روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 262-301
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ

صفحات 262-301
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فُلَانًا أَنْكَحَ فُلَانَةً فُلَانًا، وَقِيلَ: فُلَانٌ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَرْأَةَ بِنَسَبِهَا لَمْ يَشْهَدْ إِلَّا أَنَّ فُلَانًا قَالَ: زَوَّجْتُ فُلَانَةً فُلَانًا، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، شَهِدَ عَلَيْهِ حَاضِرًا لَا غَائِبًا، فَإِنْ مَاتَ أُحْضِرَ لِيُشَاهِدَ صُورَتَهُ، وَيَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ دُفِنَ، لَمْ يُنْبَشْ، وَقَدْ تَعَذَّرَتِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَتَابَعَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، لَكِنِ اسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ مَا إِذَا اشْتَدَّتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ بِحَيْثُ يَتَغَيَّرُ مَنْظَرُهُ وَهَذَا احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ قَوْلَهُ: إِنَّهُ فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ، لَكِنْ لَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، ثُمَّ سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ، وَاسْتَفَاضَ ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، كَمَا لَوْ عَرَفَهُمَا عِنْدَ التَّحَمُّلِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ عَدْلَانِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَوْ بَعْدَهُ: هُوَ فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَهُمَا، وَيَشْهَدَ عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَفِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ كَمَا أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ تَارَةً تَقَعُ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهِ، وَتَارَةً عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَشْهُودُ لَهُ، فَتَارَةً يَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ لِهَذَا، وَتَارَةً لِفُلَانٍ ابْنِ فُلَانٍ، وَكَذَا عِنْدَ غَيْبَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ (أَنَّ لِهَذَا) عَلَى فُلَانٍ ابْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَذَا، فَقَالَ الْخَصْمُ: لَسْتُ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ عَلَى الْمُدَّعِي بَيِّنَةَ أَنَّ اسْمَهُ فُلَانٌ، وَنَسَبَهُ مَا ذَكَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ، وَإِنْ سَلِمَ ذَلِكَ الِاسْمُ وَالنَّسَبُ، فَادَّعَى أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُشَارِكُهُ فِيهِمَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ أَقَامَهَا احْتَاجَ إِلَى إِثْبَاتِ

زِيَادَةٍ يَمْتَازُ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إِذَا بَلَغَ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ، وَأَحْضَرَ مَنْ زَعَمَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، وَلْتَكُنِ الصُّورَةُ فِيمَا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى هَذَا الْحَاضِرِ كَذَا، وَاسْمُهُ وَنَسَبُهُ كَذَا، أَوْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى مَنِ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ كَذَا وَهُوَ هَذَا الْحَاضِرُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالِاسْتِحْقَاقِ عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، فَيَسْتَفِيدُ بِهَا مُطَالَبَةَ الْحَاضِرِ إِنِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ يُقِيمُ بَيِّنَةً أُخْرَى عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ إِنْ أَمْكَنَ، ثُمَّ يُطَالِبُهُ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَدَّعِي عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْبِطَ الدَّعْوَى بِحَاضِرٍ.
وَفِي الْفَتَاوَى أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أَحْضَرَ رَجُلًا عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَقَرَّ لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ بِكَذَا وَأَنَا ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ، فَقَالَ الرَّجُلٍ: نَعَمْ أَقْرَرْتُ، لَكِنْ هُنَا أَوْ بِمَوْضِعٍ آخَرَ رَجُلٌ آخَرُ بِهَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَإِنَّمَا أَقْرَرْتُ لَهُ، لَزِمَهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، فَإِذَا أَقَامَهَا، سُئِلَ ذَلِكَ الْآخَرُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ، دَفَعَ الْمُقَرَّ بِهِ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَهُوَ لِلْمُدَّعِي، وَإِنْ قَالَ: هُنَاكَ (رَجُلٌ) آخَرُ بِهَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَأَنَا أَقْرَرْتُ لِأَحَدِهِمَا، لَا أَعْلَمُ عَيْنَهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِرَجُلٍ آخَرَ سُئِلَ ذَلِكَ الْآخَرُ، فَإِنْ قَالَ: لَا شَيْءَ لِي عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ إِلَى الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَقَالَ: هِيَ لِأَحَدِكُمَا، وَلَا أَدْرِي أَنَّهَا لِأَيِّكُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَيْسَتْ لِي، فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْآخَرُ، فَهُوَ كَمَا فِي صُورَةِ الْوَدِيعَةِ إِذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: هِيَ لِي، وَقَدْ حَكَيْنَا فِي الْوَكَالَةِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ بِنَاءً عَلَى اسْمٍ وَنَسَبٍ ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ وَكَيْلُهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَكَّلَهُ عِنْدَ الْقَاضِي هُوَ فُلَانُ ابْنُ (فُلَانٍ) وَحَكَيْنَا عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يَكْتَفِي الْقُضَاةُ فِيهَا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَيَتَسَاهَلُونَ

فِي الْبَحْثِ وَالِاسْتِزْكَاءِ.
وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي سَعْدٍ الْهَرَوِيِّ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِيهَا بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْكَلَامَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ هُنَا حَيْثُ احْتِيجَ إِلَى إِثْبَاتِ كَوْنِهِ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ.

فَصْلٌ

الْمَرْأَةُ الْمُتَنَقِّبَةُ لَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا اعْتِمَادًا عَلَى الصَّوْتِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَمَّلَ الْأَعْمَى اعْتِمَادًا عَلَى الصَّوْتِ، وَكَذَا الْبَصِيرُ فِي الظُّلْمَةِ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ صَفِيقٍ، وَالْحَائِلُ الرَّقِيقُ لَا يَمْنَعُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِذَا لَمْ يَجُزِ التَّحَمُّلُ بِالصَّوْتِ، فَإِنْ عَرَفَهَا مُتَنَقِّبَةً بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا أَوْ بِعَيْنِهَا لَا غَيْرَ، جَازَ التَّحَمُّلُ، وَلَا يَضُرُّ النِّقَابُ، وَيَشْهَدُ عِنْدَ الْأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، فَلْتَكْشِفْ عَنْ وَجْهِهَا لِيَرَاهَا الشَّاهِدُ وَيَضْبِطَ حِلْيَتَهَا وَصُورَتَهَا، لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الْأَدَاءِ، وَتَكْشِفُ وَجْهَهَا حِينَئِذٍ.
وَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ، فَإِنْ قَالَ عَدْلَانِ يَشْهَدَانِ: هَذِهِ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ تُقِرُّ بِكَذَا، فَهُمَا شَاهِدَا الْأَصْلِ، وَالَّذِي يَسْمَعُ مِنْهُمَا شَاهِدُ فَرْعٍ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِمَا عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ.
وَلَوْ سَمِعَهُ مِنْ عَدْلٍ وَاحِدٍ، شَهِدَ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَكُونُ عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ دُونَ الْعَيْنِ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَفِي وَجْهٍ ثَانٍ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَكْفِيهِ لِتُحْمَلَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا مُعَرِّفٌ وَاحِدٌ سُلُوكًا بِهِ مَسْلَكَ الْإِخْبَارِ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمُ الْقَاضِي شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحَمُّلُ إِذَا سَمِعَ مِنْ عَدْلَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ، وَيَشْهَدُ عَلَى اسْمِهَا وَنَسَبِهَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَهَذَا مَا سَبَقَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّسَبِ بِالسَّمَاعِ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَوَجْهٌ عَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَعْرِفُ نَسَبَ امْرَأَةٍ، وَلَا يَعْرِفُ

عَيْنَهَا، فَدَخَلَ دَارَهَا وَفِيهَا نِسْوَةٌ سِوَاهَا، فَقَالَ لِابْنِهَا الصَّغِيرِ: أَيَّتُهُنَّ أُمُّكَ، أَوْ لِجَارِيَتِهَا أَيَّتُهُنَّ سَيِّدَتُكِ، فَأَشَارَا إِلَى امْرَأَةٍ، فَسَمِعَ إِقْرَارَهَا، جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ أَقَرَّتْ بِكَذَا، حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ عَنْهُ، وَلَمْ يُجْعَلْ قَوْلُ شَاهِدَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْإِصْطَخْرِيِّ كَإِخْبَارِ الصَّغِيرِ وَالْجَارِيَةِ، وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ وَقْعًا فِي الْقَلْبِ وَأَثْبَتُ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ جَوَازُ التَّحَمُّلِ عَلَى كَشْفِ الْوَجْهِ لَا عَلَى الْمُعَرِّفِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّتْ تَحْتَ نِقَابٍ، وَرُفِعَتْ إِلَى الْقَاضِي وَالْمُتَحَمِّلُ مُلَازِمُهَا أَمْكَنَ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهَا، وَقَدْ يَحْضُرُ قَوْمٌ يُكْتَفَى بِإِخْبَارِهِمْ فِي التَّسَامُعِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الْمَرْأَةُ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي التَّسَامُعِ طُولُ الْمُدَّةِ كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَيُخْبِرُونَ عَنِ اسْمِهَا وَنَسَبِهَا، فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى اسْمِهَا وَنَسَبِهَا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ تَحَمَّلَا الشَّهَادَةَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفَانِهَا أَنَّ امْرَأَةً حَضَرَتْ يَوْمَ كَذَا مَجْلِسَ كَذَا، فَأَقَرَّتْ لِفُلَانٍ بِكَذَا، وَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحَاضِرَةَ، يَوْمَئِذٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ هِيَ هَذِهِ، ثَبَتَ الْحَقُّ بِالتَّبْيِينِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ أَقَرَّ بِكَذَا وَقَامَتْ أُخْرَى عَلَى (أَنَّ) الْحَاضِرَ هُوَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، ثَبَتَ الْحَقُّ.
وَإِذَا اشْتَمَلَ التَّحَمُّلُ عَلَى هَذِهِ الْفَوَائِدِ، وَجَبَ أَنْ يُجَوَّزَ مُطْلَقًا، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَحْصُلْ مَا يُفِيدُ جَوَازَ التَّحَمُّلِ عَلَى الْعَيْنِ، أَوْ عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ، أَوْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْإِثْبَاتُ، فَذَاكَ لِشَيْءٍ آخَرَ.
وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا، لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَسَمَاعِ كَلَامِهَا، وَهَذَا عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ، فَإِنْ خَافَ فِتْنَةً، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا بِلَا خِلَافٍ فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَنْظُرُ الْخَائِفُ لِلتَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّ فِي غَيْرِهِ غِنْيَةً، فَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، نَظَرَ وَاحْتَرَزَ.

فَرْعٌ إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ بِحَقٍّ، وَأَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ الْقَاضِي، فَالتَّسْجِيلُ عَلَى الْعَيْنِ مُمْتَنِعٌ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُسَجِّلَ بِالْحِلْيَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّسْجِيلِ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ مَا لَمْ يَثْبُتَا، وَلَا يَكْفِي فِيهِمَا قَوْلُ الْمُدَّعِي، وَلَا إِقْرَارُ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الشَّخْصِ لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ، فَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى نَسَبِهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ بُنِيَ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْحِسْبَةِ هَلْ تُقْبَلُ فِي النَّسَبِ، إِنْ قَبِلْنَاهَا - وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَثْبَتَ الْقَاضِي النَّسَبَ، وَسَجَّلَ، وَإِنْ لَمْ نَقْبَلْهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، فَقَالَ: الطَّرِيقُ هُنَا أَنْ يَنْصُبَ الْقَاضِي مَنْ يَدَّعِي عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ دَيْنًا، أَوْ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ زَيْدٍ، أَوْ يَدَّعِي عَلَى زَيْدٍ، وَيَقُولُ: هَذِهِ بِنْتُهُ، وَتَرَكْتُهُ عِنْدَهَا، وَيُنْكِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ النَّسَبَ، فَيُقِيمُ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَتَجُوزُ هَذِهِ الْحِيلَةُ لِلْحَاجَةِ، وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةَ كَالْعَدَمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ بِنَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ يَأْمُرُ الْقَاضِي بِهَا.
لَكِنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ: وُكَلَاءُ الْمَجْلِسِ يَتَفَطَّنُونَ لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا نَصَبُوا مُدَّعِيًا لَمْ يَفْحَصِ الْقَاضِي، وَلَمْ يُضَيِّقْ، بَلْ يَسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ لِلْحَاجَةِ.
وَلَوْ أَمَرَ الْمُدَّعِي الَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ بِالْبَيِّنَةِ أَنْ يَنْقُلَ الدَّعْوَى عَنِ الْعَيْنِ إِلَى الدَّعْوَى عَلَى بِنْتِ زَيْدٍ لِيُنْكِرَ، فَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّسَبِ، كَانَ أَقْرَبَ مِنْ نَصْبِ مُدَّعٍ جَدِيدٍ، وَأَمْرِهِ بِدَعْوَى بَاطِلَةٍ.
فَرْعٌ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ: شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى امْرَأَةٍ بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمَعْرِفَةِ عَيْنِهَا، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ فَإِنْ سَأَلَهُمُ الْحَاكِمُ هَلْ تَعْرِفُونَ عَيْنَهَا؟ فَلَهُمْ أَنْ يَسْكُتُوا، وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَا يَلْزَمُنَا الْجَوَابُ عَنْ هَذَا.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِيمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِالتَّسَامُعِ وَهُوَ الِاسْتِفَاضَةُ،

فَمِنْهُ النَّسَبُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِالتَّسَامُعِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إِذَا عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا بِنْتُ فُلَانٍ، أَوْ أَنَّهُمَا مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنَ الْأُمِّ بِالتَّسَامُعِ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ قَطْعًا كَالْأَبِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ إِمْكَانُ رُؤْيَةِ الْوِلَادَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي صِفَةِ التَّسَامُعِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسْمِعَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ بِنَسَبِهِ، فَيَنْسُبُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَوِ الْقَبِيلَةِ، وَالنَّاسُ يَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ التَّكَرُّرُ، وَامْتِدَادُ مُدَّةِ السَّمَاعِ، قَالَ كَثِيرُونَ: نَعَمْ، وَبِهَذَا أَجَابَ الصَّيْمَرِيُّ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا بَلْ لَوْ سَمِعَ انْتِسَابَ الشَّخْصِ، وَحَضَرَ جَمَاعَةٌ لَا يُرْتَابُ فِي صِدْقِهِمْ، فَأَخْبَرُوهُ بِنَسَبِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ.
وَرَأَى ابْنُ كَجٍّ الْقَطْعَ بِهَذَا، وَبِهِ أَجَابَ الْبَغَوِيُّ فِي انْتِسَابِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَلَيْسَتِ الْمُدَّةُ مُقَدَّرَةً بِسُنَّةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُعْتَبَرُ مَعَ انْتِسَابِ الشَّخْصِ وَنِسْبَةِ النَّاسِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُمَا مَا يُورِثُ تُهْمَةً وَرِيبَةً، فَلَوْ كَانَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ حَيًّا وَأَنْكَرَ لَمْ تَجُزِ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا جَازَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَيِّتًا، وَلَوْ طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ النَّسَبِ هَلْ يَمْنَعُ جَوَازَ الشَّهَادَةِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ لِاخْتِلَالِ الظَّنِّ.
فَرْعٌ يَثْبُتُ الْمَوْتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، وَهَلْ يَثْبُتُ بِهَا الْوَلَاءُ وَالْعِتْقُ وَالْوَقْفُ وَالزَّوْجِيَّةُ؟ وَجْهَانِ، قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَابْنُ الْقَاصِّ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرِيُّ: نَعَمْ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا، وَبِهِ أَفْتَى الْقَفَّالُ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ

تَجْدِيدُ شُهُودِ كُتُبِ الْوَقْفِ إِذَا خَافَ انْقِرَاضَ الْأُصُولِ، قَالَ فِي الْعُدَّةِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لَكِنَّ الْفَتْوَى الْجَوَازُ لِلْحَاجَةِ.
قُلْتُ: الْجَوَازُ أَقْوَى وَأَصَحُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ الْمُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِفَاضَةِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ يَقَعُ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ بِخَبَرِهِمْ، وَيُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْغَزَالِيُّ وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالثَّانِي: يَكْفِي عَدْلَانِ، اخْتَارَهُ أَبُو حَامِدٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَمَالَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ، وَالثَّالِثُ: يَكْفِي خَبَرُ وَاحِدٍ إِذَا سَكَنَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ، حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْتَرِطَ الْعَدَالَةَ وَلَا الْحُرِّيَّةَ وَالذُّكُورَةَ.
فَرْعٌ لَوْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِآخَرَ: هَذَا ابْنِي وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ، أَوْ قَالَ: أَنَا ابْنُ فُلَانٍ، وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ، قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ: يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عَلَى النَّسَبِ، وَكَذَا لَوِ اسْتَلْحَقَ صَبِيًّا، أَوْ بَالِغًا وَسَكَتَ، لَأَنَّ السُّكُوتَ فِي النَّسَبِ كَالْإِقْرَارِ.
وَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَجْهٌ، أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عِنْدَ السُّكُوتِ إِلَّا إِذَا تَكَرَّرَ عِنْدَهُ الْإِقْرَارُ وَالسُّكُوتُ، وَالَّذِي أَجَابَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّسَبِ بِذَلِكَ، بَلْ يَشْهَدُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ (عَلَى) الْإِقْرَارِ، وَهَذَا قِيَاسٌ ظَاهِرٌ.

فَصْلٌ

الشَّهَادَةُ عَلَى الْمِلْكِ تَنْبَنِي عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ وَهِيَ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ

وَالتَّسَامُحُ، فَأَمَّا الْيَدُ فَلَا تُفِيدُ بِمُجَرَّدِهَا جَوَازَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِلْكِ، لَكِنْ إِذَا رَأَى الشَّيْءَ فِي يَدِهِ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالْيَدِ، وَشَرَطَ الْبَغَوِيُّ لِذَلِكَ أَنْ يَرَاهُ فِي يَدِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَحَكَى الْإِمَامُ قَوْلًا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا التَّصَرُّفُ الْمُجَرَّدُ، فَكَالْيَدِ الْمُجَرَّدَةِ لَا يُفِيدُ جَوَازَ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ يَدٌ وَتَصَرُّفٌ فَإِنْ قَصُرَتِ الْمُدَّةُ، فَهُوَ كَالْيَدِ الْمُجَرَّدَةِ، وَإِنْ طَالَتْ، فَفِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ لَهُ بِالْمِلْكِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، صَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنِ اخْتِيَارِ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْقَطْعُ بِهِ، فَلَوِ انْضَمَّ إِلَى الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ الِاسْتِفَاضَةُ، وَنِسْبَةُ النَّاسِ الْمِلْكَ إِلَيْهِ جَازَتِ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ بِلَا خِلَافٍ.
وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمِلْكِ حَتَّى يُعْرَفَ سَبَبُهُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا الِاسْتِفَاضَةُ وَحْدَهَا، فَهَلْ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمِلْكِ بِهَا؟ وَجْهَانِ أَقْرَبُهُمَا إِلَى إِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ الْجَوَازُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ الْجَوَابُ فِي «الرَّقْمِ» . وَاعْلَمْ أَنَّ جَوَازَ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ بِالِاسْتِفَاضَةِ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَذْهَبِ، فَلَعَلَّ مَنْ لَا يَكْتَفِي بِهِ يَكْتَفِي بِانْضِمَامِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ إِلَيْهِ، أَوْ يَعْتَبِرُهُمَا جَمِيعًا، لَكِنْ لَا يَعْتَبِرُ طُولَ الْمُدَّةِ فِيهِمَا، وَإِذَا انْضَمَّا إِلَى الِاسْتِفَاضَةِ، وَإِلَّا فَهُمَا كَافِيَانِ إِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَبْقَى لِلِاسْتِفَاضَةِ أَثَرٌ، وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِنَاءً عَلَى الْيَدِ أَوِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ أَنْ لَا يَعْرِفَ لَهُ مُنَازِعًا فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ مُنَازَعَةَ مَنْ لَا حُجَّةَ مَعَهُ هَلْ تَمْنَعُ؟ فَرْعٌ طُولُ مُدَّةِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، وَقِيلَ: أَقَلُّهَا سُنَّةٌ،

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَاصِمٍ أَنَّهُ إِنْ زَادَتْ عَلَى عَشَرَةٍ، فَطَوِيلَةٌ، وَفِيمَا دُونَهَا وَجْهَانِ، وَالْقَوْلُ فِي عَدَدِ الْمُخْبِرِينَ هُنَا وَامْتِدَادِ الْمُدَّةِ كَمَا سَبَقَ فِي النَّسَبِ، وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُ الْمُخْبِرِينَ.
فَرْعٌ ذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ أَنَّهُ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْيَدِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَقَدْ يُنَازَعُ فِيهِ، لَامِكَانِ مُشَاهَدَةِ الْيَدِ.
فَرْعٌ لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لِفُلَانٍ، وَكَذَا فِي النَّسَبِ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ، بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ بِأَنَّهُ لَهُ، وَبِأَنَّهُ ابْنُهُ؛ لِأَنَّ قَدْ يَعْلَمُ خِلَافَ مَا سَمِعَهُ مِنَ النَّاسِ، لَكِنْ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَاصِمٍ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ بِالْمِلْكِ، وَآخَرُ بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَتَصَرَّفَ فِيهِ بِلَا مُنَازِعٍ، تَمَّتِ الشَّهَادَةُ.
وَقَالَ الشَّارِحُ لِكَلَامِهِ: هَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ السَّبَبِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ سَوَاءٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِلْكِ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالتَّصَرُّفِ الْعَقَارُ وَالثَّوْبُ وَالْعَبْدُ وَغَيْرُهَا إِذَا مَيَّزَ الشُّهُودَ بِهِ عَنْ أَمْثَالِهِ.
فَرْعٌ التَّصَرُّفُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ تَصَرُّفُ الْمُلَّاكِ مِنَ السُّكْنَى، وَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ، وَالْبَيْعِ وَالْفَسْخِ بَعْدَهُ وَالرَّهْنِ، وَفِي مُجَرَّدِ الْإِجَارَةِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهَا وَإِنْ تَكَرَّرَتْ قَدْ تَصْدُرُ مِمَّنِ اسْتَأْجَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً وَمِنَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ، وَلْيُجْرَ هَذَا الْخِلَافُ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصْدُرُ

مِنْ مُسْتَعِيرٍ، وَالْأَوْفَقُ لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ الِاكْتِفَاءُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ صُدُورُهَا مِنَ الْمَالِكِينَ، وَلَا يَكْفِي التَّصَرُّفُ مُدَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ ظَنًّا.
فَرْعٌ لَا يَثْبُتُ الدَّيْنُ بِالِاسْتِفَاضَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى فِيمَا يَشْهَدُ فِيهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْجُمْهُورُ: تُقْبَلُ إِلَّا أَنَّ شَهَادَتَهُ إِنَّمَا تُقْبَلُ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْيِينٍ وَإِشَارَةٍ بِأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ الْأَدْنَى، وَيَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ نَسَبِهِ الْأَعْلَى وَصُوَرٍ أَيْضًا فِي النَّسَبِ الْأَدْنَى بِأَنْ يَصِفَ الشَّخْصَ، فَيَقُولَ: الرَّجُلُ الَّذِي اسْمُهُ كَذَا، وَكُنْيَتُهُ كَذَا، وَمُصَلَّاهُ وَمَسْكَنُهُ كَذَا، هُوَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، ثُمَّ يُقِيمُ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهُ الَّذِي اسْمُهُ كَذَا، وَكُنْيَتُهُ كَذَا إِلَى آخَرِ الصِّفَاتِ، وَصُورَتُهُ فِي الْمِلْكِ أَنْ يَشْهَدَ الْأَعْمَى بِدَارٍ مَعْرُوفَةٍ أَنَّهَا لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْوَجْهُ الْقَائِلُ بِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ، مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا سَمِعَ مِنْ عَدَدٍ يُمْكِنُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَأَمَّا إِذَا حَصَلَ السَّمَاعُ مِنْ جَمْعٍ كَبِيرٍ، فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ، وَمَعْرِفَةِ حَالِ الْمُخْبِرِينَ.
فَرْعٌ مَا جَازَتِ الشَّهَادَةُ بِهِ اعْتِمَادًا عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ، جَازَ الْحَلِفُ عَلَيْهِ اعْتِمَادًا عَلَيْهَا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى خَطِّ الْأَبِ دُونَ الشَّهَادَةِ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا.
أَمَّا الْأَدَاءُ، فَوَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْكِتْمَانُ حَرَامٌ، وَيَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَى مُتَعَيِّنٍ لِلشَّهَادَةِ، مُتَحَمِّلٍ لَهَا قَصْدًا، دُعِيَ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، عَدْلٌ، لَا عُذْرَ لَهُ، فَهَذِهِ

خَمْسَةُ قُيُودٍ.
الْأَوَّلُ: التَّعْيِينُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعَةِ إِلَّا شَاهِدَانِ بِأَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ سِوَاهُمَا، أَوْ مَاتَ الْبَاقُونَ، أَوْ جُنُّوا، أَوْ فُسِّقُوا، أَوْ غَابُوا، لَزِمَهُمَا الْأَدَاءُ، فَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ، وَقَالَ لِلْمُدَّعِي: احْلِفْ مَعَ الشَّاهِدِ، عَصَا، وَكَذَا الشَّاهِدَانِ عَلَى رَدِّ الْوَدِيعَةِ لَوِ امْتَنَعَا، وَقَالَ لِلْمُوْدَعِ: احْلِفْ عَلَى الرَّدِّ، عَصَيَا؛ لِأَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِشْهَادِ التَّوَرُّعَ عَنِ الْيَمِينِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعَةِ إِلَّا شَاهِدٌ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، لَزِمَهُ الْأَدَاءُ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا فِي لُزُومِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي انْدِفَاعِ بَعْضِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعَةِ شُهُودٌ، فَالْأَدَاءُ عَلَيْهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا فَعَلَهُ اثْنَانِ مِنْهُمْ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ طَلَبَ الْأَدَاءَ مِنَ اثْنَيْنِ، فَفِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِمَا وَجْهَانِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ، وَلَيْسَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمْنَا مِنْ حَالِهِمْ رَغْبَةً أَوْ إِبَاءً.
الْقَيْدُ الثَّانِي: كَوْنُهُ مُتَحَمِّلًا عَنْ قَصْدٍ، أَمَّا مَنْ سَمِعَ الشَّيْءَ، أَوْ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، فَالْأَصَحُّ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ أَيْضًا، لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ وَشَهَادَةٌ عِنْدِهِ، وَالثَّانِي: لَا، لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ.
الْقَيْدُ الثَّالِثُ: أَنْ يُدْعَى لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، وَمَتَى كَانَ الْقَاضِي فِي الْبَلَدِ فَالْمَسَافَةُ قَرِيبَةٌ، وَكَذَا لَوْ دُعِيَ إِلَى مَسَافَةٍ يَتَمَكَّنَّ الْمُبَكِّرُ إِلَيْهَا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ تَجِبِ الْإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا لَمْ تَجِبْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ إِلَى الْقَاضِي لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الشَّاهِدِ إِلَّا أَدَاءُ الشَّهَادَةِ إِنِ اجْتَمَعَ هُوَ وَالْقَاضِي.
الْقَيْدُ الرَّابِعُ: كَوْنُ الشَّاهِدِ عَدْلًا، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، وَدُعِيَ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ نُظِرَ إِنْ كَانَ فِسْقُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا، حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ

يَشْهَدَ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ، كَشُرْبِ النَّبِيذِ، لَزِمَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَرَى التَّفْسِيقَ بِهِ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ.
وَفِي أَمَالِي السَّرَخْسِيِّ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ (فِي) الْفِسْقِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ إِذَا كَانَ ظَاهِرًا، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ مُطْلَقًا فِي الْفِسْقِ الْخَفِيِّ، وَفِي الظَّاهِرِ وَجْهَانِ، وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُرَتِّبُ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ الشَّاهِدُ، كَالْبَيْعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شُفْعَةُ الْجِوَارِ، وَالشَّاهِدُ لَا يَعْتَقِدُهَا.
وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ عَدْلًا وَالْآخِرُ فَاسِقًا فِسْقًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْعَدْلَ الْأَدَاءُ إِنْ كَانَ الْحَقُّ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
الْقَيْدُ الْخَامِسُ: عَدَمُ الْعُذْرِ، كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، فَالْمَرِيضُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الْحُضُورُ لَا يُكَلَّفُ أَنْ يَحْضُرَ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي إِلَيْهِ، بِأَنْ يَسْمَعَ شَهَادَتَهُ، وَالْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ كَالْمَرِيضِ، وَفِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَغَيْرُ الْمُخَدِّرَةِ يَلْزَمُهَا الْحُضُورُ وَالْأَدَاءُ، وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِيهِ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ الْحُضُورُ عِنْدَ الْقَاضِي الْجَائِرِ وَالْمُتَعَنِّتِ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَرُدَّ شَهَادَتَهُ جَوْرًا وَتَعَنُّتًا فَيُعَيَّرُ بِذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا عَدَالَةُ الْقَاضِي وَجَمْعُهُ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرَةَ شَرْطٌ سَادِسٌ.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ الْوُجُوبُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ الْوُجُوبِ لَمْ يُرْهِقِ الْقَاضِي إِرْهَاقًا، بَلْ إِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ حَمَّامٍ، أَوْ عَلَى طَعَامٍ، فَلَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى أَنْ يَفْرُغَ، وَلَا يُمْهِلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَلَوْ شَهِدَ وَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ

بِعِلَّةِ الْفِسْقِ، ثُمَّ طَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يَشْهَدَ لَهُ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ، لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَلَوْ دُعِيَ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ أَمِيرٍ أَوْ وَزِيرٍ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا تَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ الْقَاضِي، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَصِلُ بِهِ إِلَى الْحَقِّ.
قُلْتُ: قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ إِذَا امْتَنَعَ الشَّاهِدُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ وُجُوبِهِ حَيَاءً مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَعْصِي، وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي قَبُولُ شَهَادَتِهِ فِي شَيْءٍ أَصْلًا حَتَّى يَتُوبَ، وَيُوَافِقُ هَذَا مَا قِيلَ: إِنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ قَالَ لِلْقَاضِي: عِنْدَ فُلَانٍ شَهَادَةٌ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ أَدَائِهَا، فَأَحْضِرْهُ لِيَشْهِدَ، لَمْ يُجِبْهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ بِالِامْتِنَاعِ بِزَعْمِهِ، فَلَا يُنْتَفَعُ بِشَهَادَتِهِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ هَذَا عَلَى مَا إِذَا قَالَ: هُوَ مُمْتَنِعٌ بِلَا عُذْرٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ، فَفَرْضُ كِفَايَةٍ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، لِتَوَقُّفِ الِانْعِقَادِ عَلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ مِنْهُ، أَثِمُوا.
وَلَوْ طَلَبَ مِنَ اثْنَيْنِ التَّحَمُّلَ، وَهُنَاكَ غَيْرُهُمَا، لَمْ يَتَعَيَّنَا بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْأَقَارِيرِ، فَهَلِ التَّحَمُّلُ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ طَرْدَ الْخِلَافِ فِي النِّكَاحِ أَيْضًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِذَا قُلْنَا بِالِافْتِرَاضِ، فَذَلِكَ إِذَا حَضَرَ الْمُحَمَّلُ، أَمَّا إِذَا دُعِيَ لِلتَّحَمُّلِ فَقِيلَ: تَجِبُ الْإِجَابَةُ أَيْضًا، وَالْأَصَحُّ الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَالْبَغَوِيُّ، وَأَبُو الْفَرَجِ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحَمَّلُ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً مُخَدَّرَةً إِذَا

أَثْبَتْنَا لِلتَّخْدِيرِ أَثَرًا وَكَذَا إِذَا دَعَاهُ الْقَاضِي لِيُشْهِدَهُ عَلَى أَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ.
فَرْعٌ إِنْ تَطَوَّعَ الشَّاهِدُ بِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَإِنْ طَمِعَ فِي مَالٍ، فَهُوَ إِمَّا رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِمَّا مَنْ مَالِ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَأَمَّا الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ أَنَّ الشَّاهِدَ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَرَزَقَهُ الْإِمَامُ مِنْ مَالِهِ، أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقَاضِي، وَأَمَّا مَالُ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَلِأَنَّهُ كَلَامٌ يَسِيرٌ لَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ.
وَأَمَّا إِتْيَانُ الْقَاضِي وَالْحُضُورُ عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ فَلَا يَأْخُذْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ نَائِبُهُ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، فَمَا فَوْقَهَا، فَلَهُ طَلَبُ نَفَقَةِ الْمَرْكُوبِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا نَفَقَةُ الطَّرِيقِ، وَحَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ أَعْطَاهُ شَيْئًا لِيَصْرِفَهُ فِي نَفَقَةِ الطَّرِيقِ، وَأُجْرَةُ الْمَرْكُوبِ هَلْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى غَرَضٍ آخَرَ، وَيَمْشِيَ، وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ أَعْطَى فَقِيرًا شَيْئًا وَقَالَ: اشْتَرِ لَكَ بِهِ ثَوْبًا، هَلْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى غَيْرِ الثَّوْبِ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ فِيهِمَا، فَهَذَا مَا قِيلَ: إِنَّ الشَّاهِدَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَكْثَرُهُمْ لِمَا سِوَى هَذَا، لَكِنْ فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ كَانَ فَقِيرًا يَكْسِبُ قُوتَهُ يَوْمًا يَوْمًا وَكَانَ فِي صَرْفِ الزَّمَانِ إِلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ كَسْبِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إِلَّا إِذَا بَذَلَ لَهُ الْمَشْهُودُ (لَهُ) قَدْرَ كَسْبِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، هَذَا حُكْمُ الْأَدَاءِ.
فَلَوْ طَلَبَ الشَّاهِدُ أُجْرَةً لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَكَذَا إِنْ تَعَيَّنَ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: هَذَا إِذَا دُعِيَ لِيَتَحَمَّلَ، فَأَمَّا إِذَا أَتَاهُ الْمُحَمَّلُ، فَلَيْسَ لِلتَّحَمُّلِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - أُجْرَةٌ، وَلَيْسَ

لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا، وَمُقْتَضَى قَوْلِنَا: لَهُ طَلَبُ الْأُجْرَةِ إِذَا دُعِيَ لِلتَّحَمُّلِ أَنْ يَطْلُبَ الْأُجْرَةَ إِذَا دُعِيَ لِلْأَدَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاضِي مَعَهُ فِي الْبَلَدِ أَمْ لَا، كَمَا لَا فَرْقَ فِي التَّحَمُّلِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّظَرُ إِلَى الْأُجْرَةِ مُطْلَقًا لَا إِلَى أُجْرَةِ الْمَرْكُوبِ وَنَفَقَةِ الطَّرِيقِ خَاصَّةً، ثُمَّ هُوَ يَصْرِفُ الْمَأْخُوذَ إِلَى مَا يَشَاءُ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُ الْأَدَاءِ فَرْضًا عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّحَمُّلِ مَعَ تَعَيُّنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ضَعِيفٌ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ كَمَا سَبَقَ، فَإِنْ فَرَضَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الرُّكُوبِ فِي الْبَلَدِ، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَالْوُجُوبُ ظَاهِرٌ حِينَئِذٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ كِتَابَةُ الصُّكُوكِ هَلْ هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ السَّرَخْسِيُّ، فَإِنْ قُلْنَا: مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ فَرْضٌ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهَا شَخْصٌ، فَلَهُ طَلَبُ الْأُجْرَةِ.
وَإِنْ تَعَيَّنَ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، هَذَا إِذَا لَمْ يُرْزَقِ الْكَاتِبُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِكِتَابَةِ الصُّكُوكِ، فَإِنْ رُزِقَ لِذَلِكَ، فَلَا أُجْرَةَ.

فَصْلٌ

فِي آدَابِ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ مَنْقُولَةٌ مِنْ مُخْتَصَرِ الصَّيْمَرِيِّ يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ لَا يَتَحَمَّلَ، وَبِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الضَّبْطِ، وَتَمَامِ الْفَهْمِ، كَجُوعٍ وَعَطِشٍ، وَهَمٍّ وَغَضَبٍ، كَمَا لَا يَقْضِي فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَإِذَا أَتَاهُ مَنْ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ أُتِيَ بِكِتَابٍ أُنْشِئَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ، وَتَبَيَّنَ فَسَادُهُ، وَإِنْ أُنْشِئَ عَلَى مُخْتَلَفٍ (فِيهِ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُهُ، فَهَلْ يُعْرِضُ عَنْهُ أَمْ يَشْهَدُ لِيُؤَدِّيَ وَيُحْكُمَ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ؟ وَجْهَانِ سَبَقَا، وَإِذَا رَأَى

كَلِمَةً مَكْرُوهَةً أَوْ مُعَادَةً، فَلَا بَأْسَ بِالضَّرْبِ عَلَيْهَا لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَسْبِقْهُ بِالشَّهَادَةِ أَحَدٌ، وَإِنْ أَغْفَلَ الْكَاتِبُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، أُلْحِقَ بِهِ، وَإِنْ رَأَى سَطْرًا نَاقِصًا شَغَلَهُ بِخَطٍّ أَوْ خَطَّيْنِ، وَإِذَا قَرَأَ الْكِتَابَ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ (مَثَلًا) ، وَقَالَ: عَرَفْتُمَا مَا فِيهِ؟ أَشْهَدُ عَلَيْكُمَا بِهِ؟ فَقَالَا: نَعَمْ أَوْ أَجَلْ أَوْ بَلَى، كَفَى لِلتَّحَمُّلِ.
وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الْمُحَمَّلُ: الْأَمْرُ إِلَيْكَ أَوْ إِنْ شِئْتَ، أَوْ كَمَا تَرَى، أَوِ اسْتَخِرِ اللَّهَ - تَعَالَى - وَإِذَا سَمِعَ إِقْرَارًا بِدَيْنٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ، فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَقُولُ وَلَا يَكْتُبُ: أَشْهَدَنِي بِذَلِكَ، وَيَكْتُبُ الشَّاهِدُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي تَحَمَّلَ فِيهِ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ اسْمَ الْجَدِّ، وَأَنْ يَتَخَطَّى إِلَى جَدٍّ أَعْلَى لِشُهْرَتِهِ بِهِ، وَلَا يَكْتُبُ الْكُنْيَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الشُّهُودِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ فَيُمَيَّزَ بِالْكُنْيَةِ، وَقَدْ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِعَانَةُ بِمَا يُفِيدُ التَّذَكُّرَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَإِذَا أَشْهَدَهُ الْقَاضِي عَلَى شَيْءٍ قَدْ سُجِّلَ بِهِ كَتَبَ الشَّهَادَةَ عَلَى إِنْفَاذِ الْقَاضِي مَا فِيهِ، أَوْ حَكَمَ بِمَا فِيهِ، وَلَا يَكْتُبُ الشَّهَادَةَ عَلَى إِقْرَارِهِ يَعْنِي إِذَا حَضَرَ الْإِنْشَاءَ، وَالْأَوْلَى فِي كِتَابَةِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ أَنْ يُقَرِّرَ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَوَّلًا بِأَنْ يَقُولَ: مَا الَّذِي لَكَ عَلَى هَذَا؟ فَإِذَا قَالَ: كَذَا مُؤَجَّلًا قَرَّرَ الْمَدِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ الْمَدِينَ أَوَّلًا قَدْ يُنْكِرُ صَاحِبُ الْأَجَلِ، وَفِي السَّلَمِ يُقَرِّرُ الْمُسْلَمَ أَوَّلًا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْكِرَهُ الْمُسْلِمُ لَوْ أَقَرَّ أَوَّلًا، وَيُطَالِبُهُ بِالْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ.
وَإِذَا أَتَى الْقَاضِيَ شَاهِدٌ لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ أَقْعَدَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ مُثْبَتَةً فِي كِتَابٍ أَخَذَهُ وَتَأَمَّلَهُ، فَإِذَا سَأَلَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، اسْتَأْذَنَ الْقَاضِيَ، لِيُصْغِيَ إِلَيْهِ، وَلَوْ شَهِدَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِ الْقَاضِي وَسُؤَالِهِ، صَحَّتْ عَلَى الصَّحِيحِ،

لَكِنْ لَوْ شَهِدَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: كُنْتُ ذَاهِلًا لَمْ أَسْمَعْ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا.
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ: يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْجُمْلَةِ، فَمَا ثَبَتَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ إِلَّا عُيُوبَ النِّسَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَلَا يُقْضَى بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ قَطْعًا، وَلَا فِيمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ مُنْفَرِدَاتٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
ثُمَّ هَلِ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَحْدَهُ، وَالْيَمِينُ مُؤَكِّدَةٌ أَمْ بِهَا وَحْدَهَا، وَهُوَ مُؤَكِّدٌ، أَمْ بِهِمَا؟ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا الثَّالِثُ، فَلَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، غَرِمَ، أَوْ بِالثَّانِي، فَلَا، أَوْ بِالثَّالِثِ، غَرِمَ النِّصْفَ، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي بَعْدَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَتَعْدِيلِهِ، وَجَوَّزَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ عَلَى شَهَادَتِهِ.
كَمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمَرْأَتَيْنِ عَلَى الرَّجُلِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيَجِبُ أَنْ يَتَعَرَّضَ الْحَالِفُ فِي الْيَمِينِ لِصِدْقِ الشَّاهِدِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهُ إِنَّ شَاهِدِي لَصَادِقٌ، وَإِنِّي مُسْتَحِقٌّ لِكَذَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ أَخَّرَ تَصْدِيقَ الشَّاهِدِ، وَقَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِحْقَاقِ، جَازَ، وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُضَايَقُ فِيهِ.
وَلَوْ فُسِّقَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْقَضَاءِ، لَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ، وَإِنْ فُسِّقَ قَبْلَهُ، صَارَ كَأَنْ لَا شَاهِدَ، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا مَضَى، وَلَوْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ، وَطَلَبَ يَمِينَ الْخَصْمِ، فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ حَلَفَ، سَقَطَتِ الدَّعْوَى.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ شَاهِدِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَامَ بَعْدَ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً، فَيُسْمَعُ، وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَرَادَ الْمُدَّعِي يَمِينَ الرَّدِّ مُكِّنَ مِنْهَا

عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوِ ادَّعَى مَالًا وَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعِي يَمِينَ الرَّدِّ، ثُمَّ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الرَّدِّ، فَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ، أَوْ يُقِرَّ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ حَقُّ الْمُدَّعِي، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِسْقَاطِهَا، لَكِنَّ التَّقْصِيرُ مِنْهُ حَيْثُ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْبَسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ نَحْوَ هَذَا.
وَلَوْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنَ الْحَلْفِ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتِحْلَافِهِ الْخَصْمَ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، نَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ صَارَتْ فِي جَانِبِ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يَعُودَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، وَيَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى، وَيُقِيمَ الشَّاهِدَ، فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ مَعَهُ.

فَصْلٌ

جَارِيَةٌ وَوَلَدُهَا فِي يَدِ رَجُلٍ يَسْتَرِقُّهُمَا، فَقَالَ آخَرُ: هَذِهِ مُسْتَوْلَدَتِي وَالْوَلَدُ مِنِّي عَلَّقَتْ بِهِ فِي مِلْكِي، فَإِنْ أَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدَيْنِ ثَبَتَ مَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ أَقَامَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ رَجُلًا وَحَلَفَ مَعَهُ، ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَوْلَدَةِ حُكْمُ الْمَالِ، فَيُسَلَّمُ إِلَيْهِ، وَإِذَا مَاتَ، حُكِمَ بِعِتْقِهَا بِإِقْرَارِهِ، وَهَلْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْوَلَدِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي مِلْكَهُ، بَلْ نَسَبَهُ وَحُرِّيَّتَهُ، وَهُمَا لَا يَثْبُتَانِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ، فَيَبْقَى الْوَلَدُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ.
وَهَلْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعِي، فِيهِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْإِقْرَارِ وَاللَّقِيطِ فِي اسْتِلْحَاقِ عَبْدِ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ تَبَعًا لَهَا، فَيُنْتَزَعُ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَكُونُ حُرًّا نِسْبِيًّا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعِي.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ شَخْصٌ ادَّعَى أَنَّهُ رَقِيقُهُ، فَادَّعَى آخِرُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ، وَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ، أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْهُ، وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ عُتِقَ عَلَى الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ، فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: (فِي) قَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَالِانْتِزَاعِ قَوْلَانِ، كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ

بِمِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْعِتْقِ بِالْقَبُولِ وَالِانْتِزَاعِ، كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُنَا يَدَّعِي مِلْكًا، وَحُجَّتُهُ تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِهِ، وَالْعِتْقُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي فِي صُورَةِ الِاسْتِيلَادِ لِصَاحِبِ الْيَدِ: اسْتَوْلَدْتُهَا أَنَا فِي مِلْكِكَ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهَا مَعَ الْوَلَدِ، فَعِتْقُ الْوَلَدِ عَلَيَّ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ حُجَّةً نَاقِصَةً، فَالْعِتْقُ الْآنَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمِلْكِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ النَّاقِصَةُ، فَيَكُونُ عَلَى الطَّرِيقَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ.
هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِمْ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَانْفَرَدَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فَحَكَيَا عَنِ الْأَصْحَابِ وَالْمُزَنِيِّ وَالنَّصُّ أَشْيَاءُ مُنْكَرَةٌ مُحَوَّلَةٌ عَنْ وَجْهِهَا، وَفِي «الْمُخْتَصَرِ» التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهَا، وَكَذَا كَتَبَ الْأَصْحَابُ.

فَصْلٌ

ادَّعَى وَرَثَةُ مَيِّتٍ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا لِمُوَرِّثِهِمْ، فَإِنَّمَا يُحْكَمُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا ثَبَتَ لَهُمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْمَوْتُ وَالْوِرَاثَةُ وَالْمَالُ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي لَا مَدْخَلَ فِيهِمَا لِلشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، بَلْ لَا يَثْبُتَانِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَوْ إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَالُ، فَيَدْخُلُهُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، فَإِنْ حَضَرَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ وَهُمْ كَامِلُونَ، وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَحَلَفُوا مَعَهُ اسْتَحَقُّوا، وَالْمَأْخُوذُ تَرِكَةٌ يُقْضَى مِنْهَا دُيُونُ الْمَيِّتِ وَوَصَايَاهُ، وَإِنِ امْتَنَعَ جَمِيعُهُمْ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، فَهَلْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ؟ ذَكَرْنَا فِي التَّفْلِيسِ فِيهِ قَوْلَيْنِ، الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ الْمَنْعُ، وَيَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ كَانَ أَوْصَى لِرَجُلٍ، وَلَمْ يَحْلِفِ الْوَرَثَةُ، هَلْ يَحْلِفُ الْمُوصَى لَهُ؟ فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِعَيْنٍ وَادَّعَاهَا فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ، وَيُقْطَعَ بِالْجَوَازِ، فَإِنْ حَلَفَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ، أَخَذَ الْحَالِفُ نَصِيبَهُ وَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ، وَنَصَّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّهُمَا لَوِ ادَّعَيَا دَارًا إِرْثًا، فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ

أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ شَارَكَهُ الْمُكَذِّبُ، فَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ مِنَ الصُّلْحِ هُنَا قَوْلًا أَنَّ مَا أَخَذَهُ الْحَالِفُ يُشَارِكُهُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ يَثْبُتُ عَلَى الشُّيُوعِ.
وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنْ لَا شَرِكَةَ هُنَا، كَمَا نُصَّ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ صُورَةَ الصُّلْحِ مُصَوَّرَةٌ فِي عَيْنٍ، وَأَعْيَانُ التَّرِكَةِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَالْمُصَدِّقُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَالصُّورَةُ هُنَا فِي دَيْنٍ، وَالدَّيْنُ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَالْقَبْضِ، فَالَّذِي أَخَذَهُ الْحَالِفُ يَتَعَيَّنُ لِنَصِيبِهِ بِالْقَبْضِ، فَلَمْ يُشَارِكْهُ الْآخَرُ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ صُورَةُ الصُّلْحِ فِي دَيْنٍ، لَمْ تَثْبُتِ الشَّرِكَةُ.
وَلَوْ فُرِضَ شَاهِدُ وَيَمِينُ بَعْضِ الْوَرَثَةِ فِي عَيْنٍ، تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّ الثُّبُوتَ هُنَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا الشَّرِكَةَ لَمَلَّكْنَا النَّاكِلَ بِيَمِينِ غَيْرِهِ وَهُنَاكَ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِقْرَارُ الْمُصَدِّقِ بِأَنَّهُ إِرْثٌ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، وَلَا فِي صُورَةِ إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَشَارَ فِي «الْوَسِيطِ» إِلَى تَخْرِيجِ خِلَافٍ فِي مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ بِمَا نَحْنُ فِيهِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَهَلْ يُقْضَى مَنْ نَصِيبِ الْحَالِفِ جَمِيعُ الدَّيْنِ أَمْ بِالْحِصَّةِ؟ قَالَ فِي «الشَّامِلِ» يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْغَرِيمَ هَلْ يَحْلِفُ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاءُ حِصَّتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، بُنِيَ عَلَى أَنَّ مَنْ يَحْلِفُ مِنَ الْوَرَثَةِ هَلْ يُشَارِكُ الْحَالِفَ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ قَضَى الْجَمِيعُ، لِأَنَّا أَعْطَيْنَاهُ حُكْمَ التَّرِكَةِ وَإِلَّا فَبِالْحِصَّةِ.
هَذَا حُكْمُ نَصِيبِ الْحَالِفِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَحْلِفْ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا كَامِلَ الْحَالِ، وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، ذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ حَقَّهُ يَبْطُلُ بِالنُّكُولِ، وَلَوْ مَاتَ، لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ أَنْ يَحْلِفَ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ مَا يُنَازَعُ فِيهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ أَرَادَ وَارِثُهُ أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا آخَرَ لِيَحْلِفَ مَعَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا، لَكِنْ هَلْ يُضَمُّ هَذَا الشَّاهِدُ إِلَى الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ، لِيُحْكَمَ بِالْبَيِّنَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ

جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ أَقَامَ مُدَّعٍ شَاهِدًا فِي خُصُومَةٍ، ثُمَّ مَاتَ، فَأَقَامَ وَارِثُهُ شَاهِدًا آخَرَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الدَّعْوَى، وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْوَرَثَةُ شَاهِدًا، وَحَلَفَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَمَاتَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يَنْكِلَ، كَانَ لِوَارِثِهِ أَنْ يَحْلِفَ، لَكِنْ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ الدَّعْوَى وَالشَّاهِدِ؟ فِيهِ التَّرَدُّدُ الْمَذْكُورُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَمْ يَحْلِفْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ غَائِبًا، نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمَجْنُونِ أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ: الْمُرَادُ أَنَّا نَمْتَنِعُ مِنَ الْحُكْمِ فِي نَصِيبِهِ، وَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يُفِيقَ، فَيَحْلِفَ أَوْ يَنْكِلَ، وَلَا يُؤْخَذُ نَصِيبُهُ وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ نَصِيبُهُ وَيُوقَفُ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْهِ أَنَّ الْحَيْلُولَةَ هَلْ تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ؟ وَالصَّبِيُّ وَالْغَائِبُ كَالْمَجْنُونِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُصُومَةِ، أَوْ لَمْ يَشْعُرْ بِالْحَالِ، كَالْمَجْنُونِ فِي بَقَاءِ حَقِّهِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي النَّاكِلِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ نَصِيبُ الْمَعْذُورِينَ، فَإِذَا زَالَ عُذْرُهُمْ حَلَفُوا وَأَخَذُوا نَصِيبَهُمْ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى لَا عَنْ جِهَةِ الْإِرْثِ، بِأَنْ قَالَ: أَوْصَى لِي وَلِأَخِي الْغَائِبِ أَوِ الصَّبِيِّ أَبُوكَ بِكَذَا، أَوِ اشْتَرَيْتُ مَعَ أَخِي الْغَائِبِ مِنْكَ كَذَا، وَأَقَامَ شَاهِدًا، وَحَلَفَ مَعَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ يَحْتَاجَانِ إِلَى تَجْدِيدِ الدَّعْوَى وَإِعَادَةِ الشَّهَادَةِ أَوْ شَاهِدٍ آخَرَ، وَلَا يُؤْخَذُ نَصِيبُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِي الْمِيرَاثِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَيِّتُ، وَكَذَلِكَ يُقْضَى دَيْنُهُ مِنَ الْمَأْخُوذِ، وَفِي غَيْرِ الْمِيرَاثِ الدَّعْوَى وَأَلْحَقَ الْأَشْخَاصُ،

فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَوْ وِلَايَةٍ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمِيرَاثِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُ الشَّاهِدِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَقْدَحُ وَلِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْغَائِبِ إِذَا زَالَ عُذْرُهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا؛ لِأَنَّهُ قَدِ اتَّصَلَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ، فَلَا أَثَرَ لِلتَّغَيُّرِ، وَالثَّانِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ: لَا يَحْلِفُونَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ اتَّصَلَ بِشَهَادَتِهِ فِي حَقِّ الْحَالِفِ فَقَطْ، وَلِهَذَا لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا، وَلَوْ مَاتَ الْغَائِبُ أَوِ الصَّبِيُّ، فَلِوَارِثِهِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ حِصَّتَهُ، فَإِنْ كَانَ وَارِثُهُ هُوَ الْحَالِفُ، لَمْ تُحْسَبْ يَمِينُهُ الْأُولَى.
وَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى وَرَثَةِ رَجُلٍ أَنَّ مُوَرِّثَكُمْ أَوْصَى لِي وَلِأَخِي، أَوْ وَلِأَجْنَبِيٍّ بِكَذَا، وَأَقَامَ شَاهِدًا، وَحَلَفَ مَعَهُ، وَأَخَذَ نَصِيبَهُ، لَمْ يُشَارِكْهُ الْآخَرُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ مَنْ يَحْلِفُ مِنَ الْوَرَثَةِ عَلَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لِلْمُوَرِّثِ يَحْلِفُ عَلَى الْجَمِيعِ لَا عَلَى حِصَّتِهِ فَقَطْ، سَوَاءٌ حَلَفَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ، وَكَذَا الْغَرِيمُ وَالْمُوصَى لَهُ إِذَا قُلْنَا: يَحْلِفَانِ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ إِشْعَارٌ بِخِلَافِهِ.
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إِذَا أَقَامَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَحَلَفَ مَعَهُ، فَأَمَّا إِذَا أَقَامَ بَعْضُهُمْ شَاهِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ الْمُدَّعَى كُلَّهُ، فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ مِنَ الْوَرَثَةِ، أَوْ بَلَغَ صَبِيُّهُمْ، أَوْ عَقَلَ مَجْنُونُهُمْ، أَخَذَ نَصِيبَهُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَجْدِيدِ الدَّعْوَى وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَيَنْتَزِعُ الْقَاضِي بَعْدَ تَمَامِ الْبَيِّنَةِ نَصِيبَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْغِبْطَةِ كَيْلَا يَضِيعَ عَيْنَ مَالِهِ، وَأَمَّا نَصِيبُ الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا انْتَزَعَهَا، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الِانْتِزَاعَ وَاجِبٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ، لَكِنْ سَبَقَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ حَمَلَ الْمَغْصُوبَ إِلَى الْقَاضِي وَالْمَالِكُ غَائِبٌ، فَفِي وُجُوبِ قَبُولِهِ وَجْهَانِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ ذَلِكَ الْخِلَافُ هُنَا مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ

كَانَ الْمُدَّعَى دَيْنًا، فَفِي انْتِزَاعِ نَصِيبِ الْغَائِبِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَنْ أَقَرَّ لِغَائِبٍ بِدَيْنٍ، وَحَمَلَهُ إِلَى الْقَاضِي، هَلْ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَالْأَصَحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَحَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ فِي مَسْأَلَتِنَا عَنِ النَّصِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَبَقَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ أَحَدَ الْوَارِثِينَ لَا يَنْفَرِدُ بِقَبْضِ شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ، وَلَوْ قَبَضَ شَارَكَهُ الْآخَرُ فِيهِ، وَقَالُوا هُنَا: يَأْخُذُ الْحَاكِمُ نَصِيبَهُ، كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا غَيْبَةَ الشَّرِيكِ عُذْرًا فِي تَمْكِينِ الْحَاضِرِ مِنَ الِانْفِرَادِ، وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَى لَهُ وَلِفُلَانٍ بِكَذَا، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَفُلَانٌ غَائِبٌ أَوْ صَبِيٌّ، لَمْ يُؤْخَذْ نَصِيبُ فُلَانٍ بِحَالٍ، وَإِذَا حَضَرَ وَبَلَغَ فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الدَّعْوَى فِي الْإِرْثِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ.
فَرْعٌ لَوْ كَانَ لِلْوَارِثِ الْغَائِبِ وَكِيلٌ وَقَدْ أَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: يَقْبِضُ الْوَكِيلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ دُونَ الْقَاضِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، قَبَضَ الْقَاضِي، وَيُؤَجَّرُ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمَنَافِعُ.

فَصْلٌ

هَلْ يَثْبُتُ الْوَقْفُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَاقِفِ أَوِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَنَعَمْ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى، فَوَجْهَانِ، أَوْ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ كَالْعِتْقِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ سَلَمَةَ، وَالْعِرَاقِيُّونَ يَمِيلُونَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ، وَيَنْسُبُونَهُ إِلَى عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ.
وَلَوِ ادَّعَى وَرَثَةُ مَيِّتٍ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَ هَذِهِ الدَّارَ، وَقَالُوا: كَانَتْ

لِأَبِينَا وَقَفَهَا عَلَيْنَا وَعَلَى فُلَانٍ، تَثْبُتُ دَعْوَى الْغَصْبِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَيَثْبُتُ بِهِمَا أَيْضًا الْوَقْفُ إِنْ أَثْبَتْنَاهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِلَّا فَيَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمْ.
وَلَوْ مَاتَ عَنْ بَنِينَ، فَادَّعَى ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ أَنَّ أَبَاهُمْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّارَ، وَأَنْكَرَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ، فَأَقَامُوا شَاهِدًا لِيَحْلِفُوا مَعَهُ تَفْرِيعًا عَلَى ثُبُوتِ الْوَقْفِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَلِدَعْوَاهُمْ صُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَدَّعُوا وَقَفَ تَرْتِيبٍ، فَيَقُولُوا: وَقَفَ عَلَيْنَا وَبَعْدَنَا عَلَى أَوْلَادِنَا وَعَلَى الْفُقَرَاءِ، فَلَهُمْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَنْ يَحْلِفُوا جَمِيعًا، فَيَثْبُتُ الْوَقْفُ، وَلَا حَقَّ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ فِي الدَّارِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُدَّعُونَ، أَخَذَ الْبَطْنُ الثَّانِي الدَّارَ وَقْفًا، وَهَلْ يَأْخُذُونَهُ بِيَمِينٍ أَمْ بِلَا يَمِينٍ؟ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ قَوْلَانِ، الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: بِلَا يَمِينٍ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَإِذَا انْتَهَى الِاسْتِحْقَاقُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ عَادَ الْخِلَافُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَأْخُذُونَ بِيَمِينٍ مَكَانَ الْحَقِّ بَعْدَ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةِ لِلْفُقَرَاءِ، نُظِرَ إِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ، كَفُقَرَاءِ قَرْيَةٍ وَمَحَلَّةٍ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ فَهَلْ يَبْطُلُ الْوَقْفُ وَتَعُودُ الدَّارُ إِرْثًا، أَمْ يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ بِلَا يَمِينٍ أَمْ يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ بِنَاءً عَلَى تَعَذُّرِ مَصْرِفِهِ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ يَأْخُذُونَ بِلَا يَمِينٍ وَتَسْقُطُ هُنَا لِتَعَذُّرِهَا وَلَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ بَعْدَ صِحَّتِهِ وَوُجُودِ الْمَصْرَفِ بِخِلَافِ الْمُنْقَطِعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْحَالِفِينَ، صُرِفَ نُصِيبُهُ إِلَى الْآخَرِينَ، فَإِنْ مَاتَ آخَرُ، صُرِفَ الْجَمِيعُ إِلَى الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْبَطْنِ الثَّانِي إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ أَخْذُ الْآخِرِينَ يَكُونُ بِلَا يَمِينٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَالْبَطْنِ الثَّانِي.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَنْكِلُوا جَمِيعًا عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَالدَّارُ تَرِكَةٌ يُقْضَى مِنْهَا الدَّيْنُ وَالْوَصِيَّةُ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَيَكُونُ حِصَّةُ الْمُدَّعِينَ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِمْ، وَحِصَّةُ سَائِرِ الْوَرَثَةِ طَلْقًا لَهُمْ، فَإِذَا مَاتَ الْمُدَّعُونَ، لَمْ يُصْرَفْ نَصِيبُهُمْ إِلَى أَوْلَادِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْوَقْفِ إِلَّا بِيَمِينٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ وَقْفًا بِلَا يَمِينٍ، وَلَوْ أَرَادَ الْأَوْلَادُ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ الدَّارِ وَقْفًا، فَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ حَقٍّ، فَإِذَا أَبْطَلَ آبَاؤُهُمْ حَقَّهُمْ بِالنُّكُولِ، فَلَهُمْ أَنْ لَا يُبْطِلُوا حَقَّهُمْ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَحْلِفُوا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا وَقْفًا، أَمْ قُلْنَا: حِصَّةُ الْأَوَّلِينَ تَبْقَى وَقْفًا، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا، وَهَلْ يَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي حَيَاةِ الْأَوَّلِينَ إِذَا نَكَلُوا؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِبُطْلَانِ حَقِّهِمْ، وَتَعَذُّرِ الصَّرْفِ إِلَيْهِمْ بِنُكُولِهِمْ، كَمَا لَوْ مَاتُوا، وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْبَطْنِ الثَّانِي شَرْطُهُ انْقِرَاضُ الْأَوَّلِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْلِفَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَإِذَا حَلَفَ وَاحِدٌ، وَنَكَلَ اثْنَانِ، أَخَذَ الْحَالِفُ الثُّلُثَ وَقْفًا، وَأَمَّا الْبَاقِي، فَهُوَ تَرِكَةٌ تُقْضَى مِنْهَا الدُّيُونُ وَالْوَصَايَا، فَمَا فَضَلَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ فِي «الشَّامِلِ» : يُقَسَّمُ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَمَا خَصَّ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةَ كَانَ وَقْفًا عَلَى النَّاكِلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ مُعْتَرِفٌ لَهُمَا بِذَلِكَ.
وَالْأَصَحِّ وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُنْكِرِينَ مِنَ الْوَرَثَةِ وَاللَّذَيْنِ نَكَلَا دُونَ الْحَالِفِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِانْحِصَارِ حَقِّهِ فِيمَا أَخَذَ، ثُمَّ حِصَّةُ النَّاكِلَيْنِ تَكُونُ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِمَا، فَإِذَا مَاتَ النَّاكِلَانِ وَالْحَالِفُ حَيٌّ، فَنُصِيبُهُمَا لِلْحَالِفِ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ بِإِقْرَارِهِمَا، وَفِي اشْتِرَاطِ يَمِينِهِ الْوَجْهَانِ، فَإِذَا مَاتَ الْحَالِفُ، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي، وَفِي حَلِفِهِمُ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مَيِّتًا عِنْدَ مَوْتِ النَّاكِلَيْنِ، فَأَرَادَ أَوْلَادُهُمَا أَنْ يَحْلِفُوا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي أَوْلَادِ الْجَمِيعِ إِذَا نَكَلُوا، الْأَظْهَرُ لَهُمُ الْحَلِفُ، وَفِي نَصِيبِ الْحَالِفِ الْمَيِّتِ

قَبْلَهُمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُصْرَفُ إِلَى النَّاكِلَيْنِ، فَعَلَى هَذَا فِي حَلِفِهِمَا الْخِلَافُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفَانِ، فَنَكَلَا سَقَطَ هَذَا الْوَجْهُ، وَالثَّانِي: يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إِشَارَتِهِ فِي «الْأُمِّ» لِأَنَّهُمَا أَبْطَلَا حَقَّهُمَا بِنُكُولِهِمَا، وَصَارَا كَالْمَعْدُومَيْنِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ وَقْفٌ تَعَذَّرَ مَصْرَفُهُ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَبْطُلُ أَمْ يَبْقَى، وَإِذَا بَقِيَ فَهَلْ يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ أَمْ كَيْفَ حَالُهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْوَقْفِ بِتَفْرِيعِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، وَيُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا زَالَ التَّعَذُّرُ بِمَوْتِ النَّاكِلَيْنِ، صُرِفَ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَيَجِيءُ فِي حَلِفِ أَقْرَبِ النَّاسِ إِذَا قُلْنَا: يُصْرَفُ إِلَيْهِمِ الْخِلَافُ.
فَرْعٌ إِذَا تَصَادَقَتِ الْوَرَثَةُ عَلَى أَنَّ الدَّارَ وَقْفُ أَبِيهِمْ، ثَبَتَ الْوَقْفُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
فَرْعٌ ادَّعَوْا عَلَى رَجُلٍ دَارًا فِي يَدِهِ أَنَّهُ وَقَفَهَا عَلَيْهِمْ، أَوْ عَلَى وَرَثَةٍ أَنَّ مُوَرِّثَهُمْ وَقَفَهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا نُظِرَ: أَحَلَفُوا مَعَ شَاهِدِهِمْ، أَمْ نَكَلُوا، أَمْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ، وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ، وَتَجِيءُ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ حَيْثُ جَعَلْنَا كُلَّ الْمُدَّعَى أَوْ بَعْضَهُ تَرِكَةً هُنَاكَ، تُرِكَ هُنَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَدَّعُوا وَقْفَ تَشْرِيكٍ، فَيَقُولُ الْبَنُونُ الثَّلَاثَةُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: هُوَ وَقْفٌ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلَادِنَا وَأَوْلَادِ أَوْلَادِنَا مَا تَنَاسَلْنَا،

فَإِذَا انْقَرَضْنَا، فَعَلَى الْفُقَرَاءِ، فَأَقَامُوا بِذَلِكَ شَاهِدًا، وَإِنْ حَلَفُوا مَعَهُ أَخَذُوا الدَّارَ وَقْفًا، ثُمَّ إِذَا حَدَثَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ، فَمُقْتَضَى الْوَقْفِ شَرِكَتُهُ، فَيُوقَفُ رُبُعُ الْغَلَّةِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ، فَيُصْرَفَ إِلَيْهِ إِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ هَلْ يَحْتَاجُونَ إِلَى يَمِينٍ إِذَا حَلَفَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ، بَلْ جَزَمُوا بِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الْيَمِينِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِلَّا السَّرَخْسِيَّ، فَحَكَى فِيهِ وَجْهًا.
ثُمَّ إِنَّ الرُّبُعَ الْمَوْقُوفَ هَلْ يُوقَفُ فِي يَدِ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةِ، أَمْ يُنْتَزَعُ، وَيَجْعَلُهُ فِي يَدِ أَمِينٍ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، فَإِنْ نَكَلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ صُرِفَ الْمَوْقُوفُ إِلَى الثَّلَاثَةِ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَحُكِيَ وَجْهٌ أَوْ تَخْرِيجٌ أَنَّ نَصِيبَ الْمَوْلُودِ وَقْفٌ تَعَذَّرَ مَصْرَفُهُ، فَيَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَهُ، فَكَيْفَ يَأْخُذُونَهُ بِامْتِنَاعِهِ بِالْيَمِينِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالنُّكُولِ، لَمْ يَسْتَحِقَّهَا.
فَأَمَّا رَقَبَةُ الْوَقْفِ وَغَلَّتُهَا بَعْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ، فَمُقْتَضَى الشَّرْطِ أَنْ يَسْتَغْرِقَهَا الثَّلَاثَةُ الْحَالِفُونَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ تَجْدِيدُ يَمِينٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكَأَنَّ الْمَوْلُودَ لَمْ يَكُنْ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْحَالِفِينَ فِي صِغَرِ الْوَلَدِ وُقِفَ مِنْ يَوْمِ مَوْتِهِ لِلْوَلَدِ ثُلُثُ الْغَلَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ صَارُوا ثَلَاثَةً فَإِنْ بَلَغَ وَحَلَفَ، أَخَذَ الرُّبُعَ وَالثُّلُثَ الْمَوْقُوفَيْنَ، وَإِنْ نَكَلَ صَرَفَ الرُّبُعَ إِلَى الِابْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَصَرَفَ الثُّلُثَ إِلَى الْبَاقِينَ خَاصَّةً، وَيَعُودُ فِيهِ التَّخْرِيجُ السَّابِقُ.
وَلَوْ بَلَغَ الْوَلَدُ مَجْنُونًا أَدَمْنَا الْوَقْفَ طَمَعًا فِي إِفَاقَتِهِ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيقَ وُقِفَ لَهُ الْخُمُسُ، وَلِلْمَوْلُودِ الْخُمُسُ مِنْ يَوْمِ وِلَادَةِ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ وَلَدُهُ وَحَلَفَا، أَخَذَ الْمَجْنُونُ الرُّبُعَ مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ إِلَى يَوْمِ وِلَادَةِ وَلَدِهِ، وَالْخُمُسَ مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَأَخَذَ وَلَدُهُ الْخُمُسَ مِنْ يَوْمَئِذٍ.
وَلَوْ مَاتَ الْمَجْنُونُ فِي جُنُونِهِ

بَعْدَمَا وُلِدَ وَلَدٌ لَهُ، فَالْقِلَّةُ الْمَوْقُوفَةُ لِوَرَثَتِهِ إِذَا حَلَفُوا، وَيُوقَفُ لِوَلَدِهِ مِنْ يَوْمِ ثُبُوتِهِ رُبُعُ الْغَلَّةِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعُونَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلًا، فَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَلِمَنْ حَدَّثَ بَعْدَهُمْ أَيَحْلِفُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْأَوَّلِينَ بِتَلَقِّي الْوَقْفِ مِنَ الْوَاقِفِ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، أَخَذَ الْحَالِفُ نَصِيبَهُ، وَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ هِيَ مَقْبُولَةٌ فِي غَيْرِ الْعُقُوبَاتِ، كَالْأَمْوَالِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالْبَيْعِ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَالْفُسُوخِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَعُيُوبِ النِّسَاءِ سَوَاءٌ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالزَّكَاةِ وَوَقْفِ الْمَسَاجِدِ، وَالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ.
وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ، فَالْمَذْهَبُ الْقَبُولُ فِي الْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْمَنْعِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: وَالْإِحْصَانُ كَالْحَدِّ.
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ آخَرَيْنِ أَنَّ الْحَاكِمَ حَدَّ فُلَانًا، قُبِلَتْ بِلَا خِلَافٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَإِنَّهُ إِسْقَاطُ حَدٍّ عَنْهُ، ثُمَّ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ: (الْأَوَّلُ) فِي تَحَمُّلِهَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ عِنْدَ الْأَصْلِ شَهَادَةً جَازِمَةً بِحَقٍّ ثَابِتٍ، وَلِمَعْرِفَتِهِ أَسْبَابٌ، أَحَدُهَا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ الْأَصْلُ، فَيَقُولُ: أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا، وَأَشْهَدْتُكَ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ يَقُولُ: أُشْهِدُكَ أَوِ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ: إِذَا اسْتُشْهِدْتَ عَلَى شَهَادَتِي، فَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي أَنْ تَشْهَدَ، أَمَّا إِذَا سَمِعَ إِنْسَانًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَوِ اشْهَدْ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، لَا عَلَى صُورَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَتَسَاهَلُونَ فِي إِطْلَاقِ ذَلِكَ

عَلَى عِدَّةٍ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا فَلَوْ قَالَ: عِنْدِي شَهَادَةٌ مَجْزُومَةٌ أَوْ شَهَادَةٌ أُثْبِتُهَا أَوْ لَا أَتَمَارَى فِيهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَأَوْفَقُهُمَا لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ: الْمَنْعُ أَيْضًا.
وَيُشْتَرَطُ تَعَرُّضُ الْأَصْلِ لِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أَخْبُرُ، أَوْ أَسْتَيْقِنُ، لَمْ يَكْفِ كَمَا لَوْ أَتَى الشَّاهِدُ عِنْدَ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِهَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَأَبْعَدَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، فَأَقَامَ اللَّفْظَ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ فِيهِ مَقَامَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ: أُشْهِدُكَ عَلَى شَهَادَتِي، وَعَنْ شَهَادَتِي، لَكِنَّهُ أَتَمُّ، فَقَوْلُهُ: أُشْهِدُكَ عَلَى شَهَادَتِي تَحْمِيلٌ، وَقَوْلُهُ: عَنْ شَهَادَتِي إِذْنٌ فِي الْأَدَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَدِّهَا عَنِّي، وَلِإِذْنِهِ أَثَرٌ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَ التَّحَمُّلِ: لَا تُؤَدِّ عَنِّي امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَإِذَا حَصَلَ الِاسْتِرْعَاءُ، لَمْ يَخْتَصَّ التَّحَمُّلُ بِمَنِ اسْتَرْعَاهُ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَصَدَّى لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي إِلَّا تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ، وَلِلْقَاضِي أَيْضًا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ، وَالشَّهَادَةُ عِنْدَ الْمُحَكَّمِ كَالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي سَوَاءٌ جَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ أَمْ لَا، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنَّمَا تَجُوزُ إِذَا جَوَّزْنَاهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عِنْدَ الْمُحَكَّمِ إِلَّا وَهُوَ جَازِمٌ بِثُبُوتِ الْمَشْهُودِ بِهِ.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ الْوُجُوبِ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ اسْتِرْعَاءٌ؛ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ إِلَى السَّبَبِ يَقْطَعُ احْتِمَالَ الْوَعْدِ وَالتَّسَاهُلِ، هَذَا مَا يُوجَدُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ وَجْهًا أَنَّ الْإِسْنَادَ إِلَى السَّبَبِ لَا يَكْفِي لِلتَّحَمُّلِ، وَوَجْهًا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا تَكْفِي أَيْضًا، بَلْ يُشْتَرَطُ الِاسْتِرْعَاءُ، وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ.
فَرْعٌ إِذَا قَالَ: عَلَيَّ لِفُلَانٍ أَلْفٌ، فَوَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْقَدْرِ، بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ بِأَنْ يُسْنِدَهُ إِلَى سَبَبٍ، فَيَقُولَ: مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ يَسْتَرْعِيَهُ، فَيَقُولَ: فَاشْهَدْ عَلَيَّ بِهِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ كَافٍ لِلتَّحَمُّلِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ، وَلِهَذَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْفَاسِقِ وَالْمُغَفَّلِ وَالْمَجْهُولِ دُونَ شَهَادَتِهِمْ.

فَرْعٌ الْفَرْعُ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ يُبَيِّنُ جِهَةَ التَّحَمُّلِ، فَإِنِ اسْتَرْعَاهُ الْأَصْلُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا شَهِدَ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ، بَيَّنَ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَنَّهُ أَسْنَدَ الْمَشْهُودَ بِهِ إِلَى سَبَبٍ، قَالَ الْإِمَامُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ

الْجَهْلُ بِطَرِيقِ التَّحَمُّلِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْلَمُ، وَوَثِقَ بِهِ الْقَاضِي، جَازَ أَنْ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ بِكَذَا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ ثَبَتَ هَذَا الْمَالُ، وَهَلْ أَخْبَرَكَ بِهِ الْأَصْلُ؟ هَذَا إِذَا لَمْ يُبَيِّنِ السَّبَبَ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي صِفَاتِ شَاهِدِ الْأَصْلِ، وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ.
لَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَةِ فَاسِقٍ، أَوْ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ عَدُوٍّ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَيِ الشَّهَادَةَ، فَلَوْ تَحَمَّلَ وَالْأَصْلُ بِصِفَاتِ الشُّهُودِ، ثُمَّ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا، أَوِ الْوُصُولَ إِلَيْهَا، نُظِرَ إِنْ كَانَ الطَّارِئُ مَوْتًا أَوْ غَيْبَةً أَوْ مَرَضًا، لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ عَرَضَ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ أَوْ رِدَّةٌ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ مَا دَامَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ بِالْأَصْلِ، فَإِنْ زَالَتْ هَلْ يَشْهَدُ الْفَرْعُ بِالتَّحَمُّلِ الْأَوَّلِ، أَمْ يُشْتَرَطُ تَحَمُّلٌ جَدِيدٌ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ.
وَلَوْ حَدَثَ الْفِسْقُ، أَوِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَقَبْلَ الْقَضَاءِ امْتَنَعَ الْقَضَاءُ، وَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْأَصْلِ جُنُونٌ، فَقِيلَ: تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ كَالْفِسْقِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ: لَا أَثَرَ لَهُ، كَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقِعُ رِيبَةً فِيمَا مَضَى، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ عَمِيَ، وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يُؤَثِّرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، لَمْ يَشْهَدِ الْفَرْعُ، بَلْ يَنْتَظِرُ زَوَالَهُ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبُ الزَّوَالِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْجَوَازُ كَذَلِكَ فِي (كُلِّ) مَرَضٍ يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ، كَتَوَقُّعِ زَوَالِ الْإِغْمَاءِ.
قُلْتُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمَرَضَ لَا يُلْحَقُ بِالْإِغْمَاءِ، وَإِنْ تَوَقَّعَ زَوَالَهُ قَرِيبًا؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا أَثَرَ لِحُدُوثِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ الْفَرْعُ فِي غَيْبَةِ الْأَصْلِ، ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ حَضَرَ

قَبْلَهُ، امْتَنَعَ الْقَضَاءُ، لِحُصُولِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَكَذَا لَوْ كَذَّبَ الْأَصْلُ الْفَرْعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، امْتَنَعَ الْقَضَاءُ، وَالتَّكْذِيبُ بَعْدَهُ لَا يُؤَثِّرُ.
وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِالْفَرْعِ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ كَذَّبَ الْفَرْعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَالْقَضَاءُ مَنْقُوضٌ.
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ.
فَرْعٌ هَذَا الَّذِي سَبَقَ حُكْمُ صِفَةِ الْأَصْلِ، أَمَّا الْفَرْعُ، فَلَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ، وَهُوَ عَبْدٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ فَاسِقٌ، أَوْ أَخْرَسُ، صَحَّ تَحَمُّلُهُ، كَتَحَمُّلِ الْأَصْلِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ الْأَدَاءُ يَكُونُ بَعْدَ زَوَالِهَا.

فَرْعٌ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إِلَّا مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِيهَا وَإِنْ كَانَتِ الْأُصُولُ أَوْ بَعْضُهُمْ نِسَاءً، وَكَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي وِلَادَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مَالٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ تُثْبِتُ الْأَصْلَ لَا مَا شَهِدَ بِهِ الْأَصْلُ، وَنَفْسُ الشَّهَادَةِ لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ.
وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا فِي الْوِلَادَةِ وَهُوَ شَاذٌّ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي عَدَدِ شُهُودِ الْفَرْعِ، فَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ أَصْلٍ، وَآخَرَانِ عَلَى شَهَادَةِ الثَّانِي، فَقَدْ تَمَّ النِّصَابُ، وَلَوْ شَهِدَ فَرْعٌ عَلَى أَصْلٍ، وَفَرْعٌ آخَرُ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ الثَّانِي، لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، وَلَوْ شَهِدَ فَرْعَانِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ مَعًا، فَفِي قَبُولِهِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ، وَخَالَفَهُمُ الْبَغَوِيُّ، وَالسَّرَخْسِيُّ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ مَعًا، فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُمَا عَلَى أَيِّهِمَا، وَيَحْلِفَ مَعَهُ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا شَهِدَ الْفُرُوعُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى

شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَعَلَى قَوْلِ الْمَنْعِ فِي الِاثْنَيْنِ يُشْتَرَطُ سِتَّةٌ يَشْهَدُ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَعَلَى الْأَظْهَرِ يَكْفِي اثْنَانِ لِلْجَمِيعِ، وَعَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ فِي قَبُولِ النِّسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْوِلَادَةِ هَلْ يَكْفِي شَهَادَةُ أَرْبَعٍ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعٍ، أَمْ يُشْتَرَطُ سِتَّ عَشْرَةَ، لِيَشْهَدَ كُلُّ أَرْبَعٍ عَلَى وَاحِدَةٍ؟ وَجْهَانِ.
وَلَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةِ الْفُرُوعِ فُرُوعٌ، وَشَرْطُنَا أَنْ يَشْهَدَ فَرْعَانِ عَلَى كُلِّ أَصْلٍ، وَجَبَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ، فَيَجْتَمِعُ ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ شَهَادَتُهُمْ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِسِتَّةَ عَشَرَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
وَإِذَا أَجْرَيْنَا الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهَلْ تَثْبُتُ الشَّهَادَةُ عَلَى شُهُودِ الزِّنَى بِأَرْبَعَةٍ، أَمْ يَكْفِي اثْنَانِ؟ قَوْلَانِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى، فَإِنِ اكْتَفَيْنَا بِاثْنَيْنِ، وَجَوَّزْنَا شَهَادَةَ فَرَعَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ مَعًا، كَفَى اثْنَانِ، وَإِنْ شَرَطْنَا لِكُلِّ أَصْلٍ اثْنَيْنِ، اشْتُرِطَ ثَمَانِيَةٌ، وَإِنْ شَرَطْنَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَى أَرْبَعَةً، فَإِنْ جَوَّزْنَا شَهَادَةَ فَرْعَيْنِ عَلَى الْأَصْلَيْنِ مَعًا، كَفَى أَرْبَعَةٌ عَلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ شَرَطْنَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ، اشْتَرَطْنَا هُنَا سِتَّةَ عَشَرَ كُلَّ أَرْبَعَةٍ عَلَى أَصْلٍ.
الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِي أَنَّ شَهَادَةَ الْفُرُوعِ مَتَى تُسْمَعُ.
وَإِنَّمَا تُسْمَعُ إِذَا تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ، أَوْ تَعَسَّرَ، وَقِيلَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ مَعَ حُضُورِ الْأَصْلِ، كَالرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ بَابَ الرِّوَايَةِ وَاسِعٌ، وَلِهَذَا تُقْبَلُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَجُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا.
فَمِنْ وُجُوهِ التَّعَذُّرِ الْمَوْتُ وَالْعَمَى، وَمِنَ التَّعَسُّرِ الْمَرَضُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُمْكِنَهُ الْحُضُورُ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَنَالَهُ بِالْحُضُورِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ، وَيُلْحَقُ خَوْفُ الْغَرِيمِ وَسَائِرُ مَا تُتْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ بِالْمَرَضِ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَلْيَكُنْ ذَلِكَ فِي الْأَعْذَارِ الْخَاصَّةِ دُونَ مَا يَعُمُّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ، كَالْمَطَرِ وَالْوَحَلِ الشَّدِيدِ، وَلَا يُكَلَّفُ

الْقَاضِي أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَ شَاهِدِ الْأَصْلِ، أَوْ يَبْعَثَ نَائِبَهُ إِلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِابْتِذَالِ.
وَمِنْهَا: الْغَيْبَةُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَإِنْ كَانَتْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ وَجْهَيْنِ، مِنْهُمُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ بِحَيْثُ لَوْ خَرَجَ الْأَصْلُ بُكْرَةً لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِهِ لَيْلًا، لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ مَسَافَةَ الْعَدْوَى، وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فَهُوَ مَوْضِعُ الْوَجْهَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا، سْمَعُ.

فَصْلٌ

يَجِبُ عَلَى الْفُرُوعِ تَسْمِيَةُ الْأُصُولِ وَتَعْرِيفُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمْ، وَلَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُمْ مَا لَمْ يُعْرَفُوا.
وَلَوْ وَصَفُوهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ بِأَنْ قَالُوا: نَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ، لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ يَعْرِفُ جُرْحَهُمْ لَوْ سَمَّوْهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَنْسَدُّ بَابُ الْجَرْحِ عَلَى الْخَصْمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ تَزْكِيَةُ شُهُودِ الْأَصْلِ، بَلْ لَهُمْ إِطْلَاقُ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ الْقَاضِي يَبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَجْهًا فِي اشْتِرَاطِهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ الْفُرُوعُ: أَشْهِدْنَا عَلَى شَهَادَتِهِ، وَكَانَ عَدْلًا إِلَى الْيَوْمِ أَوْ إِلَى أَنْ مَاتَ تَفْرِيعًا عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَوْ فُسِّقَ الْأَصْلُ، ثُمَّ تَابَ، لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ إِلَّا بِإِشْهَادٍ جَدِيدٍ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ تَزْكِيَةُ الْأَصْلِ، فَلَوْ زَكَّوْهُمْ وَهُمْ بِصِفَاتِ الْمُزَكِّينَ، فَالْمَذْهَبُ - وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ - أَنَّهُ تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُمْ، وَتَثْبُتُ عَدَالَتُهُمْ، وَالْمَعْرُوفُ فِيمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ فِي وَاقِعَةٍ، وَزَكَّى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ عَدَالَةُ الثَّانِي، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عَلَى وَجْهَيْنِ بِالتَّخْرِيجِ، وَالْمَذْهَبُ الْفَرْقُ أَنَّ تَزْكِيَةَ الْفُرُوعِ الْأُصُولَ مِنْ تَتِمَّةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلِذَلِكَ

شَرَطَ بَعْضُهُمُ التَّعَرُّضَ لَهَا، فَقُبِلَتْ وَهُنَاكَ قَامَ الشَّاهِدُ الْمُزَكَّى بِأَحَدِ شَطْرَيِ الشَّهَادَةِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَامُهُ بِالثَّانِي، وَلَا يُشْتَرَطْ أَنْ يَتَعَرَّضَ الْفُرُوعُ فِي شَهَادَتِهِمْ، لِصِدْقِ الْأُصُولِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ حَيْثُ يَتَعَرَّضُ لِصِدْقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الْبَابُ السَّادِسُ فِي الرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ رُجُوعُ الشُّهُودِ عَنِ الشَّهَادَةِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِمَّا بَعْدَهُ.
الْحَالَةُ الْأَوْلَى قَبْلَهُ، فَيَمْتَنِعُ مِنَ الْقَضَاءِ ثُمَّ إِنِ اعْتَرَفُوا بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ، فَهُمْ فَسَقَةٌ يَسْتَتِرُونَ، وَإِنْ قَالُوا: غَلِطْنَا، لَمْ يُفَسَّقُوا، لَكِنْ لَا تُقْبَلُ تِلْكَ الشَّهَادَةُ إِنْ أَعَادُوهَا، وَإِنْ كَانُوا شَهِدُوا بِالزِّنَى فَرَجَعُوا، وَاعْتَرَفُوا بِالتَّعَمُّدِ، فُسِّقُوا وَحُدُّوا حَدَّ الْقَذْفِ، وَإِنْ قَالُوا: غَلِطْنَا، فَفِي حَدِّ الْقَذْفِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ، وَأَصَحُّهُمَا يَجِبُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّغْيِيرِ، وَكَانَ حَقُّهُمْ أَنْ يَثْبُتُوا، فَعَلَى هَذَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا حَدَّ، فَلَا تُرَدُّ، وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ لِلْقَاضِي بَعْدَ الشَّهَادَةِ: تَوَقَّفْ فِي الْقَضَاءِ، وَجَبَ التَّوَقُّفُ، فَإِنْ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: اقْضِ، فَنَحْنُ عَلَى شَهَادَتِنَا، فَفِي جَوَازِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، فَعَلَى هَذَا هَلْ تَجِبُ إِعَادَةُ الشَّهَادَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُمْ جَزَمُوا بِهَا، وَالشَّكُّ الطَّارِئُ زَالَ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا رَجَعُوا بَعْدَ الْقَضَاءِ، فَرُجُوعُهُمْ إِمَّا قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَإِمَّا بَعْدُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، نُظِرَ إِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي مَالٍ اسْتُوْفِيَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي قِصَاصٍ، أَوْ حَدِّ الْقَذْفِ، لَمْ يَسْتَوْفِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ بِخِلَافِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَأَثَّرُ بِالشُّبْهَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضِّيقِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي حُدُودِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَمْ تُسْتَوْفَ،

وَقِيلَ: كَالْقِصَاصِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعُقُودِ، أُمْضِيَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: النِّكَاحُ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالِاسْتِيفَاءِ، بَعْدَ الرُّجُوعِ، فَاسْتَوْفَى، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ رَجَعُوا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، أَمَّا إِذَا رَجَعُوا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ.
ثُمَّ قَدْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ فِيمَا يَتَعَذَّرُ تَدَارُكُهُ وَرَدُّهُ، وَقَدْ تَكُونُ فِيمَا لَا يَتَعَذَّرُ، فَهُمَا ضَرْبَانِ الْأَوَّلُ الْمُتَعَذَّرُ وَهُوَ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: الْعُقُوبَاتُ، فَإِذَا شَهِدُوا بِالْقَتْلِ، فَاقْتُصَّ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعُوا، وَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا قَتْلَهُ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، كَمَا سَبَقَ فِي الْجِنَايَاتِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ شَهِدُوا بِالرِّدَّةِ فَقُتِلَ، أَوْ بِزِنَى الْمُحْصَنِ فَرُجِمَ، أَوْ عَلَى بَكْرٍ، فَجُلِدَ وَمَاتَ مِنْهُ، أَوْ بِسَرِقَةٍ أَوْ قَطْعٍ فَقُطِعَ، أَوْ بِقَذْفٍ أَوْ شُرْبٍ فَجُلِدَ وَمَاتَ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعُوا.
وَيُحَدُّونَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَى وَحَدِّ الْقَذْفِ أَوْ لَا، ثُمَّ يُقْتَلُونَ، وَهَلْ يُرْجَمُونَ أَوْ يُقْتَلُونَ بِالسَّيْفِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
ثُمَّ هُنَا صُوَرٌ إِحْدَاهَا: لَوْ رَجَعَ الْقَاضِي دُونَ الشُّهُودِ، وَقَالَ: تَعَمَّدْتُ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ الْمُغْلَّظَةُ وَبِكَمَالِهَا، وَلَوْ رَجَعَ الْقَاضِي وَالشُّهُودُ جَمِيعًا، لَزِمَهُمُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا، أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ، فَالدِّيَةُ مُنَصَّفَةٌ، عَلَيْهِمَا نِصْفُهَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُهَا، هَكَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَجِبَ كَمَالُ الدِّيَةِ عِنْدَ رُجُوعِهِ وَحْدَهُ، كَمَا لَوْ رَجَعَ بَعْضُ الشُّهُودِ، وَلَوْ رَجَعَ وَلِيُّ الدَّمِ وَحْدَهُ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ رَجَعَ مَعَ الشُّهُودِ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ أَنَّ الْقِصَاصَ أَوْ كَمَالَ الدِّيَةِ عَلَى الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ، وَهُمْ مَعَهُ كَالْمُمْسِكِ مَعَ الْقَاتِلِ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُمْ مَعَهُ، كَالشَّرِيكِ لِتَعَاوُنِهِمْ عَلَى الْقَتْلِ، لَا كَالْمُمْسِكِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمْ كَالْمُحِقِّينَ، فَعَلَى هَذَا

عَلَى الْجَمِيعِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ، نِصْفُهَا عَلَى الْوَلِيِّ، وَنِصْفُهَا عَلَى الشُّهُودِ، وَلَوْ رَجَعَ الْقَاضِي مَعَهُمْ، فَالدِّيَةُ مُثَلَّثَةٌ، ثُلُثُهَا عَلَى الْقَاضِي، وَثُلُثٌ عَلَى الْوَلِيِّ، وَثُلُثٌ عَلَى الشُّهُودِ، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ لَا يَجِبَ كَمَالُ الدِّيَةِ عَلَى الْوَلِيِّ إِذَا رَجَعَ وَحْدَهُ.
قُلْتُ: لَمْ يُرَجِّحِ الرَّافِعِيُّ وَاحِدًا مِنَ الْوَجْهَيْنِ، بَلْ حَكَى اخْتِلَافَ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيِّ فِي الصَّحِيحِ، وَالْأَصَحُّ مَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْقَطْعُ بِهِ، فَهُوَ الْأَصَحُّ نَقْلًا وَدَلِيلًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: هَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْمُزَكِّي الرَّاجِعِ قِصَاصٌ وَضَمَانٌ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَثْنَى عَلَى الشَّاهِدِ، وَالْحُكْمُ يَقَعُ بِالشَّاهِدِ، فَكَانَ كَالْمُمْسِكِ مَعَ الْقَاتِلِ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّزْكِيَةِ أَلْجَأَ القَّاضِىَ إِلَى الْحُكْمِ الْمُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ، وَالثَّالِثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ دُونَ الْقِصَاصِ، قَالَ الْقَفَّالُ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا قَالَ الْمُزَكِّيَانِ: عَلِمْنَا كَذِبَ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنْ قَالَا: عَلِمْنَا فِسْقَهُمَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا قَدْ يَكُونَانِ صَادِقَيْنَ مَعَ الْفِسْقِ، وَطَرَدَ الْإِمَامُ الْخِلَافَ فِي الْحَالَيْنِ.
الثَّالِثَةُ: مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ هُوَ فِيمَا إِذَا قَالُوا: تَعَمَّدْنَا، فَلَوْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا، وَكَانَ الْجَانِي أَوِ الزَّانِي غَيْرَهُ، فَلَا قِصَاصَ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً، وَتَكُونُ فِي مَالِهِمْ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُمْ لَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ، فَإِنْ صَدَقَهُمُ الْعَاقِلَةُ، فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَقَدْ يَرَى الْقَاضِي وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَعْزِيزُ الشُّهُودِ لِتَرْكِهِمُ التَّحْفِيظَ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُ شَاهِدَيِ الْقَتْلِ: تَعَمَّدْتُ وَلَا أَدْرِي أَتَعَمَّدَ صَاحِبِي أَمْ لَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: تَعَمَّدْتُ وَقَالَ صَاحِبُهُ: أَخْطَأْتُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى

وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ شَرِيكَ الْمُخْطِئِ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَقِسْطُ الْمُخْطِئِ مِنَ الدِّيَةِ يَكُونُ مُخَفَّفًا، وَقِسْطُ الْمُتَعَمِّدِ يَكُونُ مُغَلَّظًا.
وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: تَعَمَّدْتُ، وَأَخْطَأَ صَاحِبِي، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الْقِصَاصُ لِاعْتِرَافِهِمَا بِالْعَمْدِيَّةِ، وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَيْهِمَا مُغْلِظَةً.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: تَعَمَّدْتُ وَأَخْطَأَ صَاحِبِي، أَوْ قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَتَعَمَّدَ صَاحِبِي أَمْ أَخْطَأَ، وَصَاحِبُهُ غَائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ، فَلَا قِصَاصَ، وَلَوْ قَالَ: تَعَمَّدْتُ وَتَعَمَّدَ صَاحِبِي، وَصَاحِبُهُ غَائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ.
وَلَوْ قَالَ: تَعَمَّدْتُ وَلَا أَعْلَمَ حَالَ صَاحِبِي، وَقَالَ صَاحِبُهُ مِثْلَهُ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: تَعَمَّدْتُ، لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: تَعَمَّدْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْتُ أَوْ أَخْطَأْنَا مَعًا، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الثَّانِي، وَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: تَعَمَّدْتُ وَتَعَمَّدَ صَاحِبِي، وَقَالَ صَاحِبُهُ: تَعَمَّدْتُ وَأَخْطَأَ هُوَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ إِلَّا بِشَرِكَةِ مُخْطِئٍ.
وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ، وَأَصَرَّ الْآخَرُ، وَقَالَ الرَّاجِعُ: تَعَمَّدْتُ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: تَعَمَّدْتُ، فَلَا.
الرَّابِعَةُ: مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ فِيمَا إِذَا قَالُوا: تَعَمَّدْنَا، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا، فَإِنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا، وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ، فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِمْ، كَمَنْ رَمَى سَهْمًا إِلَى رَجُلٍ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ قَصَدَهُ، وَلَكِنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَبْلُغُهُ، وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِمْ

لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، فَالَّذِي قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا، وَمَالَ الْإِمَامُ إِلَى وُجُوبِهِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا شَاذًّا مَأْخُوذًا، مِمَّا لَوْ ضُرِبَ الْمَرِيضُ ضَرْبًا يَقْتُلُ الْمَرِيضَ دُونَ الصَّحِيحِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَرَضَهُ، وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَتَجِبُ فِي مَالِ الشُّهُودِ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ إِلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُمُ الْعَاقِلَةُ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا، وَقَالَ الْقَفَّالُ: حَالَّةٌ لِتَعَمُّدِهِمْ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.

فَرْعٌ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ، وَقَالُوا: أَخْطَأْنَا، وَادَّعَوْا أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَعْرِفُ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا، وَأَنَّ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ، فَأَنْكَرَتِ الْعَاقِلَةُ الْعِلْمَ، فَلَيْسَ لِلشُّهُودِ تَحْلِيفُهُمْ، وَأَنَّمَا يُطَالِبُ الْعَاقِلَةَ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُمْ تَحْلِيفَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَوْ أَقَرُّوا لَغَرِمُوا.
النَّوْعُ الثَّانِي: غَيْرُ الْعُقُوبَاتِ، فَمِنْهُ الْإِبْضَاعُ فَإِذَا شَهِدُوا بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَضَاعٍ مُحَرِّمٍ، أَوْ لِعَانٍ أَوْ فَسْخٍ بِعَيْبٍ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ جِهَاتِ الْفِرَاقِ، وَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَرْتَفِعِ الْفِرَاقُ، لَكِنْ يَغْرَمَانِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، غَرِمَا مَهْرَ الْمِثْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي قَوْلٍ: الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَهَلْ يَغْرَمَانِ مَهْرَ الْمِثْلِ أَمْ نِصْفَهُ؟ فِيهِ نَصَّانِ، وَنَصٌّ فِيمَا لَوْ أَفْسَدَتِ امْرَأَةٌ نِكَاحَهُ بِرَضَاعٍ أَنَّهَا تَغْرَمُ نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ، الْمَذْهَبُ وُجُوبُ النِّصْفِ فِي الرَّضَاعِ، وَجَمِيعِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَفِي قَوْلٍ جَمِيعُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ جَمِيعُ مَهْرِ الْمِثْلِ قَطْعًا، وَقِيلَ: نِصْفُهُ قَطْعًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الزَّوْجُ سَلَّمَ إِلَيْهَا الصَّدَاقَ، غَرِمَ الشُّهُودُ جَمِيعَ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِرْدَادِ شَيْءٍ، وَإِلَّا فَنَصِفُهُ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا مُفَوَّضَةً، وَشَهِدَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْضِ، وَقَضَى الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ وَالْمُتْعَةِ، ثُمَّ رَجَعَا فَالْخِلَافُ فِي أَنَّهُمَا

يَغْرَمَانِ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ نِصْفَهُ، كَمَا فِي غَيْرِ التَّفْوِيضِ، وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ يَغْرَمَانِ الْمُتْعَةَ الَّتِي غَرِمَهَا الزَّوْجُ وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، ثُمَّ رَجَعَا، فَلَا غُرْمَ إِذَا لَمْ يَفُوتَا شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْ حَتَّى انْقَضَّتِ الْعِدَّةُ، الْتَحَقَ بِالْبَائِنِ، وَوَجَبَ الْغُرْمُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لَا لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الرِّجْعَةِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ كَجٍّ فِي وُجُوبِ الْغُرْمِ بِالرُّجُوعِ عَنْ شَهَادَةِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْغُرْمَ فِي الْحَالِ، فَغَرِمُوا، ثُمَّ رَاجَعَهَا الزَّوْجُ، فَهَلْ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ، فِيهِ احْتِمَالَانِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالرَّدِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ شَهِدَ بِطَلَاقٍ، وَقَضَى بِهِ، ثُمَّ رَجَعَا، وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ رَضَاعٌ مُحَرَّمٌ، أَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا الْيَوْمَ، وَرَجَعَا، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَمْسِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، إِذْ لَمْ يَفُوتَا، فَإِنْ غَرِمَا قَبْلَ الْبَيِّنَةِ اسْتَرَدَّا، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهَا زَوْجَةُ فُلَانٍ بِأَلْفٍ، وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا الْقَاضِي، ثُمَّ رَجَعَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَا غُرْمَ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ غَرِمَا مَا نَقَصَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ إِنْ كَانَ الْأَلْفُ دُونَهُ، قَالَ وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْرَمَا مَا نَقَصَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَطْلَقَهُ ابْنُ كَجٍّ.
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِأَلْفٍ، وَمَهْرُهَا أَلْفَانِ، فَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَالْبَغَوِيُّ: عَلَيْهِمَا أَلْفٌ وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَرْأَةِ أَلْفٌ، وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: عَلَيْهِمَا مَهْرُ الْمِثْلِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَنِصْفُهُ قَبْلَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرَا عِوَضًا، وَأَمَّا الْأَلْفُ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ عِنْدَهُ لِلْمَرْأَةِ، لِأَنَّهَا لَا تَدَّعِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ، فَهُوَ فِي يَدِهَا.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل