روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 97-136
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْوَصَايَا

صفحات 97-136
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يُقَالُ: أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا، وَوَصَّيْتُ، وَأَوْصَيْتُ إِلَيْهِ: إِذَا جَعَلْتَهُ وَصِيًّا.
وَمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، كَزَكَاةٍ، وَحَجٍّ، أَوْ دَيْنٍ لِآدَمِيٍّ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ غَيْرُهُ.
قُلْتُ: الْمُرَادُ، إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مَنْ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ مَنْ لَهُ مَالٌ.
وَتَعْجِيلُ الصَّدَقَةِ فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ فِي الْحَيَاةِ أَفْضَلُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ لَا يَرِثُ مِنْ قَرَابَتِهِ، وَيُقَدِّمُ مِنْهُمُ الْمَحَارِمَ، ثُمَّ غَيْرَ الْمَحَارِمِ، ثُمَّ يُقَدِّمُ بِالرِّضَاعِ، ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ، ثُمَّ بِالْوَلَاءِ، ثُمَّ بِالْجِوَارِ، كَمَا فِي الصَّدَقَةِ الْمُنْجَزَةِ.
وَفِي «أَمَالِي» السَّرَخْسِيِّ: أَنَّ مَنْ قَلَّ مَالُهُ، وَكَثُرَ عِيَالُهُ، يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُفَوِّتَهُ عَلَيْهِمْ بِالْوَصِيَّةِ.
وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ.

وَيَشْتَمِلُ الْكِتَابُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.
[الْبَابُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ.
[الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: الْمُوصِي، وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ، فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَجْنُونِ، وَالْمُبَرْسَمِ، وَالْمَعْتُوهِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ قَطْعًا، وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيَّزِ.
وَتَدْبِيرُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ كَهِبَتِهِ وَإِعْتَاقِهِ، إِذْ لَا عِبَارَةَ لَهُ.
وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالصَّبِيِّ.

وَأَمَّا الْعَبْدُ، فَإِنْ أَوْصَى، وَمَاتَ رَقِيقًا فَبَاطِلَةٌ.
وَإِنْ عَتَقَ، ثُمَّ مَاتَ، فَبَاطِلَةٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْمُكَاتَبُ كَالْقِنِّ وَكَالصَّبِيِّ.
فَرْعٌ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْكَافِرِ بِمَا يُتَمَوَّلُ أَوْ يُقْتَنَى، وَلَا تَصِحُّ بِخَمْرٍ، وَلَا خِنْزِيرٍ، سَوَاءٌ أَوْصَى لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَلَا بِمَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ كَنِيسَةٍ، أَوْ بِنَائِهَا، أَوْ كَتْبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، أَوْ قِرَاءَتِهِمَا، وَمَا أَشْبَهَهُمَا.

الرُّكْنُ الثَّانِي الْمُوصَى لَهُ.
فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ، فَشَرْطُهُ: أَنْ لَا تَكُونَ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ وَسَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، فَلَوْ وَصَّى مُسْلِمٌ بِبِنَاءِ بُقْعَةٍ لِبَعْضِ الْمَعَاصِي، لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ وَصَّى ذِمِّيٌّ بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ.
فَرْعٌ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ الْوَصِيَّةُ لِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَلِعِمَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَالصَّالِحِينَ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِحْيَاءِ الزِّيَارَةِ، وَالتَّبَرُّكِ بِهَا، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ لِفَكِّ أَسَارَى الْكُفَّارِ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ الْمُفَادَاةَ جَائِزَةٌ، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِبِنَاءِ رِبَاطٍ يَنْزِلُهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، أَوْ دَارٍ لِتُصْرَفَ غَلَّتُهَا إِلَيْهِمْ.
فَرْعٌ عَدُّوا مِنَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَعْصِيَةِ، مَا إِذَا أَوْصَى لِدَهْنِ سِرَاجِ الْكَنِيسَةِ، لَكِنْ قَيَّدَ

الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْمَنْعَ بِمَا إِذَا قَصَدَ تَعْظِيمَ الْكَنِيسَةِ.
فَأَمَّا إِذَا قَصَدَ انْتِفَاعَ الْمُقِيمِينَ أَوِ الْمُجَاوِرِينَ بِضَوْئِهَا، فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ.

فَصْلٌ

وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَصَوَّرَ لَهُ الْمُلْكُ.
وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الضَّبْطِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ جَائِزَةٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لِحَمْلِ فُلَانَةَ، أَوْ لِحَمْلِ فُلَانَةَ الْمَوْجُودِ الْآنَ، فَلَا بُدَّ لِنُفُوذِهَا مِنْ شَرْطَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهُ حَالَ الْوَصِيَّةِ، بِأَنْ يَنْفَصِلَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلَوِ انْفَصَلَ لِسِتَّةٍ فَصَاعِدًا نُظِرَ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا، بَلْ فَارَقَهَا مُسْتَفْرِشُهَا قَبْلَ الْوَصِيَّةِ.
فَإِنْ كَانَ الِانْفِصَالُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
وَإِنِ انْفَصَلَ لِدُونِ ذَلِكَ، فَقَوْلَانِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لِحَمْلِ فُلَانَةَ مِنْ زَيْدٍ اشْتُرِطَ مَعَ ذَلِكَ ثُبُوتُ نَسَبِهِ مِنْ زَيْدٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَعْدَ زَوَالِ الْفِرَاشِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ، وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْوَصِيَّةِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ; لِأَنَّ النَّسَبَ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْهُ.
وَلَوِ اقْتَضَى الْحَالُ ثُبُوتَ نَسَبِهِ مِنْ زَيْدٍ، فَنَفَاهُ بِاللِّعَانِ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْجُمْهُورُ: لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ.
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: يَسْتَحِقُّ ; لِأَنَّ النَّسَبَ كَانَ ثَابِتًا، وَاللِّعَانُ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لَحَمْلِ أَمَةٍ مِنْ سَيِّدِهَا، فَادَّعَى سَيِّدُهَا الِاسْتِبْرَاءَ، وَرَأَيْنَاهُ نَافِيًا لِلنَّسَبِ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَنْفَصِلَ حَيًّا، فَلَوِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنِ انْفَصَلَ بِجِنَايَةٍ وَأَوْجَبْنَا الْغُرَّةَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمِيرَاثِ.
فَرْعٌ أَتَتْ بِوَلَدَيْنِ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْأَوَّلِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا وَإِنْ زَادَ مَا بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالثَّانِي عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا؛ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ.
فَرْعٌ يَقْبَلُ الْوَصِيَّةَ لِلْحَمْلِ مَنْ يَلِي أَمْرَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ حَيًّا.
وَإِنْ قَبِلَهَا قَبْلَ انْفِصَالِهِ، ثُمَّ انْفَصَلَ حَيًّا، فَعَنِ الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ قَوْلَانِ.
كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَبَانَ مَيِّتًا.
فَرْعٌ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فِيمَا إِذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ لِحَمْلِهَا، أَوْ لِحَمْلِهَا الْمَوْجُودِ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: لِحَمْلِهَا الَّذِي سَيَحْدُثُ، فَأَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ، وَتَمْلِيكُ الْمَعْدُومِ مُمْتَنِعٌ.
وَالثَّانِي: تَصِحُّ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو مَنْصُورٍ، كَمَا تَصِحُّ بِالْحَمْلِ الَّذِي سَيُوجَدُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ، صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْعَبْدُ الْمُوصَى لَهُ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَجْنَبِيٍّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُوصِي، وَإِمَّا لِلْوَرَثَةِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: لِأَجْنَبِيٍّ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ.
ثُمَّ لَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَسْتَمِرَّ رِقُّهُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يَسْتَمِرَّ رِقُّهُ، فَالْوَصِيَّةُ لِلسَّيِّدِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ الْمُوصِي الْعَبْدَ الْمُوصَى لَهُ لَمْ تَبْطُلِ الْوَصِيَّةُ، وَلَوْ قَتَلَهُ سَيِّدُ الْعَبْدِ، كَانَتْ وَصِيَّتُهُ لِلْقَاتِلِ.
وَفِي افْتِقَارِ قَبُولِ الْعَبْدِ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي بَابِ «مُعَامَلَةِ الْعَبِيدِ» . أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، وَلَا.
يَصِحُّ مِنَ السَّيِّدِ مُبَاشَرَةُ الْقَبُولِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، وَالْوَجْهَانِ فِيمَا حُكِيَ مَخْصُوصَانِ بِقَوْلِنَا: إِنَّ قَبُولَ الْعَبْدِ يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُعَمَّمَا ; لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ بِكُلِّ حَالٍ، فَلَا يَبْعُدُ تَصْحِيحُ الْقَبُولِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ فِي الْوَصِيَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَارِثَ الْمُوصَى لَهُ يَقْبَلُ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا قَبُولُ السَّيِّدِ مَا وُهِبَ لِعَبْدِهِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: هُوَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: هُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا ; لِأَنَّ الْقَبُولَ فِي الْهِبَةِ كَالْقَبُولِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ بِخِلَافِ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ.
وَإِذَا صَحَّحْنَا قَبُولَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَلَوْ مَنَعَهُ مِنَ الْقَبُولِ فَقَبِلَ، قَالَ الْإِمَامُ: الظَّاهِرُ عِنْدِي الصِّحَّةُ، وَحُصُولُ الْمِلْكِ لِلسَّيِّدِ، كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنِ الْخَلْعِ فَخَالَعَ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ بِلَا إِذْنٍ، فَلَوْ رَدَّ السَّيِّدُ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ عَدَمِ الْإِذْنِ.
فَلَوْ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي الْقَبُولِ فَفِيهِ احْتِمَالٌ عِنْدَ الْإِمَامِ، قَالَ: وَإِذَا صَحَّحْنَا الْقَبُولَ مِنَ السَّيِّدِ، فَيَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ رَدُّ الْعَبْدِ لَوْ رَدَّهُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ، بَلْ يُعْتَقَ.
فَيُنْظَرُ إِنْ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْمِلْكِ حُرٌّ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
فَإِنْ قَبِلَ ثُمَّ عَتَقَ، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ عَتَقَ ثُمَّ قَبِلَ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوَصِيَّةُ تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ، أَوْ مَوْقُوفَةٌ،

فَالْمِلْكُ لِلسَّيِّدِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تُمْلَكُ بِالْقَبُولِ، فَلِلْعَبْدِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِعَبْدٍ هُوَ لِزَيْدٍ، فَبَاعَهُ لِعَمْرٍو، فَيُنْظَرُ فِي وَقْتِ الْبَيْعِ، وَيُجَابُ بِمِثْلِ هَذَا التَّفْصِيلِ.
فَرْعٌ أَوْصَى لِمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، وَنِصْفُهُ لِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ، وَقَبِلَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، فَالْمُوصَى بِهِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا لَوِ احْتَشَّ أَوِ احْتَطَبَ.
وَإِنْ قَبِلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَقُلْنَا: يَفْتَقِرُ قَبُولُ الْعَبْدِ إِلَى إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَالْقَبُولُ بَاطِلٌ فِي نِصْفِ السَّيِّدِ.
وَفِي نِصْفِهِ وَجْهَانِ ; لِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ يَنْقَسِمُ عَلَى نِصْفَيْهِ، فَيَلْزَمُ دُخُولُ نِصْفِهِ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْأَكْسَابَ النَّادِرَةَ هَلْ تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي «زَكَاةِ الْفِطْرِ» ، وَفِي «كِتَابِ اللُّقَطَةِ» . فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَدْخُلُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَدْخُلُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ فِي الْقَبُولِ ; لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ إِذْنٌ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَكْسَابِ الدَّاخِلَةِ فِيهَا.
وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِيَوْمِ مَوْتِ الْمُوصِي، أَمْ بِيَوْمِ الْقَبُولِ، أَمْ بِيَوْمِ الْوَصِيَّةِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ وَهَبَ لِمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي دُخُولِ الْكَسْبِ النَّادِرِ فِي الْمُهَايَأَةِ.
فَإِنْ أَدْخَلْنَا وَوَقَعَ الْعَقْدُ فِي يَوْمِ أَحَدِهِمَا، وَالْقَبْضُ فِي يَوْمِ الْآخَرِ بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ الْمَقْبُوضَةَ يَسْتَنِدُ الْمِلْكُ فِيهَا إِلَى الْعَقْدِ، أَمْ يَثْبُتُ عَقِبَ الْقَبْضِ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَالِاعْتِبَارُ بِيَوْمِ الْعَقْدِ، وَإِلَّا فَيَوْمِ الْقَبْضِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى الثَّانِي بِيَوْمِ الْعَقْدِ.
فَرْعٌ قَالَ: أَوْصَيْتُ لِنِصْفِهِ الْحُرِّ، أَوْ لِنِصْفِهِ الرَّقِيقِ خَاصَّةً.
فَعَنِ الْقَفَّالِ: بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ.
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِ شَخْصٍ، كَمَا لَا يَرِثُ [بَعْضُهُ] ، وَقَالَ غَيْرُهُ:

يَصِحُّ وَيَنْزِلُ بِتَقْيِيدِ الْمُوصِي مَنْزِلَةَ الْمُهَايَأَةِ، فَيَكُونُ الْمُوصَى بِهِ لِلسَّيِّدِ إِنْ وَصَّى لِنِصْفِهِ الرَّقِيقِ، وَلَهُ إِنْ أَوْصَى لِنَفْسِهِ الْحُرِّ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الثَّانِي.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ تَرَدَّدَ الْإِمَامُ فِيمَا إِذَا صَرَّحَا بِإِدْرَاجِ الْأَكْسَابِ النَّادِرَةِ فِي الْمُهَايَأَةِ، أَنَّهَا تَدْخُلُ قَطْعًا، أَمْ تَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ؟ وَفِيمَا لَوْ عَمَّتِ الْهِبَاتُ وَالْوَصَايَا فِي قُطْرٍ، أَنَّهَا هَلْ تَدْخُلُ قَطْعًا، أَمْ تَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ؟ قُلْتُ: الرَّاجِحُ طَرْدُ الْخِلَافِ مُطْلَقًا، لِكَثْرَةِ التَّفَاوُتِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ الْمُوصَى لَهُ لِلْمُوصِي، فَيُنْظَرُ إِنْ أَوْصَى لِعَبْدِهِ الْقِنِّ بِرَقَبَتِهِ، فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ الثَّانِي.
وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِجُزْءٍ مِنْ رَقَبَتِهِ نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِيهِ، وَعَتَقَ ذَلِكَ الْجُزْءُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِثُلُثِ مَالِي وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِثُلُثِ مَا أَمْلِكُ مِنْ رَقَبَتِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِي، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِهِ، وَبَقِيَ بَاقِيهِ رَقِيقًا لِلْوَرَثَةِ، فَيَكُونُ الثُّلُثُ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ وَصِيَّةً لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ لِوَارِثِهِ.
وَسَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِثُلُثِ مَا أَمْلِكُ، أَوْ بِثُلُثِ أَمْوَالِي، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: أَنَّ رَقَبَتَهُ تَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِ.
وَالثَّانِي: لَا لِإِشْعَارِهِ بِغَيْرِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُ وَصِيَّةٌ لِلْعَبْدِ بِغَيْرِ رَقَبَتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِثُلُثِ رَقَبَتِهِ، وَثُلُثِ بَاقِي أَمْوَالِي.
وَالثَّالِثَةُ:

تُجْمَعُ الْوَصِيَّةُ فِي رَقَبَتِهِ، فَإِنْ خَرَجَ كُلُّهُ مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، صُرِفَ الْفَضْلُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ كُلُّهُ مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَيْنِ مَالٍ، أَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ مِنْ مَالِي كَذَا، فَإِنْ مَاتَ وَهُوَ مِلْكُهُ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ بَاعَهُ الْمُوصِيَ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ، فَهِيَ لِلْعَتِيقِ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ جَمِيعِ أَمْوَالِهِ، وَشَرَطَ تَقْدِيمَ رَقَبَتِهِ، عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ مَا يَتِمُّ بِهِ الثُّلُثُ.
فَرْعٌ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِأُمِّ وَلَدِهِ ; لِأَنَّهَا تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلِلْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْمِلْكِ.
ثُمَّ إِنْ عَجَزَ وَرَقَّ، صَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَرَثَةِ.
وَكَذَا الْمُدَبَّرُ.
ثُمَّ عِتْقُهُ وَالْوَصِيَّةُ لَهُ مُعْتَبَرَانِ مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِنْ وَفَى بِهِمَا عَتَقَ، وَنَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ.
وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْمُدَبَّرِ عُتِقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ لِلْوَارِثِ.
وَإِنْ وَفَى بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمُدَبَّرِ وَالْوَصِيَّةِ، بِأَنْ كَانَ الْمُدَبَّرُ يُسَاوِي مِائَةً، وَالْوَصِيَّةُ بِمِائَةٍ، وَلَهُ غَيْرُهُمَا مِائَةٌ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: تُقَدَّمُ رَقَبَتُهُ، فَيُعْتَقُ كُلُّهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: يُعْتَقُ نِصْفُهُ، وَالْوَصِيَّةُ وَصِيَّةٌ لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ لِلْوَارِثِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ: أَصَحُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ لِوَارِثِ الْمُوصِي بِأَنْ بَاعَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَالْوَصِيَّةُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ أَعْتَقَهُ، فَهِيَ لِلْعَتِيقِ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ فِي مِلْكِهِ، فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَعَبْدِ أَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ

وَارِثُهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي.
وَلَوْ أَوْصَى لِمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، وَنِصْفُهُ لِوَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ مُهَايَأَةٌ، أَوْ كَانَتْ، وَقُلْنَا: لَا تَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ فِيهَا، فَهُوَ كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَكَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُبَعِّضَ الْوَصِيَّةَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.
وَإِنْ جَرَتْ مُهَايَأَةٌ، وَقُلْنَا: يَدْخُلُ فِيهَا، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِيَوْمِ مَوْتِ الْمُوصِي عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ مَاتَ فِي يَوْمِ الْعَبْدِ، فَالْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ لَهُ، وَإِلَّا، فَوَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُهَايَأَةٌ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ، أَمْ أَحْدَثَاهَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ.
فَرْعٌ أَوْصَى لِمُكَاتَبِ وَارِثِهِ.
فَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْدَهُ بِأَدَاءِ النُّجُومِ.
فَإِنْ عَجَزَ، وَرَقَّ، صَارَتْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَوْصَى لِدَابَّةِ غَيْرِهِ، وَقَصَدَ تَمْلِيكَهَا، أَوْ أَطْلَقَ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ; لِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ لِلتَّمْلِيكَ، وَالدَّابَّةُ لَا تَمْلِكُ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلْعَبْدِ، بِأَنَّ الْعَبْدَ تَنْتَظِمُ مُخَاطَبَتُهُ، وَيَتَأَتَّى مِنْهُ الْقَبُولُ، وَرُبَّمَا عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ.
وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَقْفِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ فِي كَوْنِهِ وَقْفًا عَلَى مَالِكِهَا، فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُضَافَ إِلَى مَنْ تَمَلَّكَ.
قُلْتُ: الْفَرْقُ أَصَحُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ فُسِّرَ بِالصَّرْفِ فِي عَلَفِهَا صَحَّتْ ; لِأَنَّ عَلَفَهَا عَلَى مَالِكِهَا، فَالْقَصْدُ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ الْمَالِكُ.
هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.

وَيُحْتَمَلُ طَرْدُ خِلَافٍ سَبَقَ فِي مِثْلِهِ فِي الْوَقْفِ.
فَعَلَى الصِّحَّةِ فِي اشْتِرَاطِ قَبُولِ الْمَالِكِ وَجْهَانِ: اخْتِيَارُ أَبِي زَيْدٍ: لَا يُشْتَرَطُ، وَيُجْعَلُ وَصِيَّةً لِلدَّابَّةِ.
وَالْأَصَحُّ: الِاشْتِرَاطُ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» كَسَائِرِ الْوَصَايَا.
وَهِيَ وَصِيَّةٌ لِمَالِكِهَا، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِعِمَارَةِ دَارِهِ، فَعَلَى هَذَا، يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إِلَى جِهَةِ الدَّابَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» رِعَايَةً لِغَرَضِ الْمُوصِي.
فَعَلَى هَذَا، يَتَوَلَّى الْإِنْفَاقَ الْوَصِيُّ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَالْقَاضِي، أَوْ مَنْ يَأْمُرُهُ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ لَهُ إِمْسَاكُهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِ.
فَرْعٌ لَوِ انْتَقَلَتِ الدَّابَّةُ مِنْ مَالِكِهَا إِلَى غَيْرِهِ، فَقِيَاسُ كَوْنِ الْوَصِيَّةِ لِلدَّابَّةِ الِاسْتِمْرَارُ لَهَا.
وَقِيَاسُ كَوْنِهَا لِلْمَالِكِ اخْتِصَاصُهَا بِالْمُنْتَقَلِ عَنْهُ.
قُلْتُ: بَلِ الْقِيَاسُ اخْتِصَاصُهَا بِالْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْعَبْدِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ أَوْصَى لِمَسْجِدٍ وَفُسِّرَ بِالصَّرْفِ فِي عِمَارَتِهِ وَمَصْلَحَتِهِ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَهَلْ تَبْطُلُ كَالْوَصِيَّةِ لِلدَّابَّةِ، أَمْ تَصِحُّ تَنْزِيلًا عَلَى الصَّرْفِ فِي عِمَارَتِهِ وَمَصْلَحَتِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَيَصْرِفُهُ الْقَيِّمُ فِي الْأَهَمِّ وَالْأَصْلَحِ بِاجْتِهَادِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ تَمْلِيكَ الْمَسْجِدِ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: سَبَقَ أَنْ لِلْمَسْجِدِ مِلْكًا وَعَلَيْهِ وَقْفًا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ.

قُلْتُ: هَذَا الَّذِي أَشَارَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ إِلَى اخْتِيَارِهِ هُوَ الْأَفْقَهُ وَالْأَرْجَحُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَكَذَا لِلْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ فِي «عُيُونِ الْمَسَائِلِ» . [الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةُ: فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْإِمَامِ وَالرُّويَانِيِّ: الصِّحَّةُ، كَالْهِبَةِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِحَقٍّ أَمْ بِغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ فِي الْقَتْلِ ظُلْمًا، وَتَصِحُّ لِلْقَاتِلِ بِحَقٍّ قَطْعًا، كَالْقِصَاصِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: إِنْ وَرَّثْنَا الْقَاتِلَ بِحَقٍّ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ.
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ فِيمَنْ أَوْصَى لِجَارِحِهِ ثُمَّ مَاتَ.
أَمَّا مَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ، فَقَتَلَهُ فَبَاطِلَةٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْجِلٌ، فَحُرِمَ كَالْوَارِثِ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ فِي الْجَارِحِ قَطْعًا.
وَالْقَوْلَانِ فِي الْآخَرِ.
وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا.
فَرْعٌ الْمُسْتَوْلَدَةُ إِذَا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَتَقَتْ قَطْعًا وَإِنِ اسْتَعْجَلَتْ ; لِأَنَّ الْإِحْبَالَ كَالْإِعْتَاقِ، وَلَوْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عَبْدًا، فَقَتَلَ سَيِّدَهُ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي حُرِّيَّتِهِ.
وَلَوْ قَتَلَ الْمُدَبَّرُ سَيِّدَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ فَقَتَلَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ عَتَقَ [قَطْعًا] ، كَالْمُسْتَوْلَدَةِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ صَحَّحْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ عَتَقَ الْمُدَبَّرُ بِقَتْلِ سَيِّدِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ سَوَاءٌ قُلْنَا: التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ، أَمْ تَعْلِيقٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَعْلِيقًا، فَفِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ.

فَرْعٌ أَوْصَى لِعَبْدِ جَارِحِهِ، أَوْ لِمُدَبَّرِهِ، أَوْ لِمُسْتَوْلَدَتِهِ، فَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لِلْعَتِيقِ، وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، صَحَّتْ لِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَإِلَّا فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِجَارِحٍ.
فَرْعٌ أَوْصَى لِعَبْدِ زَيْدٍ بِشَيْءٍ، فَجَاءَ الْعَبْدُ فَقَتَلَ الْمُوصِيَ، لَمْ تَتَأَثَّرْ بِهِ الْوَصِيَّةُ.
فَإِنْ جَاءَ زَيْدٌ وَقَتَلَهُ، فَهُوَ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِمُكَاتَبٍ، فَقَتَلَ الْمُكَاتَبُ الْمُوصِيَ، فَإِنْ عَتَقَ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ.
وَإِنْ عَجَزَ، فَالْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ لِلسَّيِّدِ.
وَإِنْ قَتَلَهُ سَيِّدُ الْمَكَاتِبِ، فَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ.
وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْعَبْدِ الْقَاتِلِ ; لِأَنَّهَا تَقَعُ لِسَيِّدِهِ.
فَرْعٌ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إِذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَلَّ دَيْنُهُ ; لِأَنَّ الْحَظَّ لَهُ الْآنَ فِي تَعْجِيلِ بَرَاءَتِهِ.

[الْمَسْأَلَةُ] السَّادِسَةُ: فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ.
يُقَدَّمُ عَلَيْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ.
فَلَوْ خَالَفَ وَلَهُ وَارِثٌ [خَاصٌّ] فَرَدَّ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَ دُفِعَ الْمَالُ بِالزِّيَادَةِ إِلَى الْمُوصَى لَهُ.
وَهَلْ إِجَازَتُهُ تَنْفِيذٌ لِتَصَرُّفِ الْمُوصِي، أَمِ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ مِنَ الْوَارِثِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: تَنْفِيذٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ خَاصٌّ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ بَاطِلَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ،

لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا مُجِيزَ.
وَحَكَى أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ وَجْهًا فِي صِحَّتِهَا.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لِلْإِمَامِ رَدُّهَا.
وَهَلْ لَهُ إِجَازَتُهَا؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ، هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْوَارِثِ الْخَاصِّ.
وَفِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ، فَتَبْطُلُ بِرَدٍّ سَائِرِ الْوَرَثَةِ.
فَإِنْ أَجَازُوا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِجَازَتُهُمُ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ، وَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ.
وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا تَنْفِيذٌ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِبُطْلَانِهَا وَإِنْ أَجَازَتِ الْوَرَثَةُ.
وَالْفَرْقُ [أَنَّ] الْمَنْعَ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَاكَ لَحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا رَضُوا أَجَازَ.
وَالْمَنْعُ هُنَا لِتَغْيِيرِ الْفُرُوضِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ لِلْوَرَثَةِ، فَلَا أَثَرَ لِرِضَاهُمْ.
فَإِنْ قُلْنَا: تَنْفِيذٌ، كَفَى لَفْظُ الْإِجَازَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى هِبَةٍ وَتَجْدِيدِ قَبُولٍ وَقَبْضٍ، وَلَيْسَ لِلْمُجِيزِ الرُّجُوعُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَإِنْ قُلْنَا: ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ، فَلَا يَكْفِي قَبُولُ الْوَصِيَّةِ أَوَّلًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولٍ آخَرَ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ، وَلِلْمُجِيزِ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظُ التَّمْلِيكِ أَوْ لَفْظُ الْإِعْتَاقِ إِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ إِعْتَاقًا؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَلَا يَكْفِي لَفْظُ الْإِجَارَةِ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا فَاسِدًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ ثُمَّ أَجَازَهُ.
فَرْعٌ خَلَّفَ زَوْجَةً هِيَ بِنْتُ عَمِّهِ، وَأَبَاهَا، وَكَانَ أَوْصَى لَهَا، فَأَجَازَ أَبُوهَا الْوَصِيَّةَ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ إِنْ جَعَلْنَا الْإِجَازَةَ تَنْفِيذًا، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ، فَلَهُ الرُّجُوعُ.
فَرْعٌ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ، أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ، وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ

عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِجَازَةُ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ مِنَ الْوَرَثَةِ، فَوَلَاءُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِلْمُجِيزِينَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ بِحَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِمْ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَنْفِيذٌ، فَوَلَاءُ جَمِيعِهِ لِلْمَيِّتِ يَرِثُهُ ذُكُورُ الْعَصَبَةِ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ اللَّبَّانِ وَجْهٌ: أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمَيِّتِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عَبْدًا، فَمَاتَ قَبْلَ سَيِّدِهِ، فَهَلْ يَمُوتُ كُلُّهُ حُرًّا، أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي «بَابِ الْعِتْقِ» .

فَرَوَّعَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ إِحْدَاهَا: الْهِبَةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِلْوَارِثِ، وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ وَإِبْرَاءُهُ مِنْ دَيْنٍ كَالْوَصِيَّةِ لَهُ، فَفِيهَا الْخِلَافُ.
الثَّانِي: لَا اعْتِبَارَ بِرَدِّ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتِهِمْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي.
فَلَوْ أَجَازُوا فِي حَيَاتِهِ، أَوْ أَذِنُوا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ أَرَادُوا الرَّدَّ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ.
فَإِنْ أَجَازُوا بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَالصَّحِيحُ لُزُومُهَا.
وَقِيلَ: كَالْإِجَازَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ، حَكَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ.
الثَّالِثُ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الْوَارِثُ قَدْرَ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَقَدْرَ التَّرِكَةِ، فَإِنْ جَهِلَ أَحَدَهُمَا، لَمْ يَصِحَّ إِنْ قُلْنَا: الْإِجَازَةُ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَنْفِيذٌ، فَكَالْإِبْرَاءِ عَنْ مَجْهُولٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الْأَظْهَرِ.
الرَّابِعُ: أَجَازَ ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ أَعْتَقِدُ التَّرِكَةَ قَلِيلَةً، فَبَانَتْ أَكْثَرَ مِمَّا ظَنَنْتُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي «الْأُمِّ» : يَحْلِفُ وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يَتَحَقَّقُهُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الْيَمِينِ إِذَا حَصَلَ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُوصَى لَهُ.

فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْيَمِينِ إِنْ جَعَلْنَاهَا ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ، فَإِنَّ الْهِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَلْزَمُ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: التَّنْفِيذُ فِي الْقَدْرِ الْمَظْنُونِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ تَنْفِيذٌ، فَتَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ.
أَمَّا إِذَا قُلْنَا: ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ، فَإِذَا حَلَفَ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ.
وَاللَّفْظُ الْمَحْكِيُّ عَنِ النَّصِّ يُنَازِعُهُ فِيمَا ادَّعَاهُ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمُوصَى لَهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا قَدْرَ التَّرِكَةِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ لَزِمَتْ إِنْ جَعَلْنَاهَا تَنْفِيذًا، وَإِنْ قُلْنَا: عَطِيَّةٌ، فَلَا إِذَا لَمْ يُوجَدِ الْقَبْضُ.
وَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ، فَأَجَازَ، ثُمَّ قَالَ: ظَنَنْتُ التَّرِكَةَ كَثِيرَةً وَأَنَّ الْعَبْدَ خَارِجٌ مِنْ ثُلُثِهَا وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ، أَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ لَمْ أَعْلَمْهُ، أَوْ بَانَ لِي أَنَّهُ تَلِفَ بَعْضُهَا، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِجَازَةُ عَطِيَّةٌ، صَحَّتْ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعْلُومٌ، وَالْجَهَالَةُ فِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَنْفِيذٌ، فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الصِّحَّةُ لِلْعِلْمِ بِالْعَبْدِ.
وَالثَّانِي: يَحْلِفُ وَلَا يُلْزَمُ إِلَّا الثُّلُثَ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمُشَاعِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي.
الْخَامِسُ: الِاعْتِبَارُ فِي كَوْنِهِ وَارِثًا بِيَوْمِ الْمَوْتِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَلَابْنٍ لَهُ، فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ قَبْلَ مَوْتِهِ صَحَّتْ.
وَلَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ، فَمَاتَ الِابْنُ قَبْلَ الْمُوصِي، فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذَكَرْنَا فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ خِلَافًا فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِيَوْمِ الْإِقْرَارِ، أَمِ الْمَوْتِ؟ وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِقْرَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ، وَلَا ثَبَاتَ لَهَا قَبْلَهُ.
السَّادِسُ: إِذَا أَوْصَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَوَصِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِلَا وَصِيَّةٍ.
وَيَجِئُ فِيهِ أَوْجُهٌ: أَنَّهُ يَصِحُّ ; لِأَنَّ صَاحِبَ «التَّتِمَّةِ» حَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا وَارِثٌ وَاحِدٌ فَأَوْصَى لَهُ بِمَالِهِ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا: أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ، وَيَأْخُذُ التَّرِكَةَ بِالْإِرْثِ.
وَالثَّانِي: تَصِحُّ، فَيَأْخُذُهَا بِالْوَصِيَّةِ إِذَا لَمْ يَنْقُضْهَا، قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إِذَا ظَهَرَ دَيْنٌ.
إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ أَخَذَ التَّرِكَةَ إِرْثًا، فَلَهُ إِمْسَاكُهَا وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَصِيَّةِ، قَضَاهُ مِنْهَا وَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ الِامْتِنَاعُ لَوْ قَضَى مِنْ غَيْرِهَا.

قُلْتُ: وَمِنْ فَوَائِدِهِ لَوْ حَدَثَتْ مِنْ عَيْنِ التَّرِكَةِ زَوَائِدُ.
إِنْ قُلْنَا: وَصِيَّةٌ، لَمْ يَمْلِكْهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: إِرْثٌ مَلَكَهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ أَوْصَى لِكُلِّ وَارِثٍ بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ، مِنْ ثَوْبٍ، وَعَبْدٍ، وَغَيْرِهِمَا، فَهَلْ تَحْتَاجُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ إِلَى الْإِجَازَةِ، أَمْ لَا بَلْ يُخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا عَيَّنَهُ لَهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: تَحْتَاجُ، لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِي الْأَعْيَانِ وَمَنَافِعِهَا.
وَلِهَذَا أَوْصَى أَنْ تُبَاعَ عَيْنُ مَالِهِ لِزَيْدٍ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ.
السَّابِعُ: لَوْ بَاعَ الْمَرِيضُ مَالَهُ لِوَارِثِهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، نَفَذَ قَطْعًا.
الثَّامِنُ: أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَجْنَبِيٍّ وَوَارِثٍ.
إِنْ صَحَّحْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ، وَأَجَازَتِ الْوَرَثَةُ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ أَبْطَلْنَاهَا، أَوْ رَدَّهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، بَقِيَ السُّدُسُ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: تَبْطُلُ فِيهِ أَيْضًا أَخْذًا مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَإِنْ أَوْصَى لِهَذَا بِالثُّلُثِ، وَلِهَذَا بِالثُّلُثِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ، وَأَجَازَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثُّلُثُ.
وَإِنْ أَبْطَلْنَاهَا، أَوْ رَدُّوا فَلَا شَيْءَ لِلْوَارِثِ.
ثُمَّ يُنْظَرُ فِي كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ، إِنْ رَدُّوا وَصِيَّةَ الْوَارِثِ، سَلِمَ الثُّلُثُ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَا يَسْلَمُ لَهُ إِلَّا السُّدُسُ.
وَإِنْ قَالُوا: رَدَدْنَا مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنَ الْوَصِيَّتَيْنِ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ لِلْأَجْنَبِيِّ الثُّلُثَ.
وَقِيلَ: السُّدُسُ.
التَّاسِعُ: أَوْصَى لِأَحَدِ وَرَثَتِهِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ، أَوْ بِمَا دُونَهُ، وَأَجَازَ الْبَاقُونَ، سَلِمَ لَهُ الْمُوصَى بِهِ، وَالْبَاقِي مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمْ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَذَلِكَ الْقَدْرُ، خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَوْرُوثًا بِاتِّفَاقِ الْوَرَثَةِ، وَلَوْ أَوْصَى لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ نَصِيبِهِ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَاقِيَ لِمَنْ لَمْ يُوصِ لَهُ،

لِاحْتِمَالِ أَنَّ غَرَضَهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ تَخْصِيصُهُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا إِذَا أَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلِأَحَدِ ابْنَيْهِ الْحَائِزَيْنِ بِالنِّصْفِ، وَأَجَازَا الْوَصِيَّتَيْنِ، فَلِلْأَجْنَبِيِّ النِّصْفُ.
وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الِابْنُ الْمُوصَى لَهُ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: النِّصْفُ.
وَالثَّانِي: الرُّبُعُ وَالسُّدُسُ، وَيَبْقَى نِصْفُ سُدُسِ الَّذِي لَمْ يُوصَ لَهُ.
وَلَوْ أَجَازَ الِابْنُ الَّذِي لَمْ يُوصَ لَهُ الْوَصِيَّتَيْنِ، وَلَمْ يُجِزِ الْمُوصَى لَهُ وَصِيَّةَ الْأَجْنَبِيِّ، فَالْمَسْأَلَةُ تَصِحُّ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ لِلْأَجْنَبِيِّ الثُّلُثُ أَرْبَعَةً بِلَا إِجَازَةٍ، وَيَأْخُذُ سَهْمًا آخَرَ مِنْ نَصِيبِ الَّذِي أَجَازَ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ خَمْسَةٌ، وَلِلِابْنِ الْمُوصَى لَهُ سَبْعَةٌ، مِنْهَا سِتَّةٌ بِالْوَصِيَّةِ وَسَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزْ وَصِيَّةَ الْأَجْنَبِيِّ، كَذَا حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَهُوَ قِيَاسُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَقِيَاسُ الثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَ الِابْنُ الْمُوصَى لَهُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ، وَيَبْقَى لِلِابْنِ الْآخَرِ سَهْمٌ.
وَلَوْ لَمْ يُجِزْ الِابْنُ الَّذِي لَمْ يُوصَ لَهُ وَصِيَّةَ الْأَجْنَبِيِّ، فَلِلْأَجْنَبِيِّ خَمْسَةٌ.
ثُمَّ عَلَى قِيَاسِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِلِابْنِ الْمُوصَى لَهُ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ، وَعَلَى قِيَاسِ الثَّانِي لَهُ خَمْسَةٌ، وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ.
الْعَاشِرُ: أَوْصَى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِأَحَدِ ابْنَيْهِ الْحَائِزَيْنِ بِالْكُلِّ، وَأَجَازَا الْوَصِيَّتَيْنِ، فَلِزَيْدٍ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ لِلِابْنِ الْمُوصَى لَهُ.
وَلَيْسَ لَهُ زَحْمَةُ زَيْدٍ فِي الثُّلُثِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْأَجْنَبِيِّ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الْإِجَازَةِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ.
وَإِنْ رَدَّا، فَثُلُثُ زَيْدٍ بِحَالِهِ، وَلَا شَيْءَ لِلِابْنِ بِالْوَصِيَّةِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِالثُّلُثِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنِ ابْنَيْهِ بِالثُّلُثِ فَرَدَّا، لَمْ يُؤَثِّرْ رَدُّهُمَا فِي حَقِّ زَيْدٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا ثُلُثُ الثُّلُثِ بِالشُّيُوعِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: وَقَفَ دَارًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى ابْنِهِ الْحَائِزِ.
فَإِنْ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَإِنْ صَحَّحْنَاهَا بِالْإِجَازَةِ، فَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: إِنِ احْتَمَلَهَا

ثُلُثُ مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ إِبْطَالُ الْوَقْفِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ; لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِ مَالِهِ نَافِذٌ، فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ قَطْعِ حَقِّ الْوَارِثِ عَنِ الثُّلُثِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَتَمَكُّنُهُ مِنْ وَقْفِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ، لَمْ يَبْطُلِ الْوَقْفُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ، فَلَيْسَ لِلْمَرِيضِ تَفْوِيتُهَا عَلَى الْوَارِثِ، فَلِلْوَارِثِ رَدُّهَا وَإِبْطَالُهَا.
فَإِنْ أَجَازَ، فَإِجَازَتُهُ وَقْفٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ جَعْلَنَا إِجَازَةَ الْوَارِثِ عَطِيَّةً مِنْهُ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا تَنْفِيذًا لَزِمَ الْوَقْفُ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَهُ رَدُّ الْكُلِّ فِي الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ فِي حَقِّ الْوَارِثِ كَهِيَ بِالزِّيَادَةِ فِي حَقٍّ غَيْرِ الْوَارِثِ.
وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَعَلَيْهِ تَتَفَرَّعُ الصُّوَرُ الْآتِيَةُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا نَجَزَ الْوَقْفُ فِي مَرَضِهِ، وَكَانَ الِابْنُ طِفْلًا فَقَبِلَهُ لَهُ ثُمَّ مَاتَ فَأَرَادَ الِابْنُ الرَّدَّ أَوِ الْإِجَازَةَ، لَكِنْ لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّصْوِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَقَبِلَهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ الرَّدُّ بَعْدَ الْمَوْتِ، إِذِ الْإِجَازَةُ الْمُعْتَبَرَةُ هِيَ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ، وَبِنْتٌ، فَوَقَفَ ثُلُثَ الدَّارِ عَلَى الِابْنِ، وَالثُّلُثَ عَلَى الْبِنْتِ، فَلَا رَدَّ لَهُمَا إِنْ خَرَجَتِ الدَّارُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ، فَلَهُمَا رَدُّ الْوَقْفِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ وَقَفَهَا عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، وَالثُّلُثُ يَحْتَمِلُهَا، فَإِنْ رَضِيَ الِابْنُ فَهِيَ كَمَا وَقَفَ، وَإِلَّا، فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَدَّادِ: أَنَّ لَهُ رَدَّ الْوَقْفِ فِي رُبُعِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ النِّصْفَ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْبِنْتِ الرُّبُعَ، فَإِذَا زَادَ، كَانَ لِلِابْنِ رَدُّهُ، ثُمَّ لَا يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْهُ وَقْفًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَبَ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ إِلَّا النِّصْفَ، بَلْ يَكُونُ الرُّبُعُ الْمَرْدُودُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا مِلْكًا، وَتَكُونُ الْقِسْمَةُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، لِحَاجَتِنَا إِلَى عَدَدٍ لِرُبُعِهِ ثُلُثٌ، فَتِسْعَةٌ مِنْهَا وَقْفٌ عَلَيْهِمَا، وَثَلَاثَةٌ مِلْكٌ، وَكِلَاهُمَا بِالْأَثْلَاثِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلِابْنِ إِبْطَالُ الْوَقْفِ إِلَّا فِي سُدُسِ الدَّارِ،

لِأَنَّهُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ إِجَازَتُهُ فِي حَقِّهِ، وَحَقُّهُ مُنْحَصِرٌ فِي ثُلُثِ الدَّارِ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ النِّصْفَ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ، لَكِنْ تَتَخَيَّرُ الْبِنْتُ فِي نِصْفِ السُّدُسِ، إِنْ شَاءَتْ أَجَازَتْ، فَيَكُونُ وَقْفًا.
وَإِنْ شَاءَتْ رَدَّتْ، فَيَكُونُ مِلْكًا.
قُلْتُ: قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ هُوَ الْأَصَحُّ، أَوِ الصَّحِيحُ، أَوِ الصَّوَابُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ وَقَفَ الدَّارَ عَلَى ابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ نِصْفَيْنِ وَلَا وَارِثَ سِوَاهُمَا، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: قَدْ نَقَصَ الْمَرِيضُ مِنْ حَقِّ الِابْنِ ثَلَاثَةَ أَثْمَانِ الدَّارِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ حَقِّهِ، فَلَهُ رَدُّ الْوَقْفِ فِي حَقِّهَا وَهُوَ الثُّمُنُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَسِبَاعِهِ، لِيَكُونَ الْوَقْفُ عَلَيْهَا مَنْ نَصِيبِهَا كَالْوَقْفِ عَلَيْهِ مِنْ نَصِيبِهِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا مِلْكًا، فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ، لِحَاجَتِنَا إِلَى عَدَدٍ لِثُمُنِهِ سَبْعٌ، فَتَكُونُ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ الدَّارِ كُلِّهَا - وَهِيَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ - وَقْفًا، ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهَا وَقْفٌ عَلَى الِابْنِ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَالْبَاقِي - وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ - مِلْكًا، مِنْهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ لِلِابْنِ، وَثَلَاثَةٌ لَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْوَقْفِ إِلَّا فِي تَتِمَّةِ حَقِّهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الدَّارِ، وَأَمَّا الثُّمُنُ، فَالْخِيَارُ فِيهِ لِلزَّوْجَةِ.
وَلَوْ وَقَفَ ثُلُثَ الدَّارِ عَلَى أَبِيهِ، وَثُلُثَهَا عَلَى أُمِّهِ، وَلَا وَارِثَ سِوَاهُمَا، فَالْجَوَابُ عَلَى قِيَاسِ ابْنِ الْحَدَّادِ: أَنَّهُ نَقَصَ مِنْ نَصِيبِ الْأَبِ ثُلُثُ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ثُلُثَيْهَا، وَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ إِلَّا الثُّلُثَ، وَذَلِكَ نِصْفُ نَصِيبِهِ، فَلَهُ رَدُّ الْوَقْفِ فِي نِصْفِ نَصِيبِهَا وَهُوَ سُدُسُ الدَّارِ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا مِلْكًا.
وَتَقَعُ الْقِسْمَةُ مِنْ سِتَّةٍ، لِحَاجَتِنَا إِلَى عَدَدٍ لِثُلُثِهِ نِصْفٌ، فَيَكُونُ نِصْفُ الدَّارِ وَقْفًا، وَنِصْفُهَا مِلْكًا أَثْلَاثًا.
وَعَلَى قِيَاسِ الشَّيْخِ: لَا يُرَدُّ الْوَقْفُ إِلَّا فِي تَتِمَّةِ حَقِّهِ، وَهُوَ الثُّلُثُ، وَلَهَا الْخِيَارُ فِي السُّدُسِ.
وَلَفْظُ ابْنِ الْحَدَّادِ فِي الْمُوَلَّدَاتِ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ، فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، لَكِنَّهُ يُحْوِجُ إِلَى ضَرْبِ تَعَسُّفٍ.

فَصْلٌ

وَالْوَصِيَّةُ لِلْمَيِّتِ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ، أَمْ لَا.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُوصَى بِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: كَوْنُهُ مَقْصُودًا، فَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا لَا يُقْصَدُ.
وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
فَالْمَنْفَعَةُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْمَعْدُومَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْبَلَ النَّقْلَ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ.
فَمَا لَا يَقْبَلُهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُمَا وَإِنِ انْتَقَلَا بِالْإِرْثِ، لَا يَتَمَكَنُّ مُسْتَحِقُّهُمَا مِنْ نَقْلِهِمَا.
وَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْحُقُوقِ التَّابِعَةِ لِلْأَمْوَالِ، كَالْخِيَارِ وَحَقِّ الشُّفْعَةِ إِذَا لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّأْخِيرِ لِتَأْجِيلِ الثَّمَنِ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَوْصَى بِالشِّقْصِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِسَبَبِهِ، كَانَ الشِّقْصُ لِلْمُوصَى لَهُ، وَالشُّفْعَةُ لِلْوَرَثَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي «الْفَتَاوَى» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْمُوصِي إِذَا قُلْنَا: لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِمَالِ الْغَيْرِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

فَصْلٌ

الْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ الْمَوْجُودِ، إِنْ أَطْلَقَهَا فَقَالَ: أَوْصَيْتُ بِحَمْلِ فُلَانَةَ، أَوْ قَيَّدَهَا، فَقَالَ: بِحَمْلِهَا الْمَوْجُودِ الْآنَ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ بِشَرْطِ انْفِصَالِهِ حَيًّا، وَلِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْحَمْلِ.
فَلَوِ انْفَصَلَ مَيِّتًا مَضْمُونًا بِجِنَايَةٍ لَمْ تَبْطُلْ،

وَتَنْفُذُ مِنَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ مُقَوَّمًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْصَى بِحَمْلٍ وَانْفَصَلَ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ كَمَا سَبَقَ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَاكَ الْمَالِكِيَّةُ.
وَهَلْ يَصِحُّ قَبُولُ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْوَضْعِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ يُعْرَفُ، وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِحَمْلٍ سَيَكُونُ، صَحَّتْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ الْوَصِيَّةُ بِثِمَارِ الْبُسْتَانِ الْحَاصِلَةِ فِي الْحَالِ صَحِيحَةٌ، وَبِالَّتِي سَتَحْدُثُ طَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا: عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَمْلِ الَّذِي سَيَحْدُثُ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ كَالْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ ; لِأَنَّهَا تَحْدُثُ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ أَمْرٍ فِي أَصْلِهَا، بِخِلَافِ الْوَلَدِ.
فَرْعٌ الْوَصِيَّةُ بِصُوفِ الشَّاةِ وَلَبَنِهَا، كَالثِّمَارِ.

فَصْلٌ

الْوَصِيَّةُ بِمَنَافِعِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ صَحِيحَةٌ، مُؤَبَّدَةً وَمُؤَقَّتَةً، وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ.

فَصْلٌ

الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَالْآبِقِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالطَّيْرِ الْمُفْلِتِ صَحِيحَةٌ، وَكَذَا بِالْمَجْهُولِ، كَقَوْلِهِ: أَعْطُوهُ ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا.

فَرْعٌ لَوْ أَوْصَى بِأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ صَحَّتْ.
وَلَوْ أَوْصَى لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ لَمْ تَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، كَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ فِي الْمُوصَى بِهِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْمُوصَى لَهُ، ثُمَّ الْإِبْهَامُ فِي الْمُوصَى لَهُ إِنَّمَا يُمْنَعُ إِذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ.
فَلَوْ قَالَ: أَعْطُوا الْعَبْدَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ، فَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ جَائِزٌ تَشْبِيهًا بِمَا إِذَا قَالَ لِوَكِيلِهِ: بِعْهُ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَإِذَا أُبْهِمَ الْمُوصَى [بِهِ] عَيَّنَهُ الْوَارِثُ، وَإِذَا أَبْهَمَ الْمُوصَى لَهُ، فَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

فَصْلٌ

تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ، كَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ، وَالزَّيْتِ النَّجِسِ، وَالزِّبْلِ، وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ، وَالْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَالْخِنْزِيرِ؛ لِثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ فِيهَا وَانْتِقَالِهَا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ بِالْإِرْثِ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ شَحْمُ الْمَيْتَةِ لِدَهْنِ السُّفُنِ وَلَحْمُهَا إِذَا جَوَّزْنَا الِانْتِفَاعَ بِهِ.
وَفِي الْجِرْوِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إِمْسَاكِهِ وَتَرْبِيَتِهِ لِذَلِكَ، أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ.
فَأَمَّا مَا لَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ، كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
وَنَقَلَ الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، كَالْكَلْبِ الَّذِي لَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، وَقَوْلًا: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمُقْتَنَى، وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ.

فَصْلٌ

تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ.
فَإِنْ عَجَزَ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَتَصِحُّ بِرَقَبَةِ

الْمُكَاتَبِ إِنْ جَوَّزْنَا بَيْعَهُ، وَإِلَّا فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِمَالِ الْغَيْرِ، وَسَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

فَصْلٌ

إِنْ أَوْصَى بِمَالِ الْغَيْرِ فَقَالَ: أَوْصَيْتُ بِهَذَا الْعَبْدِ، وَهُوَ مِلْكُ غَيْرِهِ، أَوْ بِهَذَا الْعَبْدِ إِنْ مَلَكْتُهُ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ ; لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ، فَذَا أَوْلَى.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ مَالِكَهُ يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ بِهِ، وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِتَصَرُّفِ شَخْصَيْنِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْغَزَالِيُّ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَفْقَهُ وَأَجْرَى عَلَى قَوَاعِدِ الْبَابِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

الْوَصِيَّةُ بِالْأَصْنَامِ وَالسِّلَاحِ لِلذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ، وَبِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْمُصْحَفِ لِلْكَافِرِ كَبَيْعِهَا لَهُ.
فَرْعٌ إِذَا قَالَ: أَعْطُوهُ كَلْبًا مِنْ كِلَابِي، وَلَهُ كِلَابٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَكَلْبِ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ أُعْطِيَ وَاحِدًا مِنْهَا.
وَلَوْ قَالَ: كَلْبًا مِنْ مَالِي، فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْكَلْبُ مَالًا ; لِأَنَّ الْمُنْتَفَعَ بِهِ مِنَ الْكِلَابِ يُقْتَنَى وَتَعْتَوِرُهُ الْأَيْدِي، كَالْأَمْوَالِ، فَقَدْ يُسْتَعَارُ لَهُ اسْمُ الْمَالِ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ كَلْبًا مِنْ كِلَابِي، أَوْ مِنْ

مَالِي، وَلَيْسَ لَهُ كَلْبٌ يُنْتَفَعُ بِهِ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: [أَعْطُوهُ] عَبْدًا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَى ; لِأَنَّ الْكَلْبَ يَتَعَذَّرُ شِرَاؤُهُ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ.
وَفِي وَجْهٍ حَكَاهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي «الْمُعَايَاةِ» وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيُعْطَى قِيمَةَ مِثْلِ الْكَلْبِ مِنَ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ كَانَ لَهُ كَلْبٌ، وَلَا مَالَ لَهُ، فَأَوْصَى بِكَلْبِهِ، لَمْ تَنْفُذِ الْوَصِيَّةُ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ، كَالْمَالِ، فَإِنْ أَوْصَى بِبَعْضِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ كِلَابٌ فَأَوْصَى بِبَعْضِهَا، فَفِي وَجْهٍ: لَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْمُوصَى بِهِ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ، وَيَكْفِي أَنْ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ وَإِنْ قَلَّ.
وَالصَّحِيحُ اعْتِبَارُهُ كَالْأَمْوَالِ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا كَلْبٌ وَاحِدٌ، لَمْ يَخْفَ اعْتِبَارُ الثُّلُثِ.
وَإِنْ كَانَ كِلَابٌ، فَفِي كَيْفِيَّتِهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ [بِهِ] : أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي: يُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهَا بِتَقْدِيرِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا كَمَا يُقَدَّرُ الرِّقُّ فِي الْحُرِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ بِالْقِيمَةِ.
وَالثَّالِثُ: تُقَوَّمُ مَنَافِعُهَا، وَيُؤْخَذُ الثُّلُثُ مِنْ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ.
وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا كَلْبًا، وَطَبْلَ لَهْوٍ، وَزِقَّ خَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ، فَأَوْصَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَأَرَدْنَا اعْتِبَارَ الثُّلُثِ، لَمْ يَجُزِ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَلَا الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَاسُبَ بَيْنَ الرُّءُوسِ وَلَا الْمَنْفَعَةِ، فَيَتَعَيَّنُ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَكِلَابٌ، فَأَوْصَى بِكُلِّهَا، أَوْ بِبَعْضِهَا، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: نُفُوذُ الْوَصِيَّةِ فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ وَقَلَّ الْمَالُ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَنْ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ الْمُوصَى بِهِ، وَالْمَالُ وَإِنْ قَلَّ خَيْرٌ مِنْ ضِعْفِ الْكَلْبِ، إِذْ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرِيُّ وَالشَّيْخُ.
وَالثَّانِي قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ: أَنَّ الْكِلَابَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، فَيُقَدَّرُ كَأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ،

وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي ثَلَاثِ كِلَابٍ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَالثَّالِثُ: تُقَوَّمُ الْكِلَابُ أَوْ مَنَافِعُهَا عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَتُضَمُّ إِلَى مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الْمَالِ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ الْجَمِيعِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَبِالْكِلَابِ لِآخَرَ، فَعَلَى قَوْلِ الْإِصْطَخْرِيِّ: يُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْكِلَابِ وَحْدَهَا.
وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْكِلَابِ ; لِأَنَّ ثُلُثَيِ الْمَالِ الَّذِي يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ خَيْرٌ مِنْ ضَعْفِ الْكِلَابِ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ ; لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْوَرَثَةُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ هُوَ حِصَّتُهُمْ بِسَبَبِ مَا نُقِلَتْ فِيهِ الْوَصِيَّةُ، وَهُوَ الثُّلُثُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْسَبَ عَلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى فِي وَصِيَّةِ الْكِلَابِ، فَعَلَى هَذَا يَلْتَقِي الْوَجْهَانِ.
قُلْتُ: قَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ أَصَحُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَقِيَاسُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ: أَنْ تُضَمَّ قِيمَةُ الْكِلَابِ أَوْ مَنَافِعُهَا إِلَى الْمَالِ، وَيُدْخَلَ الْمَالُ فِي حِسَابِ الْوَصِيَّةِ بِالْكِلَابِ وَإِنْ لَمْ تَدْخُلِ الْكِلَابُ فِي حِسَابِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ.

فَصْلٌ

اسْمُ الطَّبْلِ يَقَعُ عَلَى طَبْلِ الْحَرْبِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلتَّهْوِيلِ، وَعَلَى طَبْلِ الْحَجِيجِ وَالْقَوَافِلِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلْإِعْلَامِ بِالنُّزُولِ وَالِارْتِحَالِ، وَعَلَى طَبْلِ الْعَطَّارِينَ وَهُوَ سَفَطٌ لَهُمْ، وَعَلَى طَبْلِ اللَّهْوِ، كَالطَّبْلِ الَّذِي يَضْرِبُ بِهِ الْمُخَنَّثُونَ، وَسَطُهُ ضَيِّقٌ وَطَرَفَاهُ وَاسِعَانِ.
فَإِنْ أُطْلِقَ الطَّبْلُ، فَفِيهِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَإِنْ عُيِّنَ مَا سِوَى طَبْلِ اللَّهْوِ صَحَّ.
وَإِنْ عُيِّنَ طَبْلُ اللَّهْوِ، نُظِرَ، إِنْ صَلَحَ لِلْحَجِيجِ، أَوِ الْحَرْبِ، أَوْ مَنْفَعَةٍ أُخْرَى مُبَاحَةٍ، إِمَّا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَإِمَّا بَعْدَ التَّغْيِيرِ الَّذِي يَبْقَى مَعَهُ اسْمُ الطَّبْلِ، فَالْوَصِيَّةُ أَيْضًا صَحِيحَةٌ، وَإِلَّا فَبَاطِلَةٌ،

وَلَا نَظَرَ إِلَى الْمَنَافِعِ الْمُتَوَقَّعَةِ بَعْدَ زَوَالِ اسْمِ الطَّبْلِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَوْصَى بِالطَّبْلِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ: إِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الطَّبْلِ، وَكَانَ لَا يَنْتَفِعُ إِلَّا بِرُضَاضِهِ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الرُّضَاضُ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ نَفِيسٍ، كَذَهَبٍ أَوْ عُودٍ، فَتَنْزِلُ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ أَوْصَى بِرُضَاضِهِ إِذَا كُسِرَ، وَالْوَصِيَّةُ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَبَقَ فِي بَيْعِ الْمَلَاهِي الَّتِي يُعَدُّ رُضَاضُهَا مَالًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَتْ مُتَّخَذَةً مِنْ شَيْءٍ نَفِيسٍ صَحَّ، وَإِلَّا، فَلَا.
فَإِنِ اكْتَفَيْنَا بِمَالِيَّةِ الرُّضَاضِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ، وَإِلَّا فَلَا.
فَإِذًا مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَجْهَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَكَمَا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ بُطْلَانَ الْبَيْعِ، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ، وَكَمَا اخْتَارَ الْإِمَامُ صِحَّةَ الْبَيْعِ إِذَا كَانَ شَيْئًا نَفِيسًا، فَكَذَا صَحَّحَ الْوَصِيَّةَ فِيهِ.

فَصْلٌ

سَبَقَ أَنَّ الْمُوصَى بِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ثُلُثِ الْمَالِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ شَيْئًا.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ اسْتَوْفَى الثُّلُثَ، وَإِلَّا فَيُسْتَحَبُّ النَّقْصُ مِنْهُ.
وَبِأَيِّ يَوْمٍ يُعْتَبَرُ الْمَالُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بِيَوْمِ الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِمَالِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: بِيَوْمِ الْمَوْتِ، إِذْ يَمْلِكُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ زَادَ مَالُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، تَعَلَّقَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
وَكَذَا لَوْ هَلَكَ ثُمَّ كَسَبَ مَالًا، تَعَلَّقَتْ بِهِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِعَشَرَةٍ وَلَا مَالَ لَهُ، ثُمَّ كَسَبَهُ، تَعَلَّقَتْ بِهِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، كُلُّ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ فِي اعْتِبَارِ الْقَدْرِ بِيَوْمِ الْمَوْتِ وَخَصَّ الْخِلَافَ بِمَنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا أَصْلًا ثُمَّ مَلَكَهُ.
ثُمَّ الثُّلُثُ الَّذِي تَنْفُذُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ هُوَ ثُلُثُ الْفَاضِلِ عَنِ الدُّيُونِ.
فَلَوْ كَانَ

عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ تُنَفَّذِ الْوَصِيَّةُ فِي شَيْءٍ، لَكِنْ يُحْكَمُ بِانْعِقَادِهَا فِي الْأَصْلِ حَتَّى يُنَفِّذَهَا لَوْ تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ.

فَرْعٌ التَّبَرُّعَاتُ الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ - وَهِيَ الْوَصَايَا - مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ سَوَاءٌ أَوَصَى [بِهَا] فِي صِحَّتِهِ، أَوْ فِي مَرَضِهِ، وَكَذَا التَّبَرُّعَاتُ الْمُنْجَزَةُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ.
وَلَوْ وَهَبَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَأَقْبَضَ فِي مَرَضِهِ، فَمِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ إِنَّمَا تُمْلَكَ بِالْقَبْضِ.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَنَّ الْمَرَضَ الْمَخُوفَ مَاذَا؟ وَأَنَّ التَّبَرُّعَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمَحْسُوبَةَ مِنَ الثُّلُثِ مَا هِيَ؟ وَأَنَّهَا كَيْفَ تُحْسَبُ؟ فَنَعْقِدُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ فَصْلًا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَاهُ، وَبَيَانِ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ، وَبَيَانِ مَا يُحْكَمُ بِهِ الْمَخُوفُ وَغَيْرُ الْمَخُوفِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ.
[أَمَّا] الْأَوَّلُ: فَمَا بِالْإِنْسَانِ مِنْ مَرَضٍ وَعِلَّةٍ، إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى حَالٍ يُقْطَعُ فِيهَا بِمَوْتِهِ مِنْهُ عَاجِلًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْخَصَ بَصَرُهُ عِنْدَ النَّزْعِ وَتَبْلُغَ الرُّوحُ الْحَنْجَرَةَ، أَوْ يُقْطَعَ حُلْقُومُهُ وَمَرِّيُّهُ، أَوْ يُشَقَّ بَطْنُهُ وَتَخْرُجَ حِشْوَتُهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَوْ يَغْرَقُ فِي الْمَاءِ وَيَغْمُرُهُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ السِّبَاحَةَ، فَلَا اعْتِبَارَ بِكَلَامِهِ وَوَصِيَّتِهِ وَغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، حَتَّى لَا يَصِحَّ إِسْلَامُ الْكَافِرِ وَلَا تَوْبَةُ الْفَاسِقِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حَيِّزِ الْأَمْوَاتِ، وَحَرَكَتُهُ حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ.

قُلْتُ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الْحَالُ الَّتِي قَالَ فِيهَا فِرْعَوْنُ: «آمَنْتُ» فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَإِمَّا أَنْ لَا يَنْتَهِيَ إِلَيْهَا، فَأَمَّا أَنْ يُخَافَ مِنْهُ الْمَوْتُ عَاجِلًا، وَهُوَ الْمَخُوفُ الَّذِي يَقْتَضِي الْحَجْرَ فِي التَّبَرُّعَاتِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ.
هَذَا ضَابِطُهُ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي أَمْرَاضٍ خَاصَّةٍ مَخُوفَةٍ، وَغَيْرِ مَخُوفَةٍ.
فَمِنَ الْمَخُوفَةِ: الْقُولَنْجُ، وَهُوَ أَنْ تَنْعَقِدَ أَخْلَاطُ الطَّعَامِ فِي بَعْضِ الْأَمْعَاءِ فَلَا تَنْزِلُ، وَيَصْعَدُ بِسَبَبِهِ الْبُخَارُ إِلَى الدِّمَاغِ فَيُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاكِ.
وَمِنْهَا: ذَاتُ الْجَنْبِ، وَهِيَ قُرُوحٌ تَحْدُثُ فِي دَاخِلِ الْجَنْبِ بِوَجَعٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ يَنْفَتِحُ فِي الْجَنْبِ، وَيَسْكُنُ الْوَجَعُ، وَذَلِكَ وَقْتُ الْهَلَاكِ، وَكَذَلِكَ وَجَعُ الْخَاصِرَةِ.
وَمِنْهَا: الرُّعَافُ الدَّائِمُ، لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الْقُوَّةَ، وَابْتِدَاؤُهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ.
وَمِنْهَا: الْإِسْهَالُ، إِنْ كَانَ مُتَوَاتِرًا، فَمَخُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَشِّفُ رُطُوبَاتِ الْبَدَنِ.
وَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ وَلَمْ يَدُمْ، فَلَيْسَ مَخُوفًا، إِلَّا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ أَحَدُ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْخَرِقَ الْبَطْنُ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِمْسَاكُ وَيَخْرُجُ الطَّعَامُ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ زَحِيرٌ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ بِشِدَّةٍ وَوَجَعٍ، أَوْ تَقْطِيعٍ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ كَذَلِكَ وَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ انْفِصَالُ شَيْءٍ كَثِيرٍ، فَإِذَا رَآهُ [نَظَرَهُ] كَانَ قَلِيلًا.
الثَّالِثُ: أَنْ يُعَجِّلَهُ وَيَمْنَعَهُ النَّوْمَ.
الرَّابِعُ: إِذَا كَانَ مَعَهُ دَمٌ، نَقَلَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ.
وَفِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَا يَأْتِي مَعَهُ دَمٌ، لَا يَكُونُ مَخُوفًا.
وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ

مَعَ الدَّمِ مَخُوفٌ.
فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: سَهَا الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ مَخُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الْقُوَّةَ، قَالَهُ الْمَسْعُودِيُّ.
وَتَأَوَّلَ الْأَكْثَرُونَ فَحَمَلُوا نَقْلَ الْمُزَنِيِّ عَلَى دَمٍ يَحْدُثُ مِنَ الْمَخْرَجِ مِنَ الْبَوَاسِيرِ وَنَحْوِهِ.
وَنَصَّ فِي «الْأُمِّ» عَلَى دَمِ الْكَبِدِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ، فَهَذَا مَخُوفٌ، وَذَاكَ غَيْرُ مَخُوفٍ.
وَمِنْهَا: السُّلُّ، وَهُوَ دَاءٌ يُصِيبُ الرِّئَةَ، وَيَأْخُذُ الْبَدَنُ مِنْهُ فِي النُّقْصَانِ وَالِاصْفِرَارِ.
وَقَدْ أَطْلَقَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ، فَأَخَذَ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ آخِذُونَ، حَتَّى قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ لَا فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ السُّلَّ وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ صَاحِبُهُ غَالِبًا، فَإِنَّهُ لَا يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ عَاجِلًا، فَيَكُونُ كَالشَّيْخُوخَةِ وَالْهَرَمِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ (الْمُهَذَّبِ) وَالْغَزَالِيُّ: أَنَّهُ مَخُوفٌ فِي انْتِهَائِهِ دُونَ ابْتِدَائِهِ، وَعَكَسَهُ الْبَغَوِيُّ، وَالْأَشْبَهُ بِأَصْلِ الْمَذْهَبِ مَا قَالَهُ الْحَنَّاطِيُّ وَمُوَافِقُوهُ.
وَمِنْهَا: الْفَالِجُ، وَسَبَبُهُ غَلَبَةُ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلْغَمِ، وَابْتِدَاؤُهُ مَخُوفٌ.
فَإِذَا اسْتَمَرَّ، فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ ارْتِعَاشٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ عَاجِلًا.
وَفِي وَجْهٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ارْتِعَاشٌ، فَمَخُوفٌ.
وَمِنْهَا: الْحُمَّى الشَّدِيدَةُ، وَهِيَ ضَرْبَانِ: مُطْبِقَةٌ، وَغَيْرُهَا.
فَالْمُطْبِقَةُ: هِيَ اللَّازِمَةُ الَّتِي لَا تَبْرَحُ فَإِنْ كَانَتْ حُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، لَمْ تَكُنْ مَخُوفَةً.
وَإِنْ زَادَتْ فَمَخُوفَةٌ.
وَفِي وَجْهٍ: الْحُمَّى مِنْ أَوَّلِ حُدُوثِهَا مَخُوفَةٌ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَعَلَى هَذَا، لَوِ اتَّصَلَ الْمَوْتُ بِحُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، نُظِرَ فِي عَطِيَّتِهِ، إِنْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْرَقَ، فَهِيَ مِنَ الثُّلُثِ، وَقَدْ بَانَتْ مَخُوفَةً، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الْعَرَقِ، فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّ أَثَرَهَا زَالَ بِالْعَرَقِ، وَالْمَوْتُ بِسَبَبٍ آخَرَ، ذَكَرَهُ صَاحِبَا «التَّهْذِيبِ» وَ «التَّتِمَّةِ» . الضَّرْبُ الثَّانِي: غَيْرُ الْمُطْبِقَةِ.
وَهُوَ أَنْوَاعٌ.
الْوِرْدُ وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ، وَالْغِبُّ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمًا وَتُقْلِعُ يَوْمًا، وَالثُّلُثُ.
وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمَيْنِ وَتُقْلِعُ يَوْمًا.

وَحُمَّى الْأَخَوَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمَيْنِ وَتُقْلِعُ يَوْمَيْنِ.
وَالرِّبْعُ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمًا وَتُقْلِعُ يَوْمَيْنِ.
فَمَا سِوَى الرِّبْعِ وَالْغِبِّ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، مَخُوفٌ.
وَالرِّبْعُ عَلَى تَجَرُّدِهَا غَيْرُ مَخُوفَةٍ ; لِأَنَّ الْمَحْمُومَ يَأْخُذُ قُوَّتَهُ فِي يَوْمِ الْإِقْلَاعِ.
وَفِي الْغِبِّ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: مَخُوفَةٌ، وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَمَّا الْحُمَّى الْيَسِيرَةُ، فَغَيْرُ مَخُوفَةٍ بِحَالٍ.
وَمِنْهَا: الدِّقُّ، وَهُوَ دَاءٌ يُصِيبُ الْقَلْبَ، وَلَا تَمْتَدُّ مَعَهُ الْحَيَاةُ غَالِبًا، وَهُوَ مَخُوفٌ.
وَمِنْهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ سَاوَرَهُ الدَّمُ حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ، أَوِ الْمُرَارُ أَوِ الْبَلْغَمُ، كَانَ مَخُوفًا.
وَقَالَ أَيْضًا: الطَّاعُونُ مَخُوفٌ حَتَّى يَذْهَبَ.
وَقَوْلُهُ: «سَاوَرَهُ» بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: وَاثَبَهُ وَهَاجَ بِهِ.
وَالْمُرَارُ: الصَّفْرَاءُ، فَهَيَجَانُ الصَّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ، مَخُوفٌ.
وَكَذَا هَيَجَانُ الدَّمِ، بِأَنْ يَثُورَ وَيَنْصَبَّ إِلَى عُضْوٍ، كَيَدٍ، وَرِجْلٍ، فَتَحْمَرَّ وَتَنْتَفِخَ، [وَقَدْ يَذْهَبُ الْعُضْوُ إِنْ لَمْ يُتَدَارَكْ أَمْرُهُ فِي الْحَالِ وَإِنْ سَلِمَ الشَّخْصُ] ، وَقَوْلُهُ: «حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ» لَيْسَ مَذْكُورًا شَرْطًا، بَلْ هُوَ مَخُوفٌ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْعَقْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» . وَالطَّاعُونُ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ انْصِبَابِ الدَّمِ إِلَى عُضْوٍ.
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: إِنَّهُ هَيَجَانُ الدَّمِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَانْتِفَاخُهُ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْجُذَامِ، مَنْ أَصَابَهُ تَآكَلَتْ أَعْضَاءُهُ وَتَسَاقَطَ لَحْمُهُ.
وَمِنْهَا: الْجِرَاحَةُ، إِنْ كَانَتْ عَلَى مَقْتَلٍ، أَوْ نَافِذَةً إِلَى جَوْفٍ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ كَثِيرِ اللَّحْمِ، أَوْ لَهَا ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ، أَوْ حَصَلَ مَعَهَا تَآكُلٌ، أَوْ وَرَمٌ، فَهِيَ مَخُوفَةٌ، وَإِلَّا فَلَا [وَقِيلَ: الْوَرَمُ وَحْدَهُ لَا يَجْعَلُهَا مَخُوفَةً، بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَهُ التَّآكُلُ.
وَمِنْهَا: الْقَيْءُ إِنْ كَانَ مَعَهُ دَمٌ أَوْ بَلْغَمٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَخْلَاطِ، فَمَخُوفٌ، وَإِلَّا فَلَا] إِلَّا أَنْ يَدُومَ.

وَمِنْهَا: الْبِرْسَامُ، وَهُوَ مَخُوفٌ.
فَرْعٌ وَأَمَّا الْجَرَبُ، وَوَجَعُ الضِّرْسِ وَالْعَيْنِ وَالصُّدَاعُ، فَغَيْرُ مَخُوفَةٍ.
فَرْعٌ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فِي الْأَمْرَاضِ، وَقَدْ تَعْرِضُ أَحْوَالٌ تُشْبِهُ الْأَمْرَاضَ فِي اقْتِضَاءِ الْخَوْفِ، وَفِيهَا صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: إِذَا الْتَقَى الْفَرِيقَانِ وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا وَاخْتَلَطُوا.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَاشْتَدَّتِ الرِّيحُ وَهَاجَتِ الْأَمْوَاجُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا وَقَعَ فِي أَسْرِ الْكُفَّارِ وَعَادَتُهُمْ قَتْلُ الْأُسَارَى.
الرَّابِعَةُ: قُدِّمَ لِيُقْتَلَ قِصَاصًا وَلَمْ يُجْرَحْ بَعْدُ، فَالْحِكَايَةُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ: الْأُولَى أَنَّ لَهَا حُكْمَ الْمَخُوفِ.
وَعَنْ نَصِّهِ فِي «الْإِمْلَاءِ» : فِي الرَّابِعَةِ: الْمَنْعُ.
وَلِلْأَصْحَابِ فِيهَا طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا: إِلْحَاقُهَا بِالْمَخُوفِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْعَمَلُ بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْقِصَاصِ لَا تَبْعُدُ مِنْهُ الرَّحْمَةُ وَالْعَفْوُ طَمَعًا فِي الثَّوَابِ أَوِ الْمَالِ.
وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» : أَنَّهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ شِدَّةِ حِقْدٍ أَوْ عَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ، فَمَخُوفٌ، وَإِلَّا، فَلَا.
ثُمَّ مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي صُورَةِ الْتِحَامِ الْقِتَالِ، مَا إِذَا كَانَ الْفَرِيقَانِ مُتَكَافِئَيْنِ، أَوْ قَرِيبَيْنِ مِنَ التَّكَافُؤِ، وَإِلَّا فَلَا خَوْفَ فِي حَقِّ الْغَالِبَيْنِ قَطْعًا، وَلَا خَوْفَ أَيْضًا قَطْعًا فِيمَا إِذَا الْتَحَمَ الْحَرْبُ وَلَمْ يَخْتَلِطِ الْفَرِيقَانِ وَإِنْ

كَانَا يَتَرَامَيَانِ بِالنُّشَّابِ وَالْحِرَابِ، وَلَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَحْرُ سَاكِنًا، وَلَا فِي الْأَسِيرِ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَقْتُلُونَ الْأُسَارَى، كَالرُّومِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ فِي مَسْأَلَةِ الْقِتَالِ كَانَ الْفَرِيقَانِ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا، أَوْ فَرِيقًا مُسْلِمِينَ [وَفَرِيقًا] كُفَّارًا، كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَغَيْرُهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا قُدِّمَ لِيُقْتَلَ رَجْمًا فِي الزِّنَا، أَوْ لِيُقْتَلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَهُوَ كَالْتِحَامِ الْقِتَالِ.
فَعَلَى طَرِيقٍ: يُقْطَعُ بِأَنَّهُ مَخُوفٌ.
وَعَلَى طَرِيقٍ: قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: إِنْ ثَبَتَ الزِّنَا بِالْبَيِّنَةِ، فَمَخُوفٌ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ، لِاحْتِمَالِ الرُّجُوعِ.
السَّادِسَةُ: إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي الْبَلَدِ، وَفَشَا الْوَبَاءُ، فَهَلْ هُوَ مَخُوفٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: مَخُوفٌ.
السَّابِعَةُ: الْحَامِلُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَهَا الطَّلْقُ، لَيْسَتْ فِي حَالِ خَوْفٍ.
وَإِنْ ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: مَخُوفٌ.
وَإِذَا وَضَعَتْ، فَالْخَوْفُ بَاقٍ إِلَى انْفِصَالِ الْمَشِيمَةِ، فَإِذَا انْفَصَلَتْ، زَالَ الْخَوْفُ، إِلَّا إِذَا حَصَلَ مِنَ الْوِلَادَةِ جِرَاحَةٌ، أَوْ ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ، أَوْ وَرَمٌ.
وَإِلْقَاءُ الْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ لَا خَوْفَ فِيهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ كَالْوِلَادَةِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا خَوْفَ فِيهِمَا، كَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ عَنِ الْأَصْحَابِ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ أَسْهَلُ خُرُوجًا مِنَ الْوَلَدِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَمَوْتُ الْوَلَدِ فِي الْجَوْفِ يُوجِبُ الْخَوْفَ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: إِذَا أَشْكَلَ مَرَضٌ فَلَمْ يُدْرَ أَمَخُوفٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَالْعِلْمِ بِالطِّبِّ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ: الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ،

وَالْعَدَالَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَدُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهًا فِي جَوَازِ الْعُدُولِ مِنَ الْوُضُوءِ إِلَى التَّيَمُّمِ بِقَوْلِ الْمُرَاهِقِ وَالْفَاسِقِ، وَوَجْهًا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ، وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ وَجْهٌ لَمْ نَذْكُرْهُ هُنَاكَ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْعُدُولُ بِقَوْلِ طَبِيبٍ كَافِرٍ، كَمَا يَجُوزُ شُرْبُ الدَّوَاءِ مِنْ يَدِهِ وَلَا يُدْرَى أَنَّهُ دَوَاءٌ أَمْ دَاءٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تُطْرَدَ هَذِهِ الْأَوْجُهُ هُنَا.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ هُنَا: الَّذِي أَرَاهُ أَنْ لَا يُلْحَقَ بِالشَّهَادَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ يُلْحَقُ بِالتَّقْوِيمِ وَتَعْدِيلِ الْأَنْصِبَاءِ فِي الْقِسْمَةِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الرَّأْيُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: الْجَزْمُ بِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مِنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُمْ، فَاشْتُرِطَ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ كَغَيْرِهَا مِنَ الشَّهَادَاتِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ مَعَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى بَدَلٍ، وَلَيْسَ كَالتَّقْوِيمِ الَّذِي هُوَ تَخْمِينٌ فِي مَحْسُوسٍ يُمْكِنُ تَدَارُكُ الْخَطَأِ، إِنْ وَقَعَ فِيهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ إِذَا اخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْمُتَبَرِّعُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِ الْمَرَضِ مَخُوفًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَبَرِّعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُتَبَرَّعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخَوْفِ.
وَعَلَى الْوَارِثِ الْبَيِّنَةُ، وَلَا تَثْبُتُ دَعْوَاهُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْمَالُ.
لَكِنْ لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ بِامْرَأَةٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ [غَالِبًا] ، قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
وَيُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدَيْنِ الْعِلْمُ بِالطِّبِّ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ.

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: إِذَا وَجَدْنَا الْمَرَضَ مَخُوفًا حَجَرْنَا عَلَيْهِ فِي التَّبَرُّعِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَمْ نُنْفِذْهُ.
لَكِنَّهُ لَوْ فَعَلَ، ثُمَّ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ تَبَيَّنَ صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَرَضَ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا إِذَا الْتَحَمَ الْقِتَالُ، وَحَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَخُوفٌ، ثُمَّ انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَسَلِمَ.
وَأَمَّا إِذَا رَأَيْنَا الْمَرَضَ غَيْرَ مَخُوفٍ، فَاتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُحَالُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ وَنَحْوِهِ، فَالتَّبَرُّعُ نَافِذٌ، وَالْمَوْتُ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَجْأَةِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، كَإِسْهَالِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، تَبَيَّنَّا بِاتِّصَالِ الْمَوْتِ بِهِ كَوْنَهُ مَخُوفًا، وَكَذَلِكَ حُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ، وَقَدْ سَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَعْرَقَ أَوْ لَا يَعْرَقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
فَرْعٌ قَالَ الْإِمَامُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ كَوْنُ الْمَوْتِ مِنْهُ غَالِبًا، بَلْ يَكْفِي أَنْ لَا يَكُونَ نَادِرًا بِدَلِيلِ الْبِرْسَامِ.
وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: هَذَا الْمَرَضُ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ، لَكِنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ، فَالْأَوَّلُ مَخُوفٌ أَيْضًا.
وَهَذَا يُشْكِلُ بِالْحَمْلِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ.
فَإِنْ قَالُوا: يُفْضِي إِلَى الْمَخُوفِ نَادِرًا، فَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ.
قُلْتُ: وَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا فَتَبَرَّعَ، ثُمَّ قَتَلَهُ إِنْسَانٌ، أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ، أَوْ غَرِقَ حُسِبَ تَبَرُّعُهُ مِنَ الثُّلُثِ، كَمَا لَوْ مَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ التَّبَرُّعِ الْمَحْسُوبِ مِنَ الثُّلُثِ، وَهُوَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ عَنْ مَالٍ مَجَّانًا، كَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ، وَالصَّدَقَةِ، وَغَيْرِهَا.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ مَا يَتَنَاوَلُ التَّبَرُّعَ بِالْكَلْبِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَبِالْمَنْفَعَةِ الَّتِي تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا، فَيُقَالُ: إِزَالَةُ الِاخْتِصَاصِ عَنْ مَالٍ وَنَحْوِهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَفِيمَا يَدْخُلُ فِي الضَّابِطِ وَيَخْرُجُ، مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: مَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ، وَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، تُخْرَجُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَتَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ.
وَقِيلَ: إِذَا أَوْصَى بِهَا، حُسِبَتْ مِنَ الثُّلُثِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الَّذِي نُوجِبُهُ، مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِلَا خِلَافٍ إِذَا لَمْ يُوصِ هُوَ فِيمَا وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، كَالزَّكَاةِ، وَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ، وَالنُّذُورُ، فَفِيهَا خِلَافٌ سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَرْعٌ لَوْ قَضَى فِي مَرَضِهِ دُيُونَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ لَمْ يُزَاحِمْهُ غَيْرُهُ إِنْ وَفَى الْمَالُ بِجَمِيعِ الدُّيُونِ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَفِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ: الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سَوَاءٌ بَاعَ لِلْوَارِثِ، أَمْ لِغَرِيمِهِ، أَمْ لِغَيْرِهِمَا.
وَإِنْ بَاعَ بِمُحَابَاةٍ، فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً يُتَسَامَحُ بِمِثْلِهَا كَانَ كَالْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ لِوَارِثٍ، فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَإِلَّا فَمُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ، نَفَذَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ،

وَإِلَّا بَطَلَ فِيمَا لَا يُخْرَجُ، وَفِيمَا يُخْرَجُ طَرِيقَانِ سَبَقَا.
وَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ، فَفِي كَيْفِيَّةِ صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ.
وَقَدْ سَبَقَ كُلُّ هَذَا فِي «بَابِ تَفْرِيقِ الصِّفَةِ» . ثُمَّ الْمُحَابَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ مِنَ الثُّلُثِ مَا تَزِيدُ عَلَى مَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ الْحَنَّاطِيُّ، وَأَبُو مَنْصُورٍ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا بَاعَ بِثَمَنِ حَالٍّ، فَإِنْ بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ، وَلَمْ يَحُلَّ حَتَّى مَاتَ، اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ سَوَاءٌ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكَثَرَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْيَدِ عَلَى الْوَرَثَةِ.
وَتَفْوِيتُ الْيَدِ مُلْحَقٌ بِتَفْوِيتِ الْمَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ بِالْحَيْلُولَةِ كَمَا يَضْمَنُ بِتَفْوِيتِ الْمَالِ، فَلَيْسَ لَهُ تَفْوِيتُ الْيَدِ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَيْسَ لَهُ تَفْوِيتُ الْمَالِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، وَرَدَّ الْوَارِثُ مَا زَادَ، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَالْإِجَازَةِ فِي الثُّلُثِ بِثُلُثِ الثَّمَنِ.
فَإِنْ أَجَازَ، فَهَلْ يَزِيدُ مَا صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ إِذَا أَدَّى الثُّلُثُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «التَّهْذِيبِ» . أَصَحُّهُمَا: لَا، لِانْقِطَاعِ الْبَيْعِ بِالرَّدِّ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ ; لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لِلْوَرَثَةِ يَنْبَغِي أَنْ نُصَحِّحَ الْوَصِيَّةَ فِي مِثْلِ نِصْفِهِ.
فَعَلَى هَذَا يُصَحَّحُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ نِصْفِ الْمُؤَدَّى، وَهُوَ السُّدُسُ، بِسُدُسِ الثَّمَنِ.
فَإِذَا أَدَّى ذَلِكَ السُّدُسُ، زِيدَ بِقَدْرِ نِصْفِ النِّصْفِ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الِاسْتِيعَابُ.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: نِكَاحُ الْمَرِيضِ صَحِيحٌ فَإِنْ نَكَحَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، اسْتَحَقَّتْ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَالزِّيَادَةُ تَبَرُّعٌ عَلَى الْوَارِثِ.
وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً، كَالذِّمِّيَّةِ، وَالْمُكَاتَبَةِ، فَالزِّيَادَةُ مَحْسُوبَةٌ مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ، نَفَذَ التَّبَرُّعُ بِهَا.
وَلَوْ مَاتَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ، سَلِمَتْ لَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّبَرُّعِ وَالْمِيرَاثِ.
وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ، دَارَتِ الْمَسْأَلَةُ، وَنَذْكُرُهَا فِي بَابِ الدَّوْرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

فَرْعٌ لَوْ نُكِحَتِ الْمَرِيضَةُ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَالنُّقْصَانُ تَبَرُّعٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَلِلْوَرَثَةِ رَدُّهُ وَتَكْمِيلُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، بِأَنْ كَانَ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ، لَمْ يُكْمَلْ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا النَّقْصُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ وَصِيَّةً فِي حَقِّ الْوَارِثِ، وَلَمْ يُجْعَلْ وَصِيَّةً فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ إِنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ تَفْوِيتِ مَا عِنْدَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَفْوِيتٍ، إِنَّمَا هُوَ امْتِنَاعٌ مِنَ الْكَسْبِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَنْعَ فِيمَا يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ لِلْوَارِثِ وَانْتِفَاعُهُ بِهِ، وَالْبُضْعُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَفِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ - فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ - بِفَرْقَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَهْرٍ يَقْتَضِي مَهْرَ الْمِثْلِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ بِدُونِهِ، فَكَأَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَصَارَ كَالْإِبْرَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الْمَهْرِ فِيهَا نَوْعُ عَارٍ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَأُثْبِتَ لَهُمْ وِلَايَةُ رَفْعِهَا، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.
قُلْتُ: هَذَانِ الْفَرْقَانِ ضَعِيفَانِ جِدًّا.
وَكَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ادَّعَاهُ وَشَذَّ بِهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. [الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: إِجَارَةُ الدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ بِمَا دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ.
وَكَذَلِكَ إِعَارَتُهَا.
حَتَّى لَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ أَوِ الْإِعَارَةِ فِي مَرَضِهِ، وَاسْتَرَدَّ الْعَيْنَ، اعْتُبِرَ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ وَجَمِيعُ الْأُجْرَةِ فِي الْإِعَارَةِ مِنَ الثُّلُثِ.
وَلَوْ أَجَّرَ نَفْسَهُ بِمُحَابَاةٍ، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ مُتَبَرِّعًا، لَمْ يُحْسَبْ مِنَ الثُّلُثِ عَلَى الْأَصَحِّ.

[الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةُ: كَاتَبَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا، أَوْ أَوْصَى بِكِتَابَتِهِ، تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ مِنَ الثُّلُثِ سَوَاءٌ كَاتَبَهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكَثَرَ.
وَلَوْ كَاتَبَ فِي الصِّحَّةِ، وَاسْتَوْفَى النُّجُومَ فِي مَرَضِهِ، لَمْ تُعْتَبَرْ قِيمَتُهُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَلَوْ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنَ النُّجُومِ اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوِ النُّجُومِ.
[الْمَسْأَلَةُ] السَّادِسَةُ: الِاسْتِيلَادُ فِي الْمَرَضِ لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، كَمَا يَسْتَهْلِكُهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ، وَالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ، وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالِاسْتِيلَادِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إِنْشَائِهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا مِنَ الثُّلُثِ.
[الْمَسْأَلَةُ] السَّابِعَةُ: قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِي بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ، ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ، لَمْ يُعْتَبَرْ مِنَ الثُّلُثِ.
وَإِنْ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، فَإِنْ نَقَصَ مَرَضُهُ عَنْ شَهْرٍ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ فِي الصِّحَّةِ وَوُجِدَتِ الصِّفَةُ فِي الْمَرَضِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ.
فَرْعٌ بَاعَ بِمُحَابَاةٍ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ مَرِضَ وَأَجَازَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَفْوِيتٍ، بَلِ امْتِنَاعٌ مِنْ كَسْبٍ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ عِنْدَهُ وَمَرِضَ الْبَائِعُ فَلَمْ يَفْسَخْ، وَكَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ بِعَيْبِهَا فَتَرَكَ حَتَّى مَاتَ وَاسْتَقَرَّ الْمَهْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى بِمُحَابَاةٍ، ثُمَّ مَرِضَ وَوَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، وَلَمْ يَرُدَّ مَعَ الْإِمْكَانِ، لَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ مِنَ الثُّلُثِ.
وَلَوْ وُجِدَ الْعَيْبُ، وَتَعَذَّرَ الرَّدُّ بِسَبَبٍ، فَأَعْرَضَ عَنِ الْأَرْشِ، اعْتُبِرَ قَدْرُ الْأَرْشِ مِنَ الثُّلُثِ.

وَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ فِي الْإِقَالَةِ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، وَخَلْعُ الْمَرِيضِ لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطْلَقَ مَجَّانًا، وَخَلْعُ الْمَرِيضَةِ مَذْكُورٌ فِي «كِتَابِ الْخَلْعِ» .

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ الِاحْتِسَابِ مِنَ الثُّلُثِ.
إِذَا وُجِدَ تَبَرُّعَانِ، وَأَكْثَرُ، وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا، فَهِيَ إِمَّا مُنْجَزَةٌ، وَإِمَّا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَوْتِ، وَإِمَّا مِنَ النَّوْعَيْنِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، الْمُنْجَزَةُ، كَالْإِعْتَاقِ، وَالْإِبْرَاءِ، وَالْوَقْفِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ، وَالْمُحَابَاةِ فِي الْعُقُودِ، فَإِنْ تَرَتَّبَتْ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إِلَى اسْتِغْرَاقِ الثُّلُثِ.
فَإِذَا تَمَّ الثُّلُثُ، وَقَفَ أَمْرُ الزَّائِدِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَارِثِ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ جِنْسًا أَوْ جِنْسَيْنِ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَى الْمُحَابَاةِ وَنَحْوِهَا أَوْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَازِمٌ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَى الْوَرَثَةِ، فَكَانَ أَقْوَى.
وَإِنْ وُجِدَتْ دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ مِثْلَ أَنْ قَالَ لِعَبِيدٍ: أَعْتَقْتُكُمْ، أَوْ أَبْرَأَ جَمَاعَةً مِنْ دُيُونِهِ، أَوْ وَهَبَ لَهُمْ، لَمْ يُقَدِّمِ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ.
لَكِنْ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ يُقَسَّطُ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنَ التَّسَاوِي أَوِ التَّفَاضُلِ.
وَفِي الْعِتْقِ، يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ، وَلَا تُوَزَّعُ الْحُرِّيَّةُ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، بِأَنْ وَكَّلَ فِي كُلِّ تَبَرُّعٍ وَكِيلًا، فَتَصَرَّفُوا دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ، فَهَلْ يُقَسَّطُ، أَمْ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ؟ قَوْلَانِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي التَّبَرُّعَاتِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْمَوْتِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّبَرُّعَاتُ الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ، كَالْوَصَايَا، وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ، فَلَا يُقَدَّمُ عِتْقٌ عَلَى عِتْقٍ، وَلَا تَبَرُّعٌ غَيْرُ الْعِتْقِ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْإِيصَاءِ، بَلْ فِي الْعِتْقِ يُقْرَعُ، وَفِي غَيْرِهِ يُقَسَّطُ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.
وَفِي الْعِتْقِ هُنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ يُقَسَّطُ، وَتُخَصُّ الْقُرْعَةُ بِالْمُنْجَزِ، لِوُرُودِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ،

وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
ثُمَّ هَذَا عِنْدَ إِطْلَاقِ الْوَصِيَّةِ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: أَعْتِقُوا سَالِمًا بَعْدَ مَوْتِي، ثُمَّ غَانِمًا، أَوِ ادْفَعُوا إِلَى زَيْدٍ مِائَةً، ثُمَّ إِلَى عَمْرٍو مِائَةً، فَيُقَدَّمُ مَا قَدَّمَهُ قَطْعًا.
وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ عِتْقٌ وَغَيْرُهُ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ لِقُوَّتِهِ، أَمْ يُسَوَّى فِيهِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: التَّسْوِيَةُ.
هَذَا فِي وَصَايَا التَّمْلِيكِ مَعَ الْعِتْقِ.
أَمَّا إِذَا أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ، وَبِعِتْقِ عَبْدٍ، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: هُمَا سَوَاءٌ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْقُرْبَةِ.
وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، لِوُجُودِ الْقُوَّةِ وَالسِّرَايَةِ.
قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَإِذَا سَوَّيْنَا، فَمَا خَصَّ الْعَبِيدَ إِذَا ضَاقَ عَنْهُمْ، يُقْرَعُ.
وَالْكِتَابَةُ مَعَ الْهِبَةِ وَسَائِرِ الْوَصَايَا، كَالْعِتْقِ، فَتَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَقِيلَ: يُسَوَّى [هُنَا] قَطْعًا، إِذْ لَيْسَ لَهَا قُوَّةٌ وَسَرَايَةٌ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ تَبَرُّعَاتٌ مُنَجَّزَةٌ وَمُعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ، قُدِّمَتِ الْمُنَجَّزَةُ ; لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمِلْكَ نَاجِزًا، وَلِأَنَّهَا لَازِمَةٌ.
وَلَا يَمْلِكُ الْمَرِيضُ الرُّجُوعَ فِيهَا.
فَرْعٌ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ بِالْمَوْتِ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ آخَرَ، فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّ وَقْتَ اسْتِحْقَاقِهِمَا وَاحِدٌ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْقُوَّةِ.
وَفِي وَجْهٍ: الْمُدَبَّرُ أَوْلَى بِالْعِتْقِ، لِأَنَّهُ سَبَقَ عِتْقُهُ، فَإِنَّ الْآخَرَ يَحْتَاجُ إِلَى إِنْشَاءِ عِتْقِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ لَا يُؤَثِّرُ تَقَدُّمُ الْهِبَةِ وَحْدَهَا بِلَا قَبْضٍ ; لِأَنَّ مِلْكَهَا بِالْقَبْضِ، حَتَّى لَوْ وَهَبَ

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل