روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِيهِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ: فِي الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ وَالْبِدْعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ الْبِدْعِيِّ وَالسُّنِّيِّ لَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَصِفُونَ الطَّلَاقَ بِالْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ.
وَفِي مَعْنَاهُمَا اصْطِلَاحَانِ: أَحَدُهُمَا: السُّنِّيُّ مَا لَا يَحْرُمُ إِيقَاعُهُ، وَالْبِدْعِيُّ: مَا يَحْرُمُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا قِسْمَ سِوَاهُمَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمُتَدَاوَلُ، أَنَّ السُّنِّيَّ طَلَاقُ مَدْخُولٍ بِهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ، وَلَا صَغِيرَةٍ وَلَا آيِسَةٍ.
وَالْبِدْعِيَّ: طَلَاقُ مَدْخُولٍ بِهَا فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَلَمْ يَبِنْ حَمْلُهَا، وَعَلَى هَذَا يَسْتَمِرُّ مَا اشْتُهِرَ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ غَيْرَ الْمَمْسُوسَةِ لَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهَا، وَكَذَا مَنْ فِي مَعْنَاهَا.
وَعَلَى هَذَا، الطَّلَاقُ سُنِّيٌّ وَبِدْعِيٌّ وَغَيْرُهُمَا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ مَا لَا يُحَرَّمُ مِنَ الطَّلَاقِ: وَاجِبٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَمَكْرُوهٌ.
فَالْوَاجِبُ فِي حَقِّ الْمُؤْلِي، إِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ، يُؤْمَرُ أَنْ يَفِيَ أَوْ يُطَلِّقَ، وَعِنْدَ الشِّقَاقِ إِذَا رَأَى الْحَكَمَانِ التَّفْرِيقَ وَجَبَ.
وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ، فَهُوَ إِذَا كَانَ يُقَصِّرُ فِي حَقِّهَا لِبُغْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَتْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ.
وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ، فَهُوَ الطَّلَاقُ عِنْدَ سَلَامَةِ الْحَالِ.
وَأَمَّا الْمُحَرَّمُ، فَلِتَحْرِيمِهِ سَبَبَانِ.

أَحَدُهُمَا: إِيقَاعُهُ فِي الْحَيْضِ إِذَا كَانَتْ مَمْسُوسَةً، تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ فَطَلَّقَهَا بِلَا عِوَضٍ.
فَإِنْ خَالَعَ الْحَائِضَ، أَوْ طَلَّقَهَا بَعِوَضٍ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ.
وَلَوْ سَأَلَتِ الطَّلَاقَ وَرَضِيَتْ بِهِ بِلَا عِوَضٍ فِي الْحَيْضِ، أَوِ اخْتَلَعَهَا أَجْنَبِيٌّ فِي الْحَيْضِ، فَحَرَامٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ طُولِبَ الْمُؤْلِي بِالطَّلَاقِ، فَطَلَّقَ فِي الْحَيْضِ، فَقَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا: لَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهَا طَالِبَةٌ رَاضِيَةٌ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: حَرَامٌ لِأَنَّهُ أَحْوَجَهَا بِالْإِيذَاءِ إِلَى الطَّلَبِ وَهُوَ غَيْرُ مُلْجَأٍ إِلَى الطَّلَاقِ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْفَيْئَةِ.
وَلَوْ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ، إِذَا قُلْنَا بِهِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي الْحَيْضِ.
وَلَوْ رَأَى الْحَكَمَانِ فِي صُورَةِ الشِّقَاقِ الطَّلَاقَ، فَطَلَّقَا فِي الْحَيْضِ، فَفِي شَرْحِ «مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ» أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، لِلْحَاجَةِ إِلَى قَطْعِ الشَّرِّ.
فَرْعٌ إِذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ طَلَاقًا مُحَرَّمًا، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَإِنْ رَاجَعَ، فَهَلْ لَهُ تَطْلِيقُهَا فِي الطُّهْرِ التَّالِي لِتِلْكَ الْحَيْضَةِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَكَأَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ: هَلْ يَتَأَدَّى بِهِ الِاسْتِحْبَابُ بِتَمَامِهِ.
فَأَمَّا أَصْلُ الْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ بِلَا خِلَافٍ لِانْدِفَاعِ ضَرَرِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ.
قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، بِأَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي الِاسْتِحْبَابِ.
قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْجُمْهُورُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي «الْوَسِيطِ» : هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي هَذَا الطُّهْرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: فَشَاذٌّ أَوْ مُؤَوَّلٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ بِظَاهِرِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَهَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَامِعَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ لِيَظْهَرَ مَقْصُودُ الرَّجْعَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الِاكْتِفَاءُ بِإِمْكَانِ الِاسْتِمْتَاعِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْمُرَاجَعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً، فَلَا نَقُولُ تَرْكُهَا مَكْرُوهٌ.
قُلْتُ: فِي هَذَا نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: تَرْكُهَا مَكْرُوهٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِيهَا، وَلِدَفْعِ الْإِيذَاءِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا أُخْرَى فِي الْحَيْضِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ إِذَا طُلِّقَتْ، أَمْ تَبْنِي؟ إِنْ قُلْنَا: تَسْتَأْنِفُ، فَبِدْعِيٌّ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ لِعَدَمِ التَّطْوِيلِ وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ بِدْعِيًّا، ثُمَّ طَلَّقَهَا أُخْرَى فِي تِلْكَ الْحَيْضَةِ أَوْ فِي أُخْرَى، فَفِي كَوْنِ الثَّانِيَةِ بِدْعِيَّةً الْوَجْهَانِ.
فَرْعٌ الطَّلَاقُ فِي النِّفَاسِ بِدْعِيٌّ كَالْحَيْضِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرِّمَ شَامِلٌ.
فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ حَيْضِكِ، أَوْ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيْضِكِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ سُنِّيٌّ لِاسْتِعْقَابِهِ الشُّرُوعَ فِي الْعِدَّةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الطُّهْرِ وَلَمْ يَطَأْهَا، فَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ بِدْعِيٌّ.
وَلَوْ قَالَ فِي الصُّورَتَيْنِ بَدَلَ «مَعَ» : فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ كَذَا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: فِي كَ «مَعَ» عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ قَالَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الْحَيْضِ، فَبِدْعِيٌّ قَطْعًا، أَوْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الطُّهْرِ، فَسُنِّيٌّ قَطْعًا.

فَرْعٌ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالدُّخُولِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ، لَيْسَ بِبِدْعِيٍّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَيْضِ وَلَكِنْ إِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ فِي الطُّهْرِ، نَفَذَ سُنِّيًّا، وَإِنْ وُجِدَتْ فِي الْحَيْضِ، نَفَذَ بِدْعِيًّا فَتُسْتَحَبُّ الْمُرَاجَعَةُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ بِاخْتِيَارِهِ، أَثِمَ بِإِيقَاعِهِ فِي الْحَيْضِ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ، أَنَّ نَفْسَ التَّعْلِيقِ بِدْعَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي الْحَالَ وَقْتَ الْوُقُوعِ، فَلْتَحْتَرِزْ عَمَّا قَدْ يَضُرُّهَا وَلَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ أَوَّلًا: وَإِنْ وُجِدَتْ فِي الْحَيْضِ نَفَذَ بِدْعِيًّا، مَعْنَاهُ يُسَمَّى بِدْعِيًّا وَتُرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبِدْعِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا إِثْمَ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ فِي كُلِّ الطُّرُقِ، إِلَّا مَا حَكَاهُ عَنِ الْقَفَّالِ: وَقَدْ أَطْنَبَ الْإِمَامُ فِي تَغْلِيطِ الْقَفَّالِ فِي هَذَا وَقَالَ: هَذَا فِي حُكْمِ الْهُجُومِ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ، فَلَمْ يُحَرِّمْ أَحَدٌ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ لِذَاتِ الْأَقْرَاءِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، أَوْ إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ لِلسُّنَّةِ، أَوْ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ وَهِيَ فِي حَالِ السُّنَّةِ، طُلِّقَتْ.
وَإِنْ وُجِدَ وَهِيَ فِي حَالِ الْبِدْعَةِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَالِ السُّنَّةِ، فَحِينَئِذٍ تُطَلَّقُ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ بِأَمْرَيْنِ، فَاشْتُرِطَ حُصُولُهُمَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِي حَالِ الْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي حَالِ السُّنَّةِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْبِدْعَةِ.
وَلَوْ قَالَ لِمَنْ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ كَغَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، وَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ لِلسُّنَّةِ، فَصَارَتْ ذَاتَ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ، ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي حَالِ السُّنَّةِ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ وُجِدَ فِي حَالِ الْبِدْعَةِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَالِ السُّنَّةِ.
وَلَوْ وُجِدَ الشَّرْطُ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهَا.
طُلِّقَتْ لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهَا.

فَرْعٌ إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهَا، فَفَعَلَتْهُ مُخْتَارَةً، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِسُؤَالِهَا.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يُجَامِعَهَا فِي طُهْرٍ وَهِيَ مِمَّنْ تَحْبَلُ وَلَمْ يَظْهَرْ حَمْلُهَا، فَيَحْرُمُ طَلَاقُهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، وَاسْتِدْخَالُهَا مَاءَهُ كَالْوَطْءِ، وَكَذَا وَطْؤُهَا فِي الدُّبُرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَطِئَهَا فِي الْحَيْضِ فَطَهُرَتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، حَرُمَ عَلَى الْأَصَحِّ لِاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ.
وَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ بِهَا الْحَمْلُ، فَلَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا بِحَالٍ.
وَلَوْ خَالَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فِي الطُّهْرِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ، قَبْلَ ظُهُورِ الْحَبْلِ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمُخَالَعَتِهَا فِي الْحَيْضِ.
وَقِيلَ: يَحْرُمُ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ هُنَا رِعَايَةٌ لِحَقِّ الْوَلَدِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ رِضَاهَا، وَهُنَاكَ لِضَرَرِهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، وَتُسْتَحَبُّ الْمُرَاجِعَةُ هُنَا كَمَا فِي السَّبَبِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ إِنْ رَاجَعَهَا وَوَطِئَهَا فِي بَقِيَّةِ الطُّهْرِ، ثُمَّ حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَى ذَلِكَ الطُّهْرُ، ثُمَّ رَاجَعَهَا، أَوْ رَاجَعَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا، اسْتُحِبَّ أَنْ لَا يُطَلِّقَ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي، لِئَلَّا تَكُونَ الرَّجْعَةُ لِلطَّلَاقِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا تُسْتَحَبُّ الرَّجْعَةُ هُنَا، وَلَا يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهَا تَأَكُّدَهُ فِي طَلَاقِ الْحَائِضِ.

فَصْلٌ

الْآيِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ، وَالَّتِي ظَهَرَ حَمْلُهَا وَغَيْرُ الْمَمْسُوسَةِ، لَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهِنَّ،

وَلَا سُنَّةَ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَطْوِيلُ عِدَّةٍ، وَلَا نَدَمٌ بِسَبَبِ وَلَدٍ.
فَلَوْ كَانَتِ الْحَامِلُ تَرَى الدَّمَ وَقُلْنَا: هُوَ حَيْضٌ، فَطَلَّقَهَا فِيهِ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَحْرُمُ.
وَقَدِ اشْتُهِرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْأَرْبَعَ الْمَذْكُورَاتِ لَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهِنَّ، وَلَا سُنَّةَ، وَذَلِكَ لِلْعِبَارَاتِ السَّابِقَةِ فِي تَفْسِيرِ السُّنِّيِّ وَالْبِدْعِيِّ.
وَرُبَّمَا أَفْهَمَ كَلَامُهُمْ، أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُنَّ لَا يَجْتَمِعُ لَهُنَّ حَالَتَا سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ، بَلْ لَا يَكُونُ طَلَاقُهُنَّ إِلَّا سُنِّيًّا، وَهَذَا يَسْتَمِرُّ عَلَى تَفْسِيرِ السُّنِّيِّ بِالْجَائِزِ، وَالْبِدْعِيِّ بِالْمُحَرَّمِ، وَقَدْ يُغْنِي عَنِ التَّفَاسِيرِ الطَّوِيلَةِ.
فَرْعٌ نَكَحَ حَامِلًا مِنَ الزِّنَى وَوَطِئَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَغَيْرُهُ: يَكُونُ الطَّلَاقُ بِدْعِيًّا، لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَكُونُ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ وَانْقِضَاءِ النِّفَاسِ.
وَلَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَةٌ بِشُبْهَةٍ فَحَبِلَتْ، فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ طَاهِرٌ، فَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهَا لَا تَشْرَعُ عَقِبَهُ فِي الْعِدَّةِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ تَحْبَلْ، فَشَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الشُّبْهَةِ فَطَلَّقَهَا، وَقَدَّمْنَا عِدَّةَ الشُّبْهَةِ.
وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِضْرَارٌ.
وَرَجَّحَ الْمُتَوَلِّي التَّحْرِيمَ، إِذَا حَبِلَتْ، وَعَدَمَهُ إِذَا لَمْ تَحْبَلْ، وَالْأَصَحُّ، التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا.
فَرْعٌ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ ثُمَّ رَاجَعَهَا، فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجْهًا ضَعِيفًا: أَنَّهُ يَحْرُمُ طَلَاقُهَا كَيْلَا تَكُونَ الرَّجْعَةُ لِلطَّلَاقِ، وَهَذَا سَبَبٌ ثَالِثٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.

فَرْعٌ لَا تَنْقَسِمُ الْفُسُوخُ إِلَى سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ، لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ مَضَارٍّ نَادِرَةٍ، فَلَا يَلِيقُ بِهَا تَكْلِيفُ مُرَاقَبَةِ الْأَوْقَاتِ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا، لَوْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ أَمَتَهُ الْمَوْطُوءَةَ فِي الْحَيْضِ، لَا يَكُونُ بِدْعِيًّا، وَإِنْ طَالَ زَمَنُ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّ مَصْلَحَةَ تَنْجِيزِ الْعِتْقِ أَعْظَمُ، ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ.
وَلَوْ قَسَمَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، ثُمَّ طَلَّقَ الْأُخْرَى قَبْلَ قَسْمِهَا، أَثِمَ وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ لِتَحْرِيمِ الطَّلَاقِ، وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْقَسْمِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

لَا بِدْعَةَ فِي جَمْعِ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَفْرِيقُهُنَّ عَلَى الْأَقْرَاءِ، أَوِ الْأَشْهُرِ إِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ أَقْرَاءٍ، لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الرَّجْعَةِ أَوِ التَّجْدِيدِ إِنْ نَدِمَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ فِي قُرْءٍ عَلَى طَلْقَةٍ، فَرَّقَ عَلَى الْأَيَّامِ.
وَقِيلَ: التَّفْرِيقُ سُنَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْجَمْعُ بِدْعَةً، وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ.
قُلْتُ: وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَأَرَادَ تَطْلِيقَهَا ثَلَاثًا، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «الْبَيَانِ» أَحَدُهُمَا: يُطَلِّقُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ طَلْقَةً.
وَالثَّانِي، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: يُطَلِّقُهَا فِي الْحَالِ طَلْقَةً وَيُرَاجِعُ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنَ النِّفَاسِ، طَلَّقَهَا ثَانِيَةً، ثُمَّ إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ طَلَّقَهَا ثَالِثَةً.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي إِضَافَةِ الطَّلَاقِ إِلَى السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، تَنْجِيزًا أَوْ تَعْلِيقًا، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: قَالَ لِحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ لِلسُّنَّةِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَشْرَعَ فِي الطُّهْرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاغْتِسَالِ، وَلَوْ وَطِئَهَا فِي آخِرِ الْحَيْضِ

وَاسْتَدَامَ حَتَّى انْقَطَعَ الْحَيْضُ، لَمْ تُطَلَّقْ لِاقْتِرَانِ الطُّهْرِ بِالْجِمَاعِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْتَدِمْ إِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ فِي الْحَيْضِ ثُمَّ طَلَّقَ فِي الطُّهْرِ يَكُونُ بِدْعِيًّا.
الثَّانِيَةُ: قَالَ لِطَاهِرٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَامَعَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ جَامَعَهَا فِيهِ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، فَإِنْ كَانَ جَامَعَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَعِنْدَ الْحَيْضِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِظُهُورِ أَوَّلِ الدَّمِ.
فَإِنِ انْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بَانَ أَنَّهَا لَمْ تُطَلَّقْ وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، فِيمَا إِذَا قَالَ: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَنَّهَا هَلْ تُطَلَّقُ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ أَمْ بِمُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ وَلَوْ جَامَعَهَا قَبْلَ الْحَيْضِ، فَبِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ تُطَلَّقُ، فَعَلَيْهِ النَّزْعُ، فَإِنْ نَزَعَ وَعَادَ، فَهُوَ كَابْتِدَاءِ الْوَطْءِ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَإِنِ اسْتَدَامَ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، فَلَا حَدَّ وَإِنْ كَانَ ثَلَاثًا، فَلَا حَدَّ أَيْضًا، لِأَنَّ أَوَّلَهُ مُبَاحٌ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، حُدَّ، وَهَلْ يَجِبُ الْمَهْرُ؟ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَغَيَّبَ الْحَشَفَةَ ثُمَّ اسْتَدَامَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الصُّورَةَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمَذْهَبَ فِيهَا أَنَّهُ لَا مَهْرَ، لِأَنَّ النِّكَاحَ تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْوَطْآتِ، وَادَّعَى صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» أَنَّ الْمَذْهَبَ هُنَا الْوُجُوبُ.
فَرْعٌ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ، تُحْمَلُ عَلَى التَّوْقِيتِ، فَلَا تُطَلَّقُ إِلَّا فِي حَالِ السُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ، لِأَنَّهُمَا حَالَتَانِ مُنْتَظَرَتَانِ تَتَعَاقَبَانِ تَعَاقُبَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَتَتَكَرَّرَانِ تَكَرُّرَ الشُّهُورِ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرَمَضَانَ مَعْنَاهُ: إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَمَّا اللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى مَا لَا يَتَكَرَّرُ مَجِيئُهُ وَذَهَابُهُ، فَلِلتَّعْلِيلِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِفُلَانٍ، أَوْ لِرِضَى فُلَانٍ، فَتُطَلَّقُ فِي الْحَالِ، رَضِيَ أَمْ سَخِطَ

وَالْمَعْنَى: فَعَلْتُ هَذَا لِتَرْضَى، وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْحَالِ إِذَا نَوَى التَّعْلِيلَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَرْضَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، وَنَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ قَوْلِ السَّيِّدِ: أَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَحَيْثُ يُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيلِ، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ التَّوْقِيتَ، قُبِلَ بَاطِنًا، وَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِقُدُومِ زَيْدٍ أَوْ بِرِضَاهُ، فَهُوَ تَعْلِيقٌ، كَقَوْلِهِ: إِنْ قَدِمَ أَوْ رَضِيَ، وَحَيْثُ حَمَلْنَا قَوْلَهُ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ عَلَى الْحَالَةِ الْمُنْتَظَرَةِ، فَقَالَ: أَرَدْتُ الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ، قُبِلَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ.
فَرْعٌ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ، كَقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَةِ، وَقَوْلُهُ: لَا لِلْبِدْعَةِ، كَقَوْلِهِ لِلسُّنَّةِ، وَقَوْلُهُ: سُنَّةُ الطَّلَاقِ، أَوْ طَلْقَةٌ سُنِّيَّةٌ، كَقَوْلِهِ لِلسُّنَّةِ، وَقَوْلُهُ: بِدْعَةُ الطَّلَاقِ، أَوْ طَلْقَةٌ بِدْعِيَّةٌ، كَقَوْلِهِ لِلْبِدْعَةِ.
فَرْعٌ قَالَ: إِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَيْكِ فِي هَذَا الْوَقْتِ طَلَاقُ السُّنَّةِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَتْ فِي حَالِ السُّنَّةِ، طُلِّقَتْ، وَإِلَّا فَلَا تُطَلَّقُ، لَا فِي الْحَالِ، وَلَا إِذَا صَارَتْ فِي حَالِ السُّنَّةِ، لِعَدَمِ الشَّرْطِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَأَنْتِ طَاهِرٌ، فَإِنْ قَدِمَ وَهِيَ طَاهِرٌ، طُلِّقَتْ لِلسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَلَا تُطَلَّقُ لَا فِي الْحَالِ، وَلَا إِذَا طَهُرَتْ.
فَرْعٌ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا، إِنْ كَانَتِ الْمُخَاطَبَةُ بِالسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ ذَاتَ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ لِصَغِيرَةٍ مَمْسُوسَةٍ، أَوْ لِصَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ غَيْرِ مَمْسُوسَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ،

فَيَقَعُ فِي الْحَالِ، وَاللَّامُ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ، لِعَدَمِ تَعَاقُبِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ: لِرِضَى زَيْدٍ.
وَلَوْ قَالَ: لِلْبِدْعَةِ، وَقَعَ فِي الْحَالِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَجْهًا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى التَّوْقِيتِ، وَيُنْتَظَرُ زَمَنُ الْبِدْعَةِ، بِأَنْ تَحِيضَ الصَّغِيرَةُ، وَيَدْخُلَ بِالْكَبِيرَةِ أَوْ تَحِيضَ.
وَعَنِ ابْنِ الْوَكِيلِ، أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ مُطْلَقًا لِتَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ، كَقَوْلِهِ: إِنْ صَعِدْتِ السَّمَاءَ، وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي قَوْلِهِ: لِلسُّنَّةِ.
وَلَوْ صَرَّحَ بِالْوَقْتِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِوَقْتِ السُّنَّةِ، أَوْ لِوَقْتِ الْبِدْعَةِ، قَالَ فِي «الْبَسِيطِ» : إِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَالظَّاهِرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ التَّوْقِيتَ بِمُنْتَظَرٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ لِتَصْرِيحِهِ بِالْوَقْتِ وَلَا نَقْلَ فِيهِ.
فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ، وَقَعَ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتَ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ، أَمْ لَا، لِأَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ، فَحَالُهَا مَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَتْ، فَالْوَصْفَانِ مُتَنَافِيَانِ فَسَقَطَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: طَلْقَةً سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً.
فَرْعٌ قَالَ لِذَاتِ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ فِي حَالِ الْبِدْعَةِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا سُنِّيًّا، أَوْ فِي حَالِ السُّنَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا بِدْعِيًّا، وَنَوَى الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، لَا فِيمَا يُخَالِفُ صَرِيحًا، وَإِذَا تَنَافَيَا، لَغَتِ النِّيَّةُ، وَعُمِلَ بِاللَّفْظِ لِأَنَّهُ أَقْوَى.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْآنَ سُنِّيًّا وَهُوَ فِي زَمَنِ بِدْعَةٍ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ عَمَلًا بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْوَقْتِ، وَيَلْغُو اللَّفْظُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ لِذَاتِ الْأَقْرَاءِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ، فَإِذَا صَارَتْ

فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى، وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ، لِأَنَّ التَّبْعِيضَ يَقْتَضِي التَّشْطِيرَ، ثُمَّ يَسْرِي كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ بَعْضُهَا لِزَيْدٍ وَبَعْضُهَا لِعَمْرٍو، يُحْمَلُ عَلَى التَّشْطِيرِ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
وَقِيلَ: تَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ وَمَنْ قَالَ بِهِ لَا يَكَادُ يُسَلِّمُ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ، وَيَقُولُ: هُوَ مُجْمَلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِيهِ.
وَنَقَلَ الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ الثَّلَاثُ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ إِيقَاعَ بَعْضٍ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ فِي الْحَالِ، فَتَقَعُ الثَّلَاثُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ أَوْ طَلْقَةً وَنِصْفًا، وَقَعَ طَلْقَتَانِ فِي الْحَالِ قَطْعًا، وَتَقَعُ الثَّالِثَةُ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ فِي الْحَالِ طَلْقَةً، وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ طَلْقَتَيْنِ، دُيِّنَ فِيهِ قَطْعًا، وَتُقْبَلُ أَيْضًا فِي الظَّاهِرِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تُقْبَلُ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ، أَنَّهُ لَوْ نَدِمَ فَأَرَادَ أَنْ يُخَالِعَهَا حَتَّى تَصِيرَ إِلَى الْحَالَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ بَائِنٌ، فَتَنْحَلَّ الْيَمِينُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا.
وَقُلْنَا: الْخُلْعُ طَلَاقٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوَاقِعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ، أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ فِي حَالِ السُّنَّةِ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: تَجِيءُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ إِلَّا طَلْقَةٌ، لِأَنَّ الْبَعْضَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ النِّصْفِ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى عَلَى التَّشْطِيرِ لِإِضَافَتِهِ الْبَعْضَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا، بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ، وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، بَنَى عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ، فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَلْفُوظَ بِهَا تُلْغَى أَمْ تُعْتَبَرُ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ، وَفِي الثَّانِي، طَلْقَةٌ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقَعَ الثَّلَاثُ فِي الْحَالِ بِالتَّشْطِيرِ وَالتَّكْمِيلِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ: طَلْقَةٌ لِلسُّنَّةِ وَطَلْقَةٌ لِلْبِدْعَةِ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لِلسُّنَّةِ وَطَلْقَةً لِلْبِدْعَةِ، وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ، وَفِي الِاسْتِقْبَالِ الْأُخْرَى.
وَلَوْ قَالَ:

طَلْقَتَيْنِ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، فَهَلْ يَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ، وَفِي الِاسْتِقْبَالِ الْأُخْرَى، أَمْ يَقَعَانِ فِي الْحَالِ؟ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي كَمَا لَوْ قَالَ: ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَلِلْبِدْعَةِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ فِي الْحَالِ.
فَرْعٌ قَالَ لِمَنْ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَةَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ، أَوْ طَلْقَةٌ لِلسُّنَّةِ، وَطَلْقَةٌ لِلْبِدْعَةِ، وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي الْحَالِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا وَصَفَ الطَّلَاقَ بِصِفَةِ مَدْحٍ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَجْمَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَفْضَلَهُ، أَوْ أَحْسَنَهُ، أَوْ أَعْدَلَهُ، أَوْ أَكْمَلَهُ، أَوْ أَتَمَّهُ، أَوْ أَجْوَدَهُ، أَوْ خَيْرَ الطَّلَاقِ، وَأَنْتِ طَالِقٌ لِلطَّاعَةِ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَلَا يَقَعُ إِنْ كَانَ الْحَالُ بِدْعَةً حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَالِ السُّنَّةِ.
وَإِنْ نَوَى شَيْئًا، نُظِرَ إِنْ نَوَى مَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ، فَذَاكَ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ، لِأَنَّهُ فِي حَقِّهَا أَحْسَنُ مِنْ جِهَةِ سُوءِ خُلُقِهَا، فَإِنْ كَانَتْ فِي حَالِ بِدْعَةٍ، قُبِلَ لِأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي حَالِ سُنَّةٍ، دُيِّنَ وَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا، وَقَدْ يَجِيءُ خِلَافٌ فِي الظَّاهِرِ.
وَإِنْ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِصِفَةِ ذَمٍّ كَقَوْلِهِ: أَقْبَحَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَسْمَجَهُ، أَوْ أَفْضَحَهُ، أَوْ أَفْظَعَهُ، أَوْ أَرْدَأَهُ، أَوْ أَفْحَشَهُ، أَوْ أَنْتَنَهُ، أَوْ شَرَّ الطَّلَاقِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَةِ، فَلَا يَقَعُ إِنْ كَانَتْ فِي حَالِ سُنَّةٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْبِدْعَةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ قُبْحَهُ لِحُسْنِ عِشْرَتِهَا، أَوْ أَرَدْتُ أَنَّ أَقْبَحَ أَحْوَالِهَا أَنْ تَبِينَ مِنِّي، وَقَعَ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّ طَلَاقَ مِثْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ أَقْبَحُ، فَقَصَدْتُ الطَّلَاقَ فِي حَالِ السُّنَّةِ دُيِّنَ، وَلَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا.
وَلَوْ

قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْجَرْحِ، أَوْ طَلَاقَ الْجَرْحِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ لِلْبِدْعَةِ.
وَلَوْ خَاطَبَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَنْ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَةَ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ، كَمَا سَبَقَ.
وَلَوْ جَمَعَ صِفَتَيِ الذَّمِّ وَالْمَدْحِ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً أَوْ جَمِيلَةً فَاحِشَةً، أَوْ سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً، أَوْ لِلْجَرْحِ وَالْعَدْلِ، وَالْمُخَاطَبَةُ ذَاتُ أَقْرَاءٍ، وَقَعَتْ فِي الْحَالِ.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي «الْأَمَالِي» : فَإِنْ فَسَّرَ كُلَّ صِفَةٍ بِمَعْنًى، فَقَالَ: أَرَدْتُ كَوْنَهَا حَسَنَةً مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ، وَقَبِيحَةً مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ حَتَّى تَقَعَ الثَّلَاثُ أَوْ بِالْعَكْسِ، قُبِلَ مِنْهُ.
وَإِنْ تَأَخَّرَ الْوُقُوعُ، لِأَنَّ ضَرَرَ وُقُوعِ الْعَدَدِ أَكْثَرُ مِنْ فَائِدَةِ تَأْخِيرِ الْوُقُوعِ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً، فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَائِلًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، وَهِيَ إِمَّا غَيْرُ مَمْسُوسَةٍ، وَإِمَّا مَمْسُوسَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَمْسُوسَةٍ، نُظِرَ إِنْ كَانَتْ حَائِضًا، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: تَقَعُ طَلْقَةٌ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِالْعِدَّةِ، فَحَيْضُهَا كَطُهْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً وَبَانَتْ، فَلَا تَلْحَقُهَا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ فَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الطُّهْرِ الثَّانِي، فَفِي وُقُوعِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ قَوْلَا عَوْدِ الْيَمِينِ وَالْحِنْثِ.
وَإِنْ جَدَّدَ النِّكَاحَ بَعْدَ الطُّهْرَيْنِ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَتْ مَمْسُوسَةً، وَقَعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ، سَوَاءٌ جَامَعَهَا فِيهِ أَمْ لَا، وَتَكُونُ الطَّلْقَةُ سُنِّيَّةً إِنْ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ، وَبِدْعِيَّةً إِنْ جَامَعَهَا، وَتَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ بِالطَّلْقَةِ الْأُولَى.
وَهَلْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ لِلثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؟ قَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي الْعِدَّةِ أَظْهَرُهُمَا الْوُجُوبُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَإِنْ كَانَتْ لَا تَرَى الدَّمَ، وَقَعَتْ فِي الْحَالِ

طَلْقَةٌ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَلَوْ لَمْ تَحِضْ قَطُّ وَبَلَغَتْ بِالْحَمْلِ مَثَلًا، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ، أَوْ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ دَمَيْنِ أَوِ الِانْتِقَالُ مِنْ نَقَاءٍ إِلَى دَمٍ، إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَضَعَ وَتَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَعَ.
وَإِذَا وَقَعَتِ الطَّلْقَةُ، فَإِنْ رَاجَعَهَا قَبْلَ الْوَضْعِ، وَقَعَتْ أُخْرَى إِذَا طَهُرَتْ مِنَ النِّفَاسِ، وَعَلَيْهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ سَوَاءٌ وَطِئَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ أَمْ لَا، بِلَا خِلَافٍ.
وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْوَضْعِ بِأَنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأَقْرَاءِ، عَادَ قَوْلَا عَوْدِ الْحِنْثِ.
وَإِنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ عَلَى الْحَمْلِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ تَرَهُ، فَتُطَلَّقُ فِي الْحَالِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا، أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ.
إِنْ وَافَقَ قَوْلُهُ وَقْتَ الدَّمِ حَتَّى تَطْهُرَ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ حَيْضًا وَوَافَقَ قَوْلُهُ النَّقَاءَ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ طَلْقَةً، وَإِنْ وَافَقَ الدَّمَ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَصَحَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ: تُطَلَّقُ أَيْضًا، لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ كَالْقُرْءِ الْوَاحِدِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْحَنَّاطِيُّ، وَرَجَّحَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: لَا تُطَلَّقُ حَتَّى تَطْهُرَ.
وَإِذَا وَقَعَتْ طَلْقَةٌ فِي الْحَيْضِ أَوِ الطُّهْرِ، فَهَلْ يَتَكَرَّرُ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ الْقُرْءَ مَا دَلَّ عَلَى الْبَرَاءَةِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ طُهْرٌ يَحْتَوِشُهُ دَمَانِ، أَمْ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ نَقَاءٍ إِلَى حَيْضٍ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، وَلَا يُؤْمَرُ الزَّوْجُ بِاجْتِنَابِهَا فِي الْحَالِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَالَّذِي أَطْلَقَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ، أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالسَّرَخْسِيُّ: يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَرَى الدَّمَ، فَإِنْ رَأَتْهُ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ يَوْمَ اللَّفْظِ، وَإِنْ

مَاتَتْ قَبْلَ رُؤْيَةِ الدَّمِ، مَاتَتْ عَلَى النِّكَاحِ فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ لَمْ تَحِضْ وَلَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، حَصَلَتِ الْبَيْنُونَةُ، فَإِنْ نَكَحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَرَأَتِ الدَّمَ، عَادَ الْخِلَافُ فِي عَوْدِ الْحِنْثِ، وَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، تَكَرَّرَ الطَّلَاقُ بِتَكَرُّرِ الْأَطْهَارِ.
وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» وَجْهٌ غَرِيبٌ، أَنَّ الْأَقْرَاءَ فِي الصَّغِيرَةِ تُحْمَلُ عَلَى الْأَشْهُرِ، وَالْآيِسَةُ الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا كَالصَّغِيرَةِ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا الْخِلَافُ.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ: إِنْ قُلْنَا: الْقُرْءُ: هُوَ الِانْتِقَالُ، وَقَعَ فِي الْحَالِ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ حَاضَتْ بَعْدُ، تَبَيَّنَّا الْوُقُوعَ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، الْوُقُوعُ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ.
فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً لِلسُّنَّةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ لِلسُّنَّةِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ وَالْأَحْوَالِ، لَكِنَّ ذَاتَ الْأَقْرَاءِ إِذَا كَانَتْ طَاهِرًا، أَوْ كَانَ جَامَعَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، يَتَأَخَّرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ إِلَى أَنْ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ.
فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً وَكَانَتْ حَامِلًا لَا تَرَى دَمًا، أَوْ تَرَاهُ وَلَمْ نَجْعَلْهُ حَيْضًا، وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ تَرَى الَّذِي فِي ذَلِكَ الْحَالِ أَمْ لَا، وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الِانْقِطَاعَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَجَعَلْنَاهُ حَيْضًا، فَإِنْ كَانَتْ فِي حَالِ رُؤْيَةِ الدَّمِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَطْهُرَ، وَإِلَّا وَقَعَ فِي الْحَالِ وَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الْأَطْهَارِ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْتُ تَفْرِيقَهَا عَلَى الْأَقْرَاءِ لَمْ يُقْبَلْ فِي الظَّاهِرِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ بِتَحْرِيمِ جَمْعِ الثَّلَاثِ فِي قُرْءٍ، فَيُقْبَلُ فِي الظَّاهِرِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا فِي الْقَبُولِ مُطْلَقًا،

وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، هُوَ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يَقُلْ لِلسُّنَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَ بِالتَّفْرِيقِ عَلَى الْأَقْرَاءِ، لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا، وَهَلْ يُدَيَّنُ فِي الصُّورَتَيْنِ؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، نَعَمْ.
وَمَعْنَى التَّدْيِينِ مَعَ نَفْيِ الْقَبُولِ ظَاهِرًا، أَنْ يُقَالَ لِلْمَرْأَةِ: أَنْتِ بَائِنٌ مِنْهُ بِثَلَاثٍ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لَكِ تَمْكِينُهُ إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّكِ صِدْقُهُ بِقَرِينَةٍ، وَيُقَالُ لِلزَّوْجِ: لَا نُمَكِّنُكَ مِنْ تَتَبُّعِهَا، وَلَكَ أَنْ تَتَبَّعَهَا، وَالطَّلَبُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، وَتَحِلُّ لَكَ إِذَا رَاجَعْتَهَا.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ حُكِمَ بِالْقَبُولِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فِيمَا إِذَا قَالَ لِصَغِيرَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، وَفِيمَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ، أَوْ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
وَأَلْحَقَ الْقَفَّالُ وَالْغَزَالِيُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَذَلِكَ كُلَّمَا أُحْوِجَ إِلَى تَقْيِيدِ الْمَلْفُوظِ بِهِ بِقَيْدٍ زَائِدٍ.
وَالصَّحِيحُ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ لَا يُدَيَّنُ فِي قَوْلِهِ: أَرَدْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُدَيَّنُ فِي قَوْلِهِ: أَرَدْتُ عَنْ وِثَاقٍ، أَوْ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ أَوْ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ قَوْلِهِ: أَرَدْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَيْنَ سَائِرِ الصُّوَرِ بِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلَاقِ جُمْلَةً، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اللَّفْظِ وَالتَّعْلِيقُ بِالدُّخُولِ، وَمَشِيئَةِ زَيْدٍ، لَا يَرْفَعُهُ، لَكِنْ يُخَصِّصُهُ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ وِثَاقٍ، تَأْوِيلٌ وَصَرْفٌ لِلَّفْظِ مِنْ مَعْنًى إِلَى مَعْنًى، فَكَيْفَ فِيهِ النِّيَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً، وَشَبَّهُوهُ بِالنَّسْخِ، لَمَّا كَانَ رَفْعًا لِلْحُكْمِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِاللَّفْظِ، وَالتَّخْصِيصُ يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ.

وَأَمَّا إِذَا أَتَى بِلَفْظٍ عَامٍّ، وَقَالَ: أَرَدْتُ بَعْضَ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ، فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي، فَهِيَ طَالِقٌ، وَعَزَلَ بَعْضَهُنَّ بِالنِّيَّةِ، لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ ابْنُ الْوَكِيلِ وَغَيْرُهُ: يُقْبَلُ ظَاهِرًا سَوَاءٌ كَانَتْ قَرِينَةٌ تَصْدُقُهُ - بِأَنْ خَاصَمَتْهُ، وَقَالَتْ: تَزَوَّجْتَ عَلَيَّ، فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ غَيْرَ الْمُخَاصِمَةِ - أَمْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْقَفَّالِ وَالْمُعْتَبَرِينَ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَيُقْبَلُ بِهَا، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ، وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، أَنَّهُ إِنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ، ثُمَّ عَزَلَ بَعْضَهُنَّ بِالنِّيَّةِ، لَا يُقْبَلُ، وَإِنْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ، وَقَالَ: عَزَلْتُ وَاحِدَةً، قُبِلَ.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ عَزَلَ اثْنَتَيْنِ، فَفِي الْقَبُولِ وَجْهَانِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْقَبُولِ ظَاهِرًا فِيمَا لَوْ قَالَ: إِنْ أَكَلْتُ خُبْزًا أَوْ تَمْرًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ فَسَّرَ بِنَوْعٍ خَاصٍّ، وَطَرَدَهُمَا الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ يَحُلُّ وِثَاقًا عَنْهَا، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ الْإِطْلَاقَ عَنِ الْوِثَاقِ، وَقَالَ: الْأَصَحُّ الْقَبُولُ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ التَّكْلِيمَ شَهْرًا، فَيُقْبَلُ.
كَذَا حُكِيَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالْمُرَادُ عَلَى مَا نَقَلَ الْغَزَالِيُّ، الْقَبُولُ بَاطِنًا فَلَا تُطَلَّقُ إِذَا كَلَّمَ بَعْدَ شَهْرٍ.
فَرْعٌ فِي ضَبْطِ مَا يُدَيَّنُ فِيهِ، وَمَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لِمَا يَدَّعِيهِ الشَّخْصُ مِنَ النِّيَّةِ مَعَ مَا أَطْلَقَهُ مِنَ اللَّفْظِ، أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَرْفَعَ مَا صَرَّحَ بِهِ، بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ طَلَاقًا لَا يَقَعُ عَلَيْكِ، أَوْ لَمْ أُرِدْ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ، فَلَا تُؤَثِّرُ دَعْوَاهُ ظَاهِرًا، وَلَا يُدَيَّنُ بَاطِنًا.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِيهِ مُقَيِّدًا لِمَا تَلَفَّظَ بِهِ مُطْلَقًا، بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ، فَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا، وَفِي التَّدْيِينِ الْخِلَافُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُرْجِعَ مَا يَدَّعِيهِ إِلَى تَخْصِيصِ عُمُومٍ، فَيُدَيَّنُ، وَفِي الْقَبُولِ، ظَاهِرُ الْخِلَافِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ وَظُهُورٍ، وَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ تَقَعُ الْكِنَايَاتُ وَيُعْمَلُ فِيهَا بِالنِّيَّةِ.
وَضَبَطَ الْأَصْحَابُ بِضَبْطٍ آخَرَ، فَقَالُوا: يُنْظَرُ فِي التَّفْسِيرِ بِخِلَافِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، إِنْ كَانَ لَوْ وَصَلَ بِاللَّفْظِ لَا يُنَظَّمُ، لَمْ يُقْبَلْ وَلَمْ يُدَيَّنْ، وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا وَيُدَيَّنُ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ، قَالَ: أَرَدْتُ طَلَاقًا لَا يَقَعُ.
مِثَالُ الثَّانِي: أَرَدْتُ طَلَاقًا عَنْ وِثَاقٍ، أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا نِيَّةَ التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالُوا: لَا يُدَيَّنُ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ قَالَ: أَرَبْعُكُنَّ طَوَالِقُ، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْتُ بِقَلْبِي إِلَّا فُلَانَةً، لَمْ يُدَيَّنْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ نَصَّ فِي الْعَدَدِ.
وَلَوْ قَالَ: فُلَانَةٌ وَفُلَانَةٌ وَفُلَانَةٌ طَوَالِقُ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَثْنَيْتُ بِقَلْبِي فُلَانَةً، لَمْ يُدَيَّنْ قَطْعًا لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ، لَا تَخْصِيصُ عُمُومٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ لِمَمْسُوسَةٍ: كُلَّمَا وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا وَبَقِيَ آخَرُ فِي بَطْنِهَا، وَقَعَ بِوِلَادَةِ الْأَوَّلِ طَلْقَةٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ إِذَا عُلِّقَ بِأَمْرٍ اعْتُبِرَتِ الصِّفَةُ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَمْرِ، فَإِنْ وُجِدَتْ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يُوجَدَ كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ

فِي حَالِ سُنَّةٍ طُلِّقَتْ، وَإِلَّا فَلَا تُطَلَّقُ حَتَّى يَجِيءَ حَالَ السُّنَّةِ، وَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ عِنْدَ وِلَادَةِ أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَالِ حَامِلٌ بِآخَرَ.
وَلَوْ قَالَ لِحَامِلٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَقَعَ فِي الْحَالِ، ثُمَّ إِذَا وَلَدَتِ الثَّانِيَ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَهَلْ يَقَعُ طَلْقَةٌ أُخْرَى، لِأَنَّهُ يُقَارِنُ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي فِي نَظَائِرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ.
وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ فِي بَطْنِهَا آخَرُ، فَإِنَّمَا تُطَلَّقُ إِذَا طَهُرَتْ مِنَ النِّفَاسِ، طَلْقَتَيْنِ لِأَنَّهَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ، وَ «كُلَّمَا» تَقْتَضِي التَّكْرَارَ.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدَيْنِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ وَفِي بَطْنِهَا ثَالِثٌ، طُلِّقَتْ.
وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا وَقَعَتْ أُخْرَى بِوِلَادَةِ الثَّانِي، رَاجَعَهَا أَمْ لَا هَكَذَا ذَكَرُوهُ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ رَاجَعَهَا فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَإِلَّا فَهَذَا طَلَاقٌ يُقَارِنُ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا فَنَكَحَهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ، فَفِي وُقُوعِ أُخْرَى قَوْلَا عَوْدِ الْحِنْثِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: نَكَحَ حَامِلًا مِنَ الزِّنَى، وَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَضَعَ، وَتَطْهُرَ مِنَ النِّفَاسِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ كَالْعَدَمِ وَإِلَّا طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، هَذَا إِذَا كَانَتْ لَا تَرَى دَمًا أَوْ تَرَاهُ وَلَمْ نَجْعَلْهُ حَيْضًا، فَإِنْ رَأَتْهُ وَجَعَلْنَاهُ حَيْضًا، فَإِنْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ فِي حَالِ رُؤْيَةِ الدَّمِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَطْهُرَ كَالْحَامِلِ إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَهِيَ حَائِضٌ بِخِلَافِ الْحَامِلِ مِنَ الزَّوْجِ حَيْثُ يَقَعُ طَلَاقُهَا فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ، وَجَعَلْنَاهُ أَيْضًا حَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الْحَامِلَ مِنَ الزَّوْجِ لَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهَا، وَهَذِهِ كَالْحَامِلِ إِذْ لَا حُرْمَةَ لِحَمْلِهَا.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ لَا تُطَلَّقُ حَتَّى تَنْتَقِلَ مِنَ الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا إِلَى الْحَالَةِ الْأُخْرَى، لِأَنَّ الْيَقِينَ حِينَئِذٍ يَحْصُلُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا لَا تُطَلَّقُ حَتَّى يَجِيءَ الْغَدُ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً فِي دُخُولِ الدَّارِ أَوْ طَلْقَةً سُنِّيَّةً، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنْ تُطَلَّقَ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ طَلْقَةً سُنِّيَّةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تُطَلَّقْ مَا لَمْ تَطْهُرْ.
وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرًا لَمْ يُجَامِعْهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ جَامَعَهَا فِيهِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ.
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ: قَالَ لَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ: جَامَعْتُكِ فِي هَذَا الطُّهْرِ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ فِي الْحَالِ، وَقَالَتْ: لَمْ تُجَامِعْنِي وَقَدْ وَقَعَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ الْمُؤْلِي وَالْعِنِّينُ: وَطِئْتُ.
فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَالثَّلْجِ، أَوْ كَالنَّارِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَلَغَا التَّشْبِيهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قَصَدَ التَّشْبِيهَ بِالثَّلْجِ فِي الْبَيَاضِ، وَالنَّارِ بِالْإِضَاءَةِ، طُلِّقَتْ سُنِّيًّا، وَإِنْ قَصَدَ التَّشْبِيهَ بِالثَّلْجِ فِي الْبُرُودَةِ، وَبِالنَّارِ فِي الْحَرَارَةِ وَالْإِحْرَاقِ، طُلِّقَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الْبَابُ الثَّانِي فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ هِيَ خَمْسَةٌ: [الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: الْمُطَلِّقُ، وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ، فَلَا يَقَعُ طَلَاقُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ،

لَا تَنْجِيزًا وَلَا تَعْلِيقًا.
فَلَوْ قَالَ مُرَاهِقٌ: إِذَا بَلَغْتُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَبَلَغَ، أَوْ قَالَ مَجْنُونٌ: إِذَا أَفَقْتُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ أَفَاقَ، أَوْ قَالَا: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا فَبَلَغَ وَأَفَاقَ قَبْلَ الْغَدِ فَلَا طَلَاقَ.
قُلْتُ: هَكَذَا اقْتَصَرَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي شَرْطِ الْمُطَلِّقِ عَلَى كَوْنِهِ مُكَلَّفًا، وَقَدْ يُورَدُ عَلَيْهِ السَّكْرَانُ، فَإِنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَيْسَ مُكَلَّفًا كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَلَكِنَّ مُرَادَ أَهْلِ الْأُصُولِ، أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ حَالَ السُّكَّرِ، وَمُرَادُنَا هُنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: اللَّفْظُ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ: أَحَدُهَا فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَالثَّانِي، فِي الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ مَقَامَهُ.
وَالثَّالِثُ فِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ إِلَى الزَّوْجَةِ وَأَحْكَامِ تَفْوِيضِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ، فَاللَّفْظُ: صَرِيحٌ وَهُوَ مَا لَا يَتَوَقَّفُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهِ عَلَى نِيَّةٍ، وَكِنَايَةٌ وَهُوَ مَا تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةٍ، أَمَّا الصَّرِيحُ، فَلَفْظُ الطَّلَاقِ وَالسَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزَّازَ نَقَلَ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّ السَّرَاحَ وَالْفِرَاقَ كِنَايَتَانِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، فَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ مُطَلَّقَةٌ، أَوْ يَا طَالِقُ أَوْ يَا مُطَلَّقَةُ، صَرِيحٌ.
وَقِيلَ: يَا مُطَلَّقَةُ وَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ كِنَايَةٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا الْمُشْتَقُّ مِنَ الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِإِسْكَانِ الطَّاءِ أَوْ يَا مُطْلَقَةُ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عَلَى الصَّحِيحِ لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّطْلِيقُ مُتَقَارِبَيْنِ.
وَفِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَلَاقٌ، أَوِ الطَّلَاقُ، أَوْ طَلْقَةٌ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ نِصْفُ طَلْقَةٍ، فَكِنَايَةٌ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ كُلُّ طَلْقَةٍ أَوْ نِصْفُ طَالِقٍ، فَصَرِيحٌ، كَقَوْلِهِ: نِصْفُكِ طَالِقٌ.
وَنَقَلَ الْعَبَّادِيُّ خِلَافًا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ نِصْفُ طَلْقَةٍ، وَيَجُوزُ أَنَّ يَجِيءَ هَذَا الْخِلَافُ

فِي قَوْلِهِ نِصْفُ طَالِقٍ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ وَالطَّلَاقُ أَوْ أَنْتِ وَطَلْقَةٌ، فَكِنَايَةٌ، أَيْ: قَرَنْتُ بَيْنَكِ وَبَيْنَهَا.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ فِي لَفْظَيِ السَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ، فَقَوْلُهُ: فَارَقْتُكِ وَسَرَّحْتُكِ صَرِيحَانِ، وَفِي الِاسْمِ مِنْهُمَا وَهُوَ مُفَارَقَةٌ وَمُسَرَّحَةٌ وَجْهَانِ، سَوَاءٌ الْوَصْفُ، كَقَوْلِهِ أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ أَوْ مُفَارَقَةٌ، وَالنِّدَاءُ كَقَوْلِهِ: يَا مُسَرَّحَةُ أَوْ يَا مُفَارَقَةُ، أَصَحُّهُمَا صَرِيحَانِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: أَنْتِ السَّرَاحُ، أَوْ أَنْتِ الْفِرَاقُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي: أَنْتِ الطَّلَاقُ.
فَرْعٌ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: طَالِقٌ، إِطْلَاقَهَا مِنَ الْوِثَاقِ، وَبِالْفِرَاقِ الْمُفَارَقَةَ فِي الْمَنْزِلِ، وَبِالسَّرَاحِ إِلَى مَنْزِلِ أَهْلِهَا، أَوْ قَالَ: أَرَدْتُ خِطَابَ غَيْرِهَا فَسَبَقَ لِسَانِي إِلَيْهَا، دُيِّنَ وَلَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا، فَلَوْ صَرَّحَ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ، أَوْ سَرَّحْتُكِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ فَارَقْتُكِ فِي الْمَنْزِلِ، خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ صَرِيحًا وَصَارَ كِنَايَةً.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّمَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إِذَا كَانَ عَلَى عَزْمِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ أَوَّلِ كَلَامِهِ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَصَلَ بِهِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي الْبَاطِنِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَازِمًا عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ نَوَاهَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ، فَوَجْهَانِ سَيَأْتِي نَظِيرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ التَّدْيِينُ إِذَا لَمْ يَتَلَفَّظُ بِالزِّيَادَةِ، وَقَالَ: نَوَيْتُهَا، إِنَّمَا يُدَيَّنُ إِذَا كَانَ نَاوِيًا مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ، فَإِنْ حَدَثَتْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْكَلَامِ، فَلَا، وَإِنْ حَدَثَتْ فِي أَثْنَائِهِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
فَرْعٌ قَوْلُهُ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكِ طَلَاقِي، صَرِيحٌ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ.
وَلَوْ قَالَ: لَكِ طَلْقَةٌ، أَوْ وَضَعْتُ عَلَيْكِ طَلْقَةً، فَوَجْهَانِ.

فَرْعٌ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةٌ: الطَّلَاقُ، وَالسَّرَاحُ، وَالْفِرَاقُ، وَأَهْمَلُوا ذِكْرَ شَيْئَيْنِ هُنَا أَحَدُهُمَا: لَفْظُ الْخُلْعِ، وَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ خِلَافٌ سَبَقَ، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ الْحَلَّالُ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا خِلَافٌ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا.
فَرْعٌ تَرْجَمَةُ لَفْظِ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَسَائِرِ اللُّغَاتِ، صَرِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ لِشُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي مَعْنَاهَا عِنْدَ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَاتِ، كَشُهْرَةِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
ثَانِيهِمَا: أَنَّهَا كِنَايَةٌ، وَتَرْجَمَةُ السَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ فِيهَا الْخِلَافُ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا أَنَّهَا كِنَايَةٌ، قَالَهُ الْإِمَامُ وَالرُّويَانِيُّ، لِأَنَّ تَرْجَمَتَهُمَا بَعِيدَةٌ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ.
فَرْعٌ إِذَا اشْتُهِرَ فِي الطَّلَاقِ لَفْظٌ سِوَى الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ الصَّرِيحَةِ، كَحَلَّالِ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوِ الْحَلَالُ أَوِ الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَفِي الْتِحَاقِهِ بِالصَّرِيحِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: نَعَمْ لِحُصُولِ التَّفَاهُمِ، وَغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَعَلَيْهِ تَنْطَبِقُ فَتَاوَى الْقَفَّالِ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالثَّانِي: لَا، وَرَجَّحَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَالثَّالِثُ، حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الْقَفَّالِ: أَنَّهُ إِنْ نَوَى شَيْئًا آخَرَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا طَلَاقَ.
وَإِذَا ادَّعَاهُ، صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ فَقِيهًا يَعْلَمُ أَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تَعْمَلُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا سَأَلْنَاهُ عَمَّا يَفْهَمُ إِذَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ قَالَ: يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِي مِنْهُ الطَّلَاقُ، حُمِلَ عَلَى مَا يَفْهَمُ،

وَالَّذِي حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي عَنِ الْقَفَّالِ، أَنَّهُ إِنْ نَوَى غَيْرَ الزَّوْجَةِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِلْعُرْفِ.
قُلْتُ: الْأَرْحَجُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْمُتَقَدِّمُونَ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ مُطْلَقًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي لَا يُشْتَهَرُ فِيهَا هَذَا اللَّفْظُ لِلطَّلَاقِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي حَقِّ أَهْلِهَا بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَقَالَ: حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَدَخَلَ، تُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً، وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» أَنَّهُ لَوْ قَالَ: حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، طُلِّقْنَ كُلُّهُنَّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِعْضَهُنَّ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَهُ امْرَأَتَانِ فَفَعَلَ، طُلِّقَتْ إِحْدَاهُمَا، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّعْيِينِ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ فَحَصَلَ تَرَدُّدٌ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ، أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِهِمَا، لَا تُطَلَّقُ إِلَّا إِحْدَاهُمَا، أَوْ إِحْدَاهُنَّ، لِأَنَّ الِاسْمَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهَذَا إِذَا نَوَى بِ: حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ الطَّلَاقَ، وَجَعَلْنَاهُ صَرِيحًا فِيهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْكِنَايَةُ، فَيَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ مَعَ النِّيَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَقَعُ بِلَا نِيَّةٍ وَهِيَ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَبَرِيَّةٌ، وَبَتَّةٌ وَبَتْلَةٌ، وَبَائِنٌ وَحَرَامٌ، وَحُرَّةٌ، وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ، وَاعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَلَا أَنْدَهُ سِرْبَكِ، أَيْ: لَا أَزْجُرُ إِبِلَكِ، وَمَعْنَاهُ: لَا أَهْتَمُّ بِشَأْنِكِ، وَاغْرُبِي وَاعْزُبِي، وَاخْرُجِي وَاذْهَبِي، وَسَافِرِي وَتَجَنَّبِي، وَتَجَرَّدِي وَتَقَنَّعِي، وَتَسَتَّرِي، وَالْزَمِي الطَّرِيقَ، وَبِينِي

وَأَبْعِدِي وَوَدِّعِينِي وَدَعِينِي، وَبَرِئْتُ مِنْكِ، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، وَأَنْتِ وَشَأْنُكِ، وَأَنْتِ مُطْلَقَةٌ وَمُنْطَلِقَةٌ، وَتَجَرَّعِي وَذُوقِي، وَتَزَوَّدِي وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ.
وَفِي قَوْلِهِ: اشْرَبِي، وَجْهَانِ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، كِنَايَةٌ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَيْسَ كِنَايَةً، بَلْ هُوَ لَغْوٌ، وَكُلِي، كَاشْرَبِي كِنَايَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَيْسَ كِنَايَةً قَطْعًا.
وَفِي قَوْلِهِ: أَغْنَاكِ اللَّهُ، وَقَوْلِهِ: قُومِي، وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَيْسَ كِنَايَةً.
وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ مُتَعَسِّفٍ، فَلَا أَثَرَ لَهَا، فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَى، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ، وَأَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكِ، وَمَا أَحْسَنَ وَجْهَكِ، وَتَعَالِي وَاقْرُبِي وَاغْزِلِي وَاسْقِينِي، وَأَطْعِمِينِي وَزَوِّدِينِي، وَاقْعُدِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَحُكِيَ وَجْهٌ فِي: اقْعُدِي وَأَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكِ، وَزَوِّدِينِي وَنَحْوِهَا، أَنَّهَا كِنَايَةٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
فَرْعٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ مُعْتَقَةٌ، أَوْ أَعْتَقْتُكِ وَنَوَى الطَّلَاقَ، طُلِّقَتْ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: طَلَّقْتُكَ وَنَوَى الْعِتْقَ، عَتَقَ.
وَلِلْمُنَاسِبَةِ وَالْمُشَارِكَةِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ يَصْلُحُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كِنَايَةً فِي الْآخَرِ، وَكَمَا أَنَّ صَرِيحَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كِنَايَةٌ فِي الْآخَرِ، فَكِنَايَاتُهَا مُشْتَرَكَةٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْعَقْدَيْنِ جَمِيعًا بِالنِّيَّةِ، لَكِنْ لَوْ قَالَ لِلْعَبْدِ: اعْتَدَّ أَوِ اسْتَبْرِئْ رَحِمَكَ وَنَوَى الْعِتْقَ، لَمْ يَنْفُذْ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي حَقِّهِ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِأَمَتِهِ وَنَوَى الْعِتْقَ، أَوْ لِزَوْجَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَنَوَى الطَّلَاقَ، نَفَذَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالظِّهَارُ وَالطَّلَاقُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا كِنَايَةً فِي الْآخَرِ.
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى الْعِتْقَ عَتَقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لَا لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ.

فَصْلٌ

قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ حُرَّمْتُكِ، بِأَنْ نَوَى الطَّلَاقَ، نَفَذَ رَجْعِيًّا، فَإِنْ نَوَى عَدَدًا وَقَعَ مَا نَوَى.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ صَرِيحٌ فِي اقْتِضَاءِ الْكَفَّارَةِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا وَهَذَا وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا، فَفِيهِ وَفَاءٌ بِالْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ: أَنَّ اللَّفْظَ الصَّرِيحَ إِذَا وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ، لَا يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ، فَهُوَ ظِهَارٌ، وَإِنْ نَوَاهُمَا مَعًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أَمْ طَلَاقًا أَمْ تَخَيَّرَ؟ فَمَا اخْتَارَهُ مِنْهُمَا، ثَبَتَ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا الثَّالِثُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الِاثْنَانِ مَعًا قَطْعًا.
وَلَوْ نَوَى أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: إِنْ أَرَادَ الظِّهَارَ ثُمَّ أَرَادَ الطَّلَاقَ، صَحَّا جَمِيعًا، وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ أَوَّلًا، فَإِذَا كَانَ بَائِنًا، فَلَا مَعْنَى لِلظِّهَارِ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا كَانَ الظِّهَارُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ رَاجَعَهَا، فَهُوَ صَحِيحٌ وَالرَّجْعَةُ عَوْدٌ وَإِلَّا فَهُوَ لَغْوٌ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا التَّفْصِيلُ فَاسِدٌ عِنْدِي، لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ إِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّصَرُّفَانِ لَمْ يَخْتَلِفِ الْحُكْمُ بِإِرَادَتِهِمَا مَعًا، أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ، وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ فَرْجِهَا أَوْ وَطْئِهَا، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِأَمَتِهِ.
وَفِي وَقْتِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ الْوَطْءِ، وَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مَعَ نِيَّةِ التَّحْرِيمِ، كَالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مُؤْلِيًا بِقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَطَأْ، وَهِيَ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَلَيْسَتْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَرَدْتُ الْحَلِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ

وَيَنْعَقِدُ يَمِينًا، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَصِيرُ لَفْظُ التَّحْرِيمِ يَمِينًا بِالنِّيَّةِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَاتِ وَالْإِمَاءِ كَالطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِمَا، أَمْ يَخْتَصُّ بِالْأَبْضَاعِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا يَخْتَصُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ أَطْلَقَ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَقَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، صَرِيحٌ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَذَا اللَّفْظُ كِنَايَةٌ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ مُسْتَمِرٌّ فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فِي بِلَادٍ لَمْ يُشْتَهَرْ فِيهَا لَفْظُ الْحَرَامِ فِي الطَّلَاقِ، وَفِيمَنْ قَالَهُ فِي بِلَادٍ اشْتُهِرَ فِيهَا لِلطَّلَاقِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الشُّيُوعَ وَالِاشْتِهَارَ لَا يَجْعَلُهُ صَرِيحًا، فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَصِيرُ بِهِ صَرِيحًا فَمُقْتَضَى مَا فِي «التَّهْذِيبِ» ، أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ لِلطَّلَاقِ وَلَا تَفْصِيلَ، وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صَرْفُ النِّيَّةِ إِلَى التَّحْرِيمِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ، كَمَا أَنَّا وَإِنْ جَعَلْنَاهُ صَرِيحًا فِي الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَجُوزُ صَرْفُهُ بِالنِّيَّةِ إِلَى الطَّلَاقِ قَالَ: وَإِذَا أَطْلَقَ وَجَعَلْنَاهُ صَرِيحًا فِي الْكَفَّارَةِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الصَّرَائِحَ تُؤْخَذُ مِنَ الشُّيُوعِ فَقَطْ، أَمْ مِنْهُ وَمِنْ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ؟ إِنْ قُلْنَا [بِالْأَوَّلِ حُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ قُلْنَا] بِالثَّانِي فَهَلْ يَثْبُتُ الطَّلَاقُ لِقُوَّتِهِ، أَمْ يَتَدَافَعَانِ؟ فِيهِ رَأْيَانِ.
فَرْعٌ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي «الْوَسِيطِ» : إِنْ نَوَى التَّحْرِيمَ كَانَ يَمِينًا، هَذَا غَلَطٌ، بَلِ الصَّوَابُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، لَكِنَّ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
فَرْعٌ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ حَرَّمْتُكِ، فَإِنْ نَوَى الْعِتْقَ عَتَقَتْ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا أَوْ ظِهَارًا، فَهُوَ لَغْوٌ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَعِنْدِي أَنَّ نِيَّةَ الظِّهَارِ كَنِيَّةِ التَّحْرِيمِ.

وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا، لَمْ تَحْرُمْ وَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: قَطْعًا.
وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِأَمَتِهِ الَّتِي هِيَ أُخْتُهُ وَنَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ صَدَقَ فِي وَصْفِهَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِوَصْفِهِ الْحَلَالَ بِالْحُرْمَةِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْأَمَةُ مُعْتَدَّةً، أَوْ مُرْتَدَّةً، أَوْ مَجُوسِيَّةً، أَوْ مُزَوَّجَةً، أَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ مُحَرَّمَةً، أَوْ مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ، فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِاسْتِبَاحَةٍ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ صَائِمَةً، وَجَبَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا عَوَارِضُ.
وَلَوْ خَاطَبَ بِهِ الرَّجْعِيَّةَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَ الْحَنَّاطِيُّ فِيهِ خِلَافًا.
فَرْعٌ قَالَ: هَذَا الثَّوْبُ، أَوِ الْعَبْدُ، أَوِ الطَّعَامُ حَرَامٌ عَلَيَّ، فَهُوَ لَغْوٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرُهَا.
فَرْعٌ قَالَ: كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ حَرَامٌ عَلَيَّ وَلَهُ زَوْجَاتٌ وَإِمَاءٌ، وَنَوَى تَحْرِيمَهُنَّ، أَوْ أَطْلَقَ وَجَعَلْنَاهُ صَرِيحًا، أَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ أَنْتُنَّ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهَلْ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ، أَمْ تَكْفِي كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ؟ فِيهِ خِلَافٌ، الْمَذْهَبُ الِاكْتِفَاءُ فِي الْجَمِيعِ، وَقِيلَ: تَتَعَدَّدُ بِالْأَشْخَاصِ، وَقِيلَ: لِلزَّوْجَاتِ كَفَّارَةٌ وَالْإِمَاءِ أُخْرَى، وَقِيلَ: وَلِلْمَالِ أُخْرَى حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ.
قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى التَّحْرِيمَ، أَوْ جَعَلْنَاهُ صَرِيحًا فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ قَالَهُ فِي مَجَالِسَ وَنَوَى التَّأْكِيدَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ قَالَهُ فِي مَجَالِسَ وَنَوَى الِاسْتِئْنَافَ، تَعَدَّدَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.

وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فَقَطْ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَوْلَانِ.
فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيَّ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَالْخَمْرِ، أَوِ الْخِنْزِيرِ وَقَالَ: أَرَدْتُ الطَّلَاقَ، أَوِ الظِّهَارَ نَفَذَ، وَإِنْ نَوَى التَّحْرِيمَ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّهُ كَالْحَرَامِ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ.
وَعَلَى هَذَا جَرَى الْإِمَامُ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: الْخِلَافُ هُنَا مُرَتَّبٌ عَلَى لَفْظِ الْحَرَامِ، وَهُنَا أَوْلَى بِأَنْ لَا يَكُونَ صَرِيحًا، وَحَكَى قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ وَإِنْ نَوَى التَّحْرِيمَ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَوْ قَالَ أَرَدْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيَّ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ صَرِيحًا، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْكِنَايَةِ كِنَايَةٌ، وَتَبِعَهُ عَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ، وَلَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ هَذَا التَّصْوِيرُ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا كَالْمَيْتَةِ فِي الِاسْتِقْذَارِ، صُدِّقَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: إِنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ إِذَا نَوَى حَقِيقَةَ الطَّلَاقِ، وَقَصَدَ إِيقَاعَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْوِ كَذَلِكَ، فَلَا يَقَعُ وَإِنِ اعْتَقَدَ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ مُوقِعًا، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ طَلَاقُهُ.
فَرْعٌ قَالَ: مَتَى قُلْتُ لِامْرَأَتِي: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنِّي أُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ ثُمَّ قَالَ لَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الطَّلَاقِ، أَمْ يَكُونُ كَمَا لَوِ ابْتَدَأَ بِهِ؟ وَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ: تَكَرَّرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ صَرِيحٌ فِي الْكَفَّارَةِ، أَمْ كِنَايَةٌ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ مَعْنَى اللَّفْظَةِ حَتَّى يُقَالَ: صَرِيحٌ فِيهِ، أَمْ كِنَايَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ رَتَّبَهُ الشَّرْعُ عَلَى التَّلَفُّظِ بِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةِ التَّحْرِيمِ أَمْ لَا؟ فَتَوَسَّعُوا بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ.

فَصْلٌ

الْكِنَايَةُ لَا تَعْمَلُ بِنَفْسِهَا، بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ نِيَّةِ الطَّلَاقِ، وَتَقْتَرِنُ النِّيَّةُ بِاللَّفْظِ فَلَوْ تَقَدَّمَتْ، ثُمَّ تَلَفَّظَ بِلَا نِيَّةٍ، أَوْ فَرَغَ مِنَ اللَّفْظِ ثُمَّ نَوَى، لَمْ تُطَلَّقْ، فَلَوِ اقْتَرَنَتْ بِأَوَّلِ اللَّفْظِ دُونَ آخِرِهِ، أَوْ عَكْسُهُ، طُلِّقَتْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا تَلْتَحِقُ الْكِنَايَةُ بِالصَّرِيحِ بِسُؤَالِ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ، وَلَا بِقَرِينَةِ الْغَضَبِ وَاللِّجَاجِ، وَمَتَى تَلَفَّظَ بِكِنَايَةٍ، وَقَالَ: مَا نَوَيْتُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَتْ، وَحُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَرُبَّمَا اعْتَمَدَتْ قَرَائِنُ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِمِثْلِهَا.

فَصْلٌ

فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ فِي «الزِّيَادَاتِ» لِأَبِي عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُكِ طَلَاقَكِ، فَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُ وَلَمْ يَذْكُرَا عِوَضًا، لَا يَحْصُلُ فُرْقَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ نِيَّةٌ، وَقِيلَ: تَقَعُ طَلْقَةٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ شَيْءٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَفِي هَذَا تَوَقُّفٌ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ لَفْظٌ صَالِحٌ وَمَعَهُ نِيَّةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بَرِئْتُ مِنْ نِكَاحِكِ وَنَوَى، طُلِّقَتْ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بَرِئْتُ مِنْ طَلَاقِكِ وَنَوَى، لَمْ تُطَلَّقْ، وَلَوْ قَالَ: بَرِئْتُ إِلَيْكِ مِنْ طَلَاقِكِ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ

الْبُوشَنْجِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ، أَيْ: تَبَرَّأْتُ مِنْكِ بِوَسَاطَةِ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْكِ.
وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُكِ، أَوْ عَفَوْتُ عَنْكِ، فَكِنَايَةٌ، لِإِشْعَارِهِ بِالْإِسْقَاطِ، وَلَهُ عَلَيْهَا حُقُوقُ النِّكَاحِ، وَتَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: طَلَّقَكِ اللَّهُ، أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقَكِ اللَّهُ، طُلِّقْتِ وَعَتَقْتِ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا صَرِيحَانِ، وَرَأَى الْبُوشَنْجِيُّ أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ لِاحْتِمَالِهِ الْإِنْشَاءَ وَالدُّعَاءَ.
وَقَوْلُ مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ لِلْغَرِيمِ: أَبْرَأَكَ اللَّهُ، كَقَوْلِ الزَّوْجِ: طَلَّقَكِ اللَّهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِ وَتَرَكَ الْقَافَ، طُلِّقَتْ حَمْلًا عَلَى التَّرْخِيمِ.
قَالَ الْبُوشَنْجِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ وَإِنْ نَوَى، فَإِنْ قَالَ: يَا طَالِ، وَنَوَى، وَقَعَ، لِأَنَّ التَّرْخِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي النِّدَاءِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ النِّدَاءِ، فَلَا يَقَعُ إِلَّا نَادِرًا فِي الشِّعْرِ، وَأَنَّهُ إِذَا قَالَ: الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي، أَوْ وَاجِبٌ عَلَيَّ، طُلِّقَتْ لِلْعُرْفِ.
وَلَوْ قَالَ: فَرْضٌ عَلَيَّ، لَمْ تُطَلَّقْ لِعَدَمِ الْعُرْفِ فِيهِ.
وَرَأَى الْبُوشَنْجِيُّ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كِنَايَةٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: طَلَاقُكِ عَلَيَّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَنَوَى، وَقَعَ، فَوَصَفَهُ بِوَاجِبٍ أَوْ فَرْضٍ يَزِيدُهُ تَأْكِيدًا.
وَحَكَى صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» الْخِلَافَ فَقَالَ: لَوْ قَالَ طَلَاقُكِ لَازِمٌ لِي، فَوَجْهَانِ.
قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: هُوَ صَرِيحٌ.
وَلَوْ قَالَ: لَسْتِ بِزَوْجَةٍ لِي، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
وَقِيلَ: لَغْوٌ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: اذْهَبِي إِلَى بَيْتِ أَبَوَيَّ وَنَوَى الطَّلَاقَ، إِنْ نَوَاهُ بِقَوْلِهِ: اذْهَبِي، وَقَعَ، وَإِنْ نَوَاهُ بِمَجْمُوعِ اللَّفْظَيْنِ، لَمْ يَقَعْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِلَى بَيْتِ أَبَوَيَّ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ، بَلْ هُوَ لِاسْتِدْرَاكِ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: اذْهَبِي.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقَانِ أَوْ طَوَالِقُ، لَمْ يَقَعْ إِلَّا طَلْقَةٌ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ إِلَّا عَمْرَةَ، وَلَا امْرَأَةَ لَهُ سِوَاهَا، طُلِّقَتْ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُسْتَغْرِقٌ فَبَطَلَ.
وَلَوْ قَالَ: النِّسَاءُ طَوَالِقُ إِلَّا عَمْرَةَ، وَلَا زَوْجَةَ لَهُ سِوَاهَا، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ فِي نِسْوَةٍ، فَقَالَ: طَلَّقْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى زَوْجَتِهِ، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ

لِامْرَأَتِهِ يَا بِنْتِي، وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ احْتِمَالِ السِّنِّ، كَمَا لَوْ قَالَهُ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْمُلَاطَفَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ تُنْسَبُ إِلَى زَوْجِ أُمِّهَا، فَقَالَ: بِنْتُ فُلَانٍ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنْتَهُ حَقِيقَةً، وَلِغَيْرِهِ فِي هَذَا احْتِمَالٌ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ نَوَاهَا طُلِّقَتْ، وَلَا يَضُرُّ الْغَلَطُ فِي نَسَبِهَا، كَنَظِيرِهِ فِي النِّكَاحِ وَإِلَّا فَلَا، وَمُرَادُ الْقَفَّالِ بِقَوْلِهِ: لَمْ تُطَلَّقْ، أَيْ: فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرْتُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ طَوَالِقُ، لَمْ تُطَلَّقِ امْرَأَتُهُ.
وَعَنْ غَيْرِهِ: أَنَّهَا تُطَلَّقُ، وَبُنِيَ الْخِلَافُ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْخِطَابِ؟ قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الْأُصُولِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ، وَكَذَا هُنَا: الْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بَانَتْ مِنِّي امْرَأَتِي، أَوْ حَرُمَتْ عَلَيَّ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِالطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مُدَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثَلَاثًا، وَقَالَ: أَرَدْتُ بِالْبَائِنِ الطَّلَاقَ، فَلَمْ يَقَعْ عَلَى الثَّلَاثِ لِمُصَادَفَتِهَا الْبَيْنُونَةَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِطَلَاقِكِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ، لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُحْلَفُ بِهِ.

وَأَنَّهُ لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ: طَلِّقْنِي، فَقَالَ: طَلَّقْتُ فَاطِمَةَ، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْتُ فَاطِمَةَ أُخْرَى، طُلِّقَتْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِدَلَالَةِ الْحَالِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: طُلِّقَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْتُ أُخْرَى.
وَقَدْ يُشْكِلُ هَذَا بِمَا سَبَقَ، أَنَّ السُّؤَالَ لَا يُلْحِقُ الْكِنَايَةَ بِالصَّرِيحِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: طَلَّقْتُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَإِنْ نَوَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمَرْأَةِ ذِكْرٌ وَلَا دَلَالَةٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي وَنَوَى الطَّلَاقَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَلِيِّ امْرَأَتِهِ: زَوِّجْهَا، كَانَ إِقْرَارًا بِالْفِرَاقِ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: انْكَحِي، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا، لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تَنْكِحَ، وَلَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) . قُلْتُ: الصَّوَابُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ إِذَا خَاطَبَهَا بِهِ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا نُقِلَ مِنْ مُعَلَّقَاتِ الْقَاضِي شُرَيْحٍ الرُّويَانِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ، مَا حَكَاهُ عَنْ جَدِّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَحْلَلْتُكِ وَنَوَى طَلَاقَهَا، هَلْ هُوَ كِنَايَةٌ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ وَطَالِقٌ، يُرْجَعُ إِلَى نِيَّتِهِ فِي «بَائِنٍ» ، وَلَا يُجْعَلُ قَوْلُهُ: «وَطَالِقٌ» تَفْسِيرًا لَهُ.
وَأَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ كِنَايَةً، كَقَوْلِهِ: اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي، وَنَوَى الطَّلَاقَ، فَإِنْ نَوَى التَّأْكِيدَ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ، فَثَلَاثٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَقَوْلَانِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْأَلْفَاظُ مُخْتَلِفَةً، وَنَوَى بِهَا الطَّلَاقَ، وَقَعَ بِكُلِّ لَفْظَةٍ طَلْقَةٌ.
وَإِنَّ الْقَفَّالَ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: طُلِّقَتْ، وَنَوَى امْرَأَتَهُ، لَمْ تُطَلَّقْ لِعَدَمِ الْإِشَارَةِ وَالِاسْمِ.

وَلَوْ قِيلَ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِهَذِهِ الزَّوْجَةِ؟ طَلِّقْهَا، فَقَالَ: طَلَّقْتُ، أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى السُّؤَالِ وَالتَّفْوِيضِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ بِطَلْقَةٍ، وَنَوَى، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ، إِحْدَاهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَالْأُخْرَى فَاطِمَةُ بِنْتُ رَجُلٍ سَمَّاهُ أَبَوَاهُ أَيْضًا مُحَمَّدًا، إِلَّا أَنَّهُ اشْتُهِرَ فِي النَّاسِ بِزَيْدٍ، وَبِهِ يَدْعُونَهُ، فَقَالَ الزَّوْجُ: زَوْجَتِي فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ طَالِقٌ، وَقَالَ: أَرَدْتُ بِنْتَ الَّذِي يَدْعُونَهُ زَيْدًا، قَالَ جَدِّي: يُقْبَلُ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِتَسْمِيَةِ أَبَوَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ اسْمَانِ، وَأَكْثَرُ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِالِاسْمِ الْمَشْهُورِ فِي النَّاسِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي هَذِهِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ لَا تَحِلُّ لِي أَبَدًا، قَالَ جَدِّي: لَا تُطَلَّقُ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ يُظَنُّ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ بِالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِ الْجِمَاعِ، وَقِيلَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبَيْنُونَةِ لِمُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ، وَأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ زَيْدٌ: يَا زَيْدُ، فَقَالَ: امْرَأَةُ زَيْدٍ طَالِقٌ، قَالَ جَدِّي: تُطَلَّقُ امْرَأَتُهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تُطَلَّقُ حَتَّى يُرِيدَ نَفْسَهُ لِجَوَازِ إِرَادَةِ زَيْدٍ آخَرَ.
وَلْيَجِئْ هَذَا الْوَجْهُ، فِيمَا إِذَا قَالَ: فَاطِمَةُ طَالِقٌ وَاسْمُ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَصَحَّ لِيَكُونَ قَاصِدًا تَطْلِيقَ زَوْجَتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: طُلِّقَتِ امْرَأَتُكَ، فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا تَقُولُهُ، فَهَلْ يَكُونُ هَذَا إِقْرَارًا بِالطَّلَاقِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا جَدِّي، أَصَحُّهُمَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَعْلَمَ، وَلَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْعِلْمُ، وَأَنَّهَا لَوِ ادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَأَنْكَرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَقِيهٍ: اكْتُبْ لَهَا ثَلَاثًا، قَالَ جَدِّي: يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ كِنَايَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي الَّتِي فِي هَذِهِ الدَّارِ طَالِقٌ، وَلَمْ تَكُنِ امْرَأَتُهُ فِيهَا، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: رَدَدْتُ عَلَيْكِ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثَ، وَنَوَى، وَقَعَ الثَّلَاثُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَعَنَى نَفْسَهُ، قَالَ جَدِّي: يُحْتَمَلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ.

قُلْتُ: الْوُقُوعُ أَرْجَحُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِابْنِهِ: قُلْ لِأُمِّكَ أَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ جَدِّي: إِنْ أَرَادَ التَّوْكِيلَ، فَإِذَا قَالَهُ لَهَا الِابْنُ، طُلِّقَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ وَيَكُونُ الِابْنُ مُخْبِرًا لَهَا بِالْحَالِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ فِي السِّكَّةِ طَالِقٌ، وَزَوْجَتُهُ فِي السِّكَّةِ، طُلِّقَتْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا، فَقَالَ الْوَكِيلُ: طُلِّقَتْ مَنْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا بِلَفْظِي، هَلْ تُطَلَّقُ الَّتِي وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِهَا؟ أَوْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يَنْوِ عِنْدَ الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَ لِمُوَكِّلِهِ، فَفِي الْوُقُوعِ وَجْهَانِ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ، أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: فَعَلْتَ كَذَا، فَأَنْكَرَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَامْرَأَتُكَ طَالِقٌ، قَالَ نَعَمْ، لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوقِعْهُ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فِيمَنْ قِيلَ لَهُ: طَلَّقْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ الْبُوشَنْجِيِّ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ، أَوْ لِأَبِيكِ أَوْ لِلْأَزْوَاجِ أَوْ لِلْأَجَانِبِ، وَنَوَى الطَّلَاقَ، طُلِّقَتْ، كَقَوْلِهِ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ كَذَا وَنَوَى الطَّلَاقَ، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَكَذَا لَوْ عَلَّقَ بِصِفَةٍ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ أَدْخُلِ الدَّارَ، فَأَنْتِ كَذَا، وَنَوَى، لَمْ تُطَلَّقْ لِأَنَّهُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِالْفُرْقَةِ، فَأَشْبَهَ إِذَا قَالَ: إِنْ لَمْ أَدْخُلِ الدَّارَ فَأَنْتِ كَمَا أُضْمِرُ، وَنَوَى الطَّلَاقَ، فَإِنَّهَا لَا تُطَلَّقُ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَرْبَعُ طُرُقٍ عَلَيْكِ مَفْتُوحَةٌ، فَخُذِي أَيَّهَا شِئْتِ، أَوْ لَمْ يَقُلْ: خُذِي أَيَّهَا شِئْتِ، أَوْ قَالَ: فَتَحْتُ عَلَيْكِ طَرِيقَكِ، فَكِنَايَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ: إِذَا لَمْ يَقُلْ: خُذِي أَيَّهَا شِئْتِ، فَلَيْسَ كِنَايَةً، وَوَافَقَ فِي قَوْلِهِ: فَتَحْتُ عَلَيْكِ طَرِيقَكِ

أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: خُذِي طَلَاقَكِ، فَقَالَتْ: أَخَذْتُ، لَمْ تُطَلَّقْ مَا لَمْ تُوجَدْ نِيَّةُ الْإِيقَاعِ مِنَ الزَّوْجِ بِقَوْلِهِ: خُذِي أَوْ مِنَ الْمَرْأَةِ إِنْ حَمَلَ قَوْلَهُ عَلَى تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ إِلَيْهَا.
وَفِي «الْإِقْنَاعِ» لِأَقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيِّ، أَنَّ قَوْلَهُ: لَعَلَّ اللَّهَ يَسُوقُ إِلَيْكِ خَيْرًا كِنَايَةٌ، وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: بَارَكَ اللَّهُ لَكِ، كِنَايَةٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ.
وَفِي «فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ» : إِذَا كَتَبَ الشُّرُوطِيُّ إِقْرَارَ رَجُلٍ بِالطَّلَاقِ، فَقَالَ لَهُ الشُّهُودُ: نَشْهَدُ عَلَيْكَ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ؟ فَقَالَ: اشْهَدُوا، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ لَوْ قَالَ: اشْهَدُوا عَلَى أَنِّي طَلَّقْتُهَا أَمْسِ، وَهُوَ كَاذِبٌ، لَمْ يَقَعْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِائَةَ طَلْقَةٍ، فَقَالَتْ: تَكْفِينِي ثَلَاثٌ، فَقَالَ: الْبَاقِي عَلَى صَوَاحِبِكِ، لَا يَقَعُ عَلَى صَوَاحِبِهَا طَلَاقٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهُنَّ، وَإِنَّمَا رَدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا لَاغِيًا، فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، كَانَ طَلَاقًا وَكَانَ التَّقْدِيرُ: أَنْتِ طَالِقٌ بِثَلَاثٍ، وَهُنَّ طَوَالِقُ بِالْبَاقِي وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَأَنْتِ يَا أُمِّ أَوْلَادِي، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ: لَا تُطَلَّقُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: نِسَاءُ الْعَالَمِينَ طَوَالِقُ وَأَنْتِ يَا فَاطِمَةُ، لَا تُطَلَّقُ، لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَى نِسْوَةٍ لَمْ يُطَلَّقْنَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ رِجْلٌ: فَعَلْتَ كَذَا فَأَنْكَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: الْحِلُّ عَلَيْكَ حَرَامٌ، وَالنِّيَّةُ نِيَّتِي أَنَّكَ مَا فَعَلْتَ، فَقَالَ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَالنِّيَّةُ نِيَّتُكَ مَا فَعَلْتَهُ، لَغَا قَوْلُهُ: النِّيَّةُ نِيَّتُكَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ تَلَفَّظَ بِهَذَا اللَّفْظِ ابْتِدَاءً.
وَلَوْ قَالَ لَهُ لَمَّا أَنْكَرَ: امْرَأَتُكَ طَالِقٌ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَقَالَ: طَالِقٌ، وَقَالَ: مَا أَرَدْتُ طَلَاقَ امْرَأَتِي، يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ إِشَارَةٌ إِلَيْهَا وَلَا تَسْمِيَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ إِرَادَةَ غَيْرِهَا، حُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ لَا، بِإِسْكَانِ الْوَاوِ، لَا يَقَعُ شَيْءٌ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: كَمَا لَوْ قَالَ: هَلْ أَنْتِ طَالِقٌ؟ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوَّلًا بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهُوَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، طُلِّقَتْ.

الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ اللَّفْظِ: الْإِشَارَةُ وَالْكُتُبُ يَدُلَّانِ عَلَى الطَّلَاقِ، فَأَمَّا الْإِشَارَةُ، فَمُعْتَبَرَةٌ مِنَ الْأَخْرَسِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَتَقُومُ إِشَارَتُهُ مَقَامَ عِبَارَةِ النَّاطِقِ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ وَالْأَقَارِيرِ وَالدَّعَاوَى، لَكِنْ فِي شَهَادَتِهِ خِلَافٌ.
وَإِذَا أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ بِطَلَاقٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، صَحَّ الْعَقْدُ قَطْعًا وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ أَدَارَ الْحُكْمَ عَلَى إِشَارَتِهِ الْمَفْهُومَةِ، وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِهَا، نَوَى أَمْ لَمْ يَنْوِ، وَكَذَا فَصَلَ الْبَغَوِيُّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ وَآخَرُونَ: إِشَارَتُهُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى صَرِيحَةٍ مُغْنِيَةٍ عَنِ النِّيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي يَفْهَمُ مِنْهَا الطَّلَاقَ كُلُّ وَاقِفٍ عَلَيْهَا، وَإِلَى كِنَايَةٍ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي يَفْهَمُ الطَّلَاقَ بِهَا الْمَخْصُوصُ بِالْفِطْنَةِ وَالذَّكَاءِ.
وَلَوْ بَالَغَ فِي الْإِشَارَةِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الطَّلَاقَ وَأَفْهَمَ هَذِهِ الدَّعْوَى.
قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ كَمَا لَوْ فَسَّرَ اللَّفْظَةَ الشَّائِعَةَ فِي الطَّلَاقِ بِغَيْرِهِ.
فَرْعٌ سَوَاءٌ فِي اعْتِبَارِ إِشَارَةِ الْأَخْرَسِ، قَدَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَمْ لَا، هَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَيُوَافِقُهُ إِطْلَاقُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنَّمَا تُعْتَبَرُ إِشَارَتُهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى

كِتَابَةٍ مُفْهِمَةٍ.
فَالْكِتَابَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ، لِأَنَّهَا أَضْبَطُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ مَعَ ذَلِكَ: إِنِّي قَصَدْتُ الطَّلَاقَ.
فَرْعٌ إِذَا كَتَبَ الْأَخْرَسُ الطَّلَاقَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الصَّحِيحُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ إِذَا نَوَى، وَإِنْ لَمْ يُشِرْ مَعَهَا، وَالثَّانِي: لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ، وَالثَّالِثُ: هُوَ صَرِيحٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.

فَصْلٌ

الْقَادِرُ عَلَى النُّطْقِ، إِشَارَتُهُ بِالطَّلَاقِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً، وَإِنْ أَفْهَمَ بِهَا كُلَّ أَحَدٍ، وَلَيْسَتْ كِنَايَةً أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَهَذِهِ، فَفِي افْتِقَارِ طَلَاقِ الثَّانِيَةِ إِلَى نِيَّةٍ، وَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَأَشَارَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ الْأُخْرَى، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ.
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ، بَلْ تُطَلَّقَانِ جَمِيعًا.

فَصْلٌ

إِذَا كَتَبَ الْقَادِرُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ، نُظِرَ، إِنْ قَرَأَ مَا كَتَبَهُ وَتَلَفَّظَ بِهِ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ، أَوْ بَعْدَهَا، طُلِّقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَنْوِ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ وَتَكُونُ الْكِتَابَةُ صَرِيحًا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ نَوَى، فَفِيهِ أَقْوَالٌ وَأَوْجُهٌ وَطُرُقٌ، مُخْتَصَرُهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: تُطَلَّقُ مُطْلَقًا، وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: تُطَلَّقُ إِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنِ الْمَجْلِسِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولٍ كَالْإِعْتَاقِ وَالْإِبْرَاءِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ وَغَيْرِهَا بِلَا فَرْقٍ.

وَأَمَّا مَا يُحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ، فَهُوَ نِكَاحٌ وَغَيْرُهُ، أَمَّا غَيْرُهُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ، فَفِي انْعِقَادِهَا بِالْكَتْبِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الطَّلَاقِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، إِنْ لَمْ يُعْتَبَرِ الْكَتْبُ هُنَاكَ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، لِلْخِلَافِ فِي انْعِقَادِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِالْكِنَايَاتِ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ فِيهَا شَرْطٌ فَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْإِيجَابِ، وَالْأَشْبَهُ الِانْعِقَادُ.
وَمَنْ قَالَ بِهِ، جَعَلَ تَمَامَ الْإِيجَابِ بِوُصُولِ الْكِتَابِ، حَتَّى يُشْتَرَطَ اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِهِ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَلْ يُرَاعَى التَّوَاصُلُ اللَّائِقُ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى هَذَا كُلِّهِ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ، وَذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِهِمْ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ قَبِلَ بِالْقَوْلِ، كَانَ أَقْوَى مِنْ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ، فَفِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ، وَالْمَذْهَبُ مَنْعُهُ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ، فَلَا اطِّلَاعَ لِلشُّهُودِ عَلَى النِّيَّةِ.
وَلَوْ قَالَا بَعْدَ الْمُكَاتَبَةِ: نَوَيْنَا، كَانَ شَهَادَةً عَلَى إِقْرَارِهِمَا لَا عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، وَمَنْ جَوَّزَ اعْتَمَدَ الْحَاجَةَ.
وَإِذَا قُلْنَا: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ بِالْمُكَاتَبَةِ، فَذَلِكَ فِي حَالِ الْغَيْبَةِ، فَأَمَّا عِنْدَ الْحُضُورِ، فَخِلَافٌ مُرَتَّبٌ.
وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِانْعِقَادِ النِّكَاحِ بِالْمُكَاتَبَةِ يَكْتُبُ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، وَيَحْضُرُ الْكِتَابَ عَدْلَانِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْضُرَهُمَا، وَلَا أَنْ يَقُولَ: اشْهَدَا.
فَإِذَا بَلَغَهُ، فَيَقْبَلُ لَفْظًا.
أَوْ يَكْتُبُ الْقَبُولَ، وَيَحْضُرُ الْقَبُولَ شَاهِدَا الْإِيجَابِ، فَإِنْ شَهِدَهُ آخَرَانِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، وَمَنْ جَوَّزَهُ، احْتَمَلَهُ كَمَا احْتَمَلَ الْفَصْلَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
ثُمَّ إِذَا قَبِلَ لَفْظًا أَوْ كِتَابَةً، يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ.
فَرْعٌ كَتَبَ إِلَيْهِ: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ كَذَا مِنْ مَالِي، أَوْ إِعْتَاقِ عَبْدِي، فَإِنْ قُلْنَا: الْوِكَالَةُ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ، فَهُوَ كَكَتْبِ الطَّلَاقِ، وَإِلَّا فَكَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.

فَرْعٌ كَتَبَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ، أَوْ يَا فُلَانَةُ أَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ كُلُّ زَوْجَةٍ لِي فَهِيَ طَالِقٌ، فَإِنْ قَرَأَ مَا كَتَبَهُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا تُطَلَّقُ.
فَلَوْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا قَصَدْتُ قِرَاءَةَ مَا كَتَبْتُهُ وَحِكَايَتَهُ، فَفِي قَبُولِهِ ظَاهِرًا وَجْهَانِ مُشَبَّهَانِ بِالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ حَلَّ الْوِثَاقَ، وَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ، إِنَّمَا تَظْهَرُ إِذَا لَمْ يَجْعَلِ الْكَتْبَ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، أَوْ قُلْنَا: كِنَايَةً، وَأَنْكَرَ اقْتِرَانَ النِّيَّةِ.
فَرْعٌ إِذَا أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ بِالْمُكَاتَبَةِ، نُظِرَ فِي صُورَةِ الْمَكْتُوبِ، إِنْ كَتَبَ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ وَصَلَهَا الْكِتَابُ أَمْ ضَاعَ.
وَإِنْ كَتَبَ: إِذَا قَرَأْتِ كِتَابِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَقَعْ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ، بَلْ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ.
فَإِنْ كَانَتْ تُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، طُلِّقَتْ إِذَا قَرَأَتْهُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْمُعْتَبَرُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَى مَا فِيهِ.
وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهَا إِذَا طَالَعَتْهُ وَفَهِمَتْ مَا فِيهِ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ لَمْ تَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ.
فَلَوْ قَرَأَهُ غَيْرُهَا عَلَيْهَا، فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اطِّلَاعُهَا، أَمْ لَا لِعَدَمِ قِرَاءَتِهَا مَعَ الْإِمْكَانِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ.
وَإِنْ كَانَتْ لَا تُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، طُلِّقَتْ إِذَا قَرَأَهُ عَلَيْهَا شَخْصٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَا تُطَلَّقُ أَصْلًا.
وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ لَا يَعْلَمُ، أَهِيَ قَارِئَةٌ أَمْ لَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ التَّعْلِيقُ عَلَى قِرَاءَتِهَا بِنَفْسِهَا، نَظَرًا إِلَى حَقِيقَتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى الْفَهْمِ وَالِاطِّلَاعِ، لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ.
أَمَّا إِذَا كَتَبَ:

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل