كِتَابُ النِّكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَرْعٌ
لَيْسَ مِنَ الْخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْكَفَاءَةِ الْجَمَالُ وَنَقِيضُهُ، لَكِنْ ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ، أَنَّ الشَّيْخَ لَا يَكُونُ كُفْئًا لِلشَّابَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنَّ الْجَاهِلَ لَيْسَ كُفْئًا لِلْعَالِمَةِ، وَهَذَا فَتْحُ بَابٍ وَاسِعٍ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ خِلَافُ مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَيْسَ الْبُخْلُ وَالْكَرَمُ وَالطُّولُ وَالْقِصَرُ مُعْتَبَرًا.
قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ الْبَلَدَ، فَقَالُوا: سَاكِنُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، لَيْسَ كُفْئًا لِسَاكِنِ الْجِبَالِ، قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ، أَنَّ خِصَالَ الْكَفَاءَةِ لَا تُقَابَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ، حَتَّى لَا تُزَوَّجَ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ دَنِيَّةٌ بِمَعِيبِ نَسِيبٍ، وَلَا حُرَّةٌ فَاسِقَةٌ بِعَبْدٍ عَفِيفٍ، وَلَا عَرَبِيَّةٌ فَاسِقَةٌ بِعَجَمِيٍّ عَفِيفٍ، وَلَا رَقِيقَةٌ عَفِيفَةٌ بِحُرٍّ فَاسِقٍ، وَتَكْفِي صِفَةُ النَّقْصِ فِي الْمَنْعِ.
وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فَقَالَ: السَّلَامَةُ مِنَ الْعُيُوبِ لَا تُقَابَلُ بِسَائِرِ فَضَائِلِ الزَّوْجِ، وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ، وَكَذَا النَّسَبُ.
وَفِي انْجِبَارِ دَنَاءَةِ نَسَبِهِ بِعِفَّتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، قَالَ: وَالتَّنَقِّي مِنَ الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ، يُقَابِلُهُ الصَّلَاحُ وِفَاقًا.
وَالصَّلَاحُ إِنِ اعْتَبَرْنَاهُ، يُقَابَلُ بِكُلِّ خَصْلَةٍ، وَالْأَمَةُ الْعَرَبِيَّةِ بِالْحُرِّ الْعَجَمِيِّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
فَرْعٌ
قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: لَا اعْتِبَارَ بِالِانْتِسَابِ إِلَى عُظَمَاءِ الدُّنْيَا وَالظَّلَمَةِ الْمُسْتَوْلِينَ عَلَى الرِّقَابِ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدْ يَتَفَاخَرُونَ بِهِمْ، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ، لَا يُسَاعِدُهُ كَلَامُ النَّقَلَةِ.
وَقَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي: لِلْعَجَمِ عُرْفٌ فِي الْكَفَاءَةِ، فَيُعْتَبَرُ عُرْفُهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الشَّامِلِ نَقَلَ قَوْلًا عَنْ كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ: أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي الدِّينِ وَحْدِهِ، وَالْمَشْهُورُ مَا سَبَقَ.
فَصْلٌ
الْكَفَاءَةُ حَقُّ الْمَرْأَةِ وَالْوَلِيِّ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً مُسْتَوِينَ فِي دَرَجَةٍ.
فَإِنْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ وَلَيُّهَا الْمُنْفَرِدُ بِرِضَاهَا، أَوْ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ بِرِضَاهَا وَرِضَى الْبَاقِينَ، صَحَّ النِّكَاحُ، فَالْكَفَاءَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ.
وَإِذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، لَمْ يَكُنْ لِلْأَبْعَدِ الِاعْتِرَاضُ.
فَلَوْ كَانَ الَّذِي يَلِي أَمْرَهَا السُّلْطَانُ، فَهَلْ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ إِذَا طَلَبَتْهُ؟ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ، فَلَا يُتْرَكُ الْحَظُّ.
وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا دُونَ رِضَى الْبَاقِينَ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ، وَلَهُمُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ قَطْعًا.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ قَطْعًا.
وَإِنْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَذِنَتْ فِي التَّزْوِيجِ مُطْلَقًا، وَقُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الزَّوْجِ، أَوْ زَوَّجَ الْأَبُ أَوِ الْجَدُّ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ أَوِ الْبَالِغَةَ بِغَيْرِ كُفْءٍ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ.
وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ عَدَمَ الْكَفَاءَةِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا، فَصَحِيحٌ.
وَإِذَا صَحَّحْنَا، فَلِلْمَرْأَةِ الْخِيَارُ إِنْ كَانَتْ بَالِغَةً، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَإِذَا بَلَغَتْ، تَخَيَّرَتْ.
وَحَكَى الْإِمَامُ
وَجْهًا: أَنَّهَا لَا تَتَخَيَّرُ، وَعَلَيْهَا الرِّضَى بِعَقْدِ الْأَبِ.
وَهَلْ لِلْوَلِيِّ الْخِيَارُ فِي صِغَرِهَا؟ وَجْهَانِ.
وَرَوَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى لِلصَّغِيرِ مَعِيبًا.
وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ خِيَارُ شَهْوَةٍ.
وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْحَنَّاطِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَرَآهُ الْإِمَامُ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا جَهِلَ الْوَلِيُّ حَالَ الزَّوْجِ، فَإِنْ عَلِمَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَطَرَدَهُ ابْنُ كَجٍّ وَآخَرُونَ فِي حَالَتَيِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَقَالُوا: لَيْسَ هُوَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِعِلْمِهِ.
فَرْعٌ
فِي «فَتَاوَى» الْبَغَوِيِّ: أَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِنِكَاحٍ لِغَيْرِ كُفْءٍ، فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْوَلِيِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْشَاءِ عَقْدٍ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: مَا رَضِيَتْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ، لَا يُقْبَلُ إِنْكَارُهُ، قَالَ: وَلَوْ زُوِّجَتْ بِوِكَالَةٍ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْوَلِيُّ التَّوْكِيلَ وَالْمَرْأَةُ سَاكِتَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ.
فَلَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ، قُبِلَ قَوْلُهَا.
فَرْعٌ
إِذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَنْ لَا تُكَافِئُهُ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ مَعِيبَةً بِعَيْبٍ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ بِغَيْرِ كُفْءٍ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَصِحُّ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إِنْكَاحُهُ الرَّتْقَاءَ وَالْقَرْنَاءَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي بُضْعٍ لَا يَنْفَعُ، بِخِلَافِ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ بِمَجْبُوبٍ.
وَإِنْ زَوَّجَهُ أَمَةً، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْعَنَتَ.
وَإِنْ زَوَّجَهُ بِمَنْ لَا تُكَافِئُهُ بِجِهَةٍ أُخْرَى، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، إِذْ لَا عَارَ عَلَى الرَّجُلِ فِي اسْتِفْرَاشِ مَنْ دُونَهُ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَالتَّفْرِيعُ كَمَا سَبَقَ فِي الصَّغِيرَةِ.
وَإِنَّ زَوَّجَهُ عَمْيَاءَ، أَوْ عَجُوزًا، أَوْ مَفْقُودَةَ بَعْضِ الْأَطْرَافِ، فَوَجْهَانِ.
وَيَجِبُ أَنْ
يَكُونَ فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ بِالْأَعْمَى وَالْأَقْطَعِ وَالشَّيْخِ الْهَرِمِ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ زَوَّجَ الْمَجْنُونَ أَمَةً، جَازَ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَخُشِيَ عَلَيْهِ الْعَنَتُ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ وَطْءٌ يُوجِبُ حَدًّا أَوْ إِثْمًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الصَّغِيرَةِ.
فَرْعٌ
زَوَّجَ بِنْتَهُ بِخُنْثَى قَدْ بَانَ رَجُلًا، أَوِ ابْنَهُ بِخُنْثَى قَدْ بَانَ امْرَأَةً، فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ بِهَذَا السَّبَبِ، فَالْخُنْثَى كَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ، وَإِلَّا، فَكَالْأَعْمَى.
قُلْتُ: الْخَصِيُّ كَالْخُنْثَى فِي هَذَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا لَوْ أَذِنَتِ الْبَالِغَةُ فِي التَّزْوِيجِ مُطْلَقًا فَزَوَّجَهَا بِخَصِيٍّ أَوْ خُنْثَى.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
لِلسَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ بِرَقِيقٍ وَدَنِيءِ النَّسَبِ، وَلَا يُزَوِّجُهَا مَنْ بِهِ عَيْبٌ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَلَا مَنْ لَا يُكَافِئُهَا بِسَبَبٍ آخَرَ.
فَإِنْ خَالَفَ، فَهَلْ يَبْطُلُ النِّكَاحُ، أَمْ يَصِحُّ وَلَهَا الْخِيَارُ؟ فِيهِ مِثْلُ الْخِلَافِ السَّابِقِ.
وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَصِحُّ بِلَا خِيَارٍ.
وَلَوْ زَوَّجَهَا بِمَعِيبٍ بِرِضَاهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَمْكِينِهِ، وَلَهُ بَيْعُهَا مِمَّنْ بِهِ بَعْضُ تِلْكَ الْعُيُوبِ.
وَهَلْ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَمْكِينِهِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهَا التَّمْكِينُ.
وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ، لَوْ زَوَّجَهَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ بِكُفْءٍ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ بِرِضَاهَا دُونَ رِضَى بَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ، صَحَّ قَطْعًا، إِذْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْمَهْرِ، وَلَا عَارَ.
وَلَوْ طَلَبَتِ
التَّزْوِيجَ بِرَجُلٍ، وَادَّعَتْ كَفَاءَتَهُ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: لَيْسَ بِكُفْءٍ، رُفِعَ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنْ ثَبَتَتْ كَفَاءَتُهُ، أَلْزَمَهُ تَزْوِيجَهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ، زَوَّجَهَا الْقَاضِي بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَزْوِيجُهَا بِهِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ زَوَّجَهَا وَاحِدٌ بِرِضَاهَا وَرِضَى الْبَاقِينَ بِغَيْرِ كُفْءٍ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ، ثُمَّ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ بِهِ بِرِضَاهَا دُونَ إِذْنِ الْبَاقِينَ، فَقِيلَ: يَصِحُّ قَطْعًا، لِأَنَّهُمْ رَضَوْا بِهِ أَوَّلًا.
وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَدِيدٌ.
وَلَوِ امْتَنَعُوا، فَلَهُمْ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ: وَلَوِ اسْتَأْذَنَ الْأَبُ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ فِي التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ، فَسَكَتَتْ، فَهَلْ يَصِحُّ قَطْعًا، أَمْ يَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
وَالْمَذْهَبُ: الصِّحَّةُ.
وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي «الْإِمْلَاءِ» : لَوْ زَوَّجَ أُخْتَهُ، فَمَاتَ الزَّوْجُ، فَادَّعَى وَارِثُهُ أَنَّ الْأَخَ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَأَنَّهَا لَا تَرِثُ، فَقَالَتْ: زَوَّجَنِي بِرِضَايَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَتَرِثُ، قَالَ فِي «الْإِمْلَاءِ» : وَإِنْ قَالَ رَجُلٌ: هَذِهِ زَوْجَتِي، فَسَكَتَتْ فَمَاتَ، وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَتْ، لَمْ يَرِثْهَا، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ يُقْبَلُ عَلَيْهِ دُونَهَا.
وَلَوْ أَقَرَّتْ بِزَوْجِيَّةِ رَجُلٍ، فَسَكَتَ فَمَاتَتْ، وَرِثَهَا، وَإِنْ مَاتَ، لَمْ تَرِثْهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الطَّرَفُ الثَّامِنُ: فِي اجْتِمَاعِ الْأَوْلِيَاءِ.
فَإِذَا اجْتَمَعُوا فِي دَرَجَةٍ، كَالْأُخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمُ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَفْضَلُهُمْ بِالْفِقْهِ أَوِ الْوَرَعِ، وَأَسَنُّهُمْ، بِرِضَى الْبَاقِينَ، لِأَنَّ هَذَا أَجْمَعُ لِلْمَصْلَحَةِ.
وَلَوْ تَعَارَضَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ، قُدِّمَ الْأَفْقَهُ، ثُمَّ الْأَوْرَعُ، ثُمَّ الْأَسَنُّ.
وَلَوْ زَوَّجَ غَيْرُ الْأَسَنِّ وَالْأَفْضَلِ بِرِضَاهَا بِكُفْءٍ، صَحَّ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْبَاقِينَ.
وَلَوْ تَنَازَعُوا، وَقَالَ كُلٌّ: أَنَا أُزَوِّجُ، نُظِرَ، إِنْ تَعَدَّدَ الْخَاطِبُ، فَالتَّزْوِيجُ مِمَّنْ تَرْضَاهُ الْمَرْأَةُ، فَإِنْ رَضِيَتْهُمْ جَمِيعًا، نَظَرَ الْقَاضِي فِي الْأَصْلَحِ وَأَمَرَ بِتَزْوِيجِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَإِنِ اتَّحَدَ الْخَاطِبُ، وَتَزَاحَمُوا عَلَى الْعَقْدِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، زَوَّجَهَا، فَإِنْ بَادَرَ غَيْرُهُ فَزَوَّجَهَا، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.
فَعَلَى هَذَا، هَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الْوَجْهُ بِمَا إِذَا اقْتَرَعُوا مِنْ غَيْرِ ارْتِفَاعٍ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، أَمْ يَخْتَصُّ بِقُرْعَةٍ يُنْشِئُهَا الْقَاضِي؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا أَذِنَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، أَوْ قَالَتْ: أَذِنْتُ فِي فُلَانٍ، فَمَنْ شَاءَ مِنْ أَوْلِيَائِي فَلْيُزَوِّجْنِي بِهِ.
وَلَوْ قَالَتْ: زَوِّجُونِي، اشْتُرِطَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَتْ: رَضِيتُ أَنْ أُزَوَّجَ، أَوْ رَضِيتُ بِفُلَانٍ زَوْجًا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لِأَحَدٍ تَزْوِيجُهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ لِجَمِيعِهِمْ إِذْنًا عَامًّا، وَلَا خَاطَبَتْ وَاحِدًا، فَصَارَ كَقَوْلِهَا: رَضِيتُ أَنْ يُبَاعَ مَالِي.
وَأَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَزْوِيجُهَا، لِأَنَّهُمْ مُتَعَيِّنُونَ شَرْعًا، وَالشَّرْطُ رِضَاهَا وَقَدْ وُجِدَ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ عَيَّنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَاحِدًا، فَفِي انْعِزَالِ الْبَاقِينَ وَجْهَانِ.
وَقَطَعَ فِي الرَّقْمِ بِالِانْعِزَالِ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِخِلَافِهِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عَدَمُ الِانْعِزَالِ، وَغَلَّطَ الشَّاشِيُّ مَنْ قَالَ بِالِانْعِزَالِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
إِذَا أَذِنَتْ لِأَحَدِ الْوَلِيَّيْنِ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِزَيْدٍ، وَلِلْآخَرِ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِعَمْرٍو، وَأَطْلَقَتِ الْإِذْنَ، وَصَحَّحْنَاهُ، فَزَوَّجَ وَاحِدٌ زَيْدًا، وَآخَرُ عَمْرًا، أَوْ وَكَّلَ الْوَلِيُّ الْمُجْبَرُ رَجُلًا، فَزَوَّجَهَا الْوَلِيُّ زَيْدًا، وَالْوَكِيلُ عَمْرًا، أَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ، فَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا زَيْدًا، وَالْآخَرُ عَمْرًا، فَلِلْمَسْأَلَةِ خَمْسُ صُوَرٍ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُ النِّكَاحَيْنِ وَنَعْلَمُهُ، فَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَالثَّانِي بَاطِلٌ، سَوَاءٌ دَخَلَ الثَّانِي، أَمْ لَا، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ السَّبْقُ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ التَّصَادُقِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَا مَعًا، فَبَاطِلَانِ.
وَلَوِ اتَّحَدَ الْخَاطِبُ، وَأَوْجَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَلِيَّيْنِ النِّكَاحَ لَهُ مَعًا، صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَتَقَوَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِيجَابَيْنِ بِالْآخَرِ،
وَحَكَى الْعِبَادِيُّ عَنِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، فَتَدَافَعَا.
الثَّالِثَةُ: إِذَا لَمْ يُعْلَمِ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ، وَأَمْكَنَا، فَبَاطِلَانِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الصِّحَّةِ، كَذَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَجْهًا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ فَسْخٍ، لِاحْتِمَالِ السَّبْقِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَسْبِقَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ يَخْفَى، فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يُبَيَّنَ، وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَلَا لِثَالِثٍ نِكَاحُهَا، إِلَّا أَنْ يُطَلِّقَاهَا، أَوْ يَمُوتَا، أَوْ يُطَلِّقَ أَحَدُهُمَا، أَوْ يَمُوتَ الْآخَرُ.
قُلْتُ: وَلَا بُدَّ مِنَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بَعْدَ مَوْتِ آخِرهِمَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَطَرَدَ بَعْضُهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الصُّورَةِ الْخَامِسَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا عُلِمَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ، فَبَاطِلَانِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، كَمَا لَوِ احْتَمَلَ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ لِتَعَذُّرِ الْإِمْضَاءِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالثَّانِي مُخَرَّجٌ مِنَ الْجَمْعَيْنِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ: أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ كَمَا فِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ، هَلْ يَبْطُلَانِ بِلَا فَسْخٍ؟ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ فَسْخٍ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ، فَإِنْ شَرَطْنَا الْإِنْشَاءَ، فَفِيمَنْ يَفْسَخُ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: الْحَاكِمُ أَوِ الْمُحَكَّمُ إِنْ جَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ.
وَالثَّانِي: لِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ بِغَيْرِ مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ.
وَالثَّالِثُ: لِلزَّوْجَيْنِ الْفَسْخُ أَيْضًا.
وَحَيْثُ أَبْطَلْنَا النِّكَاحَيْنِ، فَلَا مَهْرَ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ دُخُولٌ، فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَإِذَا أَبْطَلْنَا عِنْدَ احْتِمَالِ السَّبْقِ وَالْمَعِيَّةِ، وَفِيمَا إِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعْلَمْ، فَهَلْ يَبْطُلُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، أَمْ ظَاهِرًا فَقَطْ؟ وَجْهَانِ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ ظَهَرَ وَتَعَيَّنَ السَّابِقُ بَعْدُ، فَلَا زَوْجِيَّةَ.
وَلَوْ نَكَحَتْ ثَالِثًا، فَهِيَ زَوْجَةُ الثَّالِثِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ جَرَى فَسْخٌ مِنَ الْحَاكِمِ، انْفَسَخَ أَيْضًا بَاطِنًا، وَإِلَّا، فَلَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، وَقَفْنَا مِنْ تَرِكَتِهِ مِيرَاثَ زَوْجِهِ.
وَلَوْ مَاتَتْ، وَقَفْنَا مِيرَاثَ زَوْجٍ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا أَوْ يُبَيَّنَ الْحَالُ، وَفِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا فِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ وَمُدَّةِ الْحَبْسِ قَبْلَ الْفَسْخِ إِذَا قُلْنَا بِهِ، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، لِعَدَمِ التَّمْكِينِ، وَالْأَصْلُ الْبَرَاءَةُ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِصُورَةِ الْعَقْدِ وَعَدَمِ النُّشُوزِ مَعَ حَبْسِهَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَبِالثَّانِي قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ.
فَإِنْ أَوْجَبْنَا، وُزِّعَتْ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ تَعَيَّنَ السَّابِقُ، رَجَعَ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ.
قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا يَرْجِعُ إِذَا أَنْفَقَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَبِهَذَا قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ، وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَلَا يُطَالَبُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
فَرْعٌ
جَمِيعُ مَا سَبَقَ، هُوَ فِيمَا إِذَا تَصَادَقُوا فِي كَيْفِيَّةِ جَرَيَانِ الْعَقْدِ.
أَمَّا إِذَا تَنَازَعُوا، وَادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ سَبْقَهُ، وَأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَيُنْظَرُ، إِنْ لَمْ يَدَّعِيَا عَلَيْهَا، لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُمَا، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا يُحَلِّفُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْعَبَّادِيُّ فِي الرَّقْمِ: يُحَلَّفَانِ فَلَعَلَّهُ يَظْهَرُ الْحَقُّ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا لَا مَجَالَ لَهُ إِنْ زَعَمَا عِلْمَ الْمَرْأَةِ بِالْحَالِ، بَلْ تُرَاجَعُ هِيَ.
فَإِنِ اعْتَرَفَا بِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَيَنْقَدِحُ فِي الْبَدَاءَةِ تَخْيِيرُ الْقَاضِي أَوِ الْإِقْرَاعُ.
فَإِنْ حَلَفَا
أَوْ نَكَلَا، فَهُوَ كَمَا لَوِ اعْتَرَفَا بِالْإِشْكَالِ.
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، قُضِيَ لَهُ.
وَإِنِ ادَّعَيَا عَلَى الْمَرْأَةِ، فَذَاكَ ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدَّعِيَا عِلْمَهَا بِالسَّبْقِ.
فَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ: إِنَّهَا تَعْلَمُ سَبْقَ أَحَدِ النِّكَاحَيْنِ، لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى، لِلْجَهْلِ.
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: هِيَ تَعْلَمُ أَنَّ نِكَاحِي سَابِقٌ، فَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُمَا: يُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي إِقْرَارِ الْمَرْأَةِ بِالنِّكَاحِ، هَلْ يَقْبَلُ؟ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى، إِذْ لَا فَائِدَةَ.
وَإِنْ قُلْنَا: تُقْبَلُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، سُمِعَتْ.
وَحِينَئِذٍ، إِمَّا أَنْ تُنْكِرَ، وَإِمَّا أَنْ تُقِرَّ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنَّ تُنْكِرَ الْعِلْمَ بِالسَّبْقِ، فَتَحْلِفَ عَلَيْهِ.
وَهَلْ يَكْفِي لَهُمَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، أَمْ يَجِبُ يَمِينَانِ؟ قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَمِينَانِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: إِنْ حَضَرَا وَادَّعَيَا، حَلَفَتْ يَمِينًا، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ كَجٍّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ حَضَرَا وَرَضِيَا بِيَمِينٍ، كَفَتْ.
وَإِنْ حَلَّفَهَا أَحَدُهُمَا، ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ، فَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُهَا؟ وَجْهَانِ، لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ وَاحِدَةٌ، وَنَفْيُ الْعِلْمِ بِالسَّبْقِ يَشْمَلُهُمَا.
فَإِذَا حَلَفَتْ كَمَا يَنْبَغِي، فَقِيلَ: لَا تَحَالُفَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقَدْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى الْإِشْكَالِ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ وَقَالَ: إِنَّمَا حَلَفَتْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالسَّبْقِ، وَلَمْ تُنْكِرْ جَرَيَانَ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الصِّحَّةِ، فَيَبْقَى التَّدَاعِي وَالتَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا.
وَالَّذِي أَنْكَرْنَاهُ ابْتِدَاءً التَّحَالُفُ مِنْ غَيْرِ رَبْطِ الدَّعْوَى بِهَا، وَبِهَذَا قَطَعَ الْغَزَالِيُّ.
وَإِنْ نَكَلَتْ هِيَ، رَدَدْنَا الْيَمِينَ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا، جَاءَ الْإِشْكَالُ، وَإِلَّا فَيُقْضَى لِلْحَالِفِ، وَإِذَا حَلَفَا وَنَكَلَا، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا عَلَيْهَا.
وَفِي كِتَابِ الْحَنَّاطِيِّ وَجْهٌ: أَنَّهُمَا إِذَا حَلَفَا وَانْدَفَعَ النِّكَاحَانِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَيَمِينُهَا - حَلَفَتْ أَوْ نَكَلَتْ - تَكُونُ عَلَى الْبَتِّ دُونَ نَفْيِ الْعِلْمِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّعَرُّضِ لِعِلْمِهَا.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا بِالسَّبْقِ، فَيَثْبُتُ النِّكَاحُ (لَهُ) . وَفِي سَمَاعِ دَعْوَى الثَّانِي عَلَيْهَا وَتَحْلِيفِهَا قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ لِلثَّانِي بَعْدَ إِقْرَارِهَا لِلْأَوَّلِ هَلْ تُغَرَّمُ لِلثَّانِي؟ وَفِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ فِي الْإِقْرَارِ لِعَمْرٍو بِدَارٍ أَقَرَّ بِهَا لِزَيْدٍ
أَوَّلًا.
فَإِنْ قُلْنَا: تُغَرَّمُ، سُمِعَتِ الدَّعْوَى وَحَلَّفَهَا، وَإِلَّا، فَقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ كَبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا الْمُدَّعِي؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: كَالْإِقْرَارِ.
فَعَلَى هَذَا، لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا، لِأَنَّ غَايَتَهَا أَنْ تُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ هُوَ بَعْدَ نُكُولِهَا، وَهُوَ كَإِقْرَارِهَا، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: كَالْبَيِّنَةِ، فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ وَيُحَلِّفَهَا.
فَإِنْ حَلَفَتْ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ نَكَلَ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ نَكَلَ، فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ حَلَفَ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ، أَمْ كَالْبَيِّنَةِ؟ إِنْ قُلْنَا: كَالْإِقْرَارِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَنْدَفِعُ النِّكَاحَانِ، لِتَسَاوِيهِمَا فِي أَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ إِقْرَارًا.
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ.
وَأَصَحُّهُمَا: اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ لِلْأَوَّلِ، وَلَا يَرْتَفِعُ بِنُكُولِهَا الْمُحْتَمِلِ لِلتَّوَرُّعِ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ لِلْأَوَّلِ، ثُمَّ لِلثَّانِي.
وَإِنْ قُلْنَا: كَالْبَيِّنَةِ.
فَقِيلَ: يُحْكَمُ بِالنِّكَاحِ لِلثَّانِي، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقَدَّمَ عَلَى الْإِقْرَارِ.
وَبِهَذَا قَطَعَ فِي «الْمُهَذَّبِ» . وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَآخَرُونَ: الصَّحِيحُ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ إِنَّمَا تُجْعَلُ كَالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الْحَالِفِ وَالنَّاكِلِ، لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا.
وَإِذَا اخْتَصَرَتْ قُلْتُ: هَلْ يَنْدَفِعُ النِّكَاحَانِ، أَمْ تُسَلَّمُ لِلْأَوَّلِ، أَمْ لِلثَّانِي؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
إِنْ سُلِّمَتْ لِلْأَوَّلِ، غَرِمَتْ لِلثَّانِي، وَحَيْثُ تَغْرَمُ، نُغَرِّمُهَا مَا يُغَرَّمُ شُهُودُ الطَّلَاقِ إِذَا رَجَعُوا؟ وَفِيهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَتْ خَرْسَاءَ، أَوْ خَرُسَتْ بَعْدَ التَّزْوِيجِ، فَأَقَرَّتْ بِالْإِشَارَةِ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا، لَزِمَهَا الْإِقْرَارُ، وَإِلَّا، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَالْحَالُ حَالُ الْإِشْكَالِ، حُكِيَ هَذَا عَنْ نَصِّهِ.
فَرْعٌ
حَلَفَتْ لِأَحَدِهِمَا: لَا تَعْلَمُ سَبْقَهُ، لَا تَكُونُ مُقِرَّةً لِلْآخَرِ، وَلَوْ قَالَتْ لِأَحَدِهِمَا: لَمْ يَسْبِقْ، كَانَتْ مُقِرَّةً لِلْآخَرِ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ.
وَالْمُرَادُ إِذَا جَرَى ذَلِكَ بَعْدَ إِقْرَارِهَا بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا، وَإِلَّا، فَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَا مَعًا، فَلَا تَكُونُ مُقِرَّةً بِسَبْقِ الْآخَرِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَا عَلَيْهَا زَوْجِيَّةً مُطْلَقَةً، وَلَا يَتَعَرَّضَا لِسَبْقٍ، وَلَا لِعِلْمِهَا بِهِ، فَهَذَا يُبْنَى عَلَى أَنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّفْصِيلُ وَذِكْرُ الشُّرُوطِ؟ وَبَيَانُهُ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ.
فَإِنْ سَمِعْنَا دَعْوَى النِّكَاحِ مُطْلَقَةً، أَوْ فَصَّلَا الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلسَّبْقِ، لَزِمَهَا الْجَوَابُ الْحَازِمُ، وَلَا يَكْفِيهَا نَفْيُ الْعِلْمِ بِالسَّابِقِ، لَكِنَّهَا إِذَا لَمْ تَعْلَمْ، فَلَهَا الْجَوَابُ الْجَازِمُ وَالْحَلْفُ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ، وَهَذَا كَمَا إِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتْلَفَ كَذَا، وَطَلَبَ غُرْمَهُ مِنَ التَّرِكَةِ، حَلَفَ الْوَارِثُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ أَتْلَفَ.
وَلَوِ ادَّعَى (أَنَّ) عَلَيْهِ تَسْلِيمَ كَذَا مِنَ التَّرِكَةِ، حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ.
وَعَدَمُ الْعِلْمِ يَجُوزُ لَهُ الْحَلْفُ الْجَازِمُ.
فَرْعٌ
هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى عَلَى الْمَرْأَةِ.
فَإِنِ ادَّعَيَا عَلَى الْوَلِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا، لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ لَا يُقْبَلُ.
وَإِنْ كَانَ مُجْبَرًا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ.
وَأَصَحُّهُمَا: تُسْمَعُ، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ، وَمَنْ قُبِلَ إِقْرَارُهُ، تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الدَّعْوَى وَالْيَمِينُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، حَلَفَ الْأَبُ.
وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْلِفُ، لِلْقُدْرَةِ عَلَى تَحْلِيفِهَا.
وَأَصَحُّهُمَا: يَحْلِفُ.
ثُمَّ إِنْ حَلَفَ الْأَبُ، فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَ الْبِنْتَ أَيْضًا.
فَإِنْ نَكَلَتْ، حَلَفَ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ، وَثَبَتَ نِكَاحُهُ.
وَفِي «التَّهْذِيبِ» : أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ بَالِغَةً، بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، فَالدَّعْوَى عَلَيْهَا.
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْمُوَلَّى عَلَيْهِ
الْأَسْبَابُ الْمُقْتَضِيَةُ لِنَصْبِ الْوَلِيِّ خَمْسَةٌ: الصِّغَرُ، وَالْأُنُوثَةُ، وَالْجُنُونُ، وَالسَّفَهُ، وَالرِّقُّ، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ الْأَوَّلَيْنِ.
السَّبُبُ الثَّالِثُ: الْجُنُونُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ كَبِيرًا، لَمْ يُزَوَّجْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَيُزَوَّجْ لِلْحَاجَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَظْهَرَ رَغْبَتُهُ فِيهِنَّ بِدَوَرَانِهِ حَوْلَهُنَّ وَتَعَلُّقِهِ بِهِنَّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
أَوْ بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهُ وَيَتَعَهَّدُهُ، وَلَا يَجِدُ فِي مَحَارِمِهِ مَنْ يُحَصِّلُ هَذَا، وَتَكُونُ مَئُونَةُ النِّكَاحِ أَخَفَّ مِنْ ثَمَنِ جَارِيَةٍ، أَوْ بِأَنْ يُتَوَقَّعَ شِفَاؤُهُ بِالنِّكَاحِ.
وَإِذَا جَازَ تَزْوِيجُهُ، تَوَلَّاهُ الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ السُّلْطَانُ، دُونَ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ، كَوِلَايَةِ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ صَغِيرًا، لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: يُزَوِّجُهُ الْأَبُ أَوِ الْجَدُّ، وَطَرَدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَجْهَيْنِ فِي الصَّغِيرِ الْعَاقِلِ الْمَمْسُوحِ.
وَمَتَّى جَازَ تَزْوِيجُ الْمَجْنُونِ، لَمْ يُزَوَّجْ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً، وَالْمُخَبَّلُ كَالْمَجْنُونِ فِي النِّكَاحِ، وَهُوَ الَّذِي فِي عَقْلِهِ خَلَلٌ، وَفِي أَعْضَائِهِ اسْتِرْخَاءٌ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى النِّكَاحِ غَالِبًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوَّجَ الصَّغِيرُ الْعَاقِلُ أَرْبَعًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى وَاحِدَةٍ.
قُلْتُ: وَفِي الْإِبَانَةِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ أَصْلًا، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَصَحُّ، وَهُوَ غَلَطٌ.
ثُمَّ إِنَّمَا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ الْعَاقِلَ الْأَبُ وَالْجَدُّ، وَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ الْوَصِيِّ وَالْقَاضِي، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ وَانْتِفَاءِ كَمَالِ الشَّفَقَةِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي البُوَيْطِيِّ، وَصَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ فِي «الْبَيَانِ» : يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ كَالْأَبِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
فِي الْمَجْنُونَةِ أَوْجُهٌ.
الصَّحِيحُ: أَنَّ الْأَبَ - وَالْجَدَّ عِنْدَ عَدَمِهِ - يُزَوِّجَانِهَا، سَوَاءً كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا.
وَالثَّانِي: لَا يَسْتَقِلَّانِ بِتَزْوِيجِ الْكَبِيرَةِ الثَّيِّبِ، بَلْ يُشْتَرَطُ إِذْنُ السُّلْطَانِ بَدَلًا عَنْ إِذْنِهَا.
وَالثَّالِثُ: لَا يُزَوَّجُ الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةً، وَالْفَرْقُ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الْبُلُوغَ غَايَةٌ تُنْتَظَرُ.
ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَزْوِيجِهَا ظُهُورُ الْحَاجَةِ، بَلْ يَكْفِي ظُهُورُ الْمَصْلَحَةِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ، لِأَنَّ نِكَاحَهَا يُفِيدُ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، وَيُغَرَّمُ الْمَجْنُونُ.
وَسَوَاءٌ الَّتِي بَلَغَتْ مَجْنُونَةً، وَمَنْ بَلَغَتْ عَاقِلَةً ثُمَّ جُنَّتْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ، فَوِلَايَةُ مَالِهِ لِأَبِيهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا لِلسُّلْطَانِ، فَكَذَا التَّزْوِيجُ.
وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا وَلَا جَدَّ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، لَمْ تُزَوَّجْ، إِذْ لَا إِجْبَارَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَلَا حَاجَةَ لَهَا فِي الْحَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً، فَفِيمَنْ يُزَوِّجُهَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَرِيبُ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ، لَكِنْ لَا يَنْفَرِدُ بِهِ، بَلْ يُشْتَرَطُ إِذْنُ السُّلْطَانِ مَقَامَ إِذْنِهَا.
فَإِنِ امْتَنَعَ الْقَرِيبُ، زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ كَمَا لَوْ عَضَلَهَا.
وَأَصَحُّهُمَا: يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ كَمَا يَلِي مَالَهَا، لَكِنْ يُرَاجِعُ أَقَارِبَهَا، لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِمَصْلَحَتِهَا وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وَهَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ وَاجِبَةٌ، أَمْ مُسْتَحَبَّةً؟ وَجْهَانِ.
صَحَّحَ الْبَغَوِيُّ الْوُجُوبَ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ.
فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْمُشَاوَرَةَ، فَلَمْ يُشِيرُوا بِشَيْءٍ، اسْتَقَلَّ السُّلْطَانُ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي وُجُوبِ الْمُشَاوَرَةِ فِي تَزْوِيجِ الْمَجْنُونِ.
ثُمَّ مَنْ وَلِيَ نِكَاحَهَا مِنَ السُّلْطَانِ أَوِ الْقَرِيبِ، يُزَوِّجُ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ بِأَنْ تَظْهَرَ عَلَامَاتُ غَلَبَةِ شَهْوَتِهَا، أَوْ يَقُولَ أَهْلُ الطِّبِّ: يُرْجَى بِتَزْوِيجِهَا الشِّفَاءُ.
أَمَّا إِذَا لَمْ تَظْهَرْ، وَأَرَادَ التَّزْوِيجَ لِكِفَايَةِ النَّفَقَةِ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى، فَهَلْ يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ لِلْأَبِ بِمُجَرَّدِ الْمَصْلَحَةِ؟ أَمْ لَا لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا يَقَعُ إِجْبَارًا وَلَيْسَ هُوَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
قَالَ الْإِمَامُ: وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْمَصْلَحَةِ فِي تَزْوِيجِ الْأَبِ وَالْجَدِّ.
فَرْعٌ
الْبَالِغُ الْمُنْقَطِعُ جُنُونُهُ، لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ حَتَّى يُفِيقَ فَيَأْذَنَ، وَيُشْتَرَطُ وُقُوعُ الْعَقْدِ فِي حَالِ إِفَاقَتِهِ.
فَلَوْ عَادَ الْجُنُونُ قَبْلَ الْعَقْدِ، بَطَلَ الْإِذْنُ، كَمَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالْجُنُونِ، وَهَكَذَا الثَّيِّبُ الْمُنْقَطِعُ جُنُونُهَا.
وَأَمَّا الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ بِمَرَضٍ، فَتُنْتَظَرُ إِفَاقَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تُتَوَقَّعْ إِفَاقَتُهُ، فَكَالْمَجْنُونِ.
السَّبَبُ الرَّابِعُ: السَّفَهُ.
فَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّزَوُّجِ، بَلْ يُرَاجِعُ الْوَلِيَّ لِيَأْذَنَ أَوْ يُزَوِّجَهُ.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فَتَزَوَّجَ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَالصَّبِيِّ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ، إِنْ عَيَّنَ لَهُ امْرَأَةً، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ غَيْرِهَا، وَلْيَنْكِحْهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ.
فَإِنْ زَادَ، فَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ قَوْلًا مُخَرَّجًا: أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ.
وَالْمَشْهُورُ صِحَّتُهُ، لِأَنَّ خَلَلَ الصَّدَاقِ لَا يُفْسِدُ النِّكَاحَ.
فَعَلَى هَذَا، تَبْطُلُ الزِّيَادَةُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: الْقِيَاسُ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ تَسْتَحِقُّ الزَّوْجَةُ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنَ الْمُعَيَّنِ، وَعَلَى قَوْلِهِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الذِّمَّةِ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ الْوَلِيُّ: انْكِحِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فُلَانٍ، فَلْيَنْكِحْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَلَوْ قَدَّرَ الْمَهْرَ، وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَرْأَةَ، فَقَالَ: انْكِحْ بِأَلْفٍ، فَلْيَنْكِحِ امْرَأَةً بِأَلْفٍ.
فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا فَأَكْثَرَ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ بِالْمُسَمَّى.
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَسَقَطَتِ الزِّيَادَةُ.
وَإِنْ نَكَحَ بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَمْ يَأْذَنْ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ.
وَفِي الرَّدِّ إِلَى أَلْفٍ إِضْرَارٌ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا أَوْ أَقَلَّ، صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَسَقَطَتِ الزِّيَادَةُ.
وَعَنْ تَخْرِيجِ ابْنِ خَيْرَانَ وَابْنِ الْقَطَّانِ، أَنَّهُ مَتَى زَادَ عَلَى مَا أَذِنَ بِهِ الْوَلِيُّ، بَطَلَ النِّكَاحُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَلَوْ جَمَعَ الْوَلِيُّ فِي الْإِذْنِ بَيْنَ تَعْيِينِ الْمَرْأَةِ وَتَقْدِيرِ الْمَهْرِ، فَقَالَ: انْكِحْ فُلَانَةً بِأَلْفٍ، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا دُونَ الْأَلْفِ، فَالْإِذْنُ بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ أَلْفًا، فَنَكَحَهَا بِأَلْفٍ أَوْ أَقَلَّ، صَحَّ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى.
وَإِنْ زَادَ، سَقَطَتِ الزِّيَادَةُ.
وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ، فَإِنْ نَكَحَ بِأَلْفٍ، صَحَّ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى، وَإِنْ زَادَ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
أَمَّا إِذَا أَطْلَقَ الْوَلِيُّ الْإِذْنَ، فَقَالَ: تَزَوَّجْ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: (وَهُوَ) مَحْكِيٌّ عَنْ أَبَوَيْ عَلَيٍّ: ابْنِ خَيْرَانَ، وَالطَّبَرِيِّ.
وَعَنِ الدَّارَكِيِّ، أَنَّهُ يَلْغُو الْإِذْنُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ امْرَأَةٍ، أَوْ قَبِيلَةٍ، أَوْ مَهْرٍ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَكْفِي الْإِطْلَاقُ كَالْعَبْدِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ تَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَسَقَطَتِ الزِّيَادَةُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، صَحَّ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى.
لَكِنْ لَوْ نَكَحَ شَرِيفَةً يَسْتَغْرِقُ مَهْرُ مِثْلِهَا مَالَهُ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ.
اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، بَلْ يَتَقَيَّدُ
بِمُوَافَقَةِ الْمَصْلَحَةِ.
ذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ تَفْرِيعًا عَلَى اعْتِبَارِ الْإِذْنِ الْمُطْلَقِ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ عَيَّنَ الْوَلِيُّ امْرَأَةً فَعَدَلَ السَّفِيهُ إِلَى غَيْرِهَا (فَنَكَحَهَا) بِمِثْلِ مَهْرِ الْمُعَيَّنَةِ، لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ لِلْوَلِيِّ فِي أَعْيَانِ الزَّوْجَاتِ.
فَرْعٌ
قَالَ: انْكِحْ مَنْ شِئْتَ بِمَا شِئْتَ، ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْإِذْنُ، لِأَنَّهُ رَفَعَ الْحَجْرَ بِالْكُلِّيَّةِ.
فَرْعٌ
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: الْإِذْنُ لِلسَّفِيهِ فِي النِّكَاحِ، لَا يُفِيدُهُ جَوَازُ التَّوْكِيلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعِ الْحَجْرَ.
فَرْعٌ
أَمَّا إِذَا قَبِلَ الْوَلِيُّ النِّكَاحَ لِلسَّفِيهِ، فَفِي اشْتِرَاطِ إِذْنِ السَّفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ رِعَايَةَ مَصْلَحَتِهِ.
فَإِذَا عَرَفَ حَاجَتَهُ، زَوَّجَهُ كَمَا يَكْسُوهُ وَيُطْعِمُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْعِرَاقِيُّونَ.
وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ: أَنَّ السَّفِيهَ يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهُ، فَرُبَّمَا اسْتَأْنَسَ بِهِ الْأَوَّلُونَ، وَحَمَلَهُ الْآخِرُونَ عَلَى أَصْلِ التَّزْوِيجِ، ثُمَّ يُرَاعَى شَرْطُهُ، وَنَقَلَ الرَّبِيعُ: أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ اخْتِلَافُ قَوْلٍ، بَلْ حَمَلَ قَوْمٌ رِوَايَةَ الرَّبِيعِ عَلَى الْقَيِّمِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْحَاكِمُ فِي التَّزْوِيجِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى مَا إِذَا
لَمْ يَحْتَجِ السَّفِيهُ إِلَى النِّكَاحِ.
ثُمَّ إِذَا قَبِلَ لَهُ الْوَلِيُّ النِّكَاحَ، فَلْيَقْبَلْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ، كَانَ كَمَا لَوْ قَبِلَ الْأَبُ لِابْنِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ.
فَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ النِّكَاحُ.
وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَصِحُّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
فَرْعٌ
لَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَلَا حَدَّ، لِلشُّبْهَةِ.
وَفِي الْمَهْرِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: لَا يَجِبُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَأَتْلَفَهُ.
وَفِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَهْرَ حَقُّ الْمَرْأَةِ، وَقَدْ تُزَوَّجَ وَلَا عِلْمَ لَهَا بِحَالِ الزَّوْجِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّالِثُ: يَجِبُ أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ.
قُلْتُ: وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ شَيْئًا، فَفَكَّ الْحَجْرَ، فَلَا شَيْءَ [عَلَيْهِ] عَلَى الْمَذْهَبِ، كَالصَّبِيِّ إِذَا وَطِئَ ثُمَّ بَلَغَ.
وَحَكَى الشَّاشِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُشْتَرَطُ فِي نِكَاحِ السَّفِيهِ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا، فَهُوَ إِتْلَافُ مَالِهِ بِلَا فَائِدَةٍ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ إِلَّا وَاحِدَةً كَالْمَجْنُونِ.
قَالُوا: وَالْحَاجَةُ بِأَنْ تَغْلِبَ شَهْوَتُهُ، أَوِ احْتَاجَ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهُ وَلَمْ تَقُمْ مَحْرَمٌ بِخِدْمَتِهِ، وَكَانَتْ مُؤَنُ الزَّوْجَةِ أَخَفَّ مِنْ ثَمَنِ جَارِيَةٍ وَمُؤَنِهَا، وَلَمْ يَكْتَفُوا فِي الْحَاجَةِ بِقَوْلِ السَّفِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ إِتْلَافَ الْمَالِ، بَلِ اعْتَبَرُوا ظُهُورَ الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ.
وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ بِالْمَصْلَحَةِ كَالصَّبِيِّ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ ظُهُورَ أَمَارَاتِ الشَّهْوَةِ، وَاكْتَفَيَا فِيهَا بِقَوْلِ السَّفِيهِ.
فَرْعٌ
إِذَا طَلَبَ السَّفِيهُ النِّكَاحَ مَعَ ظُهُورِ أَمَارَةِ الْحَاجَةِ إِنِ اعْتَبَرْنَاهُ، أَوْ دُونَهُ إِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهُ، وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ إِجَابَتُهُ.
فَإِنِ امْتَنَعَ فَتَزَوَّجَ السَّفِيهُ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَجْهَيْنِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَصِحُّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: إِذَا امْتَنَعَ الْوَلِيُّ، فَلْيُرَاجِعِ السَّفِيهُ السُّلْطَانَ كَالْمَرْأَةِ الْمَعْضُولَةِ.
فَإِنْ خَفَّتِ الْحَاجَةُ، وَتَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَةُ السُّلْطَانِ، فَفِي اسْتِقْلَالِ السَّفِيهِ حِينَئِذٍ الْوَجْهَانِ.
فَرْعٌ
يَصِحُّ طَلَاقُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مِطْلَاقًا، سُرِّيَ بِجَارِيَةٍ.
فَرْعٌ
الْكَلَامُ فِيمَنْ يَلِي أَمْرَ السَّفِيهِ، سَبَقَ فِي الْحَجْرِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ: أَنَّهُ إِنْ بَلَغَ رَشِيدًا، ثُمَّ طَرَأَ السَّفَهُ، فَنِكَاحُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالسُّلْطَانِ.
وَإِنْ بَلَغَ سَفِيهًا، فَهَلْ يُفَوِّضُ إِلَى السُّلْطَانِ، أَمْ إِلَى الْأَبِ وَالْجَدِّ؟ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَ ابْنُ كَجٍّ أَنَّهُ يُزَوِّجُهُ الْقَاضِي، وَأَنَّهُ إِنْ جَعَلَهُ فِي حِجْرِ إِنْسَانٍ، زَوَّجَهُ الَّذِي هُوَ فِي حِجْرِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ فُوِّضَ إِلَى الْقَيِّمِ التَّزْوِيجُ، زَوَّجَ، وَإِلَّا، فَلَا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ جَدٌّ، فَالتَّزْوِيجُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إِلَّا الْقَاضِي وَمَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقَاضِي تَزْوِيجَهُ.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ وَجَزَمَ بِهِ، الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي شَرْحِ «الْمُخْتَصَرِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِقْرَارُ السَّفِيهِ بِالنِّكَاحِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُبَاشِرُهُ، وَهَذَا قَدْ يُشْكَلُ بِإِقْرَارِ الْمَرْأَةِ.
فَرْعٌ
لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِفَلْسٍ النِّكَاحُ، وَتَكُونُ مُؤَنُهُ فِي كَسْبِهِ، لَا فِيمَا فِي يَدِهِ.
السَّبَبُ الْخَامِسُ: الرِّقُّ.
فَنِكَاحُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ، وَبِإِذْنِهِ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ كَانَ سَيِّدُهُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً.
وَيَجُوزُ إِذْنُ سَيِّدِهِ فِي امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ وَاحِدَةٍ مِنَ الْقَبِيلَةِ، أَوِ الْبَلْدَةِ، وَيَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَإِذَا قُيِّدَ، فَعَدَلَ الْعَبْدُ عَنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدَّرَ مَهْرًا، فَنَكَحَ غَيْرَ الْمُعَيَّنَةِ بِهِ، أَوْ بِأَقَلَّ، صَحَّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَإِذَا أَطْلَقَ الْإِذْنَ، فَلَهُ نِكَاحُ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْبَلْدَةِ الْأُخْرَى.
وَلَوْ قَدَّرَ مَهْرًا، فَزَادَ، فَالزِّيَادَةُ فِي ذِمَّتِهِ، يُطْلَبُ بِهَا إِذَا عَتَقَ.
وَلَوْ نَكَحَ بِالْمُقَدَّرِ امْرَأَةً مَهْرُهَا أَقَلُّ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَّاطِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ احْتِمَالَاتٍ.
أَصَحُّهَا: صِحَّةُ النِّكَاحِ، وَوُجُوبُ الْمُسَمَّى فِي الْحَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، يُطْلَبُ بِهَا إِذَا عَتَقَ.
وَالثَّالِثُ: بُطْلَانُ النِّكَاحِ.
وَلَوْ رَجَعَ عَنِ الْإِذْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْعَبْدُ حَتَّى نَكَحَ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْوَكِيلِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ.
وَلَوْ طَلَّقَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا نَكَحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، لَمْ يَنْكِحْ أُخْرَى إِلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ.
وَلَوْ نَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا، فَهَلْ لَهُ نِكَاحُ أُخْرَى؟ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالصَّحِيحِ، وَلِهَذَا أَصْلٌ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ
هَلْ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ الْعَبْدِ الْبَالِغِ عَلَى النِّكَاحِ؟ قَوْلَانِ.
الْقَدِيمُ: نَعَمْ.
وَالْجَدِيدُ: لَا.
فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالْكَبِيرِ.
وَقِيلَ: يُجْبَرُ قَطْعًا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ كَجٍّ.
وَالْكَبِيرُ الْمَجْنُونُ كَالصَّغِيرِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا الْإِجْبَارَ، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَقْبَلَ النِّكَاحَ لِلْبَالِغِ، وَلَهُ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى الْقَبُولِ، وَيَصِحُّ، لِأَنَّهُ إِكْرَاهٌ بِحَقٍّ، كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيُّ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَصِحُّ قَبُولُهُ كَرْهًا، وَيُقْبَلْ إِقْرَارُ السَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ بِالنِّكَاحِ كَإِقْرَارِ الْأَبِ عَلَى بِنْتِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَا يَجِبُ مَهْرٌ.
وَفِي اسْتِحْبَابِ ذِكْرِهِ قَوْلَانِ.
الْجَدِيدُ: اسْتِحْبَابُهُ.
وَإِذَا طَلَبَ الْعَبْدُ النِّكَاحَ، فَلْيُجِبْهُ السَّيِّدُ، وَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
فَإِنْ أَوْجَبْنَا، فَامْتَنَعَ سَيِّدُهُ، زَوَّجَهُ السُّلْطَانُ كَالْمَعْضُولَةِ.
وَلَوْ نَكَحَ بِنَفْسِهِ، قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ كَمَا لَوْ طَلَبَ السَّفِيهُ وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ فَنَكَحَ بِنَفْسِهِ.
وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ كَالْقِنِّ.
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَا يُجْبَرُ وَلَا يَسْتَقِلُّ، وَفِي وُجُوبِ إِجَابَتِهِ الْخِلَافُ.
وَالْمُكَاتَبُ لَا يَسْتَقِلُّ، وَلَا يُجْبِرُهُ السَّيِّدُ.
وَلَوْ نَكَحَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَتَبَرُّعِهِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَفِي وُجُوبِ إِجَابَتِهِ الْخِلَافُ كَالْقِنِّ، وَأَوْلَى بِالْوُجُوبِ.
وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ، هَلْ لِسَيِّدَيْهِ إِجْبَارُهُ وَعَلَيْهِمَا إِجَابَتُهُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الطَّرَفَيْنِ.
وَلَوْ دَعَاهُ أَحَدُهُمَا إِلَى النِّكَاحِ، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ أَوِ الْعَبْدُ، فَلَا إِجْبَارَ.
وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْعَبْدِ، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ، فَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهُ كَالْمُكَاتَبِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَا تُؤَثِّرُ مُوَافَقَةُ الْآخَرِ.
فَرْعٌ
لَهُ إِجْبَارُ أَمَتِهِ عَلَى النِّكَاحِ، سَوَاءٌ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ، وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ، وَالْعَاقِلَةُ وَالْمَجْنُونَةُ.
وَإِنْ طَلَبَتْهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِجَابَتُهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْأَصَحِّ، كَالْأُخْتِ.
وَلَوْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ، فَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِ الْأُخْرَى قَطْعًا، لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ لِعَارِضٍ.
وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا كَالْقِنَّةِ، وَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ، لَا تُجْبَرُ وَلَا يُجْبَرُ سَيِّدُهَا (أَيْضًا) عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْمُكَاتَبَةُ لَا تُجْبَرُ، وَلَا تُنْكَحُ دُونَ إِذْنِهِ.
وَفِي وُجُوبِ إِجَابَتِهَا وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ لَا تَجِبُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَفِي وَجْهٍ: لَا تُزَوَّجُ أَصْلًا، لِاخْتِلَالِ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَعَدَمِ اسْتِقْلَالِهَا.
فَرْعٌ
لَا يُزَوِّجُ السَّيِّدُ أَمَةَ مُكَاتَبِهِ وَلَا عَبْدُهُ، وَلَا يُزَوِّجُهَا الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَبِإِذْنِهِ قَوْلَانِ كَتَبَرُّعِهِ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ لِعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَمَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، جَازَ لِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: لَا، إِلَّا أَنْ يَعُدَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُحْدِثَ دَيْنٌ وَلَا يَفِي مَا فِي يَدِهِ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَزَوَّجَهَا بِإِذْنِ
الْعَبْدِ وَالْغُرَمَاءِ، صَحَّ.
وَإِنْ زَوَّجَ بِإِذْنِهِ دُونَهُمْ، أَوْ بِإِذْنِهِمْ دُونَهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَبَيْعُ السَّيِّدِ وَوَطْؤُهُ وَهِبَتُهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ، كَتَزْوِيجِهَا فِي حَالَتَيْ قِيَامِ الدَّيْنِ وَعَدَمِهِ.
وَإِذَا وَطِئَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْغُرَمَاءِ، فَهَلْ عَلَيْهِ الْمَهْرُ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: لَعَلَّ أَصَحَّهُمَا الْوُجُوبُ، لِأَنَّ مَهْرَهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ، بِخِلَافِ وَطْئِهِ الْمَرْهُونَةَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَإِنْ أَحْبَلَهَا، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ إِنْ كَانَ مُوسِرًا.
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، بَلْ تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ.
فَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدُ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِي الْمَرْهُونَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي اسْتِيلَادِ الْجَارِيَةِ الْجَانِيَةِ وَفِي اسْتِيلَادِ الْوَارِثِ جَارِيَةَ التَّرِكَةِ إِذَا كَانَ عَلَى الْمُوَرِّثِ دَيْنٌ.
وَإِذَا لَمْ نَحْكُمْ بِاسْتِيلَادٍ فِي الْحَالِ، وَجَبَ قِيمَةُ وَلَدِ جَارِيَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَجَارِيَةِ التَّرِكَةِ، وَلَا يَجِبُ فِي وَلَدِ الْجَانِيَةِ وَالْمَرْهُونَةِ، لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَالْمُرْتَهَنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَلَدِ.
وَلَوْ أُعْتِقَ عَبْدُ الْمَأْذُونِ، وَعَلَى الْمَأْذُونِ دَيْنٌ، أَوْ أَعْتَقَ الْوَارِثُ عَبْدَ التَّرِكَةِ، وَعَلَى الْمُوَرِّثِ دَيْنٌ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: قِيلَ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ قَوْلَانِ، كَإِعْتَاقِ الْمَرْهُونِ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَنْفُذْ.
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، نَفَذَ كَالِاسْتِيلَادِ، وَعَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الدَّيْنِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ، كَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ الْجَانِي.
فَرْعٌ
تَزْوِيجُ مَنْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا مَالٌ، لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُعْسِرًا.
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، جَازَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَكَانَ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ.
قُلْتُ: الْجَوَازُ أَصَحُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
تَزْوِيجُ السَّيِّدِ أَمَتَهُ، هَلْ هُوَ بِالْمِلْكِ، أَمْ بِالْوِلَايَةِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: بِالْمِلْكِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا صُوَرٌ.
مِنْهَا: إِذَا سَلَبْنَا الْفَاسِقَ الْوِلَايَةَ، زَوَّجَهَا إِنْ قُلْنَا بِالْمِلْكِ، [وَإِلَّا، فَلَا] .
وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ تَزْوِيجُهُ إِيَّاهَا بِعَبْدٍ أَوْ حُرٍّ كِتَابِيٍّ إِذَا حَلَّلْنَاهَا لَهُمَا.
وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ لِلْكَافِرِ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ، أَوْ أُمُّ وَلَدٍ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: يُزَوِّجُهَا بِالْمِلْكِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ.
وَلَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ أَمَةٌ مَجُوسِيَّةٌ أَوْ ذِمِّيَّةٌ، فَهَلْ لَهُ تَزْوِيجُهَا؟ وَجْهَانِ.
صَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْجَوَازَ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِالْمَنْعِ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخِلَافِ فِي أَنَّ تَزْوِيجَ الْأَمَةِ بِالْمِلْكِ، أَمْ بِالْوِلَايَةِ، لَا يَجْرِي فِي تَزْوِيجِ الْعَبْدِ إِلَّا إِذَا قُلْنَا: لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُهُ.
فَلَوْ كَانَ لِلْكَافِرِ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَرَأَيْنَا الْإِجْبَارَ، فَفِي إِجْبَارِهِ إِيَّاهُ الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ الْمُسْلِمَةَ.
وَإِنْ لَمْ نَرَ الْإِجْبَارَ، لَمْ يَسْتَقِلَّ الْعَبْدُ، وَلَكِنْ يَأْذَنُ لَهُ السَّيِّدُ لِيَسْقُطَ حَقُّهُ فَيَسْتَقِلَّ الْعَبْدُ حِينَئِذٍ، كَمَا تَأْذَنُ الْمَرْأَةُ لِعَبْدِهَا فَيَتَزَوَّجُ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ أَهْلًا لِلتَّزْوِيجِ.
وَمِنْهَا: قَالَ الْمُتَوَلِّي: لِلْمُكَاتَبِ تَزْوِيجُ أَمَتِهِ إِنْ قُلْنَا بِالْمِلْكِ، وَإِلَّا، فَلَا.
فَصْلٌ
عَبْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ، لَا يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ،
فَقَدْ تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةٌ.
وَلَوْ طَلَبَ عَبْدُهُمُ التَّزْوِيجَ، فَإِنْ لَمْ نُجْبِرِ السَّيِّدَ الرَّشِيدَ، لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّهِمُ الْإِجَابَةُ.
وَإِنْ أَجْبَرْنَاهُ، فَعَلَى وَلِيِّهِمُ الْإِجَابَةُ.
وَأَمَّا أَمَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ، فَيَجُوزُ لِوَلِيِّهِمْ تَزْوِيجُهَا عَلَى الْأَصَحِّ إِذَا ظَهَرَتِ الْغِبْطَةُ.
وَقِيلَ: لَا.
وَقِيلَ: تُزَوَّجُ أَمَةُ الصَّبِيَّةِ دُونَ الصَّبِيِّ، فَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا إِذَا بَلَغَ.
فَإِنْ جَوَّزْنَا، قَالَ الْإِمَامُ: يَجُوزُ تَزْوِيجُ أَمَةِ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ تَزْوِيجُ أَمَةِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ وَإِنْ كَانَ يَقْهَرُهَا.
وَفِيمَنْ يُزَوِّجُ أَمَةَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: وَلِيُّ مَالِهِ نَسِيبًا كَانَ أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ وَلِيُّ النِّكَاحِ الَّذِي يَلِي الْمَالَ.
وَعَلَى هَذَا، غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ لَا يُزَوِّجُ أَمَةَ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ، وَالْأَبُ لَا يُزَوِّجُ أَمَةَ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةَ، فَإِنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً، زَوَّجَ.
وَإِنْ كَانَتْ لِسَفِيهٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِذْنِهِ.
فَرْعٌ
أَمَةُ الْمَرْأَةِ، إِنْ كَانَتْ مَالِكَتُهَا مَحْجُورًا عَلَيْهَا، فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا، وَإِلَّا، فَيُزَوِّجُهَا وَلِيُّ الْمَرْأَةِ تَبَعًا لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهَا، وَسَوَاءٌ الْوَلِيُّ بِالنَّسَبِ وَغَيْرِهِ، وَالْأَمَةُ الْعَاقِلَةُ وَالْمَجْنُونَةُ، الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِذْنِ الْأَمَةِ، وَيُشْتَرَطُ إِذْنُ مَالِكَتِهَا نُطْقًا وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، إِذْ لَا تَسْتَحِي.
فَصْلٌ
أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا الْحُرِّ كَالْأَبِ وَالْأَخِ تَزْوِيجُهَا حَتَّى يَبْرَأَ أَوْ يَمُوتَ، وَتَخْرُجَ مِنْ ثُلُثِهِ، لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُعْتَقُ كُلُّهَا عَلَى هَذَيْنِ
التَّقْدِيرَيْنِ، وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ ابْنُ كَجٍّ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو زَيْدٍ وَالْأَكْثَرُونَ: يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا تَزْوِيجُهَا، لِأَنَّهَا حُرَّةٌ فِي الظَّاهِرِ، فَعَلَى هَذَا النِّكَاحُ صَحِيحٌ ظَاهِرًا.
فَإِنْ تَحَقَّقْنَا بَعْدَ ذَلِكَ نُفُوذَ الْعِتْقِ، تَحَقَّقْنَا مُضِيَّ النِّكَاحِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِلَّا، فَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ أَوْ أَجَازُوا، وَقُلْنَا: الْإِجَازَةُ عَطِيَّةٌ مِنْهُمْ، بَانَ فَسَادُ النِّكَاحِ، وَإِلَّا، بَانَ صِحَّتُهُ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ سِوَاهَا، فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ كَانَ لَهُ (مَالٌ) يَفِي ثُلُثُهُ بِقِيمَتِهَا، فَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَدَّادِ وَجَمَاهِيرِ النَّاقِلِينَ، أَنَّهُ كَذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ: النِّكَاحُ هَاهُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَجُوزُ خِلَافُهُ، لِضَعْفِ مِلْكِ الْمَرِيضِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: وَمَفْهُومُ كَلَامِ ابْنِ الْحَدَّادِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ غَيْرُ السَّيِّدِ، فَزَوَّجَهَا، صَحَّ، لِأَنَّهَا إِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَهُوَ وَلِيٌّ مَا عَتَقَ بِالْوَلَاءِ، وَمَالُكٌ مَا لَمْ يَعْتِقْ.
فَإِنْ زَوَّجَهَا السَّيِّدُ، وَلَهَا وَلِيٌّ مُنَاسِبٌ، إِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، صَحَّ قَطْعًا، وَإِلَّا، فَلَا قَطْعًا.
الْبَابُ السَّادِسُ فِي مَوَانِعِ نِكَاحِهَا
قَدْ سَبَقَ فِي الرُّكْنِ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ الثَّالِثِ، الْإِشَارَةُ إِلَى بَيَانِ الْمَوَانِعِ.
وَمِنْهَا مَا نَتَكَلَّمُ فِي إِيضَاحِهِ فِي غَيْرِ الْبَابِ، كَكَوْنِهَا مُلَاعَنَةً، وَمُعْظَمُهَا نَبْسُطُ الْكَلَامَ فِيهِ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ.
(الْجِنْسُ) الْأَوَّلُ: الْمَحْرَمِيَّةُ، وَهِيَ الْوُصْلَةُ الْمُحَرِّمَةُ لِلنِّكَاحِ أَبَدًا، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: الْقَرَابَةُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْمُصَاهَرَةُ.
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: الْقَرَابَةُ، وَيَحْرُمُ مِنْهَا سَبْعٌ: الْأُمَّهَاتُ، وَالْبَنَاتُ، وَالْأَخَوَاتُ،
وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالَاتُ، وَبَنَاتُ الْأَخِ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ، وَلَا تَحْرُمُ بَنَاتُ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ، قَرُبْنَ أَمْ بَعُدْنَ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمِّ: كُلُّ أُنْثَى وَلَدَتْكَ، أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، بِوَاسِطَةٍ أَمْ بِغَيْرِهَا.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: كُلُّ أُنْثَى يَنْتَهِي إِلَيْهَا نَسَبُكَ بِالْوِلَادَةِ بِوَاسِطَةٍ أَمْ بِغَيْرِهَا.
وَبِنْتُكَ: كُلُّ أُنْثَى وَلَدْتَهَا، أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، بِوَاسِطَةٍ أَمْ بِغَيْرِهَا.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: كُلُّ أُنْثَى يَنْتَهِي إِلَيْكَ نَسَبُهَا بِالْوِلَادَةِ، بِوَاسِطَةٍ أَمْ بِغَيْرِهَا.
وَأُخْتُكَ: كُلُّ أُنْثَى وَلَدَهَا أَبَوَاكَ أَوْ أَحَدُهُمَا.
وَبِنْتُ أَخِيكَ وَبِنْتُ أُخْتِكَ مِنْهُمَا، كَبِنْتِكَ مِنْكَ.
وَعَمَّتُكَ: كُلُّ أُنْثَى هِيَ أُخْتُ ذَكَرٍ وَلَدَكَ، بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، كَأُخْتِ أَبِ الْأُمِّ.
وَخَالَتُكَ: كُلُّ أُنْثَى هِيَ أُخْتُ أُنْثَى وَلَدَتْكَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، كَأُخْتِ أُمِّ الْأَبِ، وَعَبَّرَ الْأَصْحَابُ عَنْهُنَّ بِعِبَارَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أُصُولُهُ، وَفُصُولُهُ، وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَهُ، أَيْ بَعْدَ أَوَّلِ الْأُصُولِ.
فَالْأُصُولُ: الْأُمَّهَاتُ.
وَالْفُصُولُ: الْبَنَاتُ.
وَفُصُولُ أَوَّلِ الْأُصُولِ: الْأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَالْأُخْتِ.
وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ: الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَاذِيُّ: تَحْرُمُ نِسَاءُ الْقَرَابَةِ، إِلَّا مَنْ دَخَلَتْ فِي اسْمِ وَلَدِ الْعُمُومَةِ أَوْ وَلَدِ الْخُؤُولَةِ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَرْجَحُ لِإِيجَازِهَا، وَلِأَنَّ الْأُولَى لَا تَنُصُّ عَلَى الْإِنَاثِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْأُصُولِ وَالْفُصُولِ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَلِأَنَّ اللَّائِقَ بِالضَّابِطِ أَنْ يَكُونَ أَقْصَرَ مِنَ الْمَضْبُوطِ، وَالْأُولَى بِخِلَافِهِ.
فَرْعٌ زَنَا بِامْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ بِنْتًا، يَجُوزُ لِلزَّانِي نِكَاحُ الْبِنْتِ، لَكِنْ يُكْرَهُ.
وَقِيلَ: إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهَا مِنْ مَائِهِ، إِنْ تَصَوَّرَ تَيَقُّنَهُ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: تَحْرُمُ مُطْلَقًا.
وَالصَّحِيحُ: الْحِلُّ مُطْلَقًا.
وَالْبِنْتُ الَّتِي نَفَاهَا بِاللِّعَانِ، تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِأُمِّهَا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ (بِهَا) عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَعَلَى هَذَا، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهَا، وَالْحَدِّ بِقَذْفِهَا، وَالْقَطْعِ بِسَرِقَةِ مَالِهَا، وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهَا الْوَجْهَانِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ طَاوَعَتْهُ عَلَى الزِّنَا أَوْ أَكْرَهَهَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
السَّبَبُ الثَّانِي: الرَّضَاعُ، فَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، فَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ وَلَدَكَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَهِيَ أُمُّكَ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ وَلَدَتِ الْمُرْضِعَةَ أَوِ الْفَحْلَ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِكَ أَوْ بِلَبَنِ مَنْ وَلَدْتَهُ، أَوْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ وَلَدْتَهَا أَنْتَ، فَهِيَ بِنْتُكَ.
وَكَذَلِكَ بَنَاتُهَا مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ.
وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْهَا أُمُّكَ، أَوِ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ أَبِيكَ، فَهِيَ أُخْتُكَ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ وَلَدَتْهَا الْمُرْضِعَةُ أَوِ الْفَحْلُ وَأَخَوَاتُ الْفَحْلِ وَالْمُرْضِعَةِ وَأَخَوَاتُ مَنْ وَلَدَهُمَا مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جَدَّاتِكَ، أَوِ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ جَدٍّ لَكَ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، وَبَنَاتُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ وَالْفَحْلِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، بَنَاتُ أَخِيكَ وَأُخْتِكَ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ أُنْثَى أَرْضَعَتْهَا أُخْتُكَ، أَوِ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ أَخِيكَ، وَبَنَاتُهَا وَبَنَاتُ أَوْلَادِهَا مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، بَنَاتُ أَخِيكَ وَأُخْتِكَ.
وَبَنَاتُ كُلِّ ذَكَرٍ أَرْضَعَتْهُ أُمُّكَ، أَوِ ارْتَضَعَ لَبَنَ أَبِيكَ، وَبَنَاتُ أَوْلَادِهِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، بَنَاتُ أَخِيكَ.
وَبَنَاتُ كُلِّ امْرَأَةٍ
أَرْضَعَتْهَا أُمُّكَ، أَوِ ارْتَضَعَتْ لَبَنَ أَبِيكَ، وَبَنَاتُ أَوْلَادِهَا مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، بَنَاتُ أُخْتِكَ.
فَرْعٌ
أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ يَحْرُمْنَ، وَقَدْ لَا يَحْرُمْنَ.
إِحْدَاهُنَّ: أُمُّ الْأَخِ وَالْأُخْتِ فِي النَّسَبِ حَرَامٌ، لِأَنَّهَا أُمٌّ، أَوْ زَوْجَةُ أَبٍ، وَفِي الرَّضَاعِ إِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ حَرُمَتْ، وَإِلَّا، فَلَا، بِأَنْ أَرْضَعَتْ أَجْنَبِيَّةٌ أَخَاكَ أَوْ أُخْتَكَ.
الثَّانِيَةُ: أُمُّ نَافِلَتِكَ فِي النَّسَبِ، حَرَامٌ لِأَنَّهَا بِنْتُكَ، أَوْ زَوْجَةُ ابْنِكَ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ لَا تَكُونُ بِنْتًا وَلَا زَوْجَةَ ابْنٍ، بِأَنْ أَرْضَعَتْ أَجْنَبِيَّةٌ نَافِلَتَكَ.
الثَّالِثَةُ: جَدَّةُ وَلَدِكَ فِي النَّسَبِ، حَرَامٌ، لِأَنَّهَا أُمُّكَ، أَوْ أُمُّ زَوْجَتِكَ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ، بِأَنْ أَرْضَعَتْ أَجْنَبِيَّةٌ وَلَدَكَ، فَإِنَّ أُمَّهَا جَدَّتُهُ، وَلَيْسَتْ بِأُمِّكَ، وَلَا بِأُمِّ زَوْجَتِكَ.
الرَّابِعَةُ: أُخْتُ وَلَدِكَ حَرَامٌ، لِأَنَّهَا بِنْتُكَ أَوْ رَبِيبَتُكَ.
وَإِذَا أَرْضَعَتْ أَجْنَبِيَّةٌ وَلَدَكَ، فَبِنْتُهَا أُخْتُهُ، وَلَيْسَتْ بِنْتَكَ وَلَا رَبِيبَتَكَ، وَلَا تَحْرُمُ أُخْتُ الْأَخِ فِي النَّسَبِ، وَلَا فِي الرَّضَاعِ.
وَصُورَتُهُ فِي النَّسَبِ: أَنْ يَكُونَ لَكَ أُخْتٌ لِأُمٍّ، وَأَخٌ لِأَبٍ، فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا.
وَفِي الرَّضَاعِ: امْرَأَةٌ أَرْضَعَتْكَ وَأَرْضَعَتْ صَغِيرَةً أَجْنَبِيَّةٌ مِنْكَ، يَجُوزُ لِأَخِيكَ نِكَاحُهَا.
وَهَذِهِ الصُّوَرُ الْأَرْبَعُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِنَا: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
قُلْتُ: كَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: تُسْتَثْنَى الصُّوَرُ الْأَرْبَعُ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَا حَاجَةَ إِلَى اسْتِثْنَائِهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي الضَّابِطِ، وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَثْنِهَا الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَا اسْتُثْنِيَتْ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» لِأَنَّ أُمَّ الْأَخِ لَمْ تَحْرُمْ لِكَوْنِهَا أُمَّ أَخٍ، وَإِنَّمَا حَرُمَتْ لِكَوْنِهَا أُمًّا أَوْ حَلِيلَةَ أَبٍ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي بَاقِيهِنَّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْمُصَاهَرَةُ، فَيَحْرُمُ بِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ أَرْبَعٌ.
إِحْدَاهُنَّ: أُمُّ زَوْجَتِكَ،
[وَأُمُّ] زَوْجَتِكَ مِنْهَا كَأُمِّكَ مِنْكَ، وَسَوَاءٌ أُمَّهَاتُ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ.
الثَّانِيَةُ: زَوْجَةُ ابْنِكَ وَابْنِ ابْنِكَ وَإِنْ سَفَلَ بِالنَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ)
[النِّسَاءِ: 23] الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا تَحْرُمُ زَوْجَةُ مَنْ تَبَنَّاهُ.
الثَّالِثَةُ: زَوْجَةُ الْأَبِ وَالْأَجْدَادِ وَإِنْ عَلَوْا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ جَمِيعًا، وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ الْأَبِ مِنَ الرَّضَاعِ.
الرَّابِعَةُ: بِنْتُ الزَّوْجَةِ، وَبِنْتُ زَوْجَتِكَ مِنْهَا كَبِنْتِكَ مِنْكَ، سَوَاءٌ بِنْتُ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، وَتَحْرُمُ الثَّلَاثُ الْأُولَيَاتُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا.
فَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ حِلَّ الْمَنْكُوحَةِ، وَحُرْمَةُ غَيْرِهَا فَرْعٌ لِحِلِّهَا.
وَأَمَّا الرَّابِعَةُ، وَهِيَ بِنْتُ الزَّوْجَةِ، فَلَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ وَابْنُهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّابُونِيِّ
مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ أُمَّ الزَّوْجَةِ لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ كَالرَّبِيبَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
فَرْعٌ
لَا تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِ الْأُمِّ، وَلَا أُمُّهُ، وَلَا بِنْتُ زَوْجِ الْبِنْتِ، وَلَا أُمُّهُ، وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الْأَبِ، وَلَا بِنْتُهَا، وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الِابْنِ، وَلَا بِنْتُهَا، وَلَا زَوْجَةُ الرَّبِيبِ وَلَا زَوْجَةُ الرَّابِّ.
فَصْلٌ
مُجَرَّدُ مِلْكِ الْيَمِينِ، لَا يُثْبِتُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، لَكِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ يُثْبِتُهَا، حَتَّى تَحْرُمَ الْمَوْطُوءَةُ عَلَى ابْنِ الْوَاطِئِ وَأَبِيهِ، وَتَحْرُمَ عَلَيْهِ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ وَبِنْتُهَا.
وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، وَوَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَجَارِيَةِ الِابْنِ، يُثْبِتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، كَمَا يُثْبِتُ النَّسَبَ، وَيُوجِبُ الْعِدَّةَ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ لَا يُثْبِتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، كَالزِّنَا.
وَالْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ الْأَوَّلُ، وَذَلِكَ فِيمَا إِذَا شَمِلَتِ الشُّبْهَةُ الْوَاطِئَ (أَوِ) الْمَوْطُوءَةَ.
فَإِنِ اخْتَصَّتِ الشُّبْهَةُ بِأَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ زَانٍ، بِأَنْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ وَهِيَ عَالِمَةٌ، أَوْ يَعْلَمُ وَهِيَ جَاهِلَةٌ أَوْ نَائِمَةٌ أَوْ مُكْرَهَةٌ، أَوْ مَكَّنَتِ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ مَجْنُونًا أَوْ مُرَاهِقًا عَالِمَةً، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الِاعْتِبَارُ بِالرَّجُلِ، فَتَثْبُتُ الْمُصَاهَرَةُ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، كَمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ، وَلَا يَثْبُتُ إِذَا لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ.
وَالثَّانِي: تَثْبُتُ الْمُصَاهَرَةُ فِي أَيِّهِمَا كَانَتِ الشُّبْهَةُ، وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَخْتَصُّ بِمَنِ اخْتَصَّتِ الشُّبْهَةُ بِهِ.
فَإِنْ كَانَ الِاشْتِبَاهُ عَلَيْهِ، حَرُمَ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا، وَلَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ.
وَإِنْ كَانَ الِاشْتِبَاهُ عَلَيْهَا، حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَعُمُّ الطَّرَفَيْنِ كَالنَّسَبِ.
فَرْعٌ
الْوَطْءُ فِي النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ، يُوجِبُ الْمَحْرَمِيَّةَ، فَيَجُوزُ لِلْوَاطِئِ الْخَلْوَةُ وَالْمُسَافَرَةُ بِأُمِّ الْمَوْطُوءَةِ وَبِنْتِهَا، وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا، وَلِابْنِهِ الْخَلْوَةُ وَالْمُسَافَرَةُ بِالْمَوْطُوءَةِ وَالنَّظَرُ.
وَفِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ وَجْهَانِ.
وَيُقَالُ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْعِدَّةَ، فَكَذَا الْمَحْرَمِيَّةُ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْمَنْعُ، وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّهِ فِي «الْإِمْلَاءِ» .
فَرْعٌ
الزِّنَا لَا يُثْبِتُ الْمُصَاهَرَةَ، فَلِلزَّانِي نِكَاحُ أُمِّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَبِنْتِهَا، وَلِأَبِيهِ وَابْنِهِ نِكَاحُهَا.
وَلَوْ لَاطَ بِغُلَامٍ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْفَاعِلِ أُمُّ الْغُلَامِ وَبِنْتُهُ.
وَلَوْ مَلَكَ جَارِيَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، فَوَطِئَهَا، فَإِنْ لَمْ نُوجِبْ بِهِ الْحَدَّ، ثَبَتَتِ الْمُصَاهَرَةُ.
وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَلَا.
فَرْعٌ
الْمُفَاخَذَةُ، وَالْقُبْلَةُ، وَالْمَسُّ، هَلْ هِيَ كَالْوَطْءِ فَتُثْبِتُ الْمُصَاهَرَةَ وَتُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ فِي النِّكَاحِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالرُّويَانِيِّ: نَعَمْ.
وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ الْقَطَّانِ وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِمْ: لَا.
وَالْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا جَرَى ذَلِكَ بِشَهْوَةٍ.
فَأَمَّا الْمَسُّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَلَا أَثَرَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
قَالَ الْإِمَامُ:
وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُلَامَسَةِ.
وَأَمَّا النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ، فَلَا يُثْبِتُ الْمُصَاهَرَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: إِنْ نَظَرَ إِلَى الْفَرْجِ، فَقَوْلَانِ، وَإِلَّا، فَلَا.
فَرْعٌ
إِذَا اسْتَدْخَلَتْ مَاءَ زَوْجِهَا أَوْ أَجْنَبِيٍّ بِشُبْهَةٍ، ثَبَتَتِ الْمُصَاهَرَةُ وَالنَّسَبُ وَالْعِدَّةُ، دُونَ الْإِحْصَانِ وَالتَّحْلِيلِ.
وَفِي تَقْدِيرِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِهِ لِلْمُفَوَّضَةِ وَثُبُوتِ الرَّجْعَةِ وَالْغُسْلِ وَالْمَهْرِ فِي صُورَةِ الشُّبْهَةِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ.
وَلَوْ أَنْزَلَ أَجْنَبِيٌّ بِزِنًا، لَمْ يَثْبُتْ بِاسْتِدْخَالِهِ الْمُصَاهَرَةُ وَلَا النَّسَبُ.
وَإِنْ أَنْزَلَ الزَّوْجُ بِالزِّنَا، حَكَى الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا الْمُصَاهَرَةُ وَلَا الْعِدَّةُ.
وَقَالَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ: وَجَبَ أَنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ كَمَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ يَظُنُّ أَنَّهُ يَزْنِي.
فَرْعٌ
مَا أَثْبَتَ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ إِذَا طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ، قَطَعَهُ.
فَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً، فَوَطِئَهَا أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ هُوَ أُمَّهَا أَوْ بِنْتَهَا بِشُبْهَةٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا.
وَفِي الْمُوَلَّدَاتِ لِابْنِ الْحَدَّادِ فَرْعَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِهَذَا الْأَصْلِ.
أَحَدُهُمَا: نَكَحَ امْرَأَةً وَنَكَحَ ابْنُهُ ابْنَتَهَا، وَوَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَةَ الْآخَرِ غَالِطًا، انْفَسَخَ النِّكَاحَانِ.
وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ كَالْوَطْءِ فِي مِلْكٍ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِلَّتِي وَطِئَهَا بِالشُّبْهَةِ.
ثُمَّ إِنْ سَبَقَ وَطْءُ الْأَبِ، فَعَلَيْهِ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى، لِأَنَّهُ الَّذِي رَفَعَ نِكَاحَهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَهَلْ يَجِبُ عَلَى
الِابْنِ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا، إِذْ لَا صُنْعَ لَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: نَعَمْ، إِذْ لَا صُنْعَ لَهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: إِنْ كَانَتْ زَوْجَةُ الِابْنِ نَائِمَةً، أَوْ صَغِيرَةً لَا تَعْقِلُ، أَوْ مُكْرَهَةً، وَجَبَ.
وَإِنْ كَانَتْ عَاقِلَةً طَاوَعَتِ الْأَبَ تَظُنُّهُ زَوْجَهَا، فَلَا شَيْءَ لَهَا.
فَإِنْ أَوْجَبْنَا، رَجَعَ الِابْنُ عَلَى أَبِيهِ، لِأَنَّهُ فَوَّتَ نِكَاحَهُ.
وَهَلْ يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَمْ بِنِصْفِهِ، أَمْ بِمَا غَرُمَ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ نُوَضِّحُهَا فِي «كِتَابِ الرَّضَاعِ» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا إِنْ سَبَقَ وَطْءُ الِابْنِ، فَعَلَيْهِ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى.
وَهَلْ يَلْزَمُ الْأَبَ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ.
فَإِنْ أَلْزَمْنَاهُ، رَجَعَ عَلَى الِابْنِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ وَقَعَ الْوَطْآنِ مَعًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لِزَوْجَتِهِ.
وَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الْقَفَّالُ: يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا كَانَ يَرْجِعُ بِهِ لَوِ انْفَرَدَ، وَيُهْدَرُ نِصْفُهُ كَالِاصْطِدَامِ، فَإِنَّهَا حَرُمَتْ بِفِعْلِهِمَا، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ.
(الْفَرْعُ) الثَّانِي: نَكَحَ امْرَأَتَيْنِ فِي عَقْدٍ، فَبَانَتْ إِحْدَاهُمَا أُمَّ الْأُخْرَى، بَطَلَ النِّكَاحَانِ.
وَلَا شَيْءَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، إِلَّا أَنْ يَطَأَ، فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَلَوْ نَكَحَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، وَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا، ثُمَّ بَانَ الْحَالُ، نَظَرَ، إِنْ سَبَقَ نِكَاحُ الْأُمِّ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمَوْطُوءَةَ، فَنِكَاحُهَا بِحَالِهِ، وَالْأُخْرَى مُحَرَّمَةٌ.
وَإِنْ كَانَتِ الْبِنْتُ هِيَ الْمَوْطُوءَةَ، فَالنِّكَاحَانِ بَاطِلَانِ، لِأَنَّ الْبِنْتَ نَكَحَهَا وَعِنْدَهُ أُمُّهَا، وَالْأُمُّ أُمٌّ مَوْطُوءَةٌ بِشُبْهَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْبِنْتَ مَتَى شَاءَ، لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا، وَيَجِبْ لِلْبِنْتِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلِلْأُمِّ نِصْفُ الْمُسَمَّى.
وَإِنْ سَبَقَ نِكَاحُ الْبِنْتِ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمَوْطُوءَةَ، فَنِكَاحُهَا بِحَالِهِ، وَالْأُمُّ حَرَامٌ أَبَدًا.
وَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ الْأُمَّ، بَطَلَ النِّكَاحَانِ، وَحَرُمَتَا أَبَدًا، وَلِلْأُمِّ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلِلْبِنْتِ نِصْفُ الْمُسَمَّى.
وَإِنْ أُشْبِهَتِ الْمَوْطُوءَةُ، وَعُرِفَتِ الَّتِي سَبَقَ نِكَاحُهَا، ثَبَتَ نِكَاحُ السَّابِقَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ صِحَّتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الْأُولَى
إِنْ كَانَتْ بِنْتًا، فَالثَّانِيَةُ أُمُّ امْرَأَتِهِ مُحَرَّمَةٌ أَبَدًا.
وَإِنْ كَانَتْ أُمًّا، فَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ الْبِنْتِ وَأُمُّهَا تَحْتَهُ.
وَإِنِ ارْتَفَعَ نِكَاحُ الْأُمِّ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ أَبَدًا، فَصَارَ كَاشْتِبَاهِ أُخْتِهِ بِأَجْنَبِيَّةٍ.
وَإِنِ اشْتَبَهَ السَّابِقُ مِنَ النِّكَاحَيْنِ، وَعُرِفَتِ الْمَوْطُوءَةُ، فَغَيْرُ الْمَوْطُوءَةِ مُحَرَّمَةٌ أَبَدًا، وَالْمَوْطُوءَةُ يُوقَفُ نِكَاحُهَا، وَتُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ طَلَبَتِ الْفَسْخَ لِلِاشْتِبَاهِ، فُسِخَ كَمَا فِي اشْتِبَاهِ الْأُولَيَيْنِ.
وَإِنِ اشْتَبَهَ السَّابِقُ مِنَ النِّكَاحَيْنِ وَالْمَوْطُوءَةِ، وُقِفَ عَنْهُمَا، لِاحْتِمَالِ سَبْقِ الْبِنْتِ وَالدُّخُولِ بِالْأُمِّ، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ أَبَدًا.
وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَكِنْ وَطِئَهُمَا جَمِيعًا، بَطَلَ النِّكَاحَانِ، وَحَرُمَتَا أَبَدًا.
ثُمَّ إِنْ وَطِئَ أَوَّلًا الَّتِي نَكَحَهَا أَوَّلًا، فَلِلْأُولَى مَهْرُهَا الْمُسَمَّى، وَلِلثَّانِيَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَإِنْ وَطِئَ أَوَّلًا الَّتِي نَكَحَهَا آخِرًا، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ نِكَاحُهَا، وَلِلْمَنْكُوحَةِ أَوَّلًا جَمِيعُ مَهْرِ) الْمِثْلِ وَنِصْفُ الْمُسَمَّى.
أَمَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى، فَلِارْتِفَاعِ نِكَاحِهَا بِسَبَبٍ مِنَ الزَّوْجِ.
وَأَمَّا جَمِيعُ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَلِأَنَّهُ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النِّكَاحِ.
فَصْلٌ
إِذَا اخْتَلَطَتْ مُحَرَّمٌ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنْ كَانَ الِاخْتِلَاطُ بِعَدَدٍ لَا يَنْحَصِرُ، كَنِسْوَةِ بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ، فَلَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا ظَاهِرٌ إِنْ عَمَّ الِالْتِبَاسُ.
فَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَهُ نِكَاحُ مَنْ لَا يَشُكُّ فِيهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُنْكَحُ مِنَ الْمَشْكُوكِ فِيهِنَّ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا حَجْرَ.
فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَاطُ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ، فَلْيَجْتَنِبْهُنَّ.
فَلَوْ خَالَفَ وَنَكَحَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الْإِمَامُ: الْمَحْصُورُ: مَا عُسِرَ عَدُّهُ عَلَى آحَادِ النَّاسِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: كُلُّ عَدَدٍ لَوِ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ لَعَسُرَ عَلَى النَّاظِرِ عَدَدُهُمْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ
كَالْأَلْفِ، فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وَإِنْ سَهُلَ كَالْعَشَرَةِ، وَالْعِشْرِينَ، فَمَحْصُورٌ، وَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ يُلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا بِالظَّنِّ، وَمَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ، اسْتُفْتِيَ فِيهِ الْقَلْبُ.
الْجِنْسُ الثَّانِي: مَا يَقْتَضِي حُرْمَةً غَيْرَ مُؤَبَّدَةٍ، وَيَتَعَلَّقُ بِعَدَدٍ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ.
الْأَوَّلُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنَ النَّسَبِ أَوِ الرَّضَاعِ، سَوَاءٌ الْأُخْتَانِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا.
فَلَوْ نَكَحَهُمَا، بَطَلَ نِكَاحُهُمَا.
وَإِنْ نَكَحَهَا مُرَتَّبًا، بَطَلَتِ الثَّانِيَةُ.
فَإِنْ وَطِئَهَا جَاهِلًا بِالْحُكْمِ، فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَهُ وَطْءُ الْأُولَى وَإِنْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ فِي الْعِدَّةِ، لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَفْعَلَ.
وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا، فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا فِي عِدَّتِهَا، وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، لَمْ تَحِلَّ أُخْتُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
فَلَوِ ادَّعَى أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَالْوَقْتُ مُحْتَمَلٌ، وَقَالَتْ: لَمْ تَنْقَضِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْإِمْلَاءِ» : أَنَّ لَهُ نِكَاحَ أُخْتِهَا.
وَلَوْ طَلَّقَ الْأُولَى، لَمْ يَقَعْ.
وَلَوْ وَطِئَهَا، لَزِمَهُ الْحَدُّ، لِزَعْمِهِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ وَالْقَفَّالُ: لَيْسَ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا، لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي الْعِدَّةِ.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ طَلَّقَهَا وَقَعَ.
وَلَوْ وَطِئَهَا، فَلَا حَدَّ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إِسْقَاطِ حَقِّهَا.
وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا، فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا فِي الْحَالِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَاهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِرَاشَ انْقَطَعَ.
فَرْعٌ
يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبَنَاتِ أَوْلَادِ أَخِيهَا، وَكَذَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ أُخْتِهَا وَبَنَاتِ أَوْلَادِ أُخْتِهَا، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعُمُومَةُ وَالْخُؤُولَةُ مِنَ النَّسَبِ
أَوِ الرَّضَاعِ.
وَضُبِطَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بِعِبَارَاتٍ.
إِحْدَاهُنَّ: يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ رَضَاعٌ وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَحَرُمَتِ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُمَا.
الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ رَضَاعٌ يَقْتَضِي الْمَحْرَمِيَّةَ.
الثَّالِثَةُ: يَحْرُمُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا وُصْلَةُ قَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ لَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْوُصْلَةُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَةٍ لَحَرُمَتْ عَلَيْكَ.
وَقَصَدُوا بِقَيْدِ الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّ زَوْجِهَا وَبِنْتِ زَوْجِهَا، فَإِنَّ هَذَا الْجَمْعَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِقَرَابَةٍ وَلَا رَضَاعٍ، بَلْ مُصَاهَرَةٍ، وَلَيْسَ فِيهَا رَحِمٌ يُحْذَرُ قَطْعُهَا، بِخِلَافِ الرَّضَاعِ وَالْقَرَابَةِ.
فَرْعٌ
يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِهَا، لِدُخُولِهِمَا فِي الضَّابِطِ.
فَلَوْ نَكَحَهُمَا مَعًا، بَطَلَ نِكَاحُهُمَا.
وَلَوْ نَكَحَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ.
فَإِنْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ الْبِنْتَ، جَازَ أَنْ يَنْكِحَهَا إِنْ فَارَقَ الْأُمَّ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَرْعٌ
يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ بِنْتِ الرَّجُلِ وَرَبِيبَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَرَبِيبَةِ زَوْجِهَا مِنَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَبَيْنَ أُخْتِ الرَّجُلِ مِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ مِنْ أَبِيهِ، لِأَنَّهُ لَا تَحْرُمُ الْمُنَاكَحَةُ بِتَقْدِيرِ ذُكُورَةِ أَحَدِهِمَا.
فَصْلٌ
كُلُّ امْرَأَتَيْنِ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ، يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، لَكِنْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِ الْمِلْكِ.
فَإِذَا اشْتَرَى أُخْتَيْنِ أَوِ امْرَأَةً وَعَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا مَعًا، أَوْ مُتَعَاقِبَتَيْنِ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَهُ وَطْءُ أَيَّتِهِمَا شَاءَ.
فَإِذَا وَطِئَ وَاحِدَةً، حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْءُ الْأُخْرَى، لَكِنْ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، لِأَنَّ لَهُ طَرِيقًا إِلَى اسْتِبَاحَتِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَطِئَ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ وَهِيَ مِلْكُهُ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ عَلَى قَوْلٍ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُهَا بِحَالٍ، ثُمَّ الثَّانِيَةُ تَبْقَى حَرَامًا كَمَا كَانَتْ، وَالْأُولَى حَلَالًا كَمَا كَانَتْ، فَلَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَطَأَ الْأُولَى حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الثَّانِيَةَ.
وَعَنْ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ مِهْرَانَ أُسْتَاذِ الْأُودَنِيِّ، أَنَّهُ إِذَا أَحْبَلَ الثَّانِيَةَ، حَلَّتْ، وَحَرُمَتِ الْأُولَى، وَهُوَ غَرِيبٌ، ثُمَّ لَا تَزَالُ غَيْرُ الْمَوْطُوءَةِ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ عَلَى نَفْسِهِ، إِمَّا بِإِزَالَةِ مِلْكٍ، كَبَيْعِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ هِبَةٍ مَعَ الْإِقْبَاضِ، أَوْ بِالْإِعْتَاقِ، وَإِمَّا بِإِزَالَةِ الْحِلِّ بِالتَّزْوِيجِ أَوِ الْكِتَابَةِ، وَلَا يَكْفِي الْحَيْضُ وَالْإِحْرَامُ وَالْعِدَّةُ عَنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، لِأَنَّهَا أَسْبَابٌ عَارِضَةٌ لَمْ تُزِلِ الْمِلْكَ وَلَا الِاسْتِحْقَاقَ، فَكَذَا الرِّدَّةُ لَا تُبِيحُ الْأُخْرَى، فَكَذَا الرَّهْنُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَحَيْثُ يَجُوزُ لِلْبَائِعِ الْوَطْءُ، لَا تَحِلُّ بِهِ الثَّانِيَةُ، وَحَيْثُ لَا يَجُوزُ وَجْهَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ: الْوَجْهُ عِنْدِي الْقَطْعُ بِالْحِلِّ، وَلَا يَكْفِي اسْتِبْرَاءُ الْأُولَى، لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْفِرَاشَ.
وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، أَنَّ الْقِيَاسَ الِاكْتِفَاءُ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ.
وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ قَالَ: غَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: إِذَا قَالَ: حَرَّمْتُهَا عَلَى نَفْسِي، حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَحَلَّتِ الْأُخْرَى.
ثُمَّ إِذَا حَرَّمَهَا بِالْأَسْبَابِ الْمُؤَثِّرَةِ، فَعَادَ الْحِلُّ، بِأَنْ بَاعَهَا، فَرُدَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ أَوْ إِقَالَةٍ،
أَوْ زَوَّجَهَا فَطُلِّقَتْ، أَوْ كَاتَبَهَا فَعَجَزَتْ، لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، لِحُدُوثِ الْمِلْكِ.
فَإِذَا اسْتَبْرَأَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْأُولَى، فَلَهُ الْآنَ وَطْءُ أَيَّتِهِمَا شَاءَ.
وَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا، لَمْ يَجُزْ وَطْءُ الْعَائِدَةِ حَتَّى تَحْرُمَ الْأُخْرَى.
فَرْعٌ
الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ كَالْقُبَلِ، فَتَحْرُمُ الْأُخْرَى بِهِ.
وَفِي اللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ مِثْلُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ.
فَرْعٌ
مَلَكَ أُخْتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَجُوسِيَّةٌ، أَوْ أُخْتُهُ بِرَضَاعٍ، فَوَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ، جَازَ وَطْءُ الْأُخْرَى، لِأَنَّ الْأُولَى مُحَرَّمَةٌ.
وَلَوْ مَلَكَ أُمًّا وَبِنْتَهَا، وَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا، حَرُمَتِ الْأُخْرَى أَبَدًا، فَلَوْ وَطِئَ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، حَرُمَتِ الْأُولَى أَيْضًا أَبَدًا.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ قَوْلَانِ.
إِنْ قُلْنَا: لَا، حَرُمَتِ الْأُولَى أَيْضًا أَبَدًا، وَإِلَّا، فَلَا.
فَصْلٌ
مَلَكَهَا وَلَمْ يَطَأْ، أَوْ وَطِئَ ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ عَمَّتَهَا، صَحَّ النِّكَاحُ، وَحَلَّتِ الْمَنْكُوحَةُ، وَحَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ.
وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً، ثُمَّ مَلَكَ أُخْتَهَا، فَالْمَمْلُوكَةُ حَرَامٌ، وَيَبْقَى حِلُّ الْمَنْكُوحَةِ.
فَصْلٌ
ارْتَدَّتِ الزَّوْجَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ، يَحْرُمُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، كَالرَّجْعِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: فَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَلَهُ فِي الْحَالِ نِكَاحُ أُخْتِهَا، لِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوِ ارْتَدَّتْ فَخَالَعَهَا فِي الرِّدَّةِ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ، وَكَبِيرَةٌ مَدْخُولٌ بِهَا، فَارْتَدَّتِ الْكَبِيرَةُ، وَأَرْضَعَتْ أُمُّهَا فِي عِدَّتِهَا الصَّغِيرَةَ، وَقَفَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ.
فَإِنْ أَصَرَّتِ الْكَبِيرَةُ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَفِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ، بِحَالِهِ.
وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ، بَطَلَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ.
وَفِي بُطْلَانِ نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ قَوْلَانِ نَذْكُرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الرَّضَاعِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: أَظْهَرُهُمَا: لَا يَبْطُلُ كَمَا لَوْ نَكَحَ أُخْتًا عَلَى أُخْتٍ لَا تَبْطُلُ الْأُولَى.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَتِ الْمُرْضِعَةُ أُخْتَ الْكَبِيرَةِ.
ثُمَّ عَلَى الزَّوْجِ لِلصَّغِيرَةِ نَصِفُ الْمُسَمَّى، وَلِلْكَبِيرَةِ تَمَامُهُ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبِكُلِّهِ فِي قَوْلٍ، وَبِجَمِيعِ مَهْرِ مِثْلِ الْكَبِيرَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ إِنْ أَبْطَلْنَا نِكَاحَهَا.
النَّوْعُ الثَّانِي: فِي قَدْرِ الْعَدَدِ الْمُبَاحِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَنْكِحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
فَلَوْ نَكَحَ خَمْسًا فِي عَقْدٍ، بَطَلَ نِكَاحُهُنَّ، وَإِنْ نَكَحَهُنَّ مُرَتَّبًا، بَطَلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ الْأُولَيَاتِ.
وَلَوْ نَكَحَ خَمْسًا فِي عَقْدٍ فِيهِنَّ أُخْتَانِ، بَطَلَ فِيهِمَا، وَفِي الْبَوَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ.
وَلَوْ نَكَحَ سَبْعًا فِيهِنَّ أُخْتَانِ، بَطَلَ الْجَمِيعُ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعٌ فَأَبَانَهُنُّ، فَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ بَدَلَهُنَّ وَإِنْ كُنَّ فِي الْعِدَّةِ.
وَلَوْ أَبَانَ وَاحِدَةً، فَلَهُ نِكَاحُ أُخْرَى فِي عِدَّةِ الْمُبَانَةِ.
وَلَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، فَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ فِي عِدَّتِهَا.
وَلَوْ كَانَتِ الْمُفَارَقَةُ رَجْعِيَّةً، لَمْ تَجُزْ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى امْرَأَتَيْنِ.
فَرْعٌ
لِابْنِ الْحَدَّادِ
نَكَحَ سِتَّ نِسْوَةٍ، ثَلَاثًا فِي عَقْدٍ، وَثِنْتَيْنِ فِي عَقْدٍ، وَوَاحِدَةً فِي عَقْدٍ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُتَقَدِّمَ، فَنِكَاحُ الْوَاحِدَةِ صَحِيحٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا أَوَّلَةً، أَوْ ثَالِثَةً، أَوْ رَابِعَةً، فَإِنَّهَا لَوْ تَأَخَّرَتْ عَنِ الْعَقْدَيْنِ، كَانَ ثَانِيهُمَا بَاطِلًا، فَتَقَعُ هِيَ صَحِيحَةً.
وَأَمَّا الْبَوَاقِي، فَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَثْبُتُ نِكَاحُهُنَّ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَقْدَيْهِمَا يَحْتَمِلُ كَوْنُهُ مُتَأَخِّرًا بَاطِلًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الصِّحَّةِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ غَلَطٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، بَلْ يَصِحُّ مَعَ نِكَاحِ الْوَاحِدَةِ، إِمَّا الثِّنْتَانِ، وَإِمَّا الثَّلَاثُ، وَهُوَ الَّذِي سَبَقَ مِنْهُمَا، وَلَا نَعْرِفُ عَيْنَهُ فَيُوقَفُ، وَيُسْأَلُ الزَّوْجُ، فَإِنِ ادَّعَى سَبْقَ الثِّنْتَيْنِ وَصَدَّقَتَاهُ، ثَبَتَ نِكَاحُهُمَا.
وَإِنِ ادَّعَى سَبْقَ الثَّلَاثِ، وَصَدَّقْنَهُ، فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَدْرِي، أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ، فَلَهُنَّ طَلَبُ الْفَسْخِ.
وَإِنْ رَضِينَ بِالضَّرَرِ، لَمْ يَنْفَسِخْ، وَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ الْجَمِيعِ مُدَّةَ التَّوَقُّفِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، اعْتَدَّتْ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا عِدَّةَ وَفَاةٍ، وَمَنْ دَخَلَ بِهَا بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ مِنْ وَفَاةٍ وَإِقْرَاءٍ، وَيَدْفَعُ إِلَى الْفَرْدَةِ رُبْعَ مِيرَاثِ النِّسْوَةِ، لِاحْتِمَالِ صِحَّةِ نِكَاحِ ثَلَاثٍ مَعَهَا، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحَ مَعَهَا نِكَاحُ الثَّلَاثِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ الرُّبْعِ الْمَأْخُوذِ، وَيُحْتَمَلُ صِحَّةُ نِكَاحِ الثِّنْتَيْنِ، فَيَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ، فَيُوقَفُ مَا بَيْنَ الثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، وَهُوَ نِصْفُ سُدْسٍ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ، لَا حَقَّ لِلثِّنْتَيْنِ فِيهِ، وَيُوقَفُ الثُّلُثَانِ بَيْنَ