَوْ تَكَلَّمَ بِلُغَتَيْنِ، فَبَطَلَ بِالْجِنَايَةِ حُرُوفٌ مِنْ هَذِهِ وَحُرُوفٌ مِنْ تِلْكَ، فَهَلْ تُوَزَّعُ عَلَى أَكْثَرِهِمَا حُرُوفًا أَمْ عَلَى أَقَلِّهِمَا؟ وَجْهَانِ، ثُمَّ فِي الْحُرُوفِ الْمُوَزَّعِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ: أَنَّ التَّوْزِيعَ يَكُونُ عَلَى جَمِيعِهَا، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ فَإِنْ ذَهَبَ نِصْفُهَا، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ ذَهَبَ حَرْفٌ فَأَكْثَرَ، وَجَبَ لِكُلِّ حِرَفٍ سُبْعُ رُبُعِ الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي؛ قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَا يَدْخُلُ فِي التَّوْزِيعِ الْحُرُوفُ الشَّفَهِيَّةُ، وَهِيَ الْبَاءُ وَالْفَاءُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ، وَلَا الْحَلْقِيَّةُ وَهِيَ الْهَاءُ وَالْهَمْزَةُ، وَالْعَيْنُ وَالْحَاءُ، وَالْغَيْنُ وَالْخَاءُ؛ وَإِنَّمَا التَّوْزِيعُ عَلَى الْحُرُوفِ الْخَارِجَةِ مِنَ اللِّسَانِ وَهِيَ مَا عَدَا الْمَذْكُورَاتِ، هَذَا إِذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْحُرُوفِ، وَبَقِيَ فِي الْبَقِيَّةِ كَلَامٌ مَفْهُومٌ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَبْقَ فِي الْبَقِيَّةِ

كَلَامٌ مَفْهُومٌ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَفَّالُ، وَجَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيُّ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا قِسْطُ الْحُرُوفِ الْفَائِتَةِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَنَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» : وَلَوْ ضَرَبَ شَفَتَيْهِ، فَأَذْهَبَ الْحُرُوفَ الشَّفَهِيَّةَ، أَوْ رَقَبَتَهُ، فَأَذْهَبَ الْحُرُوفَ الْحَلْقِيَّةَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَجَبَتِ الْحُكُومَةُ فَقَطْ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَجَبَ قِسْطُ الذَّاهِبِ مِنْ جَمِيعِ الْحُرُوفِ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ شَفَتَيْهِ، فَأَذْهَبَ الْبَاءَ وَالْمِيمَ، فَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَجِبُ مَعَ دِيَةِ الشَّفَتَيْنِ أَرْشُ الْحَرْفَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْوَكِيلِ: لَا يَجِبُ غَيْرُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ كَلَامُهُ، لَا يَجِبُ إِلَّا الدِّيَةُ.
فَرْعٌ جَنَى عَلَى لِسَانِهِ فَصَارَ يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَجَبَ قِسْطُ الْحَرْفِ الَّذِي أَبْطَلَهُ.
وَلَوْ ثَقُلَ لِسَانُهُ بِالْجِنَايَةِ، أَوْ حَدَثَتْ فِي كَلَامِهِ عَجَلَةٌ، أَوْ تَمْتَمَةٌ، أَوْ فَأْفَأَةٌ، أَوْ كَانَ أَلْثَغَ؛ فَزَادَتْ لَثْغَتُهُ؛ فَالْوَاجِبُ الْحُكُومَةُ لِبَقَاءِ الْمَنْفَعَةِ.
فَرْعٌ مَنْ لَا يُحْسِنُ بَعْضَ الْحُرُوفِ كَالْأَرَتِّ وَالْأَلْثَغِ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِعِشْرِينَ حَرْفًا مَثَلًا، إِذَا أَذْهَبَ كَلَامَهُ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ؛ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَذْهَبَ بَعْضَ الْحُرُوفِ، وُزِّعَ عَلَى مَا يُحْسِنُهُ، لَا عَلَى الْجَمِيعِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ إِلَّا قِسْطُهَا مِنْ جَمِيعِ الْحُرُوفِ، وَفِي بَعْضِهَا بِقِسْطِهِ مِنَ الْجَمِيعِ؛ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ جَمِيعِ مَقَاصِدِهِ لِفِطْنَتِهِ وَاسْتِمْدَادِهِ مِنَ اللُّغَةِ، لَمْ تَكْمُلِ الدِّيَةُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ،

لِأَنَّ قُدْرَتَهُ لِحِذْقِهِ لَا بِالْكَلَامِ؛ هَذَا إِذَا كَانَ نَقْصُ حُرُوفِهِ خِلْقَةً، أَوْ حَدَثَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَلَوْ حَدَثَ بِجِنَايَةٍ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ، لِئَلَّا يَتَضَاعَفَ الْغُرْمُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي أَبْطَلَهُ الْجَانِي الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَحَلٍّ نَاقِصِ الْمَنْفَعَةِ أَوِ الْجِرْمِ، أَمَّا الْمَنَافِعُ الَّتِي لَا تَتَقَدَّرُ تَقَدَّرَ النُّطْقُ بِالْحُرُوفِ كَالْبَطْشِ وَالْبَصَرِ؛ فَإِنْ كَانَ النَّقْصُ فِيهَا بِآفَةٍ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَبْطَلَهَا الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ، وَكَذَا مَنْ قَطَعَ الْعُضْوَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ ضَعْفُهَا وَقُوَّتُهَا.
وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِجِنَايَةٍ، فَأَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ بَلْ يُحَطُّ مِنْهَا قَدْرُ الْحُكُومَةِ الَّتِي غَرِمَهَا الْأَوَّلُ عَنْ مُبْطِلِ الْمَنْفَعَةِ وَقَاطِعِ الْعُضْوِ جَمِيعًا حِذَارًا مَنْ تَضَعُّفِ الْغَرَامَةِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَالثَّالِثُ لَا يُحَطُّ عَنْ قَاطِعِ الْجِرْمِ، وَيُحَطُّ عَنْ مُبْطِلِ الْمَنْفَعَةِ النَّاقِصَةِ لِتَجَانُسِ جِنَايَتِهِ وَجِنَايَةِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْإِجْرَامُ، فَإِنْ كَانَ لَمَّا نَقَصَ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ لَزِمَ الثَّانِي دِيَةٌ يُحَطُّ مِنْهَا أَرْشُ مَا نَقَصَ، سَوَاءٌ حَصَلَ النَّقْصُ بِآفَةٍ أَمْ بِجِنَايَةٍ؛ فَلَوْ سَقَطَتْ أُصْبُعُهُ، أَوْ أُنْمُلَتُهُ بِآفَةٍ، ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ، حُطَّ مِنْ دِيَةِ الْيَدِ أَرْشُ الْأُصْبُعِ أَوِ الْأُنْمُلَةِ، وَلَوْ جَرَحَ رَأْسَهُ مُتَلَاحِمَةً؛ فَجَعَلَهَا آخَرُ مُوضِحَةً، لَزِمَ الثَّانِي أَرْشُ مُوضِحَةٍ يُحَطُّ مِنْهُ وَاجِبُ الْمُتَلَاحِمَةِ، سَوَاءٌ قَدَّرْنَا وَاجِبَهَا، أَمْ أَوْجَبْنَا فِيهَا الْحُكُومَةَ، وَلَوِ الْتَأَمَتِ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَاكْتَسَى مَوْضِعُهَا بِالْجِلْدِ لَكِنْ بَقِيَ غَائِرًا، فَأَوْضَحَ فِيهِ آخَرُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْجُرْحِ قَدْ سَقَطَ؛ وَعَلَى مَنْ أَوْضَحَ أَرْشٌ كَامِلٌ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَا نَقَصَ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كَفِلْقَةٍ تَنْفَصِلُ مِنْ لَحْمِ الْأُنْمُلَةِ، فَإِنْ لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْمَنْفَعَةِ، لَمْ تَنْقُصْ بِهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ وَجَبَ فِيهِ حُكُومَةٌ لِلشَّيْنِ، وَسَوَاءٌ حَصَلَ ذَلِكَ بِآفَةٍ أَمْ بِجِنَايَةٍ وَإِنْ أَثَّرَ فِي الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ حَصَلَ بِآفَةٍ لَمْ تَنْقُصِ

الدِّيَةُ، وَإِنْ حَصَلَ بِجِنَايَةٍ؛ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، أَقْرَبُهُمَا: يُحَطُّ عَنِ الثَّانِي قَدْرُ حُكُومَةِ الْأَوَّلِ.

فَصْلٌ

نَزَّلَ الْعُلَمَاءُ النُّطْقَ فِي اللِّسَانِ مَنْزِلَةَ الْبَطْشِ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَقَالُوا: إِذَا اسْتَأْصَلَ لِسَانَهُ بِالْقَطْعِ وَأَبْطَلَ كَلَامَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ عَذْبَةَ اللِّسَانِ، وَبَطَلَ الْكَلَامُ؛ فَكَذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا مِنَ الْيَدِ فَشُلَّتْ.
وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ اللِّسَانِ؛ فَذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ؛ نُظِرَ، إِنْ تَسَاوَتْ نِسْبَةُ جِرْمِ اللِّسَانِ وَالْكَلَامِ، بِأَنْ قُطِعَ نِصْفُ لِسَانِهِ، فَذَهَبَ نِصْفُ كَلَامِهِ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِأَنْ قُطِعَ الرُّبْعُ فَذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ أَوْ عَكْسُهُ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ قَطْعًا، وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ.
فَقَالَ الْجُمْهُورُ: اللِّسَانُ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ وَمَنْفَعَتُهُ أَيْضًا كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الِاعْتِبَارُ بِالْجِرْمِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَفِيهِ تَقَعُ الْجِنَايَةُ، قَالَ: وَإِنَّمَا وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي قَطْعِ رُبُعِهِ إِذَا ذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ قَطَعَ رُبُعًا، وَأَشَلَّ رُبُعًا، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي صُوَرٍ.
إِحْدَاهَا: قَطَعَ نِصْفَهُ، فَذَهَبَ رُبُعُ الْكَلَامِ، وَاسْتَأْصَلَ آخَرُ الْبَاقِي؛ فَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ يَلْزَمُ الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ نَصِفُهَا.
الثَّانِيَةُ: قَطَعَ رُبُعَهُ، فَذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ، وَاسْتَأْصَلَهُ آخَرُ، فَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ يَلْزَمُ الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، وَعِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ نِصْفُ الدِّيَةِ وَحُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نِصْفًا صَحِيحًا وَرُبُعًا أَشَلَّ.
الثَّالِثَةُ: ذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ بِجِنَايَةٍ عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ مِنْهُ، ثُمَّ قَطَعَهُ آخَرُ، فَيَلْزَمُ الثَّانِي عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَعِنْدَهُ نِصْفُهَا وَحُكُومَةٌ، لِأَنَّ نِصْفَ اللِّسَانِ صَحِيحٌ وَنَصِفَهُ أَشَلُّ لِذَهَابِ نِصْفِ الْكَلَامِ.

فَرْعٌ رَجُلَانِ قُطِعَ مِنْ أَحَدِهِمَا نِصْفُ لِسَانِهِ وَذَهَبَ رُبُعُ كَلَامِهِ، وَمِنَ الْآخَرِ نِصْفُ لِسَانِهِ وَذَهَبَ نِصْفُ كَلَامِهِ، فَقَطَعَ الْأَوَّلُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ مِنَ الثَّانِي، لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَإِنْ أَجْرَيْنَا الْقِصَاصَ فِي بَعْضِ اللِّسَانِ لِنَقْصِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ؛ فَذَهَبَ نِصْفُ كَلَامِهِ، فَاقْتَصَّ مِنَ الْجَانِي، فَلَمْ يَذْهَبْ إِلَّا رُبُعُ كَلَامِهِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ رُبُعُ الدِّيَةِ لِيُتِمَّ حَقَّهُ، وَإِنْ ذَهَبَ مِنَ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَلَامِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ سِرَايَةَ الْقَوْدِ مُهْدَرَةٌ.
فَرْعٌ عَوْدُ الْكَلَامِ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، كَعَوْدِ السَّمْعِ.
فَرْعٌ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ إِذَا ضَرَبَ لِسَانَهُ فَنَطَقَ بِذَلِكَ الْحَرْفِ وَفَاتَ حَرْفٌ آخَرُ، يَجِبُ قِسْطُ الْفَائِتِ وَلَا يَنْجَبِرُ، وَهَلْ يُوَزَّعُ عَلَى الْحُرُوفِ وَفِيهَا الْحَرْفُ الْمُسْتَفَادُ أَمْ عَلَيْهَا قَبْلَ الْجِنَايَةِ؟ قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: لِيَبْنِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ يُحْسِنُ بَعْضَ الْحُرُوفِ وَلَهُ كَلَامٌ مَفْهُومٌ إِذَا أَبْطَلَ بِالْجِنَايَةِ بَعْضَ مَا يُحْسِنُهُ، هَلِ التَّوْزِيعُ عَلَى مَا يُحْسِنُهُ أَمْ عَلَى الْجَمِيعِ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، دَخَلَ الْمُسْتَفَادُ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ فِي لِسَانِهِ عَجَلَةٌ وَاضْطِرَابٌ، فَضُرِبَ فَاسْتَقَامَ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الضَّارِبِ.

فَرْعٌ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ، وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ، هَلْ تَجِبُ الْحُكُومَةُ أَمْ قِسْطُ الْمَقْطُوعِ مِنَ الدِّيَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْحُكُومَةُ، إِذْ لَوْ وَجَبَ الْقِسْطُ لَلَزِمَ إِيجَابُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ فِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ.

السَّادِسُ: الصَّوْتُ، فَإِذَا جَنَى عَلَى شَخْصٍ، فَأَبْطَلَ صَوْتَهُ، وَبَقِيَ اللِّسَانُ عَلَى اعْتِدَالِهِ، وَيُمَكِّنُهُ مِنَ التَّقْطِيعِ وَالتَّرْدِيدِ، لَزِمَهُ لِإِبْطَالِ الصَّوْتِ كَمَالُ الدِّيَةِ؛ فَإِنْ أَبْطَلَ مَعَهُ حَرَكَةَ اللِّسَانِ حَتَّى عَجَزَ عَنِ التَّقْطِيعِ وَالتَّرْدِيدِ، فَوَجْهَانِ: أَرْجَحُهُمَا: يَجِبُ دِيَتَانِ، لِأَنَّهُمَا مَنْفَعَتَانِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ إِذَا أُفْرِدَتْ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ دِيَةٌ فَقَطْ.
فَإِنْ قُلْنَا: دِيَتَانِ، وَكَانَتْ حَرَكَةُ اللِّسَانِ بَاقِيَةً فَقَدْ تَعَطَّلَ النُّطْقُ بِسَبَبِ فَوَاتِ الصَّوْتِ، فَيَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَنَّ تَعَطُّلَ الْمَنْفَعَةِ هَلْ هُوَ كَزَوَالِهَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، وَجَبَ دِيَتَانِ، وَإِلَّا فَدِيَةٌ.
السَّابِعُ: الذَّوْقُ، وَفِي إِبْطَالِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَقَدْ يَبْطُلُ بِجِنَايَةٍ عَلَى اللِّسَانِ أَوِ الرَّقَبَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَالْمُدْرَكُ بِالذَّوْقِ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ: الْحَلَاوَةُ وَالْحُمُوضَةُ وَالْمَرَارَةُ وَالْمُلُوحَةُ وَالْعُذُوبَةُ؛ وَالدِّيَةُ تَتَوَزَّعُ عَلَيْهَا؛ فَإِذَا أُبْطِلَ إِدْرَاكٌ وَاحِدٌ، وَجَبَ خُمْسُ الدِّيَةِ، وَلَوْ نَقَصَ الْإِحْسَاسُ فَلَمْ يُدْرِكِ الطُّعُومَ عَلَى كَمَالِهَا؛ فَالْوَاجِبُ الْحُكُومَةُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ الذَّوْقِ، جُرِّبَ بِالْأَشْيَاءِ الْمُرَّةِ أَوِ الْحَامِضَةِ الْحَادَّةِ؛ فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَعَبُّسٌ وَكَرَاهَةٌ، صَدَّقْنَا الْجَانِيَ بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا فَالْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً زَالَ بِهَا ذَوْقُهُ وَنُطْقُهُ، وَجَبَ دِيَتَانِ.
الثَّامِنُ: الْمَضْغُ، وَفِي إِبْطَالِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلِإِبْطَالِهِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصْلَبَ مَغْرَسُ اللِّحْيَيْنِ حَتَّى تَمْتَنِعَ حَرَكَتُهُمَا مَجِيئًا وَذَهَابًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَجْنِيَ عَلَى الْأَسْنَانِ، فَيُصِيبَهُمَا خَدَرٌ، وَتَبْطُلَ صَلَاحِيَتُهُمَا لِلْمَضْغِ.

التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ: الْإِمْنَاءُ وَالْإِحْبَالُ وَالْجِمَاعُ؛ فَإِذَا كَسَرَ صُلْبَهُ، فَأَبْطَلَ قُوَّةَ إِمْنَائِهِ، وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ، فَذَهَبَ مَاؤُهُ، لَزِمَهُ دِيَتَانِ، وَكَذَا لَوْ أَبْطَلَ مِنَ الْمَرْأَةِ قُوَّةَ الْإِحْبَالِ، لَزِمَهُ دِيَتُهَا، وَلَوْ جَنَى عَلَى ثَدْيِهَا، فَانْقَطَعَ لَبَنُهَا، لَزِمَهُ حُكُومَةٌ، فَإِنْ نَقَصَ، وَجَبَتْ حُكُومَةٌ تَلِيقُ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ عِنْدَ الْجِنَايَةِ، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَمْ يُدَرَّ لَهَا لَبَنٌ، وَامْتَنَعَ بِهِ الْإِرْضَاعُ، وَجَبَتْ حُكُومَةٌ إِذَا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إِنَّ الِانْقِطَاعَ بِجِنَايَتِهِ، أَوْ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ هُوَ سَبَبَهَا، وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ بِإِبْطَالِ الْإِرْضَاعِ.
وَلَوْ جَنَى عَلَى صُلْبِهِ؛ فَذَهَبَ جِمَاعُهُ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ، لِأَنَّ الْمُجَامَعَةَ مِنَ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ، وَلَوِ ادَّعَى ذَهَابَهُ، فَأَنْكَرَ الْجَانِي، صُدِّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ صَوَّرُوا ذَهَابَ الْجِمَاعِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ مَاؤُهُ وَبَقِيَ ذَكَرُهُ سَلِيمًا، وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ، وَأَشَلَّ ذَكَرَهُ؛ فَعَلَيْهِ دِيَةُ الذَّكَرِ وَحُكُومَةٌ لَكَسْرِ الصُّلْبِ، وَإِذَا كَانَ الذَّكَرُ سَلِيمًا، كَانَ الشَّخْصُ قَادِرًا عَلَى الْجِمَاعِ حِسًّا، فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِذَهَابِ الْجِمَاعِ بُطْلَانَ الِالْتِذَاذِ بِهِ وَالرَّغْبَةِ فِيهِ؛ وَلِذَلِكَ صَوَّرَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي إِبْطَالِ شَهْوَةِ الْجِمَاعِ مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ اسْتَبْعَدَ ذَهَابَ الشَّهْوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْمَنِيِّ.
فَرْعٌ لَوْ جَنَى عَلَى عُنُقِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ابْتِلَاعُ الطَّعَامِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ لِالْتِوَاءِ الْعُنُقِ أَوْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ حُكُومَةٌ، فَلَوْ لَمْ يَنْفُذِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ أَصْلًا لِانْسِدَادِ الْمَنْفَذِ، فَلَا يَعِيشُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَلَمْ تَزِدْ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَاغَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، فَحُكُومَةٌ، وَإِنْ مَاتَ فَالدِّيَةُ.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ نَفْسَ الْجِنَايَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الِانْسِدَادِ

تُوجِبُ الدِّيَةَ حَتَّى لَوْ حَزَّ غَيْرُهُ رَقَبَتَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَزِمَ الْأَوَّلَ دِيَةٌ، وَلَوْ مَاتَ بِامْتِنَاعِ نُفُوذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ قُلْنَا: مَنْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ، تَلْزَمُهُ دِيَةٌ فَقَطْ، فَكَذَا هُنَا، وَإِنْ قُلْنَا: هُنَاكَ دِيَتَانِ، فَيُحْتَمَلُ هُنَا دِيَةٌ وَيُحْتَمَلُ دِيَتَانِ.
الثَّانِي عَشَرَ: إِفْضَاءُ الْمَرْأَةِ، وَفِيهِ كَمَالُ دِيَةٍ، وَهُوَ رَفْعُ الْحَاجِزِ بَيْنَ مَسْلَكِ الْجِمَاعِ وَالدُّبُرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: رَفْعُ الْحَاجِزِ بَيْنَ مَسْلَكِ الْجِمَاعِ وَمَخْرَجِ الْبَوْلِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِفْضَاءٌ مُوجِبٌ لِلدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ يَخْتَلُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْنَعُ إِمْسَاكَ الْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ؛ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَزَالَ الْحَاجِزَيْنِ، لَزِمَهُ دِيَتَانِ.
وَتَخْتَلِفُ الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ بِالْإِفْضَاءِ خِفَّةً وَغِلْظًا بِاخْتِلَافِ حَالِ الْإِفْضَاءِ، فَقَدْ يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا، بِأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ضَعِيفَةً أَوْ نَحِيفَةً، وَالْغَالِبُ إِفْضَاءُ وَطْئِهَا إِلَى الْإِفْضَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ عَمْدَ خَطَأٍ، بِأَنْ لَا يَتَضَمَّنَ وَطْؤُهَا الْإِفْضَاءَ غَالِبًا، وَقَدْ يَكُونُ خَطَأً مَحْضًا، بِأَنْ يَجِدَ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَظُنَّهَا امْرَأَتَهُ الَّتِي عَهِدَهَا، فَيَطَؤُهَا فَيُفْضِيهَا.
هَذَا إِذَا حَصَلَ الْإِفْضَاءُ بِالْوَطْءِ، وَلَا فَرْقَ فِي الدِّيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَحْصُلَ بِأُصْبُعٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ، وَإِذَا أَفْضَاهَا؛ فَصَارَ بَوْلُهَا يَسْتَرْسِلُ وَلَا يَسْتَمْسِكُ، لَزِمَهُ مَعَ الدِّيَةِ حُكُومَةُ الشَّيْنِ، وَقِيلَ: لَا حُكُومَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَسَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ بِالْإِفْضَاءِ الْحَاصِلِ بِالْوَطْءِ، الزَّوْجُ وَالْوَاطِئُ بِشُبْهَةٍ وَالزَّانِي؛ وَيَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ عَلَى الزَّوْجِ بِالْوَطْءِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْإِفْضَاءِ، وَيَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ، وَكَذَا عَلَى الزَّانِي إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً وَعَلَيْهِ الْحَدُّ.

فَصْلٌ

لِبَكَارَةِ الْمَرْأَةِ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُزِيلَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ افْتِضَاضَهَا، فَإِنْ أَزَالَهَا بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ، كَالْأُصْبُعِ وَالْخَشَبَةِ، لَزِمَهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَالْمُرَادُ الْحُكُومَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ تَقْدِيرِ الرِّقِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَيَانِ الْحُكُومَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَلْ يَكُونُ جِنْسُ الْوَاجِبِ مِنَ الْإِبِلِ، أَمْ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْإِبِلُ عَلَى قَاعِدَةِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْأَحْرَارِ.
وَلَوْ أَزَالَتْ بِكْرٌ بَكَارَةَ أُخْرَى اقْتَصَّتْ مِنْهَا.
وَإِنْ أَزَالَهَا بِآلَةِ الْجِمَاعِ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ الْمَرْأَةُ فَلَا أَرْشَ كَمَا لَا مَهْرَ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ كَانَ هُنَاكَ شُبْهَةُ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ مِثْلِهَا ثَيِّبًا وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ مَهْرُ مِثْلِهَا بِكْرًا، فَإِنْ أَفْرَدْنَا الْأَرْشَ عَادَ الْوَجْهَانِ فِي أَنَّ جِنْسَهُ الْإِبِلُ أَمِ النَّقْدُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُزِيلَهَا مُسْتَحِقُّ الِافْتِضَاضِ وَهُوَ الزَّوْجُ؛ فَإِنْ أَزَالَهَا بِآلَةِ الْجِمَاعِ؛ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ أَزَالَهَا بِغَيْرِهِ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حَقُّهُ وَإِنْ أَخْطَأَ فِي طَرِيقِهِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ الْأَرْشُ.
ثُمَّ مَنِ افْتَضَّ، وَأَلْزَمْنَاهُ أَرْشَ الْبَكَارَةِ، فَلَوْ أَفْضَاهَا مَعَ الِافْتِضَاضِ؛ فَفِي دُخُولِ أَرْشِ الْبَكَارَةِ فِي دِيَةِ الْإِفْضَاءِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: الدُّخُولُ، لِأَنَّ الدِّيَةَ وَالْأَرْشَ تَجِبَانِ لِلْإِتْلَافِ؛ فَدَخَلَ أَقَلُّهُمَا فِي أَكْثَرِهِمَا بِخِلَافِ الْمَهْرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ لِلِاسْتِمْتَاعِ، فَلَا يَدْخُلُ فِي بَدَلِ الْإِتْلَافِ، كَمَا لَوْ تَحَامَلَ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ، فَكَسَرَ رِجْلَهَا، لَا يَدْخُلُ الْمَهْرُ فِي دِيَةِ الرِّجْلِ.

فَصْلٌ

إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ إِلَّا بِالْإِفْضَاءِ، لَمْ يَجُزْ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا، وَلَا يَلْزَمُهَا تَمْكِينُهُ، ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْ كَانَ سَبَبُهُ ضِيقُ الْمَنْفَذِ

بِحَيْثُ يُخَالِفُ الْعَادَةَ؛ فَلِلزَّوْجِ خِيَارُ الْفَسْخِ، كَالرَّتْقِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ كِبَرُ آلَتِهِ بِحَيْثُ يُخَالِفُ الْعَادَةَ؛ فَلَهَا الْخِيَارُ، كَمَا فِي الْجَبِّ.
وَالَّذِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ لَا فَسْخَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْجَبِّ وَالرَّتْقِ، فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِ الْوَطْءَ مُطْلَقًا، وَيُشْبِهُ أَنْ يُفَصَّلَ فَيُقَالُ: إِنْ كَانَتْ نَحِيفَةً لَوْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ لَأَفْضَاهَا، لَكِنْ لَوْ وَطِئَهَا نَحِيفٌ احْتَمَلَتْهُ، فَلَا فَسْخَ.
وَإِنْ كَانَ ضِيقُ الْمَنْفَذِ بِحَيْثُ يُفْضِيهَا أَيُّ شَخْصٍ وَطِئَهَا؛ فَهَذَا كَالرَّتْقِ؛ وَيَنْزِلُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى الثَّانِي.
فَرْعٌ إِذَا الْتَأَمَ الْجُرْحُ بَعْدَ الْإِفْضَاءِ، سَقَطَتِ الدِّيَةُ وَعَلَيْهِ الْحُكُومَةُ إِنْ بَقِيَ أَثَرٌ، كَمَا لَوْ عَادَ ضَوْءُ الْعَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ لَا تَسْقُطُ، كَمَا لَوِ الْتَحَمَتِ الْجَائِفَةُ.
فَرْعٌ لَوْ أَفْضَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : إِنْ قُلْنَا: الْإِفْضَاءُ رَفْعُ الْحَاجِزِ بَيْنَ مَنْفَذِ الْبَوْلِ وَمَدْخَلِ الذَّكَرِ، لَمْ تَجِبِ الدِّيَةُ، وَإِنْ قُلْنَا: رَفْعُ الْحَاجِزِ بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ؛ فَوَجْهَانِ وَلَوْ أُزِيلَتِ الْبَكَارَةُ مِنْ فَرْجِ الْمُشْكِلِ وَجَبَتْ حُكُومَةُ جِرَاحَةٍ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْبَكَارَةُ؛ لِأَنَّا لَا نَتَحَقَّقُ كَوْنَهُ فَرْجًا.

الثَّالِثَ عَشَرَ: الْبَطْشُ وَالْمَشْيُ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَالُ الدِّيَةِ؛ فَإِذَا ضَرَبَ يَدَيْهِ فَشُلَّتَا، لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَلَوْ ضَرَبَ أُصْبُعَهُ فَشُلَّتْ، لَزِمَهُ دِيَةُ أُصْبُعٍ، وَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَلَ مَشْيُهُ وَرِجْلُهُ سَلِيمَةٌ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ، وَلَا تُؤْخَذُ الدِّيَةُ حَتَّى تَنْدَمِلَ؛ فَإِنِ انْجَبَرَ وَعَادَ مَشْيُهُ كَمَا كَانَ؛ فَلَا دِيَةَ وَتَجِبُ الْحُكُومَةُ إِنْ بَقِيَ أَثَرٌ، وَكَذَا إِنْ نَقَصَ مَشْيُهُ، بِأَنِ احْتَاجَ إِلَى

عَصًا، أَوْ صَارَ يَمْشِي مُحْدَوْدِبًا.
وَلَوْ كُسِرَ صُلْبُهُ، وَشُلَّتْ رِجْلُهُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَلْزَمُهُ دِيَةٌ لِفَوَاتِ الْمَشْيِ، وَحُكُومَةٌ لِكَسْرِ الظَّهْرِ.
بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتِ الرِّجْلُ سَلِيمَةً لَا يَجِبُ مَعَ الدِّيَةِ حُكُومَةٌ، لِأَنَّ الْمَشْيَ مَنْفَعَةٌ فِي الرِّجْلِ؛ فَإِذَا شُلَّتِ الرِّجْلُ فَفَوَاتُ الْمَنْفَعَةِ لِشَلَلِ الرِّجْلِ، فَأَفْرَدَ كَسْرَ الصُّلْبِ بِحُكُومَةٍ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ سَلِيمَةً، فَفَوَاتُ الْمَشْيِ لِخَلَلِ الصُّلْبِ، فَلَا يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ.
وَيُوَافِقُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، أَنَّهُ لَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَشُلَّ ذَكَرُهُ، تَجِبُ حُكُومَةُ الْكَسْرِ وَدِيَةٌ لِشَلَلِ الذَّكَرِ.
وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْكَسْرِ لَا يُوجِبُ الدِّيَةَ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ إِذَا فَاتَ بِهِ الْمَشْيُ، أَوِ الْمَاءُ أَوِ الْجِمَاعُ كَمَا سَبَقَ.
وَإِذَا ادَّعَى ذَهَابَ الْمَشْيِ، فَكَذَّبَهُ الْجَانِي، امْتُحِنَ، بِأَنْ يُقْصَدَ بِالسَّيْفِ فِي غَفْلَتِهِ؛ فَإِنْ تَحَرَّكَ وَمَشَى، عَلِمْنَا كَذِبَهُ، وَإِلَّا فَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُ الدِّيَةَ، وَلَوْ أَذْهَبَ كَسْرَ الصُّلْبِ مَشْيَهُ وَمَنِيَّهُ، أَوْ مَشْيَهُ وَجِمَاعَهُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: دِيَةٌ.

فَصْلٌ

قَدْ ذَكَرْنَا الدِّيَاتِ فِي الْجُرُوحِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ مُفَصَّلَةً؛ فَيَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ فِي شَخْصٍ دِيَاتٌ كَثِيرَةٌ، بِأَنْ تُزَالَ مِنْهُ أَعْضَاءٌ وَمَنَافِعُ، وَلَا يَسْرِي إِلَى النَّفْسِ، بَلْ تَنْدَمِلُ، وَهَذَا بَيَانُ الدِّيَاتِ.
الْأُذُنَانِ أَوْ إِبْطَالُ إِحْسَاسِهِمَا، الْعَيْنَانِ أَوِ الْبَصَرُ، الْأَجْفَانُ، الْمَارِنُ، الشَّفَتَانِ، اللِّسَانُ أَوِ النُّطْقُ، الْأَسْنَانُ، اللِّحْيَانِ، الْيَدَانِ، الرِّجْلَانِ، الذَّكَرُ، الْأُنْثَيَانِ أَوِ الْحَلَمَتَانِ وَالشَّفْرَانِ، الْأَلْيَانِ، الْعَقْلُ، السَّمْعُ، الشَّمُّ، الصَّوْتُ، الذَّوْقُ، الْمَضْغُ، الْإِمْنَاءُ أَوِ الْإِحْبَالُ، إِبْطَالُ لَذَّةِ الْجِمَاعِ، إِبْطَالُ لَذَّةِ الطَّعَامِ، الْإِفْضَاءُ فِي الْمَرْأَةِ، الْبَطْشُ، الْمَشْيُ.
وَقَدْ يُضَافُ إِلَيْهَا الْمَوَاضِحُ وَسَائِرُ الشَّجَّاتِ، وَالْجَوَائِفُ وَالْحُكُومَاتُ، فَيَجْتَمِعُ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَا يَنْحَصِرُ؛ فَإِذَا انْدَمَلَتْ هَذِهِ الْجِرَاحَاتُ، وَجَبَ جَمِيعُ هَذِهِ الدِّيَاتِ، وَإِنْ سَرَتْ فَمَاتَ

مِنْهَا، وَجَبَ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ عَادَ الْجَانِي، فَحَزَّ رَقَبَةَ الْمَجْرُوحِ.
أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْأَطْرَافِ وَدِيَةُ النَّفْسِ لِاسْتِقْرَارِ دِيَةِ الْأَطْرَافِ بِالِانْدِمَالِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَوَجْهَانِ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا دِيَةُ النَّفْسِ كَالسَّرَايَةِ، وَالثَّانِي خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ: تَجِبُ دِيَاتُ الْأَطْرَافِ مَعَ دِيَةِ النَّفْسِ، هَذَا إِذَا اتَّفَقَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ فِي الْعَمْدِ أَوِ الْخَطَأِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَمْدًا، وَالْأُخْرَى خَطَأً، وَقُلْنَا بِالتَّدَاخُلِ عِنْدَ الِاتِّفَاقِ، فَهُنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّدَاخُلُ أَيْضًا، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِاخْتِلَافِهِمَا وَاخْتِلَافِ مَنْ يَجْنِيَانِ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً، ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ عَمْدًا؛ فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ قِصَاصًا وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ يَدِهِ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُ قِصَاصٌ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّدَاخُلِ، وَجَعَلْنَا الْحُكْمَ لِلنَّفْسِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَدَاخُلَ، أُخِذَ نِصْفُ الدِّيَةِ مِنَ الْعَاقِلَةِ لِلْيَدِ، وَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ؛ فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّدَاخُلِ، فَوَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَجِبُ دِيَةٌ نِصْفُهَا مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَنِصْفُهَا مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْجَانِي.
وَيُنْسَبُ هَذَا إِلَى النَّصِّ.
وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ: يَجِبُ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْجَانِي، لِأَنَّ مَعْنَى التَّدَاخُلِ إِسْقَاطُ بَدَلِ الطَّرَفِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى بَدَلِ النَّفْسِ لِمَصِيرِ الْجِنَايَةِ نَفْسًا.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَدَاخُلَ، وَجَبَ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وِدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ خَطَأً قَبْلَ الِانْدِمَالِ؛ فَلِلْوَلِيِّ قَطْعُ يَدِهِ.
وَإِذَا قَطَعَهَا إِنْ قُلْنَا بِالتَّدَاخُلِ؛ فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ، لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالْقَطْعِ نِصْفَ بَدَلِ النَّفْسِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَدَاخُلَ؛ فَلَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ.
وَإِنْ عَفَا عَنِ الْقَطْعِ؛ فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّدَاخُلِ؛ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، عَلَى النَّصِّ يَجِبُ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَنِصْفُ مُغَلَّظَةٍ لِلْيَدِ، وَعَلَى الْآخَرِ دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ لِلنَّفْسِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ أُصْبُعَهُ عَمْدًا، ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ خَطَأً أَوْ بِالْعَكْسِ، وَقُلْنَا: تُرَاعَى صِفَةُ

الْجِنَايَتَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّدَاخُلِ، تَنَصَّفَتْ تَخْفِيفًا وَتَغْلِيظًا، وَلَا نُظِرَ إِلَى أَقْدَارِ أُرُوشِ الْأَطْرَافِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّدَاخُلِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَزَّ بَعْدَ قَطْعِ الْأَطْرَافِ كَسَرَايَةِ الْأَطْرَافِ؛ فَكَانَ الْحَزُّ مَعَ الْجِرَاحَاتِ السَّابِقَةِ، كَجِرَاحَاتٍ مُؤَثِّرَةٍ فِي الزُّهُوقِ انْقَسَمَتْ عَمْدًا وَخَطَأً، وَحِينَئِذٍ تَتَنَصَّفُ الدِّيَةُ تَخْفِيفًا وَتَغْلِيظًا وَلَا نُظِرَ إِلَى أَقْدَارِ الْأُرُوشِ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ الْحُكُومَاتِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّقِيقِ فِيهِ طَرَفَانِ: الْأَوَّلُ فِي الْحُكُومَةِ: وَهِيَ جُزْءٌ مِنَ الدِّيَةِ نِسْبَتُهُ إِلَيْهَا نِسْبَةُ مَا تَقْتَضِيهِ الْجِنَايَةُ مِنْ قِيمَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَقْوِيمِهِ رَقِيقًا؛ فَيُقَوَّمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَوْ كَانَ عَبْدًا، وَيُنْظَرُ كَمْ نَقَصَتِ الْجِنَايَةُ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ قُوِّمَ بِعَشَرَةٍ دُونَ الْجِنَايَةِ، وَبِتِسْعَةٍ بَعْدَ الْجِنَايَةِ؛ فَالتَّفَاوُتُ الْعُشْرُ، فَيَجِبُ عُشْرُ دِيَةِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: عُشْرُ دِيَةِ الْعُضْوِ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ؛ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ؛ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَتَكُونُ الْحُكُومَةُ مِنْ جِنْسِ الْإِبِلِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ نُظِرَ؛ إِنْ لَمْ تَبْلُغِ الْحُكُومَةُ أَرْشَ ذَلِكَ الْعُضْوِ، وَجَبَتْ بِكَمَالِهَا، وَإِنْ بَلَغَتْهُ، نَقَّصَ الْحَاكِمُ شَيْئًا مِنْهُ بِالِاجْتِهَادِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَكْفِي حَطُّ أَقَلِّ مَا يَتَمَوَّلُ فَحُكُومَةُ الْأُنْمُلَةِ الْعُلْيَا بِجُرْحِهَا، أَوْ قَلْعُ ظُفْرِهَا يَنْقُصُ عَنْ أَرْشِ الْأُنْمُلَةِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْأُصْبُعِ إِذَا أَتَتْ عَلَى طُولِهَا لَا تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْأُصْبُعِ، وَعَلَى الرَّأْسِ لَا تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الْبَطْنِ لَا تَبْلُغُ أَرْشَ الْجَائِفَةِ، وَحُكُومَةُ جُرْحِ الْكَفِّ لَا تَبْلُغُ دِيَةَ الْأَصَابِعِ الْخَمْسِ، وَكَذَا حُكُومَةُ قَطْعِ الْكَفِّ الَّتِي لَا أُصْبُعَ عَلَيْهَا، وَكَذَا حُكْمُ الْقَدَمِ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ حُكُومَةُ الْكَفِّ دِيَةَ أُصْبُعٍ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا دَفْعًا وَاحْتِوَاءً تَزِيدُ عَلَى مَنْفَعَةِ أُصْبُعٍ.
وَكَمَا

أَنَّ دِيَةَ الْيَدِ الشَّلَّاءِ لَا تَبْلُغُ دِيَةَ الْيَدِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ دِيَةَ أُصْبُعٍ، وَأَنْ تَزِيدَ عَلَيْهَا، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِرَاحَةُ عَلَى عُضْوٍ لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كَالظَّهْرِ وَالْكَتِفِ وَالْفَخِذِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ حُكُومَتُهَا دِيَةَ عُضْوٍ مُقَدَّرٍ، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَأَنْ تُزَادَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَنْقُصُ عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ.
وَعَدَّ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ السَّاعِدَ وَالْعَضُدَ؛ فَيَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ حُكُومَةُ جَرْحِ أَحَدِهِمَا دِيَةَ الْأَصَابِعِ الْخَمْسِ، وَأَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا.
وَسَوَّى الْغَزَالِيُّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَفِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الْكَفَّ هِيَ الَّتِي تَتْبَعُ الْأَصَابِعَ دُونَ السَّاعِدِ وَالْعَضُدِ.

فَصْلٌ

إِنَّمَا يُقَوَّمُ لِمَعْرِفَةِ الْحُكُومَةِ بَعْدَ انْدِمَالِ الْجِرَاحَةِ، وَنُقْصَانُ الْقِيمَةِ حِينَئِذٍ قَدْ يَكُونُ لِضَعْفٍ وَنَقْصٍ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِنَقْصِ الْجَمَالِ بِاعْوِجَاجٍ، أَوْ أَثَرٍ قَبِيحٍ، أَوْ شَيْنٍ مِنْ سَوَادٍ وَغَيْرِهِ، فَلَوِ انْدَمَلَتِ الْجِرَاحَةُ وَلَمْ يَبْقَ نَقْصٌ فِي مَنْفَعَةٍ وَلَا فِي جَمَالٍ وَلَمْ تَنْقُصِ الْقِيمَةُ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَيُنْسَبُ إِلَى ابْنِ سُرَيْجٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى التَّعْزِيرِ، كَمَا لَوْ لَطَمَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ بِمُثْقَلٍ؛ فَزَالَ الْأَلَمُ، وَلَمْ يُنْقَصْ مَنْفَعَةٌ وَلَا جَمَالٌ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ؛ فَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُقَدِّرُ الْحَاكِمُ شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ بِأَنْ يَنْظُرَ إِلَى خِفَّةِ الْجِنَايَةِ وَفُحْشِهَا فِي الْمَنْظَرِ سَعَةً أَوْ غَوْصًا وَقَدْرِ الْآلَامِ الْمُتَوَلِّدَةِ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى مَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الْقِيمَةِ وَيُعْتَبَرُ أَقْرَبُهَا إِلَى الِانْدِمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ نَقْصٌ إِلَّا فِي حَالِ سَيَلَانِ الدَّمِ، تَرَقَّبْنَا وَاعْتَبَرْنَا الْقِيمَةَ وَالْجِرَاحَةَ السَّائِلَةَ.
فَإِنْ فُرِضَتِ الْجِرَاحَةُ خَفِيفَةً لَا تُؤَثِّرُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَيْضًا، فَفِي «الْوَسِيطِ» أَنَّا نُلْحِقُهَا بِاللَّطْمِ وَالضَّرْبِ لِلضَّرُورَةِ، وَفِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّ الْحَاكِمَ يُوجِبُ شَيْئًا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا أَوْ سِنًّا زَائِدَةً أَوْ أَتْلَفَ لِحْيَةَ امْرَأَةٍ، وَأَفْسَدَ مَنْبَتَهَا، وَلَمْ تَنْقُصِ الْقِيمَةُ بِذَلِكَ، وَرُبَّمَا زَادَتْ

لِزَوَالِ الشَّيْنِ، فَهَلْ يَجِبُ شَيْءٌ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنْ أَوْجَبْنَا، فَهُوَ الْأَصَحُّ، فَقِيلَ: يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي قَطْعِ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ أَقْرَبُ أَحْوَالِ النَّقْصِ مِنَ الِانْدِمَالِ كَمَا سَبَقَ، وَفِي السِّنِّ يُقَوَّمُ وَلَهُ سِنٌّ زَائِدَةٌ نَابِتَةٌ فَوْقَ الْأَسْنَانِ وَلَا أَصْلِيَّةَ خَلْفَهَا، ثُمَّ يُقَوَّمُ مَقْلُوعَ تِلْكَ الزَّائِدَةِ، وَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ، لِأَنَّ الزَّائِدَةَ تَسُدُّ الْفُرْجَةَ وَيَحْصُلُ بِهَا نَوْعُ جَمَالٍ.
وَفِي لِحْيَةِ الْمَرْأَةِ تُقَدَّرُ كَوْنُهَا لِحْيَةَ عَبْدٍ كَبِيرٍ يَتَزَيَّنُ بِاللِّحْيَةِ، وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةً لَهَا شُعْبَتَانِ، أَصْلِيَّةٌ وَزَائِدَةٌ؛ قَدَّرَ الْحَاكِمُ لِلزَّائِدَةِ شَيْئًا بِالِاجْتِهَادِ.
وَلَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَطَمَهُ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ضَمَانٌ؛ فَإِنِ اسْوَدَّ أَوِ اخْضَرَّ وَبَقِيَ الْأَثَرُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، وَجَبَتِ الْحُكُومَةُ؛ فَإِنْ زَالَ الْأَثَرُ بَعْدَ أَخْذِ الْحُكُومَةِ، وَجَبَ رَدُّهَا.
وَضُبِطَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِأَنْ قِيلَ: إِذَا بَقِيَ أَثَرُ الْجِنَايَةِ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ شَيْنٍ، وَجَبَتِ الْحُكُومَةُ؛ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ أَثَرٌ.
وَالْجِنَايَةُ ضَرْبٌ وَنَحْوُهُ؛ فَلَا شَيْءَ وَإِنْ كَانَتْ جُرْحًا، فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ كَسَرَ عَظْمًا فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَعَادَ بَعْدَ الْكَسْرِ مُسْتَقِيمًا، فَإِنْ بَقِيَ فِيهِ ضَعْفٌ وَخَلَلٌ وَهُوَ الْغَالِبُ، وَجَبَتِ الْحُكُومَةُ، وَإِلَّا فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ مَعَ الضَّعْفِ اعْوِجَاجٌ، كَانَتِ الْحُكُومَةُ أَكْثَرَ، وَلَيْسَ لِلْجَانِي كَسْرُهُ ثَانِيًا لِيُجَبَّرَ مُسْتَقِيمًا، وَلَوْ فَعَلَ، لَمْ تَسْقُطِ الْحُكُومَةُ الْأُولَى، وَتَجِبُ لِلْكَسْرِ الثَّانِي حُكُومَةٌ أُخْرَى، لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ جَدِيدَةٌ.
فَرْعٌ إِزَالَةُ الشُّعُورِ مِنَ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ، بِحَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِنْ غَيْرِ إِفْسَادِ الْمَنْبَتِ، لَا يَجِبُ بِهَا حُكُومَةٌ أَصْلًا بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ الشَّعَرَ يَعُودُ.

فَصْلٌ

إِذَا كَانَ لِلْجِرَاحَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كَالْمُوضِحَةِ، فَالشَّيْنُ حَوَالَيْهَا يَتْبَعُهَا وَلَا يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ؛ هَذَا إِذَا كَانَ الشَّيْنُ فِي مَحَلِّ الْإِيضَاحِ، فَلَوْ أَوْضَحَ رَأَسَهُ، وَاتَّسَعَ الشَّيْنُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَفَا، فَوَجْهَانِ لِتَعَدِّيهِ مَحَلَّ الْإِيضَاحِ وَهَلِ الْمُتَلَاحِمَةُ كَالْمُوضِحَةِ فِي اسْتِتْبَاعِ الشَّيْنِ، إِذَا قَدَّرْنَا أَرْشَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُوضِحَةِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجِرَاحَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ جِرَاحَاتِ الرَّأْسِ إِذَا أَمْكَنَ تَقْدِيرُهَا مُوضِحَةً عَلَى الرَّأْسِ يَجِبُ فِيهَا أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِسْطِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَالْحُكُومَةِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَالْجِرَاحَاتُ عَلَى الْبَدَنِ إِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُهَا بِالْجَائِفَةِ، بِأَنْ كَانَ بِقُرْبِهَا جَائِفَةٌ، هَلْ تُقَدَّرُ بِهَا كَالتَّقْدِيرِ بِالْمُوضِحَةِ أَمِ الْوَاجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ لَا غَيْرُ؟ وَجْهَانِ: أَرْجَحُهُمَا: الْأَوَّلُ، وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَإِنْ قُدِّرَتِ الْجِرَاحَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جِرَاحَةٍ مُقَدَّرَةِ الْأَرْشِ، وَأَوْجَبْنَا مَا يَقْتَضِيهِ التَّقْسِيطُ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْحُكُومَةِ، فَالشَّيْنُ تَابِعٌ لَهُ لَا يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ كَالْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْحُكُومَةُ أَكْثَرَ فَأَوْجَبْنَاهَا فَقَدْ وَفَّيْنَا حَقَّ الشَّيْنِ.
فَرْعٌ أَوْضَحَ جَبِينَهُ، وَأَزَالَ حَاجِبَهُ؛ فَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَحُكُومَةِ الشَّيْنِ وَإِزَالَةِ الْحَاجِبِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.

الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الرَّقِيقِ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْوَاجِبَ بِقَتْلِ الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، يَسْتَوِي فِيهِ الْقِنُّ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُوجِبُ فِي الْحُرِّ بَدَلًا مُقَدَّرًا، كَالْمُوضِحَةِ وَقَطْعِ الْأَطْرَافِ؛ فَقَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا جُزْءٌ مِنَ الْقِيمَةِ، نِسْبَتُهُ إِلَى الْقِيمَةِ كَنِسْبَةِ الْوَاجِبِ فِي

الْحُرِّ إِلَى الدِّيَةِ، وَالثَّانِي: الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى إِثْبَاتِهِمَا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْأَوَّلُ مَنْصُوصٌ، وَالثَّانِي خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَبْدًا؛ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْبَهِيمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُمَا مَنْصُوصَانِ؛ الْأَوَّلُ جَدِيدٌ، وَالثَّانِي قَدِيمٌ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ لَا تُوجِبُ مُقَدَّرًا فِي الْحُرِّ، فَوَاجِبُهَا فِي الْعَبْدِ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ بِلَا خِلَافٍ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَعَلَى الْأَظْهَرِ فِي يَدِ الْعَبْدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي يَدَيْهِ قِيمَتُهُ، وَفِي أُصْبُعِهِ عُشْرُهَا، وَفِي أُنْمُلَتِهِ ثُلْثُ عُشْرِهَا، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِهَا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
وَلَوْ قَطَعَ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتَانِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ الْوَاجِبُ فِيهَا كُلِّهَا مَا نَقَصَ، فَإِنْ لَمْ تَنْقُصِ الْقِيمَةُ بِقَطْعِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، أَوْ زَادَتْ؛ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ شَيْءٌ.
وَالثَّانِي: تَجِبُ حُكُومَةٌ يُقَدِّرُهَا الْحَاكِمُ بِالِاجْتِهَادِ، أَوْ يَعْتَبِرُ بِمَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ، كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا انْدَمَلَتِ الْجِرَاحَةُ وَلَمْ يَبْقَ شَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَعَادَتْ إِلَى مِائَتَيْنِ؛ فَعَلَى الْأَظْهَرِ يَجِبُ خَمْسُمِائَةٍ، وَعَلَى الْقَدِيمِ ثَمَانُمِائَةٍ، وَلَوْ عَادَتْ إِلَى ثَمَانِمِائَةٍ وَجَبَ عَلَى الْأَظْهَرِ خَمْسُمِائَةٍ، وَعَلَى الْقَدِيمِ مِائَتَانِ.
وَلَوْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ اثْنَانِ، فَقَطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ، وَالْآخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى، نُظِرَ، إِنْ وَقَعَتِ الْجِنَايَتَانِ مَعًا، فَعَلَيْهِمَا قِيمَتُهُ، وَإِنْ تَعَاقَبَتَا وَكَانَتِ الْقِيمَةُ عِنْدَ قَطْعِ الثَّانِي نَاقِصَةً بِسَبَبِ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ مَاتَ مِنْهُمَا، فَفِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا أَوْجُهٌ سَبَقَتْ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ.
وَإِنْ وَقَفَ الْقَطْعَانِ، نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ قَطْعُ الثَّانِي بَعْدَ انْدِمَالِ الْأَوَّلِ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَتِهِ قَبْلَ جِنَايَتِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا، فَصَارَتْ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ ثَمَانَمِائَةٍ، وَبِالثَّانِي سِتَّمِائَةٍ، لَزِمَ الْأَوَّلَ خَمْسُمِائَةٍ، وَالثَّانِي أَرْبَعُمِائَةٍ.
وَإِنْ قَطَعَ الثَّانِي قَبْلَ الِانْدِمَالِ الْأَوَّلِ، لَزِمَ الثَّانِي نِصْفُ مَا أَوْجَبْنَا

عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْأُولَى لَمْ تَسْتَقِرَّ وَقَدْ أَوْجَبْنَا نِصْفَ الْقِيمَةِ؛ فَكَأَنَّهُ انْتَقَصَ نِصْفَ الْقِيمَةِ، فَلَوْ قَطَعَ الْوَاحِدُ يَدَيِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَسِرْ؛ فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ اثْنَانِ، هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ كُلَّ قَاطِعٍ مَا نَقَصَ بِجِنَايَتِهِ.
وَإِذَا قُطِعَتْ أَطْرَافُ عَبْدٍ، ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ، لَزِمَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ ذَاهِبَ الْأَطْرَافِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مُوجِبِ الدِّيَةِ وَحُكْمِ السِّحْرِ فِيهِ خَمْسَةُ أَطْرَافٍ: الْأَوَّلُ: السَّبَبُ، وَالْوَاجِبُ فِي إِهْلَاكِ النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، كَمَا يَجِبُ بِالْمُبَاشَرَةِ يَجِبُ بِالتَّسَبُّبِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَرَاتِبَ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ أَثَرٌ فِي الْهَلَاكِ ثَلَاثٌ، وَهِيَ: الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ وَالشَّرْطُ، وَضَابِطُهُ أَنْ يُقَالَ: مَا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ عِنْدَهُ أَوْ عَقِبَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ فِي الْهَلَاكِ؛ فَهُوَ عِلَّةٌ لِلْهَلَاكِ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ الدِّيَةُ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُؤَثِّرَ، فَإِنَّ تَوَقُّفَ تَأْثِيرِ الْمُؤَثِّرِ عَلَيْهِ، كَالْحَفْرِ مَعَ التَّرَدِّي تَعَلَّقَتْ بِهِ الدِّيَةُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ، لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ الدِّيَةُ، بَلِ الْمَوْتُ عِنْدَهُ اتِّفَاقِيٌّ، ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: صَفَعَهُ صَفْعَةً خَفِيفَةً، فَمَاتَ؛ فَلَا ضَمَانَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْهَلَاكِ.
الثَّانِيَةُ: صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ، فَارْتَعَدَ وَسَقَطَ وَمَاتَ مِنْهُ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ قَطْعًا، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ، وَمَنْ أَوْجَبَ يَدَّعِي أَنَّ التَّأَثُّرَ بِهِ غَالِبٌ، وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَمَاتَ مِنَ الصَّيْحَةِ، فَقِيلَ: هُوَ كَالسُّقُوطِ مِنْ سَطْحٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ، لِأَنَّ الْمَوْتَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ.
وَلَوْ صَاحَ عَلَى بَالِغٍ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ وَنَحْوِهِ، فَسَقَطَ وَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ، وَفِي الضَّمَانِ أَوْجُهٌ؛ أَصَحُّهَا: لَا يَجِبُ، وَالثَّانِي: يَجِبُ، وَالثَّالِثُ: إِنْ غَافَصَهُ مِنْ

وَرَائِهِ، وَجَبَ، وَإِنْ صَاحَ بِهِ مِنْ وَجْهِهِ؛ فَلَا.
وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَغِيرٍ فَزَالَ عَقْلُهُ، وَجَبَ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا، فَعَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ، وَالَّذِي تَعْتَرِيهِ الْوَسَاوِسُ وَالنَّائِمُ وَالْمَرْأَةُ الضَّعِيفَةُ، كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالْمُرَاهِقُ الْمُتَيَقِّظُ كَالْبَالِغِ.
وَشَهْرُ السِّلَاحِ وَالتَّهْدِيدُ الشَّدِيدُ كَالصِّيَاحِ، وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَيْدٍ، فَاضْطَرَبَ مِنْهُ الصَّبِيُّ عَلَى طَرَفِ السَّطْحِ وَسَقَطَ، وَجَبَ الضَّمَانُ، لَكِنَّ الدِّيَةَ وَالْحَالَةَ هَذِهِ تَكُونُ مُخَفَّفَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِيمَا إِذَا قَصَدَ الصَّبِيَّ نَفْسَهُ تَكُونُ مُغَلَّظَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَقِيَاسُ مَنْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَنْ تَجِبَ مُغَلَّظَةً عَلَى الْجَانِي، وَعَنْ صَاحِبِ «التَّلْخِيصِ» أَنَّ الصَّائِحَ إِنْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ فِي الْحَرَمِ تَعَلَّقَ بِصَيْحَتِهِ الضَّمَانُ لِتَعَدِّيهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَذَكَرَ عَلَى قِيَاسِهِ أَنَّهُ لَوْ صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ فِي مِلْكِهِ، لَمْ يَجِبِ الضَّمَانُ تَشْبِيهًا بِمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ، فَسَقَطَ فِيهَا رَجُلٌ؛ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ.
فَرْعٌ إِذَا بَعَثَ السُّلْطَانُ إِلَى امْرَأَةٍ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ بِسُوءٍ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِهَا، فَأَجْهَضَتْ جَنِينًا فَزَعًا مِنْهُ، وَجَبَ ضَمَانُ الْجَنِينِ، وَلَوْ كَذَبَ رَجُلٌ، فَأَمَرَهَا عَلَى لِسَانِ الْإِمَامِ بِالْحُضُورِ، فَأَجْهَضَتْ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّجُلِ، وَلَوْ هَدَّدَهَا غَيْرُ الْإِمَامِ حَامِلًا، وَأَجْهَضَتْ فَزَعًا؛ فَلْيَكُنْ كَالْإِمَامِ؛ لِأَنَّ إِكْرَاهَهُ كَإِكْرَاهِ الْإِمَامِ، وَلَوْ مَاتَتِ الْحَامِلُ الْمَبْعُوثُ إِلَيْهَا، أَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ إِلَى رَجُلٍ ذُكِرَ بِسُوءٍ وَهَدَّدَهُ وَمَاتَ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ.
وَفِي «النِّهَايَةِ» أَنَّهُ يَجِبُ.
فَرْعٌ لَوْ فَزَّعَ إِنْسَانًا، فَأَحْدَثَ فِي ثِيَابِهِ فَأَفْسَدَهَا؛ فَلَا ضَمَانَ.

الطَّرَفُ الثَّانِي: فِيمَا يَغْلِبُ إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ أَوِ الشَّرْطُ،

فَحَفْرُ الْبِئْرِ شَرْطٌ أَوْ سَبَبٌ، وَالتَّرَدِّي عِلَّةٌ؛ فَإِذَا اجْتَمَعَا نُظِرَ؛ إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ عُدْوَانًا، بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا، فَرَدِيَ فِيهَا غَيْرُهُ إِنْسَانًا؛ فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقَانِ بِالتَّرْدِيَةِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْحَفْرِ مَعَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ عُدْوَانًا، بِأَنْ تَخَطَّى شَخْصٌ الْمَوْضِعَ جَاهِلًا؛ فَتَرَدَّى فِيهَا وَهَلَكَ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا؛ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ؛ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ.
فَرْعٌ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ، فَافْتَرَسَهُ سَبْعٌ نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ عَنْ مَوْضِعِ الْهَلَاكِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَاضِعِ، كَمَا لَوْ فَتَحَ عِرْقَهُ فَلَمْ يَعْصِبْهُ حَتَّى مَاتَ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِقَالِ، فَلَا ضَمَانَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ لَيْسَ بِإِهْلَاكٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُلْجِئُ السَّبْعَ إِلَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ بَالِغًا؛ فَلَا ضَمَانَ قَطْعًا.
وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، لَا بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ.
فَرْعٌ لَوِ اتَّبَعَ إِنْسَانًا بِسَيْفٍ، فَوَلَّى الْمَطْلُوبُ هَارِبًا؛ فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي نَارٍ أَوْ مَاءٍ، أَوْ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ مِنْ سَطْحٍ عَالٍ أَوْ فِي بِئْرٍ فَهَلَكَ فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ إِهْلَاكَ نَفْسِهِ قَصْدًا.
وَالْمُبَاشَرَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى السَّبَبِ؛ فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمُهْلِكِ، فَوَقَعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي النَّارِ أَوِ الْمَاءِ، أَوْ مِنَ الشَّاهِقِ وَالسَّطْحِ بِأَنْ كَانَ أَعْمَى، أَوْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، أَوْ فِي بِئْرٍ مُغَطَّاةٍ، وَجَبَ عَلَى الْمُتَّبِعِ الضَّمَانُ.
وَلَوِ اسْتَقْبَلَهُ سَبْعٌ فِي طَرِيقِهِ؛ فَافْتَرَسَهُ، أَوْ لِصٌّ فَقَتَلَهُ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُتَّبِعِ، بَصِيرًا كَانَ الْمَطْلُوبُ أَوْ أَعْمَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمُتَّبِعِ إِهْلَاكٌ.
وَمُبَاشَرَةُ السَّبْعِ الْعَارِضَةُ

كَعُرُوضِ الْقَتْلِ عَلَى إِمْسَاكِ الْمُمْسِكِ.
لَكِنْ لَوْ أَلْجَأَهُ إِلَيْهِ فِي مَضِيقٍ، وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَّبِعِ، وَلَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ؛ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْعِرَاقِيُّونَ.
وَلَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَى السَّقْفِ مِنْ عُلُوٍّ؛ فَانْخَسَفَ بِهِ لِثِقَلِهِ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنِ الْمُتَّبِعِ إِذَا أَلْقَى الْمَطْلُوبُ نَفْسَهُ فِي مَاءٍ، أَوْ نَارٍ أَوْ مِنْ سَطْحٍ قَصْدًا، أَرَدْنَا بِهِ الْعَاقِلَ الْبَالِغَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا؛ فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ عَمْدَهُمَا عَمْدٌ أَمْ خَطَأٌ؟ إِنْ قُلْنَا: خَطَأٌ، ضُمِنَ؛ وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ سَلَّمَ صَبِيًّا إِلَى سَبَّاحٍ لِيُعَلِّمَهُ السِّبَاحَةَ، فَغَرِقَ، وَجَبَتْ فِيهِ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ كَمَا لَوْ ضَرَبَ الْمُعَلِّمُ الصَّبِيَّ لِلتَّأْدِيبِ فَهَلَكَ.
وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ، كَمَا لَوْ وَضَعَهُ فِي مَسْبَعَةٍ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ يُعَلِّمُهُ السِّبَاحَةَ بِنَفْسِهِ فَغَرِقَ، وَلَوْ أَدْخَلَهُ الْمَاءَ لِيَعْبُرَهُ بِهِ؛ فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ خَتَنَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ أَكْلَةٍ؛ فَمَاتَ مِنْهُ.
كَذَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي، وَلَوْ سَلَّمَ بَالِغَ نَفْسِهِ، لِيُعَلِّمْهُ السِّبَاحَةَ؛ فَفِي «الْوَسِيطِ» أَنَّهُ إِنْ خَاضَ مَعَهُ اعْتِمَادًا عَلَى يَدِهِ، فَأَهْمَلَهُ؛ احْتُمِلَ أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَغْتَرَّ بِقَوْلِ السَّبَّاحِ.

فَصْلٌ

فِي بَيَانِ الْحَفْرِ الَّذِي هُوَ فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ وَغَيْرِهِ، وَالْحَفْرُ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ؛ أَحَدُهَا: إِذَا حَفَرَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ؛ فَلَا عُدْوَانَ؛ فَلَوْ دَخَلَ مِلْكَهُ دَاخِلٌ بِإِذْنِهِ، وَتَرَدَّى فِيهِ، لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ إِذَا عَرَّفَهُ الْمَالِكُ أَنَّ هُنَاكَ بِئْرًا، أَوْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً وَالدَّاخِلُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ التَّحَرُّزِ؛ فَأَمَّا إِذَا لَمْ

يَعْرِفْهُ، وَالدَّاخِلُ أَعْمَى، أَوِ الْمَوْضِعُ مُظْلِمٌ؛ فَفِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّهُ كَمَا لَوْ دَعَاهُ لِطَعَامٍ مَسْمُومٍ؛ فَأَكَلَهُ.
وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دِهْلِيزِ دَارِهِ، وَدَعَا إِلَيْهَا رَجُلًا، فَتَرَدَّى فِيهَا، فَفِي الضَّمَانِ قَوْلَانِ سَبَقَا فِي أَوَّلِ الْجِنَايَاتِ، أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا وَعَنِ الْبِئْرِ مَعْدَلٌ فَقَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَقَوْلَانِ مُرَتَّبَانِ؛ وَأَوْلَى الْوُجُوبُ.
وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ الْمَسْمُومِ وَأَطْعِمَةٍ فِيهَا طَعَامٌ مَسْمُومٌ.
الْمَوْضُوعُ الثَّانِي: إِذَا حَفَرَ فِي مَوَاتٍ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ لِلِارْتِفَاقِ بِالِاسْتِقَاءِ مِنْهَا فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ كَالْحَفْرِ فِي مِلْكِهِ.
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «الْبِئْرُ جَبَّارٌ» . الثَّالِثُ: إِذَا حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ نُظِرَ إِنْ حَفَرَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ؛ فَهُوَ كَحَفْرِهِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ حَفَرَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ؛ لِكَوْنِهِ عُدْوَانًا، وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَلَوْ هَلَكَ بِهِ دَابَّةٌ أَوْ مَالُ آخَرَ، وَجَبَ الضَّمَانُ فِي مَالِهِ.
وَهَلْ يُجْعَلُ رِضَى الْمَالِكِ بِبَقَاءِ الْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ كَرِضَاهُ بِالْحَفْرِ؟ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي الْغَصْبِ؛ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَلَوْ كَانَ الْحَافِرُ عَبْدًا؛ فَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ؛ فَلَوْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ؛ فَضَمَانُ مَنْ يَتَرَدَّى بَعْدَ الْعِتْقِ يَتَعَلَّقُ بِالْعَتِيقِ.
وَلَوْ حَفَرَ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ، تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَفْرُ فِي الْمُشْتَرَكِ؛ وَإِذَا حَفَرَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مُتَعَدِّيًا، وَدَخَلَهُ رَجُلٌ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَتَرَدَّى فِيهَا؛ فَفِي تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِالْحَافِرِ وَجْهَانِ.
قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: حَفَرَ بِإِذْنِي، لَمْ يُصَدَّقْ.
الرَّابِعُ: إِذَا حَفَرَ فِي شَارِعٍ نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ ضَيِّقًا يَتَضَرَّرُ النَّاسُ بِالْبِئْرِ فِيهِ، وَجَبَ ضَمَانُ مَا هَلَكَ بِهَا؛ سَوَاءٌ أَذِنَ الْإِمَامُ أَمْ لَا، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ الْإِذْنُ فِيمَا يَضُرُّ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَتَضَرَّرُ بِهَا لِسَعَةِ الشَّارِعِ، أَوِ انْعِطَافِ مَوْضِعِ الْبِئْرِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْحَفْرُ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، كَالْحَفْرِ

لِلِاسْتِقَاءِ، أَوْ لِاجْتِمَاعِ مَاءِ الْمَطَرِ.
فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْوَالِي؛ فَلَا ضَمَانَ؛ وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ الْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ.
وَأَشَارَ فِي الْقَدِيمِ إِلَى وُجُوبِهِ.
وَإِنْ حَفَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ؛ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، ضُمِنَ؛ وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَا سَبَقَ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ الْأَصَحَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ الْإِمَامُ مِنَ الشَّوَارِعِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَأَنَّ لِلْمُقْطَعِ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ.
فَرْعٌ الْحَفْرُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْحَفْرِ فِي الشَّارِعِ؛ فَلَوْ بَنَى مَسْجِدًا فِي شَارِعٍ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَارُّونَ جَازَ؛ فَلَوْ تَعَثَّرَ بِهِ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، أَوْ سَقَطَ جِدَارُهُ عَلَى إِنْسَانٍ أَوْ مَالٍ فَأَهْلَكَهُ فَلَا ضَمَانَ إِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ الْجَدِيدِ.
وَلَوْ بَنَى سَقْفَ مَسْجِدٍ أَوْ نَصَبَ فِيهِ عِمَادًا، أَوْ طَيَّنَ جِدَارَهُ أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا؛ فَسَقَطَ عَلَى إِنْسَانٍ أَوْ مَالٍ فَأَهْلَكَهُ، أَوْ فَرَشَ فِيهِ حَصِيرًا، أَوْ حَشِيشًا؛ فَزَلِقَ بِهِ إِنْسَانٌ فَهَلَكَ، أَوْ دَخَلَتْ شَوْكَةٌ مِنْهُ فِي عَيْنِهِ فَذَهَبَ بِهَا بَصَرُهُ؛ فَإِنْ جَرَى ذَلِكَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ مُتَوَلِّي أَمْرِ الْمَسْجِدِ؛ فَلَا ضَمَانَ؛ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ أَيْضًا عَلَى الْجَدِيدِ الْأَظْهَرِ.
وَنَقَلَ الْبَغَوِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَهْلُ الْمَحِلَّةِ ضُمِنَ.
قُلْتُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَمِثْلُ هَذَا لَوْ وَضَعَ دِنًّا عَلَى بَابِهِ لِيَشْرَبَ النَّاسُ مِنْهُ؛ فَإِنْ وَضَعَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، يَعْنِي أَصَحُّهُمَا لَا ضَمَانَ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَنَى دَكَّةً عَلَى بَابِ دَارِهِ فَهَلَكَ بِهَا شَيْءٌ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الشَّارِعِ، وَفِي مِلْكِ نَفْسِهِ.
وَالْقَوْلُ

فِي التَّصَرُّفِ فِي الشَّارِعِ سَبَقَ بَعْضُهُ فِي الصُّلْحِ وَفِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَيُذْكَرُ هُنَا بَقِيَّتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَا يَجُوزُ إِشْرَاعُ الْأَجْنِحَةِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْمَارَّةِ إِلَى الشَّارِعِ؛ فَلَوْ فَعَلَ مُنِعَ.
وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنْ هَلَاكٍ يَكُونُ مَضْمُونًا.
فَإِنْ كَانَ الْجَنَاحُ عَالِيًا غَيْرَ مُضِرٍّ؛ فَلَا مَنْعَ مِنْ إِشْرَاعِهِ، وَكَذَا بِنَاءُ السَّابَاطِ الْعَالِي؛ لَكِنْ لَوْ تَوَلَّدَ مِنْهُ هَلَاكُ إِنْسَانٍ؛ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ هَلَكَ بِهِ مَالٌ؛ وَجَبَ الضَّمَانُ فِي مَالِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ أَمْ لَا، وَلَوْ أَشْرَعَ جَنَاحًا إِلَى دَرْبٍ مُنْسَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهِ؛ ضَمِنَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْهُ، وَبِإِذْنِ أَهْلِهِ لَا ضَمَانَ؛ كَالْحَفْرِ فِي دَارِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ.
الثَّانِيَةُ: يَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مِلْكِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا ضَمَانَ فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ بِشَرْطِ جَرَيَانِهِ عَلَى الْعَادَةِ وَاجْتِنَابِ الْإِسْرَافِ؛ فَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ نَصَبَ شَبَكَةً أَوْ سِكِّينًا، وَتَعَثَّرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَهَلَكَ، أَوْ عَلَى طَرَفِ سَطْحِهِ، فَوَقَعَ عَلَى شَخْصٍ، أَوْ عَلَى مَالٍ، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ جَرَّةَ مَاءٍ؛ فَأَلْقَتْهَا الرِّيحُ، أَوِ ابْتَلَّ مَوْضِعُهَا فَسَقَطَتْ؛ فَلَا ضَمَانَ.
وَكَذَا لَوْ وَقَفَ دَابَّةً فِي مِلْكِهِ فَرَفَسَتْ إِنْسَانًا أَوْ بَالَتْ فَأَفْسَدَتْ بِهِ ثَوْبًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا هُوَ خَارِجُ الْمِلْكِ، أَوْ كَانَ يَكْسِرُ الْحَطَبَ فِي مِلْكِهِ، فَأَصَابَ شَيْءٌ مِنْهُ عَيْنَ إِنْسَانٍ فَأَبْطَلَ ضَوْءَهَا؛ فَلَا ضَمَانَ، وَكَذَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَتَنَدَّى جِدَارُ جَارِهِ فَانْهَدَمَ، أَوْ غَارَ مَاءُ بِئْرِهِ أَوْ حَفَرَ بَالُوعَةً فَتَغَيَّرَ مَاءُ بِئْرِ الْجَارِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُلَّاكَ لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْ مِثْلِ هَذَا بِخِلَافِ الْإِشْرَاعِ إِلَى الشَّارِعِ؛ فَإِنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ.
وَلَوْ قَصَّرَ فَخَالَفَ الْعَادَةَ فِي سِعَةِ الْبِئْرِ ضَمِنَ؛ فَإِنَّهُ إِهْلَاكٌ، وَلْيَكُنْ كَذَلِكَ إِذَا قَرَّبَ الْحَفْرَ مِنَ الْجِدَارِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَيَمْنَعُ مِنْ وَضْعِ السِّرْجِينِ فِي أَصْلِ حَائِطِ الْجَارِ، وَلَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ عَلَى سَطْحِهِ؛ فَطَارَ الشَّرَرُ إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ؛ فَلَا ضَمَانَ إِلَّا أَنْ

يُخَالِفَ الْعَادَةَ فِي قَدْرِ النَّارِ الْمُوقَدَةِ، أَوْ يُوقِدُ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَطَرْحِ النَّارِ فِي دَارِ غَيْرِهِ؛ فَيَضْمَنُ؛ فَإِنْ عَصَفَتِ الرِّيحُ بَغْتَةً بَعْدَمَا أَوْقَدَ؛ فَهُوَ مَعْذُورٌ.
وَلَوْ سَقَى أَرْضَهُ؛ فَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْ جُحْرِ فَأْرَةٍ أَوْ شِقٍّ؛ فَدَخَلَ أَرْضَ غَيْرِهِ، فَأَفْسَدَهُ زَرْعَهُ؛ فَلَا ضَمَانَ إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْعَادَةَ فِي قَدْرِ الْمَاءِ، أَوْ كَانَ عَالِمًا بِالْجُحْرِ أَوِ الشِّقِّ، فَلَمْ يَحْتَطْ.
وَلَوْ حَفَرَ الْبِئْرَ فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ وَلَمْ يَطَأْهَا، وَمِثْلُهَا تَنْهَارُ إِذَا لَمْ تُطْوَ، كَانَ مُقَصِّرًا، كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَعَةِ الْبِئْرِ؛ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الِاحْتِيَاطِ حَيْثُ جَوَّزْنَا حَفْرَ الْبِئْرِ فِي الشَّارِعِ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْمِيزَابِ إِلَى الشَّارِعِ، وَلْيَكُنْ عَالِيًا؛ كَالْجَنَاحِ؛ فَلَوْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهَلَكَ بِهِ إِنْسَانٌ أَوْ مَالٌ فَقَوْلَانِ: الْقَدِيمُ: لَا ضَمَانَ، وَالْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: يُضْمَنُ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْمِيزَابُ كُلُّهُ خَارِجًا بِأَنْ سَمُرَ عَلَيْهِ، تَعَلَّقَ بِهِ جَمِيعُ الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فِي الْجِدَارِ، وَبَعْضُهُ خَارِجًا؛ فَإِنِ انْكَسَرَ، فَسَقَطَ الْخَارِجُ، أَوْ بَعْضُهُ؛ تَعَلَّقَ بِهِ جَمِيعُ الضَّمَانِ أَيْضًا.
وَإِنِ انْقَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ؛ فَوَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ نِصْفُ الضَّمَانِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ بِقِسْطِ الْخَارِجِ، وَيَكُونُ التَّقْسِيطُ بِالْوَزْنِ، وَقِيلَ: بِالْمِسَاحَةِ، وَسَوَاءٌ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الدَّاخِلُ أَوِ الْخَارِجُ، لِأَنَّ الْهَلَاكَ يَحْصُلُ بِثِقْلِ الْجَمِيعِ، وَالْحُكْمُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّضْمِينِ إِذَا حَصَلَ الْهَلَاكُ بِجَنَاحٍ مَشْرُوعٍ؛ إِمَّا بِالْخَارِجِ مِنْهُ، وَإِمَّا بِالْخَارِجِ وَالدَّاخِلِ جَمِيعًا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمِيزَابِ بِلَا فَرْقٍ.

فَرْعٌ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ رَشَّ مَاءَ الْمِيزَابِ عَلَى ثَوْبِ إِنْسَانٍ؛ ضَمِنَ مَا يَنْقُصُ.
الرَّابِعَةُ: الْجِدَارُ الْمُلَاصِقُ لِلشَّارِعِ إِنْ بَنَاهُ صَاحِبُهُ مُسْتَوِيًا؛ فَسَقَطَ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ وَلَا اسْتِهْدَامٍ وَتَوَلَّدَ مِنْهُ هَلَاكٌ؛ فَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ بَنَاهُ مَائِلًا إِلَى مِلْكِهِ، أَوْ مَالَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَسَقَطَ فَلَا ضَمَانَ أَيْضًا.
وَإِنْ بَنَاهُ مَائِلًا إِلَى الشَّارِعِ، وَجَبَ ضَمَانُ مَا تَوَلَّدَ مِنْ سُقُوطِهِ، وَإِنْ بَنَاهُ مُسْتَوِيًا ثُمَّ مَالَ إِلَى الشَّارِعِ وَسَقَطَ.
فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ هَدْمِهِ وَإِصْلَاحِهِ؛ فَلَا ضَمَانَ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ تَمَكَّنَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ سَقَطَ إِلَى الشَّارِعِ؛ فَلَمْ يَرْفَعْهُ حَتَّى هَلَكَ بِهِ إِنْسَانٌ أَوْ مَالٌ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَهُ الْوَالِي، أَوْ غَيْرُهُ بِالنَّقْضِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُطَالِبَ؛ لِأَنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِهِ بِلَا مَيْلٍ، وَالْهَلَاكُ حَصَلَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ.
وَإِذَا وَجَبَ ضَمَانٌ فِي الْبِنَاءِ الْمَائِلِ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا؛ فَلَوْ مَالَ بَعْضُهُ نُظِرَ، هَلْ حَصَلَ التَّلَفُ بِرَأْسِهِ الْمَائِلِ، أَمْ بِالْبَاقِي عَلَى الِاسْتِوَاءِ أَمْ بِالْجَمِيعِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمِيزَابِ.
فَرْعٌ إِذَا بَاعَ نَاصِبُ الْمِيزَابِ، أَوْ بَانِي الْجِدَارِ الْمَائِلِ الدَّارَ، لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ؛ حَتَّى لَوْ سَقَطَ عَلَى إِنْسَانٍ فَهَلَكَ بِهِ؛ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْبَائِعِ؛ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
فَرْعٌ لَوْ أَرَادَ الْجَارُ أَنْ يَبْنِيَ جِدَارَهُ الْخَالِصَ أَوِ الْمُشْتَرِكَ مَائِلًا إِلَى مِلْكِ الْجَارِ؛ فَلَهُ الْمَنْعُ، وَإِنْ مَالَ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالنَّقْصِ، كَمَا إِذَا انْتَشَرَتْ

أَغْصَانُ شَجَرَتِهِ إِلَى هَوَاءِ غَيْرِهِ؛ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِإِزَالَتِهَا؛ فَلَوْ تَوَلَّدَ مِنْهُ هَلَاكٌ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا مَالَ إِلَى الشَّارِعِ.
فَرْعٌ لَوِ اسْتَهْدَمَ الْجِدَارُ وَلَمْ يَمِلْ، قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَا يُطَالِبُ بِنَقْضِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ مِلْكَهُ، وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ لِلْجَارِ وَلِلْمَارَّةِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ لِمَا يُخَافُ مِنْ ضَرَرِهِ، وَأَوْرَدَ ابْنُ الصَّبَّاغِ هَذَا احْتِمَالًا عَلَى الْأَوَّلِ لَا ضَمَانَ فِيمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ كَمَا لَوْ مَالَ؛ فَلَمْ يَنْقُضْهُ.

الْخَامِسَةُ: قُمَامَةُ الْبَيْتِ، وَقُشُورُ الْبِطِّيخِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْبَاقِلَّاءِ إِذَا طَرَحَهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ؛ فَزَلِقَ بِهَا إِنْسَانٌ فَهَلَكَ أَوْ تَلِفَ بِهَا مَالٌ فَلَا ضَمَانَ.
وَإِنْ طَرَحَهَا فِي الطَّرِيقِ فَحَصَلَ بِهَا تَلَفٌ؛ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ لِاطِّرَادِ الْعُرْفِ بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ: إِنْ أَلْقَاهَا فِي مَتْنِ الطَّرِيقِ ضَمِنَ، وَإِنْ أَلْقَاهَا فِي مُنْعَطَفٍ وَطَرَفٍ لَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمَارَّةُ غَالِبًا فَلَا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالضَّمَانِ بِالْإِلْقَاءِ فِي مَتْنِ الطَّرِيقِ، وَتَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالْإِلْقَاءِ عَلَى الطَّرَفِ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: قَدْ يُوجَدُ بَيْنَ الْعِمَارَاتِ مَوَاضِعُ مُعَدَّةٌ لِلْإِلْقَاءِ فِيهَا تُسَمَّى تِلْكَ الْمَوَاضِعُ السَّبَاطَاتُ وَالْمَزَابِلُ، وَتُعَدُّ مِنَ الْمَرَافِقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ سُكَّانِ الْبُقْعَةِ؛ فَيُشْبِهُ أَنْ يَقْطَعَ بِنَفْيِ الضَّمَانِ إِذَا كَانَ الْإِلْقَاءُ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ وَيَخُصُّ الْخِلَافُ بِغَيْرِهَا وَإِذَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ؛ فَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُتَعَثِّرُ بِهَا جَاهِلًا.
أَمَّا إِذَا مَشَى عَلَيْهَا قَصْدًا؛ فَلَا ضَمَانَ كَمَا لَوْ نَزَلَ الْبِئْرَ فَسَقَطَ.

فَرْعٌ لَوْ رَشَّ الْمَاءَ فِي الطَّرِيقِ؛ فَزَلِقَ بِهِ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ فَإِنْ رَشَّ

لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ؛ كَدَفْعِ الْغُبَارِ عَنِ الْمَارَّةِ؛ فَلْيَكُنْ كَحَفْرِ الْبِئْرِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَجَبَ الضَّمَانُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي طَرْحِ الْقُشُورِ، وَلَوْ جَاوَزَ الْقَدْرَ الْمُعْتَادَ فِي الرَّشِّ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَجَبَ الضَّمَانُ قَطْعًا؛ كَمَا لَوْ بَلَّ الطِّينَ فِي الطَّرِيقِ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ.
فَرْعٌ لَوْ بَنَى عَلَى بَابِ دَارِهِ دَكَّةً فَتَلِفَ بِهَا إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ؛ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَكَذَا الطَّوَّافُ إِذَا وَضَعَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ؛ فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ؛ لَزِمَهُ الضَّمَانُ بِخِلَافِ مَا لَوْ وُضِعَ عَلَى طَرَفِ حَانُوتِهِ.
فَرْعٌ لَوْ بَالَتْ دَابَّتُهُ، أَوْ رَاثَتْ، فَزَلِقَ بِهِ رَجُلٌ أَوْ دَابَّةٌ، أَوْ تَطَايَرَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى طَعَامِ إِنْسَانٍ فَنَجَّسَهُ نُظِرَ، إِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ فِي مِلْكِهِ؛ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ رَبَطَهَا فِي الطَّرِيقِ فَأُتْلِفَتْ فَحُكْمُهُ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ كِتَابِ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ.
وَلَوْ مَشَى قَصْدًا عَلَى مَوْضِعِ الرَّشِّ أَوِ الْبَوْلِ فَلَا ضَمَانَ.

السَّادِسَةُ: أَسْنَدَ خَشَبَةً إِلَى جِدَارٍ، فَسَقَطَ الْجِدَارُ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ؛ إِنْ كَانَ الْجِدَارُ لِغَيْرِ الْمُسْنَدِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْجِدَارِ وَمَا سَقَطَ عَلَيْهِ؛ سَوَاءٌ سَقَطَ عَقِبَ الْإِسْنَادِ أَمْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ الْجِدَارُ لِلْمُسْنِدِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِي الْإِسْنَادِ، لَمْ يَجِبْ ضَمَانُ الْجِدَارِ، وَفِي ضَمَانِ مَا سَقَطَ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ وَأَبُو زَيْدٍ،

إِنْ سَقَطَ فِي الْحَالِ، ضَمِنَ؛ كَمَا لَوْ أَسْقَطَ جِدَارًا عَلَى مَالِ رَجُلٍ، وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ زَمَانٍ، لَمْ يَضْمَنْ؛ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي الْحَالَيْنِ، كَمَا لَا يَضْمَنُ مَا سَقَطَ فِي الْبِئْرِ فِي الْحَالَيْنِ؛ فَإِنْ ضَمِنَاهُ إِذَا سَقَطَ فِي الْحَالِ؛ فَلَمْ يَسْقُطْ؛ لَكِنَّهُ مَالَ فِي الْحَالِ إِلَى الشَّارِعِ، ثُمَّ سَقَطَ بَعْدَ مُدَّةٍ، وَجَبَ الضَّمَانُ؛ كَمَا لَوْ بَنَى الْجِدَارَ مَائِلًا؛ لِأَنَّهُ مَالَ بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَالَ فِي الدَّوَامِ بِنَفْسِهِ.

السَّابِعَةُ: نَخَسَ دَابَّةً أَوْ ضَرَبَهَا مُغَافَصَةً فَقَفَزَتْ وَرَمَتْ رَاكِبَهَا، فَمَاتَ أَوْ أَتْلَفَتْ مَالًا، وَجَبَ الضَّمَانُ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: فَإِنْ كَانَ النَّخْسُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَوْ غَلَبَتْهُ دَابَّتُهُ؛ فَاسْتَقْبَلَهَا رَجُلٌ وَرَدَّهَا، فَأُتْلِفَتْ فِي انْصِرَافِهَا؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّادِّ.
فَرْعٌ رِجْلٌ حَمَلَ رَجُلًا؛ فَجَاءَ فَقَرَصَ الْحَامِلَ، أَوْ ضَرَبَهُ؛ فَتَحَرَّكَ؛ فَسَقَطَ الْمَحْمُولُ عَنْ ظَهْرِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ كَمَا لَوْ أَكْرَهَ الْحَامِلَ عَلَى إِلْقَائِهِ عَنْ ظَهْرِهِ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي اجْتِمَاعِ سَبَبَيْنِ.
فَمَتَى اجْتَمَعَ سَبَبَا هَلَاكٍ؛ قُدِّمَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ الْمُهْلِكُ؛ إِمَّا بِنَفْسِهِ؛ وَإِمَّا بِوَسَاطَةِ الثَّانِي؛ فَأَشْبَهَ التَّرْدِيَةَ مَعَ الْحَفْرِ؛ فَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَتَعَثَّرَ بِالْحَجْرِ فَوَقَعَ عَلَى مُؤَخَّرِ السِّكِّينِ، أَوْ فِي مُقَدَّمِ الْبِئْرِ فَمَاتَ؛ فَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِوَاضِعِ الْحَجَرِ.
وَقَالَ أَبُو الْفَيَّاضِ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَتَعَلَّقُ بِنَاصِبِ السِّكِّينِ إِذَا كَانَتْ قَاطِعَةً مُوحِيَةً، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ التَّعَثُّرَ بِالْحَجَرِ هُوَ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ، أَوْ عَلَى السِّكِّينِ؛ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ فَرَدَّاهُ، وَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ سِكِّينٌ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ رَجُلٌ إِنْسَانًا؛ وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ

عَلَى الْمُلْقِي.
وَلَوْ أَهْوَى إِلَيْهِ مَنْ فِي يَدِهِ سِكِّينٌ وَوَجْهُهُ نَحْوَهُ حِينَ أَلْقَاهُ الْمُلْقِي كَانَ الْقِصَاصُ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ، هَذَا إِذَا كَانَا مُتَعَدِّيَيْنِ.
فَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا فِي مِلْكِهِ، وَوَضَعَ مُتَعَدٍّ حَجَرًا فَعَثَرَ رَجُلٌ بِالْحَجَرِ، وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، أَوْ عَلَى السِّكِّينِ؛ فَالضَّمَانُ أَيْضًا عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
وَلَوْ وَضَعَ حَجْرًا فِي مِلْكِهِ وَحَفَرَ مُتَعَدٍّ هُنَاكَ بِئْرًا، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا؛ فَعَثَرَ رَجُلٌ بِالْحَجَرِ، وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ أَوْ عَلَى السِّكِّينِ؛ فَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِالْحَافِرِ وَنَاصِبِ السِّكِّينِ؛ فَإِنَّهُ الْمُتَعَدِّي.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَافِرِ وَالنَّاصِبِ ضَمَانٌ؛ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ السَّيْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ قَالَ: لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ، وَنَصَبَ غَيْرُهُ فِيهَا حَدِيدَةً، فَوَقَعَ رَجُلٌ فِي الْبِئْرِ فَجَرَحَتْهُ الْحَدِيدَةُ وَمَاتَ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَرْعٌ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ، وَحَصَلَ حَجَرٌ عَلَى طَرَفِ الْبِئْرِ بِحَمْلِ السَّيْلِ، أَوْ بِوَضْعِ حَرْبِيٍّ أَوْ سَبْعٍ، فَعَثَرَ رَجُلٌ بِالْحَجْرِ؛ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَهَلَكَ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ، كَمَا لَوْ أَلْقَاهُ الْحَرْبِيُّ، أَوِ السَّبْعُ فِي الْبِئْرِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ حُفِرَ بِئْرٌ عُدْوَانًا، وَنَصَبَ آخَرُ فِي أَسْفَلِهَا سِكِّينًا فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: عَلَى نَاصِبِ السِّكِّينِ.
فَرْعٌ حَفَرَ بِئْرًا قَرِيبَةَ الْعُمْقِ؛ فَعَمَّقَهَا غَيْرُهُ؛ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَخْتَصُّ الْأَوَّلُ بِضَمَانِ التَّالِفِ فِيهَا، وَأَصَحُّهُمَا: يَتَعَلَّقُ بِهِمَا؛ وَعَلَى هَذَا هَلْ يَتَنَصَّفُ، أَمْ يُوَزَّعُ عَلَى الْأَذْرُعِ الَّتِي حَفَرَاهَا؟ وَجْهَانِ:

قُلْتُ: الْأَصَحُّ: التَّنْصِيفُ كَالْجِرَاحَاتِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَطَمَّهَا، فَأَخْرَجَ غَيْرُهُ مَا طُمَّتْ بِهِ؛ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ ضَمَانُ التَّالِفِ فِيهَا بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبْتَدِئُ، أَمْ بِالثَّانِي لِانْقِطَاعِ أَثَرِ الْأَوَّلِ بِالطَّمِّ؟ وَجْهَانِ: قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ وَضَعَ زَيْدٌ حَجَرًا فِي طَرِيقٍ، وَآخَرَانِ حَجَرًا بِجَنْبِهِ؛ فَتَعَثَّرَ بِهِمَا إِنْسَانٌ وَمَاتَ؛ فَالْأَصَحُّ تَعَلُقُّ الضَّمَانِ بِهِمْ أَثْلَاثًا؛ كَالْجِرَاحَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِزَيْدٍ نِصْفُهُ، وَبِالْآخَرَيْنِ نِصْفُهُ.

فَصْلٌ

وَضْعُ الْحَجَرِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِهِ إِذَا عَثَرَ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَمَا سَبَقَ؛ فَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي طَرِيقٍ، فَعَثَرَ بِهِ رَجُلٌ وَدَحْرَجَهُ، ثُمَّ عَثَرَ بِهِ ثَانٍ فَهَلَكَ؛ فَضَمَانُ الثَّانِي يَتَعَلَّقُ بِالْمُدَحْرَجِ؛ لِأَنَّ الْحَجَرَ إِنَّمَا حَصَلَ هُنَاكَ بِفِعْلِهِ.
فَرْعٌ مَنْ قَعَدَ فِي مَوْضِعٍ أَوْ نَامَ أَوْ وَقَفَ، فَعَثَرَ بِهِ مَاشٍ، وَمَاتَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ قُعُودُهُ فِي مِلْكِهِ، وَدَخَلَهُ الْمَاشِي بِلَا إِذْنٍ؛ فَالْمَاشِي مُهْدَرٌ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الْقَاعِدِ وَالْوَاقِفِ، وَكَذَا لَوْ قَعَدَ، أَوْ وَقَفَ فِي مَوَاتٍ أَوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَارَّةُ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاعِدُ أَوِ الْوَاقِفُ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى، كَمَا لَوْ قَتَلَ شَخْصًا أَمْكَنَهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِنْ قَعَدَ أَوْ نَامَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَارَّةُ فَعَثَرَ بِهِ الْمَاشِي وَمَاتَا؛ فَفِيهِ طُرُقٌ: الْمَذْهَبُ مِنْهَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: أَنَّ دَمَ الْقَاعِدِ وَالنَّائِمِ مُهْدَرٌ؛

وَعَلَى عَاقِلَتِهِمَا دِيَةُ الْمَاشِي، وَأَنَّهُ إِذَا عَثَرَ بِالْوَاقِفِ، كَانَ دَمُ الْمَاشِي مُهْدَرًا وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى الْوُقُوفِ لِكَلَالٍ، أَوِ انْتِظَارِ رَفِيقٍ، أَوْ سَمَاعِ كَلَامٍ، فَالْوُقُوفُ مِنْ مَرَافِقِ الطَّرِيقِ كَالْمَشْيِ؛ لَكِنَّ الْهَلَاكَ حَصَلَ بِحَرَكَةِ الْمَاشِي، فَخُصَّ بِالضَّمَانِ وَالْقُعُودِ وَالنَّوْمِ لَيْسَا مِنْ مَرَافِقِ الطَّرِيقِ؛ فَمَنْ فَعَلَهُمَا فَقَدْ تَعَدَّى وَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ.
وَالثَّانِي: وُجُوبُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: يُهْدَرُ دَمُ الْقَاعِدِ وَالنَّائِمِ وَالْوَاقِفِ، وَتَجِبُ دِيَةُ الْمَاشِي عَلَى عَاقِلَتِهِمْ.
وَالرَّابِعُ: يُهْدَرُ دَمُ الْمَاشِي، وَتَجِبُ دِيَةُ هَؤُلَاءِ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِحَرَكَتِهِ، كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ الْأَعْمَى فِي الطَّرِيقِ بِلَا قَائِدٍ فَأُتْلِفُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنَ الْوَاقِفِ فِعْلٌ؛ فَإِنْ وَجَدْنَا بِأَنِ انْحَرَفَ إِلَى الْمَاشِي لَمَّا قَرُبَ مِنْهُ، فَأَصَابَهُ فِي انْحِرَافِهِ فَمَاتَا؛ فَهُمَا كَمَاشِيَيْنِ اصْطَدَمَا، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوِ انْحَرَفَ عَنْهُ فَأَصَابَهُ فِي انْحِرَافِهِ، أَوِ انْصَرَفَ إِلَيْهِ فَأَصَابَهُ بَعْدَ تَمَامِ انْحِرَافِهِ؛ فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانَ وَاقِفًا لَا يَتَحَرَّكُ.
وَلَوْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ وَمَاتَا؛ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمَاشِي دِيَةُ الْجَالِسِ، وَيُهْدَرُ دَمُ الْمَاشِي، كَمَا لَوْ جَلَسَ فِي مِلْكِهِ فَعَثَرَ بِهِ مَاشٍ، وَلَوْ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ مُعْتَكِفًا؛ فَكَذَلِكَ، وَلَوْ جَلَسَ لِأَمْرٍ يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهُ، أَوْ نَامَ غَيْرَ مُعْتَكِفٍ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ نَامَ فِي الطَّرِيقِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
فَرْعٌ حَيْثُ أَطْلَقَ الضَّمَانَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَمَا قَبْلَهَا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الْحَافِرِ، أَوْ وَاضِعِ الْحَجَرِ، أَوِ الْقَاعِدِ، وَنَاصِبِ الْمِيزَابِ وَالْجَنَاحِ، وَمُلْقِي الْقُمَامَةِ، وَقِشْرِ الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِمْ.
فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِهِمْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ.

فَصْلٌ

وَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَاحِدٌ خَلْفَ وَاحِدٍ فَهَلَكُوا، أَوْ هَلَكَ بَعْضُهُمْ؛ فَلَهُ حَالَانِ: الْأُولَى: أَنْ يَقَعَ الثَّانِي بِغَيْرِ جَذْبِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ، فَالثَّانِي ضَامِنٌ؛ فَإِنْ تَعَمَّدَ إِلْقَاءَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا لِضَخَامَتِهِ وَعُمْقِ الْبِئْرِ وَضِيقِهَا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ.
وَإِنْ تَعَمَّدَهُ لَكِنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.
وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وُقُوعَ الْأَوَّلِ؛ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ.
ثُمَّ أَطْلَقَ مُطْلِقُونَ أَنَّهُ إِذَا آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ؛ وَجَبَتْ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَلَى الثَّانِي نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ وَبِوُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ، وَيَكُونُ النِّصْفُ الْآخَرُ عَلَى الْحَافِرِ؛ إِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا؛ وَإِلَّا فَمُهْدَرٌ.
وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ.
لَكِنْ لَوْ نَزَلَ الْأَوَّلُ إِلَى الْبِئْرِ وَلَمْ يَنْصَدِمْ؛ فَوَقَعَ عَلَيْهِ الثَّانِي؛ تَعَلَّقَ بِوُقُوعِهِ كُلُّ الدِّيَةِ.
أَمَّا إِذَا مَاتَ الثَّانِي؛ فَإِنْ تَعَمَّدَ إِلْقَاءِ النَّفْسِ فِيهَا، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْحَفْرُ عُدْوَانًا؛ فَهُوَ هَدَرٌ؛ وَإِلَّا تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِعَاقِلَةِ الْحَافِرِ.
وَإِنْ مَاتَا مَعًا؛ فَالْحُكْمُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ تَرَدَّى فِي الْبِئْرِ ثَلَاثَةٌ؛ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ دِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا ثُلْثَا الدِّيَةِ، وَالثُّلْثُ الْبَاقِي عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ إِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا؛ وَإِلَّا فَهُوَ هَدَرٌ.
قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَ الثَّانِي فِي الْبِئْرِ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا تَزَلَّقَ عَلَى طَرَفِ بِئْرٍ، فَجَذَبَ غَيْرَهُ وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، وَوَقْعَ الثَّانِي فَوْقَهُ فَمَاتَا؛ فَالثَّانِي هَلَكَ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ؛ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ إِلَّا أَنَّهُ قَصَدَ

الِاسْتِمْسَاكَ وَالتَّحَرُّزَ عَنِ الْوُقُوعِ؛ فَكَانَ مُخْطِئًا؛ فَيَجِبُ ضَمَانُ الثَّانِي عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُحْكَى عَنِ الْخُضَرِيِّ: أَنَّهُ مُهْدَرٌ، وَأَصَحُّهُمَا: تَجِبُ نِصْفُ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ وَيُهْدَرُ النِّصْفُ، لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبَيْنِ: صَدْمَةُ الْبِئْرِ وَثِقَلُ الثَّانِي مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَفْرُ عُدْوَانًا؛ فَالْأَوَّلُ مُهْدَرٌ بِلَا خِلَافٍ، وَلْيَحْمِلْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ إِطْلَاقَ مَنْ أَطْلَقَ إِهْدَارَ الْأَوَّلِ؛ وَقَدْ أَطْلَقَهُ كَثِيرُونَ.
وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا، وَمَاتُوا جَمِيعًا فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: تُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ لِجَذْبِهِ الثَّانِي، وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي لِجَذْبِهِ الثَّالِثَ.
وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْحَفْرِ مَعَ الْجَذْبِ؛ وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ مَاتَ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: صَدْمَةُ الْبِئْرِ وَثِقَلُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ فَهَدَرَ ثُلْثُ الدِّيَةِ لِجَذْبِهِ الثَّانِي، ثُمَّ يَنْظُرُ إِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا، وَجَبَ ثُلْثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ، وَثُلْثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي بِجَذْبِهِ الثَّالِثِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَفْرُ عُدْوَانًا، أُهْدِرَ ثُلْثٌ آخَرُ وَوَجَبَ ثُلْثٌ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: مَاتَ بِالْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ وَبِجَذْبَةِ الثَّانِي؛ فَيُهْدِرُ نِصْفَ دِيَةٍ، وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ، وَأَعْرَضَ عَنْ تَأَثُّرِهِ بِثِقَلِ الثَّالِثِ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَمَاتَ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ، وَبِثِقَلِ الثَّالِثِ؛ وَثِقَلُ الثَّالِثِ حَصَلَ بِفِعْلِهِ؛ فَيُهْدَرُ نِصْفٌ وَيَجِبُ نِصْفٌ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَتَجِبُ جَمِيعُ دِيَتِهِ عَلَى الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ وَالْمُرَادُ عَاقِلَتُهُمَا.
وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ بِحَالِهَا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا وَمَاتُوا؛ وَجَبَ جَمِيعُ دِيَةِ الرَّابِعِ بِلَا خِلَافٍ.
وَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِالثَّالِثِ وَحْدَهُ أَمْ بِالثَّلَاثَةِ؟ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا دِيَاتُ الثَّلَاثَةِ فَفِيهَا أَوْجُهٌ؛ أَصَحُّهَا: أَنَّ الْأَوَّلَ مَاتَ بِأَرْبَعَةِ أَسْبَابٍ: صَدْمَةُ الْبِئْرِ، وَثِقَلُ الثَّلَاثَةِ؛ فَيُهْدَرُ رُبُعُ دِيَتِهِ لِجَذْبِهِ الثَّانِي،

وَيَجِبُ الرُّبْعُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ إِنْ كَانَ الْحَفْرُ عُدْوَانًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُدْوَانًا أُهْدِرَ أَيْضًا.
وَيَجِبُ رُبُعٌ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي، وَرُبُعٌ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ.
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلَا أَثَرَ لِلْحَفْرِ فِي حَقِّهِ وَقَدْ مَاتَ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ، وَثِقَلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ؛ فَيُهْدَرُ ثُلْثُ دِيَتِهِ، وَيَجِبُ ثُلْثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ وَثُلْثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَمَاتَ بِجَذْبِ الثَّانِي وَثِقَلِ الرَّابِعِ؛ فَيُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَجِبُ لِلْأَوَّلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِجَذْبِ الثَّانِي وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي؛ وَمُقْتَضَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ لَا يَجِبَ لِلْأَوَّلِ فِي صُورَةِ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ أَصْلًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَاكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ تُجْعَلُ دِيَةُ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا؛ فَيُهْدَرُ ثُلْثُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَجِبُ الثُّلْثَانِ مِنْ دِيَةِ الْأَوَّلِ عَلَى عَاقِلَتَيِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَالثُّلْثَانِ مِنْ دِيَةِ الثَّانِي عَلَى عَاقِلَتَيِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، وَالثُّلْثَانِ مِنْ دِيَةِ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَتَيِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي: يَجِبُ لِلْأَوَّلِ رُبُعُ الدِّيَةِ إِنْ كَانَ الْحَافِرُ مُتَعَدِّيًا، وَلِلثَّانِي الثُّلْثُ، وَلِلثَّالِثِ النِّصْفُ لِلْقِصَّةِ الْمَرْوِيَّةِ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذَا وَإِمْضَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ؛ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا وَقَعَ الثَّلَاثَةُ أَوِ الْأَرْبَعَةُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ؛ أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْبِئْرُ وَاسِعَةً وَجَذَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَكِنْ وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَاحِيَةٍ؛ فَدِيَةُ كُلِّ مَجْذُوبٍ عَلَى عَاقِلَةِ جَاذِبِهِ وَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ إِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا.
وَمَنْ وَجَبَتْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ دِيَةُ بَعْضِهِمْ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
وَيَقَعُ النَّظَرُ فِي أَنَّهَا هَلْ تَتَجَزَّأُ؟ وَمَنْ أُهْدِرُ دَمُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ لِفِعْلِهِ؛ فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟

الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي اجْتِمَاعِ سَبَبَيْنِ مُتَقَاوِمَيْنِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِذَا اصْطَدَمَ حُرَّانِ مَاشِيَانِ، فَوَقَعَا وَمَاتَا؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ؛ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْقَتْلَيْنِ؛ فَفِعْلُهُ هَدَرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَضْمُونٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّ فِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَجَزَّأُ، وَأَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَتَسْقُطُ نِصْفُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَجِبُ نِصْفُهَا؛ ثُمَّ إِنْ لَمْ يَقْصِدَا الِاصْطِدَامَ بِأَنْ كَانَا أَعْمَيَيْنِ، أَوْ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ مُدْبِرَيْنِ، أَوْ غَافِلَيْنِ؛ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ؛ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ.
وَإِنْ تَعَمَّدَا الِاصْطِدَامَ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاصِلَ عَمْدٌ مَحْضٌ، وَيَجِبُ فِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ؛ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ؛ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» : أَنَّ الْحَاصِلَ شِبْهُ عَمْدٍ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الِاصْطِدَامَ لَا يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ؛ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعَمْدُ الْمَحْضُ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ فَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ مُغَلَّظَةً.

الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الْمُصْطَدِمَانِ رَاكِبَيْنِ؛ فَحُكْمُ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا؛ فَلَوْ تَلِفَتِ الدَّابَّتَانِ؛ فَفِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ صَاحَبِهِ؛ وَلَوْ غَلَبَتْهُمَا الدَّابَّتَانِ، فَجَرَى الِاصْطِدَامُ وَالرَّاكِبَانِ مَغْلُوبَانِ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَغْلُوبَ كَغَيْرِ الْمَغْلُوبِ كَمَا سَبَقَ.
وَفِي قَوْلٍ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّ هَلَاكَهُمَا وَهَلَاكَ الدَّابَّتَيْنِ هَدَرٌ؛ إِذْ لَا صُنْعَ لَهُمَا وَلَا اخْتِيَارَ؛ فَصَارَ كَالْهَلَاكِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ غَلَبَتِ الدَّابَّةُ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا، وَأَتْلَفَتْ مَالًا، هَلْ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ؟ فَرْعٌ سَوَاءٌ فِي اصْطِدَامِ الرَّاكِبَيْنِ اتَّفَقَ جِنْسُ الْمَرْكُوبَيْنِ وَقُوَّتُهُمَا، أَمِ

اخْتَلَفَ، كَرَاكِبِ فَرَسٍ، أَوْ بَعِيرٍ مَعَ رَاكِبِ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ، وَسَوَاءٌ فِي اصْطِدَامِ الرَّجُلَيْنِ اتَّفَقَ سَيْرُهُمَا، أَوِ اخْتَلَفَ؛ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَمْشِي وَالْآخَرُ يَعْدُو، وَسَوَاءٌ كَانَا مُقْبِلَيْنِ، أَمْ مُدْبِرَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُقْبِلًا وَالْآخَرُ مُدْبِرًا.
قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنْ لَوْ كَانَتْ إِحْدَى الدَّابَّتَيْنِ ضَعِيفَةً بِحَيْثُ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِحَرَكَتِهَا مَعَ قُوَّةِ الدَّابَّةِ الْأُخْرَى؛ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِحَرَكَتِهَا حُكْمٌ؛ كَغَرْزِ الْإِبْرَةِ فِي جِلْدَةِ الْعَقِبِ مَعَ الْجِرَاحَاتِ الْعَظِيمَةِ؛ وَسَوَاءٌ وَقَعَ الْمُصْطَدِمَانِ مُقْبِلَيْنِ أَوْ مُسْتَلْقِيَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْتَلْقِيًا وَالْآخَرُ مُكِبًّا.
وَعَنِ الْمُزَنِيِّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ أَحَدُهُمَا مُكِبًّا وَالْآخَرُ مُسْتَلْقِيًا؛ فَالْمُكِبُّ مُهْدَرٌ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ ضَمَانُ الْمُسْتَلْقِي، وَعَنِ ابْنِ الْقَاصِّ مِثْلُهُ تَخْرِيجًا؛ وَعَنْهُ أَنَّ الْمُكِبَّيْنِ مُهْدَرَانِ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَلَوِ اصْطَدَمَ مَاشٍ وَرَاكِبٌ لِطُولِ الْمَاشِي وَهَلَكَا؛ فَالْحُكْمُ مَا سَبَقَ.
فَرْعٌ تَجَاذَبَ رَجُلَانِ حَبْلًا؛ فَانْقَطَعَ فَسَقَطَا وَمَاتَا؛ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، وَيُهْدَرُ النِّصْفُ؛ سَوَاءٌ وَقَعَا مُكِبَّيْنِ أَوْ مُسْتَلْقِيَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا هَكَذَا وَالْآخَرُ كَذَاكَ؛ لَكِنْ قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ أَكَبَّ أَحَدُهُمَا، وَاسْتَلْقَى الْآخَرُ؛ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَلْقِي نِصْفُ دِيَةِ الْمُكِبِّ مُغَلَّظَةً، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُكِبِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْتَلْقِي مُخَفَّفَةً.
وَهَذَا إِنْ صَحَّ اقْتَضَى أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي الِاصْطِدَامِ؛ هَذَا إِذَا كَانَ الْحَبْلُ لَهُمَا أَوْ مَغْصُوبًا؛ فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ ظَالِمٌ؛ فَدَمُ الظَّالِمِ هَدَرٌ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ دِيَةِ الْمَالِكِ.
وَلَوْ أَرْخَى أَحَدُ الْمُتَجَاذِبَيْنِ؛ فَسَقَطَ الْآخَرُ، وَمَاتَ فَنِصْفُ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُرْخِي وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا.
وَلَوْ قَطَعَ الْحَبْلَ قَاطِعٌ فَسَقَطَا وَمَاتَا؛ فَدِيَتَاهُمَا جَمِيعًا عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ.

فَرْعٌ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُهْدَرُ نِصْفُ قِيمَةِ الدَّابَّةِ وَيَجِبُ النِّصْفُ الْآخَرُ هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ لِلرَّاكِبِ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَعَارَةً أَوْ مُسْتَأْجَرَةً لَمْ يُهْدَرْ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ، وَكَذَا الْمُسْتَأْجَرُ إِذَا أَتْلَفَهُ الْمُسْتَأْجِرُ.

الثَّالِثَةُ: إِذَا اصْطَدَمَ صَبِيَّانِ أَوْ مَجْنُونَانِ نُظِرَ؛ إِنْ كَانَا مَاشِيَيْنِ، أَوْ رَاكِبَيْنِ رَكِبَا بِأَنْفُسِهِمَا؛ فَهُمَا كَالْبَالِغِينَ إِلَّا أَنَّا إِذَا أَوْجَبْنَا هُنَاكَ دِيَةً مُغَلَّظَةً؛ فَهِيَ هُنَا مُخَفَّفَةٌ؛ إِلَّا إِذَا قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَمْدٌ.
وَإِنْ أَرْكَبَهُمَا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا؛ لَمْ يُهْدَرْ شَيْءٌ مِنْ دِيَتِهِمَا، وَلَا مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّتَيْنِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الصَّبِيَّيْنِ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِمَا؛ بَلْ إِنْ كَانَ الْمُرَكِّبُ وَاحِدًا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الدَّابَّتَيْنِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الصَّبِيَّيْنِ؛ وَإِنْ أَرْكَبَ هَذَا وَاحِدٌ وَذَاكَ آخَرُ؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ دَابَّةٍ.
وَكَذَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ دَابَّةُ مَنْ أَرْكَبَهُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَتَيِ الصَّبِيَّيْنِ؛ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ الدَّارَكِيُّ وَابْنُ الْمَرْزُبَانِ: يَلْزَمُ عَاقِلَةُ كُلِّ مُرَكِّبٍ دِيَةُ مَنْ أَرْكَبَهُ؛ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا غَلَطٌ، قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : فَلَوْ تَعَمَّدَ الصَّبِيُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ احْتُمِلَ أَنْ يُحَالَ الْهَلَاكُ عَلَيْهِ إِذَا قُلْنَا: عَمْدُهُ عَمْدٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّسَبُّبِ؛ وَهَذَا احْتِمَالٌ حَسَنٌ.
فَإِنْ قِيلَ بِهِ؛ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ رَكِبَا بِأَنْفُسِهِمَا، وَالِاعْتِذَارُ عَنْهُ تَكَلُّفٌ، وَلَوْ وَقَعَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ؛ فَقَدْ أَطْلَقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُرَكِّبِ الضَّمَانُ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ وَلَمْ يَشُدَّهُ؛ وَجَبَ الضَّمَانُ؛ وَإِنْ كَانَ يَسْتَمْسِكُ؛ فَإِنْ كَانَ يَنْقُلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ فَلَا ضَمَانَ؛ سَوَاءٌ أَرْكَبَهُ الْوَلِيُّ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ غَالِبًا.
وَإِنْ أَرْكَبَهُ لِيَتَعَلَّمَ الْفُرُوسِيَّةَ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّبَّاحِ.
وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّفْصِيلِ نَظَرٌ.
أَمَّا إِذَا أَرْكَبَهُمَا وَلِيَّاهُمَا لِمَصْلَحَتِهِمَا فَوَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَلِيِّ؛ كَمَا لَوْ

رَكِبَا بِأَنْفُسِهِمَا إِذْ لَا تَقْصِيرَ، وَالثَّانِي قَالَهُ الْقَفَّالُ: يَجِبُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِرْكَابِ خَطَرًا؛ هَكَذَا أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ الْوَجْهَيْنِ، وَخَصَّهُمَا الْإِمَامُ بِالْإِرْكَابِ لِزِينَةٍ أَوْ حَاجَةٍ غَيْرِ مُهِمَّةٍ؛ قَالَ: فَأَمَّا إِذَا مَسَّتْ حَاجَةٌ أَرْهَقَتْ إِلَى إِرْكَابِهِ لِلِانْتِقَالِ إِلَى مَكَانٍ؛ فَلَا ضَمَانَ قَطْعًا، ثُمَّ الْوَجْهَانِ مَخْصُوصَانِ بِمَا إِذَا ظَهَرَ ظَنُّ السَّلَامَةِ؛ فَأَمَّا إِذَا أَرْكَبَهُ الْوَلِيُّ دَابَّةً شَرِسَةً جَمُوحًا؛ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ.

الرَّابِعَةُ: اصْطِدَامُ الْمَرْأَتَيْنِ كَالرَّجُلَيْنِ؛ فَإِنِ اصْطَدَمَ حَامِلَانِ فَمَاتَتَا وَمَاتَ جَنِينَاهُمَا؛ وَجَبَ فِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَعَدَمُ تَجْزِئَةِ الْكَفَّارَةِ؛ فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَجَبَ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّجْزِئَةِ؛ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ كَفَّارَةٍ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ دِيَةِ صَاحِبَتِهَا وَنِصْفُ غُرَّةِ كُلِّ جَنِينٍ.

الْخَامِسَةُ: اصْطَدَمَ عَبْدَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا؛ وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِهِ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ الْحَيِّ، وَإِنْ مَاتَا فَمُهْدَرَانِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ جِنَايَةِ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ؛ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ قِيمَتُهُمَا، أَمِ اخْتَلَفَتْ.
وَإِنِ اصْطَدَمَ حُرٌّ وَعَبْدٌ وَمَاتَ الْعَبْدُ؛ فَنِصْفُهُ هَدَرٌ، وَتَجِبُ نِصْفُ قِيمَتِهِ.
وَهَلْ تَكُونُ عَلَى الْحُرِّ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ فِي تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ وَإِنْ مَاتَ الْحُرُّ؛ وَجَبَ نِصْفُ دِيَتِهِ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ وَإِنْ مَاتَا مَعًا.
فَإِنْ قُلْنَا: قِيمَةُ الْعَبْدِ لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ؛ وَجَبَ نِصْفُهَا فِي تَرِكَةِ الْحُرِّ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ رَقَبَتِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْقِيمَةَ؛ فَنِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ؛ فَيَأْخُذُ السَّيِّدُ مِنَ الْعَاقِلَةِ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَيَدْفَعُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِلَى وَرَثَةِ الْحُرِّ؛ إِمَّا مِنْ عَيْنِ الْمَأْخُوذِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ أَنْ يَثْبُتَ لِوَرَثَةِ الْحُرِّ مُطَالَبَةُ عَاقِلَتِهِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ؛ وَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ السَّيِّدُ لِيَتَوَثَّقُوا بِهِ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل