كِتَابُ الْوَقْفِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فِيهِ بَابَانِ.
[البابُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، وَفِيهِ طَرَفَانِ:
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
[الركنُ] الْأَوَّلُ: الْوَاقِفُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ صَحِيحَ الْعِبَارَةِ، أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمَوْقُوفُ، وَهُوَ كُلُّ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ مَمْلُوكَةٍ مِلْكًا يَقْبَلُ النَّقْلَ يَحْصُلُ مِنْهَا فَائِدَةٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ تُسْتَأْجَرُ لَهَا.
احْتَرَزْنَا بِالْعَيْنِ حَقَّ الْمَنْفَعَةِ، وَعَنِ الْوَقْفِ الْمُلْتَزَمِ فِي الذِّمَّةِ، وَبِالْمُعَيَّنَةِ، عَنْ وَقْفِ أَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَبِالْمَمْلُوكَةِ، عَمَّا لَا يُمَلَّكُ، وَبِقَبُولِ النَّقْلِ، عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمَلَاهِي.
وَأَرَدْنَا بِالْفَائِدَةِ: الثَّمَرَةَ وَاللَّبَنَ وَنَحْوَهُمَا، وَبِالْمَنْفَعَةِ: السُّكْنَى وَاللُّبْسَ وَنَحْوَهُمَا.
وَقَوْلُنَا: تُسْتَأْجَرُ لَهَا، احْتِرَازٌ مِنَ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ.
وَنُوَضِّحُهُ بِمَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: يَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ، كَالْعَبِيدِ، وَالثِّيَابِ، وَالدَّوَابِّ، وَالسِّلَاحِ، وَالْمَصَاحِفِ، وَالْكُتُبِ، سَوَاءٌ الْمَقْسُومُ وَالْمُشَاعِ، كَنِصْفِ دَارٍ وَنِصْفِ عَبْدٍ، وَلَا يَسْرِي الْوَقْفُ مِنْ نِصْفٍ إِلَى نِصْفٍ.
فَرْعٌ
وَقَفَ نِصْفَ عَبْدٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ النِّصْفَ الْآخَرَ، لَمْ يَعْتِقِ الْمَوْقُوفُ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ [وَقْفُ] مَا يُرَادُ لِعَيْنٍ تُسْتَفَادُ مِنْهُ، كَالْأَشْجَارِ لِلثِّمَارِ، وَالْحَيَوَانِ لِلَّبَنِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالْبَيْضِ، وَمَا يُرَادُ لِمَنْفَعَةٍ تُسْتَوْفَى مِنْهُ، كَالدَّارِ، وَالْأَرْضِ
وَلَا يُشْتَرَطُ حُصُولُ الْمَنْفَعَةِ وَالْفَائِدَةِ فِي الْحَالِ، بَلْ يَجُوزُ وَقْفُ الْعَبْدِ وَالْجَحْشِ الصَّغِيرَيْنِ، وَالزَّمِنِ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُ زَمَانَتِهِ، كَمَا يَجُوزُ نِكَاحُ الرَّضِيعَةِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْحُرِّ نَفْسَهُ، لِأَنَّ رَقَبَتَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، وَكَذَلِكَ مَالِكُ مَنَافِعِ الْأَمْوَالِ دُونَ رِقَابِهَا، لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ إِيَّاهَا، سَوَاءٌ مُلِّكَ مُؤَقَّتًا، كَالْمُسْتَأْجِرِ، أَمْ مُؤَبَّدًا، كَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ.
الرَّابِعَةُ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ أَمِّ الْوَلَدِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا فَمَاتَ السَّيِّدُ، عَتِقَتْ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ، بَلْ تَبْقَى مَنَافِعُهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا وَمَاتَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: تَبْطُلُ، لِأَنَّ الْحَرِيَّةَ تُنَافِي الْوَقْفَ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ كَجٍّ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي صِحَّةِ وَقْفِ الْمُكَاتَبِ، وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ.
فَإِذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي الْوَقْفِ لِلْوَاقِفِ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى، عَتِقَ وَبَطَلَ الْوَقْفُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَمْ يَعْتِقْ وَيَبْقَى الْوَقْفُ بِحَالِهِ.
وَيَجُوزُ وَقْفُ الْمُدَبَّرِ، ثُمَّ هُوَ رُجُوعٌ إِنْ قُلْنَا: التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ، فَهُوَ كَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ.
الْخَامِسَةُ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ قَطْعًا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ.
السَّادِسَةُ: فِي وَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَجْهَانِ، كَإِجَارَتِهِمَا، إِنْ جَوَّزْنَاهَا، صَحَّ الْوَقْفُ لِتُكْرَى، وَيَصِحُّ وَقْفُ الْحُلِيِّ لِغَرَضِ اللُّبْسِ.
وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا الدَّرَاهِمَ لِيُصَاغَ مِنْهَا الْحُلِيُّ بِوَقْفِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ، وَتَرَدَّدَ هُوَ فِيهِ.
السَّابِعَةُ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا لَا يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، كَالْمَطْعُومِ وَالرَّيَاحِينِ الْمَشْمُومَةِ، لِسُرْعَةِ فَسَادِهَا.
الثَّامِنَةُ: وَقَفَ ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي الذِّمَّةِ.
وَلَوْ وَقَفَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْبَيْعِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ كَالْعِتْقِ.
التَّاسِعَةُ: يَجُوزُ وَقْفُ عُلُوِّ الدَّارِ دُونَ سُفْلِهَا.
الْعَاشِرَةُ: يَصِحُّ وَقْفُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ، بِخِلَافِ إِجَارَتِهِ، لِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ يُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْمَلَاهِي.
فَرْعٌ
أَجَّرَ أَرْضَهُ ثُمَّ وَقَفَهَا، صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِشَرَائِطِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْعَجْزُ عَنْ صَرْفِ مَنْفَعَتِهِ إِلَى جِهَةِ الْوَقْفِ فِي الْحَالِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ مَالَهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ.
وَقِيلَ: إِنْ وَقَفَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ صَحَّ، لِمُشَابَهَتِهِ الْإِعْتَاقَ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى إِنْسَانٍ، فَخِلَافٌ.
فَرْعٌ
اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَبْنِيَ فِيهَا، أَوْ يَغْرِسَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ وَقَفَ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَقَفَ هَذَا أَرْضَهُ، وَهَذَا بِنَاءَهُ، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَوْ بَاعَاهُ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، وَمَضَتِ الْمُدَّةُ، وَقَلَعَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْبِنَاءَ، فَإِنْ بَقِيَ مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقَلْعِ، فَهُوَ وَقْفٌ كَمَا كَانَ.
وَإِنْ لَمْ يَبْقَ، فَهَلْ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟ أَمْ يَرْجِعُ إِلَى الْوَاقِفِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَرْشُ النَّقْصِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ الْقَالِعِ، يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْوَقْفِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: صِحَّةُ وَقْفِ مَا لَمْ يَرَهُ، وَلَا خِيَارَ لَهُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قِسْمَانِ.
[الْقِسْمُ] الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ شَخْصًا مُعَيَّنًا، أَوْ جَمَاعَةً مُعَيَّنِينَ، فَشَرْطُهُ أَنْ يُمْكِنَ تَمْلِيكُهُ، فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى ذِمِّيٍّ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، كَمَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُمَا لَا دَوَامَ لَهُمَا.
فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يُمَلَّكُ، كَالْجَنِينِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْعَبْدِ نَفْسِهِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِنَا: لَا يُمَلَّكُ.
فَإِنْ مَلَّكْنَاهُ، صَحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ.
وَإِذَا عَتِقَ، كَانَ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ، وَعَلَى هَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ وَقَفَ عَلَى عَبْدِ فُلَانٍ وَمَلَّكْنَاهُ، صَحَّ وَكَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مُتَعَلِّقًا بِكَوْنِهِ عَبْدَ فُلَانٍ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ، زَالَ الِاسْتِحْقَاقُ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُمَلَّكُ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا مَلَّكَهُ السَّيِّدُ؟ فَأَمَّا إِذَا مَلَّكَهُ غَيْرُهُ، فَلَا يُمَلَّكُ بِلَا خِلَافٍ، وَحِينَئِذٍ إِذَا كَانَ الْوَاقِفُ غَيْرَ السَّيِّدِ، كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يُمَلَّكُ.
أَمَّا إِذَا أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ، فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ.
كَمَا لَوْ وَهَبَ لَهُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ، وَإِذَا شَرَطْنَا الْقَبُولَ، جَاءَ خِلَافٌ فِي اسْتِقْلَالِهِ بِهِ، كَالْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَسْتَقِلُّ بِقَبُولِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ مُعَامَلَاتِ الْعَبِيدِ.
فَرْعٌ
لَوْ وَقَفَ عَلَى مُكَاتَبٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ كَالْوَقْفِ عَلَى الْقِنِّ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يَصِحُّ فِي الْحَالِ وَتُصْرَفُ الْفَوَائِدُ إِلَيْهِ، وَنُدِيمُ حُكْمَهُ إِذَا عَتِقَ إِنْ
أَطْلَقَ الْوَقْفَ.
وَإِنْ قَالَ: تُصْرَفُ الْفَوَائِدُ إِلَيْهِ مَا دَامَ مُكَاتَبًا، بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ.
وَإِنْ عَجَزَ، بَانَ لَنَا أَنَّ الْوَقْفَ مُنْقَطِعُ الِابْتِدَاءِ.
فَرْعٌ
وَقَفَ عَلَى بَهِيمَةٍ وَأَطْلَقَ، هَلْ هُوَ كَالْوَقْفِ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى يَكُونَ وَقْفًا عَلَى مَالِكِهَا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا بِحَالٍ.
وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ لَهَا وَالْوَصِيَّةُ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ مَا بَقِيَتْ، وَعَلَى هَذَا، فَالْقَبُولُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْمَالِكِ.
وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِي قَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى عَلَفِ بَهِيمَةِ فُلَانٍ، أَوْ بَهَائِمِ الْقَرْيَةِ، وَجْهَيْنِ كَصُورَةِ الْإِطْلَاقِ، قَالَ: وَالْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْبَهِيمَةُ مَمْلُوكَةً.
فَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْوُحُوشِ، أَوْ عَلَفِ الطُّيُورِ الْمُبَاحَةِ، فَلَا يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ
فِي وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: بُطْلَانُهُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ، قَالَهُ الزُّبَيْرِيُّ.
وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ أَيْضًا، وَحَكَى عَنْهُ ابْنُ كَجٍّ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ، وَيَلْغُو شَرْطُهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَقَفْتُ، صَحَّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَطَّرِدَ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَشَرَطَ أَنْ تُقْضَى مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ زَكَاتُهُ وَدُيُونُهُ، فَهَذَا وَقْفٌ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَفِيهِ الْخِلَافُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثِمَارِهِ، أَوْ يَنْتَفِعَ بِهِ وَلَوِ اسْتَبْقَى [الْوَاقِفُ] لِنَفْسِهِ التَّوْلِيَةَ، وَشَرَطَ أُجْرَةً، وَقُلْنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ عَلَى نَفْسِهِ، فَفِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْهَاشِمِيِّ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ سَهْمَ الْعَامِلِينَ إِذَا عَمِلَ عَلَى الزَّكَاةِ.
قُلْتُ: الْأَرْجَحُ هُنَا جَوَازُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: وَيَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَا يُجَوِّزُ الزِّيَادَةَ إِلَّا مَنْ أَجَازَ الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ صَارَ فَقِيرًا، فَفِي جَوَازِ أَخْذِهِ وَجْهَانِ إِذَا قُلْنَا: لَا يَقِفُ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ نَفْسَهُ وَقَدْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ الْجَوَازَ، وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ الْمَنْعَ، لِأَنَّ مُطْلَقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِأَوْقَافِهِ الْعَامَّةِ كَآحَادِ النَّاسِ، كَالصَّلَاةِ فِي بُقْعَةٍ جَعَلَهَا مَسْجِدًا، وَالشُّرْبِ مِنْ بِئْرٍ وَقَفَهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ، لَوْ وَقَفَ كِتَابًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ وَنَحْوِهَا، أَوْ قِدْرًا لِلطَّبْخِ فِيهَا، أَوْ كِيزَانًا لِلشُّرْبِ بِهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَهُ الِانْتِفَاعُ مَعَهُمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: وَقَفْتُ عَلَى أَحَدِكُمَا، لَمْ يَصِحَّ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهَذَا يُسَمَّى وَقْفًا عَلَى الْجِهَةِ، لِأَنَّ الْوَاقِفَ يَقْصِدُ جِهَةَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، لَا شَخْصًا بِعَيْنِهِ، فَيُنْظَرُ فِي الْجِهَةِ، إِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، كَعِمَارَةِ الْكَنِيسَةِ وَقَنَادِيلِهَا وَحُصْرِهَا، وَكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ وَقَفَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، فَنُبْطِلُهُ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا.
أَمَّا مَا وَقَفُوهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ عَلَى كَنَائِسِهِمُ الْقَدِيمَةِ، فَنُقِرُّهُ حَيْثُ نُقِرُّ الْكَنَائِسَ.
وَلَوْ وَقَفَ لِسِلَاحِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ لِآلَاتِ سَائِرِ الْمَعَاصِي، فَبَاطِلٌ قَطْعًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ، نُظِرَ، فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ،
وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَالْقَنَاطِرِ، صَحَّ الْوَقْفُ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرِ الْقُرْبَةُ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَوَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَرْعِيَّ بِالْوَقْفِ عَلَى الْمَوْصُوفِينَ جِهَةُ الْقُرْبَةِ، أَمِ التَّمْلِيكُ؟ فَحَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْمُعَظَّمِ: أَنَّهُ الْقُرْبَةُ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْمَسَاكِينَ، بَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ: التَّمْلِيكُ كَالْوَصِيَّةِ وَكَالْوَقْفِ عَلَى الْمُعَيَّنِ، وَهَذَا الْوَجْهُ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَشَيْخِهِ، وَطُرُقُ الْعِرَاقِيِّينَ تُوَافِقُهُ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ، تَمْلِيكُ الْمُسْلِمِينَ مَنْفَعَةَ الْوَقْفِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْفُسَّاقِ، وَالْأَصَحُّ: الْجَمِيعُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى قَبِيلَةٍ كَالْعَلَوِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِمْ.
فِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ كَالْوَصِيَّةِ لَهُمْ فَإِنْ رَاعَيْنَا الْقُرْبَةَ، صَحَّ، وَإِلَّا، فَلَا، لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيعَابِ، وَالْأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ تَرْجِيحُ كَوْنِهِ تَمْلِيكًا، وَتَصْحِيحُ الْوَقْفِ عَلَى هَؤُلَاءِ.
وَلِهَذَا صَحَّحَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» الْوَقْفَ عَلَى النَّازِلِينَ فِي الْكَنَائِسِ مِنْ مَارَّةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَقَالَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ، لَا عَلَى الْكَنِيسَةِ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ تَوَسُّطٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ تَصْحِيحُ الْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَإِبْطَالُهُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَسَائِرِ الْفُسَّاقِ، لِتَضَمُّنِهِ الْإِعَانَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الرُّكْنِ
إِحْدَاهَا: يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ سَهْمَ الزَّكَاةِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا وَقَفَ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ، أَوِ الْخَيْرِ، أَوِ الثَّوَابِ، صَحَّ، وَيُصْرَفُ إِلَى أَقَارِبِ الْوَاقِفِ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا، فَإِلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ.
وَقَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : الْمَوْقُوفُ
عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ، أَوِ الْخَيْرِ، أَوِ الثَّوَابِ، يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَإِصْلَاحِ الْقَنَاطِرِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَدَفْنِ الْمَوْتَى، وَغَيْرِهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ: إِنْ وُقِفَ عَلَى جِهَةِ الْخَيْرِ، صُرِفَ [فِي] مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَلَا يُبْنَى بِهِ مَسْجِدٌ وَلَا رِبَاطٌ.
وَإِنْ وُقِفَ عَلَى جِهَةِ الثَّوَابِ، صُرِفَ إِلَى أَقَارِبِهِ.
وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالُوا: وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَبِيلِ الثَّوَابِ، وَسَبِيلِ الْخَيْرِ، صُرِفَ الثُّلُثُ إِلَى الْغُزَاةِ، وَالثُّلُثُ إِلَى أَقَارِبِهِ، وَالثُّلُثُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْغَارِمِينَ، وَابْنِ السَّبِيلِ وَفِي الرِّقَابِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ.
الثَّالِثَةُ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَكْفَانِ الْمَوْتَى، وَمُؤْنَةِ الْغَسَّالِينَ، وَالْحَفَّارِينَ، وَعَلَى شِرَاءِ الْأَوَانِي، وَالظُّرُوفِ لِمَنْ تَكَسَّرَتْ عَلَيْهِ.
الرَّابِعَةُ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْمُتَفَقِّيِّهَةِ - وَهُمُ الْمُشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ الْفِقْهِ - مُبْتَدِئِهِمْ وَمُنْتَهِيهِمْ، وَعَلَى الْفُقَهَاءِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ حَصَّلَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ قَلَّ.
الْخَامِسَةُ: الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ، حُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ بَاطِلٌ، إِذْ لَيْسَ لِلتَّصَوُّفِ حَدٌّ يُعْرَفُ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ صِحَّتُهُ، وَهُمُ الْمُشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَةِ فِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ، الْمُعْرِضُونَ عَنِ الدُّنْيَا.
وَفَصَّلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى فَقَالَ: لَا بُدَّ فِي الصُّوفِيِّ مِنَ الْعَدَالَةِ، وَتَرْكِ الْحِرْفَةِ، وَلَا بَأْسَ بِالْوِرَاقَةِ، وَالْخِيَاطَةِ، وَشِبْهِهِمَا إِذَا تَعَاطَاهَا أَحْيَانًا فِي الرِّبَاطِ لَا فِي الْحَانُوتِ، وَلَا تَقْدَحُ قُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَا اشْتِغَالُهُ بِالْوَعْظِ، وَالتَّدْرِيسِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْمَالِ قَدْرٌ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، أَوْ لَا يَفِي دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ، وَتَقْدَحُ الثَّرْوَةُ الظَّاهِرَةُ وَالْعُرُوضُ الْكَثِيرَةُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي زِيِّ الْقَوْمِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاكِنًا، فَتَقُومَ الْمُخَالَطَةُ، وَالْمُسَاكَنَةُ مَقَامَ الزِّيِّ، قَالَ: وَلَا يُشْتَرَطُ لُبْسُ الْمُرَقَّعَةِ مِنْ شَيْخٍ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي.
السَّادِسَةُ: وَقَفَ عَلَى الْأَرِقَّاءِ الْمَوْقُوفِينَ لِسِدَانَةِ الْكَعْبَةِ، وَخِدْمَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
السَّابِعَةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى دَارٍ، أَوْ حَانُوتٍ، قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ فَوَائِدَهُ طَارِقُوهَا، فَيَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ.
الثَّامِنَةُ: وَقَفَ عَلَى الْمَقْبَرَةِ لِتُصْرَفَ الْغَلَّةُ فِي عِمَارَةِ الْقُبُورِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْمَوْتَى صَائِرُونَ إِلَى الْبِلَى، فَلَا تَلِيقُ بِهِمُ الْعِمَارَةُ.
التَّاسِعَةُ: وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى الْمُؤَنِ الَّتِي تَقَعُ فِي قَرْيَةِ كَذَا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَصِيغَتُهُ أَنْ يَقُولَ: تَصَدَّقْتُ بِهَذِهِ الضَّيْعَةِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً عَلَى أَنْ تُسْتَغَلَّ، فَمَا فَضَلَ عَنْ عِمَارَتِهَا صُرِفَ إِلَى هَذِهِ الْمُؤَنِ.
الْعَاشِرَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذِهِ الْبَقَرَةَ عَلَى الرِّبَاطِ الْفُلَانِيِّ لِيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا مَنْ نَزَلَهُ، أَوْ يُنْفِقَ مِنْ نَسْلِهَا عَلَيْهِ، صَحَّ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَقَفْتُهَا عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ.
وَقَدْ بَقِيَتْ مَسَائِلُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ تَأْتِي مَنْثُورَةً فِي آخِرِ الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ، فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ إِلَّا بِلَفْظٍ، لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، أَوِ الْمَنْفَعَةِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ التَّمْلِيكَاتِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ مَعَ قُوَّتِهِ وَسِرَايَتِهِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ، فَهَذَا أَوْلَى.
فَلَوْ بُنِيَ عَلَى هَيْئَةِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهَا، وَأُذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، لَمْ يَصِرْ مَسْجِدًا، وَكَذَا لَوْ أُذِنَ فِي الدَّفْنِ فِي مِلْكِهِ، لَمْ يَصِرْ مَقْبَرَةً سَوَاءٌ صَلَّى فِي ذَاكَ وَدُفِنَ فِي ذَا، أَمْ لَا.
وَأَلْفَاظُ الْوَقْفِ عَلَى مَرَاتِبَ:
إِحْدَاهَا: قَوْلُهُ: وَقَفْتُ كَذَا، أَوْ حَبَّسْتُ، أَوْ سَبَّلْتُ، أَوْ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ، أَوْ مُسَبَّلَةٌ، فَكُلُّ لَفْظٍ مِنْ هَذَا صَرِيحٌ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ
بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَفِي وَجْهٍ: كُلُّ هَذَا كِنَايَةٌ، وَفِي وَجْهٍ: الْوَقْفُ صَرِيحٌ، وَالْبَاقِي كِنَايَةٌ، وَفِي وَجْهٍ: التَّسْبِيلُ كِنَايَةٌ وَالْبَاقِي صَرِيحٌ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: حَرَّمْتُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ أَبَّدْتُهَا، أَوْ دَارِي مُحَرَّمَةٌ، أَوْ مُؤَبَّدَةٌ، كِنَايَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُؤَكِّدَةً لِلْأُولَى.
الثَّالِثَةُ: تَصَدَّقْتُ بِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، لَيْسَ بِصَرِيحٍ، فَإِنْ زَادَ مَعَهُ شَيْئًا، فَالزِّيَادَةُ لَفْظٌ، أَوْ نِيَّةٌ، فَأَمَّا اللَّفْظُ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: إِنْ قَرَنَ بِهِ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ، بِأَنْ قَالَ: صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ، أَوْ مَوْقُوفَةٌ، أَوْ قَرَنَ بِهِ حُكْمَ الْوَقْفِ، فَقَالَ: صَدَقَةٌ لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، الْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ، لِانْصِرَافِهِ بِهَذَا عَنِ التَّمْلِيكِ الْمَحْضِ.
وَالثَّانِي: لَا يَكْفِي قَوْلُهُ: صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ مُؤَبَّدَةٌ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّقْيِيدِ بِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَعْتَبِرَ هَذَا الْقَائِلُ فِي قَوْلِهِ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ مِثْلَ هَذَا التَّقْيِيدِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَكُونُ صَرِيحًا بِلَفْظٍ مَا، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّمْلِيكِ الْمَحْضِ.
وَأَمَّا النِّيَّةُ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ بِأَنْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَنَوَى الْوَقْفَ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَلْتَحِقُ بِاللَّفْظِ فِي الصَّرْفِ عَنْ صَرِيحِ الصَّدَقَةِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: تَلْتَحِقُ فَيَصِيرُ وَقْفًا.
وَإِنْ أَضَافَ إِلَى مُعَيَّنٍ، فَقَالَ: تَصَدَّقْتُ عَلَيْكَ، أَوْ قَالَهُ لِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، لَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَنْفُذُ فِيمَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ، وَهُوَ التَّمْلِيكُ الْمَحْضُ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: تَجْرِيدُ لَفْظِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ فِي الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ فِي مُعَيَّنِينَ إِذَا لَمْ نُجَوِّزِ الْوَقْفَ الْمُنْقَطِعَ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْمَصَارِفِ بَعْدَ الْمُعَيَّنِينَ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَأْتِيُّ بِهِ لَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْوَقْفِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: تَصَدَّقْتُ بِهِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً، أَوْ مَوْقُوفَةً، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوَقْفِ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا، صَارَ مَسْجِدًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِإِشْعَارِهِ بِالْمَقْصُودِ وَاشْتِهَارِهِ فِيهِ.
وَقَطَعَ الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ وَالْمُتَوَلِّي، وَالْبَغَوِيُّ، بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْوَقْفِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: فَإِنْ قَالَ: جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى، صَارَ مَسْجِدًا.
وَحَكَى الْإِمَامُ خِلَافًا لِلْأَصْحَابِ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْوَقْفِ فِيمَا يُضَاهِي التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ عَلَى صَلَاةِ الْمُصَلِّينَ، وَهُوَ يُرِيدُ جَعْلَهَا مَسْجِدًا، وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ.
فَصْلٌ
إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ، كَالْفُقَرَاءِ، وَعَلَى الْمَسْجِدِ، وَالرِّبَاطِ، لَمْ يُشْتَرَطِ الْقَبُولُ.
وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذَا لِلْمَسْجِدِ، فَهُوَ تَمْلِيكٌ لَا وَقْفٌ، فَيُشْتَرَطُ قَبُولُ الْقَيِّمِ، وَقَبْضُهُ كَمَا لَوْ وَهَبَ شَيْئًا لِصَبِيٍّ.
وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى شَخْصٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَآخَرِينَ: اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ.
فَعَلَى هَذَا، فَلْيَكُنْ مُتَّصِلًا بِالْإِيجَابِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ.
وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ كَالْعِتْقِ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا يَحْتَاجُ لُزُومُ الْوَقْفِ إِلَى الْقَبُولِ، لَكِنْ لَا يُمَلَّكُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ، وَيَكْفِي الْأَخْذُ دَلِيلًا عَلَى الِاخْتِيَارِ.
وَخَصَّ الْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ بِقَوْلِنَا: يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْقُوفِ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعًا.
قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» الِاشْتِرَاطَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَوَاءٌ شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا، لَوْ رَدَّهُ بَطَلَ حَقُّهُ كَالْوَصِيَّةِ، وَالْوَكَالَةِ وَشَذَّ
الْبَغَوِيُّ فَقَالَ: لَا يَبْطُلُ بِالرَّدِّ كَالْعِتْقِ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ رَدَّ ثُمَّ رَجَعَ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: إِنْ رَجَعَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِرَدِّهِ إِلَى غَيْرِهِ كَانَ لَهُ.
وَإِنْ حَكَمَ بِهِ لِغَيْرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ.
هَذَا فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، أَمَّا الْبَطْنُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: فَنَقَلَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ قَطْعًا، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لَا يَتَّصِلُ بِالْإِيجَابِ، وَنَقَلَا فِي ارْتِدَادِهِ بِرَدِّهِمْ وَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الْوَقْفَ قَدْ ثَبَتَ وَلَزِمَ فَيَبْعُدُ انْقِطَاعُهُ، وَأَجْرَى الْمُتَوَلِّي الْخِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهِمْ، وَارْتِدَادِهِ بِرَدِّهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ الْحَقَّ مِنَ الْوَاقِفِ، أَمْ مِنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَقَبُولُهُمْ وَرَدُّهُمْ كَقَبُولِ الْأَوَّلِينَ وَرَدِّهِمْ، وَإِلَّا فَلَا يُعْتَبَرُ قَبُولُهُمْ، وَرَدُّهُمْ كَالْمِيرَاثِ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ لَا يَتَّصِلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْإِيجَابِ مَعَ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ، كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ الْوَقْفِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ.
الْأَوَّلُ: التَّأْبِيدُ، بِأَنْ يَقِفَ عَلَى مَنْ لَا يَنْقَرِضُ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَنْقَرِضُ، ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَنْقَرِضُ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَقِبِهِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالرُّبُطِ، وَالْقَنَاطِرِ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَإِنْ عَيَّنَ مَسَاجِدَ، أَوْ قَنَاطِرَ، فَوَجْهَانِ.
وَفِي مَعْنَى الْفُقَرَاءِ الْعُلَمَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُمْ قَدْ يَنْقَطِعُونَ.
فَصْلٌ
لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا سَنَةً، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْوَقْفَ بَاطِلٌ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَيَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَقِيلَ: الْوَقْفُ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ لَا يَفْسُدُ بِالتَّوْقِيتِ كَالْعِتْقِ، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ، وَمَنْ تَابَعَهُ.
وَفِي مُطْلَقِ الْوَقْفِ قَوْلٌ آخَرُ سَنَحْكِيهِ فِي الْهِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ
إِذَا وَقَفَ وَقْفًا مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، بِأَنْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى عَقِبِهِ، وَلَمْ يَزِدْ، فَفِي صِحَّتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الصِّحَّةُ.
مِنْهُمُ الْقُضَاةُ: أَبُو حَامِدٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ، وَصَحَّحَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَالْإِمَامُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَقَارًا، فَبَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا صَحَّ، لِأَنَّ مَصِيرَهُ إِلَى الْهَلَاكِ، وَرُبَّمَا هَلَكَ قَبْلَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ، فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ الْوَقْفُ وَيَعُودُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ، أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ مَاتَ.
وَأَظْهَرُهُمَا: يَبْقَى وَقْفًا، وَفِي مَصْرِفِهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ.
وَالثَّانِي: إِلَى الْمَسَاكِينِ.
وَالثَّالِثُ: إِلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مَصَارِفُ خُمُسِ الْخُمُسِ.
وَالرَّابِعُ: إِلَى مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَيُعْتَبَرُ قُرْبُ الرَّحِمِ، أَمِ اسْتِحْقَاقُ الْإِرْثِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ صِلَةُ الرَّحِمِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ، فَالْقَوْلُ فِي الْأَقْرَبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ لِلْأَقْرَبِ.
وَهَلْ يَخْتَصُّ بِفُقَرَاءِ الْأَقَارِبِ، أَمْ يُشَارِكُهُمْ أَغْنِيَاؤُهُمْ.
قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: الِاخْتِصَاصُ.
وَهَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، أَمِ الِاسْتِحْبَابِ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُصْرَفُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، فَفِي تَقْدِيمِ جِيرَانِ الْوَاقِفِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا بِالْجِوَارِ، لَقَدَّمْنَا بِالْقَرَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
فَرْعٌ
قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى زَيْدٍ شَهْرًا، عَلَى أَنْ يَعُودَ إِلَى مِلْكِي بَعْدَ الشَّهْرِ، فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَعُودُ مِلْكًا بَعْدَ الشَّهْرِ، أَمْ يَكُونُ كَالْمُنْقَطِعِ حَتَّى يُصْرَفَ بَعْدَ الشَّهْرِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: التَّنْجِيزُ.
فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ سَيُبْنَى، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، فَهَذَا وَقْفٌ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ.
وَالْمَذْهَبُ هُنَا الْبُطْلَانُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، فَإِنْ صَحَّحْنَا، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُمْكِنِ انْتِظَارُ مَنْ ذَكَرَهُ كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي وَلَا وَلَدَ لَهُ، أَوْ عَلَى مَجْهُولٍ، أَوْ مَيِّتٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَهُوَ فِي الْحَالِ مَصْرُوفٌ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَذِكْرُ الْأَوَّلِ لَغْوٌ.
وَإِنْ أَمْكَنَ، إِمَّا بِانْقِرَاضِهِ كَالْوَقْفِ عَلَى عَبْدٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَإِمَّا بِحُصُولِهِ، كَوَلَدٍ سَيُولَدُ (لَهُ) ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تُصْرَفُ الْغَلَّةُ إِلَى الْوَاقِفِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَوَّلُ.
وَعَلَى هَذَا، فَفِي ثُبُوتِ الْوَقْفِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: تَنْقَطِعُ الْغَلَّةُ عَنِ الْوَاقِفِ، وَعَلَى هَذَا أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا: تُصْرَفُ فِي الْحَالِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، صُرِفَ إِلَى الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْقَوْلُ فِي اشْتِرَاطِ الْفَقْرِ، وَسَائِرِ التَّفَارِيعِ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَالثَّانِي: يُصْرَفُ إِلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
فَرْعٌ
وَقَفَ عَلَى وَارِثِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَقُلْنَا: الْوَقْفُ عَلَى الْوَارِثِ
بَاطِلٌ، أَوْ صَحِيحٌ، فَرَدَّهُ بَاقِي الْوَرَثَةِ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ.
وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَرَدَّهُ الْمُعَيَّنُ، وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: إِنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، فَمُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ.
فَرْعٌ
إِذَا عَلَّقَ الْوَقْفَ، فَقَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ، فَقَدْ وَقَفْتُهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ فِي مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ، وَأَوْلَى بِالْفَسَادِ.
فَرْعٌ
وَرَاءَ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، أَوِ الْآخِرِ فَقَطْ صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ الْأَوَّلِ، وَالْآخِرِ وَالْوَسَطِ، فَصَحِيحٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعَهَا جَمِيعًا، فَبَاطِلٌ قَطْعًا.
الثَّالِثَةُ: مُتَّصِلَ الطَّرَفَيْنِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ، بِأَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ، وَيُصْرَفُ عِنْدَ تَوَسُّطِ الِانْقِطَاعِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، أَوْ إِلَى الْمَسَاكِينِ، أَوِ الْمَصَالِحِ، أَوِ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ الْمَذْكُورَةِ آخِرًا؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَنْقَطِعَ الطَّرَفَانِ دُونَ الْوَسَطِ، بِأَنْ وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مَجْهُولٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ فَقَطْ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ أَيْضًا.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَفِيمَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْإِلْزَامُ، فَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ بِشَرْطٍ
أَنِّي أَبِيعُهُ، أَوْ أَرْجِعُ فِيهِ مَتَى شِئْتُ، فَبَاطِلٌ، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَالْعِتْقِ، أَوْ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَهَذَا شَرْطٌ مُفْسِدٌ.
لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَفْسُدُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ، وَالسِّرَايَةِ.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ، وَيَصِحَّ الْوَقْفُ.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ إِذَا مَاتَ، فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَعَنِ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ أُخِذَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْعُمَرِيِّ.
وَلَوْ وَقَفَ وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَحْرِمَ مَنْ شَاءَ، أَوْ يُقَدِّمَ أَوْ يُؤَخِّرَ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
هَذَا إِذَا أَنْشَأَ الْوَقْفَ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَلَوْ أَطْلَقَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَ مَا ذَكَرَهُ بِحِرْمَانٍ، أَوْ زِيَادَةٍ، أَوْ تَقْدِيمٍ، أَوْ تَأْخِيرٍ، فَلَيْسَ لَهُ قَطْعًا.
فَإِنْ صَحَّحْنَا شَرْطَهُ لِنَفْسِهِ، فَشَرْطُهُ لِغَيْرِهِ، فَفَاسِدٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ أَفْسَدْنَاهُ، فَفِي فَسَادِ الْوَقْفِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ كَالْعِتْقِ، أَمْ لَا؟ هَذَا مَجْمُوعُ مَا حَضَرَنِي مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ.
وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ بُطْلَانُ الشَّرْطِ، وَالْوَقْفِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا، وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ، فَجَعَلَ هَذِهِ الصُّوَرَ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ.
الْأُولَى: وَقَفْتُ بِشَرْطِ أَنْ أَرْجِعَ مَتَى شِئْتُ، أَوْ أَحْرِمَ الْمُسْتَحِقَّ، وَأُحَوِّلَ الْحَقَّ إِلَى غَيْرِهِ مَتَى شِئْتُ، فَفَاسِدٌ.
الثَّانِيَةُ: بِشَرْطِ أَنْ أُغَيِّرَ قَدْرَ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمَصْلَحَةِ، فَهُوَ جَائِزٌ.
الثَّالِثَةُ: يَقُولُ: أُغَيِّرُ تَفْصِيلَهُ، فَوَجْهَانِ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ فِيهِ لَبْسٌ، فَإِنَّ التَّحْوِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْأُولَى هُوَ التَّغَيُّرُ الْمَذْكُورُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ.
فَصْلٌ
لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ الْوَقْفُ، فَأَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: يَتْبَعُ شَرْطَهُ كَسَائِرِ
الشُّرُوطِ.
وَالثَّانِي: لَا، لِتَضَمُّنِهِ الْحَجْرَ عَلَى مُسْتَحِقِّي الْمَنْفَعَةِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ مَنَعَ الزِّيَادَةَ عَلَى سَنَةٍ اتُّبِعَ، لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهِ، وَإِنْ مَنَعَ مُطْلَقًا، فَلَا.
فَإِنْ أَفْسَدْنَا الشَّرْطَ، فَالْقِيَاسُ فَسَادُ الْوَقْفِ بِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ: إِذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، لَمْ يُخَالَفْ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الصَّلَاحُ فِي الزِّيَادَةِ زِيدَ، وَهَذَا تَصْحِيحٌ لِلْوَقْفِ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ.
قُلْتُ: لَيْسَ هَذَا فَسَادًا لِلشَّرْطِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا جَعَلَ دَارَهُ مَسْجِدًا، أَوْ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً، أَوْ بَنَى مَدْرَسَةً، أَوْ رِبَاطًا، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيُدْفَنَ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَيَسْكُنَ الْمَدْرَسَةَ بِشَرْطِ الْأَهْلِيَّةِ، وَيَنْزِلَ الرِّبَاطَ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الْوَاقِفُ، وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ شَرَطَ فِي الْوَقْفِ اخْتِصَاصَ الْمَسْجِدِ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، أَوِ الرَّأْيِ، أَوْ طَائِفَةٍ مَعْلُومِينَ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَتْبَعُ شَرْطَهُ.
فَعَلَى هَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَفْسُدُ الْوَقْفُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ.
وَالثَّانِي: يَتْبَعُ وَيَخْتَصُّ بِهِمْ رِعَايَةً لِلشَّرْطِ، وَقَطْعًا لِلنِّزَاعِ فِي إِقَامَةِ الشَّعَائِرِ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى بِهَذَا، وَإِنْ كَانَ الْغَزَالِيُّ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ فِي «الْوَجِيزِ» .
قُلْتُ: الْأَصَحُّ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . وَالْمُرَادُ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: الْفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ، وَبِأَصْحَابِ الرَّأْيِ: الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ، هَذَا عُرْفُ أَهْلِ خُرَاسَانَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ثُمَّ الْوَجْهَانِ، فِيمَا إِذَا قَالَ: عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلِانْقِرَاضِ، فَفِيهِ خِلَافٌ.
قُلْتُ: يَعْنِي اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ لِاحْتِمَالِ انْقِرَاضِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَالْأَصَحُّ، أَوِ الصَّحِيحُ الصِّحَّةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ شَرَطَ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَالرِّبَاطِ الِاخْتِصَاصَ، اخْتَصَّ قَطْعًا.
وَلَوْ شَرَطَ فِي الْمَقْبَرَةِ الِاخْتِصَاصَ بِالْغُرَبَاءِ، أَوْ بِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُرَتَّبَ عَلَى الْمَسْجِدِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَخْتَصُّ، فَالْمَقْبَرَةُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ، وَإِلْحَاقُهَا بِالْمَدْرَسَةِ أَصَحُّ، فَإِنَّ الْمَقَابِرَ لِلْأَمْوَاتِ كَالْمَسَاكِنِ لِلْأَحْيَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا شَرَطَ فِي حَالِ الْوَقْفِ.
أَمَّا إِذَا وَقَفَ مُطْلَقًا، ثُمَّ خَصَّصَ الْمَدْرَسَةَ، أَوِ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرَهُمَا، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ قَطْعًا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: بَيَانُ الْمَصْرِفِ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَقَوْلَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: بُطْلَانُ الْوَقْفِ كَقَوْلِهِ: بِعْتُ دَارِي بِعَشَرَةٍ، أَوْ وَهَبْتُهَا، وَلَمْ يَقُلْ لِمَنْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى جَمَاعَةٍ، لَمْ يَصِحَّ، لِجَهَالَةِ الْمَصْرِفِ.
فَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْمَصْرِفَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَالرُّويَانِيُّ، كَمَا لَوْ نَذَرَ هَدْيًا، أَوْ صَدَقَةً وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمَصْرِفَ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثَيَّ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيُصْرَفُ إِلَى الْمَسَاكِينِ.
وَهَذَا إِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَالْفَرْقُ مُشْكِلٌ.
قُلْتُ: الْفَرْقُ أَنَّ غَالِبَ الْوَصَايَا لِلْمَسَاكِينِ، فَحُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، فَتَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ، وَالنَّجَسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَفِي مَصْرِفِهِ الْخِلَافُ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ إِذَا صَحَّحْنَاهُ.
وَعَنِ ابْنِ
سُرَيْجٍ، يَصْرِفُهُ النَّاظِرُ فِيمَا يَرَاهُ مِنَ الْبِرِّ كَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَتَجْهِيزِ الْمَوْتَى، وَغَيْرِهَا.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ
الْأُولَى: وَقَفَ عَلَى رَجُلَيْنِ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَفِي نَصِيبِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي حَرْمَلَةَ: يُصْرَفُ إِلَى صَاحِبِهِ.
وَالثَّانِي: إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يُصْرَفَ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا إِلَى الْمَسَاكِينِ، بَلْ صَارَ الْوَقْفُ فِي نَصِيبِ الْمَيِّتِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ.
قُلْتُ: مَعْنَاهُ: يَكُونُ صَرْفُهُ مَصْرِفَ مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ، لِأَنَّهُ يَجِيءُ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الثَّانِيَةُ: وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ بَعْدَهُمَا، وَصَحَّحْنَا الْوَقْفَ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَنَصِيبُهُ لِلْآخَرِ، أَمْ حُكْمُهُ حُكْمُ نَصِيبِهَا إِذَا مَاتَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: وَقَفَ عَلَى بُطُونٍ، فَرَدَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ، وَقُلْنَا: يَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ، فَهَذَا وَقْفٌ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ، وَفِيهِ قَوْلٌ، أَوْ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّالِثِ.
الرَّابِعَةُ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَقَارِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا جَوَّزْنَا الْوَقْفَ عَلَى قَوْمٍ غَيْرِ مَحْصُورِينَ، وَلَا يَكُونُ كَصَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَفْتَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَوَافَقَهُ أَئِمَّةُ عَصْرِهِ، وَهَذَا كَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ الدَّارَ عَلَى الْبَيْعِ صَارَ رَاجِعًا فِيهِ.
السَّادِسَةُ: قَالَ: جَعَلْتُ دَارِي هَذِهِ خَانْقَاهْ لِلْغُزَاةِ لَمْ تَصِرْ وَقْفًا بِذَلِكَ.
وَلَوْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِهَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً لِيَصْرِفَ مِنْ غَلَّتِهَا كُلَّ شَهْرٍ إِلَى فُلَانٍ كَذَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، فَفِي صِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ وَجْهَانِ، فَإِنْ صَحَّ فَفِي الْفَاضِلِ عَنِ الْمِقْدَارِ أَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: الصَّرْفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، وَالثَّانِي: إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَالثَّالِثُ: يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ.
السَّابِعَةُ: قَالَ: جَعَلْتُ دَارِي هَذِهِ لِلْمَسْجِدِ، أَوْ سَلَّمَ دَارًا إِلَى قَيِّمِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: خُذْهَا لِلْمَسْجِدِ، أَوْ قَالَ: إِذَا مُتُّ فَأَعْطُوا مِنْ مَالِي أَلْفَ دِرْهَمٍ لِلْمَسْجِدِ، أَوْ فَدَارِي لِلْمَسْجِدِ، لَا يَكُونُ شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صِيغَةُ وَقْفٍ، وَلَا تَمْلِيكٍ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي التَّمْلِيكِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، الثَّامِنَةُ: قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى زَيْدٍ، وَعَلَى الْفُقَرَاءِ، بُنِيَ عَلَى مَا إِذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ، وَلِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَأَحَدِهِمْ، صَحَّ الْوَقْفُ، وَلَا يُحْرَمُ زَيْدٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ النِّصْفُ، صَحَّ الْوَقْفُ فِي نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا النِّصْفُ الثَّانِي، فَمُنْقَطِعُ الْآخِرِ، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ، جَاءَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهَا مَنْقُولَةٌ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ.
التَّاسِعَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُهَا عَلَى الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُبَيِّنَ جِهَتَهُ، فَيَقُولَ: وَقَفْتُ عَلَى عِمَارَتِهِ، أَوْ وَقَفْتُ عَلَيْهِ لِيُسْتَغَلَّ فَيُصْرَفَ إِلَى عِمَارَتِهِ، أَوْ إِلَى دُهْنِ السِّرَاجِ، وَنَحْوِهِمَا، وَمُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْجُمْهُورِ صِحَّتُهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ صَرَّحَ الْبَغَوِيُّ، وَغَيْرُهُ بِصِحَّتِهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الْعَاشِرَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى رِبَاطٍ، أَوْ مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَصْرِفَ إِنْ خَرِبَ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ.
وَفَصَّلَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُسْتَبْعَدُ فِي الْعَادَةِ خَرَابُهُ، بِأَنْ كَانَ فِي وَسَطِ الْبَلْدَةِ، فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ، أَوْ حَارَةٍ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ
إِذَا صَحَّ الْوَقْفُ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ، مِنْهَا: مَا يَنْشَأُ مِنَ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوَقْفِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ.
وَمِنْهَا: مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى، فَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ، وَيَجْمَعُ الْبَابَ طَرَفَانِ.
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ مَرْعِيَّةٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يُنَافِي الْوَقْفَ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
[الْمَسْأَلَةُ] الْأُولَى: قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَلَا تَرْتِيبَ، بَلْ يُسَوَّى بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَلَوْ زَادَ فَقَالَ: مَا تَنَاسَلُوا، أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، فَكَذَلِكَ، وَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْمِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الزِّيَادِيُّ: قَوْلُهُ: بَطَنًا بَعْدَ بَطْنٍ، يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي مَا تَنَاسَلُوا، أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ، وَلَا يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي شَيْءٌ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَوَّلِ وَاحِدٌ، وَلَا إِلَى الثَّالِثِ مَا بَقِيَ مِنَ الثَّانِي أَحَدٌ، كَذَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ.
وَالْقِيَاسُ فِيمَا إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، أَنْ يَجِيءَ فِي نَصِيبِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ، أَوْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَمَاتَ وَاحِدٌ، فَإِلَى مَنْ يُصْرَفُ نَصِيبُهُ؟ وَلَمْ أَرَ تَعَرُّضًا إِلَيْهِ إِلَّا لِأَبِي الْفَرَجِ السَّرَخْسِيِّ، فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَحَكَى فِيهِمَا وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ لِصَاحِبِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ «الْإِيضَاحِ» أَنْ يُصْرَفَ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: مَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ مَنْ بَقِيَ بَعْدَ مَوْتِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ يُسَمَّوْنَ أَوْلَادًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ.
ثُمَّ إِنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ لَا تَنْتَهِي عِنْدَ الْبَطْنِ الثَّالِثِ، وَالرَّابِعِ بَلْ يُعْتَبَرُ التَّرْتِيبُ فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ، فَلَا يُصْرَفُ إِلَى بَطْنٍ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ أَقْرَبُ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ، وَغَيْرُهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوِ الْأَقْرَبِ، فَالْأَقْرَبِ، أَوِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَوْ يَبْدَأُ بِالْأَعْلَى مِنْهُمْ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا حَقَّ لِبَطْنٍ، وَهُنَاكَ أَحَدٌ فَوْقَهُمْ، فَمُقْتَضَاهُ التَّرْتِيبُ أَيْضًا.
وَلَوْ قَالَ: فَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِي فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، اتَّبَعَ شَرْطَهُ.
فَرْعٌ
قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَمُقْتَضَاهُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَمَنْ دُونَهُمْ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ.
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَمُقْتَضَاهُ الْجَمْعُ أَوَّلًا، وَالتَّرْتِيبُ ثَانِيًا.
فَرْعٌ
قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ، فَمَاتَ وَاحِدٌ، فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ خَاصَّةً، وَيُشَارِكُونَ الْبَاقِينَ فِيمَا عَدَا نَصِيبَ أَبِيهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا وَقَفَ عَلَى الْأَوْلَادِ، فَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: لَا يَدْخُلُونَ، وَالثَّانِي: يَدْخُلُونَ، وَالثَّالِثُ: يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنِينَ دُونَ
أَوْلَادِ الْبَنَاتِ، وَهَذَا الْخِلَافُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ يُقْرَنُ بِاللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِخُرُوجِهِمْ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَلِأَحْفَادِي الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ، حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِمْ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَغَيْرُهُ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، فَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ الْخِلَافُ، الثَّالِثَةُ: الْوَقْفُ عَلَى الْأَوْلَادِ، يَدْخُلُ فِيهِ الْبَنُونَ، وَالْبَنَاتُ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ.
الرَّابِعَةُ: الْوَقْفُ عَلَى الْبَنِينَ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخُنْثَى، وَفِي دُخُولِ بَنِي الْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ.
الْخَامِسَةُ: الْوَقْفُ عَلَى الْبَنَاتِ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخُنْثَى، وَفِي بَنَاتِ الْأَوْلَادِ الْأَوْجُهُ.
السَّادِسَةُ: وَقَفَ عَلَى الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، دَخَلَ الْخُنْثَى عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَا مِنْ هَؤُلَاءِ.
السَّابِعَةُ: وَقَفَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَصَحَّحْنَا مِثْلَ هَذَا الْوَقْفِ، فَفِي دُخُولِ نِسَائِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، كَالْوَقْفِ عَلَى بَنِي زَيْدٍ، وَأَصَحُّهُمَا: الدُّخُولُ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْقَبِيلَةِ.
الثَّامِنَةُ: وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ، فَإِنْ قَالَ: عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيَّ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِي، لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ
الْمُسْتَحِقُّونَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ حَمْلًا عِنْدَ الْوَقْفِ، هَلْ يَدْخُلُ حَتَّى يُوقَفَ لَهُ شَيْءٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَالْمِيرَاثِ، وَيَسْتَحِقُّ
الْغَلَّةَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ.
وَالصَّحِيحُ: لَا، لِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَا يُسَمَّى وَلَدًا، وَأَمَّا غَلَّةُ مَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، فَيَسْتَحِقُّهَا قَطْعًا، وَكَذَا الْأَوْلَادُ الْحَادِثُ عُلُوقُهُمْ بَعْدَ الْوَقْفِ، يَسْتَحِقُّونَ إِذَا انْفَصَلُوا.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي الْكُتُبِ، وَفِي أَمَالِي السَّرَخْسِيِّ خِلَافُهُ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ غَلَّةً مُدَّةَ الْحَمْلِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ نَخْلَةً، فَخَرَجَتْ ثَمَرَتُهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْحَمْلِ، لَا يَكُونُ لَهُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ شَيْءٌ، كَذَا قَطَعَ بِهِ الْفُورَانِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ، وَأَطْلَقَاهُ.
وَقَالَ الدَّارِمِيُّ فِي «الِاسْتِذْكَارِ» : فِي الثَّمَرَةِ الَّتِي أَطْلَعَتْ، وَلَمْ تُؤَبَّرْ، قَوْلَانِ: هَلْ لَهَا حُكْمُ الْمُؤَبَّرَةِ، فَتَكُونُ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ، أَوْ لَا، فَتَكُونُ لِلثَّانِي؟ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَجْرِيَانِ هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ، لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَلَدًا، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ، وَأَثَرُ اللِّعَانِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمُلَاعِنِ.
قُلْتُ: فَلَوِ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ دَخَلَ فِي الْوَقْفِ قَطْعًا، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
التَّاسِعَةُ: قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى ذُرِّيَّتِي، أَوْ عَقِبِي، أَوْ نَسْلِي دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، قَرِيبُهُمْ، وَبِعِيدُهُمْ، وَلَوْ حَدَثَ حَمْلٌ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُوقِفُ نَصِيبَهُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ مِنْ نَسْلِهِ، وَعَقِبِهِ قَطْعًا، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى عِتْرَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَثَعْلَبٌ: هُمْ ذُرِّيَّتُهُ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: هُمْ عَشِيرَتُهُ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ.
قُلْتُ: هَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ مُخْتَصَّيْنِ بِالْمَذْكُورِينَ، لَكِنَّ أَكْثَرَ مَنْ جَعَلَهُمْ عَشِيرَتَهُ خَصَّهُمْ بِالْأَقْرَبِينَ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: عِتْرَتُهُ: عَشِيرَتُهُ الْأَدْنَوْنَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عِتْرَتُهُ: نَسْلُهُ وَرَهْطُهُ الْأَدْنَوْنَ.
وَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: عِتْرَتُهُ: أَقْرِبَاؤُهُ مِنْ وَلَدٍ، وَغَيْرِهِ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ يُدْخِلُ ذُرِّيَّتَهُ عَشِيرَتَهُ الْأَدْنَوْنَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْعَاشِرَةُ: قَالَ: عَلَى عَشِيرَتِي، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: عَلَى قَرَابَتِي.
وَإِذَا قَالَ: عَلَى قَرَابَتِي، أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيَّ، فَعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْوَصِيَّةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: قَوْلُهُ: عَلَى قَبِيلَتِي، أَوْ عَشِيرَتِي، لَا يَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا قَرَابَةُ الْأَبِ، ثُمَّ إِذَا كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ، فَفِيهِمُ الْخِلَافُ السَّابِقُ، ثُمَّ مَنْ حَدَثَ بَعْدَ الْوَقْفِ يُشَارِكُونَ الْمَوْجُودِينَ عِنْدَ الْوَقْفِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنِ الْبُوَيْطِيِّ مَنْعُهُ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: اسْمُ الْمَوْلَى يَقَعُ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْمَوْلَى الْأَعْلَى، وَعَلَى الْعَتِيقِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَحَدُهُمَا، فَالْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَا جَمِيعًا، فَهَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، أَمْ يَخْتَصُّ بِهِ الْأَعْلَى، أَمِ الْأَسْفَلُ، أَمْ يَبْطُلُ الْوَقْفُ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا فِي «التَّنْبِيهِ» الْأَوَّلُ، وَفِي «الْوَجِيزِ» الرَّابِعُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَيْضًا الْجُرْجَانِيُّ فِي «التَّحْرِيرِ» ، وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَجْهًا خَامِسًا، أَنَّهُ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
يُرْعَى شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي الْأَقْدَارِ، وَصِفَاتِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَزَمَنِ الِاسْتِحْقَاقِ.
فَإِذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَشَرَطَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَوْ تَفْضِيلَ أَحَدِهِمَا، اتُّبِعَ
شَرْطُهُ.
وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِشَرْطِ كَوْنِهِمْ عَلَى مَذْهَبِ فُلَانٍ، أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِشَرْطِ الْغُرْبَةِ، أَوِ الشَّيْخُوخَةِ اتُّبِعَ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى بَنِي الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى بَنَاتِي الْأَرَامِلِ، فَمَنِ اسْتَغْنَى مِنْهُمْ، وَتَزَوَّجَ مِنْهُنَّ، خَرَجَ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنْ عَادَ فَقِيرًا، أَوْ زَالَ نِكَاحُهَا، عَادَ الِاسْتِحْقَاقُ.
قُلْتُ: وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعَرُّضًا لِاسْتِحْقَاقِهَا فِي حَالِ الْعِدَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، أَوْ فَارَقَتْ بِفَسْخٍ، أَوْ وَفَاةٍ اسْتَحَقَّتْ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا فَلَا، لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي «الزِّيَادَاتِ» : لَوْ وَقَفَ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ إِلَّا عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُنَّ، فَتَزَوَّجَتْ خَرَجَتْ، وَلَا تَعُودُ بِالطَّلَاقِ، وَالْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَنَّهُ أَثْبَتَ الِاسْتِحْقَاقَ لِبَنَاتِهِ الْأَرَامِلِ، وَبِالطَّلَاقِ صَارَتْ أَرْمَلَةً، وَهُنَا جَعَلَهَا مُسْتَحِقَّةً إِلَّا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَبِالطَّلَاقِ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا تَزَوَّجَتْ.
وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ غَرَضَهُ أَنْ تَفِيَ لَهُ أُمُّ وَلَدِهِ فَلَا يَخْلُفُهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَمَنْ تَزَوَّجَتْ لَمْ تَفِ وَلَوْ طُلِّقَتْ.
فَرْعٌ
لَوْ شَرَطَ صَرْفَ غَلَّةِ السَّنَةِ الْأُولَى إِلَى قَوْمٍ، وَغَلَّةِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى آخَرِينَ، وَهَكَذَا مَا بَقُوا، اتُّبِعَ شَرْطُهُ.
فَرْعٌ
قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادِي، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِي فَعَلَى الْفُقَرَاءِ،
فَهَذَا وَقْفٌ مُنْقَطِعٌ عَلَى الْوَسَطِ الصَّحِيحِ، وَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا شَرَطَ انْقِرَاضَهُمْ لِاسْتِحْقَاقِ الْفُقَرَاءِ.
وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّونَ بَعْدَ انْقِرَاضِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ.
فَرْعٌ
وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ الْأَرْبَعَةِ، عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ عَقِبٌ، فَنَصِيبُهُ لِعَقِبِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَا عَقِبَ لَهُ، فَنَصِيبُهُ لِسَائِرِ أَصْحَابِ الْوَقْفِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ عَنِ ابْنٍ، وَآخَرُ عَنِ ابْنَيْنِ، وَثَالِثٌ وَلَا عَقِبَ لَهُ، فَنَصِيبُ الثَّالِثِ بَيْنَ الرَّابِعِ، وَابْنِ الْأَوَّلِ الْأَوَّلِ، وَابْنَيِ الثَّانِي بِالسَّوِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى بَنِيَّ الْخَمْسَةِ، وَمَنْ سَيُولَدُ لِي عَلَى مَا أُفَصِّلُهُ، ثُمَّ فَصَّلَ، فَقَالَ: ضَيْعَةُ كَذَا لِابْنِي فُلَانٍ، وَحِصَّةُ كَذَا لِفُلَانٍ، إِلَى أَنْ ذَكَرَ الْخَمْسَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ سَيُولَدُ لِي، فَنَصِيبُهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الْخَمْسَةِ، وَلَا عَقِبَ لَهُ يُصْرَفُ حَقُّهُ إِلَيْهِ، فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الْخَمْسَةِ، وَلَا عَقِبَ لَهُ، وَوُلِدَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ، يُصْرَفُ إِلَى الْمَوْلُودِ نَصِيبُ الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا: وَقَفْتُ عَلَى بَنِيَّ وَمَنْ سَيُولَدُ لِي، لِأَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ آخِرًا بَيَانٌ لِمَا أَجْمَلَهُ أَوَّلًا، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الشُّرُوطِيِّينَ بِمِثْلِهِ.
فَرْعٌ
قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سُكَّانِ مَوْضِعِ كَذَا، فَغَابَ بَعْضُهُمْ سَنَةً، وَلَمْ يَبِعْ دَارَهُ، وَلَا اسْتَبْدَلَ دَارًا، لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ، ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ.
فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ بِشَرْطِ أَنْ يَسْكُنَ مَوْضِعَ كَذَا، ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، فَهَذَا (وَقْفٌ) مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ بَعْدَ انْقِرَاضِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ قَدْ يَتَخَلَّفُ.
فَصْلٌ
الصِّفَةُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ عَقِيبَ الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ يَرْجِعَانِ إِلَى الْجَمِيعِ.
مِثَالُ الصِّفَةِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي، وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ.
وَمِثَالُ الِاسْتِثْنَاءِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي، وَإِخْوَتِي، إِلَّا أَنْ يَفْسُقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ، وَرَأَى الْإِمَامُ تَقْيِيدَهُ بِقَيْدَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، فَإِنْ كَانَ بِـ «ثُمَّ» اخْتَصَّتِ الصِّفَةُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ كَلَامٌ طَوِيلٌ، فَإِنْ تَخَلَّلَ كَقَوْلِهِ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَلَهُ عَقِبٌ، فَنَصِيبُهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُعْقِبْ، فَنَصِيبُهُ لِلَّذِينَ فِي دَرَجَتِهِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا، فَهُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى إِخْوَتِي إِلَّا أَنْ يَفْسُقَ أَحَدُهُمْ، فَالِاسْتِثْنَاءُ يَخْتَصُّ بِالْأُخُوَّةِ، وَالصِّفَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى فُقَرَاءِ أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَإِخْوَتِي، كَالْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ جَمِيعِهَا، حَتَّى يُعْتَبَرَ الْفَقْرُ فِي الْكُلِّ.
فَرْعٌ
الْبَطْنُ الثَّانِي هَلْ يَتَلَقَّوْنَ الْوَقْفَ مِنَ الْوَاقِفِ، أَمْ مِنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: مِنَ الْوَاقِفِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الْأَحْكَامِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَمِنْهَا اللُّزُومُ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، أَمْ لَمْ يُضِفْهُ، وَسَوَاءٌ سَلَّمَهُ، أَمْ لَمْ يُسَلِّمْهُ، قَضَى بِهِ قَاضٍ، أَمْ لَا.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ، أَوْ شَخْصٍ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي رَقَبَةِ الْوَقْفِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَمْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَمْ بَاقٍ لِلْوَاقِفِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا إِلَّا مَا شَذَّ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي «التَّحْرِيرِ» فَقَالَ: إِذَا كَانَ عَلَى شَخْصٍ وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، افْتَقَرَ إِلَى قَبْضِهِ كَالْهِبَةِ، وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ، وَشُذُوذٌ مَرْدُودٌ، نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا لَزِمَ امْتَنَعَتِ التَّصَرُّفَاتُ الْقَادِحَةُ فِي غَرَضِ الْوَقْفِ، وَفِي شَرْطِهِ، وَسَوَاءٌ فِي امْتِنَاعِهَا الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا رَقَبَةُ الْوَقْفِ، فَالْمَذْهَبُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» هُنَا: أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا انْتَقَلَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي قَوْلٍ: إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
وَخَرَجَ قَوْلٌ: أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ.
وَقِيلَ: بِالْأَوَّلِ قَطْعًا، وَقِيلَ: بِالثَّانِي قَطْعًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ مَلَكَهُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةٍ انْتَقَلَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا وَقَفَ عَلَى شَخْصٍ، أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ، فَأَمَّا إِذَا جَعَلَ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا، أَوْ مَقْبَرَةً، فَهُوَ فَكٌّ عَنِ الْمِلْكِ كَتَحْرِيرِ الرَّقِيقِ، فَيَنْقَطِعُ عَنْهَا اخْتِصَاصَاتُ الْآدَمِيِّينَ قَطْعًا.
فَصْلٌ
فَوَائِدُ الْوَقْفِ، وَمَنَافِعُهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي الْأَمْلَاكِ.
فَإِنْ كَانَ شَجَرَةً مَلَكَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ ثِمَارَهَا، وَلَا يَمْلِكُ أَغْصَانَهَا إِلَّا فِيمَا يَعْتَادُ قَطْعَهُ كَشَجَرِ الْخِلَافِ، فَأَغْصَانُهَا كَثَمَرِ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ بَهِيمَةً، مَلَكَ صُوفَهَا
وَوَبَرَهَا، وَلَبَنَهَا قَطْعًا، وَيَمْلِكُ نِتَاجَهَا أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ كَالثَّمَرَةِ.
وَالثَّانِي: تَكُونُ وَقْفًا تَبَعًا لِأُمِّهِ كَوَلَدِ الْأُضْحِيَّةِ، وَقِيلَ: الْوَجْهَانِ فِي وَلَدِ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ، فَأَمَّا وَلَدُ النَّعَمِ فَيَمْلِكُهُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا الدَّرُّ وَالنَّسْلُ، وَقِيلَ: لَا حَقَّ فِيهِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، بَلْ يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي نِتَاجِ حَدَثٍ بَعْدَ الْوَقْفِ.
فَإِنْ وَقَفَ الْبَهِيمَةَ، وَهِيَ حَامِلٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الْحَادِثُ وَقْفٌ، فَهَذَا أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الدَّرِّ وَالنَّسْلِ هُوَ فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ أَوْ شَرَطَهُمَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
فَلَوْ وَقَفَ دَابَّةً عَلَى رُكُوبِ إِنْسَانٍ، وَلَمْ يَشْرُطْ لَهُ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ، قِيلَ: حُكْمُهُمَا حُكْمُ وَقْفٍ مُنْقَطِعِ الْآخِرِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْوَاقِفِ وَهَذَا أَوْجَهُ، لِأَنَّ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ لَا مَصْرِفَ لَهُمَا أَوَّلًا، وَلَا آخِرًا.
فَرْعٌ
قَالُوا: لَوْ وُقِفَ ثَوْرٌ لِلْإِنْزَاءِ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحِرَاثَةِ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْبَهِيمَةِ الْمَأْكُولَةِ الْمَوْقُوفَةِ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ الِانْتِفَاعِ، كَمَا لَا يَجُوزُ إِعْتَاقُ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ، لَكِنْ لَوْ صَارَتْ بِحَيْثُ يُقْطَعُ بِمَوْتِهَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: تُذْبَحُ لِلضَّرُورَةِ، وَفِي لَحْمِهَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَى بِثَمَنِهِ بَهِيمَةٌ مِنْ جِنْسِهَا، وَتُوقَفُ.
وَالثَّانِي: إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهَا يَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَ فِيهِ الْحَاكِمُ مَا رَآهُ مَصْلَحَةً، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ لِلْوَاقِفِ، صُرِفَ إِلَيْهِمَا.
فَرْعٌ إِذَا مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ الْمَوْقُوفَةُ، فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِجِلْدِهَا، وَإِذَا دَبَغَهُ فَفِي عَوْدِهِ وَقْفًا وَجْهَانِ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: أَصَحُّهُمَا الْعَوْدُ.
فَصْلٌ
الْمَنَافِعُ الْمُسْتَحَقَّةُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا بِنَفْسِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ بِإِعَارَةٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، وَالْأُجْرَةُ مِلْكٌ لَهُ، هَذَا إِنْ كَانَ الْوَقْفُ مُطْلَقًا فَإِنْ قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي لِيَسْكُنَهَا مَنْ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَلِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَسْكُنَهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا غَيْرَهُ بِأُجْرَةٍ، وَلَا بِغَيْرِهَا.
وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى أَنْ تُسْتَغَلَّ، وَتُصْرَفَ غَلَّتُهَا إِلَى فُلَانٍ تَعَيَّنَ الِاسْتِغْلَالُ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا، كَذَا ذُكِرَتِ الصُّورَتَانِ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ، وَغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُطْلَقًا، فَقَالَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ: أُسَكِّنُ الدَّارَ، فَقَالَ النَّاظِرُ: أَكْرِيهَا لِأَصْرِفَ غَلَّتَهَا فِي مَرَمَّتِهَا، فَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ.
فَرْعٌ
مَتَى وَجَبَ الْمَهْرُ، فَوَطِئَ الْمَوْقُوفَةَ، فَهُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَوْقُوفَةِ لَا لِلْوَاقِفِ، وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهَا لَهُمَا، لِأَنَّهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ وُطِئَتْ فَلَهَا أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَطَأَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَالْوَلَدُ رَقِيقٌ، ثُمَّ هَلْ هُوَ مِلْكٌ طَلْقٌ، أَمْ وَقْفٌ؟ وَجْهَانِ كَنِتَاجِ الْبَهِيمَةِ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً عَالِمَةً بِالْحَالِ، فَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْغَصْبِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ شُبْهَةٌ فَلَا حَدَّ وَيَجِبُ الْمَهْرُ وَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَيَكُونُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِنْ جَعَلْنَا الْوَلَدَ مَلِكًا وَإِلَّا، فَيُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ وَيُوقَفُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَطَأَهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شُبْهَةٌ، فَقِيلَ: لَا حَدَّ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ لَهُ فَلَا حَدَّ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَا أَثَرَ لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ الْجَارِيَةِ، وَهَلِ الْوَلَدُ مِلْكٌ، أَوْ وَقْفٌ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ وَطِئَ بِشُبْهَةٍ فَلَا حَدَّ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ إِنْ مَلَّكْنَاهُ وَلَدَ الْمَوْقُوفَةِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ وَقْفًا اشْتُرِيَ بِهَا عَبْدٌ آخَرُ وَيُوقَفُ، وَتَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَتَعْتِقُ بِمَوْتِهِ وَتُؤَدَّى قِيمَتُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، ثُمَّ هَلْ هِيَ لِمَنْ يَنْتَقِلُ الْوَقْفُ إِلَيْهِ بَعْدَهُ مِلْكٌ، أَمْ يُشْتَرَى بِهَا جَارِيَةٌ وَتُوقَفُ؟ فِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ إِذَا قُتِلَ، وَلَا مَهْرَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِحَالٍ، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَطَأَهَا الْوَاقِفُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ تَفَرَّعَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ نَجْعَلِ الْمِلْكَ لَهُ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَالْوَلَدُ رَقِيقٌ، وَفِي كَوْنِهِ مِلْكًا، أَوْ وَقْفًا الْوَجْهَانِ، وَلَا تَكُونُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْمِلْكَ لَهُ فَلَا حَدَّ، وَفِي نُفُوذِ الِاسْتِيلَادِ - إِنْ أَوْلَدَهَا - الْخِلَافُ فِي اسْتِيلَادِ الرَّاهِنِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِهَا، وَهَذَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَإِنْ وَطِئَ بِشُبْهَةٍ فَلَا حَدَّ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَفِيمَا يَفْعَلُ بِهَا الْوَجْهَانِ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إِنْ مَلَّكْنَاهُ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَتُؤْخَذُ قِيمَتُهَا.
مِنْ تَرِكَتِهِ، وَفِيمَا يَفْعَلُ بِهَا الْخِلَافُ.
فَرْعٌ
فِي تَزْوِيجِ الْمَوْقُوفَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّقْصِ، وَرُبَّمَا مَاتَتْ مِنَ الطَّلْقِ، فَيَفُوتُ حَقُّ الْبَطْنِ الثَّانِي، وَأَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ تَحْصِينًا لَهَا وَقِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي تَزَوَّجَهَا، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ أَحَدٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ، وَيَسْتَأْذِنُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ زَوَّجَهَا بِإِذْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، هَذَا كَلَامُ الْجُمْهُورِ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ وَجْهَيْنِ، فِي أَنَّ السُّلْطَانَ هَلْ يَسْتَأْذِنُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وَفِي أَنَّهُ هَلْ يَسْتَأْذِنُ الْوَاقِفَ أَيْضًا؟ وَيَلْزَمُ مِثْلَهُ فِي اسْتِئْذَانِ الْوَاقِفِ إِذَا زَوَّجَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وَالْمَهْرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَوَلَدُهَا مِنَ الزَّوْجِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِلْكًا أَوْ وَقْفًا؟ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ.
قُلْتُ: وَلَوْ طَلَبَتِ الْمَوْقُوفَةُ التَّزْوِيجَ، فَلَهُمُ الِامْتِنَاعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَوْقُوفَةَ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا مِلْكُهُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ احْتِيَاطًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
فَصْلٌ
حَقُّ تَوْلِيَةِ أَمْرِ الْوَقْفِ فِي الْأَصْلِ لِلْوَاقِفِ، فَإِنْ شَرَطَهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ اتُّبِعَ شَرْطُهُ، وَأَشَارَ فِي «النِّهَايَةِ» إِلَى خِلَافٍ فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَشَرْطُ
التَّوْلِيَةِ لِأَجْنَبِيٍّ، هَلْ يُتَّبَعُ شَرْطُهُ إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَقْفِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟ وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَسَوَاءٌ فَرَضَ فِي الْحَيَاةِ، أَوْ أَوْصَى فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَعْمُولٌ بِهِ، وَإِنْ وَقَفَ وَلَمْ يَشْرُطِ التَّوْلِيَةَ لِحَدٍّ، فَثَلَاثَةٌ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: هَلِ النَّظَرُ لِلْوَاقِفِ، أَمْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَمْ لِلْحَاكِمِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلْوَاقِفِ، فَالتَّوْلِيَةُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لِلْحَاكِمِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى فَهِيَ لِلْحَاكِمِ، وَقِيلَ: لِلْوَاقِفِ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ، فَإِنَّ قِيَامَهُ بِأَمْرِ الْوَقْفِ مِنْ تَتِمَّةِ الْقُرْبَةِ، وَقِيلَ: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، لِأَنَّ الْغَلَّةَ، وَالْمَنْفَعَةَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَالتَّوْلِيَةُ لَهُ، وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ قَالَهُ كَثِيرُونَ: التَّوْلِيَةُ لِلْوَاقِفِ بِلَا خِلَافٍ، وَالَّذِي يَقْتَضِي كَلَامُ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ الْفَتْوَى بِهِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ فَالتَّوْلِيَةُ لِلْحَاكِمِ كَمَا لَوْ وُقِفَ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ رِبَاطٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَكَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ يَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ لِلْوَاقِفِ، أَوِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ التَّوْلِيَةُ.
فَرْعٌ
لَا بُدَّ مِنْ صَلَاحِيَةِ الْمُتَوَلِّي لِشَغْلِ التَّوْلِيَةِ، وَالصَّلَاحِيَةِ بِالْأَمَانَةِ، وَالْكِفَايَةِ فِي التَّصَرُّفِ، وَاعْتِبَارُهُمَا كَاعْتِبَارِهِمَا فِي الْوَصِيِّ، وَالْقَيِّمِ، وَسَوَاءٌ فِي اشْتِرَاطِهِمَا الْمَنْصُوبُ لِلتَّوْلِيَةِ وَالْوَاقِفُ إِذَا قُلْنَا: هُوَ الْمُتَوَلِّي عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَسَوَاءٌ الْوَقْفُ عَلَى الْجِهَةِ الْعَامَّةِ، وَالْأَشْخَاصِ الْمُعَيَّنِينَ.
وَقِيلَ: لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ، وَلَا طِفْلَ فِيهِمْ، فَإِنْ خَانَ حَمَلُوهُ عَلَى السَّدَادِ، وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ.
حَتَّى لَوْ فَوَّضَ إِلَى
مَوْصُوفٍ بِالْأَمَانَةِ وَالْكِفَايَةِ، فَاخْتَلَّتْ إِحْدَاهُمَا، انْتَزَعَ الْحَاكِمُ الْوَقْفَ مِنْهُ، وَقَبُولُ الْمُتَوَلِّي يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ مَا فِي قَبُولِ الْوَكِيلِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ
وَظِيفَةُ الْمُتَوَلِّي الْعِمَارَةَ، وَالْإِجَارَةَ، وَتَحْصِيلَ الْغَلَّةِ، وَقِسْمَتَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، وَحِفْظَ الْأُصُولِ وَالْغَلَّاتِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، هَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَصَّبَ الْوَاقِفُ مُتَوَلِّيًا لِبَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ، بِأَنْ يَجْعَلَ إِلَى وَاحِدٍ الْعِمَارَةَ، وَتَحْصِيلَ الْغَلَّةِ، وَإِلَى آخَرَ حَفْظَهَا، وَقِسْمَتَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، أَوْ يَشْرُطَ لِوَاحِدٍ الْحِفْظَ، وَالْيَدَ، وَلِآخَرَ التَّصَرُّفَ، وَلَوْ فَرَضَ إِلَى اثْنَيْنِ، لَمْ يَسْتَقِلَّ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي عَلَى أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ لِعَدْلَيْنِ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إِلَّا عَدْلٌ وَاحِدٌ، ضَمَّ إِلَيْهِ الْحَاكِمُ عَدْلًا آخَرَ.
فَرْعٌ
لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِلْمُتَوَلِّي شَيْئًا مِنَ الْغَلَّةِ جَازَ، وَكَانَ ذَلِكَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ، فَلَوْ لَمْ يَشْرُطْ شَيْئًا، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةَ عَمَلِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا لَوِ اسْتَعْمَلَ إِنْسَانًا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أُجْرَةً، وَلَوْ شَرَطَ لِلْمُتَوَلِّي عُشْرَ الْغَلَّةِ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ ثُمَّ عَزَلَهُ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ أُجْرَةً، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ، لِأَنَّ الْعُشْرَ وَقْفٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَأَحَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا أَثْبَتْنَا الْأُجْرَةَ بِمُجَرَّدِ التَّفْوِيضِ أَخْذًا مِنَ الْعَادَةِ، فَالْعَادَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْرُوطَ لِلْمُتَوَلِّي أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ بِأَنَّهُ أُجْرَةٌ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بُطْلَانُ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْعَزْلِ.
فَرْعٌ
لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ شَيْئًا عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ، وَلَوْ فَعَلَ ضَمِنَ، وَلَا يَجُوزُ ضَمُّ الضَّمَانِ إِلَى مَالِ الْوَقْفِ، وَإِقْرَاضُ مَالِ الْوَقْفِ، حُكْمُهُ حُكْمُ إِقْرَاضِ مَالِ الصَّبِيِّ.
فَرْعٌ
لِلْوَاقِفِ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ وَلَّاهُ وَيُنَصِّبَ غَيْرَهُ، كَمَا يَعْزِلُ الْوَكِيلُ، وَكَأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ نَائِبٌ عَنْهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ، وَفِي وَجْهٍ: لَيْسَ لَهُ الْعَزْلُ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ فَلَا تَبْقَى وِلَايَتُهُ عَلَيْهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةً فِي التَّوْلِيَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ دُونَ مَا إِذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ التَّوْلِيَةُ لِفُلَانٍ، لِأَنَّ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ مَدْرَسَةً عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ قَالَ لِعَالَمٍ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ تَدْرِيسَهَا، أَوِ اذْهَبْ وَدَرِّسْ فِيهَا، كَانَ لَهُ إِبْدَالُهُ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُدَرِّسَهَا، أَوْ قَالَ حَالَ الْوَقْفِ: فَوَّضْتُ تَدْرِيسَهَا إِلَى فُلَانٍ، فَهُوَ لَازِمٌ لَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الْفُقَرَاءِ، لَا يَجُوزُ التَّبْدِيلُ بِالْأَغْنِيَاءِ، وَهَذَا حَسَنٌ فِي صِيغَةِ الشَّرْطِ، وَغَيْرُ مُتَّضِحٍ فِي قَوْلِهِ: وَقَفْتُهَا وَفَوَّضْتُ التَّدْرِيسَ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي اسْتَحْسَنَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، هُوَ الْأَصَحُّ، أَوِ الصَّحِيحُ، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا ذَكَرَ، وَمَنْ أَطْلَقَهَا، فَكَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا، وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَاقِفِ تَبْدِيلٌ مِنْ شَرْطِ النَّظَرِ لَهُ حَالَ إِنْشَاءِ الْوَقْفِ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَبْدِيلِهِ، وَلَا حُكْمَ لَهُ
فِي ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ، وَلَوْ عَزَلَ النَّاظِرُ الْمُعَيَّنُ حَالَةَ إِنْشَاءِ الْوَقْفِ نَفْسَهُ، فَلَيْسَ لِلْوَاقِفِ نَصْبَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا نَظَرَ لَهُ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ النَّظَرَ فِي حَالَةِ الْوَقْفِ لِغَيْرِهِ، بَلْ يُنَصِّبُ الْحَاكِمُ نَاظِرًا.
وَفِيهَا: أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ فِي حَالَةِ الْوَقْفِ النَّظَرَ لِزَيْدٍ بَعْدَ انْتِقَالِ الْوَقْفِ مِنْ عَمْرٍو إِلَى الْفُقَرَاءِ، فَعَزَلَ زِيدٌ نَفْسَهُ قَبْلَ انْتِقَالِهِ إِلَى الْفُقَرَاءِ، لَمْ يُنَفَّذْ عَزْلُهُ، وَلَا يَمْلِكُ الْوَاقِفُ عَزْلَ زِيدٍ فِي الْحَالِ، وَلَا بَعْدَهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِيهَا:
[أَنَّهُ] لَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُسْنِدَ مَا جَعَلَ لَهُ مِنَ الْإِسْنَادِ قَبْلَ مَصِيرِ النَّظَرِ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا: أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَكَانَ الْأَرْشَدُ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ ثَبَتَ لَهُ النَّظَرُ.
وَفِيهَا: أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَأَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ الْأَرْشَدُ، اشْتَرَكُوا فِي النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْلَالٍ إِذَا وُجِدَتِ الْأَهْلِيَّةُ فِي جَمِيعِهِمْ، فَإِنْ وُجِدَتْ فِي بَعْضِهِمُ اخْتَصَّ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ تَعَارَضَتْ فِي الْأَرْشَدِ، فَتَسَاقَطَتْ وَبَقِيَ أَصْلُ الرُّشْدِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِرُشْدِ الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَحُكْمُهُ التَّشْرِيكُ لِعَدَمِ الْمَزِيَّةِ، وَأَمَّا عَدَمُ الِاسْتِقْلَالِ، فَكَمَا لَوْ أَوْصَى إِلَى شَخْصَيْنِ مُطْلَقًا وَفِيهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ النَّظَرُ عَلَى مَوَاضِعَ فِي بُلْدَانٍ، فَأَثْبَتَ أَهْلِيَّةَ نَظَرِهِ فِي مَكَانٍ مِنْهَا، ثَبَتَ أَهْلِيَّتُهُ فِي بَاقِي الْأَمَاكِنِ مِنْ حَيْثُ الْأَمَانَةُ، وَلَا تَثْبُتُ مِنْ حَيْثُ الْكِفَايَةُ، إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ أَهْلِيَّتُهُ لِلنَّظَرِ فِي سَائِرِ الْوُقُوفِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ لَا يُبَدَّلُ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ الْقَيِّمُ الَّذِي نَصَّبَهُ، كَأَنَّهُ يُجْعَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالْوَصِيِّ.
فَصْلٌ
نَفَقَةُ الْعَبْدِ، وَالْبَهِيمَةِ الْمَوْقُوفِينَ مِنْ حَيْثُ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ، فَفِي الْإِكْسَابِ، وَعِوَضِ الْمَنَافِعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ كَاسِبًا، أَوْ تَعَطَّلَ كَسْبُهُ، وَمَنَافِعُهُ لِزَمَانَةٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ لَمْ يَفِ كَسْبُهُ بِنَفَقَتِهِ بُنِيَ عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَزِمَهُ النَّفَقَةُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى، فَفِي بَيْتِ الْمَالِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْوَاقِفِ فَهِيَ عَلَيْهِ فَإِذَا مَاتَ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي لِأَنَّ التَّرِكَةَ انْتَقَلَتْ إِلَى الْوَرَثَةِ، وَالرَّقَبَةَ لَمْ تَنْتَقِلْ إِلَيْهِمْ، فَلَا يَلْزَمُهُمُ النَّفَقَةُ، وَقِيَاسُ قَوْلِنَا: أَنَّ رَقَبَةَ الْوَقْفِ لِلْوَاقِفِ، انْتِقَالُهَا إِلَى وَارِثِهِ، وَإِذَا مَاتَ فَمَئُونَةُ تَجْهِيزِهِ كَنَفَقَتِهِ، وَأَمَّا الْعَقَارُ الْمَوْقُوفُ فَنَفَقَتُهُ مِنْ حَيْثُ شَرَطَ.
فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ فَمِنْ غَلَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَّةً، لَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدٍ عِمَارَتُهُ كَالْمِلْكِ الطَّلْقِ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ تُصَانُ رُوحُهُ.
فَصْلٌ
لِلْوَاقِفِ، وَلِمَنْ وَلَّاهُ الْوَاقِفُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ، وَإِذَا لَمْ يُنَصِّبِ الْوَاقِفُ لِلتَّوْلِيَةِ أَحَدًا، فَالْخِلَافُ فِيمَنْ لَهُ التَّوْلِيَةُ قَدْ سَبَقَ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُتَوَلِّي هُوَ الْحَاكِمُ، فَهُوَ الَّذِي يُؤَجِّرُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، يُمَكَّنُ مِنَ الْإِجَارَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً اشْتَرَكُوا فِي الْإِيجَارِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ طِفْلٌ، قَامَ وَلِيُّهُ
مَقَامَهُ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ رُبَّمَا مَاتَ فِي الْمُدَّةِ فَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ جُعِلَ لِكُلِّ بَطْنٍ مِنْهُمُ الْإِجَارَةُ، فَلَهُمُ الْإِجَارَةُ قَطْعًا، وَإِذَا أَجَّرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَجَوَّزْنَاهُ فَزَادَتِ الْأُجْرَةُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يَتَأَثَّرِ الْعَقْدُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَ الطَّلْقَ، وَلَوْ أَجَّرَ الْمُتَوَلِّي بِحُكْمِ التَّوْلِيَةِ، ثُمَّ حَدَثَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْعَقْدَ جَرَى بِالْغِبْطَةِ فِي وَقْتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا بَاعَ الْوَلِيُّ مَالَ الطِّفْلِ، ثُمَّ ارْتَفَعَتِ الْقِيمَةُ بِالْأَسْوَاقِ، أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ.
وَالثَّانِي: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، لِأَنَّهُ بَانَ وُقُوعُهُ، بِخِلَافِ الْغِبْطَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ سَنَةً فَمَا دُونَهَا لَمْ يَتَأَثَّرِ الْعَقْدُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ فَالزِّيَادَةُ مَرْدُودَةٌ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ فِي الْأَمَالِي.
فَصْلٌ
إِذَا انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَلَمْ تُعْرَفْ مَقَادِيرُ الِاسْتِحْقَاقِ، أَوْ كَيْفِيَّةُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ، قُسِّمَتِ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْوَجْهَ: التَّوَقُّفُ إِلَى اصْطِلَاحِهِمْ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَوِ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ الْوَقْفِ فِي شَرْطِ الْوَقْفِ وَلَا بَيِّنَةَ، جُعِلَتِ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ حَيًّا رُجِعَ إِلَى قَوْلِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبَا «الْمُهَذَّبِ» ، وَ «التَّهْذِيبِ» ، وَلَوْ قِيلَ: لَا رُجُوعَ إِلَى قَوْلِهِ، كَمَا لَا رُجُوعَ إِلَى قَوْلِ الْبَائِعِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِيَانِ مِنْهُ فِي كَيْفِيَّةِ الشِّرَاءِ، لَمَا كَانَ بَعِيدًا.
قُلْتُ: الصَّوَابُ: الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُمْ: جُعِلَ بَيْنَهُمْ، هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، أَوْ لَا يَدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
أَمَّا لَوْ كَانَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ، وَغَيْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَرْبَابُ الْوَقْفِ جَعَلْنَاهُ كَوَقْفٍ مُطْلَقٍ لَمْ يُذْكَرْ مَصْرِفُهُ فَيُصْرَفَ إِلَى تِلْكَ الْمَصَارِفِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
فِي تَعَطُّلِ الْمَوْقُوفِ، وَاخْتِلَالِ مَنَافِعِهِ
وَلَهُ سَبَبَانِ: السَّبَبُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَحْصُلَ بِسَبَبٍ مَضْمُونٍ، بِأَنْ يُقْتَلَ الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ، فَإِمَّا أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِقَتْلِهِ قِصَاصٌ، وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: يُنْظَرُ فِيهِ: هَلِ الْقَاتِلُ أَجْنَبِيٌّ، أَمِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، أَمِ الْوَاقِفُ؟ الْحَالُ الْأَوَّلُ: إِذَا قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ، لَزِمَهُ قِيمَتُهُ.
وَفِي مَصْرِفِهَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: تَخْرِيجُهَا عَلَى أَقْوَالِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، إِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى، اشْتَرَى بِهَا عَبْدًا يَكُونُ وَقْفًا مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبَعْضُ عَبْدٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَوِ الْوَاقِفِ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: كَذَلِكَ لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ غَرَضُ الْوَاقِفِ، وَحَقُّ بَاقِي الْبُطُونِ.
وَالثَّانِي: يَصْرِفُ مِلْكًا إِلَى مَنْ حَكَمْنَا لَهُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَبَطَلَ الْوَقْفُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ يَكُونُ وَقْفًا، وَالْأَصْحَابُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْفَتْوَى بِأَنَّهُ يُشْتَرَى عَبْدٌ، وَإِذَا اشْتُرِيَ عَبْدٌ، وَفَضَلَ شَيْءٌ مِنَ الْقِيمَةِ، فَهَلْ يَعُودُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ، أَمْ يُصْرَفُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
قُلْتُ: الْوَجْهَانِ مَعًا ضَعِيفَانِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُشْتَرَى بِهِ شِقْصُ عَبْدٍ، لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنَ الْمَوْقُوفِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى وُجُوبِ شِرَاءِ عَبْدٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
ثُمَّ الْعَبْدُ الَّذِي يُجْعَلُ بَدَلًا يَشْتَرِيهِ الْحَاكِمُ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي الرَّقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ