كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
هِيَ أَنْ يُعَامِلَ إِنْسَانٌ [إِنْسَانًا] عَلَى شَجَرَةٍ لِيَتَعَهَّدَهَا بِالسَّقْيِ وَالتَّرْبِيَةِ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الثَّمَرَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَفِيهِ بَابَانِ.
[الْبَابُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهَا، وَهِيَ خَمْسَةٌ.
[الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ، وَسَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي الْقِرَاضِ.
وَ [الرُّكْنُ] الثَّانِي: مُتَعَلَّقُ الْعَمَلِ، وَهُوَ الشَّجَرُ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ.
[الشَّرْطُ] الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ نَخْلًا أَوْ عِنَبًا، فَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنَ النَّبَاتِ، فَقِسْمَانِ.
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ] : مَا لَهُ سَاقٌ، وَمَا لَا.
وَالْأَوَّلُ ضَرْبَانِ.
[الضَّرْبُ] الْأَوَّلُ: مَا لَهُ ثَمَرَةٌ كَالتِّينِ وَالْجَوْزِ، وَالْمِشْمِشِ، وَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهَا، وَفِيهَا قَوْلَانِ.
الْقَدِيمُ: جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا.
وَالْجَدِيدُ: الْمَنْعُ.
وَعَلَى الْجَدِيدِ، فِي شَجَرِ الْمُقْلِ وَجْهَانِ، جَوَّزَهَا ابْنُ سُرَيْجٍ، وَمَنَعَهَا غَيْرُهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ، كَالدُّلْبِ وَالْخِلَافِ وَغَيْرِهِ، فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: فِي الْخِلَافِ وَجْهَانِ لِأَغْصَانِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا سَاقَ لَهُ، كَالْبِطِّيخِ، وَالْقِثَّاءِ، وَقَصَبِ السُّكَّرِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَالْبُقُولِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ فِي الْأَرْضِ وَلَا تُجَزُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهَا، كَمَا لَا تَجُوزُ عَلَى الزَّرْعِ.
فَإِنْ كَانَتْ تَثْبُتُ فِي الْأَرْضِ وَتُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأَشْجَارُ مَرْئِيَّةً، وَإِلَّا فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ، كَبَيْعِ الْغَائِبِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً.
فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى أَحَدِ الْحَائِطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الثِّمَارُ.
فَيُشْتَرَطُ اخْتِصَاصُهُ بِالْعَاقِدَيْنِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا مَعْلُومَةً، وَأَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُزْئِيَّةُ دُونَ التَّقْدِيرِ.
فَلَوْ شَرَطَا بَعْضَ الثِّمَارِ لِثَالِثٍ، أَوْ كُلَّهَا لِأَحَدِهِمَا، فَسَدَتِ الْمُسَاقَاةُ.
وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ عِنْدَ شَرْطِ الْكُلِّ لِلْمَالِكِ وَجْهَانِ كَالْقِرَاضِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ عَمِلَ مَجَّانًا.
وَلَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ جُزْءًا مِنَ الثَّمَرَةِ، فَسَدَتْ.
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّهَا بَيْنَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّ نِصْفَهَا لِي، أَوْ نِصْفَهَا لَكَ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَاقِي، أَوْ عَلَى [أَنَّ] ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوِ النَّخَلَاتِ لِي، أَوْ لَكَ، وَالْبَاقِيَ بَيْنَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّ صَاعًا مِنَ الثَّمَرَةِ لِي، أَوْ لَكَ، وَالْبَاقِيَ بَيْنَنَا، فَحُكْمُهُ كُلُّهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْقِرَاضِ.
وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ إِذَا شَرَطَ كُلَّ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ، لِغَرَضِ الْقِيَامِ بِمَصْلَحَةِ الشَّجَرِ.
فَصْلٌ
إِذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكُونُ الشَّجَرُ بَيْنَهُمَا، أَوْ لِيَغْرِسَهُ وَيَتَعَهَّدَهُ مُدَّةَ كَذَا، وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ فِيهِمَا، لِلْحَاجَةِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الثَّانِي.
فَعَلَى الصَّحِيحِ: إِذَا عَمِلَ فِي هَذَا الْفَاسِدِ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ إِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ مُتَوَقَّعَةً فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي شَرْطِ الْكُلِّ لِلْمَالِكِ.
وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ مَغْرُوسٍ، فَإِنْ قَدَّرَا الْعَقْدَ بِمُدَّةٍ لَا يُثْمِرُ فِيهَا، لَمْ تَصِحَّ الْمُسَاقَاةُ، لِخُلُوِّهَا عَنِ الْغَرَضِ.
وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا لَا تُثْمِرُ فِيهَا، فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ قَطْعًا.
وَإِنْ قُدِّرَ
بِمُدَّةٍ يُثْمِرُ فِيهَا غَالِبًا، صَحَّ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ أَكْثَرِ الْمُدَّةِ لَا ثَمَرَ فِيهَا، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنَّهَا لَمْ تُثْمِرْ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِلُ شَيْئًا، كَمَا لَوْ قَارَضَهُ فَلَمْ يَرْبَحْ، أَوْ سَاقَاهُ عَلَى النَّخِيلِ الْمُثْمِرَةِ فَلَمْ تُثْمِرْ، وَإِنْ قُدِّرَ بِمُدَّةٍ تَحْتَمِلُ الْإِثْمَارَ وَعَدَمَهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ أَسْلَمُ فِي مَعْدُومٍ إِلَى وَقْتٍ يَحْتَمِلُ وَجُودَهُ وَعَدَمَهُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ.
فَإِنْ أَثْمَرَتِ اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا، فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إِنْ لَمْ تُثْمِرْ، لِأَنَّهُ عَمِلَ طَامِعًا.
هَذِهِ طَرِيقَةُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَجَعَلُوا تَوَقُّعَ الثَّمَرَةِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَقِيلَ: إِنْ غَلَبَ وُجُودُهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ صَحَّ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: إِنْ غَلَبَ عَدَمُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ
دَفَعَ إِلَيْهِ وَدِيًّا لِيَغْرِسَهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْغِرَاسُ لِلدَّافِعِ، وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَاسِدٌ، وَلِلْعَامِلِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَأَرْضِهِ.
وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْضَهُ لِيَغْرِسَهَا بِوَدِيِّ نَفْسِهِ، عَلَى أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، فَفَاسِدٌ أَيْضًا، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أُجْرَتُهَا عَلَى الْعَامِلِ.
فَصْلٌ
فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الثِّمَارِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ.
وَفِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ طُرُقٌ.
أَصَحُّهَا: أَنَّهُمَا فِيمَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَأَمَّا بَعْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا.
وَالثَّانِي: الْقَوْلَانِ فِيمَا لَمْ يَتَنَاهَ نُضْجُهُ.
فَإِنْ تَنَاهَى، لَمْ يَجُزْ قَطْعًا.
وَالثَّالِثُ: طَرْدُهُمَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ.
وَلَوْ كَانَ بَيْنَ النَّخِيلِ بَيَاضٌ، بِحَيْثُ تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ،
فَكَانَ فِيهِ زَرْعٌ مَوْجُودٌ، فَفِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ تَبَعًا، وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
فَصْلٌ
إِذَا كَانَ فِي الْحَدِيقَةِ نَوْعَانِ مِنَ التَّمْرِ فَصَاعِدًا، كَالصَّيْحَانِيِّ، وَالْعَجْوَةِ، وَالدَّقَلِ، فَسَاقَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ النِّصْفَ مِنَ الصَّيْحَانِيِّ، أَوْ مِنَ الْعَجْوَةِ الثُّلُثَ، فَإِنْ عَلِمَا قَدْرَ كُلِّ نَوْعٍ، جَازَ، وَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَجُزْ.
وَمَعْرِفَةُ كُلِّ نَوْعٍ إِنَّمَا تَكُونُ بِالنَّظَرِ وَالتَّخْمِينِ دُونَ التَّحْقِيقِ.
وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْكُلِّ، جَازَ وَإِنْ جَهِلَا قَدْرَ النَّوْعَيْنِ.
وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ، فَلَهُ الثُّلُثُ، أَوْ بِالدَّالِيَةِ فَالنِّصْفُ، لَمْ يَصِحَّ، لِلْجَهْلِ.
وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى حَدِيقَتِهِ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى أُخْرَى بِالثُّلُثِ، أَوْ عَلَى أَنْ يُسَاقِيَهُ الْعَامِلُ عَلَى حَدِيقَتِهِ، فَفَاسِدٌ.
وَهَلْ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ الثَّانِيَةُ؟ يُنْظَرُ، إِنْ عَقَدَهَا وَفَاءً بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ، وَسَبَقَ نَظِيرُهُ فِي الرَّهْنِ.
فَرْعٌ
حَدِيقَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُنَاصَفَةً، سَاقَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَشَرَطَ لَهُ ثُلُثَيِ الثِّمَارِ، صَحَّ وَقَدْ شَرَطَ لَهُ ثُلُثَ ثَمَرَتِهِ.
وَإِنْ شَرَطَ لَهُ ثُلُثَ الثِّمَارِ، أَوْ نِصْفَهَا، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لَهُ عِوَضًا بِالْمُسَاقَاةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ بِالْمِلْكِ.
وَإِذَا عَمِلَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ الْوَجْهَانِ.
وَلَوْ شَرَطَ لَهُ جَمِيعَ الثِّمَارِ فَسَدَ، وَفِي الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لَهُ إِلَّا أَنَّهُ انْصَرَفَ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَهُ الْأُجْرَةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ شَرَطَ فِي الْمُسَاقَاةِ مَعَ الشَّرِيكِ أَنْ يَتَعَاوَنَا عَلَى الْعَمَلِ، فَسَدَتْ وَإِنْ أَثْبَتَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى النِّصْفِ، كَمَا لَوْ سَاقَى أَجْنَبِيًّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ.
ثُمَّ إِنْ تَعَاوَنَا وَاسْتَوَيَا فِي الْعَمَلِ، فَلَا أُجْرَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَإِنْ تَفَاوَتَا، فَإِنْ كَانَ عَمَلُ مَنْ شَرَطَ لَهُ الزِّيَادَةَ أَكْثَرَ، اسْتَحَقَّ عَلَى الْأُجْرَةِ بِالْحِصَّةِ مِنْ عَمَلِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْآخَرِ أَكْثَرَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ الْوَجْهَانِ.
أَمَّا لَوْ أَعَانَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَلَا يَضُرُّ.
وَلَوْ سَاقَا الشَّرِيكَانِ أَجْنَبِيًّا، وَشَرَطَا لَهُ جُزْءًا مِنْ ثَمَرَةِ كُلِّ الْحَدِيقَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَازَ.
فَإِنْ قَالَا: عَلَى أَنَّ لَكَ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِنَا النِّصْفَ، وَمِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ الثُّلُثَ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ عَيَّنَا، فَإِنْ عَلِمَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ
كَانَتِ الْحَدِيقَةُ لِوَاحِدٍ، فَسَاقَى اثْنَيْنِ عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَهَا، فِي صَفْقَةٍ، أَوْ صَفْقَتَيْنِ، جَازَ إِنْ عَيَّنَ مَنْ لَهُ النِّصْفُ وَمَنْ لَهُ الثُّلُثُ.
فَرْعٌ
حَدِيقَةٌ بَيْنَ سِتَّةٍ أَسْدَاسًا، فَسَاقُوا رَجُلًا عَلَى أَنَّ لَهُ مِنْ نَصِيبِ وَاحِدٍ عَيَّنُوهُ النِّصْفَ، وَمِنْ نَصِيبِ الثَّانِي الرُّبُعَ، وَمِنَ الثَّالِثِ الثُّمُنَ، وَمِنَ الرَّابِعِ الثُّلُثَيْنِ، وَمِنَ الْخَامِسِ الثُّلُثَ، وَمِنَ السَّادِسِ السُّدُسَ، فَحِسَابُهُ أَنَّ مُخْرِجَ النِّصْفِ وَالرُّبُعِ يَدْخُلَانِ فِي مُخْرِجِ الثُّمُنِ، وَمُخْرِجَ الثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثِ يَدْخُلُ فِي السُّدُسِ، تَبْقَى سِتَّةٌ وَثَمَانِيَةٌ، يُضْرَبُ وِفْقُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، تَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، تَضْرِبُهُ فِي عَدَدِ
الشُّرَكَاءِ وَهُوَ سِتَّةٌ، تَبْلُغُ مِائَةً وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَيَأْخُذُ الْعَامِلُ مِمَّنْ شَرَطَ لَهُ النِّصْفَ اثْنَيْ عَشَرَ، وَمِنَ الثَّانِي سِتَّةً، وَمِنَ الثَّالِثِ ثَلَاثَةً، وَمِنَ الرَّابِعِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَمِنَ الْخَامِسِ ثَمَانِيَةً، وَمِنَ السَّادِسِ أَرْبَعَةً، فَيَجْتَمِعُ لَهُ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْعَمَلُ.
[وَشُرُوطُهُ] قَرِيبَةٌ مِنْ عَمَلِ الْقِرَاضِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ.
فَمِنْهَا: أَنْ لَا يُشْرَطَ عَلَيْهِ عَمَلٌ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسَاقَاةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتَبِدَّ الْعَامِلُ بِالْيَدِ فِي الْحَدِيقَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَلِ مَتَى شَاءَ.
فَلَوْ شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ الْمَالِكِ، أَوْ مُشَارَكَتَهُ فِي الْيَدِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ سَلَّمَ الْمِفْتَاحَ إِلَيْهِ، وَشَرَطَ الْمَالِكُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ، كَانَتِ الْحَدِيقَةُ فِي يَدِهِ، وَيَتَعَوَّقُ بِحُضُورِهِ عَنِ الْعَمَلِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَنْفَرِدَ الْعَامِلُ بِالْعَمَلِ.
فَلَوْ شَرَطَا مُشَارَكَةَ الْمَالِكِ فِي الْعَمَلِ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غُلَامُ الْمَالِكِ، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَالْقِرَاضِ.
هَذَا إِذَا شَرَطَا مُعَاوَنَةَ الْغُلَامِ، وَيَكُونُ تَحْتَ تَدْبِيرِ الْعَامِلِ.
فَلَوْ شَرَطَا اشْتِرَاكَهُمَا فِي التَّدْبِيرِ، وَيَعْمَلَانِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ.
وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ فِي الْأَوَّلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْغُلَامِ بِالرُّؤْيَةِ أَوِ الْوَصْفِ.
وَأَمَّا نَفَقَتُهُ، فَإِنْ شَرَطَاهَا عَلَى الْمَالِكِ، جَازَ، وَإِنْ شَرَطَاهَا عَلَى الْعَامِلِ، جَازَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى هَذَا هَلْ يَجِبُ تَقْدِيرُهَا لِيُعْرَفَ مَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ، أَمْ لَا بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْوَسَطِ الْمُعْتَادِ لِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ بِهِ؟ وَجْهَانِ، وَبِالثَّانِي قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ.
وَإِنْ شَرَطَاهَا فِي الثِّمَارِ، فَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ مَا يَبْقَى مَجْهُولٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْإِفْصَاحِ» : يَجُوزُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ صَلَاحِ الْمَالِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُتَوَسَّطَ فَيُقَالُ: إِنْ شَرَطَاهَا مِنْ جُزْءٍ مَعْلُومٍ، بِأَنْ شَرَطَا لِلْمَالِكِ ثُلُثَ الثِّمَارِ، وَلِلْعَامِلِ ثُلُثَهَا، وَيُصْرَفُ الثُّلُثُ الثَّالِثُ إِلَى نَفَقَةِ الْغُلَامِ، جَازَ، وَكَأَنَّ الْمَشْرُوطَ لِلْمَالِكِ ثُلُثَاهَا.
وَإِنْ شَرَطَاهَا فِي الثِّمَارِ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ جُزْءٍ لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّضَا لِلنَّفَقَةِ أَصْلًا، فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ
الْجُمْهُورُ: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ.
وَفِي وَجْهٍ: عَلَى الْعَامِلِ، حَكَاهُ فِي «الْمُهَذَّبِ» . وَلِصَاحِبِ «الْإِفْصَاحِ» احْتِمَالَانِ آخَرَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مِنَ الثَّمَرَةِ، وَالْآخَرُ، يَفْسُدُ الْعَقْدُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ اسْتِعْمَالُ الْغُلَامِ فِي عَمَلِ نَفْسِهِ.
وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَلَوْ كَانَ بِرَسْمِ الْحَدِيقَةِ غِلْمَانٌ يَعْمَلُونَ فِيهَا، لَمْ يَدْخُلُوا فِي مُطْلَقِ الْمُسَاقَاةِ.
وَلَوْ شَرَطَ اسْتِئْجَارَ الْعَامِلِ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ أُجْرَةِ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُ عَلَى الْمَالِكِ، بَطَلَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ، فَذَكَرَ فِي جَوَازِهِ وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ
يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ، أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً.
فَإِنْ وَقَّتَ بِالشُّهُورِ أَوِ السِّنِينَ الْعَرَبِيَّةِ، فَذَاكَ، وَلَوْ وَقَّتَ بِالرُّومِيَّةِ وَغَيْرِهَا جَازَ إِذَا عَلِمَاهَا، فَإِنْ أَطْلَقَا لَفْظَ السَّنَةِ، انْصَرَفَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ.
وَإِنْ وَقَّتَ بِإِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ، فَهَلْ يَبْطُلُ كَالْإِجَارَةِ، أَمْ يَصِحُّ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَوَّلُهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ الثَّانِيَ.
فَعَلَى الثَّانِي لَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ سَنَةً، وَأَطْلَقَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى السَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ، أَمْ سَنَةِ الْإِدْرَاكِ؟ وَجْهَانِ، زَعَمَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ [أَنَّ] أَصَحَّهُمَا: الثَّانِي.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، أَوْ وَقَّتَ بِالزَّمَانِ، فَأُدْرِكَتِ الثِّمَارُ وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ، لَزِمَ الْعَامِلَ أَنْ يَعْمَلَ فِي تِلْكَ الْبَقِيَّةِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ.
وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَعَلَى الشَّجَرِ طَلْعٌ أَوْ بَلَحٌ، فَلِلْعَامِلِ نَصِيبُهُ مِنْهَا، وَعَلَى الْمَالِكِ التَّعَهُّدُ إِلَى الْإِدْرَاكِ.
وَإِنْ حَدَثَ الطَّلْعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَلَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِيهِ.
وَلَوْ سَاقَاهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَفِي صِحَّتِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِجَارَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَإِنْ جَوَّزْنَا، فَهَلْ يَجِبُ بَيَانُ حِصَّةِ كُلِّ سَنَةٍ، أَمْ يَكْفِي قَوْلُهُ: سَاقَيْتُكَ عَلَى النِّصْفِ لِاسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ كُلَّ سُنَّةٍ؟
قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ كَالْإِجَارَةِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ هُنَا قَطْعًا، لِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَرِ، بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ، فَلَوْ فَاوَتَ بَيْنَ الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ فِي السِّنِينَ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالسَّلَمِ إِلَى آجَالٍ.
وَلَوْ سَاقَاهُ سِنِينَ، وَشَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا، وَالْأَشْجَارُ بِحَيْثُ تُثْمِرُ كُلَّ سَنَةٍ، لَمْ يَصِحَّ.
قُلْتُ: وَلَوْ سَاقَاهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَشَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ الْعَاشِرَةِ، لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ التَّاسِعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الْخَامِسُ: الصِّيغَةُ، وَلَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ بِدُونِهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِيهَا الْوَجْهُ الْمُكْتَفَى فِي الْعُقُودِ بِالتَّرَاضِي وَالْمُعَاطَاةِ، وَكَذَا فِي الْقِرَاضِ وَغَيْرِهِ.
ثُمَّ أَشْهَرُ الصِّيَغِ: سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ بِكَذَا، أَوْ عَقَدْتُ مَعَكَ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: سَلَّمْتُ إِلَيْكَ نَخِيلِي لِتَتَعَهَّدَهَا عَلَى كَذَا، أَوِ اعْمَلْ عَلَى هَذَا النَّخِيلِ، أَوْ تَعَهَّدْ نَخِيلِي بِكَذَا، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ مِنَ الْعُقُودِ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَهَابًا إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُسَاقَاةِ الْقَبُولُ قَطْعًا، وَلَا يَجِيءُ فِيهَا الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي الْقِرَاضِ وَالْوَكَالَةِ، لِلُزُومِهِمَا.
فَرْعٌ
لَوْ عَقَدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، فَقَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَتَعَهَّدَ نَخِيلِي بِكَذَا مِنْ ثِمَارِهَا، أَوْ عَقَدَا الْإِجَارَةَ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، فَوَجْهَانِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الصِّحَّةُ، لِمَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ مِنَ الْمُشَابَهَةِ وَاحْتِمَالِ كُلِّ لَفْظٍ مَعْنَى الْآخَرِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّ لَفْظَ الْإِجَارَةِ صَرِيحٌ فِي غَيْرِ الْمُسَاقَاةِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ نُفِّذَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ
إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى؟ وَلَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ بِكَذَا لِيَكُونَ أُجْرَةً لَكَ، فَلَا بَأْسَ، لَسَبْقِ لَفْظِ الْمُسَاقَاةِ.
هَذَا إِذَا قَصَدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ الْمُسَاقَاةَ، أَمَّا إِذَا قَصَدَا الْإِجَارَةَ نَفْسَهَا، فَيُنْظَرُ، إِنْ لَمْ تَكُنْ خَرَجَتِ الثَّمَرَةُ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ شَرْطَ الْأُجْرَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مَوْجُودَةً مَعْلُومَةً.
وَإِنْ كَانَتْ خَرَجَتْ، وَبَدَا فِيهَا الصَّلَاحُ، جَازَ، سَوَاءٌ شَرَطَ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ جُزْءًا شَائِعًا، كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَلَكِنْ يَجِيءُ فِيهِ مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَأَخَوَاتِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَبْدُ فِيهَا الصَّلَاحُ، فَإِنْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا، جَازَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ كُلَّ الثِّمَارِ لِلْعَامِلِ.
وَإِنْ شَرَطَ جُزْءًا شَائِعًا، لَمْ يَجُزْ وَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ، لِمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ.
وَإِذَا عَقَدَا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلِ الْأَعْمَالِ، بَلْ يُحْمَلُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى عُرْفِهَا الْغَالِبِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ تَفْصِيلُهَا.
وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا عَلِمَ الْمُتَعَاقِدَانِ الْعُرْفَ الْمَحْمُولَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا وَجَبَ التَّفْصِيلُ قَطْعًا.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْمُسَاقَاةِ
وَيَجْمَعُهَا حُكْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَالْمَالِكَ.
وَالثَّانِي: فِي لُزُومِهَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكُلُّ عَمَلٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الثِّمَارُ لِزِيَادَتِهَا، أَوْ صَلَاحٍ، وَيَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ.
وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا التَّكْرَارَ، لِأَنَّ مَا يَتَكَرَّرُ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُسَاقَاةِ، وَتَكْلِيفُ الْعَامِلِ مِثْلَ هَذَا، إِجْحَافٌ بِهِ.
فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّقْيُ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ إِصْلَاحِ طَرِيقِ الْمَاءِ وَالْأَجَاجِينِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا الْمَاءُ، وَتَنْقِيَةِ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ مِنَ الْحَمْأَةِ وَنَحْوِهَا.
وَإِدَارَةِ الدُّولَابِ وَفَتْحِ رَأْسِ السَّاقِيَةِ، وَسَدِّهَا عِنْدَ السَّقْيِ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ.
وَفِي تَنْقِيَةِ النَّهْرِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ.
وَوَجْهٌ: أَنَّهَا عَلَى مَنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهَا، فَسَدَ الْعَقْدُ.
وَمِنْهُ: تَقْلِيبُ الْأَرْضِ بِالْمَسَاحِي وَكِرَابُهَا فِي الْمُزَارَعَةِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَكَذَا تَقْوِيَتُهَا بِالزِّبْلِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ.
وَمِنْهُ: التَّلْقِيحُ، ثُمَّ الطَّلْعُ الَّذِي يُلَقَّحُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ، وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ الْعَامِلُ الْعَمَلَ.
وَمِنْهَا: تَنْحِيَةُ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ وَالْقُضْبَانِ الْمُضِرَّةِ بِالشَّجَرِ.
وَمِنْهُ: تَصْرِيفُ الْجَرِيدِ.
- وَالْجَرِيدُ: سَعَفُ النَّخْلِ -. وَحَاصِلُ مَا قَالُوهُ فِي تَفْسِيرِهِ شَيْئَانِ.
أَحَدُهُمَا: قَطْعُ مَا يَضُرُّ تَرْكُهُ يَابِسًا وَغَيْرَ يَابِسٍ.
وَالثَّانِي: رَدُّهَا عَنْ وُجُوهِ الْعَنَاقِيدِ بَيْنَهَا لِتُصِيبَهَا الشَّمْسُ، وَلِيَتَيَسَّرَ قَطْعُهَا عِنْدَ الْإِدْرَاكِ.
وَمِنْهُ: تَعْرِيشُ شَجَرِ الْعِنَبِ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَوَضْعُ الْحَشِيشِ فَوْقَ الْعَنَاقِيدِ صَوْنًا عَنِ الشَّمْسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَفِي حِفْظِ الثِّمَارِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْعَامِلِ كَحِفْظِ مَالِ الْقِرَاضِ.
فَإِنْ لَمْ يُحْفَظْ بِنَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ مَنْ يَحْفَظُهُ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْعَامِلِ وَالْمَالِكِ جَمِيعًا بِحَسَبِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الثِّمَارِ، لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةِ الثَّمَرِ وَتَنْمِيَتِهِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي حِفْظِ الثَّمَرِ عَنِ الطُّيُورِ وَالزَّنَابِيرِ، بِأَنْ يُجْعَلَ كُلُّ عُنْقُودٍ فِي قَوْصَرَّةٍ، فَيَلْزَمُ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ جَرَيَانِ الْعَادَةِ [بِهِ] وَهَذِهِ الْقَوْصَرَّةُ عَلَى الْمَالِكِ، وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ جِدَادُ الثَّمَرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، لِأَنَّهُ مِنَ الصَّلَاحِ.
وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
وَيَلْزَمُهُ تَجْفِيفُ الثِّمَارِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذَا طُرِدَتِ الْعَادَةُ، أَوْ شَرْطَاهُ.
وَإِذَا وَجَبَ التَّجْفِيفُ، وَجَبَ تَهْيِئَةُ مَوْضِعِهِ وَتَسْوِيَتُهُ، وَيُسَمَّى: الْبَيْدَرَ وَالْجَرِينَ، وَنَقْلُ الثِّمَارِ إِلَيْهِ، وَتَقْلِيبُهَا فِي الشَّمْسِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ وَيُقْصَدُ بِهِ حِفْظُ الْأُصُولِ، فَهُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ كَحَفْرِ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ الْجَدِيدَةِ، وَالَّتِي انْهَارَتْ، وَبِنَاءِ الْحِيطَانِ، وَنَصْبِ
الْأَبْوَابِ وَالدُّولَابِ وَنَحْوِهَا.
وَفِي رَدْمِ الثُّلَمِ الْيَسِيرَةِ الَّتِي تَتَّفِقُ فِي الْجُدْرَانِ، وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِ الْجِدَارِ، وَجْهَانِ كَتَنْقِيَةِ الْأَنْهَارِ.
وَالْأَصَحُّ: اتِّبَاعُ الْعُرْفِ.
وَأَمَّا الْآلَاتُ الَّتِي يَتَوَفَّرُ بِهَا الْعَمَلُ، كَالْفَأْسِ، وَالْمِعْوَلِ، وَالْمِسْحَاةِ، وَالثِّيرَانِ، وَالْفَدَّانِ فِي الْمَزْرَعَةِ، وَالثَّوْرِ الَّذِي يُدِيرُ الدُّولَابَ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ.
وَقِيلَ: هِيَ عَلَى مَنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ.
وَخَرَاجُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِ قَطْعًا، وَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ تَتْلَفُ فِي الْعَمَلِ، فَعَلَى الْمَالِكِ قَطْعًا.
ثُمَّ كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى الْعَامِلِ، فَلَهُ اسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ عَلَيْهِ، وَيَجِيءُ فِيهِ وَجْهٌ.
وَلَوْ شَرَطَ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْعَقْدِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَكَذَا مَا عَلَى الْمَالِكِ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَوْ فَعَلَهُ الْعَامِلُ بِلَا إِذْنٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ فَعَلَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ.
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فِي أَنَّ تَفْصِيلَ الْأَعْمَالِ لَا يَجِبُ فِي الْعَقْدِ.
فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَالْمُتَّبَعُ الشَّرْطُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُغَيِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ، وَيَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ بِالظُّهُورِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالْقِرَاضِ.
وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ: أَنَّ الرِّبْحَ فِي الْقِرَاضِ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الثَّمَرِ.
فَرْعٌ
إِذَا هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، نُظِرَ، إِنْ تَبَرَّعَ الْمَالِكُ بِالْعَمَلِ، أَوْ بِمُؤْنَةِ مَنْ يَعْمَلُ، بَقِيَ اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ بِحَالِهِ، وَإِلَّا رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ الْمُسَاقَاةَ لِيَطْلُبَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ وَجَدَهُ، أَجْبَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ، وَإِلَّا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ.
وَمِنْ أَيْنَ يَسْتَأْجِرُ؟ يُنْظَرُ، إِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ مَالٌ، فَمِنْهُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ،
بَاعَ نَصِيبَ الْعَامِلِ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِلْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَاسْتَأْجَرَ بِثَمَنِهِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، إِمَّا قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ أَوْ بَعْدَهُ، اسْتَقْرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَاسْتَأْجَرَ بِهِ، ثُمَّ يَقْضِيهِ الْعَامِلُ إِذَا رَجَعَ، أَوْ يُقْضَى مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، أَوِ الْإِدْرَاكِ.
وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، اسْتَغْنَى عَنِ الِاقْتِرَاضِ.
وَإِنْ فَعَلَ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ، يُنْظَرُ، إِنْ قَدَرَ عَلَى مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ وَقَدَرَ عَلَى الْإِشْهَادِ فَلَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يَرْجِعْ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِشْهَادُ، فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَرْجِعُ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْإِشْهَادِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَإِنْ أَشْهَدْ، رَجَعَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِلضَّرُورَةِ.
وَقِيلَ: لَا، لِئَلَّا يَصِيرَ حَاكِمًا لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ الْإِشْهَادُ الْمُعْتَبَرُ، أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْعَمَلِ أَوِ الِاسْتِئْجَارِ، وَأَنَّهُ بَذَلَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ.
فَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَى الْعَمَلِ أَوِ الِاسْتِئْجَارِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلرُّجُوعِ، فَهُوَ كَتَرْكِ الْإِشْهَادِ، قَالَهُ فِي «الشَّامِلِ» . وَإِذَا أَنْفَقَ الْمَالِكُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِيَرْجِعَ، فَوَجْهَانِ.
وَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
فَطَرِيقُهُ: أَنْ يُسَلِّمَ الْمَالَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالْإِنْفَاقِ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِبَاقِي الْعَمَلِ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ أَجَّرَ دَارَهُ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهَا مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَمَتَى تَعَذَّرَ إِتْمَامُ الْعَمَلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الثَّمَرَةُ خَرَجَتْ، فَلِلْمَالِكِ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِلتَّعَذُّرِ وَالضَّرُورَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَفْسَخُ، لَكِنْ يَطْلُبُ الْحَاكِمُ مَنْ يُسَاقِي عَنِ الْعَامِلِ، فَرُبَّمَا فَضَلَ لَهُ شَيْءٌ.
وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ قَدْ خَرَجَتْ، فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ بَدَا صَلَاحُهَا، بِيعَ نَصِيبُ الْعَامِلِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِقَدْرِ مَا يُسْتَأْجَرُ بِهِ عَامِلٌ.
وَإِنْ لَمْ يَبْدُ، تَعَذَّرَ [بِيعَ] نَصِيبُهُ وَحْدَهُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْقَطْعِ فِي الْمَشَاعِ لَا يَكْفِي.
فَإِمَّا أَنْ يَبِيعَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ مَعَهُ لِيَشْرُطَ الْقَطْعَ فِي الْجَمِيعِ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ، فَيَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ
فِي أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ يَكْفِي عَنِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ.
فَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ، وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا.
وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْفَسْخُ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَالَ فِي «الْمُهَذَّبِ» : يُفْسَخُ، وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكَادُ يُفْرَضُ لِلْفَسْخِ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ فَائِدَةٌ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ثُبُوتِ الْفَسْخِ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ فَرْعَانِ.
أَحَدُهُمَا: إِذَا فُسِخَ، غَرِمَ الْمَالِكُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِ مَا عَمِلَ، وَلَا يُقَالُ بِتَوْزِيعِ الثِّمَارِ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِ جَمِيعِ الْعَمَلِ، إِذِ الثِّمَارُ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْعَقْدِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الْعَقْدُ التَّوْزِيعَ فِيهَا.
الثَّانِي: جَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَقَالَ: لَا تَفْسَخْ لِأَعْمَلَ نِيَابَةً عَنِ الْعَامِلِ، لَمْ يَلْزَمِ الْإِجَابَةَ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَأْتَمِنُهُ وَلَا يَرْضَى بِدُخُولِهِ مِلْكَهُ.
لَكِنْ لَوْ عَمِلَ نِيَابَةً بِغَيْرِ عِلْمِ الْمَالِكِ، وَحَصَلَتِ الثِّمَارُ، سَلَّمَ لِلْعَامِلِ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَكَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُتَبَرِّعًا [عَلَيْهِ] ، هَكَذَا قَالُوهُ.
وَلَوْ قِيلَ: وُجُودُ الْمُتَبَرِّعِ كَوُجُودِ مُقْرِضٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْفَسْخُ، لَكَانَ قَرِيبًا.
وَالْعَجْزُ عَنِ الْعَمَلِ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ كَالْهَرَبِ.
فَصْلٌ
وَلَوْ مَاتَ مَالِكُ الشَّجَرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، لَمْ تَنْفَسِخِ الْمُسَاقَاةُ، بَلْ يَسْتَمِرُّ الْعَامِلُ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ، انْفَسَخَتْ بِمَوْتِهِ كَالْأَجِيرِ [الْمُعَيَّنِ] . وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا تَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِيَدِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ: لَا تَنْفَسِخُ كَالْإِجَارَةِ، بَلْ يُنْظَرُ إِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، تَمَّمَ وَارِثُهُ الْعَمَلَ، بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُ، وَإِلَّا، فَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ، أَوِ اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يُتِمُّ، فَعَلَى الْمَالِكِ تَمْكِينُهُ إِنْ كَانَ أَمِينًا مُهْتَدِيًا إِلَى أَعْمَالِ الْمُسَاقَاةِ، وَيُسَلِّمُ لَهُ الْمَشْرُوطَ.
وَإِنْ أَبَى، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: يُجْبَرُ، لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ، وَهُوَ شَاذٌّ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَى الْمُورِثِ مِنْ تَرِكَتِهِ.
لَكِنْ لَوْ خَلَّفَ تَرِكَةً، وَامْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنَ الِاسْتِئْجَارِ مِنْهَا،
اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ.
وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً، لَمْ يَسْتَقْرِضْ عَلَى الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْحَيِّ إِذَا هَرَبَ.
وَمَهْمَا لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ، فَالْقَوْلُ فِي ثُبُوتِ الْفَسْخِ وَفِي الشَّرِكَةِ وَفَصْلِ الْأَمْرِ إِذَا خَرَجَتِ الثِّمَارُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْهَرَبِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَكُونُ عَلَى الْعَيْنِ وَفِي الذِّمَّةِ، هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِهَا عَلَى الْعَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَتَرَدَّدَ فِيهَا بَعْضُهُمْ، لِمَا فِيهَا مِنَ التَّضْيِيقِ.
فَرْعٌ
نَقَلَ الْمُتَوَلِّي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ تُثْمِرِ الْأَشْجَارُ أَصْلًا، أَوْ تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِجَائِحَةٍ، أَوْ غَصْبٍ، فَعَلَى الْعَامِلِ إِتْمَامُ الْعَمَلِ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ.
كَمَا أَنَّ عَامِلَ الْقِرَاضِ يُكَلَّفُ التَّنْضِيضَ وَإِنْ ظَهَرَ خُسْرَانٌ وَلَمْ يَنَلْ إِلَّا التَّعَبَ.
وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ إِذَا تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِالْجَائِحَةِ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ: بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ وَتَكَامُلِ الثِّمَارِ.
قَالَ: وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهَا، فَلِلْعَامِلِ الْخِيَارُ، بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيُتِمَّ الْعَمَلَ وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ.
فَصْلٌ
دَعْوَى الْمَالِكِ عَلَى الْعَامِلِ السَّرِقَةَ وَالْخِيَانَةَ فِي الثَّمَرِ أَوِ السَّعَفِ، لَا تُقْبَلُ حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَ مَا خَانَ فِيهِ وَيُحَرِّرَ الدَّعْوَى.
فَإِذَا حَرَّرَهَا، وَأَنْكَرَ الْعَامِلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِيَمِينِ الْمَالِكِ بَعْدَ نُكُولِهِ، فَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: يُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ يُشْرِفُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ عَلَى حَالَيْنِ: إِنْ أَمْكَنَ حِفْظُهُ بِضَمِّ مُشْرِفٍ، قَنِعَ بِهِ، وَإِلَّا، أُزِيلَتْ يَدُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ.
ثُمَّ إِذَا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، فَالْأُجْرَةُ
فِي مَالِهِ.
وَأَمَّا أُجْرَةُ الْمُشْرِفِ، فَعَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: تُبْنَى عَلَى مُؤْنَةِ الْحِفْظِ، إِنْ جَعَلْنَاهَا عَلَى الْعَامِلِ، فَكَذَا أُجْرَةُ الْمُشْرِفِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا عَلَيْهِمَا، فَكَذَا هُنَا.
وَقَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : أُجْرَةُ الْمُشْرِفِ عَلَى الْعَامِلِ إِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ، وَإِلَّا، فَعَلَى الْمَالِكِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُشْكِلٌ، وَيَنْبَغِي إِذَا لَمْ تَثْبُتْ خِيَانَتُهُ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ الْمَالِكُ مِنْ ضَمِّ مُشْرِفٍ إِلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ اسْتِقْلَالِهِ بِالْيَدِ.
فَصْلٌ
إِذَا خَرَجَتِ الْأَشْجَارُ الْمُسَاقَى عَلَيْهَا مُسْتَحَقَّةً، أَخَذَهَا الْمَالِكُ مَعَ الثِّمَارِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً.
وَإِنْ جَفَّفَاهَا وَنَقُصَتْ قِيمَتُهَا بِالتَّجْفِيفِ، اسْتَحَقَّ الْأَرْشَ أَيْضًا، وَيَرْجِعُ [الْعَامِلُ عَلَى] الْغَاصِبِ الَّذِي سَاقَاهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ الْغَاصِبُ مَنْ عَمِلَ فِي الْمَغْصُوبِ عَمَلًا، وَقِيلَ: لَا أُجْرَةَ، تَخْرِيجًا عَلَى قَوْلَيِ الْغُرُورِ، [وَ] كَمَا لَوْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَإِنْ أَتْلَفَهَا، فَلِلْمَالِكِ الْخِيَارُ فِي نَصِيبِ الْعَامِلِ، بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ بِضَمَانِهِ الْعَامِلَ أَوِ الْغَاصِبَ.
وَالْقَرَارُ عَلَى الْعَامِلِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ الطَّعَامَ الْمَغْصُوبَ عَلَى قَوْلٍ.
وَأَمَّا نَصِيبُ الْغَاصِبِ، فَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ.
وَفِي مُطَالَبَتِهِ الْعَامِلَ بِهِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُطَالِبُهُ، لِثُبُوتِ يَدِهِ، كَمَا يُطَالَبُ عَامِلُ الْقِرَاضِ وَالْمُودَعُ إِذَا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا.
وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ يَدَهُ تَثْبُتُ عَلَيْهِ مَقْصُودَةً.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَخْرُجُ مَا إِذَا تَلِفَ جَمِيعُ الثِّمَارِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِجَائِحَةٍ أَوْ غَصْبٍ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا يَدَ الْعَامِلِ عَلَيْهَا، فَهُوَ مُطَالَبٌ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَوْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَإِذَا قُلْنَا: يُطَالَبُ الْعَامِلُ بِنَصِيبِ
الْغَاصِبِ، فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَاصِبِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي رُجُوعِ الْمُودَعِ.
وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالرُّجُوعِ.
فَصْلٌ
إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ، وَلَا بَيِّنَةَ، تَحَالَفَا كَمَا فِي الْقِرَاضِ.
وَإِذَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا قَبْلَ الْعَمَلِ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ.
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، قُضِيَ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَسَاقَطَانِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَيَتَحَالَفَانِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تُسْتَعْمَلَانِ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
وَلَا يَجِيءُ قَوْلَا الْوَقْفِ وَالْقِسْمَةِ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ لَا يُقَسَّمُ وَلَا يُوقَفُ.
وَقِيلَ: تَجِيءُ الْقِسْمَةُ فِي الْقَدْرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَلَوْ سَاقَاهُ شَرِيكَانِ فِي الْحَدِيقَةِ، فَقَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْتُمَا لِي نِصْفَ الثَّمَرِ، وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، قَالَ الْآخَرُ: بَلْ شَرَطْنَا الثُّلُثَ، فَنَصِيبُ الْمُصَدِّقِ مَقْسُومٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِلِ.
وَأَمَّا نَصِيبُ الْمُكَذِّبِ، فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ.
وَلَوْ شَهِدَ الْمُصَدِّقُ لِلْعَامِلِ أَوِ الْمُكَذِّبُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَشْجَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، أَوْ فِي رَدِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ أَوْ هَلَاكِهِ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقِرَاضِ.
فَصْلٌ
إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثِّمَارِ، فَإِنْ وَثِقَ الْمَالِكُ بِالْعَامِلِ، تَرَكَهَا فِي يَدِهِ إِلَى الْإِدْرَاكِ، فَيَقْتَسِمَانِ حِينَئِذٍ إِنْ جَوَّزْنَاهَا، أَوْ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِلثَّانِي، أَوْ يَبِيعَانِ لِثَالِثٍ.
وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِهِ وَأَرَادَ تَضْمِينَهُ التَّمْرَ أَوِ الزَّبِيبَ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْخَرْصَ عِبْرَةٌ أَوْ تَضْمِينٌ؟
فَإِنْ قُلْنَا: عِبْرَةٌ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَضْمِينٌ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الزَّكَاةِ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَضْمِينَ الْمَالِكِ بِالْخَرْصِ.
فَصْلٌ
إِذَا انْقَطَعَ مَاءُ الْبُسْتَانِ، وَأَمْكَنَ رَدُّهُ، فَفِي تَكْلِيفِ الْمَالِكِ السَّعْيَ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَا يُكَلَّفُ الشَّرِيكُ الْعِمَارَةَ وَلَا الْمَكْرِيُ.
وَالثَّانِي: يُكَلَّفُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِقِصَارَةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ يُكَلَّفُ تَسْلِيمَهُ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَسْعَ فِي رَدِّهِ، لَزِمَهُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ.
وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّ الْمَاءِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَتِ الثِّمَارُ بِجَائِحَةٍ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يُكَلَّفُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
السَّوَاقِطُ، وَهِيَ السَّعَفُ الَّتِي تَسْقُطُ مِنَ النَّخْلِ، يَخْتَصُّ بِهَا الْمَالِكُ، وَمَا يَتْبَعُ الثَّمَنَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَمِنْهُ الشَّمَارِيخُ.
فَصْلٌ
دَفَعَ بَهِيمَةً إِلَيْهِ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمَا، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ.
وَلَوْ قَالَ: تَعَهَّدْ هَذِهِ الْغَنَمَ بِشَرْطِ أَنَّ دَرَّهَا وَنَسْلَهَا بَيْنَنَا، فَبَاطِلٌ أَيْضًا، لِأَنَّ النَّمَاءَ لَا يَحْصُلُ بِعَمَلِهِ.
وَلَوْ قَالَ: اعْلِفْ هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ وَلَكَ نِصْفُ دَرِّهَا، فَفَعَلَ، وَجَبَ بَدَلُ
النِّصْفِ عَلَى صَاحِبِ الشَّاةِ، وَالْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ مِنَ الدَّرِّ لِصَاحِبِ الْعَلَفِ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ، لِحُصُولِهِ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ، وَالشَّاةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بِالْعِوَضِ.
وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ وَاعْلِفْهَا لِتَسْمَنَ وَلَكَ نِصْفُهَا، فَفَعَلَ، فَالْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ مِنْهَا لِصَاحِبِ الْعَلَفِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، دُونَ الْبَاقِي.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِذَا كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فِي الذِّمَّةِ، فَلِلْعَامِلِ أَنْ يُعَامِلَ غَيْرَهُ لِيَنُوبَ عَنْهُ.
ثُمَّ إِنْ شَرَطَ لَهُ مِنَ الثِّمَارِ مِثْلَ مَا شَرَطَ الْمَالِكُ لَهُ أَوْ دُونَهُ، فَذَاكَ، وَإِنْ شَرَطَ لَهُ أَكْثَرَ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، وَجَبَ لِلزِّيَادَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَالْأُجْرَةُ لِلْجَمِيعِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَيُعَامِلَ غَيْرَهُ، فَلَوْ فَعَلَ، انْفَسَخَتِ الْمُسَاقَاةُ بِتَرْكِهِ الْعَمَلَ، وَكَانَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا لِلْمَالِكِ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ الْعَقْدِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِلَّا، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ الْخِلَافُ فِي خُرُوجِ الثِّمَارِ مُسْتَحَقَّةً.
فَصْلٌ
بَيْعُ الْحَدِيقَةِ الَّتِي سَاقَى عَلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ، يُشْبِهُ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا، لَكِنْ فِي «فَتَاوَى» الْبَغَوِيِّ: أَنَّ الْمَالِكَ إِنْ بَاعَهَا قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ لِلْعَامِلِ حَقًّا فِي ثِمَارِهَا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ الثَّمَرَةِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَشْجَارِ وَنَصِيبُ الْمَالِكِ مِنَ الثِّمَارِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ، لِأَنَّهَا مَبِيعَةٌ مَعَ الْأُصُولِ، وَيَكُونُ الْعَامِلُ مَعَ الْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ مَعَ الْبَائِعِ.
وَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَحْدَهَا، لَمْ يَصِحَّ، لِلْحَاجَةِ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ وَتَعَذُّرِهِ فِي الشَّائِعِ.
قُلْتُ؟ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ، حَسَنٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، لَمْ يَذْكُرْهَا الرَّافِعِيُّ هُنَا، بَلْ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ
الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هُمَا بِمَعْنًى، وَالصَّحِيحُ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ.
فَالْمُخَابَرَةُ: هِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ.
وَالْمُزَارَعَةُ مِثْلُهَا، إِلَّا أَنَّ الْبَذْرَ مِنَ الْمَالِكِ.
وَقَدْ يُقَالُ: الْمُخَابَرَةُ: اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ [بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا] . وَالْمُزَارَعَةُ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ لِزَرْعِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
وَالْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، هُوَ الصَّوَابُ.
وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ: قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: هُمَا بِمَعْنًى، فَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، فَنَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمُخَابَرَةُ وَالْمُزَارَعَةُ بَاطِلَتَانِ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا أَيْضًا، ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ وَصَنَّفَ فِيهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ جُزْءًا، وَبَيَّنَ فِيهِ عِلَلَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهَا، وَجَمَعَ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، ثُمَّ تَابَعَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: ضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ النَّهْيِ، وَقَالَ: هُوَ مُضْطَرِبٌ كَثِيرُ الْأَلْوَانِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَبْطَلَهَا مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى عِلَّتِهِ، قَالَ: فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَهِيَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، لَا يُبْطِلُ الْعَمَلَ بِهَا أَحَدٌ.
هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.
وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَتَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا إِذَا شَرَطَ
أَحَدُهُمَا زَرْعَ قِطْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالْآخَرُ أُخْرَى، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، إِبْطَالُهُمَا، وَعَلَيْهِ تَفْرِيعُ مَسَائِلِ الْبَابِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَمَتَى أُفْرِدَتِ الْأَرْضُ لِمُخَابَرَةٍ أَوْ مُزَارَعَةٍ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِلْمَالِكِ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَأُجْرَةُ الْبَقَرِ وَالْآلَاتِ إِنْ كَانَتْ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِلْعَامِلِ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَلِمَالِكِ الْأَرْضِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا.
وَإِنْ كَانَ لَهُمَا، فَالْغَلَّةُ لَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْآخَرِ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا انْصَرَفَ مِنْ مَنَافِعِهِ إِلَى حِصَّةِ صَاحِبِهِ.
وَإِذَا أَرَادَا أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ، بِحَيْثُ لَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْبَذْرُ بَيْنَهُمَا، وَالْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا، وَالْعَمَلُ وَالْآلَاتُ لِلْآخَرِ، فَلَهُمَا ثَلَاثُ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُعِيرُ صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ نِصْفَهَا، وَيَتَبَرَّعُ الْعَامِلُ بِمَنْفَعَةِ بَدَنِهِ وَآلَاتِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ صَاحِبَ الْأَرْضِ.
الثَّانِي: قَالَهُ الْمُزَنِيُّ: يَكْرِي صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ نِصْفَهَا بِدِينَارٍ مَثَلًا، وَيَكْتَرِي الْعَامِلَ لِيَعْمَلَ عَلَى نَصِيبِهِ بِنَفْسِهِ وَآلَاتِهِ بِدِينَارٍ، وَيَتَقَاصَّانِ.
الثَّالِثُ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ: يَكْرِيهِ نِصْفَ أَرْضِهِ بِنِصْفِ مَنَافِعِ الْعَامِلِ وَآلَاتِهِ، وَهَذَا أَحْوَطُهَا.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، أَقْرَضَ نِصْفَهُ لِلْعَامِلِ وَأَكَرَاهُ نِصْفَ الْأَرْضِ بِنِصْفِ عَمَلِهِ وَنِصْفِ مَنَافِعِ آلَاتِهِ، وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَّا رَدُّ الْعِوَضِ.
وَإِنْ شَاءَ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ بِنِصْفِ الْبَذْرِ، لِيَزْرَعَ لَهُ
النِّصْفَ الْآخَرَ وَأَعَارَهُ نِصْفَ الْأَرْضِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ مَنْفَعَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ لِيَزْرَعَ بَاقِيَ الْبَذْرِ فِي بَاقِي الْأَرْضِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِلْعَامِلِ، فَإِنْ شَاءَ أَقْرَضَ نِصْفَهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَاكْتَرَى مِنْهُ نِصْفَهَا بِنِصْفِ عَمَلِهِ وَعَمَلِ آلَاتِهِ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَرَى نِصْفَ الْأَرْضِ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَتَبَرَّعَ بِعَمَلِهِ وَمَنَافِعِ آلَاتِهِ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَرَى مِنْهُ نِصْفَ الْأَرْضِ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ عَمَلِهِ وَمَنَافِعِ آلَاتِهِ.
وَلَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْإِجَارَاتِ مِنْ رِعَايَةِ الشَّرَائِطِ، كَرُؤْيَةِ الْأَرْضِ وَالْآلَاتِ، وَتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَغَيْرِهَا.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا أُفْرِدَتِ الْأَرْضُ بِالْعَقْدِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ النَّخِيلِ بَيَاضٌ، فَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخِيلِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّحَادُ الْعَامِلِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَ وَاحِدًا، وَيُزَارِعَ آخَرَ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا تَعَذُّرُ إِفْرَادِ النَّخِيلِ بِالسَّقْيِ، وَالْأَرْضِ بِالْعِمَارَةِ، لِانْتِفَاعِ النَّخْلِ بِسَقْيِ الْأَرْضِ وَتَقْلِيبِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ الْإِفْرَادُ، لَمْ تَجُزِ الْمُزَارَعَةُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: اتِّحَادُ الصَّفْقَةِ، فَلَفْظُ الْمُعَامَلَةِ، يَشْمَلُ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ.
فَلَوْ قَالَ: عَامَلْتُكَ عَلَى هَذَا النَّخِيلِ وَالْبَيَاضِ بِالنِّصْفِ، كَفَى.
وَأَمَّا لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، فَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، بَلْ يُسَاقِي عَلَى النَّخِيلِ، وَيُزَارِعُ عَلَى الْبَيَاضِ، وَحِينَئِذٍ إِنْ قَدَّمَ الْمُسَاقَاةَ، نُظِرَ، إِنْ أَتَى بِهِمَا عَلَى الِاتِّصَالِ، فَقَدِ اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وَوُجِدَ الشَّرْطُ، وَإِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا، فَقِيلَ: تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ، لِحُصُولِهِمَا لِشَخْصٍ.
وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِأَنَّهَا تَبَعٌ، فَلَا تُفْرَدُ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَإِنْ قَدَّمَ الْمُزَارَعَةَ، فَسَدَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ.
وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً.
فَإِنْ سَاقَاهُ بَعْدَهَا، بَانَتْ صِحَّتُهَا، وَإِلَّا، فَلَا.
الثَّانِي: لَوْ شُرِطَ لِلْعَامِلِ نِصْفُ الثَّمَرِ، وَرُبْعُ الزَّرْعِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي، لِأَنَّ التَّفْضِيلَ يُزِيلُ التَّبَعِيَّةَ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَثُرَ الْبَيَاضُ الْمُتَخَلِّلُ مَعَ عُسْرِ الْإِفْرَادِ، فَقِيلَ: يَبْطُلُ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ
مَتْبُوعٌ لَا تَابِعٌ.
وَالْأَصَحُّ: الْجَوَازُ، لِلْحَاجَةِ.
ثُمَّ النَّظَرُ فِي الْكَثْرَةِ إِلَى زِيَادَةِ النَّمَاءِ، أَمْ إِلَى مِسَاحَةِ الْبَيَاضِ وَمَغَارِسِ الشَّجَرِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: لَوْ شَرَطَا كَوْنَ الْبَذْرِ مِنَ الْعَامِلِ فَهِيَ مُخَابَرَةٌ، فَقِيلَ: تَجُوزُ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ كَالْمُزَارَعَةِ.
وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمُزَارَعَةِ تَبَعًا فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ، دُونَ الْمُخَابَرَةِ، وَلِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ أَشْبَهُ بِالْمُسَاقَاةِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَوَظَّفُ عَلَى الْعَامِلِ فِيهِمَا إِلَّا الْعَمَلُ.
فَلَوْ شُرِطَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ وَالْبَقَرُ مِنَ الْعَامِلِ، أَوْ عَكْسَهُ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ إِذَا شُرِطَ الْبَذْرُ عَلَى الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَكَأَنَّهُ اكْتَرَى الْعَامِلَ وَبَقَرَهُ، قَالَ: فَإِنْ جَوَّزْنَا فِيمَا إِذَا شُرِطَ الْبَقَرُ عَلَى [الْمَالِكِ وَالْبَذْرُ عَلَى] الْعَامِلِ، نُظِرَ، فَإِنْ شُرِطَ التِّبْنُ وَالْحَبُّ بَيْنَهُمَا، جَازَ، وَكَذَا لَوْ شُرِطَ الْحَبُّ بَيْنَهُمَا وَالتِّبْنُ لِأَحَدِهِمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ.
فَإِنْ شُرِطَ التِّبْنُ لِصَاحِبِ الثَّوْرِ وَهُوَ مَالِكُ الْأَرْضِ، وَشُرِطَ الْحَبُّ لِلْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْأَصْلُ، فَلَا يُمْنَعُ الْمَقْصُودَ.
وَإِنْ شَرَطَا التِّبْنَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَهُوَ الْعَامِلُ، فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْحَبِّ لِأَحَدِهِمَا وَالتِّبْنِ لِلْآخَرِ أَصْلًا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ فِي الْمُخَابَرَةِ بِوُجُوبِ أُجْرَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى «الْقَفَّالِ» وَ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ أَرْضًا إِلَى رَجُلٍ لِيَغْرِسَ أَوْ يَبْنِيَ أَوْ يَزْرَعَ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً، فَالْحَاصِلُ لِلْعَامِلِ وَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ أُجْرَةِ الْأَرْضِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نِصْفُهَا، لِأَنَّهُ غَرَسَ نِصْفَ الْغَرْسِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِإِذْنِهِ، فَقَدْ رَضِيَ بِبُطْلَانِ مَنْفَعَةِ النِّصْفِ.
وَأَصَحُّهُمَا: جَمِيعُهَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ لِيَحْصُلَ لَهُ نِصْفُ
الْغِرَاسِ، فَإِذًا إِطْلَاقُهُمْ فِي الْمُخَابَرَةِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
ثُمَّ الْعَامِلُ يُكَلَّفُ نَقْلَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ إِنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُمَا.
وَإِنْ نَقَصَتْ، لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، لِلْإِذْنِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ مَالِكُ الْأَرْضِ فِيهِمَا تَخَيُّرَ الْمُعِيرِ، وَالزَّرْعُ يَبْقَى إِلَى الْحَصَادِ.
وَلَوْ زَرَعَ الْعَامِلُ الْبَيَاضَ بَيْنَ النَّخِيلِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، قَلَعَ زَرْعَهُ مَجَّانًا.
وَإِذَا لَمْ نُجَوِّزِ الْمُسَاقَاةَ عَلَى مَا سِوَى النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ مِنَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ مُنْفَرِدًا، فَفِي جَوَازِهَا تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ كَالْمُزَارَعَةِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.