روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْأَيْمَانِ

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي نَفْسِ الْيَمِينِ وَلِلْأَئِمَّةِ عِبَارَاتٌ فِي حَقِيقَةِ الْيَمِينِ، أَجْوَدُهَا وَأَصْوَبُهَا عَنِ الِانْتِقَاضِ وَالِاعْتِرَاضِ عِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ، قَالَ: الْيَمِينُ تَحْقِيقُ الْأَمْرِ أَوْ تَوْكِيدُهُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.
وَيَتَعَلَّقُ بِالضَّبْطِ مَسَائِلُ إِحْدَاهَا: تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا وَهُوَ عَالِمٌ، فَهُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، سُمِّيَتْ غَمُوسًا، لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي النَّارِ، وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَتَتَعَلَّقُ بِهَا الْكَفَّارَةُ.
فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الْقَوْلَانِ: فِيمَنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا.
الثَّانِيَةُ: مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِ الْيَمِينِ بِلَا قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ فِي حَالَةِ غَضَبٍ أَوْ لَجَاجٍ أَوْ عَجَلَةٍ أَوْ صِلَةِ كَلَامٍ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَفَّارَةٌ.
وَلَوْ كَانَ يَحْلِفُ عَلَى شَيْءٍ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُسَمَّى لَغْوَ الْيَمِينِ.
وَإِذَا حَلَفَ وَقَالَ: لَمْ أَقْصِدِ الْيَمِينَ صُدِّقَ، وَفِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِيلَاءِ لَا يُصَدَّقُ فِي الظَّاهِرِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ فِي الْفَرْقِ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِجْرَاءِ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ بِلَا قَصْدٍ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَدَعْوَاهُ فِيهَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، فَلَا يُقْبَلُ.
قَالَ: فَلَوِ اقْتَرَنَ بِالْيَمِينِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَصْدِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ.

الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ غَيْرُهُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ، أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ، أَوْ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ: لَتَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الشَّفَاعَةَ، أَوْ قَصَدَ عَقْدَ الْيَمِينِ لِلْمُخَاطَبِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ قَصَدَ عَقْدَ الْيَمِينِ لِنَفْسِهِ، كَانَ يَمِينًا عَلَى الصَّحِيحِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَسْأَلُكَ ثُمَّ حَلَفَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَيْسَ بِيَمِينٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُخَاطَبِ إِبْرَارُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَحَنِثَ الْحَالِفُ، لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا يُحْمَلُ عَلَى الشَّفَاعَةِ قُلْتُ: يُسَنُّ إِبْرَارُ الْمُقْسِمِ، كَمَا ذُكِرَ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْإِبْرَارِ مَفْسَدَةٌ، بِأَنْ تَضَمَّنَ ارْتِكَابَ مُحَرَّمٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ.
وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ بِوَجْهِ اللَّهِ، وَرَدُّ مَنْ سَأَلَ بِهِ، لِلْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ فِيهِمَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الرَّابِعُ: يَجُوزُ تَعْقِيبُ الْيَمِينِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ عَقَّبَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ، وَهَلْ نَقُولُ: انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لَكِنَّ الْمَشِيئَةَ مَجْهُولَةٌ فَلَا يَحْنَثُ نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ، وَالثَّانِي: لَا، نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَأَنْ يَقْصِدَ لَفْظَهُ، وَيَصِلَهُ بِالْيَمِينِ، فَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا إِلَّا سَكْتَةً لَطِيفَةً لِتَذَكُّرٍ أَوْ عِيٍّ أَوْ تَنَفُّسٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ، وَأَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ أَوَّلِ الْيَمِينِ، فَلَوْ قَصَدَهُ، فِي خِلَالِ الْيَمِينِ، فَوَجْهَانِ سَبَقَا فِي الطَّلَاقِ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الدَّارَكِيُّ وَالْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ، وَمِمَّنْ مَنَعَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَابْنُ كَجٍّ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ،

وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ: لَا أَفْعَلُ كَذَا، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَكَذَا لَوْ قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ، فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ: لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ عَبْدِي حُرٌّ، لَمْ تُطَلَّقْ وَلَمْ يُعْتَقْ، لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ قَدْ يُحْذَفُ مَعَ إِرَادَةِ الْعَطْفِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُنَا: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ، وَلْيَكُنْ هَذَا فِيمَا إِذَا نَوَى صَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا، فَإِنْ أَطْلَقَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ خِلَافٌ فِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى أَمْ يَعُمُّهُمَا؟ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَجِيءُ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ يَعُمُّهُمَا؟ . قُلْتُ: الصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوِ امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَنَوَى صَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَيْهِمَا، صَحَّ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ.
وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ الِاسْتِثْنَاءَ وَيُؤَخِّرَهُ، يَجُوزُ أَنْ يُوَسِّطَهُ.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أَوْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا سَبَقَ فِي نَظِيرِهِ فِي الطَّلَاقِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ كَجٍّ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ إِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ، وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ فَعَلَ حَنِثَ.

فَرْعٌ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، وَقَصَدَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ لَا أَدْخُلَهَا، فَقَدْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى الدُّخُولِ، فَإِنْ دَخَلَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ

فَلَمْ يَدْخُلْ، حَنِثَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْرِفْ مَشِيئَةً بِأَنْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ، حَنِثَ هَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ النَّصِّ، وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ الدُّخُولَ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ دَخَلَ وَقَدْ شَاءَ زَيْدٌ دُخُولَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ شَاءَ أَنْ لَا يَدْخُلَ، حَنِثَ، وَلَا تُغْنِي مَشِيئَةُ الدُّخُولِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَشِيئَتَهُ، فَرِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَالرِّوَايَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ وَالصُّورَتَانِ مُتَشَابِهَتَانِ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِمَا طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْحِنْثِ، وَحَمْلُ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْيَأْسُ مِنْ مَشِيئَةٍ، أَوْ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَلَمْ يَعْلَمِ الرَّبِيعُ رُجُوعَهُ.
وَالثَّانِي فِيهِمَا قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ حِنْثِهِ الْمَشِيئَةُ وَقَدْ جَعَلْنَاهَا، وَالثَّانِي: لَا، لِلشَّكِّ.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ إِنْ شَاءَ فُلَانٌ، إِنْ دَخَلَ، فَالْيَمِينُ مُعَلَّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، فَلَا يَنْعَقِدُ قَبْلَهَا وَلَا حُكْمَ لِلدُّخُولِ قَبْلَهَا، فَإِنْ شَاءَ انْعَقَدَتْ، فَإِنْ دَخَلَ بَعْدَهُ، بَرَّ، وَإِلَّا حَنِثَ.
وَيُنْظَرُ هَلْ قَيَّدَ الدُّخُولَ بِزَمَانٍ أَوْ أَطْلَقَ؟ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ عُمُرُهُ وَقْتُ الدُّخُولِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ، حَكَمْنَا بِالْحِنْثِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَإِنْ شَاءَ فُلَانٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَوْ لَمْ يَشَأْ شَيْئًا، أَوْ لَمْ تُعْرَفْ مَشِيئَتُهُ، فَلَا حِنْثَ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ إِنْ شَاءَ فُلَانٌ أَنْ لَا أَدْخُلَ، فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ.
الْخَامِسَةُ: الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ مَكْرُوهٌ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَجِبْرِيلَ وَالصَّحَابَةِ وَالْآلِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْصِيَةً.
قَالَ الْأَصْحَابُ: أَيْ حَرَامًا وَإِثْمًا، فَأَشَارَ إِلَى تَرَدُّدٍ فِيهِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، بَلْ مَكْرُوهٌ.
ثُمَّ مَنْ حَلَفَ بِمَخْلُوقٍ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَا كَفَّارَةَ فِي حِنْثِهِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: فَلَوِ اعْتَقَدَ الْحَالِفُ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى كَفَرَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:

«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ» ، وَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَيْهِ بِلَا قَصْدٍ لَمْ يُوصَفْ بِكَرَاهَةٍ، بَلْ هُوَ لَغْوُ يَمِينٍ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» . السَّادِسَةُ: إِذَا قَالَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، فَأَنَا يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ بَرِىءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنَ الْكَعْبَةِ، أَوْ مُسْتَحِلٌّ الْخَمْرَ أَوِ الْمَيْتَةَ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْحِنْثِ بِهِ، ثُمَّ إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ تَبْعِيدَ نَفْسِهِ عَنْهُ لَمْ يَكْفُرْ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرِّضَا بِذَلِكَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِذَا فَعَلَهُ، فَهُوَ كَافِرٌ فِي الْحَالِ.
قُلْتُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: وَإِذَا لَمْ يَكْفُرْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيُسْتَدَلُّ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» . وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بِقُبْحٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ.
وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ قَبِيحٍ مُحَرَّمٍ، وَسَتَأْتِي صِفَةُ التَّوْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ جُمَلًا كَثِيرَةً مِنْ حُكْمِ الْأَلْفَاظِ الْقَبِيحَةِ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَطُرُقِ الْخُرُوجِ مِنْهَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. السَّابِعَةُ: قَالَ أَهْلُ اللِّسَانِ: حُرُوفُ الْقَسَمِ ثَلَاثَةٌ الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ الْمُثَنَّاةُ فَوْقُ، قَالُوا: وَالْأَصْلُ الْبَاءُ وَهِيَ مِنْ صِلَةِ الْحَلِفِ، كَأَنَّ الْقَائِلَ يَقُولُ: حَلِفْتُ بِاللَّهِ، أَوْ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ، أَوْ آلَيْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ وَفُهِمَ الْمَقْصُودُ، حُذِفَ الْفِعْلُ، وَيَلِي الْبَاءَ الْوَاوُ، لِأَنَّ الْبَاءَ تَدْخُلُ عَلَى الْمُضْمَرِ تَقُولُ: بِكَ وَبِهِ لَأَفْعَلَنَّ، كَمَا تَدْخُلُ فِي الْمُظْهَرِ، وَالْوَاوُ تَخْتَصُّ بِالْمُظْهَرِ فَتَأَخَّرَتْ، وَالتَّاءُ بَعْدَ الْوَاوِ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى «اللَّهِ» ، فَإِذَا قَالَ بِاللَّهِ - بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - لَأَفْعَلَنَّ، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ، أَوْ أَطْلَقْ، فَهِيَ يَمِينٌ لِاشْتِهَارِ الصِّيغَةِ بِالْحَلِفِ لُغَةً وَشَرْعًا.

وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ خِلَافًا فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَمِينِ بِأَنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِاللَّهِ وَثِقْتُ، أَوِ اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ أَوْ أَسْتَعِينُ أَوْ أُؤْمِنُ بِاللَّهِ ثُمَّ ابْتَدَأْتُ لَأَفْعَلَنَّ، فَالْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ هَذَا وَجَعَلَهُ زَلَلًا أَوْ خَلَلًا مِنْ نَاسِخٍ.
وَنُقِلَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ وَادَّعَى التَّوْرِيَةَ لَمْ يُقْبَلْ فِيمَا تَعَلَّقَ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَهَلْ يُدَيَّنُ بَاطِنًا؟ قِيلَ: وَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يُدَيَّنُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي أَظْهَرَ مَا يُخَالِفُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاللَّهِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: بِاللَّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِهِ الْقَائِلَ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ثُمَّ يَبْتَدِئُ لَأَفْعَلَنَّ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَّا لَحْنٌ فِي الْإِعْرَابِ وَسَيَأْتِي نَظَائِرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا إِذَا قَالَ: تَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، فَالْمَنْصُوصُ هُنَا وَفِي الْإِيلَاءِ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَعَنْ نَصِّهِ فِي الْقَسَامَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ طُرُقٌ، أَحَدُهَا: الْعَمَلُ بِظَاهِرِ النَّصِّ.
وَالثَّانِي: فِيهِمَا قَوْلَانِ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ الْوَكِيلِ: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ يَمِينٌ.
قَالُوا: وَرِوَايَةُ النَّصِّ فِي الْقَسَامَةِ مُصَحَّفَةٌ إِنَّمَا هِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَّلَ، فَقَالَ: لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَهَذَا إِنَّمَا يَلِيقُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ.
ثُمَّ قِيلَ: أَرَادَ إِذَا قَالَ يَا اللَّهُ عَلَى النِّدَاءِ أَوْ قِيلَ أَرَادَ يَا لَلَّهِ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ، وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَقْرَبُ إِلَى التَّصْحِيفِ، وَقِيلَ: لَيْسَتْ مُصَحَّفَهً، بَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا قَالَ لَهُ الْقَاضِي: قُلْ: بِاللَّهِ، فَقَالَ: تَاللَّهِ، فَلَا يُحْسَبُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْيَمِينَ يَكُونُ عَلَى وَفْقِ التَّحْلِيفِ، وَكَذَا

لَوْ قَالَ: قُلْ: بِاللَّهِ فَقَالَ: بِالرَّحْمَنِ، لَا تُحْسَبُ يَمِينُهُ.
وَعَكْسُهُ لَوْ قَالَ: قُلْ: تَاللَّهِ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، فَقَالَ: بِاللَّهِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ الْقَفَّالُ: يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، وَلَوْ قَالَ: قُلْ: بِاللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ تَرَدُّدٌ، لِأَنَّ الْبَاءَ وَالْوَاوَ لَا تَكَادَانِ تَتَفَاوَتَانِ، وَلَا يُمْتَنَعُ، الْمَنْعُ لِلْمُخَالَفَةِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى يَجِيءُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَفَّالِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا قَالَ: تَاللَّهِ وَلَمْ يَقْصِدِ الْيَمِينَ وَلَا غَيْرَهَا، فَإِنْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
قُلْتُ: قَالَ الدَّارِمِيُّ: لَوْ قَالَ يَا اللَّهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، أَوْ فَاللَّهُ بِالْفَاءِ، أَوْ أَآللَّهُ بِالِاسْتِفْهَامِ وَنَوَى الْيَمِينَ، فَيَمِينٌ، وَإِلَّا فَلَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ : لَوْ قَالَ: وَاللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ بِرَفْعِ الْهَاءِ أَوْ نَصْبِهَا، كَانَ يَمِينًا، وَاللَّحْنُ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: فِي الرَّفْعِ لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ.
فَرْعٌ : لَوْ حَذَفَ حَرْفَ الْقَسَمِ، فَقَالَ: اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا بِجَرِّ الْهَاءِ أَوْ نَصْبِهَا أَوْ رَفْعِهَا وَنَوَى الْيَمِينَ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ فِي الرَّفْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا فِي النَّاصِبِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا فِي الْجَرِّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الرَّفْعَ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ فَيَبْعُدُ الْحِنْثُ، وَيَقْرُبُ فِي الْجَرِّ الِاسْتِعَارَةُ بِالصِّلَةِ الْجَارَّةِ وَيَلِيهِ النَّصْبُ بِنَزْعِ الْجَارِّ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: بَلَّهِ فَشَدَّدَ اللَّامَ كَمَا كَانَتْ وَحَذَفَ الْأَلِفَ بَعْدَهَا،

فَهُوَ غَيْرُ ذَاكِرٍ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا حَالِفٌ، لِأَنَّ الْبَلَّةَ هِيَ الرُّطُوبَةُ، فَلَوْ نَوَى بِذَلِكَ الْيَمِينَ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ يَمِينٌ وَيُحْمَلُ حَذْفُ الْأَلِفِ عَلَى اللَّحْنِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ تَجْرِي كَذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ أَوِ الْخَوَاصِّ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَتِهِ، وَلَا يُسَلَّمُ أَنَّ هَذَا لَحْنٌ، لِأَنَّ اللَّحْنَ مُخَالَفَةُ صَوَابِ الْإِعْرَابِ، بَلْ هَذِهِ كَلِمَةٌ أُخْرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الثَّامِنَةُ: فِي ضَبْطِ مَا يُحْلَفُ بِهِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ، إِحْدَاهُمَا وَهِيَ أَقْصَرُهُمَا: أَنَّ الْيَمِينَ يَنْعَقِدُ إِذَا حَلَفَ بِمَا مَفْهُومُهُ ذَاتُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى سِيَاقِ «الْمُخْتَصَرِ» : أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا إِذَا حَلِفَ بِاللَّهِ، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَأَرَادَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَذْكُرَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِيَ بَاسِمٍ مُفْرَدٍ، أَوْ مُضَافٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: وَالَّذِي أَعْبُدُهُ، أَوْ أَسْجُدُ لَهُ، أَوْ أُصَلِّي لَهُ، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، أَوْ نَفْسِي بِيَدِهِ، أَوْ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ فَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، سَوَاءً أَطْلَقَ أَوْ نَوَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْ غَيْرَهُ، وَإِذَا قَالَ قَصَدْتُ غَيْرَهُ، لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا قَطْعًا، وَكَذَا لَا يُقْبَلُ أَيْضًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ الْحَلِفُ بِالْأَسْمَاءِ، فَالْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَا يُخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، كَاللَّهِ وَالْإِلَهِ، وَالرَّحْمَنِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي

لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْوَاحِدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَحُكْمُ الْحَلِفِ بِهِ حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ صَرِيحٌ فِي الْحَلِفِ إِلَّا بِاللَّهِ، وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ اللَّهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يُقَيَّدُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِضَرْبِ تَقْيِيدٍ، كَالْجَبَّارِ وَالْحَقِّ وَالرَّبِّ وَالْمُتَكَبِّرِ وَالْقَادِرِ وَالْقَاهِرِ، فَإِنْ حَلَفَ بِاسْمٍ مِنْهَا وَنَوَى اللَّهَ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ فَيَمِينٌ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ بِيَمِينٍ وَالْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالرَّحِيمُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ مِنَ الْأَوَّلِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالْحَيِّ وَالْمَوْجُودِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَرِيمِ وَالْغَنِيِّ وَشِبْهِهَا، فَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ أَطْلَقَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ نَوَى اللَّهَ تَعَالَى، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَمِينٌ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبَا «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» ، وَفِي شَرْحِ الْمُوَفَّقِ بْنِ طَاهِرٍ أَنَّ صَاحِبَ «التَّقْرِيبِ» وَأَبَا يَعْقُوبَ قَطَعَا بِهِ، وَنَقَلَاهُ عَنْ شُيُوخِ الْأَصْحَابِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: لَا يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَنْعَقِدُ بِاسْمِ مُعَظَّمٍ، وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي تُطْلَقُ فِي حَقِّ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ إِطْلَاقًا وَاحِدًا لَيْسَ لَهَا حُرْمَةٌ وَلَا عَظَمَةٌ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» وَصَاحِبُ «التَّنَبُّهِ» وَالْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ لِأَنَّهُ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ نَوَاهُ، وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ مَرْدُودٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَالسَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ أَوِ الْعَلِيمُ وَالْحَكِيمُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، لَا مِنَ الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ، فَقَدْ عَدَّ الْبَغَوِيُّ الْعَالِمَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ كَجٍّ

نَقَلَ وَجْهًا أَنَّ الْحَلِفَ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِسْعِينَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ صَرِيحٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ، وَهَذَا غَرِيبٌ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَالْحَلِفُ بِالصِّفَاتِ.
فَمُتَكَلِّمٌ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: إِذَا قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ، فَيَمِينٌ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرَهَا، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَيْسَ بِيَمِينٍ، حُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَمِينٌ، لِأَنَّهُ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَمِينِ، فَتَصِيرُ هَذِهِ الْقَرِينَةُ صَارِفَةً لِلَّفْظِ إِلَى مَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعَظَمَةِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ قَالَ وَحَقُّ اللَّهِ بِالرَّفْعِ وَنَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَلَا، وَإِنْ قَالَهُ بِالنَّصْبِ وَأَطْلَقَ فَوَجْهَانِ: وَالَّذِي أَجَابَ بِهِ الْبَغَوِيُّ الْمَنْعُ فِي النَّصْبِ أَيْضًا.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ وَحُرْمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ وَحَقِّ اللَّهِ، وَقِيلَ هُوَ كَقَوْلِهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ وَقُدْرَةِ اللَّهِ، وَعِلْمِ اللَّهِ، وَمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَسَمْعِ اللَّهِ، وَبَصَرِ اللَّهِ فَهَذِهِ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ، فَإِنْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ، أَوْ أَطْلَقَ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ.
وَإِنْ أَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ، وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا، لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ: اغْفِرْ عِلْمَكَ فِينَا، أَيْ مَعْلُومَكَ، وَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ أَيْ مَقْدُورِهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: وَمَعْلُومِ اللَّهِ، وَمَقْدُورِهِ، وَخَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَبِمِثْلِهِ أَجَابَ الْإِمَامُ فِي: إِحْيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قَالَ: وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَاءِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ وَبَقَائِهِ، فَالْحُكْمُ كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ وَغَيْرِهَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهَانِ: أَنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ.
حَتَّى لَوْ قَالَ أَرَدْتُ غَيْرَ الْيَمِينِ، لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا وَوَجْهًا أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ

غَيْرَ الْيَمِينِ، يُقْبَلْ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، لِلِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ وَالْكِبْرِيَاءِ إِذْ لَا يُتَخَيَّلُ فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَضُعِّفَ هَذَا، وَقَالَ: قَدْ يُقَالُ عَايَنْتُ عَظَمَةَ اللَّهِ وَكِبْرِيَاءَهُ، وَيُرِيدُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْهَا لَوْ قَالَ وَكَلَامِ اللَّهِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَكِتَابِ اللَّهِ وَقُرْآنِ اللَّهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَالْقُرْآنِ أَوْ وَالْمُثْبَتِ فِي الْمُصْحَفِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ نُظِرَ، إِنْ قَالَ: وَحُرْمَةِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَحُرْمَةِ هَذَا الْمُصْحَفِ، لِأَنَّ احْتِرَامَهُ لِمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ، وَإِذَا أَرَادَ الرِّقَّ وَالْجِلْدَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا.
قُلْتُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا إِذَا قَالَ: وَالْمُصْحَفِ، وَأَطْلَقَ، وَهُوَ يَمِينٌ، صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَبِهِ أَفْتَى الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الدَّوْلَعِيُّ خَطِيبُ دِمَشْقَ، مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا، قَالَ: لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ الْمَكْتُوبِ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ، وَلَا يَقْصِدُ الْحَالِفُ نَفْسَ الْوَرَقِ وَالْمِدَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، اسْتَحْسَنَ التَّحْلِيفَ بِالْمُصْحَفِ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدِ الْيَمِينُ، بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَحْلِفْ بِهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ قَالَ: وَالْقُرْآنِ، وَأَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، فَقَدْ يُرَادُ بِالْقُرْآنِ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ.
التَّاسِعَةُ: إِذَا قَالَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ، أَوْ أَحْلِفُ بِاللَّهِ، أَوْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ فَلَهُ أَحْوَالٌ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ أَرَدْتُ بِالْأَوَّلِ الْوَعْدَ بِالْحَلِفِ، وَبِالثَّانِي الْإِخْبَارَ عَنْ مَاضٍ، فَيُقْبَلُ بَاطِنًا، وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ، فَإِنْ عُلِمَ لَهُ يَمِينٌ مَاضِيَةٌ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي إِرَادَتِهَا بِأَقْسَمْتُ وَحَلَفْتُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَّا فَالنَّصُّ أَنَّهُ يُقْبَلُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي إِرَادَةِ الْوَعْدِ وَالْإِخْبَارِ، وَقَالَ فِي الْإِيلَاءِ: إِذَا قَالَ: أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ لَا وَطَئْتُكِ، ثُمَّ قَالَ، أَرَدْتُ يَمِينًا مَاضِيَةً لَمْ يُقْبَلْ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ، الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ فِي الْإِيلَاءِ وَسَائِرِ الْأَيْمَانِ قَوْلَيْنِ أَظْهَرُهُمَا: الْقَبُولُ، لِظُهُورِ الِاحْتِمَالِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِظُهُورِهِ فِي الْإِنْشَاءِ، وَالطَّرِيقِ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، وَحَمْلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا عَلَى الْقَبُولِ بَاطِنًا، وَالثَّالِثُ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِيلَاءَ مُتَعَلِّقُ حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، وَسَائِرُ الْأَيْمَانِ وَاجِبُهَا الْكَفَّارَةُ، وَهِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ الْيَمِينَ، فَيَكُونُ يَمِينًا قَطْعًا.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ، فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَخَالَفَهُمُ الْإِمَامُ فِي التَّرْجِيحِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَقِيلَ: أُقْسِمُ صَرِيحٌ، بِخِلَافِ أَقْسَمْتُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قُلْتُ: لَوْ قَالَ: آلَيْتُ أَوْ أُؤْلِي، فَهُوَ كَحَلَفْتُ أَوْ أَحْلِفُ، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الْعَاشِرَةُ: إِذَا قَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَوْ شَهِدْتُ بِاللَّهِ، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ، فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ أَطْلَقَ: فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، لِتَرَدُّدِ الصِّيغَةِ، وَعَدَمِ اطِّرَادِ عُرْفٍ شَرْعِيٍّ أَوْ لُغَوِيٍّ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ هَذَا عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ.
فَرْعٌ : لَوْ قَالَ أَعْزِمُ بِاللَّهِ، أَوْ عَزَمْتُ بِاللَّهِ، لَأَفْعَلَنَّ، فَإِنْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ، أَوْ أَطْلَقَ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ.

فَرْعٌ لَوْ قَالَ: أُقْسِمُ أَوْ أَقْسَمْتُ، أَوْ أَحْلِفُ أَوْ حَلَفَ، أَوِ أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْتُ، أَوِ أَعْزِمُ أَوْ عَزَمْتُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَلَمْ يَقُلْ بِاللَّهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِصِفَتِهِ.
فَرْعٌ لَوْ قَالَ الْمُلَاعِنُ فِي لِعَانِهِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ وَكَانَ كَاذِبًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَالْخِلَافُ شَبِيهٌ بِالْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُؤْلِي إِذَا وَطِئَ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالصُّورَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ قَصَدَ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ، وَجَعَلْنَا مُطْلَقَهُ يَمِينًا، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ الْخِلَافُ وَإِنْ قَصَدَ غَيْرَ الْيَمِينِ، لِأَنَّ أَلْفَاظَ اللِّعَانَ مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَلَا أَثَرَ لِلتَّوْرِيَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ: إِذَا قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، أَوْ وَايْمُنُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي اللُّغَةِ فَلَا يَعْرِفُهُ إِلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَوْ قَالَ: لَاهَا اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي اللُّغَةِ، لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِ.
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ: وَايْمُ اللَّهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ، وَلَاهَا اللَّهِ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا قَطْعًا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: إِذَا قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وَأَمَانَتُهُ وَكَفَالَتُهُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ عَهْدِ اللَّهِ اسْتِحْقَاقُهُ لِإِيجَابِ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا، أَوْ تَعَبُّدِنَا بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ، كَالْعِبَادَاتِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَمِينٌ لِلْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، لِتَرَدُّدِ اللَّفْظِ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْأَمَانَةُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ) بِالْعِبَادَاتِ وَإِذَا أَرَادَ الْيَمِينَ بِهَذِهِ الْأَلِفَاظِ، انْعَقَدَتْ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ تَأْكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحِنْثِ فِيهَا إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ قَصَدَ بِكُلِّ لَفْظٍ يَمِينًا، فَلْيَكُنْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مِرَارًا.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي اسْتَدْرَكَهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلنَّقْلِ، قَالَ الدَّارِمِيُّ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إِذَا نَوَى التَّكْرَارَ، فَفِي تَكْرَارِ الْكَفَّارَةِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مِرَارًا، وَطَرَّدَهُ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. أَمَّا إِذَا قَالَ: وَعَهْدِ اللَّهِ، وَمِيثَاقِ اللَّهِ، وَأَمَانَةِ اللَّهِ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا.
قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ قَدَّمْتُهُ فِي كِتَابِ النُّذُورِ.

الْبَابُ الثَّانِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ: الْأَوَّلُ: فِي سَبَبِ الْكَفَّارَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ حَنِثَ، وَفِي سَبَبِ وُجُوبِهَا وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ الْيَمِينُ وَالْحِنْثُ جَمِيعًا وَالثَّانِي أَنَّهُ الْيَمِينُ فَقَطْ، وَلَكِنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ.

فَصْلُ

يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ إِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَلَمْ يَكُنِ الْحِنْثُ مَعْصِيَةً، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّكْفِيرَ عَنِ الْحِنْثِ، لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَإِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحِنْثِ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَقَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ بِمَعْصِيَةٍ بِأَنْ حَلَفَ لَا يَزْنِي فَهَلْ يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ قَبْلَهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ نَعَمْ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِذَا حَنِثْتُ، عُتِقَ الْعَبْدُ عَنِ الْكَفَّارَةِ إِذَا حَنِثَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ إِذَا حَلَفْتُ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ التَّعْلِيقَ عَلَى الْيَمِينِ، وَفِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ قَدَّمَهُ عَلَى الْحِنْثِ فَقَطْ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا حَنِثْتُ فِي يَمِينِي غَدًا، فَهُوَ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِي، فَإِنْ حَنِثَ غَدًا، عَتَقَ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ، لِأَنَّ الْمُعَلِّقَ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُهُ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِنْ حَنِثْتُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ حَنِثَ، عَتَقَ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُهُ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِنْ حَلِفْتُ وَحَنِثْتُ، فَبَانَ حَالِفًا قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَلَّا يُجْزِئَهُ، لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي الْيَمِينِ، وَفِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ الشَّكُّ فِي الْحِنْثِ، وَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ جَائِزٌ، وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ قَالَ: هُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي إِنْ ظَاهَرْتُ، فَبَانَ أَنَّهُ ظَاهَرَ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ.

فَرْعٌ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْعَبْدُ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحِنْثِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَتَغَيَّرِ الْحَالُ فِي التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ كَهُوَ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ إِذَا ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ، كَمَا لَوْ مَاتَتِ الشَّاةُ الْمُعَجَّلَةُ قَبْلَ الْحَوْلِ.
فَرْعٌ يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ عَلَى الزَّهُوقِ بَعْدَ حُصُولِ الْجُرْحِ، وَتَقْدِيمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى الزَّهُوقِ بَعْدَ جُرْحِ الصَّيْدِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: فِيهِمَا الْخِلَافُ، فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ الْمُحَرَّمِ، لِأَنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ الْإِمَامُ: وَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُ زَيْدًا فَجَرَحَهُ وَكَفَّرَ عَنِ الْيَمِينِ قَبْلَ حُصُولِ الزَّهُوقِ، فَفِي الْإِجْزَاءِ الْوَجْهَانِ.
قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، ثُمَّ هَذَا فِي التَّكْفِيرِ بِالْإِعْتَاقِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِالْإِعْتَاقِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ عَلَى الْجُرْحِ بِحَالٍ لَا فِي الْآدَمِيِّ وَلَا فِي الصَّيْدِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِابْنِ سَلَمَةَ، تَنْزِيلًا لِلْعِصْمَةِ مَنْزِلَةَ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ عَلَى جُرْحِ الصَّيْدِ، وَوَجْهًا إِنَّهُ إِنْ كَانَ يَقْتُلُهُ مُخْتَارًا بِلَا ضَرُورَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ اضْطَرَّ الصَّيْدُ إِلَيْهِ جَازَ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ التَّكْفِيرُ عَنِ الظِّهَارِ بِالْمَالِ بَعْدَ الظِّهَارِ وَقَبْلَ الْعَوْدِ جَائِزٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْحِنْثِ الْمُحَرَّمِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْعَوْدَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَيُتَصَوَّرُ التَّكْفِيرُ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ، فِيمَا إِذَا ظَاهَرَ مِنْ رَجْعِيَّةٍ، ثُمَّ كَفَّرَ،

ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَفِيمَا إِذَا ظَاهَرَ ثُمَّ طَلَّقَ رَجْعِيًّا، ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ رَاجَعَ أَوْ طَلَّقَ بَائِنًا وَكَفَّرَ ثُمَّ نَكَحَهَا، وَقُلْنَا: يَعُودُ الْحِنْثُ فِيمَا إِذَا ظَاهَرَ مُؤَقَّتًا وَصَحَّحْنَا، وَكَفَّرَ وَصَارَ عَائِدًا بِالْوَطْءِ، وَفِيمَا إِذَا ظَاهَرَ وَارْتَدَّتِ الزَّوْجَةُ عَقِبَهُ، فَهَذَا لَيْسَ بِتَكْفِيرٍ قَبْلَ الْعَوْدِ، بَلْ هُوَ تَكْفِيرٌ مَعَ الْعَوْدِ، لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْإِعْتَاقِ عَوْدٌ وَالْحُكْمُ الْإِجْزَاءُ أَيْضًا.
فَرْعٌ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَا تُنْسَبُ إِلَى الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ بَلْ إِلَى الْجِمَاعِ، وَتِلْكَ تُنْسَبُ إِلَى الْيَمِينِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ فِدْيَةِ الْحَلْقِ وَالتَّطَيُّبِ وَاللَّبْسِ عَلَيْهَا، فَإِنْ وُجِدَ سَبَبٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا، بِأَنِ احْتَاجَ إِلَى الْحَلْقِ أَوِ التَّطَيُّبِ لِمَرَضٍ أَوِ اللَّبْسِ لِبَرْدٍ جَازَ التَّقْدِيمُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ يَجُوزُ تَعْجِيلُ الْمَنْذُورِ إِذَا كَانَ مَالِيًّا، بِأَنْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ رَدَّ غَائِبِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ أَوْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْإِعْتَاقِ وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الشِّفَاءِ وَرُجُوعِ الْغَائِبِ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ مَا يُنَازِعُ فِيهِ.
فَرْعٌ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا شَرَعَتَا فِي الصَّوْمِ ثُمَّ أَرَادَتَا الْإِفْطَارَ، فَأَخْرَجَتَا الْفِدْيَةَ قَبْلَ الْإِفْطَارِ جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى هَذَا فَفِي جَوَازِ تَعْجِيلِ الْفِدْيَةِ لِسَائِرِ الْأَيَّامِ وَجْهَانِ: كَتَعْجِيلِ زَكَاةِ عَامَيْنِ.

فَصْلٌ

تُكْرَهُ الْيَمِينُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي طَاعَةٍ كَالْبَيْعَةِ عَلَى الْجِهَادِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا الْأَيْمَانُ الْوَاقِعَةُ فِي الدَّعَاوَى، إِذَا كَانَتْ صَادِقَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تُكْرَهُ.
قُلْتُ: وَكَذَا لَا يُكْرَهُ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ كَتَوْكِيدِ كَلَامٍ أَوْ تَعْظِيمِ أَمْرِهِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، «وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» وَأَشْبَاهُهُ فِي الصَّحِيحِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. ثُمَّ إِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ وَاجِبٍ، أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ، فَيَمِينُهُ طَاعَةٌ، وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ، وَالْحِنْثُ مَعْصِيَةٌ، وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ، فَيَمِينُهُ مَعْصِيَةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْنَثَ وَيُكَفِّرَ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْلٍ كَصَلَاةِ تَطَوُّعٍ، وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ، فَالْإِقَامَةُ عَلَى ذَلِكَ طَاعَةٌ، وَالْمُخَالَفَةُ مَكْرُوهَةٌ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ نَفْلٍ، فَالْيَمِينُ مَكْرُوهَةٌ وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْنَثَ، وَعَدَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، مَا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَيِّبًا، وَلَا يَلْبَسُ نَاعِمًا، وَقَالُوا: الْيَمِينُ عَلَيْهِ مَكْرُوهَةٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهَا يَمِينُ طَاعَةٍ، لِمَا عُرِفَ مِنِ اخْتِيَارِ السَّلَفِ خُشُونَةَ الْعَيْشِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَقُصُودِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ لِلْعِبَادَةِ، وَإِشْغَالِهِمْ بِالضِّيقِ وَالسِّعَةِ، وَهَذَا أَصْوَبُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُبَاحٍ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْغَرَضِ، كَدُخُولِ دَارٍ، وَأَكْلِ طَعَامٍ، وَلُبْسِ ثَوْبٍ، وَتَرَكَهَا، فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْيَمِينِ، وَلَهُ أَنْ يَحْنَثَ، وَهَلِ الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ بِالْيَمِينِ؟ أَمِ الْحِنْثُ؟ أَمْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَلَا تَرْجِيحَ كَمَا كَانَ

قَبْلَ الْيَمِينِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَاخْتَارَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ حَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُغَيِّرُ حَالَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَمَّا كَانَ، وُجُوبًا وَتَحْرِيمًا وَنَدْبًا وَكَرَاهَةً وَإِبَاحَةً.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَخْيِيرٍ فِي الِابْتِدَاءِ، وَتَرْتِيبٍ فِي الِانْتِهَاءِ فَيَتَخَيَّرُ الْحَالِفُ بَيْنَ أَنْ يُطْعِمَ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ، أَوْ يَكْسُوهُمْ، أَوْ يَعْتِقَ رَقَبَةً، فَإِنْ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ، أَطْعَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مُدًّا، وَالْقَوْلُ فِي جِنْسِ الطَّعَامِ، وَكَيْفِيَّةِ إِخْرَاجِهِ، وَمَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ، وَامْتِنَاعِ إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَصَرْفِ الْأَمْدَادِ الْعَشْرَةِ إِلَى بَعْضٍ، وَسَائِرِ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْكُسْوَةَ، كَسَاهُمْ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ اخْتَارَ الْإِعْتَاقَ، فَلْتَكُنِ الرَّقَبَةُ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ.
وَلَوْ أَطْعَمَ بَعْضَ الْعَشْرَةِ، وَكَسَا بَعْضَهُمْ، لَمْ يُجْزِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ، أَوْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، أَوْ كَسَاهُمْ عَنْ ثَلَاثِ كَفَّارَاتٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ، أَجْزَأَهُ عَنْهُنَّ، فَإِنْ عَجَزَ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالْقَوْلُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْعَجْزُ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَمَنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ سَهْمَ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ مِنَ الزَّكَوَاتِ، أَوِ الْكَفَّارَاتِ، لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ، لِأَنَّهُ فَقِيرٌ فِي الْأَخْذِ، فَكَذَا فِي الْإِعْطَاءِ، وَقَدْ يَمْلِكُ نِصَابًا، وَلَا يَفِي دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ، فَيَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ وَلَهُ أَخْذُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّا لَوْ أَسْقَطْنَا الزَّكَاةَ خَلَا النِّصَابُ عَنْهَا بِلَا بَدَلٍ، وَلِلتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ بَدَلٌ، وَهُوَ الصَّوْمُ.
وَهَلْ يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ الْجَدِيدُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَالْفِطْرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ عَلَى الْخِلَافِ فِي

كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْحَيْضُ هُنَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِخِلَافِ الشَّهْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يَقْطَعُهُ كَالشَّهْرَيْنِ، وَقِيلَ قَوْلَانِ: كَالْمَرَضِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ قَطُّ، فَشَرَعَتْ فِي الصَّوْمِ، فَابْتَدَأَهَا الْحَيْضُ، فَهُوَ كَالْمَرَضِ.
فَرْعٌ يَجِبُ فِي الْكُسْوَةِ التَّمْلِيكُ، وَالْوَاجِبُ ثَوْبٌ، قَمِيصٌ، أَوْ سَرَاوِيلُ، أَوْ عِمَامَةٌ، أَوْ جُبَّةٌ، أَوْ قَبَاءُ، أَوْ مُقَنَّعَةٌ، أَوْ إِزَارٌ، أَوْ رِدَاءٌ، أَوْ طَيْلَسَانُ، لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ هَذَا، وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ سَاتِرُ الْعَوْرَةِ، بِحَيْثُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، فَتَخْتَلِفُ الْحَالُ بِذُكُورَةِ الْآخِذِ وَأُنُوثَتِهِ، فَيُجْزِئُ الْإِزَارُ إِنْ أَعْطَاهُ لِرَجُلٍ، وَلَا يُجْزِئُ إِنْ أَعْطَاهُ لِامْرَأَةٍ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
قُلْتُ: وَيُجْزِئُ الْمِنْدِيلُ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا، وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْيَدِ، وَقَدْ صَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمِنْدِيلِ وَالْعِمَامَةِ يُجْزِئُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَمَّا الثَّوْبُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَكْفِي لِرَضِيعٍ وَصَغِيرٍ دُونَ كَبِيرٍ، فَإِنْ أَخَذَهُ الْوَلِيُّ لِصَغِيرٍ، جَازَ، لِأَنَّ صَرْفَ طَعَامِ الْكَفَّارَةِ وَكُسْوَتِهَا لِلصِّغَارِ جَائِزٌ كَمَا فِي الزَّكَاةِ، وَيَتَوَلَّى الْوَلِيُّ الْأَخْذَ، وَإِنْ أَخَذَهُ كَبِيرٌ لِنَفْسِهِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَلْبَسَ الْآخِذُ مَا يَأْخُذُهُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ كُسْوَةَ الْمَرْأَةِ، وَعَكْسُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْمَخِيطُ، بَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الْكِرْبَاسِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ جَدِيدًا، خَامًا كَانَ أَوْ مَقْصُورًا، فَإِنْ كَانَ مَلْبُوسًا، نُظِرَ: إِنْ تَخَرَّقَ أَوْ ذَهَبَتْ قُوَّتُهُ لِمُقَارَبَةِ الِانْمِحَاقِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، كَالطَّعَامِ الْمَعِيبِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى ذَلِكَ الْحَدِّ أَجْزَأَهُ، كَالطَّعَامِ الْعَتِيقِ، لَا يُجْزِئُ الْمُرَقَّعُ إِنْ رُقِّعَ لِلتَّخَرُّقِ

وَالْبِلَى، إِنْ خِيطَ فِي الِابْتِدَاءِ مُرَقَّعًا لِزِينَةٍ وَغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ، وَلَوْ كَسَاهُ ثَوْبًا لَطِيفًا، مُهَلْهَلَ النَّسْجِ غَيْرَ بَالٍ فِي جِنْسِهِ، لَكِنَّ مِثْلَهُ إِذَا لُبِسَ لَا يَدُومُ، إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَدُومُ الثَّوْبُ الْبَالِي، قَالَ الْإِمَامُ: يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ لِضَعْفِ النَّفْعِ فِيهِ، وَأَمَّا الْجِنْسُ فَيُجْزِئُ الْمُتَّخِذُ مِنْ صُوفٍ وَشَعْرٍ وَقُطْنٍ وَكِتَّانٍ وَقَزٍّ وَإِبْرَيْسِمٍ، سَوَاءً كَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ رَجُلًا لَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ، أَوِ امْرَأَةً، وَفِي الرَّجُلِ وَجْهُ تَضْعِيفٍ، وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ جِنْسٍ، الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ وَالْمُتَوَسِّطُ، وَلِلْقَاضِي حُسَيْنٍ احْتِمَالٌ فِي اشْتِرَاطِ الْكُسْوَةِ الْغَالِبَةِ فِي الْبَلَدِ، كَالطَّعَامِ، وَفِي الدِّرْعِ وَالْمِكْعَبِ وَهُوَ الْمَدَاسُ وَالنَّعْلُ وَالْجَوَارِبُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالتِّبَّانُ وَهُوَ سَرَاوِيلُ قَصِيرَةٌ لَا تَبْلُغُ الرُّكْبَةَ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ لِعَدَمِ اسْمِ الْكُسْوَةِ، وَالثَّانِي: الْإِجْزَاءُ، لِإِطْلَاقِ اسْمِ اللُّبْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْمَنْعِ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالْجَوَارِبِ، وَلَا تُجْزِئُ الْمِنْطَقَةُ وَالْخَاتَمُ قَطْعًا، وَكَذَا التِّكَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» لِلرُّويَانِيِّ: طَرْدُ الْخِلَافِ فِيهَا، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: وَيُجْزِئُ قَمِيصُ اللُّبْدِ فِي بَلَدٍ جَرَتْ عَادَةُ غَالِبِ النَّاسِ أَوْ نَادِرِهِمْ بِلُبْسِهِ.
قُلْتُ: قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَإِنْ دَفَعَ مَا لَا يَعْتَادُ لُبْسَهُ كَجُلُودٍ وَنَحْوِهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا، أُخْرِجَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ.

فَصْلٌ

الْعَبْدُ يُكَفِّرُ عَنِ الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا بِالصَّوْمِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ أَطْلَقَ التَّمْلِيكَ، لَمْ يَمْلِكْ إِخْرَاجَ الْكَفَّارَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ مَلَّكَهُ الطَّعَامَ أَوِ الْكُسْوَةَ لِيُخْرِجَهُ فِي

الْكَفَّارَةِ، أَوْ مَلَّكَهُ مُطْلَقًا ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ أَوِ الْكُسْوَةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهُ عَبْدًا لِيُعْتِقَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ لَمْ يَقَعْ عَنِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبَنَاهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهُ عَبْدًا، وَأَذِنَ فِي إِعْتَاقِهِ مُتَبَرِّعًا، فَلِمَنِ الْوَلَاءُ فِيهِ؟ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا: لِلسَّيِّدِ، لِقُصُورِ الْعَبْدِ عَنِ اسْتِحْقَاقِ حُقُوقِ الْوَلَاءِ مِنَ الْإِرْثِ وَالْوِلَايَةِ.
وَالثَّانِي، يُوقَفُ.
فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ، بَانَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ رَقِيقًا، فَلِسَيِّدِهِ.
وَالثَّالِثُ: لِلْعَبْدِ، فَعَلَى هَذَا، إِنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْإِعْتَاقِ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَقَعَ عَنْهَا، وَثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ، وَإِنْ قُلْنَا: الْوَلَاءَ لِلسَّيِّدِ، وَقَعَ الْعِتْقُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَأَنَّ الْمَلِكَ انْقَلَبَ إِلَيْهِ، وَفِي وَجْهٍ وَقَوْلٍ: يَقَعُ عَنِ الْعَبْدِ، وَيُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَيَخْتَصُّ التَّعَذُّرُ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ فِي الْوَلَاءِ، فَوَجْهَانِ: قَالَ الْقَفَّالُ: تُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ: يُتَوَقَّفُ فِي الْوُقُوعِ عَنِ الْكَفَّارَةِ، تَبَعًا لِلْوَلَاءِ، فَإِذَا قُلْنَا فِي هَذِهِ التَّفَارِيعِ، يَقَعُ الْعِتْقُ عَنِ الْكَفَّارَةِ فَأَذِنَ السَّيِّدُ فِي الْإِعْتَاقِ فِي كَفَّارَةٍ مُرَتَّبَةٍ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُوسِرًا، وَلِهَذَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ، وَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ أَمْوَالًا عَظِيمَةً.
وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبُ عَنْ كَفَّارَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَصَحَّحْنَا تَبَرُّعَاتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ، فَقَدْ يَعْجِزُ، فَيَرِقُّ، فَيَكُونُ الْوَلَاءُ مَوْقُوفًا، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ كَفَّرَ السَّيِّدُ عَنِ الْعَبْدِ بِإِطْعَامٍ، أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ بِإِذْنِهِ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ بِتَفْرِيعِهِ، وَإِذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، فَهَلْ يُسْتَقْبَلُ بِهِ؟ أَمْ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ؟ فِيهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ، سَبَقَ فِي الْكَفَّارَاتِ.
وَحَيْثُ يَحْتَاجُ، فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُ الْأَمَةِ مِنَ الصَّوْمِ، لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَهُ مَنْعُ الْعَبْدِ عَنِ الصَّوْمِ إِنْ كَانَ

يَضْعُفُ بِهِ عَنِ الْخِدْمَةِ، أَوْ يَنَالُهُ ضَرَرٌ، وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى هَذَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي غَيْرِ زَمَانِ الْخِدْمَةِ، كَمَا لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الذِّكْرِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فِي تَرَدُّدَاتِهِ، وَحَيْثُ احْتَاجَ إِلَى الْإِذْنِ، فَصَامَ بِلَا إِذْنٍ، أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْجُمْعَةَ بِلَا إِذْنٍ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ بِالْإِطْعَامِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، لِأَنَّ التَّكْفِيرَ عَنْهُ فِي الْحَيَاةِ يَتَضَمَّنُ دُخُولَهُ فِي مِلْكِهِ، وَالتَّكْفِيرَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَيِّتِ مَلِكٌ مُحَقَّقٌ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ وَالْحُرُّ سَوَاءٌ، هَذَا مَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَشْكَالِ الْوَلَاءِ.

فَصْلٌ

فِي الْحُرِّ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَتَخْرُجُ مِنْ تَرِكَتِهِ، سَوَاءً أَوْصَى بِهَا أَمْ لَا، وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ الدُّيُونِ، وَذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ وَجْهًا: أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى بِهَا، حُسِبَتْ مِنَ الثُّلُثِ، وَوَجْهًا: أَنَّهَا مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِذَا وَفَتِ التَّرِكَةُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّ، قُضِيَتْ جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ تَفِ، وَتَعَلَّقَ بَعْضُهَا بِالْعَيْنِ، وَبَعْضُهَا بِالذِّمَّةِ، قَدَّمَ التَّعَلُّقَ بِالْعَيْنِ، سَوَاءً اجْتَمَعَ النَّوْعَانِ، أَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ اجْتَمَعَا، وَتَعَلَّقَ الْجَمِيعُ بِالْعَيْنِ أَوِ الذِّمَّةِ، فَهَلْ يُقَدَّمُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى؟ أَمِ الْآدَمِيِّ؟ أَمْ يَسْتَوِيَانِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، سَبَقَتْ فِي مَوَاضِعَ، أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ، وَلَا تَجْرِي هَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِفَلْسٍ، إِذَا اجْتَمَعَ النَّوْعَانِ، بَلْ تُقَدَّمُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّ، وَتُؤَخَّرُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، مَا دَامَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةً أَعْتَقَ عَنْهُ الْوَارِثُ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى

الْوَصِيُّ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمَيِّتِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِعْتَاقُ، أَطْعَمَ مِنَ التَّرِكَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ تَنْجِيزٍ، جَازَ الْإِطْعَامُ وَالْكُسْوَةُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَكَذَا الْإِعْتَاقُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْوَاجِبُ مِنَ الْخِصَالِ أَقَلُّهَا قِيمَةً، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ فَتَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِالْإِطْعَامِ أَوِ الْكُسْوَةِ عَنْهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِمَا الْوَارِثُ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لَا، لِبُعْدِ الْعِبَادَاتِ عَنِ النِّيَابَةِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ الْأَجْنَبِيُّ بِالْإِعْتَاقِ فِي كَفَّارَةِ التَّنْجِيزِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِعِلَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: سُهُولَةُ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ إِعْتَاقٍ، وَلَا يَعْتِقُ لِمَا فِيهِ مِنْ عُسْرِ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ، وَالثَّانِيَةُ: فِيهِ إِضْرَارٌ بِأَقَارِبِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِجِنَايَةِ عَتِيقِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ وَارِثًا، جَازَ عَلَى الْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى، وَفِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ، لِلْوَارِثِ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالْإِعْتَاقِ، وَكَذَا لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى، وَفِي صَوْمِ الْوَلِيِّ وَالْأَجْنَبِيِّ خِلَافٌ، سَبَقَ فِي الصِّيَامِ، وَإِذَا أَوْصَى بِأَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةِ التَّنْجِيزِ وَزَادَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى قِيمَةِ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَضْعَفُهَا: يَتَعَيَّنُ الْإِعْتَاقُ، وَتُحْسَبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالثَّانِي: تُحْسَبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِنَ الثُّلُثِ، لِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ تَحْصُلُ بِلُزُومِهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ وَفَّى الثُّلُثُ بِقِيمَةِ عَبْدٍ مُجْزِئٍ، أَعْتَقَ عَنْهُ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَعَدَلَ إِلَى الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ.
وَالثَّالِثُ: تُحْسَبُ قِيمَةُ أَقَلِّهَا قِيمَةً مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالزِّيَادَةُ إِلَى تَمَامِ قِيمَةِ الْعَبْدِ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ وَفَّى ثُلُثُ الْبَاقِي مَضْمُومًا إِلَى الْأَقَلِّ الْمَحْسُوبِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِقِيمَةِ عَبْدٍ، أَعْتَقَ عَنْهُ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَعَدَلَ إِلَى الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ.
فَرْعٌ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَوَجْهَانِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: قَوْلَانِ، مَنْصُوصٌ وَمُخَرَّجٌ.

الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ لَا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ، بَلْ يُطْعِمُ وَيَكْسُو، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ بِالْإِعْتَاقِ لِتَضَمُّنِهِ الْوِلَايَةَ وَالْإِرْثَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَقِيلَ: فِي تَكْفِيرِهِ بِالْعِتْقِ قَوْلَانِ، كَإِعْتَاقِ الْمُكَاتَبِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَخَرَّجَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ يُكَفَّرُ بِالصَّوْمِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ الْأَصْلُ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِي الْبَرِّ وَالْحِنْثِ، اتِّبَاعُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْيَمِينُ، وَقَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّقْيِيدُ وَالتَّخْصِيصُ، بِنِيَّةٍ تَقْتَرِنُ بِهِ، أَوْ بِاصْطِلَاحٍ خَاصٍّ، أَوْ قَرِينَةٍ، وَالصُّوَرُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْبَابِ لَا تَتَنَاهَى، لَكِنْ تَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي أَنْوَاعٍ تَغْلِبُ وَيَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، وَفِيهِ أَنْوَاعٌ:

الْأَوَّلُ: الدُّخُولُ وَالْمُسَاكَنَةُ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، حَنِثَ بِالْحُصُولِ فِي عَرْصَةِ الدَّارِ، وَأَبْنِيَتِهَا مِنَ الْبُيُوتِ وَالْغُرَفِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ صَعِدَ سَطْحَهَا، بِأَنْ تَسَوَّرَ جِدَارَهَا، أَوْ جَاءَ مِنْ دَارِ الْجَارِ لَمْ يَحْنَثْ، إِنْ كَانَ السَّطْحُ غَيْرَ مُحَوَّطٍ، وَلَا عَلَيْهِ سُتْرَةٌ، فَإِنْ كَانَ فَوَجْهَانِ، الْأَصَحُّ وَظَاهِرُ النَّصِّ: لَا يَحْنَثُ أَيْضًا، كَمَا لَوْ حَصَلَ عَلَى الْجِدَارِ، وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ التَّحْوِيطُ مِنَ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ، حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبٍ، فَلَا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ السَّطْحُ مُسَقَّفًا، فَإِنْ كَانَ مُسَقَّفًا كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ حَنِثَ قَطْعًا إِذَا كَانَ يَصْعَدُ إِلَيْهِ مِنَ الدَّارِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَبْنِيَةِ الدَّارِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَهَلْ يَبِرُّ بِصُعُودِ السَّطْحِ، وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ خَارِجًا حَتَّى يُفَارِقَ السَّطْحَ، وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ هُوَ

فِي الدَّارِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كَانَ خَارِجًا وَيُؤَيِّدُهُ: أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ حَكَى عَنِ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الدَّارِ، فَصَعِدَ سَطْحَهَا، حَنِثَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الْخُرُوجِ أَيْضًا إِلَى كَوْنِ السَّطْحِ مُحَوَّطًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ، فَدَخَلَ الطَّاقَ الْمَضْرُوبَ خَارِجَ الْبَابِ لَمْ يَحْنَثْ، عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: دَخَلَ الدَّارَ، وَالثَّانِي: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ مِنَ الدَّارِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا، فَلَوْ دَخَلَ الدِّهْلِيزَ خَلْفَ الْبَابِ، أَوْ بَيْنَ الْبَابَيْنِ حَنِثَ، لِأَنَّهُ مِنَ الدَّارِ، وَحَكَى الْفُورَانِيُّ نَصًّا أَنَّ دَاخِلَ الدِّهْلِيزِ لَا يَحْنَثُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الطَّاقِ خَارِجَ الْبَابِ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى إِثْبَاتِهِ قَوْلًا فِي الدِّهْلِيزِ، وَقَالَ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: دَخَلَ الدِّهْلِيزَ وَلَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَجَعَلَ الْمُتَوَلِّي الدَّرْبَ الْمُخْتَصَّ بِالدَّارِ أَمَامَ الْبَيْتِ، إِذَا كَانَ دَاخِلًا فِي حَدِّ الدَّارِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِهَا بَابٌ كَالطَّاقِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَابٌ، فَهُوَ مِنَ الدَّارِ مُسَقَّفًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
فَرْعٌ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، وَهُوَ فِيهَا، لَا يَحْنَثُ بِالْمُكْثِ، وَحُكِيَ قَوْلٌ، وَوَجْهٌ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ نُصَّ فِي حَرْمَلَةَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ خَارِجٌ، لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ الدُّخُولِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ، أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، أَوْ لَا يَتَوَضَّأُ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ، فَاسْتَدَامَ النِّكَاحُ وَالطَّهَارَةُ وَالْوُضُوءُ لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ وَهُوَ لَابِسٌ، فَلَمْ يَنْزِعْ، أَوْ لَا يَرْكَبْ وَهُوَ رَاكِبٌ فَلَمْ يَنْزِلْ، حَنِثَ بِالِاسْتِدَامَةِ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى لُبْسًا وَرُكُوبًا، وَلِهَذَا يَصْلُحُ أَنْ

يُقَالَ: لَبِسْتُ شَهْرًا وَرَكِبْتُ لَيْلَةً، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: دَخَلْتُ شَهْرًا أَوْ تَزَوَّجْتُ شَهْرًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: سَكَنْتُ أَوْ أَقَمْتُ شَهْرًا وَلَوْ حَنِثَ بِاسْتِدَامَةِ اللُّبْسِ ثُمَّ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ، فَاسْتَدَامَ، لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، لِأَنَّ الْيَمِينَ الْأُولَى انْحَلَّتْ بِالِاسْتِدَامَةِ الْأُولَى، وَهَذِهِ يَمِينٌ أُخْرَى، وَقَدْ حَنِثَ فِيهَا، وَاسْتِدَامَةُ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ قِيَامٌ وَقُعُودٌ وَاسْتِقْبَالٌ، وَهَلِ اسْتِدَامَةُ التَّطَيُّبِ بِطِيبٍ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا.
وَلِهَذَا لَوْ تَطَيَّبَ، ثُمَّ أَحْرَمَ، وَاسْتَدَامَ، لَا يَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَذُكِرَ الْوَجْهَانِ: فِيمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ، وَهُوَ فِي خِلَالِ الْوَطْءِ، فَلَمْ يَنْزِعْ، أَوْ أَنْ لَا يَصُومَ أَوْ لَا يُصَلِّي وَهُوَ شَارِعٌ فِيهِمَا، فَلَمْ يَتْرُكْ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ إِذَا حَلَفَ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَغْصِبُ، لَمْ يَحْنَثْ بِاسْتِدَامَةِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ وَهُوَ فِي السَّفَرِ، فَوَقَفَ، أَوْ أَخَذَ فِي الْعَوْدِ فِي الْحَالِ، لَمْ يَحْنَثْ فِي الْعَوْدِ، وَكَأَنَّ الصُّورَةَ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ ذَلِكَ السَّفَرِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسَافِرٌ أَيْضًا.
فَرْعٌ إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، حَنِثَ بِالْحُصُولِ فِيهَا، سَوَاءً دَخَلَهَا مِنَ الْبَابِ أَوْ مِنْ ثُقْبٍ فِي الْجِدَارِ، أَوْ كَانَ فِي الدَّارِ نَهْرٌ خَارِجٌ فَطَرَحَ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَحَمَلَهُ، أَوْ سَبَحَ، أَوْ رَكِبَ سَفِينَةً فَدَخَلَتِ السَّفِينَةُ الدَّارَ وَنَزَلَ مِنَ السَّطْحِ.
وَفِي صُورَةِ السَّطْحِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَسَوَاءً دَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا.
وَلَوْ أَدْخَلَ فِي الدَّارِ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ مَدَّ رِجْلَيْهِ فَأَدْخَلَهُمَا الدَّارَ وَهُوَ قَاعِدٌ خَارِجَهَا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إِذَا وَضَعَهُمَا فِي الدَّارِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا، أَوْ حَصَلَ فِي الدَّارِ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَخْرُجُ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ، أَوْ رِجْلَيْهِ وَهُوَ قَاعِدٌ فِيهَا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ شَجَرَةٌ مُنَشَّرَةُ الْأَغْصَانِ، فَتَعَلَّقَ بِبَعْضِهَا، فَإِنْ حَصَلَ فِي مُحَاذَاةِ الْبُنْيَانِ بِحَيْثُ صَارَتْ مُحِيطَةً بِهِ عَالِيَةً

عَلَيْهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَصَلَ فِي مُحَاذَاةِ سُتْرَةِ السَّطْحِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ لَا يَدْخُلُ أَوْ لَا يَسْكُنُ بَيْتًا، فَاسْمُ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَى الْمَبْنِيِّ مِنْ طِينٍ أَوْ آجُرٍّ وَمَدَرٍ وَحَجَرٍ، وَعَلَى الْمُتَّخَذِ مِنْ خَشَبٍ وَصُوفٍ وَوَبَرٍ وَشَعَرٍ وَجِلْدٍ وَأَنْوَاعِ الْخِيَامِ، فَإِنْ نَوَى نَوْعًا مِنْهَا، حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ، حُمِلَ عَلَى أَيِّ بَيْتٍ كَانَ مِنْهَا، إِنْ كَانَ الْحَالِفُ بَدَوِيًّا، وَإِنْ كَانَ قَرَوِيًّا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الْأَصَحُّ وَظَاهِرُ النَّصِّ: يَحْنَثُ أَيْضًا.
وَالثَّانِي: لَا.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَتْ قَرْيَتُهُ قَرِيبَةً مِنَ الْبَادِيَةِ، حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ الْبِيَعِ، وَالْكَنَائِسِ، وَبُيُوتِ الْحَمَّامِ، وَالْغَارِ فِي الْجَبَلِ، وَالْكَعْبَةِ، وَالْمَسَاجِدِ، عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْإِيوَاءِ وَالسَّكَنِ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْبَيْتِ إِلَّا بِتَقْيِيدٍ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ الْجَمِيعَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِي الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَجْهًا.
وَلَوْ دَخَلَ دِهْلِيزَ دَارٍ، أَوْ صَحْنَهَا، أَوْ صِفَتَهَا، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الْمَيْلُ إِلَى الْحِنْثِ، لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ بَيْتٌ بِمَعْنَى الْإِيوَاءِ.
قُلْتُ: وَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ بَيْتِ الرَّحَى عَلَى الصَّحِيحِ، ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الثَّالِثَةُ: حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ، وَلَا يُقِيمُ فِيهَا، وَهُوَ عِنْدَ الْحَلِفِ فِيهَا، فَمَكَثَ سَاعَةً بِلَا عُذْرٍ، حَنِثَ، وَإِذَا مَكَثَ، فَسَوَاءٌ أَخَرَجَ أَهْلَهُ وَمَتَاعَهُ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى سُكْنَى نَفْسِهِ، لَا أَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ.
فَلَوْ خَرَجَ وَتَرَكَ فِيهَا أَهْلَهُ وَمَتَاعَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَسْكُنُ دَارًا، فَانْتَقَلَ إِلَيْهَا بِنَفْسِهِ، دُونَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، حَنِثَ.
وَلَوْ مَكَثَ لِعُذْرٍ، بِأَنْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ، أَوْ مُنِعَ مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَوْ خَرَجَ، أَوْ كَانَ مَرِيضًا، أَوْ زَمِنًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ

يُخْرِجُهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ مَرِضَ، وَعَجَزَ بَعْدَ الْحَلِفَ، فَفِي الْحِنْثِ الْخِلَافُ فِي حِنْثِ الْمُكْرَهِ.
وَقَدْ تَخْرُجُ سَائِرُ الصُّوَرِ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ.
فَإِنْ وَجَدَ الْمَرِيضُ مَنْ يُخْرِجُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِإِخْرَاجِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ.
وَإِنْ مَكَثَ الْحَالِفُ مُشْتَغِلًا بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ، بِأَنِ انْتَهَضَ لِجَمْعِ الْمَتَاعِ، وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالْخُرُوجِ، وَيَلْبَسُ ثَوْبَ الْخُرُوجِ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاكِنًا، كَمَا لَوْ خَرَجَ فِي الْحَالِ ثُمَّ عَادَ لِنَقْلِ مَتَاعٍ، أَوْ زِيَارَةٍ أَوْ عِيَادَةٍ أَوْ عِمَارَةٍ، فَإِنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا: لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ فَارَقَهَا، وَبِمُجَرَّدِ الْعُودِ لَا يَصِيرُ سَاكِنًا.
وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَبِيتَ فِيهَا لَيْلَةً لِحِفْظِ مَتَاعٍ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِابْنِ كَجٍّ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ خَرَجَ فِي الْحَالِ ثُمَّ اجْتَازَ بِهَا، بِأَنْ دَخَلَ مِنْ بَابٍ، وَخَرَجَ مِنْ آخَرَ، فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهَا سَاعَةً بِلَا غَرَضٍ، حَنِثَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالتَّرَدُّدِ، لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ مَسْكَنًا قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا مَارًّا فِي خُرُوجِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَعَدَ عِنْدَهُ حَنِثَ، وَلَوْ خَرَجَ فِي الْحَالِ ثُمَّ دَخَلَ، أَوْ كَانَ خَارِجًا حِينَ حَلَفَ، ثُمَّ دَخَلَ لَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ مَا لَمْ يَمْكُثْ، فَإِنْ مَكَثَ حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَشْتَغِلَ بِحَمْلِ مَتَاعٍ كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ.

الرَّابِعَةُ: فِي الْحَلِفَ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْمُسَاكَنَةُ: أَنْ يَكُونَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَيْتَيْنِ حُجْرَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَمَدْخَلُهُمَا وَاحِدٌ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَرَادَ بِالْحُجْرَةِ: الصَّحْنُ، فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي دَارٍ، فَلَا مُسَاكَنَةَ، سَوَاءً كَانَتِ الدَّارَانِ كَبِيرَتَيْنِ، أَوْ صَغِيرَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا كَبِيرَةٌ وَالْأُخْرَى صَغِيرَةٌ، كَحُجْرَةٍ لَطِيفَةٍ بِجَنْبِ دَارٍ، وَسَوَاءً كَانَتَا فِي دَرْبٍ نَافِذٍ أَوْ غَيْرِ نَافِذٍ.
فَإِنْ سَكَنَا فِي بَيْتَيْنِ مِنْ خَانٍ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، أَوْ مِنْ دَارٍ كَبِيرَةٍ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الْأَصَحُّ: لَا مُسَاكَنَةَ، سَوَاءً كَانَ الْبَيْتَانِ مُتَلَاصِقَيْنِ أَوْ مُتَفَرِّقَيْنِ، وَالثَّانِي: بَلَى.
وَالثَّالِثُ: تَثْبُتُ

الْمُسَاكَنَةُ فِي الدَّارِ دُونَ الْخَانِ، لِأَنَّهَا تُعَدُّ مَسْكَنًا لِوَاحِدٍ، وَالْخَانُ يُبْنَى لِسُكْنَى جَمَاعَةٍ، وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي الْخَانِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْبَيْتِ بَابٌ وَغُلِّقَ، كَالدُّورِ فِي الدَّرْبِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّارِ الْكَبِيرَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ بَيْتٍ مِنْهَا بَابٌ وَغُلِّقَ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا، أَوْ سَكَنَا فِي صِفَتَيْنِ مِنْهَا، أَوْ فِي بَيْتٍ وَصِفَةٍ، فَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ [فِي الْعَادَةِ.
وَلَوْ أَقَامَا فِي بَيْتَيْنِ مِنْ دَارٍ صَغِيرَةٍ، فَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ] وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَابٌ وَغُلِّقَ، لِمُقَارَبَتِهِمَا وَكَوْنِهِمَا فِي الْأَصْلِ مَسْكَنًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْخَانِ الصَّغِيرِ، وَهَكَذَا فَصَّلَ الْأَكْثَرُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ وَجْهَيْنِ فِي بَيْتَيِ الدَّارِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَرَأَى الْأَصَحَّ حُصُولَ الْمُسَاكَنَةِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الدَّارِ، وَالْآخَرُ فِي حُجْرَةٍ مُنْفَرِدَةِ الْمَرَافِقِ وَبَابُهَا فِي الدَّارِ، فَلَا مُسَاكَنَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ فِي حُجْرَتَيْنِ مُنْفَرِدَتَيِ الْمَرَافِقِ فِي دَارٍ.
وَالْمِرْفَقُ الْمُسْتَحَمُّ وَالْمَطْبَخُ، وَالْمَرْقَى وَغَيْرُهَا، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْحُجْرَةِ فِي الْخَانِ خِلَافًا وَإِنْ كَانَ الْمَرْقَى فِي الْخَانِ.
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُسَاكِنُ زَيْدًا، فَإِمَّا أَنْ يُقَيِّدَ الْمُسَاكَنَةَ بِبَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَفْظًا، بِأَنْ يَقُولَ: فِي هَذَا الْبَيْتِ، أَوْ هَذِهِ الدَّارِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُقَيِّدَ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يُقَيِّدَ، فَيَحْنَثُ بِتَسَاكُنِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ كَانَا فِيهِ عِنْدَ الْحَلِفَ، فَفَارَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ مَكَثَا فِيهِ بِلَا عُذْرٍ، حَنِثَ.
فَإِنْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ مِنْ طِينٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَدْخَلٌ، أَوْ أَحْدَثَا مَدْخَلًا، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ لِاشْتِغَالِهِ بِرَفْعِ الْمُسَاكَنَةِ، وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيُّ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يَحْنَثُ لِحُصُولِ الْمُسَاكَنَةِ إِلَى تَمَامِ الْبِنَاءِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.
فَإِنْ

خَرَجَ أَحَدُهُمَا فِي الْحَالِ فَبُنِيَ الْجِدَارُ، ثُمَّ عَادَ، لَمْ يَحْنَثِ الْحَالِفُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِالْمُسَاكَنَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُقَيِّدَهَا لَفْظًا، فَيَنْظُرُ، إِنْ نَوَى مَوْضِعًا مُعَيَّنًا مِنْ بَيْتٍ أَوْ دَارٍ أَوْ دَرْبٍ أَوْ مَحَلَّةٍ أَوْ بَلَدٍ، فَالْمَذْهَبُ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْيَمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا نَوَى.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَا يَسْكُنَانِ بَيْتًا مِنْ دَارٍ مُتَّحِدَةِ الْمَرَافِقِ، وَنَوَى أَنْ لَا يُسَاكِنَهُ، حُمِلَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلَا جَرَى ذِكْرُ تِلْكَ الْمُسَاكَنَةِ، كَقَوْلِ صَاحِبِهِ: سَاكِنِي فِي هَذَا الْبَيْتِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَتُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَى الدَّارِ وَفِي الْبَلَدِ وَجْهٌ أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُسَاكَنَةً.
وَقِيلَ: يَجِيءُ هَذَا الْوَجْهُ فِي الْمَحَلَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ مَوْضِعًا، وَأَطْلَقَ الْمُسَاكَنَةَ، حَيْثُ بِالْمُسَاكَنَةِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَحَكَى الْمُتَوَلِّي قَوْلًا أَنَّهُ إِذَا أَطْلَقَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي دَارٍ وَحُجْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، حُمِلَتِ الْيَمِينُ عَلَى الِاجْتِمَاعِ الْحَاصِلِ، فَإِنْ كَانَا فِي دَرْبٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الدَّرْبَ، وَإِنْ كَانَا فِي مَحَلَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْمَحَلَّةَ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَا عِنْدَ الْحَلِفَ فِي بَيْتَيْنِ مِنْ خَانٍ، فَلَا مُسَاكَنَةَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ يُشْتَرَطُ مُفَارَقَتُهُ.
وَإِنْ كَانَا فِي بَيْتٍ مِنَ الْخَانِ، فَهَلْ يَكْفِي مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا ذَلِكَ الْبَيْتَ، أَمْ يُشْتَرَطُ مُفَارَقَتُهُ الْخَانَ؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ.
ثُمَّ سَوَاءً نَوَى مَوْضِعًا مُعَيَّنًا أَوْ أَطْلَقَ، فَالْقَوْلُ فِي أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمُسَاكَنَةِ مُسَاكَنَةٌ، وَفِي الْحَائِلِ الْمَبْنِيِّ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى.
وَالِاعْتِبَارُ بِالِانْتِقَالِ بِالْبَدَنِ، دُونَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ كَمَا سَبَقَ.

النَّوْعُ الثَّانِي: أَلْفَاظُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: حَلَفَ، فَقَالَ: لَا أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ أَوِ الْجَرَّةِ، حَنِثَ بِمَا

شَرِبَ مِنْ مَائِهَا مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ مِنْ مَائِهَا، بَرَّ بِمَا شَرِبَ وَإِنْ قَلَّ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ هَذَا النَّهْرِ، أَوْ لَأَشْرَبَنَّ مِنْهُ، فَالْحُكْمُ كَالْإِدَاوَةِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ أَوِ الْحَبِّ أَوِ الْمَصْنَعِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُمْكِنُ شُرْبُ جَمِيعِهِ وَلَوْ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِشُرْبِ جَمِيعِهِ.
وَمَتَى بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
قَالَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ: سِوَى الْبَلَلِ الَّذِي يَبْقَى فِي الْعَادَةِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ أَوِ الْحُبِّ، لَمْ يَبِرَّ إِلَّا بِشُرْبِ الْجَمِيعِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَشْرَبُ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ أَوِ الْبَحْرِ أَوِ الْبِئْرِ الْعَظِيمَةِ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِشُرْبِ بَعْضِهِ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ كَمَسْأَلَةِ الْإِدَاوَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ، لِأَنَّ الْحِنْثَ فِيهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ أَوِ الْبَحْرِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَبِرُّ بِشُرْبِ بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَبِرُّ بِبَعْضِهِ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ أَمْ قُبَيْلَ الْمَوْتِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْعَجْزَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يُحْسَنُ الِانْتِظَارُ فِيمَا يُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ.
وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ أَصْلًا، لِأَنَّ الْبَرَّ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَلَوْ حَلَفَ: لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ، فَفِي انْعِقَادِ يَمِينِهِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: الِانْعِقَادُ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْكَمُ بِالْحِنْثِ فِي الْحَالِ، أَمْ قَبْلَ الْمَوْتِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ غَدًا، وَفَرَّعْنَا عَلَى انْعِقَادِ الْيَمِينِ، فَهَلْ يَحْنَثُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ، أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يُرَجِّحَ هُنَا الثَّانِي.
وَعَلَى هَذَا، فَهَلْ يَحْنَثُ قُبَيْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْغَدِ، أَمْ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي فِي نَظِيرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ، فَهَلْ يَنْعَقِدُ

يَمِينُهُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرِ الْحِنْثُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا أَمْسِ، وَهُوَ صَادِقٌ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، بِخِلَافِ صُورَةِ الِاسْتِشْهَادِ، لِأَنَّ الْحَلِفَ هُنَاكَ مُحْتَمَلُ الْكَذِبِ.
فَرْعٌ قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ، وَلَا مَاءَ فِيهَا، أَوْ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا وَهُوَ مَيِّتٌ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: أَنَّهُ يَحْنَثُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ، وَالثَّانِي: قُبَيْلَ الْمَوْتِ، وَالثَّالِثُ: لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ، وَالرَّابِعُ: يَحْنَثُ فِي الْقَتْلِ دُونَ الشُّرْبِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا وَهُوَ يَظُنُّهُ حَيًّا وَكَانَ مَيِّتًا، فَفِي الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى يَمِينِ النَّاسِي.
فَرْعٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا آكُلُ خُبْزَ الْكُوفَةِ، أَوْ خُبْزَ بَغْدَادَ، لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ بَعْضِهِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَرْعٌ قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ.
فَانْصَبَّ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ، أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ، حَنِثَ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَقَوْلَانِ كَالْمُكْرَهِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ مِنْهُ، فَصَبَّهُ فِي حَوْضٍ، ثُمَّ شَرِبَ مِنْهُ مِنْ مَوْضِعٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ، بَرَّ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ مِنْهُ، فَصَبَّهُ فِي حَوْضٍ وَشَرِبَ مِنْهُ، حَنِثَ.
وَكَذَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ، فَخُلِطَ بِلَبَنِ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ هَذِهِ

التَّمْرَةَ، فَخَلَطَهَا بِصَبْرَةٍ، لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ جَمِيعِ الصَّبْرَةِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ مَاءً فُرَاتًا أَوْ مِنْ مَاءٍ فُرَاتٍ، حُمِلَ عَلَى الْمَاءِ الْعَذْبِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ.
وَإِنْ قَالَ: مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ، حُمِلَ عَلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَشْرَبُ مَاءَ الْفُرَاتِ، أَوْ لَا أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ، فَسَوَاءً أَخَذَ الْمَاءَ بِيَدِهِ، أَوْ فِي إِنَاءٍ فَشَرِبَ أَوْ كَرِعَ فِيهِ، حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ نَهْرِ كَذَا، فَشَرِبَ مِنْ سَاقِيَةٍ تَخْرُجُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ بِئْرٍ مَحْفُورَةٍ بِقُرْبِ النَّهْرِ، يَعْلَمُ أَنَّ مَاءَهَا مِنْهُ، حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَشْرَبُ مِنْ نَهْرِ كَذَا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَاءَ، فَشَرِبَ مِنْ سَاقِيَةٍ تَخْرُجُ مِنْهُ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الْمَاءَ فِي إِنَاءٍ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْجَرَّةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُعْتَادُ الشُّرْبُ مِنْهُ، فَجَعَلَ مَاءَهُ فِي كُوزٍ وَشَرِبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ: لَا آكُلُ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ، أَوْ لَا أَلْبَسُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِأَكْلِهِمَا أَوْ لُبْسِهِمَا [سَوَاءً لَبَسَهُمَا] مَعًا، أَوْ لَبَسَ أَحَدَهُمَا وَنَزَعَهُ، ثُمَّ لَبِسَ الْآخَرَ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا أَكَلْتُهُمَا أَوْ لَا لَبَسْتُهُمَا، لَمْ يَبِرَّ إِلَّا بِأَكْلِهِمَا وَلُبْسِهِمَا.
وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَعَمْرًا، وَلَا آكُلُ اللَّحْمَ وَالْعِنَبَ، لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا إِذَا أَكَلَهُمَا، أَوْ كَلَّمَهُمَا، إِلَّا إِذَا نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ تَجْعَلُهُمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا آكُلُهُمَا، وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَلَا عَمْرًا، وَلَا آكُلُ اللَّحْمَ وَلَا الْعِنَبَ، حَنِثَ بِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُمَا يَمِينَانِ تَنْحَلُّ إِحْدَاهُمَا بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى.
فَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ أَحَدَهُمَا، أَوْ قَالَ: وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ، فَيَحْنَثُ إِذَا كَلَّمَ أَحَدَهُمَا، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَلَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ الْآخَرِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَكَذَا فِي الْإِثْبَاتِ إِذَا قَالَ: لَأَلْبَسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ، وَهَذَا الثَّوْبَ، وَهَذَا فَهُمَا يَمِينَانِ، لِوُجُودِ

حَرْفِ الْعَطْفِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمُهَا، وَفِي هَذَا تَوَقُّفٌ.
وَلَوْ أَوْجَبَ حَرْفُ الْعَطْفِ كَوْنَهُمَا يَمِينَيْنِ، لَا كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُهُمَا، لَأُوجِبَ فِي قَوْلِهِ: لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَعَمْرًا وَلَا آكُلُ اللَّحْمَ وَالْعِنَبَ كَوْنُهُمَا يَمِينَيْنِ، لَا كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَيْنِ وَلَا آكُلُ هَذَيْنِ.
فَرْعٌ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ، لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ بَعْضِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لَآكُلَنَّهُ، لَمْ يَبِرَّ إِلَّا بِأَكْلِ جَمِيعِهِ.
فَلَوْ بَقِيَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مَا يُمْكِنُ الْتِقَاطُهُ وَأَكْلُهُ، لَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مَا عَلَى هَذَا الطَّبَقِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَكَلَ مَا عَلَيْهِ إِلَّا تَمْرَةً، لَا يَحْنَثُ وَإِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَرْكِ بَعْضِ الطَّعَامِ لِلِاحْتِشَامِ مِنِ اسْتِيفَائِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَآكُلَنَّ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ، فَتَرَكَ حَبَّةً، لَمْ يَبِرَّ، وَإِنْ قَالَ: لَا آكُلُهَا، فَتَرَكَ حَبَّةً، لَمْ يَحْنَثْ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الرَّأْسَ أَوِ الرُّءُوسَ، أَوْ لَا يَشْتَرِيهَا، حُمِلَ عَلَى الَّتِي تَمَيَّزُ عَنِ الْأَبْدَانِ وَتُبَاعُ مُفْرَدَةً، وَهِيَ رُءُوسُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
وَفِي رُءُوسِ الْإِبِلِ وَجْهٌ شَاذٌّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، فَطَرَّدَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا تُبَاعُ فِيهِ إِلَّا رُءُوسُ الْغَنَمِ، لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِغَيْرِهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، فَإِنْ أَكَلَ رَأْسَ طَيْرٍ، أَوْ حُوتٍ، أَوْ ظَبْيٍ، أَوْ صَيْدٍ آخَرَ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فَإِنْ كَانَتْ رُءُوسُ الصَّيْدِ وَالْحِيتَانِ تُبَاعُ مُفْرَدَةً فِي بَلَدٍ، حَنِثَ بِأَكْلِهَا هُنَاكَ.
وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ؟ وَجْهَانِ رَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالرُّويَانِيُّ الْمَنْعَ، وَالْأَقْوَى الْحِنْثُ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ النَّصِّ.
وَهَلْ يُعْتَبَرُ نَفْسُ الْبَلَدِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الْعُرْفُ، أَمْ كَوْنُ الْحَالِفِ مِنْ أَهْلِهِ؟ وَجْهَانِ.
هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ قَصَدَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مَا يُسَمَّى رَأْسًا، حَنِثَ بِرَأْسِ السَّمَكِ وَالطَّيْرِ.
وَإِنْ قَصَدَ نَوْعًا خَاصًّا، لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ.

فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ، حُمِلَ عَلَى مَا يُزَايِلُ بَايَضَهُ وَهُوَ حَيٌّ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ، فَلَا يَحْنَثُ بِبَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَيَحْنَثُ بِبَيْضِ الدَّجَاجِ، وَالنَّعَامِ، وَالْإِوَزِّ، وَالْعَصَافِيرِ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِبَيْضِ الدَّجَاجِ، وَقِيلَ: بِالدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: الطَّرِيقَةُ الْمُرْضِيَةُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِمَا يُفْرَدُ بِالْأَكْلِ فِي الْعَادَةِ، دُونَ بَيْضِ الْعَصَافِيرِ وَالْحَمَامِ وَنَحْوِهَا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ خِصْيَةِ الشَّاةِ، لِأَنَّهَا لَا تُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَإِنْ خَرَجَتِ الْبَيْضَةُ وَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ مِنَ الدَّجَاجَةِ، فَأَكَلَهَا، حَنِثَ، وَإِنْ أُخْرِجَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَأَكَلَهَا، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْحِنْثُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ، حَنِثَ بِأَيِّ خُبْزٍ كَانَ، سَوَاءٌ فِيهِ خُبْزُ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالذَّرَّةِ، وَالْبَاقِلَاءِ، وَالْأَرُزِّ، وَالْحُمُّصِ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ خُبْزٌ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ غَيْرَ مَعْهُودِ بَلَدِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، حَنِثَ بِأَيِّ ثَوْبٍ كَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودَ بَلَدِهِ وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِخُبْزِ الْأَرُزِّ إِلَّا فِي طَبَرِسْتَانَ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَنَسَبَهُ إِلَى الصَّيْدَلَانِيِّ، وَهِيَ نِسْبَةٌ بَاطِلَةٌ، وَغَلَطَ فِي النَّقْلِ، بَلِ الصَّوَابُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الصَّيْدَلَانِيُّ أَيْضًا.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيَحْنَثُ بِخُبْزِ الْبَلُّوطِ أَيْضًا، وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْأَقْرَاصِ وَالرُّغْفَانِ وَخُبْزِ الْمِلَّةِ وَالْمُشَحَّمِ وَغَيْرِهِ، وَسَوَاءً أَكَلَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ أَوْ جَعَلَهُ ثَرِيدًا.
لَكِنْ لَوْ صَارَ فِي الْمَرْقَةِ كَالْحَسْوِ،

فَتَحَسَّاهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَسَوَاءً ابْتَلَعَهُ بَعْدَ مَضْغٍ، أَوِ ابْتَلَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَيَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ، وَإِنْ مَضَغَهُ وَلَمْ يَبْتَلِعْهُ، لَمْ يَحْنَثْ، سَوَاءً أَدْرَكَ طَعْمَهُ أَمْ لَا.
وَلَوْ أَكَلَ جَوْزَنِيقًا، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ، أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَوْ نُزِعَ مِنْهُ الْحَشْوُ صَارَ خُبْزًا، وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ.
قُلْتُ: وَالرُّقَاقُ وَالْبُقْسُمَاطُ وَالْبَسِيسَةُ.
. . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ أَوْ لَا يَشْتَرِيهِ، لَمْ يَحْنَثْ بِشَحْمِ الْبَطْنِ وَشَحْمِ الْعَيْنِ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِشَحْمِ الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ، وَهُوَ الْأَبْيَضُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ الْأَحْمَرُ، لِأَنَّهُ لَحْمٌ سَمِينٌ.
وَلِهَذَا يَحْمَرُّ عِنْدَ الْهُزَالِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، حَنِثَ بِشَحْمِ الْبَطْنِ، وَلَا يَحْنَثُ بِاللَّحْمِ قَطْعًا، وَلَا بِشَحْمِ الظَّهْرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْحَالِفُ عَرَبِيًّا، فَشَحْمُ الظَّهْرِ شَحْمٌ فِي حَقِّهِ، لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَهُ شَحْمًا، وَإِنْ كَانَ عَجَمِيًّا، فَهُوَ لَحْمٌ فِي حَقِّهِ.
وَفِي شَحْمِ الْعَيْنِ وَجْهَانِ.
وَيَدْخُلُ فِي الْيَمِينِ عَلَى اللَّحْمِ لَحْمُ النِّعَمِ، وَالْوَحْشِ، وَالطَّيْرِ الْمَأْكُولِ كُلِّهِ.
وَفِيمَا لَا يُؤْكَلُ كَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْحِمَارِ، وَغَيْرِهَا وَجْهَانِ، رَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالرُّويَانِيُّ الْمَنْعَ، وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ الْحِنْثَ.
قُلْتُ: الْمَنْعُ أَقْوَى.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ السَّمَكِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَلْيَةَ لَيْسَتْ بِلَحْمٍ وَلَا شَحْمٍ.
وَقِيلَ: لَحْمٌ.
وَقِيلَ: شَحْمٌ، وَالسَّنَامُ كَالْأَلْيَةِ.

وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الْأَلْيَةِ، لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّنَامِ، وَكَذَا الْعَكْسُ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الدَّسَمِ، تَنَاوَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْأَلْيَةِ وَالسَّنَامِ وَالْأَدْهَانِ كُلِّهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي اللَّحْمِ الْأَمْعَاءُ وَالطِّحَالُ وَالْكِرْشُ وَالْكَبِدُ وَالرِّئَةُ، وَلَا يَدْخُلُ الْمُخُّ قَطْعًا وَقَدْ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ، وَلَا يَدْخُلُ الْقَلْبُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الرَّأْسِ وَالْخَدِّ وَاللِّسَانِ وَالْأَكَارِعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ لَحْمَ بَقَرٍ، حَنِثَ بِلَحْمِ الْجَامُوسِ وَبِالْبَقْرِ الْأَهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ.
وَقِيلَ: فِي الْوَحْشِيِّ وَجْهَانِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ الْحِمَارَ، فَرَكِبَ حِمَارَ الْوَحْشِ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحِمَارَيْنِ جِنْسٌ فِي الرِّبَا أَمْ جِنْسَانِ وَقَدْ سَبَقَ فِي الرِّبَا وَجْهَانِ فِي أَنَّ الْجَرَادَ هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ اللُّحُومِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِمَا الْحِنْثُ بِأَكْلِهِ فِي يَمِينِ اللَّحْمِ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ [بِعَدَمِ] الْحِنْثِ، لِعَدَمِ إِطْلَاقِ الِاسْمِ لُغَةً وَعُرْفًا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ مَيْتَةً، لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُذَكَّاةِ وَإِنْ حَلَّهَا الْمَوْتُ لِلْعُرْفِ.
وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ السَّمَكِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ لِلْحَدِيثِ أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِلْعُرْفِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ دَمًا، لَا يَحْنَثُ بِالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الزُّبْدَ، لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ السَّمْنِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ السَّمْنَ، لَا يَحْنَثُ بِالزُّبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِاخْتِلَافِ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ، لَا يَحْنَثُ بِاللَّبَنِ، وَيَدْخُلُ

فِي اللَّبَنِ لَبَنُ الْأَنْعَامِ وَالصَّيْدِ وَالْحَلِيبِ وَالرَّائِبِ وَالْمَاسِتِ وَالشِّيرَازِ وَالْمَخِيضِ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي الشِّيرَازِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا مَعْنَى لِتَوَقُّفِهِ، وَفِي الْمَخِيضِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، فَإِنْ أَكَلَ الزُّبْدَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إِنْ كَانَ اللَّبَنُ ظَاهِرًا فِيهِ، حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا فَلَا.
وَلَا يَحْنَثُ بِالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْمَصْلِ وَالْأَقْطِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرِيُّ: يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ اللَّبَنِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ السَّمْنَ، لَا يَحْنَثُ بِالْأَدْهَانِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الدُّهْنِ: لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّمْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.

السَّابِعَةُ: حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْجَوْزَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: يَحْنَثُ بِالْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ، قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ التَّمْرَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْهِنْدِيِّ، لِأَنَّ الْجَوْزَ الْهِنْدِيَّ قَرِيبٌ مِنَ الْجَوْزِ الْمَعْرُوفِ طَبْعًا وَطَعْمًا، بِخِلَافِ التَّمْرِ الْهِنْدِيِّ.
وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْهِنْدِيِّ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ لَا يَحْنَثُ بِالْهِنْدِيِّ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْخِيَارَ، لَا يَحْنَثُ بِهَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ: خِيَارُ شَنْبَرْ.

الثَّامِنَةُ: كَمَا أَنَّ الْأَعْيَانَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، كَذَلِكَ الْأَفْعَالُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَلَا يَتَنَاوَلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَالشُّرْبُ لَيْسَ بِأَكْلٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ، فَإِذَا حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ، فَشَرِبَ مَاءً أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ، فَأَكَلَ طَعَامًا، لَا يَحْنَثُ.
وَاللَّبَنُ وَالْخَلُّ وَبَاقِي الْمَائِعَاتِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُهَا، فَأَكَلَهَا بِخُبْزٍ، حَنِثَ، أَوْ شَرِبَهَا لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ:

لَا يَشْرَبُهَا، فَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا، فَاسْتَفَّهُ، أَوْ تَنَاوَلَهُ بِمِلْعَقَةٍ أَوْ بِإِصْبَعٍ مَبْلُولَةٍ، حَنِثَ.
وَلَوْ مَاثَهُ فِي الْمَاءِ وَشَرِبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ السَّوِيقَ، فَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ.
وَلَوْ كَانَ السَّوِيقُ خَاثِرًا، بِحَيْثُ يُؤْخَذُ بِالْمَلَاعِقِ، فَتَحَسَّاهُ، فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشُرْبٍ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَطْعَمُ أَوْ لَا أَتَنَاوَلُ، دَخَلَ فِي الْيَمِينِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ جَمِيعًا.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ السُّكَّرَ، حَنِثَ بِنَفْسِ السُّكَّرِ، دُونَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، إِلَّا إِذَا نَوَى.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي التَّمْرِ وَالْعَسَلِ.
ثُمَّ إِنِ ابْتَلَعَ السُّكَّرَ بِلَا مَضْغٍ، فَقَدْ أَكَلَهُ، كَمَا لَوْ أَكَلَ الْخُبْزَ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَإِنْ مَضَغَهُ وَازْدَرَدَهُ مَمْضُوغًا، حَنِثَ أَيْضًا، وَإِنْ وَضَعَهُ فِي فَمِهِ فَذَابَ وَنَزَلَ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى أَكْلًا لِلسُّكَّرِ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْعِنَبَ وَالرُّمَّانَ، لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ عَصِيرِهِمَا وَشُرْبِهِ.
وَلَوِ امْتَصَّهُمَا، وَرَمَى الثُّفْلَ، لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ آكِلًا.
حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ السَّمْنَ، فَأَكَلَهُ وَهُوَ جَامِدٌ وَحْدَهُ، حَنِثَ، وَإِنْ شَرِبَهُ ذَائِبًا، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ أَكَلَهُ بِخُبْزٍ وَهُوَ جَامِدٌ أَوْ ذَائِبٌ، حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَخَالَفَ فِيهِ الِاصْطَخْرِيُّ.
وَإِنْ جَعَلَهُ فِي عَصِيدَةٍ أَوْ سَوِيقٍ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ يَحْنَثُ وَنُصَّ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ خَلًّا، فَأَكَلَهُ سِكْبَاجًا، لَا يَحْنَثُ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ،

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل