روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 7-46
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 7-46
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَابُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) . الْفُرْقَانِ: 48.
الْمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ مِنَ الْمَائِعَاتِ، الْمَاءُ الْمُطْلَقُ خَاصَّةً، وَهُوَ الْعَارِي عَنِ الْإِضَافَةِ اللَّازِمَةِ.
وَقِيلَ: الْبَاقِي عَلَى وَصْفِ خِلْقَتِهِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي رَفْعِ حَدَثٍ، فَطَاهِرٌ، وَلَيْسَ بِطَهُورٍ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: طَهُورٌ فِي الْقَدِيمِ.
وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي نَقْلِ الطَّهَارَةِ، كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ، وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةِ، وَمَاءِ الْمَضْمَضَةِ، طَهُورٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَمَّا مَا اغْتَسَلَتْ بِهِ كِتَابِيَّةٌ عَنْ حَيْضٍ لِتَحِلَّ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ إِعَادَةُ الْغُسْلِ إِذَا أَسْلَمَتْ، فَلَيْسَ بِطَهُورٍ.
وَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا - وَهُوَ الْأَصَحُّ - فَوَجْهَانِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ.
وَمَا تَطَهَّرُ بِهِ لِصَلَاةِ النَّفْلِ، مُسْتَعْمَلٌ، وَكَذَا مَا تَطَهَّرُ بِهِ الصَّبِيُّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالْمُسْتَعْمَلُ الَّذِي لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، لَا يُزِيلُ النَّجَسَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَسِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ طَاهِرٌ، لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ جُمِعَ الْمُسْتَعْمَلُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ، عَادَ طَهُورًا فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَوِ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِي قُلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوِ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِيمَا دُونَ قُلَّتَيْنِ حَتَّى عَمَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ، ثُمَّ نَوَى، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَصَارَ الْمَاءُ فِي الْحَالِ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِ

الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنْغَمِسِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا لِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ.
وَلَوِ انْغَمَسَ فِيهِ جُنُبَانِ، وَنَوَيَا مَعًا بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُمَا بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ نَوَى الْجُنُبُ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ، إِمَّا فِي أَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَإِمَّا بَعْدَ غَمْسِ بَعْضِ الْبَدَنِ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَةُ الْجُزْءِ الْمُلَاقِي بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، بَلْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ الِانْغِمَاسَ وَيُرْفَعُ الْحَدَثُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ.
وَقَالَ الْخُضَرِيُّ: يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، فَلَا تَرْتَفِعُ عَنِ الْبَاقِي.
قُلْتُ: وَلَوِ انْغَمَسَ جُنُبَانِ، وَنَوَى أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَةُ النَّاوِي، وَصَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخَرِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنْ نَوَيَا مَعًا بَعْدَ غَمْسِ جُزْءٍ مِنْهُمَا، ارْتَفَعَ عَنْ جُزْءَيْهِمَا، وَصَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا دَامَ الْمَاءُ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ، لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ.
قُلْتُ: وَإِذَا جَرَى الْمَاءُ مِنْ عُضْوِ الْمُتَوَضِّئِ إِلَى عُضْوٍ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا، حَتَّى لَوِ انْتَقَلَ مِنْ إِحْدَى الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ مَحْكِيٌّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ.
مِنَ (الْبَيَانِ) أَنَّهُ لَا يَصِيرُ، لِأَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ.

وَلَوِ انْفَصَلَ مِنْ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْجُنُبِ إِلَى بَعْضِهَا، فَوَجْهَانِ ; الْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبَيِ (الْحَاوِي) وَ (الْبَحْرِ) : لَا يَصِيرُ.
وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ يَصِيرُ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ نَقَلَهُ قَصْدًا، صَارَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ غَمَسَ الْمُتَوَضِّئُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ الْوَجْهِ، لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا.
وَإِنْ غَمَسَهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوَجْهِ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا.
وَإِنْ نَوَى الِاغْتِرَافَ، لَمْ يَصِرْ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ.
وَالْجُنُبُ بَعْدَ النِّيَّةِ، كَمُحْدِثٍ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ.
وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ الْحَنَفِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ نِيَّةِ

الْوُضُوءِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِيرُ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِيرُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ نَوَى، صَارَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ، كَمَا لَوِ اسْتَعْمَلَ فِي طَهَارَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ حَاجَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِيمَا يَطْرَأُ عَلَى الْمَاءِ وَضَابِطُ الْفَصْلِ: أَنَّ مَا يَسْلُبُ اسْمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، يُمْنَعُ الطَّهَارَةُ بِهِ، وَمَا لَا، فَلَا.
فَمِنْ ذَلِكَ الْمُتَغَيِّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا بِمَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، كَالزَّعْفَرَانِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ طَهُورٌ، وَالْمُتَغَيِّرُ كَثِيرًا بِمَا يُجَاوِرُهُ وَلَا يَخْتَلِطُ بِهِ، كَعُودٍ، وَدُهْنٍ، وَشَمْعٍ، طَهُورٌ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَالْكَافُورُ نَوْعَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَذُوبُ فِي الْمَاءِ وَيَخْتَلِطُ بِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَذُوبُ.
فَالْأَوَّلُ يَمْنَعُ، وَالثَّانِي كَالْعُودِ.
وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِمَا لَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ، كَالطِّينِ، وَالطُّحْلُبِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالنُّورَةِ، وَالزِّرْنِيخِ، فِي مَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ، وَالتُّرَابِ الَّذِي يَثُورُ وَيَنْبَثُّ فِي الْمَاءِ، وَالْمُتَغَيِّرِ بِطُولِ الْمُكْثِ، وَالْمُسَخَّنِ، فَطَهُورٌ.
قُلْتُ: وَلَا كَرَاهَةَ فِي اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُتَغَيِّرَاتِ بِمَا لَا يُصَانُ عَنْهُ، وَلَا فِي مَاءِ الْبَحْرِ وَمَاءِ زَمْزَمَ، وَلَا فِي الْمُسَخَّنِ وَلَوْ بِالنَّجَاسَةِ.
وَيُكْرَهُ شَدِيدُ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمُشَمَّسُ فِي الْحِيَاضِ وَالْبِرَكِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْأَوَانِي مَكْرُوهٌ

عَلَى الْأَصَحِّ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، وَالْأَوَانِي الْمُنْطَبِعَةِ كَالنُّحَاسِ إِلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي يُكْرَهُ مُطْلَقًا.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ، فَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ، وَتَخْتَصُّ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْبَدَنِ، وَتَزُولُ بِتَبْرِيدِهِ عَلَى أَصَحِّ الْأَوْجُهِ، وَفِي الثَّالِثِ: يُرَاجَعُ الْأَطِبَّاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِمَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، كَالزَّعْفَرَانِ، وَالْجِصِّ، تَغَيُّرًا كَثِيرًا، بِحَيْثُ يَسْلُبُ اسْمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، فَلَيْسَ بِطَهُورٍ.
وَلَوْ حَلِفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً، لَمْ يَحْنَثْ بِشُرْبِهِ.
وَيَكْفِي تَغَيُّرُ الطَّعْمِ أَوِ اللَّوْنِ أَوِ الرَّائِحَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْغَرِيبِ الضَّعِيفِ يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهَا، وَعَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ اللَّوْنُ وَحْدَهُ يَسْلُبُ، وَكَذَا الطَّعْمُ مَعَ الرَّائِحَةِ.
وَفِي الْجِصِّ، وَالنُّورَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهَا لَا تَضُرُّ.
وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِالتُّرَابِ الْمَطْرُوحِ قَصْدًا، فَطَهُورٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَالْمُتَغَيِّرُ بِالْمِلْحِ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا يَسْلُبُ الْجَبَلِيُّ مِنْهُ دُونَ الْمَائِيِّ.
وَالثَّانِي: يَسْلُبَانِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَسْلُبَانِ.
وَالْمُتَغَيِّرُ بِوَرَقِ الْأَشْجَارِ الْمُتَنَاثِرَةِ بِنَفْسِهَا إِنْ لَمْ تَتَفَتَّتْ فِي الْمَاءِ، فَهِيَ كَالْعُودِ، فَيَكُونُ طَهُورًا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِنْ تَفَتَّتَتْ وَاخْتَلَطَتْ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الْأَصَحُّ: لَا يَضُرُّ.
وَالثَّانِي: يَضُرُّ.
وَالثَّالِثُ: يَضُرُّ الرَّبِيعِيُّ دُونَ الْخَرِيفِيِّ.
قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ.
وَإِنْ طُرِحَتِ الْأَوْرَاقُ قَصْدًا، ضَرَّ.
0 وَقِيلَ: عَلَى الْأَوْجُهِ.

فَرْعٌ إِذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ أَوِ الْقَلِيلِ مَائِعٌ يُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ، كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ، وَمَاءِ الشَّجَرِ، وَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: إِنْ كَانَ الْمَائِعُ قَدْرًا لَوْ خَالَفَ الْمَاءَ فِي طَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ لَتَغَيَّرَ التَّغَيُّرَ الْمُؤَثِّرَ، سَلَبَ الطَّهُورِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤَثِّرُ مَعَ تَقْدِيرِ الْمُخَالِفَةِ، لَمْ يَسْلُبْ.
وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ الْمَائِعُ أَقَلَّ مِنَ الْمَاءِ، لَمْ يَسْلُبْ.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ، سَلَبَ.
وَحَيْثُ لَمْ يَسْلُبْ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ الْجَمِيعَ.
وَقِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَبْقَى قَدْرُ الْمَائِعِ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَاءُ وَحْدَهُ يَكْفِي لِوَاجِبِ الطَّهَارَةِ، فَلَهُ اسْتِعْمَالُ الْجَمِيعِ، وَإِلَّا بَقِيَ.
فَإِنْ جَوَّزْنَا الْجَمِيعَ، وَمَعَهُ مِنَ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ وَحْدَهُ، وَلَوْ كَمَّلَهُ بِمَائِعٍ يَهْلَكُ فِيهِ لَكَفَاهُ - لَزِمَهُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَزِيدَ قِيمَةُ الْمَائِعِ عَلَى ثَمَنِ مَاءِ الطَّهَارَةِ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِ الْجَمِيعِ فِيمَا إِذَا اسْتُهْلِكَتِ النَّجَاسَةُ الْمَائِعَةُ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ.
وَفِيمَا إِذَا اسْتُهْلِكَ الْخَلِيطُ الطَّاهِرُ فِي الْمَاءِ، لِقِلَّتِهِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَوْصَافِهِ أَوْصَافَ الْمَاءِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ الْكَثِيرُ، لِمُوَافَقَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ فِي الْأَوْصَافِ، فَالِاعْتِبَارُ بِتَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ بِلَا خِلَافٍ، لِغِلَظِ النَّجَاسَةِ، وَاعْتَبَرُوا فِي النَّجَاسَةِ بِالْمُخَالِفِ أَشَدَّهُ صِفَةً، وَفِي الطَّاهِرِ اعْتَبَرُوا الْوَسَطَ الْمُعْتَدِلَ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الطَّعْمِ حِدَّةُ الْخَلَّ، وَلَا فِي الرَّائِحَةِ ذَكَاءُ الْمِسْكِ.
قُلْتُ: الْمُتَغَيِّرُ بِالْمَنِيِّ لَيْسَ بِطَهُورٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ تَطَهَّرَ بِالْمَاءِ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنْهُ الْمِلْحُ قَبْلَ أَنْ يَجْمُدَ، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْقُلَّتَيْنِ، وَفَوْقَهُمَا، وَدُونَهُمَا.
وَلَوْ أُغْلِيَ الْمَاءُ، فَارْتَفَعَ مِنْ غَلَيَانِهِ بُخَارٌ، وَتَوَلَّدَ

مِنْهُ رَشْحٌ، فَوَجْهَانِ.
الْمُخْتَارُ مِنْهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ (الْبَحْرِ) أَنَّهُ طَهُورٌ.
وَالثَّانِي: طَاهِرٌ لَيْسَ بِطَهُورٍ.
وَلَوْ رَشَحَ مِنْ مَائِعٍ آخَرَ، فَلَيْسَ بِطَهُورٍ بِلَا خِلَافٍ، كَالْعَرَقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ

بَيَانُ النَّجَاسَاتِ وَالْمَاءِ النَّجِسِ الْأَعْيَانُ: جَمَادٌ، وَحَيَوَانٌ، فَالْجَمَادُ: مَا لَيْسَ بِحَيَوَانٍ، وَلَا كَانَ حَيَوَانًا، وَلَا جُزْءًا مِنْ حَيَوَانٍ، وَلَا خَرَجَ مِنْ حَيَوَانٍ، فَكُلُّهُ طَاهِرٌ، إِلَّا الْخَمْرَ، وَكُلُّ نَبِيذٍ مُسْكِرٍ.
وَفِي النَّبِيذِ وَجْهٌ شَاذٌّ مَذْكُورٌ فِي (الْبَيَانِ) أَنَّهُ طَاهِرٌ.
لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي إِبَاحَتِهِ.
وَفِي الْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ، وَكَذَا فِي بَاطِنِ الْعُنْقُودِ الْمُسْتَحِيلِ خَمْرًا وَجْهٌ أَنَّهُ طَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ، فَطَاهِرَةٌ، إِلَّا الْكَلْبَ، وَالْخِنْزِيرَ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ، أَنَّ الدُّودَ الْمُتَوَلِّدَ مِنَ الْمَيْتَةِ نَجِسُ الْعَيْنِ، كَوَلَدِ الْكَلْبِ، وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ: الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ.
وَأَمَّا الْمَيْتَاتُ، فَكُلُّهَا نَجِسَةٌ، إِلَّا السَّمَكَ وَالْجَرَادَ، فَإِنَّهُمَا طَاهِرَانِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا الْآدَمِيَّ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِلَّا الْجَنِينَ الَّذِي يُوجَدُ مَيْتًا بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ، وَالصَّيْدَ الَّذِي لَا تُدْرَكُ ذَكَاتُهُ، فَإِنَّهُمَا طَاهِرَانِ بِلَا خِلَافٍ.

وَأَمَّا الْمَيْتَةُ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةً، كَالذُّبَابِ وَغَيْرِهِ.
فَهَلْ تُنَجِّسُ الْمَاءَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمَائِعَاتِ إِذَا مَاتَتْ فِيهَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
الْأَظْهَرُ لَا تُنَجِّسُهُ، وَهَذَا فِي حَيَوَانٍ أَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَائِعِ، أَمَّا مَا مَنْشَؤُهُ فِيهِ، فَلَا يُنَجِّسُهُ بِلَا خِلَافٍ.
فَلَوْ أُخْرِجَ مِنْهُ وَطُرِحَ فِي غَيْرِهِ، أَوْ رُدَّ إِلَيْهِ، عَادَ الْقَوْلَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: تُنَجَّسُ الْمَائِعَ، فَهِيَ نَجِسَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُنَجِّسُهُ، فَهِيَ أَيْضًا نَجِسَةٌ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ.
ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ هَذَا الْحَيَوَانِ بَيْنَ مَا تَوَلَّدَ مِنَ الطَّعَامِ، كَدُودِ الْخَلِّ، وَالتُّفَّاحِ، وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ، كَالذُّبَابِ، وَالْخُنْفُسَاءِ، لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ فِي تَنْجِيسِ مَا مَاتَا فِيهِ، وَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ، فَإِنَّ غَيْرَ الْمُتَوَلَّدِ، لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَفِي الْمُتَوَلَّدِ أَوْجُهٌ.
الْأَصَحُّ: يَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَ مَا تَوَلَّدُ مِنْهُ، وَلَا يَحِلُّ مُنْفَرِدًا.
وَالثَّانِي: يَحِلُّ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: يَحْرُمُ مُطْلَقًا.
وَالْأَوْجَهُ جَارِيَةٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِطَهَارَةِ هَذَا الْحَيَوَانِ عَلَى قَوْلِ الْقَفَّالِ، أَوْ بِنَجَاسَتِهِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.

قُلْتُ: وَلَوْ كَثُرَتِ الْمَيْتَةُ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةً، فَغَيَّرَتِ الْمَاءَ أَوِ الْمَائِعَ، وَقُلْنَا: لَا تُنَجِّسُهُ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ، فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ.
الْأَصَحُّ تُنَجِّسُهُ، لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ بِالنَّجَاسَةِ.
وَالثَّانِي: لَا تُنَجِّسُهُ، وَيَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ، كَالْمُتَغَيِّرِ بِالزَّعْفَرَانِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ كَالْمُتَغَيِّرِ بِوَرَقِ الشَّجَرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ فِي أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ الْأَصْلُ أَنَّ مَا انْفَصَلَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ نَجِسٌ، وَيُسْتَثْنَى الشَّعْرُ الْمَجْزُوزُ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فِي الْحَيَاةِ، وَالصُّوفُ، وَالْوَبَرُ، وَالرِّيشُ، فَكُلُّهَا طَاهِرَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالْمُتَنَاثِرُ وَالْمَنْتُوفُ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا شَعْرُ الْآدَمِيِّ، وَالْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنْهُ، وَمِنَ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ، وَمَشِيمَةُ الْآدَمِيِّ، فَهَذِهِ كُلُّهَا طَاهِرَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الشُّعُورِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي نَجَاسَةِ الشَّعْرِ بِالْمَوْتِ.

فَرْعٌ فِي الْمُنْفَصِلِ عَنْ بَاطِنِ الْحَيَوَانِ هُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ اجْتِمَاعٌ، وَاسْتِحَالَةٌ فِي الْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا يَرْشَحُ رَشْحًا.
وَالثَّانِي: يَسْتَحِيلُ وَيَجْتَمِعُ فِي الْبَاطِنِ ثُمَّ يَخْرُجُ.
فَالْأَوَّلُ، كَاللُّعَابِ، وَالدَّمْعِ، وَالْعَرَقِ، وَالْمُخَاطِ، فَلَهُ حُكْمُ الْحَيَوَانِ الْمُتَرَشِّحِ مِنْهُ، إِنْ كَانَ نَجِسًا فَنَجِسٌ، وَإِلَّا، فَطَاهِرٌ.
وَالثَّانِي: كَالدَّمِ، وَالْبَوْلِ، وَالْعُذْرَةِ، وَالرَّوْثِ، وَالْقَيْءِ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا نَجِسَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ، أَيْ: مَأْكُولُ اللَّحْمِ وَغَيْرُهُ.
وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثَهُ طَاهِرَانِ.
وَهُوَ [أَحَدُ] قَوْلَيْ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ.
وَالْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ النَّجَاسَةُ.
وَهَلْ يُحْكُمُ بِنَجَاسَةِ هَذِهِ الْفَضَلَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: نَعَمْ.
وَفِي بَوْلِ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ، وَدَمِهِمَا وَرَوْثِهِمَا، وَرَوْثِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةً، وَالدَّمِ الْمُتَحَلِّبِ مِنَ الْكَبِدِ، وَالطِّحَالِ، وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: النَّجَاسَةُ.
وَأَمَّا اللَّبَنُ، فَطَاهِرٌ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَنَجِسٌ مِنَ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ، وَطَاهِرٌ مِنَ الْآدَمِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: نَجِسٌ.
وَلَكِنْ يُرَبَّى بِهِ الصَّبِيُّ لِلضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْآدَمِيِّ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ، فَلَبَنُهُ نَجِسٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: طَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْإِنْفَحَةُ، فَإِنْ أُخِذَتْ مِنَ السَّخْلَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا،

أَوْ بَعْدَ أَكْلِهَا غَيْرَ اللَّبَنِ، فَنَجِسَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ أُخِذَتْ مِنَ السَّخْلَةِ الْمَذْبُوحَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ غَيْرَ اللَّبَنِ، فَوَجْهَانِ، الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ طَهَارَتُهَا.
وَأَمَّا الْمَنِيُّ، فَمِنَ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ فِي مَنِيِّ الْمَرْأَةِ خَاصَّةً، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
لَكِنْ إِنْ قُلْنَا: رُطُوبَةُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ نَجِسَةٌ، نَجُسَ مَنِيُّهَا بِمُلَاقَاتِهَا، كَمَا لَوْ بَالَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَغْسِلْ ذَكَرَهُ بِالْمَاءِ، فَإِنَّ مَنِيَّهُ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ الْمَحَلِّ النَّجِسِ.
وَأَمَّا مَنِيُّ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، فَمِنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا نَجِسٌ، وَمِنْ غَيْرِهِمَا فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا نَجِسٌ.
وَالثَّانِي: طَاهِرٌ.
وَالثَّالِثُ: طَاهِرٌ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، نَجِسٌ مِنْ غَيْرِهِ، كَاللَّبَنِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ، الْوَجْهُ الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْبَيْضُ، فَطَاهِرٌ مِنَ الْمَأْكُولِ، وَفِي غَيْرِهِ الْوَجْهَانِ فِي مَنِيِّهِ، وَيَجْرِيَانِ فِي بِزْرِ الْقَزِّ، فَإِنَّهُ أَصْلُ الدُّودِ، كَالْبَيْضِ.
وَأَمَّا دُودُ الْقَزِّ، فَطَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَأَمَّا الْمِسْكُ فَطَاهِرٌ، وَفِي فَأْرَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ فِي حَيَاةِ الظَّبْيَةِ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: الطَّهَارَةُ، كَالْجَنِينِ.
فَإِنِ انْفَصَلَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَنَجِسَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، كَاللَّبَنِ.
وَطَاهِرَةٌ فِي وَجْهٍ، كَالْبَيْضِ الْمُتَصَلِّبِ، وَأَمَّا الزَّرْعُ النَّابِتُ عَلَى السِّرْجِينِ.
فَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَيْسَ هُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ، لَكِنْ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ.
فَإِذَا غُسِلَ، طَهُرَ، وَإِذَا سَنْبَلَ، فَحَبَّاتُهُ الْخَارِجَةُ طَاهِرَةٌ.

قُلْتُ: الْقَيْحُ نَجِسٌ، وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ إِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَدُخَانُ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ: مَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ.
وَلَيْسَتْ رُطُوبَةُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَالْعَلَقَةُ، بِنَجِسٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا الْمُضْغَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمِرَّةُ نَجِسَةٌ، وَكَذَا حَرَّةُ الْبَعِيرِ.
وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا، فَنَجِسٌ.
وَإِلَّا فَطَاهِرٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ كَانَ مِنَ اللَّهَوَاتِ، فَطَاهِرٌ، أَوْ مِنَ الْمَعِدَةِ، فَنَجِسٌ.
وَيُعْرَفُ كَوْنُهُ مِنَ اللَّهَوَاتِ بِأَنْ يَنْقَطِعَ إِذَا طَالَ نَوْمُهُ.
وَإِذَا شَكَّ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّجَاسَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ غَسْلُهُ.
وَإِذَا حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ، وَعَمَّتْ بَلْوَى شَخْصٍ بِهِ، لِكَثْرَتِهِ مِنْهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْتَحِقُ بِدَمِ الْبَرَاغِيثِ، وَسَلَسِ الْبَوْلِ، وَنَظَائِرِهِ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ: لَوْ أَكَلَتْ بَهِيمَةٌ حَبًّا ثُمَّ أَلْقَتْهُ صَحِيحًا، فَإِنْ كَانَتْ صَلَابَتُهُ بَاقِيَةً، بِحَيْثُ لَوْ زُرِعَ نَبَتَ، فَعَيْنُهُ طَاهِرَةٌ، وَيَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ صَارَ غِذَاءً لَهَا فَمَا تَغَيَّرَ إِلَى فَسَادٍ، فَصَارَ كَمَا لَوِ ابْتَلَعَ نَوَاةً.
وَإِنْ زَالَتْ صَلَابَتُهُ، بِحَيْثُ لَا يَنْبُتُ، فَنَجِسُ الْعَيْنِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَالْوَسَخُ الْمُنْفَصِلُ مِنَ الْآدَمِيِّ فِي حَمَّامٍ وَغَيْرِهِ، لَهُ حُكْمُ مَيْتَتِهِ، وَكَذَا الْوَسَخُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ لَهُ حُكْمُ مَيْتَتِهِ.
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا قَطْعًا، كَالْعَرَقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاكِدَ: قَلِيلٌ، وَكَثِيرٌ، فَالْكَثِيرُ: قُلَّتَانِ، وَالْقَلِيلُ: دُونَهُ.
وَالْقُلَّتَانِ: خَمْسُ قِرَبٍ.
وَفِي قَدْرِهَا بِالْأَرْطَالِ أَوْجُهٌ.
الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ.
وَالثَّانِي: سِتُّمِائَةٍ.
قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ.
وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ، وَالْغَزَالِيُّ.
وَالثَّالِثُ: أَلْفُ رَطْلٍ.
قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ تَقْرِيبٌ، فَلَا يَضُرُّ نُقْصَانُ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ بِنُقْصَانِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِالْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُغَيَّرَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَحْدِيدٌ: فَيَضُرُّ أَيُّ شَيْءٍ نَقَصَ.
قُلْتُ: الْأَشْهَرُ - تَفْرِيعًا عَلَى التَّقْرِيبِ - أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ نَقْصِ رَطْلَيْنِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَنَحْوُهَا، وَقِيلَ: مِائَةُ رَطْلٍ.
وَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ: هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ، أَمْ لَا؟ فَالَّذِي جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ (الْحَاوِي) وَآخَرُونَ: أَنَّهُ نَجِسٌ، لِتَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ.
وَلِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَالْمُخْتَارُ، بَلِ الصَّوَابُ: الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ، وَشَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ.
وَقَدْرُ الْقُلَّتَيْنِ بِالْمِسَاحَةِ: ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ الْمُؤَثِّرَةِ، تَغَيَّرَ أَمْ لَا.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَثِّرَةِ، كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةً، وَنَجَاسَةٍ لَا يُدْرِكُهَا طَرْفٌ، وَوُلُوغِ هِرَّةٍ تَنْجُسُ فَمُهَا ثُمَّ غَابَتْ وَاحْتُمِلَ طَهَارَتُهُ، فَلَا يَنْجُسُ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا سَبَقَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَسَيَأْتِي الْأُخْرَيَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ، الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا الْكَثِيرُ، فَيَنْجُسُ بِالتَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ لِلْإِجْمَاعِ، سَوَاءً قَلَّ التَّغَيُّرُ أَمْ كَثُرَ، وَسَوَاءً تَغَيَّرَ الطَّعْمُ أَوِ اللَّوْنُ أَوِ الرَّائِحَةُ، وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ هَاهُنَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّاهِرِ.
وَسَوَاءً كَانَتِ النَّجَاسَةُ الْمُلَاقِيَةُ مُخَالِطَةً أَمْ مُجَاوِرَةً، وَفِي الْمُجَاوَرَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُهُ.
وَأَمَّا إِذَا تَرَوَّحَ الْمَاءُ بِجِيفَةٍ مُلْقَاةٍ عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَلَا يَنْجُسُ، لِعَدَمِ الْمُلَاقَاةِ، وَإِنْ لَاقَى الْكَثِيرُ النَّجَاسَةَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لِقِلَّةِ النَّجَاسَةِ وَاسْتِهْلَاكِهَا، لَمْ يَنْجُسْ، وَيُسْتَعْمَلُ جَمِيعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى وَجْهٍ يُبَقَّى قَدْرُ النَّجَاسَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِمُوَافَقَتِهَا الْمَاءَ فِي الْأَوْصَافِ، قُدِّرَ بِمَا يُخَالِفُ، كَمَا سَبَقَ فِي (بَابِ الطَّاهِرِ) . وَأَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ بَعْضُهُ، فَالْأَصَحُّ نَجَاسَةُ جَمِيعِ الْمَاءِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي (الْمُهَذَّبِ) وَغَيْرِهِ.
وَفِي وَجْهٍ لَا يَنْجُسُ إِلَّا الْمُتَغَيِّرُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ، وَصَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» وَآخَرُونَ: أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ، كَنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ.
فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ قُلَّتَيْنِ، فَنَجِسٌ وَإِلَّا، فَطَاهِرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنْ زَالَ تَغَيُّرُ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ بِنَفْسِهِ، طَهُرَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَا يَطْهُرُ.
وَهُوَ شَاذٌّ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ، لِطَرْحِ الْمِسْكِ

فِيهِ، أَوْ طَعْمُهَا، لِطَرْحِ الْخَلِّ، أَوْ لَوْنُهَا، لِطَرْحِ الزَّعْفَرَانِ، لَمْ يَطْهُرْ بِالِاتِّفَاقِ.
وَإِنْ ذَهَبَ التَّغَيُّرُ بِطَرْحِ التُّرَابِ، فَقَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا لَا يَطْهُرُ، لِلشَّكِّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ.
وَإِنْ ذَهَبَ بِالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يَغْلُبُ وَصْفَ التَّغَيُّرِ، فَهُوَ كَالتُّرَابِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: كَالْمِسْكِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ التُّرَابِ إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ بِالرَّائِحَةِ.
وَأَمَّا تَغَيُّرُ اللَّوْنِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التُّرَابُ قَطْعًا.
وَالْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ سَاكِتَةٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ.
قُلْتُ: بَلْ قَدْ صَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ، وَالْفُورَانِيُّ، وَآخَرُونَ: بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي التَّغَيُّرِ بِالصِّفَاتِ الثَّلَاثِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ، كَنُقْطَةِ خَمْرٍ، وَبَوْلٍ يَسِيرَةٍ، لَا تُبْصَرُ لِقِلَّتِهَا وَكَذُبَابَةٍ تَقَعُ عَلَى نَجَاسَةٍ، ثُمَّ تَطِيرُ عَنْهَا، هَلْ يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ كَالنَّجَاسَةِ الْمُدْرَكَةِ، أَمْ يُعْفَى عَنْهَا؟ فِيهِ سَبْعُ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: يُعْفَى عَنْهَا فِيهِمَا.
وَالثَّانِي: لَا.
وَالثَّالِثُ: فِيهِمَا قَوْلَانِ.
وَالرَّابِعُ: تُنَجِّسُ الْمَاءَ، وَفِي الثَّوْبِ قَوْلَانِ، وَالْخَامِسُ: يُنَجِّسُ الثَّوْبَ، وَفِي الْمَاءِ قَوْلَانِ، وَالسَّادِسُ: يُنَجِّسُ الْمَاءَ دُونَ الثَّوْبِ.
وَالسَّابِعُ: عَكْسُهُ.
وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ الْعَفْوَ فِيهِمَا، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ - عِنْدَ الْمُعْظَمِ - خِلَافُهُ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ الْمَاءُ الْقَلِيلُ النَّجِسُ إِذَا كُوثِرَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ، نُظِرَ، إِنْ كُوثِرَ بِغَيْرِ الْمَاءِ، لَمْ يَطْهُرْ، بَلْ لَوْ كَمَّلَ الطَّاهِرُ النَّاقِصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ بِمَاءِ وَرْدٍ بَلَغَهُمَا بِهِ وَصَارَ مُسْتَهْلَكًا، ثُمَّ وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ، نَجُسَ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
وَإِنَّمَا لَا تَقْبَلُ النَّجَاسَةَ قُلَّتَانِ مِنَ الْمَاءِ الْمَحْضِ.
وَإِنْ كُوثِرَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، عَادَ مُطَهِّرًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: هُوَ كَمَاءِ الْوَرْدِ.
وَإِنْ كُوثِرَ بِمَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ، طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ، عَادَ مُطَهِّرًا بِلَا خِلَافٍ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ؟ فِيهِ خِلَافُ التَّبَاعُدِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا كُوثِرَ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُكَاثَرُ بِهِ مُطَهِّرًا، وَأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمَوْرُودِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُورِدَهُ عَلَى النَّجِسِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ فَإِنِ اخْتَلَّ أَحَدُ الشُّرُوطِ، فَنَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ فِيمَا إِذَا كُوثِرَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ الْأَصَحُّ، وَعِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ: الثَّانِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُكَاثَرَةِ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، دُونَ الْخَلْطِ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُ الْبَعْضَيْنِ صَافِيًا، وَالْآخَرُ كَدِرًا، وَانْضَمَّا، زَالَتِ النَّجَاسَةُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الِاخْتِلَاطِ الْمَانِعِ مِنَ التَّمْيِيزِ.
وَمَتَى حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فَفُرِّقَ، لَمْ يَضُرَّ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ.

فَرْعٌ إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ الرَّاكِدِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، فَقَوْلَانِ: أَظْهَرَهُمَا وَهُوَ الْقَدِيمُ، أَنَّهُ يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ، وَلَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ كُلُّهُ.
وَالثَّانِي: الْجَدِيدُ: يَجِبُ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ النَّجَاسَةِ بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكْفِي فِي الْبَحْرِ التَّبَاعُدُ بِشِبْرٍ نَظَرًا إِلَى الْعُمْقِ، بَلْ يَتَبَاعَدُ قَدْرًا لَوْ حُسِبَ مِثْلُهُ فِي الْعُمْقِ وَسَائِرِ الْجَوَانِبِ لَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ.
فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مُنْبَسِطًا بِلَا عُمْقٍ، تَبَاعَدَ طُولًا وَعَرْضًا قَدْرًا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْعُمْقِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَجِبُ أَنْ يَبْعُدَ إِلَى مَوْضِعٍ يَعْلَمُ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَنْتَشِرْ إِلَيْهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ، فَعَلَى الْجَدِيدِ: لَا يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ.
وَعَلَى الْقَدِيمِ: يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ.
ثُمَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَنْ غَيْرِ تَبَاعُدٍ، مَعَ الْقَطْعِ بِطَهَارَةِ الْجَمِيعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِعْمَالِ مَبْنِيًّا عَلَى خِلَافٍ فِي نَجَاسَتِهِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، نُقِلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ.

قُلْتُ: هَذَا التَّوَقُّفُ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ عَجَبٌ، فَقَدْ جَزَمَ وَصَرَّحَ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ جَمَاعَاتٌ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَاحِبُ (الْحَاوِي) وَالْمَحَامِلِيُّ، وَصَاحِبَا (الشَّامِلِ) وَ (الْبَيَانِ) وَآخَرُونَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ.
وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى قَوْلِ التَّبَاعُدِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُجْتَنَبُ نَجِسًا، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْبَغَوِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
حَتَّى قَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ: لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ، كَانَ نَجِسًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
إِذَا غُمِسَ كُوزٌ مُمْتَلِئٌ مَاءً نَجِسًا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ طَاهِرٍ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعَ الرَّأْسِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ.
وَإِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ طَهُورٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَهَلْ يَصْلُحُ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ يَزُولُ فِيهِ التَّغَيُّرُ لَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: الثَّانِي.
وَيَكُونُ الزَّمَانُ فِي الضَّيِّقِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْوَاسِعِ.
فَإِنْ كَانَ مَاءُ الْكُوزِ مُتَغَيِّرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْكُوزُ غَيْرَ مُمْتَلِئٍ، فَمَا دَامَ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ، فَلَا اتِّصَالَ، وَهُوَ عَلَى نَجَاسَتِهِ.
قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي فِيهِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الْمُكَاثَرَةِ.

قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَصَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) : وَلَوْ كَانَ مَاءُ الْكُوزِ طَاهِرًا، فَغَمَسَهُ فِي مَاءٍ نَجِسٍ يَنْقُصُ عَنِ الْقُلَّتَيْنِ بِقَدْرِ مَاءِ الْكُوزِ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ النَّجِسِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ مَاءُ الْبِئْرِ كَغَيْرِهِ فِي قَبُولِ النَّجَاسَةِ وَزَوَالِهَا، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَتَنَجَّسَ بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْزَحَ لِيَنْبُعَ الْمَاءُ الطَّهُورُ بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ نُزِحَ، فَقَعْرُ الْبِئْرِ يَبْقَى نَجِسًا، وَقَدْ تَنَجَّسَ جُدْرَانُ الْبِئْرِ أَيْضًا، بِالنَّزْحِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لِيَزْدَادَ فَيَبْلُغَ حَدَّ الْكَثْرَةِ.
وَإِنْ كَانَ نَبْعُهَا قَلِيلًا لَا تُتَوَقَّعُ كَثْرَتُهُ، صُبَّ فِيهَا مَاءٌ لِيَبْلُغَ الْكَثْرَةَ، وَيَزُولَ التَّغَيُّرُ إِنْ كَانَ تَغَيَّرَ.
وَطَرِيقُ زَوَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاتِّفَاقِ وَالْخِلَافِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا طَاهِرًا، وَتَفَتَّتْ فِيهِ شَيْءٌ نَجِسٌ، كَفَأْرَةٍ تَمَعَّطَ شَعْرُهَا، فَقَدْ يَبْقَى عَلَى طَهُورِيَّتِهِ لِكَثْرَتِهِ، وَعَدَمِ التَّغَيُّرِ، لَكِنْ يَتَعَذَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَنْزَحُ دَلْوًا إِلَّا وَفِيهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَقَى الْمَاءُ كُلُّهُ، لِيَخْرُجَ الشَّعْرُ مِنْهُ.
فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فَوَّارَةً، وَتَعَذَّرَ نَزْحُ الْجَمِيعِ، نُزِحَ مَا يَغْلُبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الشَّعْرَ خَرَجَ كُلُّهُ مَعَهُ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبِئْرِ وَمَا يَحْدُثُ، طَهُورٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَيْقَنِ النَّجَاسَةِ، وَلَا مَظْنُونِهَا، وَلَا يَضُرُّ احْتِمَالُ بَقَاءِ الشَّعْرِ.
فَإِنْ تَحَقَّقَ شَعْرًا بَعْدَ ذَلِكَ، حُكِمَ بِهِ.
فَأَمَّا قَبْلَ النَّزْحِ إِلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ دَلْوٍ عَنْ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَةِ، لَكِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْهُ، فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ الْقَوْلَانِ فِي تَقَابُلِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّعْرِ تَفْرِيعٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ.
فَإِنْ لَمْ تُنَجِّسْهُ، فُرِضَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ.

فَصْلٌ

فِي الْمَاءِ الْجَارِي هُوَ ضَرْبَانِ: مَاءُ الْأَنْهَارِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَمَاءُ [الْأَنْهَارِ] الْعَظِيمَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالنَّجَاسَةُ الْوَاقِعَةُ فِيهِ مَائِعَةٌ وَجَامِدَةٌ، وَالْمَائِعَةُ: مُغَيِّرَةٌ وَغَيْرُهَا.
فَالْمُغَيِّرَةُ: تُنَجِّسُ الْمُتَغَيِّرَ.
وَحُكْمُ غَيْرِهِ مَعَهُ كَحُكْمِهِ مَعَ النَّجَاسَةِ الْجَامِدَةِ.
وَغَيْرُ الْمُغَيِّرَةِ: إِنْ كَانَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ لِلْمُوَافَقَةِ فِي الْأَوْصَافِ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الرَّاكِدِ.
إِنْ كَانَ لِقِلَّةِ النَّجَاسَةِ وَامِّحَاقِهَا فِيهِ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ كَالرَّاكِدِ.
وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا يَنْجُسُ.
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلَا.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ طَاهِرٌ مُطْلَقًا، وَفِي الْقَدِيمِ: لَا يَنْجُسُ الْجَارِي إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ.
قُلْتُ: وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ الطَّهَارَةَ، مِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَصَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا النَّجَاسَةُ الْجَامِدَةُ، كَالْمَيْتَةِ، فَإِنْ غَيَّرَتِ الْمَاءَ، نَجَّسَتْهُ، وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، فَتَارَةً تَقِفُ، وَتَارَةً تَجْرِي مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ جَرَتْ جَرْيَةً، فَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا طَاهِرَانِ.
وَمَا عَلَى يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا وَفَوْقَهَا وَتَحْتَهَا، إِنْ كَانَ قَلِيلًا، فَنَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ، فَقِيلَ: طَاهِرٌ، وَقِيلَ: عَلَى قَوْلَيِ التَّبَاعُدِ.
وَإِنْ وَقَفَتِ النَّجَاسَةُ، وَجَرَى الْمَاءُ عَلَيْهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَارِيَةِ، وَيَزِيدُ هَاهُنَا أَنَّ الْجَارِيَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَهُوَ قَلِيلٌ، يَنْجُسُ بِمُلَاقَاتِهَا، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ

إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ فِي مَوْضِعِ قُلَّتَانِ مِنْهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ إِذَا تَبَاعَدَ وَاغْتَرَفَ مِنْ مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ قُلَّتَانِ، جَازَ اسْتِعْمَالُهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَعَلَيْهِ يُقَالُ: مَاءٌ هُوَ أَلْفُ قُلَّةٍ، نَجِسٌ بِلَا تَغَيُّرٍ، فَهَذِهِ صُورَتُهُ.
أَمَّا النَّهْرُ الْعَظِيمُ، فَلَا يُجْتَنَبُ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَا حَرِيمَ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ فِي التَّبَاعُدِ عَمَّا حَوَالَيِ النَّجَاسَةِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يُجْزِئُ، وَوَجْهٌ أَنَّهُ يَجِبُ اجْتِنَابُ الْحَرِيمِ خَاصَّةً، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَطَرَدَهُ فِي حَرِيمِ الرَّاكِدِ أَيْضًا.
وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ اجْتِنَابُ الْحَرِيمِ فِي الْجَارِي، وَلَا فِي الرَّاكِدِ.
ثُمَّ الْعَظِيمُ: مَا أَمْكَنَ التَّبَاعُدُ فِيهِ عَنْ جَوَانِبِ النَّجَاسَةِ كُلِّهَا بِقُلَّتَيْنِ.
وَالْمُعْتَدِلُ: مَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ.
وَمِنَ الْمُعْتَدِلِ: النَّهْرُ الَّذِي بَيْنَ حَافَّتَيْهِ قُلَّتَانِ فَقَطْ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْمُعْتَدِلُ: مَا يُمْكِنُ تَغَيُّرُهُ بِالنَّجَاسَاتِ الْمُعْتَادَةِ.
وَالْعَظِيمُ: مَا لَا يُمْكِنُ تَغَيُّرُهُ بِهَا.
وَأَمَّا الْحَرِيمُ: فَمَا يُنْسَبُ إِلَى النَّجَاسَةِ بِتَحْرِيكِهِ إِيَّاهَا، وَانْعِطَافِهِ عَلَيْهَا، وَالْتِفَافِهِ بِهَا.
قُلْتُ: غَيْرُ الْمَاءِ مِنَ الْمَائِعَاتِ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ كَثُرَ.
وَإِنَّمَا لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ لِقُوَّتِهِ.
وَلَوْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهَا دَجَاجَةً مُنْتَفِخَةً، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُعِيدَ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِالْمَاءِ النَّجِسِ.
ذَكَرَهُ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ

إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ النَّجِسُ ضَرْبَانِ: نَجِسُ الْعَيْنِ، وَغَيْرُهُ، فَنَجِسُ الْعَيْنِ: لَا يَطْهُرُ بِحَالٍ، إِلَّا الْخَمْرَ، فَتَطْهُرُ بِالتَّخَلُّلِ، وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ.
وَالْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ وَالدَّمَ الَّذِي هُوَ حَشْوُ الْبَيْضَةِ،

إِذَا نَجَّسْنَا الثَّلَاثَةَ فَاسْتَحَالَتْ حَيَوَانَاتٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ نَجِسِ الْعَيْنِ، فَضَرْبَانِ: نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ، وَحُكْمِيَّةٌ، فَالْحُكْمِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَيَقَّنَ وُجُودَهَا وَلَا تُحَسُّ، كَالْبَوْلِ إِذَا جَفَّ عَلَى الْمَحَلِّ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا أَثَرٌ، فَيَكْفِي إِجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّهَا مَرَّةً، وَيُسَنُّ ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً.
وَأَمَّا الْعَيْنِيَّةُ: فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِزَالَةِ مَا وُجِدَ مِنْهَا مِنْ طَعْمٍ، وَلَوْنٍ، وَرِيحٍ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَبَقِيَ طَعْمٌ، لَمْ يَطْهُرْ، وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَحْدَهُ وَهُوَ سَهْلُ الْإِزَالَةِ، لَمْ يَطْهُرْ.
وَإِنْ كَانَ عُسْرُهَا، كَدَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، وَرُبَّمَا لَا يَزُولُ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِالْحَتِّ وَالْقَرْصِ، طَهُرَ.
وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَالْحَتُّ وَالْقَرْصُ لَيْسَا بِشَرْطٍ، بَلْ مُسْتَحَبَّانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: هُمَا شَرْطٌ، وَإِنْ بَقِيَتِ الرَّائِحَةُ وَحْدَهَا وَهِيَ عَسِرَةُ الْإِزَالَةِ، كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ، فَقَوْلَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا يَطْهُرُ.
وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ مَعًا، لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ، إِنَّ مَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ مَعَ بَقَاءِ لَوْنٍ أَوْ رَائِحَةٍ، فَهُوَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي (التَّتِمَّةِ) ثُمَّ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ يُسَنُّ غَسْلُهُ، ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الطَّهَارَةِ عَصْرُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى طَهَارَةِ الْغُسَالَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالضَّعِيفِ: إِنَّ الْعَصْرَ شَرْطٌ، قَامَ مَقَامَهُ الْجَفَافُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي زَوَالِ الْمَاءِ.
فَرْعٌ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ بِالْعَصْرِ أَوْ دُونَهُ: هُوَ فِيمَا إِذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى الْمَحَلِّ، أَمَّا إِذَا وَرَدَ الْمَاءُ الْمَحَلَّ النَّجِسَ، كَالثَّوْبِ يُغْمَسُ فِي إِجَّانَةٍ فِيهَا مَاءٌ وَيُغْسَلُ فِيهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَطْهُرُ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَطْهُرُ، وَلَوْ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِيهِ وَالْمَاءُ دُونَ قُلَّتَيْنِ، نَجُسَ الْمَاءُ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ.

فَرْعٌ إِذَا أَصَابَ الْأَرْضَ بَوْلٌ فَصُبَّ عَلَيْهَا مَاءٌ غَمَرَهُ وَاسْتُهْلِكَ فِيهِ، طَهُرَتْ بَعْدَ نُضُوبِ الْمَاءِ، وَقَبْلَهُ وَجْهَانِ.
إِنْ قُلْنَا: الْعَصْرُ لَا يَجِبُ، طَهُرَتْ.
وَإِنْ قُلْنَا: وَاجِبٌ، لَمْ يَطْهُرْ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ عَلَى الْجَفَافِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَغِيضَ الْمَاءُ كَالثَّوْبِ الْمَعْصُورِ.
وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الْمَصْبُوبُ غَامِرًا لِلنَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةَ أَضْعَافِ الْبَوْلِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْوَاحِدِ ذَنُوبٌ، وَعَلَى بَوْلِ الِاثْنَيْنِ ذَنُوبَانِ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا، ثُمَّ الْخَمْرُ، وَسَائِرُ النَّجَاسَاتِ الْمَائِعَةِ كَالْبَوْلِ، يَطْهُرُ الْأَرْضُ عَنْهَا بِغَمْرِ الْمَاءِ بِلَا تَقْدِيرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ.
فَرْعٌ اللَّبَنُ النَّجِسُ: ضَرْبَانِ.
مُخْتَلِطٌ بِنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ، كَالرَّوْثِ وَعِظَامِ الْمَيْتَةِ، وَغَيْرُ مُخْتَلِطٍ.
فَالْأَوَّلُ: نَجِسٌ لَا طَرِيقَ إِلَى تَطْهِيرِهِ، لِعَيْنِ النَّجَاسَةِ.
فَإِنْ طُبِخَ، فَالْمَذْهَبُ - وَهُوَ الْجَدِيدُ - أَنَّهُ عَلَى نَجَاسَتِهِ.
وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ: أَنَّ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ تَطْهُرُ بِزَوَالِ النَّجَاسَةِ، بِالشَّمْسِ، وَالرِّيحِ، وَمُرُورِ الزَّمَنِ.
فَخَرَّجَ أَبُو زَيْدٍ، وَالْخُضَرِيُّ، وَآخَرُونَ مِنْهُ قَوْلًا: إِنَّ النَّارَ تُؤَثِّرُ، فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ بِالطَّبْخِ.
فَعَلَى الْجَدِيدِ: لَوْ غُسِلَ، لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَالْقَفَّالُ: يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمُخْتَلِطِ، كَالْمَعْجُونِ بِمَاءٍ نَجِسٍ، أَوْ بَوْلٍ، فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَيَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِأَنْ يُنْقَعَ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، كَالْعَجِينِ بِمَائِعٍ نَجِسٍ.
هَذَا إِنْ لَمْ يُطْبَخْ، فَإِنْ طُبِخَ، طَهُرَ - عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي زَيْدٍ - ظَاهِرُهُ، وَكَذَا بَاطِنُهُ، عَلَى الْأَظْهَرِ، وَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ، فَهُوَ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِأَنْ يُدَقَّ حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا، ثُمَّ يُفَاضُ الْمَاءُ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الطَّبْخِ رَخْوًا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ، فَهُوَ كَمَا قَبْلَ الطَّبْخِ.
قُلْتُ: إِذَا أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ شَيْئًا صَقِيلًا، كَسَيْفٍ، وَسِكِّينٍ، وَمِرْآةٍ، لَمْ يَطْهُرْ بِالْمَسْحِ عِنْدَنَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا.
وَلَوْ سُقِيَتْ سِكِّينٌ مَاءً نَجِسًا، ثُمَّ غَسَلَهَا، طَهُرَ ظَاهِرُهَا.
وَهَلْ يَطْهُرُ بَاطِنُهَا بِمُجَرَّدِ الْغَسْلِ، أَمْ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَسْقِيَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً بِمَاءٍ طَهُورٍ؟ وَجْهَانِ.
وَلَوْ طُبِخَ لَحْمٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ، صَارَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ نَجِسًا، وَفِي كَيْفِيَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُغْسَلُ ثُمَّ يُعْصَرُ، كَالْبِسَاطِ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ أَنْ يُغْلَى بِمَاءٍ طَهُورٍ.
وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمُتَوَلِّي، فِي مَسْأَلَتَيِ السِّكِّينِ وَاللَّحْمِ: بِأَنَّهُ يَجِبُ سَقْيُهَا مَرَّةً ثَانِيَةً وَإِغْلَاؤُهُ.
وَاخْتَارَ الشَّاشِيُّ الِاكْتِفَاءَ بِالْغَسْلِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي (الْأُمِّ) فِي (بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ) : لَوْ أَحَمَى حَدِيدَةً ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهَا سُمًّا نَجِسًا، أَوْ غَمَسَهَا فِيهِ فَشَرِبَتْهُ، ثُمَّ غُسِلَتْ بِالْمَاءِ ; طَهُرَتْ، لِأَنَّ الطَّهَارَاتِ كُلَّهَا إِنَّمَا جُعِلَتْ مَا يَظْهَرُ، لَيْسَ عَلَى الْأَجْوَافِ.
هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِذَا شَرَطْنَا سَقْيَ السِّكِّينِ، جَازَ أَنْ يُقْطَعَ بِهَا الْأَشْيَاءُ الرَّطْبَةُ قَبْلَ السَّقْيِ، كَمَا يُقْطَعُ الْيَابِسَةُ.
وَلَوْ أَصَابَتِ الزِّئْبَقَ نَجَاسَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَقَطَّعْ ; طَهُرَ

بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَقَطَّعْ، كَالدُّهْنِ، لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ.
وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَمْ يَعْصِ بِالتَّلَطُّخِ بِهَا فِي بَدَنِهِ، لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
وَيُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ بِهَا.
قَالَ الْمُتَوَلِّي، وَغَيْرُهُ: لِلْمَاءِ قُوَّةٌ عِنْدَ الْوُرُودِ عَلَى النَّجَاسَةِ، فَلَا يَنْجُسُ بِمُلَاقَاتِهَا، بَلْ يَبْقَى مُطَهَّرًا، فَلَوْ صَبَّهُ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبٍ فَانْتَشَرَتِ الرُّطُوبَةُ فِي الثَّوْبِ، لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَوْضِعِ الرُّطُوبَةِ، وَلَوْ صُبَّ الْمَاءُ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ، فَهُوَ طَهُورٌ.
فَإِذَا أَدَارَهُ عَلَى جَوَانِبِهِ، طَهُرَتِ الْجَوَانِبُ كُلُّهَا.
قَالَ: وَلَوْ غُسِلَ ثَوْبٌ عَنْ نَجَاسَةٍ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ عَقِبَ عَصْرِهِ.
هَلْ يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الثَّوْبِ، أَمْ يَكْفِي غَسْلُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ؟ وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ: الثَّانِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ الْوَاجِبُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْغَسْلُ، إِلَّا فِي بَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ، وَلَمْ يَشْرَبْ سِوَى اللَّبَنِ، فَيَكْفِي فِيهِ الرَّشُّ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِصَابَةِ الْمَاءِ جَمِيعَ مَوْضِعِ الْبَوْلِ.
ثُمَّ لَا يُرَادُّهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ، الْأُولَى: النَّضْحُ الْمُجَرَّدُ.
الثَّانِيَةُ: النَّضْحُ مَعَ الْغَلَبَةِ وَالْمُكَاثَرَةِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ السَّيَلَانُ، فَلَا حَاجَةَ فِي الرَّشِّ إِلَى الثَّالِثَةِ قَطْعًا، وَيَكْفِي الْأُولَى عَلَى وَجْهٍ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَا يَلْحَقُ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ ; بَوْلُ الصَّبِيَّةِ؟ بَلْ يَتَعَيَّنُ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
قُلْتُ: وَفِي (التَّتِمَّةِ) وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّ الصَّبِيَّ، كَالصَّبِيَّةِ، فَيَجِبُ الْغَسْلُ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَبَوْلُ الْخُنْثَى كَالْأُنْثَى مِنْ أَيِّ فَرْجَيْهِ خَرَجَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

طَهَارَةُ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَوْ تَنَجَّسَ بِدَمِهِ، أَوْ بَوْلِهِ، أَوْ عَرَقِهِ، أَوْ شَعْرِهِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَجْزَائِهِ وَفَضَلَاتِهِ، أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، إِحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ، وَفِيمَا سِوَى الْوُلُوغِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يَكْفِي غَسْلُهُ مَرَّةً، كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ.
وَالْخِنْزِيرُ، كَالْكَلْبِ عَلَى الْجَدِيدِ، وَفِي الْقَدِيمِ: يَكْفِي مَرَّةً كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْقَدِيمُ كَالْجَدِيدِ، وَلَا يَقُومُ الصَّابُونُ وَالْأُشْنَانُ وَنَحْوُهُمَا مَقَامَ التُّرَابِ عَلَى الْأَظْهَرِ، كَالتَّيَمُّمِ.
وَيَقُومُ فِي الثَّانِي: كَالدِّبَاغِ وَالِاسْتِنْجَاءِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ وَجَدَ تُرَابًا، لَمْ يَقُمْ.
وَإِلَّا قَامَ.
وَقِيلَ: يَقُومُ فِيمَا يُفْسِدُهُ التُّرَابُ، كَالثِّيَابِ، دُونَ الْأَوَانِي.
أَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَاءِ وَغَسَلَهُ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ.
الْأَصَحُّ: لَا يَطْهُرُ.
وَالثَّانِي: يَطْهُرُ.
وَالثَّالِثُ: يَطْهُرُ عِنْدَ عَدَمِ التُّرَابِ دُونَ وُجُودِهِ.
وَلَا يَكْفِي غَمْسُ الْإِنَاءِ وَالثَّوْبِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَا يَكْفِي التُّرَابُ النَّجِسُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَالتَّيَمُّمِ.
وَلَوْ تَنَجَّسَتْ أَرْضٌ تُرَابِيَّةٌ بِنَجَاسَةِ الْكَلْبِ، كَفَى الْمَاءُ وَحْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، إِذْ لَا مَعْنَى لِتَعْفِيرِ التُّرَابِ، وَلَا يَكْفِي فِي اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ ذَرُّهُ عَلَى الْمَحَلِّ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَائِعٍ يَمْزُجُهُ بِهِ، لِيَصِلَ التُّرَابُ بِوَاسِطَتِهِ إِلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَحَلِّ.
فَإِنْ كَانَ الْمَائِعُ مَاءً ; حَصَلَ الْغَرَضُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ، كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَغَسَلَهُ سِتًّا بِالْمَاءِ، لَمْ يَكْفِ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ غَسَلَ السَّبْعَ بِالْخَلِّ وَالتُّرَابِ.
قُلْتُ: لَوْ وَلَغَ فِي الْإِنَاءِ كِلَابٌ، أَوْ كَلْبٌ مَرَّاتٍ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الصَّحِيحُ يَكْفِيهِ لِلْجَمِيعِ سَبْعٌ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ لِكُلِّ وَلْغَةٍ سَبْعٌ.
وَالثَّالِثُ: يَكْفِي لِوَلَغَاتِ الْكَلْبِ الْوَاحِدِ سَبْعٌ، وَيَجِبُ لِكُلِّ كَلْبٍ سَبْعٌ.
وَلَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ أُخْرَى فِي الْإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، كَفَى سَبْعٌ، وَلَوْ كَانَتْ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ عَيْنِيَّةً، كَدَمِهِ، فَلَمْ تَزَلْ إِلَّا بِسِتِّ غَسْلَاتٍ مَثَلًا، فَهَلْ يَحْسِبُ ذَلِكَ سِتًّا أَمْ وَاحِدَةً، أَمْ لَا يَحْسِبُ شَيْئًا؟ فِيهِ

ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: وَاحِدَةٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ فِي غَيْرِ السَّابِعَةِ.
وَالْأُولَى أَوْلَى.
وَلَوْ وَلَغَ فِي مَاءٍ لَمْ يَنْقُصْ بِوُلُوغِهِ عَنْ قُلَّتَيْنِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْإِنَاءِ.
وَلَوْ وَلَغَ فِي شَيْءٍ نَجَّسَهُ، فَأَصَابَ ذَلِكَ الشَّيْءُ آخَرَ، وَجَبَ غَسْلُهُ سَبْعًا.
وَلَوْ وَلَغَ فِي طَعَامٍ جَامِدٍ، أَلْقَى مَا أَصَابَهُ وَمَا حَوْلَهُ، وَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى طَهَارَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يُرِدِ اسْتِعْمَالَ الْإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ، لَا يَجِبُ إِرَاقَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَفِي (الْحَاوِي) وَجْهٌ أَنَّهُ يَجِبُ إِرَاقَتُهُ عَلَى الْفَوْرِ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِالْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ.
وَلَوْ وَلَغَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ مُتَغَيِّرٍ بِالنَّجَاسَةِ، ثُمَّ أَصَابَ ذَلِكَ الْمَاءُ ثَوْبًا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالنَّجَاسَةِ، كَخَلٍّ تَنَجَّسَ، وَلَوْ وَلَغَ حَيَوَانٌ تَوَلَّدَ مِنْ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ وَغَيْرِهِ، أَوْ مِنْ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ، فَقَدْ نَقَلَ فِيهِ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) الْخِلَافَ فِي الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلْبًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ سُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ، لِطَهَارَةِ عَيْنِهَا، وَلَا يُكْرَهُ، فَلَوْ تَنَجَّسَ فَمُهَا، ثُمَّ وَلَغَتْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الْأَصَحُّ أَنَّهَا إِنْ غَابَتْ وَاحْتُمِلَ وُلُوغُهَا فِي مَاءٍ يُطَهِّرُ فَمَهَا، ثُمَّ وَلَغَتْ، لَمْ تُنَجِّسْهُ، وَإِلَّا نَجَّسَتْهُ.
وَالثَّانِي: تُنَجِّسُهُ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: عَكْسُهُ.
قُلْتُ: وَغَيْرُ الْمَاءِ مِنَ الْمَائِعَاتِ، كَالْمَاءِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ إِنْ تَغَيَّرَ بَعْضُ أَوْصَافِهَا بِالنَّجَاسَةِ، فَنَجِسَةٌ.
وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ، فَطَاهِرَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
قُلْتُ: وَمُطَهِّرَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ دُونَهُمَا، فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَقِيلَ: أَوْجُهٍ.
أَظْهَرُهَا: وَهُوَ الْجَدِيدُ، أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْمَحَلِّ بَعْدَ الْغَسْلِ، إِنْ كَانَ نَجِسًا بَعْدُ، فَنَجِسَةٌ.
وَإِلَّا، فَطَاهِرَةٌ غَيْرُ مُطَهِّرَةٍ.
وَالثَّانِي: - وَهُوَ الْقَدِيمُ - حُكْمُهَا حُكْمُهَا قَبْلَ الْغَسْلِ، فَيَكُونُ مُطَهِّرَةً.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثِ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَحَلِّ قَبْلَ الْغَسْلِ، فَيَكُونُ نَجِسَةً.
وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ غُسَالَةُ وُلُوغِ الْكَلْبِ، فَإِذَا وَقَعَ مِنَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى شَيْءٌ عَلَى ثَوْبٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى غَسْلِهِ عَلَى الْقَدِيمِ.
وَيُغْسَلُ لِحُصُولِ الْمَرَّةِ وَطَهُورِيَّةِ الْبَاقِي سِتًّا عَلَى الْجَدِيدِ، وَسَبْعًا عَلَى الْمُخَرَّجِ.
وَلَوْ وَقَعَ مِنَ السَّابِعَةِ، لَمْ يُغْسَلْ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
وَيُغْسَلُ عَلَى الثَّالِثِ مَرَّةً.
وَمَتَى وَجَبَ الْغَسْلُ عَنْهَا، فَإِنْ سَبَقَ التَّعْفِيرُ، لَمْ يَجِبْ لِطَهُورِيَّتِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ.
وَفِي وَجْهٍ، لِكُلِّ غَسْلَةٍ سَبْعٌ، حُكْمُ الْمَحَلِّ، فَيُغْسَلُ مِنْهَا مَرَّةً، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ غَسْلَةِ التَّعْفِيرِ وَغَيْرِهَا.
فَرْعٌ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الْغُسَالَةُ، وَلَكِنْ زَادَ وَزْنُهَا، فَطَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِالنَّجَاسَةِ.
وَالثَّانِي عَلَى الْأَقْوَالِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ هُوَ فِي الْمُسْتَعْمَلِ، فِي وَاجِبِ الطَّهَارَةِ.

أَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَنْدُوبِهَا، كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَطَهُورٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ.

بَابٌ

الِاجْتِهَادُ فِي الْمَاءِ الْمُشْتَبَهِ إِذَا اشْتَبَهَ إِنَاءَانِ: طَاهِرٌ، وَنَجِسٌ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ، وَظُهُورِ عَلَامَةٍ تُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ طَهَارَتَهُ، وَنَجَاسَةَ الْمَتْرُوكِ.
وَالثَّانِي: يَكْفِي ظَنُّ الطَّهَارَةِ بِلَا عَلَامَةٍ.
وَالثَّالِثُ: يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا بِلَا اجْتِهَادٍ وَلَا ظَنٍّ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ نَجَاسَةَ أَحَدِهِمَا بِمُشَاهَدَتِهَا، أَوْ ظَنِّهَا بِإِخْبَارِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مِنْ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، أَوِ امْرَأَةٍ.
وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُمَيِّزِ، وَيُقْبَلُ الْأَعْمَى بِلَا خِلَافٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ حَالِ الْمُخْبِرِ أَنَّهُ لَا يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ، وَسَوَاءٌ أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ، أَمْ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ اشْتَبَهَ، فَيَجْتَهِدُ فِي الْجَمِيعِ.
وَلَوِ انْصَبَّ أَحَدُهُمَا، أَوْ صَبَّهُ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: يَجْتَهِدُ فِي الْبَاقِي.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ، بَلْ يَتَيَمَّمُ.
وَالثَّالِثُ: يَسْتَعْمِلُهُ بِلَا اجْتِهَادٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ - أَوِ الْكَثِيرِينَ -: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ، بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ وَإِنْ لَمْ يَرُقْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلِلِاجْتِهَادِ شُرُوطٌ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ لِلْعَلَامَةِ مَجَالٌ، كَالْأَوَانِي، وَالثِّيَابِ.
أَمَّا إِذَا اخْتَلَطَ بَعْضُ مَحَارِمِهِ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ مَحْصُورَاتٍ، فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِالِاجْتِهَادِ.
الثَّانِي: أَنْ يَتَأَيَّدَ الِاجْتِهَادُ بِاسْتِصْحَابِ الطَّهَارَةِ.
فَلَوِ اشْتَبَهَ مَاءٌ بِبَوْلٍ، أَوْ بِمَاءِ وَرْدٍ، أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ، أَوْ لَبَنُ بَقَرٍ بِلَبَنِ أَتَانٍ.
لَمْ يَجْتَهِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَتَيَمَّمُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَوْلِ.
وَفِي مَسْأَلَةِ مَاءِ الْوَرْدِ يَتَوَضَّأُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَرَّةً.
وَقِيلَ: يَجْتَهِدُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ عَلَامَةٍ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
الثَّالِثُ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْيَقِينِ، فَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُ، جَازَ الِاجْتِهَادُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَجُوزُ فِي الْمُشْتَبَهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَالِثٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، أَوْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ أَوِ اشْتَبَهَ ثَوْبَانِ وَمَعَهُ ثَالِثٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، أَوْ قُلَّتَانِ: طَاهِرَةٌ، وَنَجِسَةٌ، وَأَمْكَنَ خَلْطُهُمَا بِلَا تَغَيُّرٍ، أَوِ اشْتَبَهَ مَاءٌ مُطْلَقٌ بِمُسْتَعْمَلٍ، أَوْ بِمَاءِ وَرْدٍ، قُلْنَا: يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَظْهَرَ عَلَامَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ اشْتِرَاطُ الْعَلَامَةِ، فَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ، تَيَمَّمَ بَعْدَ إِرَاقَةِ الْمَاءَيْنِ، أَوْ صَبِّ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ; وَجَبَتْ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْأَعْمَى، فَيَجْتَهِدُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ، قَلَّدَ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقَلِّدُ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ، فَوَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَيُصَلِّي، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ.
وَالثَّانِي: يُخَمِّنُ وَيَتَوَضَّأُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ: وَيُعِيدُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَةُ إِنَاءٍ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُرِيقَ الْآخَرَ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَصَلَّى بِالْأَوَّلِ الصُّبْحَ، فَحَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَوَّلِ شَيْءٌ، لَمْ يَجِبِ الِاجْتِهَادُ لِلظُّهْرِ.
فَلَوِ اجْتَهَدَ فَظَنَّ طَهَارَةَ الْبَاقِي، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَسْتَعْمِلُهُ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ، وَلَا يَتَيَمَّمُ فَيَغْسِلُ جَمِيعَ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، وَعَلَى هَذَا لَا يُعِيدُ وَاحِدَةً مِنَ الصَّلَاتَيْنِ.
وَعَلَى الْمَنْصُوصِ: لَا يُعِيدُ الْأُولَى، وَلَا الثَّانِيَةَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
أَمَّا إِذَا بَقِيَ مِنَ الْأَوَّلِ شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ يَكْفِي طَهَارَتَهُ، فَهُوَ كَمَا إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ الِاجْتِهَادُ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِذَا صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي لَا يَكْفِي، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ، كَانَ كَالْكَافِي، وَإِلَّا كَانَ كَمَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَوَّلِ شَيْءٌ.
وَلَوْ صَبَّ الْمَاءَ الْبَاقِيَ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ، أَوِ الْبَاقِيَ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ.

فَرْعٌ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَتَيَقَّنُ نَجَاسَتَهُ وَلَا طَهَارَتَهُ، وَالْغَالِبُ فِي مِثْلِهِ النَّجَاسَةُ، فِيهِ قَوْلَانِ، لِتَعَارُضِ الْأَصْلِ.
وَالظَّاهِرُ: أَظْهَرُهُمَا: الطَّهَارَةُ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ، فَمِنْ ذَلِكَ ثِيَابُ مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَأَوَانِيهِمْ، وَثِيَابُ الْقَصَّابِينَ، وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا يَتَوَقُّونَ النَّجَاسَةَ وَطِينَ الشَّوَارِعِ حَيْثُ لَا يَسْتَيْقِنُ، وَمَقْبَرَةٌ شَكَّ فِي نَبْشِهَا، وَأَوَانِي الْكُفَّارِ الْمُتَدَيِّنِينَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ كَالْمَجُوسِ، وَثِيَابُ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الْخَمْرِ، وَالتَّلَوُّثُ بِالْخِنْزِيرِ مِنَ الْيَهُودِ

وَالنَّصَارَى - وَلَا يَلْحَقُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى - فَإِنْ أَلْحَقْنَا غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالْيَقِينِ، وَاشْتَبَهَ إِنَاءٌ طَاهِرٌ بِإِنَاءٍ الْغَالِبُ فِي مِثْلِهِ النَّجَاسَةُ، اجْتَهَدَ فِيهِمَا.
وَإِنْ رَجَّحْنَا الْأَصْلَ ; فَهُمَا طَاهِرَانِ، وَرُبَّمَا أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ النَّجَاسَةُ، لَكِنْ لَهُ شَرْطٌ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ غَلَبَةُ الظَّنِّ مُسْتَنِدَةً إِلَى كَوْنِ الْغَالِبِ فِي مِثْلِهِ النَّجَاسَةَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ، حَتَّى لَوْ رَأَى ظَبْيَهُ تَبُولُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْهُ، فَجَاءَهُ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، وَشَكَّ ; هَلْ تَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ، أَمْ بِغَيْرِهِ؟ ، فَهُوَ نَجِسٌ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْأَصْحَابُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. قُلْتُ: الْجُمْهُورُ حَكَمُوا بِالنَّجَاسَةِ مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إِنْ كَانَ عَهِدَهُ عَنْ قُرْبٍ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، فَهُوَ النَّجِسُ.
وَإِنْ لَمْ يَعْهَدْهُ أَصْلًا، أَوْ طَالَ عَهْدُهُ، فَهُوَ طَاهِرٌ، لِاحْتِمَالِ التَّغَيُّرِ بِطُولِ الْمُكْثِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّافِعِيَّ اخْتَصَرَ هَذَا الْبَابَ جِدًّا، وَتَرْكَ أَكْثَرَ مَسَائِلِهِ.
وَأَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أُشِيرُ إِلَى مُعْظَمِ مَا تَرَكَهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي الْمُشْتَبَهَيْنِ مِنَ الطَّعَامَيْنِ، وَالدُّهْنَيْنِ، وَنَحْوِهِمَا، فِي الْجِنْسِ، وَالْجِنْسَيْنِ، كَلَبَنٍ وَخَلٍّ تَنَجَّسَ أَحَدُهُمَا، وَثَوْبٍ وَتُرَابٍ، وَطَعَامٍ وَمَاءٍ، وَلَنَا وَجْهٌ مُنْكَرٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسَيْنِ.
حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَلَّطَهُ، وَلَوِ اشْتَبَهَ لَبَنَانِ وَمَعَهُ ثَالِثٌ مُتَيَقَّنُ الطَّهَارَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إِلَى شُرْبِهِ، جَازَ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا، وَإِنِ اضْطُرَّ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَاءَيْنِ وَمَعَهُ ثَالِثٌ.
وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ أَحَدِ الْمُشْتَبَهَيْنِ بِعَيْنِهِ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، عَمِلَ بِهِ، وَلَمْ يَجُزِ الِاجْتِهَادُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ إِنَاءَانِ، فَقَالَ عَدْلٌ: وَلَغَ الْكَلْبُ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ، وَقَالَ آخَرُ: فِي ذَاكَ دُونَ هَذَا، حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِمَا، لِاحْتِمَالِ الْوُلُوغِ فِي وَقْتَيْنِ، فَإِنْ عَيَّنَا وَقْتًا بِعَيْنِهِ، عَمِلَ بِقَوْلِ أَوْثَقِهِمَا عِنْدَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
فَإِنِ اسْتَوَيَا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْقِطُ خَبَرَهُمَا، وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِمَا، وَفِيهِ طُرُقٌ لِلْأَصْحَابِ،

وَتَفْرِيعَاتٌ طَوِيلَةٌ أَوْضَحْتُهَا فِي شَرْحَيِ (الْمُهَذَّبِ) وَ (التَّنْبِيهِ) وَلَوْ قَالَ عَدْلٌ: وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ، هَذَا الْكَلْبُ فِي وَقْتِ كَذَا، فَقَالَ آخَرُ: كَانَ هَذَا الْكَلْبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِبَلَدٍ آخَرَ، فَالْأَصَحُّ طَهَارَةُ الْإِنَاءِ، لِلتَّعَارُضِ، وَالثَّانِي: النَّجَاسَةُ لِاشْتِبَاهِ الْكِلَابِ.
وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَلْبُ رَأَسَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَأَخْرَجَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ وُلُوغَهُ، فَإِنْ كَانَ فَمُهُ يَابِسًا، فَالْمَاءُ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا، فَالْأَصَحُّ: الطَّهَارَةُ لِلْأَصْلِ.
وَالثَّانِي: النَّجَاسَةُ، لِلظَّاهِرِ.
وَإِذَا تَوَضَّأَ بِالْمَظْنُونِ طَهَارَتُهُ، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا، أَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ، لَزِمَهُ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَغَسْلُ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ مِنْ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ.
وَيَكْفِيهِ الْغَسْلَةُ الْوَاحِدَةُ عَنِ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ جَمِيعًا إِذَا نَوَى الْحَدَثَ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، خِلَافَ مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلَتَيْنِ.
وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ فِي (الْوَسِيطِ) وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ إِعَادَةُ هَذِهِ الصَّلَاةِ، كَنَظِيرِهِ مِنَ الْقِبْلَةِ.
وَلَوْ تَوَضَّأَ بِأَحَدِ الْمُشْتَبَهَيْنِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَصَلَّى، وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَبَانَ أَنِّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ هُوَ الطَّاهِرُ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَطْعًا، وَلَا وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِتَلَاعُبِهِ، وَكَنَظِيرِهِ فِي الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ.
وَلَوِ اشْتَبَهَ الْإِنَاءَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ، فَظَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ طَهَارَةَ إِنَاءٍ بِاجْتِهَادِهِ، لَمْ يَقْتَدِ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
فَلَوْ كَانَتِ الْآنِيَةُ ثَلَاثَةً، نَجِسٌ وَطَاهِرَانِ، فَاجْتَهَدَ فِيهَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، وَتَوَضَّأَ كُلٌّ بِإِنَاءٍ، وَأَمَّهُمَا وَاحِدٌ فِي الصُّبْحِ، وَآخَرُ فِي الظُّهْرِ، وَآخَرُ فِي الْعَصْرِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.

الصَّحِيحُ الْأَشْهَرُ: قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ: يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ الَّتِي أَمَّ فِيهَا.
وَالِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ، وَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلْبُطْلَانِ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ: لَا يَصِحُّ لَهُ إِلَّا الَّتِي أَمَّ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: تَصِحُّ الَّتِي أَمَّ فِيهَا.
وَالِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ إِنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
فَإِنِ اقْتَدَى ثَانِيًا، بَطَلَا جَمِيعًا.
وَإِنْ زَادَتِ الْآنِيَةُ وَالْمُجْتَهِدُونَ، أَوْ سَمِعَ مِنَ الرِّجَالِ صَوْتَ حَدَثٍ، فَتَنَاكَرُوهُ، فَحُكْمُ كُلِّهِ خَارِجٌ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ كُلَّ هَذَا بِأَمْثِلَتِهِ وَأَدِلَّتِهِ فِي شَرْحَيِ (الْمُهَذَّبِ) وَ (التَّنْبِيهِ) . وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ (صِفَةِ الْأَئِمَّةِ) وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَنْسَبُ.
وَلَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةً، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَمُسْلِمُونَ، فَنَجِسَةٌ، فَإِنْ تَمَحَّضَ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ كَانَتْ فِي خِرْقَةٍ، أَوْ مِكْتَلٍ، فَطَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُلْقَاةً مَكْشُوفَةً، فَنَجِسَةٌ.
وَلَوِ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّيَاتِ بَلَدٍ، أَوْ إِنَاءُ بَوْلٍ بِأَوَانِي بَلَدٍ، فَلَهُ أَخْذُ بَعْضِهَا بِالِاجْتِهَادِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَى أَيِّ حَدٍّ يَنْتَهِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي (الْبَحْرِ) أَصَحُّهُمَا إِلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ.
وَالثَّانِي: إِلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرٌ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَاطُ بِهِ ابْتِدَاءً، مَنَعَ الْجَوَازَ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ دِنَّانِ فِيهِمَا مَائِعٌ، فَاغْتَرَفَ مِنْهُمَا فِي إِنَاءٍ، فَرَأَى فِيهِ فَأْرَةً لَا يُدْرَى مِنْ أَيِّهِمَا هِيَ، تَحَرَّى، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ اغْتَرَفَ بِمِغْرَفَتَيْنِ، فَالْآخَرُ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ بِمِغْرَفَةٍ، فَإِنْ ظَهَرَ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّ الْفَأْرَةَ فِي الثَّانِي، فَالْأَوَّلُ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَإِلَّا، فَهُمَا نَجِسَانِ.
وَقَدْ أَكْثَرْتُ الزِّيَادَةَ فِي هَذَا الْبَابِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، فَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقَايَا حَذَفْتُهَا كَرَاهَةَ كَثْرَةِ الْإِطَالَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ

الْأَوَانِي هِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: الْمُتَّخَذُ مِنْ جِلْدٍ، وَالْجِلْدُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ فِي حَالَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: إِذَا ذُكِّيَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ، فَجِلْدُهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ كَلَحْمِهِ، وَلَوْ ذُكِّيَ غَيْرُ مَأْكُولٍ، فَجِلْدُهُ نَجِسٌ كَلَحْمِهِ.
قُلْتُ: وَلَوْ ذَبَحَ حِمَارًا زَمَنًا، أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ، لِلتَّوَصُّلِ إِلَى دَبْغِ جِلْدِهِ، لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُدْبَغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ، فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا جِلْدَ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، وَفَرْعَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ قَطْعًا، وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إِنَّ الْآدَمِيَّ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ مُنْكَرٌ فِي (التَّتِمَّةِ) أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَا يَنْجُسُ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالدَّبْغِ لِإِزَالَةِ الزُّهُومَةِ، ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ: يُعْتَبَرُ فِي الدِّبَاغِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ: نَزْعُ الْفُضُولِ، وَتَطْيِيبُ الْجِلْدِ، وَصَيْرُورَتُهُ بِحَيْثُ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، لَمْ يَعُدِ الْفَسَادُ وَالنَّتَنُ.
وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى نَزْعِ الْفُضُولِ، لِاسْتِلْزَامِهِ الطِّيبَ وَالصَّيْرُورَةَ.
قَالُوا: وَيَكُونُ الدِّبَاغُ بِالْأَشْيَاءِ الْحَرِّيفَةِ، كَالشَّبِّ، وَالْقَرَظِ، وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وَالْعَفْصِ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِشَبٍّ أَوْ قَرَظٍ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَيَحْصُلُ بِمُتَنَجِّسٍ، وَبِنَجِسِ الْعَيْنِ، كَذَرْقِ حَمَامٍ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَلَا يَكْفِي التَّجْمِيدُ بِالتُّرَابِ، أَوْ

الشَّمْسِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَجِبُ الْغَسْلُ بَعْدَهُ إِنْ دَبَغَ بِنَجِسٍ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ دَبَغَ بِطَاهِرٍ عَلَى الْأَصَحِّ، فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَغْسِلْهُ، يَكُونُ طَاهِرَ الْعَيْنِ، كَثَوْبٍ نَجِسٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْجَبْنَا الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسَ الْعَيْنِ، وَهَلْ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ نَقْعِهِ فِي الْمَاءِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ ثَانِيًا؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَالْآخَرُ: احْتِمَالٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالْمُرَادُ نَقْعُهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْغَسْلَ بَعْدَ الدِّبَاغِ، اشْتُرِطَ سَلَامَتُهُ مِنَ التَّغَيُّرِ بِأَدْوِيَةِ الدِّبَاغِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ إِذَا أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ.
فَرْعٌ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ظَاهِرُ الْجِلْدِ قَطْعًا، وَبَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ الْجَدِيدِ.
فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَائِعَاتِ، وَيُصَلَّى فِيهِ.
وَمَنَعَ الْقَدِيمُ: طَهَارَةَ الْبَاطِنِ، وَالصَّلَاةَ، وَالْبَيْعَ، وَاسْتِعْمَالَهُ فِي الْمَائِعِ.
قُلْتُ: أَنْكَرَ جَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَكَثِيرُونَ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ هَذَا الْقَدِيمَ، وَقَطَعُوا بِطَهَارَةِ الْبَاطِنِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجُوزُ أَكْلُ الْمَدْبُوغِ عَلَى الْجَدِيدِ، إِنْ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ، وَإِلَّا فَلَا، عَلَى الْمَذْهَبِ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ تَحْرِيمُ أَكْلِ جِلْدِ الْمَأْكُولِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَسَائِلُ مِنْهَا: الدِّبَاغُ بِالْمِلْحِ.

نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَصَاحِبُ (الشَّامِلِ) وَقَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْحُصُولِ، وَلَا يَفْتَقِرُ الدِّبَاغُ إِلَى فِعْلٍ.
فَلَوْ أَلْقَتِ الرِّيحُ الْجِلْدَ فِي مَدْبَغَةٍ، فَانْدَبَغَ، طَهُرَ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ فِي الْيَابِسَاتِ، لَكِنْ يُكْرَهُ، وَيَجُوزُ هِبَتُهُ، كَمَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ، فَفِي إِجَارَتِهِ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الشَّعْرُ وَالْعَظْمُ ; أَمَّا الشَّعْرُ، وَالصُّوفُ، وَالْوَبَرُ، وَالرِّيشُ، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَا الْعَظْمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: كَالشَّعْرِ.
فَإِنْ نَجَّسْنَا الشَّعْرَ، فَفِي شَعْرِ الْآدَمِيِّ قَوْلَانِ.
أَوْ وَجْهَانِ.
بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ شَعْرُهُ بِالْمَوْتِ، وَلَا بِالْإِبَانَةِ.
فَإِنْ نَجَّسْنَا، عُفِيَ عَنْ شَعْرَةٍ وَشَعْرَتَيْنِ.
فَإِنْ كَثُرَ، لَمْ يُعْفَ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُعْفَى عَنِ الْيَسِيرِ مِنَ الشَّعْرِ النَّجِسِ فِي الْمَاءِ، وَالثَّوْبِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، وَضَبْطُ الْيَسِيرِ: الْعُرْفُ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَعَلَّ الْقَلِيلَ مَا يَغْلِبُ انْتِتَافُهُ مَعَ اعْتِدَالِ الْحَالِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْعَفْوِ، هَلْ يَخْتَصُّ بِشَعْرِ الْآدَمِيِّ، أَمْ يَعُمُّ الْجَمِيعَ؟ وَالْأَصَحُّ: التَّعْمِيمُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا نَجَّسْنَا شَعْرَ الْآدَمِيِّ، فَالصَّحِيحُ: طَهَارَةُ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَإِذَا نَجَّسْنَا شَعْرَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، فَدَبْغُ الْجِلْدِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ، لَمْ يُطَهِّرِ الشَّعْرَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِذَا لَمْ تَنْجُسِ الشُّعُورُ، فَفِي شَعْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِهِمَا وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ: النَّجَاسَةُ.
سَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَأَمَّا الْإِنَاءُ مِنَ الْعَظْمِ، فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا،

جَازَ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَطَهَارَتُهُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالذَّكَاةِ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا (بِالضَّعِيفِ) : إِنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ طَاهِرَةٌ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ مِنَ الْعَظْمِ النَّجِسِ فِي الْأَشْيَاءِ الْيَابِسَةِ، لَكِنْ يُكْرَهُ، كَمَا قُلْنَا فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَيَجُوزُ إِيقَادُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ.
وَلَوْ رَأَى شَعْرًا لَمْ يَعْلَمْ طَهَارَتَهُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، فَطَاهِرٌ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَنَجِسٌ.
أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الطَّهَارَةُ، وَلَوْ بَاعَ جِلْدَ مَيْتَةٍ بَعْدَ دِبَاغِهِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ، وَلَا يَطْهُرُ الشَّعْرُ بِالدِّبَاغِ، فَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ الْجِلْدَ دُونَ شَعْرِهِ صَحَّ، وَلَوْ قَالَ: الْجِلْدُ مَعَ شَعْرِهِ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِ الْجِلْدِ الْقَوْلَانِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا وَأَطْلَقَ صَحَّ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِنَاءُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ; يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فِي (الْقَدِيمِ) وَكَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فِي (الْجَدِيدِ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ، وَيَسْتَوِي فِي التَّحْرِيمِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَسَوَاءٌ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْأَكْلِ بِمِلْعَقَةِ الْفِضَّةِ، وَالتَّطَيُّبِ بِمَاءِ الْوَرْدِ مِنْ قَارُورَةِ الْفِضَّةِ، وَالتَّجَمُّرِ بِمِجْمَرَةِ الْفِضَّةِ إِذَا احْتَوَى عَلَيْهَا.
وَلَا حَرَجَ فِي إِتْيَانِ الرَّائِحَةِ مِنْ بُعْدٍ، وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ الْإِنَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَا يَسْتَحِقُّ صَانِعُهُ أُجْرَةً، وَلَا أَرْشَ عَلَى كَاسِرِهِ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَحْرُمُ، فَتَجِبُ الْأُجْرَةُ وَالْأَرْشُ، وَيَحْرُمُ تَزْيِينُ الْحَوَانِيتِ وَالْبُيُوتِ وَالْمَجَالِسِ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيَحْرُمُ الْإِنَاءُ الصَّغِيرُ، كَالْمُكْحُلَةِ، وَظَرْفُ الْغَالِيَةِ مِنَ الْفِضَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَحْرُمُ الْأَوَانِي مِنَ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، كَالْفَيْرُوزَجِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَنَحْوِهَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ: لَا يَحْرُمُ مَا نَفَاسَتُهُ لِصَنْعَتِهِ، وَلَا يُكْرَهُ لَوِ اتَّخَذَ إِنَاءً مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَمَوَّهَهُ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، إِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِلَّا ;

فَوَجْهَانِ.
وَلَوِ اتَّخَذَهُ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، وَمَوَّهَهُ بِنُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ غُشِّيَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ بِالنُّحَاسِ، فَطَرِيقَانِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يَحْرُمُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَحْرُمُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ الْمُضَبَّبُ بِالْفِضَّةِ، فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: إِنْ كَانَتِ الضَّبَّةُ صَغِيرَةً وَعَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا يُكْرَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَوْقَ الْحَاجَةِ ; حَرُمَ.
وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَوْقَ الْحَاجَةِ أَوْ كَبِيرَةً قَدَرَ الْحَاجَةِ، فَوَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: يُكْرَهُ.
وَالثَّانِي: يَحْرُمُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنْ كَانَتِ الضَّبَّةُ تَلْقَى فَمَ الشَّارِبِ حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّالِثُ: يُكْرَهُ، وَلَا يَحْرُمُ بِحَالٍ.
وَالرَّابِعُ: يَحْرُمُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
قُلْتُ: أَصَحُّ الْأَوْجُهِ وَأَشْهَرُهَا، الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى الْحَاجَةِ: غَرَضُ إِصْلَاحِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْعَجْزُ عَنِ التَّضْبِيبِ بِغَيْرِ الْفِضَّةِ، فَإِنَّ الِاضْطِرَارَ يُبِيحُ اسْتِعْمَالَ أَصْلِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَفِي ضَبْطِ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ أَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ.
وَالثَّانِي: مَا يَلْمَعُ عَلَى بُعْدٍ كَبِيرٍ، وَمَا لَا فَصَغِيرٌ.
وَالثَّالِثُ: مَا اسْتَوْعَبَ جُزْءًا مِنَ الْإِنَاءِ، كَأَسْفَلِهِ، أَوْ عُرْوَتِهِ، أَوْ شَفَتِهِ كَبِيرٌ، وَمَا لَا فَصَغِيرٌ.
قُلْتُ: الثَّالِثُ: أَشْهَرُ.
وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْمُضَبَّبُ بِذَهَبٍ ; فَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بِتَحْرِيمِهِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ كَالْفِضَّةِ.
قُلْتُ: قَدْ قَطَعَ بِتَحْرِيمِ الْمُضَبَّبِ بِالذَّهَبِ - بِكُلِّ حَالٍ - جَمَاعَاتٌ غَيْرُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ (الْحَاوِي) وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَالْعَبْدَرِيُّ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ مُطْلَقًا.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَلْ يُسَوَّى بَيْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ؟ قِيَاسُ الْبَابِ: نَعَمْ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: لَا، فَإِنَّ قَلِيلَ الذَّهَبِ كَكَثِيرِ الْفِضَّةِ، فَيُقَوَّمُ ضَبَّةُ الْفِضَّةِ الْمُبَاحَةِ، وَيُبَاحُ قَدْرُهَا مِنَ الذَّهَبِ ; وَلَوِ اتَّخَذَ لِلْإِنَاءِ حَلْقَةَ فِضَّةٍ، أَوْ سِلْسِلَةً، أَوْ رَأْسًا.
قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : يَجُوزُ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ.
قُلْتُ: قَدْ وَافَقَ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) جَمَاعَةً، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ شَرِبَ بِكَفَّيْهِ وَفِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ، أَوْ فِي فَمِهِ دَرَاهِمُ، أَوْ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي شُرِبَ مِنْهُ، لَمْ يُكْرَهْ.
وَلَوْ أَثْبَتَ الدَّرَاهِمَ فِي الْإِنَاءِ بِالْمَسَامِيرِ، فَهُوَ كَالضَّبَّةِ.
وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِجَوَازِهِ.
وَلَوْ بَاعَ إِنَاءَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، صَحَّ بَيْعُهُ.
وَلَوْ تَوَضَّأَ مِنْهُ، صَحَّ وُضُوءُهُ، وَعَصَى بِالْفِعْلِ.
وَلَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، عَصَى بِالْفِعْلِ، وَكَانَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَلَالًا.
وَطَرِيقُهُ فِي اجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ، أَنْ يَصُبَّ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ فِي إِنَاءٍ آخَرَ، وَيُسْتَعْمَلُ الْمَصْبُوبُ فِيهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل