كِتَابُ الشُّفْعَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
الْأَوَّلُ: فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الشُّفْعَةُ.
وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ.
الْأَوَّلُ: الْمَأْخُوذُ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَقَارًا قَالَ الْأَصْحَابُ: الْأَعْيَانُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ.
أَحَدُهَا: الْمَنْقُولَاتُ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا سَوَاءٌ بِيعَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الْأَرْضِ.
الثَّانِي: الْأَرْضُ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا سَوَاءٌ بِيعَ الشِّقْصُ مِنْهَا وَحْدَهُ أَمْ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ.
الثَّالِثُ: مَا كَانَ مَنْقُولًا ثُمَّ أُثْبِتَ فِي الْأَرْضِ لِلدَّوَامِ كَالْأَبْنِيَةِ وَالْأَشْجَارِ، فَإِنْ بِيعَتْ مُنْفَرِدَةً فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ بِيعَتِ الْأَرْضُ وَحْدَهَا، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا وَصَارَ الشَّفِيعُ مَعَهُ كَالْمُشْتَرِي.
وَإِنْ بِيعَتِ الْأَبْنِيَةُ وَالْأَشْجَارُ مَعَ الْأَرْضِ، إِمَّا صَرِيحًا وَإِمَّا عَلَى قَوْلِنَا: تَسْتَتْبِعُهَا.
ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا تَبَعًا لِلْأَرْضِ.
فَلَوْ كَانَ عَلَى الشَّجَرَةِ ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ، وَأُدْخِلَتْ فِي الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهَا الشُّفْعَةُ، لِأَنَّهَا لَا تَدُومُ فِي الْأَرْضِ، فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْأَرْضَ وَالنَّخِيلَ بِحِصَّتِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ، دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ شَرْعًا، وَهَلْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا؟ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ لَمْ يَتَّفِقِ الْأَخْذُ حَتَّى تَأَبَّرَتْ أَخَذَهَا أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: لَا يَأْخُذُهَا.
فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَأْخُذُ بِهِ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ كَالْمُؤَبَّرَةِ.
وَالثَّانِي: بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ عَيْبٍ يَحْدَثُ.
وَإِنْ كَانَتِ النَّخْلُ حَائِلَةً عِنْدَ الْبَيْعِ، ثُمَّ حَدَثَتِ الثَّمَرَةُ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، فَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً، لَمْ يَأْخُذْهَا، وَإِلَّا أَخَذَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِذَا بَقِيَتِ الثِّمَارُ لِلْمُشْتَرِي لَزِمَ الشَّفِيعَ إِبْقَاؤُهَا إِلَى الْإِدْرَاكِ.
وَهَذَا إِذَا بِيعَتِ الْأَشْجَارُ مَعَ الْبَيَاضِ الْمُتَخَلِّلِ لَهَا،
أَوْ بِيعَ الْبُسْتَانُ كُلُّهُ.
أَمَّا إِذَا بِيعَتِ الْأَشْجَارُ وَمَغَارِسُهَا فَقَطْ، أَوْ بِيعَ الْجِدَارُ مَعَ الْأُسِّ فَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تَابِعَةٌ هُنَا، وَالْمَتْبُوعُ مَنْقُولٌ.
فَرْعٌ
إِذَا بَاعَ شِقْصًا فِيهِ زَرْعٌ لَا يُجَزُّ مِرَارًا [وَأَدْخَلَهُ فِي الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَلَا يَأْخُذُ الزَّرْعَ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُجَزُّ مِرَارًا] ، فَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ كَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَالْأُصُولُ كَالْأَشْجَارِ.
فَرْعٌ
[مَا] دَخَلَ فِي مُطْلَقِ بَيْعِ الدَّارِ مِنَ الْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفِ، وَالْمَسَامِيرِ، تُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ تَبَعًا، كَالْأَبْنِيَةِ، وَكَذَا الدُّولَابُ الثَّابِتُ فِي الْأَرْضِ، سَوَاءٌ أَدَارَهُ الْمَاءُ أَمْ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الدَّلْوِ وَالْمَنْقُولَاتِ.
وَلَوْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ طَاحُونَةٍ، وَقُلْنَا: يَدْخُلُ الْحَجَرُ الْأَسْفَلُ وَالْأَعْلَى فِي الْبَيْعِ، أَخَذَ الْأَسْفَلَ بِالشُّفْعَةِ، وَفِي الْأَعْلَى وَجْهَانِ كَالثِّمَارِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: كَوْنُ الْعَقَارِ ثَابِتًا.
فَلَوْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ غُرْفَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى سَقْفٍ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا، فَلَا شُفْعَةَ، إِذْ لَا قَرَارَ لَهَا.
فَلَوْ كَانَ السَّقْفُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ مُشْتَرَكًا أَيْضًا، فَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ لَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوْ كَانَ السُّفْلُ مُشْتَرَكًا وَالْعُلُوُّ لِأَحَدِهِمَا، فَبَاعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ نَصِيبَهُ مِنَ السُّفْلِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّرِيكَ يَأْخُذُ السُّفْلَ وَنِصْفَ الْعُلُوِّ بِالشُّفْعَةِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ مُشْتَرَكَةٌ وَعُلُوَّهَا تَابِعُهَا.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَأْخُذُ إِلَّا السُّفْلَ.
وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ فِيهَا شَجَرٌ لِأَحَدِهِمَا، فَبَاعَ صَاحِبُ الشَّجَرِ الشَّجَرَ وَنَصِيبَهُ مِنَ الْأَرْضِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: كَوْنُهُ مُنْقَسِمًا، فَالْعَقَارُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، لَا شُفْعَةَ فِيهِ
عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْجَدِيدُ.
وَقِيلَ: تَثْبُتُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُ، قَوْلًا قَدِيمًا.
وَالْمُرَادُ بِالْمُنْقَسِمِ: مَا يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى قِسْمَتِهِ إِذَا طَلَبَ شَرِيكُهُ الْقِسْمَةَ.
وَفِي ضَبْطِهِ أَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الَّذِي لَا تُنْقِصُ الْقِسْمَةُ قِيمَتَهُ نَقْصًا فَاحِشًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّارِ مِائَةً، وَلَوْ قُسِمَتْ عَادَتْ قِيمَةُ كُلِّ نِصْفٍ ثَلَاثِينَ، لَمْ تُقْسَمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِوَجْهٍ مَا.
أَمَّا مَا لَا يَبْقَى فِيهِ نَفْعٌ بِحَالٍ، فَلَا يُقْسَمُ.
وَأَصَحُّهُمَا الثَّالِثُ: أَنَّهُ الَّذِي إِذَا قُسِمَ أَمْكَنَ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِمْكَانِ نَفْعٍ آخَرَ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَاحُونَةٌ أَوْ حَمَّامٌ، أَوْ بِئْرٌ أَوْ نَهَرٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ كَبِيرًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ جَعْلُ الطَّاحُونَةِ ثِنْتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ حَجَرَانِ، وَالْحَمَّامِ حَمَّامَيْنِ، أَوْ كُلِّ بَيْتٍ مِنْهُ بَيْتَيْنِ، وَالْبِئْرُ وَاسِعَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى فِيهَا فَيُجْعَلَ بِئْرَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ بَيَاضٌ يَقِفُ فِيهِ الْمُسْتَقِي وَيُلْقِي فِيهِ مَا يُخْرِجُ مِنْهَا، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، فَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ، لَا يَخْفَى الْحُكْمُ.
وَلَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي دَارٍ صَغِيرَةٍ، لِأَحَدِهِمَا عُشْرُهَا وَلِلْآخَرِ بَاقِيهَا، فَإِنْ أَثْبَتْنَا الشُّفْعَةَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ، فَأَيُّهُمَا بَاعَ فَلِصَاحِبِهِ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ مَنَعْنَاهَا فَبَاعَ صَاحِبُ الْعُشْرِ فَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِهِ.
وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الْكَبِيرِ فَلِصَاحِبِهِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ: أَنَّ صَاحِبَ الْأَكْثَرِ يُجَابُ إِلَى الْقِسْمَةِ.
وَلَوْ كَانَ حَوْلَ الْبِئْرِ بَيَاضٌ وَأَمْكَنَتِ الْقِسْمَةُ بِجَعْلِ الْبِئْرِ لِوَاحِدٍ وَالْبَيَاضِ لِآخَرَ لِيَزْرَعَهُ أَوْ يَسْكُنَ فِيهِ، أَوْ كَانَ مَوْضِعُ الْحَجَرِ فِي الرَّحَى وَاحِدًا، وَلَكِنْ فِيهَا بَيْتٌ يَصْلُحُ لِغَرَضٍ، وَأَمْكَنَتِ الْقِسْمَةُ بِجَعْلِ مَوْضِعِ الرَّحَى لِوَاحِدٍ وَذَلِكَ الْبَيْتِ لِآخَرَ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ وَأَنَّ هَذِهِ الْبِئْرَ مِنَ الْمُنْقَسِمَاتِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْإِجْبَارِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقِسْمَةِ.
وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ إِمْكَانُ الِانْتِفَاعِ [بِهِ] مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ.
فَرْعٌ شَرِيكَانِ فِي مَزَارِعَ وَبِئْرٍ يُسْتَقَى مِنْهَا، بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهُمَا، ثَبَتَ لِلْآخَرِ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا إِنِ انْقَسَمَتِ الْبِئْرُ أَوْ أَثْبَتْنَا الشُّفْعَةَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ، وَإِلَّا فَتَثْبُتُ فِي الْمَزْرَعَةِ قَطْعًا، وَلَا تَثْبُتُ فِي الْبِئْرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْآخِذُ، وَهُوَ كُلُّ شَرِيكٍ فِي رَقَبَةِ الْعَقَارِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، وَالْحُرُّ، وَالْمُكَاتَبُ.
حَتَّى لَوْ كَانَ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ شَرِيكَيْنِ فِي دَارٍ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الشُّفْعَةُ عَلَى الْآخَرِ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ، مُلَاصِقًا كَانَ أَوْ مُقَابِلًا.
وَفِي وَجْهٍ: لِلْمُلَاصِقِ الشُّفْعَةُ، وَكَذَا لِلْمُقَابِلِ إِذَا لَمْ يَنْفُذْ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: الْأَوَّلُ.
وَإِذَا قَضَى الْحَنَفِيُّ لِشَافِعِيٍّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ، لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، وَفِي الْحِلِّ بَاطِنًا خِلَافٌ، مَوْضِعُهُ كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ.
قُلْتُ: وَلَا يَقْتَضِي قَضَاءُ الْحَنَفِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الدَّارُ إِنْ كَانَ بَابُهَا مَفْتُوحًا إِلَى دَرْبٍ نَافِذٍ، وَلَا شَرِكَةَ لِأَحَدٍ فِيهَا، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَلَا فِي مَمَرِّهَا، لِأَنَّ هَذَا الدَّرْبَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ.
وَإِنْ كَانَ بَابُهَا إِلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، فَالدَّرْبُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ سُكَّانِهِ.
فَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنَ الْمَمَرِّ فَقَطْ، فَلِلشُّرَكَاءِ الشُّفْعَةُ فِيهِ إِنْ كَانَ مُنْقَسِمًا كَمَا سَبَقَ، وَإِلَّا فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَإِنْ بَاعَ الدَّارَ بِمَمَرِّهَا، فَلَا شُفْعَةَ لِشُرَكَاءِ الْمَمَرِّ فِي الدَّارِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَإِنْ أَرَادُوا أَخْذَ الْمَمَرِّ بِالشُّفْعَةِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي طَرِيقٌ آخَرُ إِلَى الدَّارِ، أَوْ أَمْكَنَهُ فَتْحُ بَابٍ آخَرَ إِلَى شَارِعٍ، فَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ إِنْ كَانَ مُنْقَسِمًا، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِلَافِ فِي غَيْرِ
الْمُنْقَسِمِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنْ كَانَ فِي اتِّخَاذِ الْمَمَرِّ الْآخَرِ عُسْرٌ، أَوْ مُؤْنَةٌ لَهَا وَقْعٌ، وَكَانَتِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ آخَرُ، وَلَا أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: لَا شُفْعَةَ لَهُمْ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمُشْتَرِي.
وَالثَّانِي: لَهُمْ [الْأَخْذُ] وَالْمُشْتَرِي هُوَ الْمُضِرُّ بِنَفْسِهِ بِشِرَائِهِ هَذِهِ الدَّارَ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ مَكَّنُوا الْمُشْتَرِيَ مِنَ الْمُرُورِ فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ، وَإِلَّا فَلَا، جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
وَشَرِكَةُ مَالِكِي سُورِ الْخَانِ فِي صَحْنِهِ، كَشَرِكَةِ مَالِكِي الدُّورِ فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ، وَكَذَا الشَّرِكَةُ فِي مَسِيلِ الْمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ دُونَ الْأَرْضِ، وَفِي بِئْرِ الْمَزْرَعَةِ دُونَ الْمَزْرَعَةِ، كَالشَّرِكَةِ فِي الْمَمَرِّ.
فَرْعٌ
تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَعَلَى الذِّمِّيِّ كَثُبُوتِهَا لِلْمُسْلِمِ، فَلَوْ بَاعَ ذَمِّيٌّ شِقْصًا لِذِمِّيٍّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، لَمْ نَرُدُّهُ.
وَلَوْ تَرَافَعُوا قَبْلَهُ، لَمْ نَحْكُمْ بِالشُّفْعَةِ.
وَلَوْ بِيعَ الشِّقْصُ، فَارْتَدَّ الشَّرِيكُ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِنْ قُلْنَا: الرِّدَّةُ لَا تُزِيلُ الْمَالِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: تُزِيلُهُ، فَلَا شُفْعَةَ.
فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَعَادَ مِلْكُهُ، لَمْ تَعُدِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَقْفِ، فَمَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ، فَلِلْإِمَامِ أَخْذُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا، أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَارْتَدَّ وَمَاتَ، فَلِلْإِمَامِ رَدُّهُ.
وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُشْتَرِي فَالشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ.
فَرْعٌ
دَارٌ نِصْفُهَا لِرَجُلٍ، وَنِصْفُهَا لِمَسْجِدٍ، اشْتَرَاهُ قَيِّمُ الْمَسْجِدِ لَهُ، أَوْ وُهِبَ [لَهُ] لِيُصْرَفَ فِي عِمَارَتِهِ، فَبَاعَ الرَّجُلُ نَصِيبَهُ، كَانَ لِلْقَيِّمِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ إِنْ رَأَى فِيهِ
مَصْلَحَةً، كَمَا لَوْ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ شَرِكَةٌ فِي دَارٍ، فَبَاعَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ، فَلِلْإِمَامِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ.
وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الدَّارِ وَقْفًا، وَنِصْفُهَا طِلْقًا، فَبَاعَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ، فَلَا شُفْعَةَ لِمُسْتَحِقِّ الْوَقْفِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا شُفْعَةَ لِمَالِكِ الْمَنْفَعَةِ فَقَطْ بِوَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
فَرْعٌ
الْمَأْذُونُ لَهُ بِالتِّجَارَةِ، إِذَا اشْتَرَى شِقْصًا، ثُمَّ بَاعَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ السَّيِّدُ أَوْ يُسْقِطَ الشُّفْعَةَ.
وَلَهُ الْإِسْقَاطُ وَإِنْ أَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُونُ وَكَانَ فِي الْأَخْذِ غِبْطَةٌ، كَمَا لَهُ مَنْعُهُ مِنَ الِاعْتِيَاضِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَلَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَخْذَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
فَرْعٌ
لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي مُبَاشَرَةِ الْأَخْذِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِيمَنْ يَقَعُ الْأَخْذُ لَهُ، بِدَلِيلِ الْوَكِيلِ وَالْوَلِيِّ، وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، فَإِنَّ لَهُمُ الْأَخْذَ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَأْخُوذُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ.
وَفِي ضَبْطِهِ قُيُودٌ.
الْأَوَّلُ: كَوْنُ مِلْكِهِ طَارِئًا عَلَى مِلْكِ الْأَخْذِ.
فَإِذَا اشْتَرَى رَجُلَانِ دَارًا مَعًا، أَوْ شِقْصًا مِنْ دَارٍ، فَلَا شُفْعَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي وَقْتِ حُصُولِ الْمِلْكِ.
الثَّانِي: كَوْنُهُ لَازِمًا.
فَإِنْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ، فَلَا شُفْعَةَ مَا دَامَ الْخِيَارُ بَاقِيًا.
وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فَقَطْ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ فِي الْحَالِ عَلَى الْأَظْهَرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، أَوْ مَوْقُوفٌ، لَمْ يَأْخُذْ فِي الْحَالِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قُلْنَا يَأْخُذُ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ.
فَرْعٌ
بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ بَاعَ الثَّانِي نَصِيبَهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بَيْعَ بَتَاتٍ، فَلَا شُفْعَةَ فِي الْمَبِيعِ أَوَّلًا لِلْبَائِعِ الثَّانِي إِذْ زَالَ مِلْكُهُ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ مِلْكُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إِذَا قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، لِأَنَّ سَبَبَ الشُّفْعَةِ الْبَيْعُ، وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى مِلْكِهِ.
وَأَمَّا الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ ثَانِيًا، فَمَوْقُوفَةٌ إِنْ تَوَقَّفْنَا فِي الْمِلْكِ، وَلِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ إِنْ أَبْقَيْنَا الْمِلْكَ لَهُ، وَلِلْمُشْتَرِي مِنْهُ إِنْ أَثْبَتْنَا الْمَلِكَ لَهُ.
وَعَلَى هَذَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالشُّفْعَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، إِنْ قُلْنَا: الْفَسْخُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَرْفَعُهُ مِنْ حِينِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالشُّفْعَةِ.
وَإِنْ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ، فَالْحُكْمُ فِي الشُّفْعَةِ كَالْحُكْمِ فِي الزَّوَائِدِ الْحَادِثَةِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ.
فَصْلٌ
إِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالشِّقْصِ عَيْبًا قَدِيمًا، وَأَرَادَ رَدَّهُ، وَجَاءَ الشَّفِيعُ يُرِيدُ أَخْذَهُ، وَيَرْضَى بِكَوْنِهِ مَعِيبًا، فَقَوْلَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الشَّفِيعَ أَوْلَى بِالْإِجَابَةِ، لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ غَرَضَ الْمُشْتَرِي اسْتِدْرَاكُ الظُّلَامَةِ وَتَحْصِيلُ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ.
وَلِأَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا الْمُشْتَرِيَ بَطَلَ حَقُّ الشَّفِيعِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَإِذَا قَدَّمْنَا الشَّفِيعَ، حَصَلَ لِلْمُشْتَرِي مِثْلُ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتُهُ.
وَالثَّانِي: الْمُشْتَرِي أَوْلَى، لِأَنَّ الشَّفِيعَ إِنَّمَا يَأْخُذُ إِذَا اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ.
وَلَوْ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ قَبْلَ مُطَالَبَةِ الشَّفِيعِ ثُمَّ طَلَبَ الشَّفِيعُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُشْتَرِي أَوْلَى عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا، فَلَا يُجَابُ، وَإِلَّا فَيُجَابُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُفْسَخُ
الرَّدُّ.
أَوْ نَقُولُ: تَبَيَّنَّا أَنَّ الرَّدَّ كَانَ بَاطِلًا، وَالْخِلَافُ - فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَوْلَى أَوِ الشَّفِيعَ - جَارٍ فِيمَا لَوِ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ، ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ وَاسْتِرْدَادَ الشِّقْصِ، وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ.
وَحَكَى الْبَغَوِيُّ جَرَيَانَهُ فِيمَا لَوِ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ وَقَبَضَ الشِّقْصَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ، فَتَلِفَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ، فَفِي وَجْهٍ: تَبْطُلُ شُفْعَةُ الشَّفِيعِ.
وَفِي وَجْهٍ: يُتَمَكَّنُ مِنَ الْأَخْذِ.
وَقَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا فَتَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ.
فَصْلٌ
أَصْدَقَهَا شِقْصًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوِ ارْتَدَّ، وَجَاءَ الشَّفِيعُ يُرِيدُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، فَلَهُ أَخْذُ نِصْفِهِ، وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ، فَهَلِ الزَّوْجُ أَوْلَى بِهِ أَمِ الشَّفِيعُ؟ وَجْهَانِ.
وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى شِقْصًا وَأَفْلَسَ بِالثَّمَنِ، فَأَرَادَ الْبَائِعُ الْفَسْخَ وَالشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، فِيهِ الْوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: فِيهِمَا الشَّفِيعُ أَوْلَى، لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالْعَقْدِ.
وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ: الشَّفِيعُ فِي الْأُولَى أَوْلَى، وَالْبَائِعُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْلَى.
فَإِذَا قَدَّمْنَا الشَّفِيعَ فِي صُورَةِ الْإِفْلَاسِ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: أَنَّ الثَّمَنَ الْمَأْخُوذَ مِنَ الشَّفِيعِ مَقْسُومٌ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ كُلِّهِمْ، لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ إِذَا انْتَقَلَ إِلَى الذِّمَّةِ صَارَ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْبَائِعُ سَلَّمَ الشِّقْصَ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ أَوْلَى بِالثَّمَنِ، لِرِضَاهُ بِذِمَّتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ، فَهُوَ أَوْلَى بِالثَّمَنِ.
وَالْخِلَافُ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ جَارٍ فِيمَا إِذَا أَعَادَ كُلَّهُ إِلَى الزَّوْجِ بِرِدَّتِهَا أَوْ فَسْخٍ قَبْلَ الدُّخُولِ.
هَذَا إِذَا اجْتَمَعَ الشَّفِيعُ وَالزَّوْجُ أَوِ الْبَائِعُ، أَمَّا إِذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ مِنْ يَدِ الزَّوْجَةِ ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ، أَوْ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ، فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ وَالْبَائِعِ إِلَى الشِّقْصِ بِحَالٍ،
لَكِنْ يَنْتَقِلُ حَقُّ الْبَائِعِ إِلَى الثَّمَنِ وَحَقُّ الزَّوْجِ إِلَى الْقِيمَةِ فِي مَالِهَا، كَمَا لَوْ زَالَ الْمِلْكُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ وَأَخَذَ النِّصْفَ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ، فَفِي اسْتِرْدَادِهِ مَا أَخَذَهُ الزَّوْجُ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ جَاءَ بَعْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَقِيلَ: لَا يَسْتَرِدُّ قَطْعًا، لِأَنَّ الْمَهْرَ يَتَشَطَّرُ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَيَبْعُدُ نَقْضُهُ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَسْتَرِدُّهُ أَخَذَهُ وَمَا بَقِيَ فِي يَدِهَا، وَإِلَّا فَيَأْخُذُ مَا فِي يَدِهَا وَيَدْفَعُ إِلَيْهَا نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَلَوْ كَانَ لِلشِّقْصِ الْمَمْهُورِ شَفِيعَانِ، فَطَلَبَا، وَأَخَذَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرُ، فَلَا يَأْخُذُ الزَّوْجُ النِّصْفَ الْحَاصِلَ فِي يَدِ الشَّفِيعِ.
وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ فَهَلْ هُوَ أَوْلَى أَمِ الشَّفِيعُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَيَجْرِي فِيمَا إِذَا أَخَذَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَفْلَسَ.
فَإِنْ قُلْنَا: الشَّفِيعُ أَوْلَى، ضَارَبَ الْبَائِعُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْبَائِعُ أَوْلَى، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ وَضَارَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَإِلَّا فَيَتْرُكُهُ وَيُضَارِبُ بِكُلِّ الثَّمَنِ.
الْقَيْدُ الثَّالِثُ: أَنْ يَمْلِكَهُ بِمُعَاوَضَةٍ.
فَإِنْ مَلَكَ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فَلَا شُفْعَةَ.
فَإِنْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ أَوْ مُطْلَقًا، وَقُلْنَا: تَقْتَضِي الثَّوَابَ، تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْمُعَاوَضَةِ.
وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً.
فَعَلَى الْأَصَحِّ، هَلْ يَأْخُذُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لِأَنَّهُ صَارَ بَيْعًا أَمْ لَا، لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ
اشْتَرَى شِقْصًا ثُمَّ تَقَايَلَا، فَإِنْ عَفَا الشَّفِيعُ، وَقُلْنَا: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ، تَجَدَّدَتِ الشُّفْعَةُ، وَأَخَذَهُ مِنَ الْبَائِعِ.
وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ، لَمْ تَتَجَدَّدْ كَمَا لَا تَتَجَدَّدُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَإِنْ قَالَهُ قَبْلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ
يَأْخُذَ بِهَا وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَهَا حَتَّى يَعُودَ الشِّقْصُ إِلَى الْمُشْتَرِي فَيَأْخُذَ مِنْهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ، فَهُوَ كَطَلَبِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
فَرْعٌ
إِذَا جَعَلَ الشِّقْصَ أُجْرَةً أَوْ جَعْلًا أَوْ رَأْسَ مَالٍ.
[فِي] سَلَمٍ صَدَاقًا أَوْ مُتْعَةً، أَوْ عَوِضَ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ جَعَلَهُ الْمُكَاتَبُ عِوَضًا عَنِ النُّجُومِ ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
وَلَوْ أَقْرَضَهُ شِقْصًا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: الْقَرْضُ صَحِيحٌ، وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ إِذَا مَلَكَهُ الْمُسْتَقْرِضُ.
وَإِنَّمَا ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِي الْجَعْلِ بَعْدَ الْعَمَلِ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِذَا [كَانَ] مَا يُقَابِلُ الشِّقْصَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِالسَّلَمِ وَلَا بِالْقَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
فَرْعٌ
بَذَلَ شِقْصًا عَنْ بَعْضِ النُّجُومِ، ثُمَّ عَجَزَ وَرَقَّ، فَهَلْ تَبْقَى الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ كَانَ عِوَضًا أَمْ تَبْطُلُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعِوَضِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
فَرْعٌ
قَالَ الْمَوْلَى لِمُسْتَوْلِدَتِهِ: إِنْ خَدَمْتِ أَوْلَادِي شَهْرًا، فَلَكِ هَذَا الشِّقْصُ، فَخَدَمَتْهُمْ، اسْتَحَقَّتْهُ.
وَهَلْ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْأُجْرَةِ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
فَصْلٌ
إِذَا بَاعَ الْوَصِيُّ أَوِ الْقَيِّمُ شِقْصَ الصَّبِيِّ وَهُوَ شَرِيكُهُ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُسَامِحَ فِي الثَّمَنِ، وَلِهَذَا لَا يَبِيعُهُ مَالَ نَفْسِهِ.
وَلَوِ اشْتَرَى شِقْصًا لِلطِّفْلِ وَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْعَقَارِ فَلَهُ الشُّفْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، إِذْ لَا تُهْمَةَ.
وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّ فِي الشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ تَعْلِيقَ عُهْدَةِ الصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ لَهُ، وَلِلْأَبِ وَالْجَدِّ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ إِذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ، سَوَاءٌ بَاعَا أَوِ اشْتَرَيَا لِقُوَّةِ وِلَايَتِهِمَا وَشُفْعَتِهِمَا، كَمَا [لَهُ] بَيْعُ مَالِهِ لِنَفْسِهِ.
وَلَوْ كَانَ فِي حِجْرِ الْوَصِيِّ يَتِيمَانِ بَيْنَهُمَا دَارٌ، فَبَاعَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا لِرَجُلٍ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ لِلْآخَرِ.
فَرْعٌ
وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ صَاحِبَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ، فَبَاعَهُ، فَلِلْوَكِيلِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ نَاظِرٌ لِنَفْسِهِ يَعْتَرِضُ عَلَى الْوَكِيلِ إِنْ قَصَّرَ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ.
وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِي شِرَاءِ الشِّقْصِ، فَلِلْوَكِيلِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ وَكَّلَ الشَّرِيكُ الشَّرِيكَ فِي بَيْعِ نِصْفِ نَصِيبِهِ [وَأَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ، أَوْ بَعْضِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ إِنْ شَاءَ، فَبَاعَ نِصْفَ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ مَعَ نَصِيبِهِ] صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلْمُوَكِّلِ أَخْذُ نَصِيبِ الْوَكِيلِ بِالشُّفْعَةِ.
وَهَلْ لِلْوَكِيلِ أَخْذُ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ شَرِكَةٌ قَدِيمَةٌ، بِأَنْ كَانَتْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَثْلَاثًا، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ لِأَحَدِ صَاحِبَيْهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَالشَّرِيكَ الْآخَرَ يَشْتَرِكَانِ فِي أَخْذِ الشِّقْصِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الشَّرِكَةِ.
وَقِيلَ: الشَّرِيكُ الثَّالِثُ يَخْتَصُّ بِالشُّفْعَةِ، فَعَلَى هَذَا
إِنْ شَاءَ أَخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ.
وَعَلَى الْأَصَحِّ: إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ أَوْ تَرَكَهُ.
فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: خُذِ الْكُلَّ، أَوِ اتْرُكِ الْكُلَّ، وَقَدْ تَرَكْتُ أَنَا حَقِّي، لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ، وَلَمْ يَصِحَّ إِسْقَاطُ الْمُشْتَرِي حَقَّهُ مِنَ الشُّفْعَةِ، لِأَنَّ مِلْكَهُ اسْتَقَرَّ عَلَى النِّصْفِ بِالشِّرَاءِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ لِلشِّقْصِ شَفِيعَانِ: حَاضِرٌ، وَغَائِبٌ، فَأَخَذَ الْحَاضِرُ الْجَمِيعَ، فَحَضَرَ الْغَائِبُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ، وَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَقُولَ: اتْرُكِ الْجَمِيعَ أَوْ خُذِ الْجَمِيعَ فَقَدْ تَرَكْتُ حَقِّي، وَلَا نَظَرَ إِلَى تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَزِمَ مِنْ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْعَقْدِ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْمُشْتَرِي حَقَّهُ، لَزِمَ الْآخَرَ أَخْذُ الْكُلِّ أَوْ تَرْكُهُ، كَمَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ.
وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ دَارٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ نَصِيبِهِ لِثَالِثٍ، ثُمَّ بَاعَ النِّصْفَ الثَّانِيَ لِذَلِكَ الثَّالِثِ، فَعَلَى الْأَصَحِّ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ النِّصْفَ الثَّانِيَ لِأَجْنَبِيٍّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ تَعَالَى.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ: لَا شُفْعَةَ لِلْمُشْتَرِي، وَلِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَأْخُذَ أَحَدَ النِّصْفَيْنِ فَقَطْ.
فَصْلٌ
إِذَا بَاعَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ شِقْصًا، وَحَابَى، فَقَدْ يَكُونُ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي أَجْنَبِيَّيْنِ، أَوْ وَارِثَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي وَارِثًا فَقَطْ، أَوْ عَكْسُهُ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ.
الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ، فَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ الْمُحَابَاةَ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَأَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ، بِأَنْ بَاعَ شِقْصًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، نُظِرَ، إِنْ رَدَّهُ الْوَارِثُ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ.
وَفِي صِحَّتِهِ فِي الْبَاقِي طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: فِيهِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، فَفِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ؟ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يُوَازِي الثَّمَنَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنَ الْمَبِيعِ إِلَّا وَيَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ
الثَّمَنِ.
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْأَظْهَرِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي بَابِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِ الشِّقْصِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، دَارَتِ الْمَسْأَلَةُ.
وَحِسَابُهَا أَنْ يُقَالَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشِّقْصِ بِنِصْفِ شَيْءٍ، يَبْقَى مَعَ الْوَرَثَةِ أَلْفَانِ إِلَّا نِصْفَ شَيْءٍ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ مِثْلَيِ الْمُحَابَاةِ، وَهِيَ نِصْفُ شَيْءٍ، فَمِثْلَاهَا شَيْءٌ، فَنَجْبِرُ وَنُقَابِلُ، فَيَكُونُ أَلْفَانِ مُعَادِلَيْنِ لِشَيْءٍ وَنِصْفٍ، وَالشَّيْءُ مِنْ شَيْءٍ وَنِصْفٍ ثُلُثَاهُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْبَيْعَ صَحَّ فِي ثُلُثَيِ الشِّقْصِ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ بِثُلُثَيِ الثَّمَنِ، وَهُوَ نِصْفُ هَذَا الْمَبْلَغِ، فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَسِتِّينَ وَثُلُثَيْنِ، يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ثُلُثُ الشِّقْصِ وَثُلُثَا الثَّمَنِ، وَهُمَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، وَذَلِكَ ضِعْفٌ وَثَلَاثَةُ الْمُحَابَاةِ.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَبِيعِ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
فَإِنْ أَجَازَ أَخَذَ الشَّفِيعُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ الشِّقْصِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَثُلُثَيْهِ بِثُلُثِ الثَّمَنِ عَلَى الثَّانِي.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْسَخَ، وَطَلَبَ الشَّفِيعُ، فَأَيُّهُمَا يُجَابُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَكَذَا لَوْ فَسَخَ قَبْلَ طَلَبِ الشَّفِيعِ، هَلْ تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ، أَمْ لِلشَّفِيعِ رَدُّ الْفَسْخِ؟ فِيهِ مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ.
وَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ.
ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ إِجَازَتَهُمْ تَنْفِيذٌ لِمَا فَعَلَ الْمَيِّتُ أَخَذَ الشَّفِيعُ الْكُلَّ بِكُلِّ الثَّمَنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ مِنْهُمْ، لَمْ يَأْخُذِ الْقَدْرَ الْمُنْفَذَ بِإِجَازَتِهِمْ، وَيَأْخُذُ الْمُسْتَغْنِيَ عَنْ إِجَازَتِهِمْ، وَفِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَانِ عِنْدَ الرَّدِّ.
الضَّرْبُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ:: أَنْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ، أَوِ الْمُشْتَرِي وَارِثًا، فَيَكُونُ هَذَا الْبَيْعُ مُحَابَاةً مَعَ الْوَارِثِ، وَهِيَ مَرْدُودَةٌ.
فَإِنْ لَمْ نُفَرِّقِ الصَّفْقَةَ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ فَرَّقْنَاهَا، فَإِنْ قُلْنَا فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ - وَالتَّصْوِيرُ كَمَا سَبَقَ -: إِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي
خَمْسَةِ أَسْدَاسِ الشِّقْصِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَهُنَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الصُّورَةِ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ: يَصِحُّ فِي ثُلُثَيْهِ بِثُلُثَيِ الثَّمَنِ، فَهُنَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ، كَالضَّرْبِ الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ وَارِثًا دُونَ الْمُشْتَرِي.
فَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ الْمُحَابَاةَ، أَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ، وَصَحَّحْنَا الْبَيْعَ فِي بَعْضِ الْمُحَابَاةِ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَمَكَّنَّا الشَّفِيعَ مِنْ أَخْذِهِ، فَهُنَا أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَأْخُذُهُ الْوَارِثُ بِالشُّفْعَةِ، لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ مَعَ الْمُشْتَرِي لَا مَعَ الْوَارِثِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَلَا يَأْخُذُهُ الْوَارِثُ بِالشُّفْعَةِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ أَصْلًا لِتَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ.
وَالرَّابِعُ: يَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ مَا يُقَابِلُ الثَّمَنَ، وَيَبْقَى الْبَاقِي لِلْمُشْتَرِي مَجَّانًا.
وَالْخَامِسُ: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا فِي الْقَدْرِ الْمُقَابِلِ لِلثَّمَنِ.
فَصْلٌ
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ تَقَدُّمَ مِلْكِ الْآخِذِ عَلَى مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ شَرْطٌ.
فَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ دَارٌ اشْتَرَيَاهَا بِعَقْدَيْنِ، وَادَّعَى كُلٌّ أَنَّ شِرَاءَهُ سَبَقَ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى صَاحِبِهِ الشُّفْعَةَ، نُظِرَ، إِنِ ابْتَدَأَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى، أَوْ جَاءَا مَعًا وَتَنَازَعَا فِي الْبَدَاءَةِ، فَقُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ فَادَّعَى، فَعَلَى الْآخَرِ الْجَوَابُ، وَلَا يَكْفِيهِ قَوْلُهُ: شِرَائِي قَبْلُ، لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ دَعْوَى، بَلْ إِمَّا أَنْ يَنْفِيَ سَبْقَ شِرَاءِ الْمُدَّعِي، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، وَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ، فَإِنْ حَلَفَ، اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ ثُمَّ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ حَلَفَ، اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ أَيْضًا.
وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوَّلًا وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ، أَخَذَ مَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ
النَّاكِلِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِلْكٌ يَأْخُذُ بِهِ.
وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودِ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُ، وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ.
أَمَّا إِذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِالسَّبْقِ، فَيُقْضَى لَهُ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى سَبْقِ شِرَائِهِ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى يَوْمَ السَّبْتِ وَصَاحِبُهُ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَمُتَعَارِضَتَانِ، وَفِي تَعَارُضِهِمَا قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: سُقُوطُهُمَا، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ.
وَالثَّانِي: تُسْتَعْمَلَانِ.
وَفِي كَيْفِيَّتِهِ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا: بِالْقُرْعَةِ.
فَمَنْ قَرَعَ، أَخَذَ نَصِيبَ الْآخَرِ بِالشُّفْعَةِ.
وَالثَّانِي: بِالْقِسْمَةِ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهَا هُنَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّفَاوُتِ، فَيَكُونُ التَّصْنِيفُ مُقَيَّدًا.
وَالثَّالِثُ الْوَقْفُ.
وَعَلَى هَذَا يُوقَفُ حَقُّ التَّمَلُّكِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْحَالُ.
وَقِيلَ: لَا مَعْنَى لِلْوَقْفِ هُنَا.
وَلَوْ عَيَّنَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَقْتًا وَاحِدًا فَلَا مُنَافَاةَ، لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ الْعَقْدَيْنِ مَعًا، وَلَا شُفْعَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِوُقُوعِ الْعَقْدَيْنِ مَعًا.
وَفِي وَجْهٍ: تَسْقُطَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ
فِيهِ أَطْرَافٌ.
الْأَوَّلُ: فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ، لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّمَلُّكِ بِالشُّفْعَةِ حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَلَا إِحْضَارُ الثَّمَنِ، وَلَا حُضُورُ الْمُشْتَرِي، وَلَا رِضَاهُ.
وَقَالَ الصُّعْلُوكِيُّ: حُضُورُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَوْ وَكِيلِهِ شَرْطٌ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ مِنْ لَفْظٍ، كَقَوْلِهِ: تَمَلَّكْتُ، أَوِ اخْتَرْتُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، أَوْ أَخَذْتُهُ بِالشُّفْعَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَاطَاةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُطَالِبٌ بِالشُّفْعَةِ، لَمْ يَحْصُلْ بِهِ التَّمَلُّكُ
عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي.
وَلِذَلِكَ قَالُوا: يُعْتَبَرُ فِي التَّمَلُّكِ بِهَا، أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا لِلشَّفِيعِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فِي الطَّلَبِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي صِحَّةِ التَّمَلُّكِ مَعَ جَهَالَةِ الثَّمَنِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ.
وَفِي " التَّتِمَّةِ " إِشَارَةٌ إِلَى نَحْوِهِ، ثُمَّ لَا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهُ أَحَدُ أُمُورٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يُسَلِّمَ الْعِوَضَ إِلَى الْمُشْتَرِي فَيَمْلِكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهُ وَإِلَّا فَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، أَوْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى يُلْزِمَهُ التَّسْلِيمَ.
قُلْتُ: أَوْ يَقْبِضَ عَنْهُ الْقَاضِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: أَنْ يُسَلِّمَ الْمُشْتَرِيَ الشِّقْصَ وَيَرْضَى بِكَوْنِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَ شِقْصًا مَنْ دَارٍ عَلَيْهَا صَفَائِحُ ذَهَبٍ بِالْفِضَّةِ، أَوْ عَكْسُهُ، فَيَجِبُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ.
وَلَوْ رَضِيَ بِكَوْنِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمِ الشِّقْصَ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ، لِأَنَّ قَوْلَ الْمُشْتَرِي وَعْدٌ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْحُصُولُ، لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَالْمِلْكُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ لَا يَقِفُ عَلَى الْقَبْضِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَيُثْبِتَ حَقَّهُ بِالشُّفْعَةِ، وَيَخْتَارَ التَّمَلُّكَ فَيَقْضِيَ الْقَاضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ حَتَّى يَقْبِضَ عِوَضَهُ، أَوْ يَرْضَى بِتَأَخُّرِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْحُصُولُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ عَلَى الطَّلَبِ وَاخْتِيَارِ الشُّفْعَةِ.
فَإِنْ لَمْ نُثْبِتِ الْمِلْكَ بِحُكْمِ الْقَاضِي، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ لِقُوَّةِ قَضَاءِ الْقَاضِي.
وَإِذَا مَلَكَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَسَلَّمَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ، وَأَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَخِّرَ حَقَّهُ بِتَأْخِيرِ الْبَائِعِ حَقَّهُ.
وَإِذَا لَمْ
يَكُنِ الثَّمَنُ حَاضِرًا وَقْتَ التَّمَلُّكِ، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنِ انْقَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ، فَسَخَ الْحَاكِمُ تَمَلُّكَهُ، هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: إِذَا قَصَّرَ فِي الْأَدَاءِ، بَطَلَ حَقُّهُ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ وَفُسِخَ مِنْهُ.
فَرْعٌ
يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِلشَّفِيعِ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَدُّ إِلَى مُفَارَقَتِهِ الْمَجْلِسَ.
وَهَلْ يَنْقَطِعُ بِأَنْ يُفَارِقَهُ الْمُشْتَرِي؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الَّذِي صَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلشَّفِيعِ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ صَاحِبُ " التَّنْبِيهِ "، وَالْفَارِقِيُّ، وَالرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيُّ فِي كِتَابَيْهِ " التَّهْذِيبِ " وَشَرْحِ " مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَيْضًا فِي الدَّلِيلِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا مَلَكَ الشَّفِيعُ، امْتَنَعَ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ طَلَبَهُ وَلَمْ يُثْبِتِ الْمِلْكَ بَعْدُ، لَمْ يَمْتَنِعْ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، لِتَأَكُّدِ حَقِّهِ بَالِطَّلَبِ.
وَفِي نُفُوذِ تَصَرُّفِ الشَّفِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِذَا كَانَ قَدْ سَلَّمَ الثَّمَنَ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ كَالْمُشْتَرِي.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ قَهْرِيٌّ كَالْإِرْثِ.
وَلَوْ مَلَكَ بِالْإِشْهَادِ أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ مَلَكَ بِرِضَى الْمُشْتَرِي بِكَوْنِ الثَّمَنِ عِنْدَهُ.
فَرْعٌ
فِي تَمَلُّكِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ الَّذِي لَمْ يَرَهُ، طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْ بَيْعِ الْغَائِبِ، إِنْ مَنَعْنَاهُ، لَمْ يَتَمَلَّكْهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَلَهُ التَّمَلُّكُ.
ثُمَّ قِيلَ: خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ.
وَقِيلَ: يَثْبُتُ قَطْعًا، لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ لِأَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي أَصَحُّ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ وَإِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ جَرَى بِالتَّرَاضِي، فَأَثْبَتْنَا الْخِيَارَ فِيهِ، وَهَاهُنَا الشَّفِيعُ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي، فَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ الْخِيَارِ فِيهِ.
فَلَوْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ وَيَكُونُ بِالْخِيَارِ، فَعَلَى قَوْلِ الْغَائِبِ.
وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ التَّمَلُّكَ وَأَثْبَتْنَا الْخِيَارَ، فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبْضِ الثَّمَنِ وَإِقْبَاضِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَرَاهُ، لِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْهُ.
فَرْعٌ
لِلشَّفِيعِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ.
وَلَوْ أَفْلَسَ وَكَانَ الْمُشْتَرِي سَلَّمَ إِلَيْهِ الشِّقْصَ رَاضِيًا بِذِمَّتِهِ، فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِيمَا يَأْخُذُ بِهِ الشَّفِيعُ، الْمَأْخُوذُ أَنْوَاعٌ.
أَحَدُهَا: الْمَبِيعُ.
فَإِنْ بِيعَ بِمِثْلِيٍّ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ.
ثُمَّ إِنْ قُدِّرَ بِمِيعَادِ الشَّرْعِ أَخَذَهُ بِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ بِغَيْرِهِ، بِأَنْ بَاعَ بِمِائَةِ رِطْلِ حِنْطَةٍ، فَهَلْ يَأْخُذُهُ بِمِثْلِهِ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْقَرْضِ.
فَلَوْ كَانَ الْمِثْلُ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْأَخْذِ، عُدِلَ
إِلَى الْقِيمَةِ كَالْغَصْبِ.
وَإِنْ بِيعَ بِمُتَقَوَّمٍ مِنْ عَبْدٍ وَثَوْبٍ وَنَحْوِهِمَا أَخَذَهُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الْمُتَقَوَّمِ.
وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ يَوْمِ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ يَوْمُ إِثْبَاتِ الْعِوَضِ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يُعْتَبَرُ يَوْمَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ وَانْقِطَاعِ الْخِيَارِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الشِّقْصُ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ أَخَذَهُ بِمِثْلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ مُتَقَوَّمًا.
الثَّالِثُ: إِذَا صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى شِقْصٍ، أَخَذَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الدَّيْنِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ مُتَقَوَّمًا.
وَسَوَاءٌ دَيْنُ الْمُعَامَلَةِ وَدَيْنُ الْإِتْلَافِ.
الرَّابِعُ: الشِّقْصُ الْمَمْهُورُ، يُؤْخَذُ بِمَهْرِ مِثْلِ الْمَرْأَةِ.
وَكَذَا إِذَا خَالَعَهَا عَلَى شِقْصٍ.
وَالِاعْتِبَارُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا يَوْمَ النِّكَاحِ وَيَوْمَ الْخُلْعِ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ.
وَفِي التَّتِمَّةِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ.
وَلَوْ مَتَّعَ الْمُطَلَّقَةَ بِشِقْصٍ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمُتْعَةِ مِثْلِهَا، لَا بِالْمَهْرِ.
الْخَامِسُ: إِذَا أَخَذَ مِنَ الْمُكَاتَبِ شِقْصًا عِوَضًا عَنِ النُّجُومِ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِ النُّجُومِ أَوْ بِقِيمَتِهَا.
السَّادِسُ: الشِّقْصُ الَّذِي جُعِلَ أُجْرَةً يُؤْخَذُ بِأُجْرَةِ مِثْلِ الدَّارِ.
السَّابِعُ: إِذَا صَالَحَ عَلَيْهِ عَنِ الدَّمِ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الدِّيَةِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَيَعُودُ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْبَغَوِيِّ.
الثَّامِنُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِذَا اقْتَرَضَ شِقْصًا أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ وَإِنْ قُلْنَا: الْمُقْتَرِضُ يَرُدُّ الْمِثْلِيَّ.
فَصْلٌ
إِذَا كَانَ الثَّمَنُ حَالًا، بَذَلَهُ الشَّفِيعُ فِي الْحَالِ.
فَإِنْ كَانَ بِأَلْفٍ إِلَى سَنَةٍ مَثَلًا،
فَفِيهِ أَقْوَالٌ.
أَظْهَرُهَا: يَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ الثَّمَنَ وَأَخَذَ الشِّقْصَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَحِينَئِذٍ يَبْذُلُ الْأَلْفَ، وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ.
وَالثَّانِي: لَهُ الْأَخْذُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ.
وَالثَّالِثُ: يَأْخُذُ بِعَرَضٍ يُسَاوِي الْأَلْفَ إِلَى سَنَةٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالتَّأْخِيرِ، لِأَنَّهُ بِعُذْرٍ.
وَهَلْ يَجِبُ إِعْلَامُ الْمُشْتَرِي بِالطَّلَبِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
وَلَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي وَحَلَّ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَعَجَّلِ الْأَخْذَ عَلَى الشَّفِيعِ، بَلْ هُوَ عَلَى خِيرَتِهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ.
وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ، فَالْخِيرَةُ لِوَارِثِهِ.
وَلَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ فِي الْمُدَّةِ صَحَّ، وَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَهُ فِي الْحَالِ أَوْ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَيَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ.
هَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إِنَّ الشَّفِيعَ يَنْقُضُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي، وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي، فَفِي مَوْضِعِهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِذَا كَانَ مَلِيئًا مَوْثُوقًا بِهِ وَأَعْطَى كَفِيلًا مَلِيئًا، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُ.
وَالثَّانِي: لَهُ الْأَخْذُ مُطْلَقًا.
وَإِذَا أَخَذَهُ ثُمَّ مَاتَ حَلَّ عَلَيْهِ الْأَجَلُ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ، فَتَعْيِينُ الْعَرَضِ إِلَى الشَّفِيعِ، وَتَعْدِيلُ الْقِيمَةِ إِلَى مَنْ يَعْرِفُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: فَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ طَلَبُ الشُّفْعَةِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ وَجَبَ أَنْ لَا يُطَالِبَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا بِالْعَرَضِ الْمُعَدَّلِ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قِيمَةِ عِوَضِ الْمَبِيعِ بِحَالِ الْبَيْعِ، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ إِذَا أَخَّرَ الشَّفِيعُ بَطَلَ حَقُّهُ.
فَصْلٌ
إِذَا اشْتَرَى مَعَ الشِّقْصِ مَنْقُولًا، كَسَيْفٍ وَثَوْبٍ، صَفْقَةً وَاحِدَةً، وُزِّعَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا عَلَى اعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا يَوْمَ الْبَيْعِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ تَفَرَّقَتْ صَفْقَتُهُ لِدُخُولِهِ فِيهَا عَالِمًا بِالْحَالِ.
فَرْعٌ إِذَا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ ثُمَّ نُقِضَتْ، فَلَهَا أَحْوَالٌ.
إِحْدَاهَا: أَنْ تَتَعَيَّبَ مِنْ غَيْرِ تَلَفِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا انْفِصَالِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ بِأَنْ يَنْشَقَّ جِدَارٌ، أَوْ مَالَتِ أُسْطُوَانَةٌ، أَوِ انْكَسَرَ جِذْعٌ، أَوِ اضْطَرَبَ سَقْفٌ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْأَخْذِ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَبَيْنَ التَّرْكِ، كَتَعَيُّبِهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتْلَفَ بَعْضُهَا، فَيُنْظَرُ إِنْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنَ الْعَرْصَةِ بِأَنْ غَشِيَهَا سَيْلٌ فَغَرَّقَهَا، أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ بَقِيَتِ الْعَرْصَةُ وَتَلِفَتِ السُّقُوفُ وَالْجُدْرَانُ بِاحْتِرَاقٍ وَغَيْرِهِ، فَيُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ [السَّابِقِ] فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: أَنَّ سَقْفَ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ وَجِدَارَهَا كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ الْمَبِيعَيْنِ، أَمْ كَطَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْعَبْدِ وَصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُ كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، أَخَذَ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: كَطَرَفِ الْعَبْدِ، أَخَذَهَا بِكُلِّ الثَّمَنِ.
وَقِيلَ: إِنْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَخَذَ بِكُلِّ الثَّمَنِ.
وَإِنْ تَلِفَ بِإِتْلَافِ مُتْلِفٍ أَخَذَ بِالْحِصَّةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْصُلُ لَهُ بَدَلُ التَّالِفِ، فَلَا يَتَضَرَّرُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَتْلَفَ شَيْءٌ مِنْهَا، لَكِنْ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِالِانْهِدَامِ، فَهَلْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ النَّقْضَ.
فِيهِ قَوْلَانِ، وَيُقَالُ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ.
فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُهُ مَعَ الْعَرْصَةِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَوْ يَتْرُكُهُمَا.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَأْخُذُهُ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ السَّقْفَ وَالْجِدَارَ كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، أَوْ كَطَرَفِ الْعَبْدِ.
إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَخَذَ الْعَرْصَةَ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْبِنَاءِ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَأْخُذُ بِالْحِصَّةِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ قِيَاسُ الْأَصْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ: يَأْخُذُ بِتَمَامِ الثَّمَنِ كَالْحَالَةِ الْأُولَى.
وَعَلَى هَذَا يُشَبَّهُ النَّقْضُ بِالثِّمَارِ وَالزَّوَائِدِ الَّتِي يَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ.
فَصْلٌ
إِذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى حَطٍّ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهِ، فَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَقَبْلَهُ، وَفِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَمَكَانِهِ.
وَسَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ الْحَطُّ وَلَا الزِّيَادَةُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ لُزُومِهِ، لَا حَطُّ الْكُلِّ، وَلَا حَطُّ الْبَعْضِ.
وَفِيمَا قَبْلَ لُزُومِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: اللُّحُوقُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِهِ، وَحَطَّ الثَّمَنَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِلَا ثَمَنٍ، فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ هِبَةً عَلَى رَأْيٍ، وَيَبْطُلُ عَلَى رَأْيٍ.
فَصْلٌ
إِذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ بِعَبْدٍ مَثَلًا وَتَقَابَضَا، ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا، وَأَرَادَ رَدَّهُ وَاسْتِرْدَادَ الشِّقْصِ، وَطَلَبَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، فَفِي الْمُقَدَّمِ مِنْهُمَا خِلَافٌ سَبَقَ قَرِيبًا.
وَحَكَى الْإِمَامُ طَرِيقًا جَازِمًا بِتَقْدِيمِ الْبَائِعِ.
وَلَوْ عَلِمَ عَيْبَ الْعَبْدِ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ لَمْ يُنْقَضْ مِلْكُ الشَّفِيعِ، كَمَا لَوْ بَاعَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ.
وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَرِدُّ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ مِنَ الشَّفِيعِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ، وَيُسَلِّمُ الشِّقْصَ إِلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْمُشْتَرِي، فَرَدُّ الْبَائِعِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ مِلْكِهِ كَمَا يَتَضَمَّنُ نَقْضَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِهِ، أَخَذَ الْبَائِعُ قِيمَةَ الشِّقْصِ مِنَ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَفِي رُجُوعِ مَنْ بَذَلَ الزِّيَادَةَ عَلَى صَاحِبِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا رُجُوعَ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَهُ بِالْمَبْذُولِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ.
وَلَوْ عَادَ الشِّقْصُ إِلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَتَمَكَّنِ الْبَائِعُ مِنْ إِجْبَارِهِ عَلَى رَدِّ الشِّقْصِ، وَلَا الْمُشْتَرِي مِنْ إِجْبَارِ الْبَائِعِ عَلَى الْقَبُولِ وَرَدِّ الْقِيمَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا
غَرِمَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ لِإِبَاقِهِ، فَرَجَعَ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لَمْ يَزَلْ وَمِلْكَ الْمُشْتَرِي قَدْ زَالَ.
وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّائِلَ الْعَائِدَ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ، أَمْ كَالَّذِي لَمْ يَعُدْ؟ وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ وَجَدَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ بِالْعَبْدِ، وَقَدْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ، فَأَخَذَ الْأَرْشَ لِامْتِنَاعِ الرَّدِّ، نُظِرَ، إِنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ سَلِيمًا، فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ مَعِيبًا، فَفِي رُجُوعِ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي التَّرَاجُعِ.
لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا: الرُّجُوعُ، وَمَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إِلَى الْقَطْعِ بِهِ، لِأَنَّ الشِّقْصَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْعَبْدِ وَالْأَرْشِ، وَوُجُوبُ الْأَرْشِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، لِاقْتِضَائِهِ السَّلَامَةَ.
وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ وَلَمْ يَرُدُّهُ، فَفِيمَا يَجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: قِيمَةُ الْعَبْدِ سَلِيمًا.
وَالثَّانِي: قِيمَتُهُ مَعِيبًا.
حَتَّى لَوْ بَذَلَ قِيمَةَ السَّلِيمِ، اسْتَرَدَّ قِسْطَ السَّلَامَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَغَلَّطَ الْإِمَامُ قَائِلَهُ.
فَرْعٌ
لِلْمُشْتَرِي رَدُّ الشِّقْصِ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْعُيُوبِ السَّابِقَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَعَلَى الْأَخْذِ.
ثُمَّ لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، فَلَا رَدَّ فِي الْحَالِ، وَلَا أَرْشَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا إِذَا بَاعَهُ.
فَلَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الشَّفِيعُ بِالْعَيْبِ، رَدَّهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْبَائِعِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبَ الشِّقْصِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، وَمَنَعَهُ عَيْبٌ حَادِثٌ مِنَ الرَّدِّ، فَأَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، حُطَّ ذَلِكَ عَنِ الشَّفِيعِ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الرَّدِّ، لَكِنْ تَوَافُقًا عَلَى الْأَرْشِ، فَفِي صِحَّةِ هَذِهِ الْمُصَالَحَةِ وَجْهَانِ سَبَقَا.
فَإِنْ صَحَّحْنَاهَا، فَفِي حَطِّهِ عَنِ الشَّفِيعِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْحَطُّ.
وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنَ الْبَائِعِ.
فَصْلٌ
اشْتَرَى بِكَفٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ لَا يَعْلَمُ وَزْنَهَا أَوْ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ لَا يَعْلَمُ كَيْلَهَا، فَيُوزَنُ وَيُكَالُ لِيَأْخُذَ الشَّفِيعُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَائِبًا، فَتَبَرَّعَ الْبَائِعُ بِإِحْضَارِهِ، أَوْ أَخْبَرَ عَنْهُ، وَاعْتَمَدَ قَوْلَهُ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُكَلِّفَهُ الْإِحْضَارَ، وَلَا الْإِخْبَارَ عَنْهُ.
وَإِنْ هَلَكَ الثَّمَنُ وَتَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، تَعَذَّرَ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ.
فَإِنْ أَنْكَرَ الشَّفِيعُ كَوْنَ الشِّرَاءِ بِمَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ، نُظِرَ، إِنْ عَيَّنَ قَدْرًا وَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِكَذَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَمْ يَكُنْ قَدْرُهُ مَعْلُومًا، فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُقْنَعُ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ لَا يُقْنَعُ مِنْهُ وَلَا يَحْلِفُ، بَلْ إِنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ، جُعِلَ نَاكِلًا وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الشَّفِيعِ.
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ قَالَ: نَسِيتُ، فَهُوَ كَالنُّكُولِ.
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ قَدْرًا، لَكِنِ ادَّعَى عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَعْلَمُهُ، وَطَالَبَهُ بِالْبَيَانِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ حَتَّى يُعَيِّنَ قَدْرًا، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ [أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ.
وَالثَّانِي: تُسْمَعُ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي] عَلَى مَا يَقُولُهُ.
فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الشَّفِيعُ عَلَى عِلْمِ الْمُشْتَرِي، وَحُبِسَ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَهُ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ طَرِيقُ الشَّفِيعِ أَنْ يُعَيِّنَ قَدْرًا، فَإِنْ وَافَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَذَاكَ، وَإِلَّا حَلَّفَهُ عَلَى نَفْيِهِ، فَإِنْ نَكَلَ، اسْتَدَلَّ الشَّفِيعُ بِنُكُولِهِ وَحَلَفَ عَلَى مَا عَيَّنَهُ، وَإِنْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي، زَادَ وَادَّعَى ثَانِيًا.
وَهَكَذَا يَفْعَلُ إِلَى أَنْ يَنْكَلَ الْمُشْتَرِي، فَيَسْتَدِلُّ الشَّفِيعُ بِنُكُولِهِ وَيَحْلِفُ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ تَسْتَنِدُ إِلَى التَّخْمِينِ، وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ إِذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ.
فَصْلٌ
إِذَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي ثَمَنِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ، فَإِنْ ظَهَرَ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، بَانَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ وَبَطَلَتِ الشُّفْعَةُ، وَعَلَى الشَّفِيعِ رَدُّ الشِّقْصِ إِنْ كَانَ قَبَضَهُ.
وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا [تَفْرِيقِ] الصَّفْقَةِ.
فَإِنْ فَرَّقْنَاهَا وَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْإِجَازَةَ، فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ.
وَإِنِ اخْتَارَ الْفَسْخَ وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ، فَفِيهِ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَصْدَقَهَا شِقْصًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ، وَخَرَجَ الْمَدْفُوعُ مُسْتَحَقًّا، لَزِمَهُ إِبْدَالُهُ، وَالْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ بِحَالِهِمَا، وَلِلْبَائِعِ اسْتِرْدَادُ الشِّقْصِ لِيَحْبِسَهُ إِلَى أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَإِنْ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي ثَمَنِ الشَّفِيعِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ وَعَلَيْهِ الْإِبْدَالُ.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِالْبُطْلَانِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ: الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، بِأَنْ قَالَ: تَمَلَّكْتُ الشِّقْصَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، كَقَوْلِهِ: تَمَلَّكْتُهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، ثُمَّ نَقَدَ الْمُسْتَحَقَّةَ، فَلَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ قَطْعًا، وَقِيلَ: الْوَجْهَانِ فِي الْحَالَيْنِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: الْفَرْقُ بَيِّنٌ فِي الْحَالَتَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ فِي حَالَةِ الْجَهْلِ وَالْعِلْمِ، إِذَا قُلْنَا: لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ، هَلْ نَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ بِأَدَاءِ الْمُسْتَحَقِّ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى تَمَلُّكٍ جَدِيدٍ؟ أَمْ نَقُولُ: قَدْ مَلَكَهُ وَالثَّمَنُ دَيْنٌ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ، لَا سِيَّمَا فِي حَالَةِ الْعِلْمِ.
وَخُرُوجُ الدَّنَانِيرِ نُحَاسًا كَخُرُوجِهَا مُسْتَحَقَّةً.
وَلَوْ خَرَجَ ثَمَنُ
الْمَبِيعِ رَدِيئًا، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الرِّضَا بِهِ وَالِاسْتِبْدَالِ.
فَإِنْ رَضِيَ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ الرِّضَا بِمِثْلِهِ، بَلْ يَأْخُذُ مِنَ الشَّفِيعِ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
قُلْتُ: وَفِي هَذَا احْتِمَالٌ ظَاهِرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ خَرَجَ مَا دَفَعَهُ الشَّفِيعُ رَدِيئًا، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا.
وَقِيلَ: هُوَ كَخُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
فَصْلٌ
إِذَا بَنَى الْمُشْتَرِي، أَوْ غَرَسَ، أَوْ زَرَعَ، فِي الْمَشْفُوعِ، ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ، فَلَهُ الْأَخْذُ وَقَلْعُ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ وَزَرْعِهِ مَجَّانًا، لَا بِحَقِّ الشُّفْعَةِ، بَلْ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ.
وَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا انْفَرَدَ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ، كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَقْلَعَ مَجَّانًا.
وَإِنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ الْمُشْتَرِي فِي نَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالتَّمْيِيزِ، ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْعُهُ مَجَّانًا، كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ إِشْكَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: قَالَ الْمُزَنِيُّ: الْمُقَاسَمَةُ تَتَضَمَّنُ الرِّضَا مِنَ الشَّفِيعِ، وَإِذَا رَضِيَ بِتَمَلُّكِ الْمُشْتَرِي بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؟ الثَّانِي أَنَّ الْقِسْمَةَ تَقْطَعُ الشَّرِكَةَ، فَيَصِيرَانِ جَارَيْنِ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ.
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَصَوَّرُوا صِحَّةَ الْقِسْمَةِ مَعَ بَقَاءِ الشُّفْعَةِ فِي صُوَرٍ.
مِنْهَا: أَنْ يُقَالَ لِلشَّفِيعِ: جَرَى الشِّرَاءُ بِأَلْفٍ، فَيَعْفُو وَيُقَاسِمُ، أَوْ أَنَّ الشِّقْصَ مَلَكَهُ بِالْهِبَةِ فَيُقَاسِمُ، ثُمَّ بِأَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ بِدُونِ أَلْفٍ، وَأَنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ بِالْبَيْعِ، فَتَصِحُّ الْقِسْمَةُ وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُقَاسِمَ الشَّفِيعُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْبَائِعِ بِإِخْبَارِهِ، أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ وَكِيلٌ بِالْقِسْمَةِ مَعَ شُرَكَائِهِ وَمَعَ الْمُشْتَرِينَ مِنْهُمْ، فَيُقَاسِمُ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِيَ بِغَيْرِ عِلْمِ الشَّفِيعِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ فِي الْقِسْمَةِ وَفِي أَخْذِ الْأَشْقَاصِ بِالشُّفْعَةِ، فَرَأَى فِي شِقْصٍ الْحَظَّ فِي تَرْكِهِ، فَيَتْرُكُهُ وَيُقَاسِمُ، ثُمَّ يَقْدُمُ الشَّفِيعَ، وَيَظْهَرُ لَهُ أَنَّ لَهُ الْحَظَّ فِي الْأَخْذِ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ غَائِبًا، فَيُطَالِبُ الْمُشْتَرِي الْحَاكِمَ بِالْقِسْمَةِ، فَيُجِيبُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي إِجَابَتِهِ إِذَا عَلِمَ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْجَوَازَ إِنَّمَا لَا يَكْفِي فِي الِابْتِدَاءِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنِ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي قَلْعَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُكَلَّفُ تَسْوِيَةَ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ كَانَ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِهِ.
فَإِنْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ نَقْصٌ، فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ عَلَى صِفَتِهِ، أَوْ يَتْرُكُ.
وَإِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْمُشْتَرِي الْقَلْعَ، فَلِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ بَيْنَ إِبْقَاءِ مِلْكِهِ فِي الْأَرْضِ بِأُجْرَةٍ، وَبَيْنَ تَمَلُّكِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْأَخْذِ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَهُ وَيَغْرَمَ أَرْشَ النَّقْصِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُعِيرِ إِذَا رَجَعَ وَقَدْ بَنَى الْمُسْتَعِيرُ أَوْ غَرَسَ بِلَا فَرْقٍ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ زَرَعَ، بَقِيَ زَرْعُهُ إِلَى أَنْ يُدْرَكَ فَيَحْصُدَ.
وَقِيَاسُ الْبَابِ: أَنْ يَجِيءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ فِي زَرْعِ الْأَرْضِ الْمُسْتَعَارَةِ.
وَالْمَذْهَبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، تَبْقِيَةُ الزَّرْعِ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: فِي مُطَالَبَةِ الشَّفِيعِ لِلْمُشْتَرِي بِالْأُجْرَةِ، الْخِلَافُ فِي الْمُعِيرِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا مُطَالَبَةَ هُنَا قَطْعًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ زَرَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ، فَأَشْبَهَ مَنْ بَاعَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً، لَا مُطَالَبَةَ لِلْمُشْتَرِي بِأُجْرَةِ مُدَّةِ بَقَاءِ الزَّرْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْبَيْعَ.
فَرْعٌ
إِذَا زَرَعَ الْمُشْتَرِي، فَلِلشَّفِيعِ تَأْخِيرُ الشُّفْعَةِ إِلَى الْإِدْرَاكِ وَالْحَصَادِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّأْخِيرُ وَإِنْ تَأَخَّرَتِ الْمَنْفَعَةُ، كَمَا لَوْ بِيعَتِ الْأَرْضُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الِانْتِفَاعِ، لَا يُؤَخَّرُ الْأَخْذُ إِلَى وَقْتِهِ.
وَلَوْ كَانَ فِي الشِّقْصِ شَجَرٌ عَلَيْهِ ثَمَرٌ لَا يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ، فَفِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِ إِلَى الْقِطَافِ وَجْهَانِ، لِأَنَّ الثَّمَرَ لَا يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِالْمَأْخُوذِ.
فَصْلٌ
تَصَرُّفَاتُ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ مِنَ الْبَيْعِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِهِمَا صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهَا فِي مِلْكِهِ.
وَقِيلَ: بَاطِلَةٌ، وَهُوَ شَاذٌّ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ: يُنْظَرُ إِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ مِمَّا لَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْوَقْفِ، وَالْهِبَةِ، وَالْإِجَارَةِ، فَلِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ وَأَخْذُ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْبَيْعِ وَالْأَصْدَاقِ، فَهُوَ كَالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَنْقُضَهُ وَيَأْخُذَ الشِّقْصَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَنْقُضَ وَيَأْخُذَ بِالْعَقْدِ الثَّانِي.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَنْقُضُ تَصَرُّفُهُ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يُنْقَضُ مَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، لَكِنْ يَتَجَدَّدُ حَقُّ الشُّفْعَةِ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: لَا يَتَجَدَّدُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ، فَلَا يُثْبِتُهَا.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يُنْقَضُ الْوَقْفُ، وَيُنْقَضُ مَا سِوَاهُ.
فَصْلٌ
فِي الِاخْتِلَافِ
وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: قَالَ الْمُشْتَرِي: عَفَوْتَ عَنْ شُفْعَتِكَ، أَوْ قَصَرْتَ، فَسَقَطَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ.
صُدِّقَ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِعَقْدِهِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا، وَتَلِفَ، وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُشْتَرِي، حَلَفَ الشَّفِيعُ وَأَخَذَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، قُضِيَ بِهَا.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بِحَقِّ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ: تُقْبَلُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، وَالثَّمَنُ ثَابِتٌ لَهُ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي.
وَلَوْ شَهِدَ لِلشَّفِيعِ، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِهِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ، لِأَنَّهُ يَنْقُضُ حَقَّهُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ شَهِدَ قَبْلَ قَبْضِهِ الثَّمَنَ، قُبِلَتْ، لِأَنَّهُ يَنْقُضُ حَقَّهُ، إِذْ لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ شَهِدَ بَعْدَهُ، فَلَا، لِأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، فَإِنَّهُ إِذَا قَلَّ الثَّمَنُ، قَلَّ مَا يَغْرَمُهُ عِنْدَ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي، كَمَا أَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُمَا تَتَعَارَضَانِ، لِأَنَّ النِّزَاعَ هُنَا فِيمَا وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْيَدِ عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا: تَسْقُطَانِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ قُلْنَا تُسْتَعْمَلَانِ، فَالِاسْتِعْمَالُ هُنَا بِالْقُرْعَةِ أَوِ الْوَقْفِ.
الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، فَذَاكَ، وَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ [مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي] . وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّفِيعِ لِلْبَائِعِ، وَلَا تُقْبَلُ لِلْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي تَقْلِيلِ الثَّمَنِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَتَحَالَفَا، وَفُسِخَ عَقْدُهُمَا أَوِ انْفَسَخَ، فَإِنْ جَرَى ذَلِكَ بَعْدَمَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الشِّقْصِ لِلْبَائِعِ.
وَإِنْ جَرَى قَبْلَ الْأَخْذِ، فَفِي سُقُوطِ حَقِّهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي
خُرُوجِهِ مَعِيبًا.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْقُطُ، أَخَذَهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، لِأَنَّ الْبَائِعَ اعْتَرَفَ بِاسْتِحْقَاقِ الشَّفِيعِ الْأَخْذَ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي كَوْنَ الطَّالِبِ شَرِيكًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ، فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِشَرِكَتِهِ، لَا عَلَى نَفْيِ شَرِكَتِهِ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الطَّالِبُ عَلَى الْبَتِّ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ أَنْكَرَ تَقَدُّمَ مِلْكِ الطَّالِبِ عَلَى مِلْكِهِ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي عَقَارٍ، فَغَابَ أَحَدُهُمَا، وَرَأَيْنَا نَصِيبَهُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، قُضِيَ بِهَا وَأَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ.
ثُمَّ إِنِ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، سُلِّمَ الثَّمَنُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُتْرَكُ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْمُدَّعِي إِلَى أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَمْ يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَيَحْفَظُهُ، أَمْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ أَوِ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَذْكُورَةٍ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، وَجَاءَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ وَرِثَهُ أَوِ اتَّهَبَهُ، تَعَارَضَتَا.
وَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ الْغَائِبَ أَوْدَعَهُ إِيَّاهُ، أَوْ أَعَارَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَيِّنَتَيْنِ تَارِيخٌ، أَوْ سَبَقَ تَارِيخُ الْإِيدَاعِ، فَلَا مُنَافَاةَ فَيُقْضَى بِالشُّفْعَةِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَوْدَعَهُ ثُمَّ بَاعَهُ، وَإِنْ سَبَقَ تَارِيخُ الْبَيْعِ، فَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ بِلَفْظِ الْإِيدَاعِ، فَاعْتَمَدَهُ الشُّهُودُ.
فَإِنِ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ بِأَنْ كَانَ تَارِيخُ الْإِيدَاعِ مُتَأَخِّرًا، وَقَالَ الشُّهُودُ: أَوْدَعَهُ وَهِيَ مِلْكُهُ، فَهَا هُنَا يُرَاجَعُ الشَّرِيكُ الْقَدِيمُ.
فَإِنْ قَالَ: وَدِيعَةٌ، سَقَطَ حُكْمُ الشِّرَاءِ.
وَإِنْ قَالَ: لَا حَقَّ لِي فِيهِ، قُضِيَ بِالشُّفْعَةِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ كَانَ لِذَلِكَ الْغَائِبِ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، فَهَلْ لِلْمُدَّعِي أَخْذُهُ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، إِذْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْغَائِبِ، فَيُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يُكَاتَبَ، هَلْ هُوَ مُقِرٌّ بِالْبَيْعِ؟ وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى الْبَيْعِ، وَيَكْتُبُ الْقَاضِي فِي
السِّجِلِّ أَنَّهُ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ بِتَصَادُقِهِمَا، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ.
الثَّانِي: أَنْ يُنْكِرَ أَصْلَ الشِّرَاءِ، فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ.
ثُمَّ إِنِ اقْتَصَرَ فِي الْجَوَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِلَيْهِ حَلَفَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الشِّرَاءِ.
وَإِنْ قَالَ فِي الْجَوَابِ: لَمْ أَشْتَرِهِ، بَلْ وَرَثْتُهُ، أَوِ اتَّهَبْتُهُ، فَيَحْلِفُ لِذَلِكَ، أَمْ يَكْفِي الْحَلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ؟ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي دَعْوَى عَيْبِ الْمَبِيعِ.
وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَلَفَ الطَّالِبُ وَاسْتَحَقَّ الشِّقْصَ.
وَفِي الثَّمَنِ الْأَوْجُهُ السَّابِقَةُ.
هَذَا إِذَا أَنْكَرَ الشِّرَاءَ، وَالشَّرِيكُ الْقَدِيمُ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِالْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَرِفًا وَالشِّقْصُ فِي يَدِهِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِلَى مَنْ يُسَلِّمُ الثَّمَنَ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: إِلَى الْبَائِعِ، وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: يُنَصِّبُ الْقَاضِي أَمِينًا يَقْبِضُ الثَّمَنَ مِنْهُ لِلْمُشْتَرِي وَيَدْفَعُهُ إِلَى الْبَائِعِ، وَيَقْبِضُ الشِّقْصَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَيَدْفَعُهُ إِلَى الشَّفِيعِ.
وَإِذَا أَخَذَ الْبَائِعُ ثَمَنَ الشِّقْصِ، فَهَلْ لَهُ مُخَاصَمَةُ الْمُشْتَرِي وَمُطَالَبَتُهُ بِالثَّمَنِ؟ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَالُهُ أَبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ وَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالدَّرَكِ أَسْهَلَ.
فَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، وَحَلَفَ الْمُشْتَرِي، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْبَائِعُ، وَأَخَذَ الثَّمَنَ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَكَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ مِنَ الشَّفِيعِ، فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُوقَفُ، أَمْ يُتْرَكُ فِي يَدِهِ؟ وَجْهَانِ.
كَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ، وَفِي «الشَّامِلِ» أَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُطَالِبُ الْمُشْتَرِيَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَرْضَ أَخْذَ الثَّمَنِ مِنَ الشَّفِيعِ؟ فَإِنْ رَضِيَ، فَلْيَقْنَعْ بِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ.
فَإِنِ اعْتَرَفَ مَعَ الْبَيْعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا شُفْعَةَ إِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْقَبْضِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
وَأَصَحُّهُمَا: ثُبُوتُهَا.
ثُمَّ هَلْ يُتْرَكُ الثَّمَنُ فِي يَدِ الشَّفِيعِ، أَمْ يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَيَحْفَظُهُ، أَمْ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ السَّابِقَةُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُهُ لِفُلَانٍ وَلَا خُصُومَةَ لَكَ مَعِي، فَيُنْظَرُ فِي
الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَحَاضِرٌ، أَمْ غَائِبٌ، أَمْ صَبِيٌّ؟ وَحُكْمُهُ مَا يَأْتِي فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي تَزَاحُمِ الشُّفَعَاءِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَ الشُّرَكَاءُ عَلَى الطَّلَبِ.
وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَنَّ تَعَدُّدَ الْمُسْتَحِقِّينَ قَدْ يَكُونُ ابْتِدَاءً، بِأَنْ كَانَتِ الدَّارُ] بَيْنَ
[جَمَاعَةٍ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ، وَثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِلْبَاقِينَ، وَقَدْ يَكُونُ دَوَامًا، بِأَنْ يَمُوتَ الْمُسْتَحِقُّ وَيَتْرُكَ وَرَثَةً، فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ.
فَإِنْ تَسَاوَتْ حِصَصُ الْمُسْتَحِقِّينَ، تَسَاوْوَا فِي الشِّقْصِ.
وَإِنْ تَفَاوَتَتْ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ، فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ، فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا:] أَنَّ [الشُّفْعَةَ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، فَيُقَسَّمُ النِّصْفُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا.
وَالثَّانِي: عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، فَيُقَسَّمُ نِصْفَيْنِ.
فَرْعٌ
مَاتَ مَالِكُ الدَّارِ عَنِ ابْنَيْنِ] ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنَيْنِ [ثُمَّ بَاعَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ نَصِيبَهُ، فَهَلْ يَشْتَرِكُ الْأَخُ وَالْعَمُّ فِي الشُّفْعَةِ، أَمْ يَخْتَصُّ بِهَا الْأَخُ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَعَلَى هَذَا، هَلْ يُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، أَمْ بِالْحِصَصِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ: الْقَطْعُ بِالْحِصَصِ.
وَإِذَا قُلْنَا: يَخْتَصُّ الْأَخُ فَعَفَا، فَفِي ثُبُوتِهَا لِلْعَمِّ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّهُ شَرِيكٌ، وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ الْأَخُ، لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ، كَمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يُقَدَّمُ فِي الْمَرْهُونِ عَلَى الْغُرَمَاءِ.
فَلَوْ سَقَطَ حَقُّهُ، تَمَسَّكَ بِهِ الْبَاقُونَ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الثَّانِي أَصَحَّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَخِ وَالْعَمِّ فِي كُلِّ صُورَةٍ.
مَلَكَ شَرِيكَانِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ،
وَغَيْرُهُمَا مِنَ الشُّرَكَاءِ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَبَاعَ أَحَدُ الْمَالِكِينَ بِالسَّبَبِ الْوَاحِدِ، فَفِي قَوْلٍ: الشُّفْعَةُ لِصَاحِبِهِ خَاصَّةً، وَعَلَى الْأَظْهَرِ: لِلْجَمِيعِ.
مِثَالُهُ: بَيْنَهُمَا دَارٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِرَجُلَيْنِ، أَوْ وَهَبَهُ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ.
وَلَوْ مَاتَ مَنْ لَهُ دَارٌ عَنْ بِنْتَيْنِ وَأُخْتَيْنِ، فَبَاعَتْ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ نَصِيبَهَا، فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
فَفِي قَوْلٍ: تَخْتَصُّ بِالشُّفْعَةِ الْبِنْتُ الْأُخْرَى، وَعَلَى الْأَظْهَرِ: يَشْتَرِكْنَ كُلُّهُنَّ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالِاشْتِرَاكِ.
فَرْعٌ
مَاتَ الشَّفِيعُ عَنِ ابْنٍ وَزَوْجَةٍ وَرِثَا حَقَّ الشُّفْعَةِ، فَفِي كَيْفِيَّةِ إِرْثِهِمَا طُرُقٌ.
أَصَحُّهَا: يَأْخُذَانِ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ قَطْعًا.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّالِثُ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
فَرْعٌ
دَارَ بَيْنَ اثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ، بَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ نَصِيبِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ بَاعَ النِّصْفَ الْآخَرَ لِعَمْرٍو، فَالشُّفْعَةُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ تَخْتَصُّ بِالشَّرِيكِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ قَدْ يَعْفُو عَنْهُ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ.
وَفِي النِّصْفِ الثَّانِي أَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: يَخْتَصُّ بِهِ الْأَوَّلُ.
وَالثَّانِي: يَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَوَّلُ وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ.
وَأَصَحُّهُمَا: إِنْ عَفَا الشَّرِيكُ الْأَوَّلُ عَنِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، اشْتَرَكَا، وَإِلَّا فَيَخْتَصُّ بِهِ الشَّرِيكُ الْأَوَّلُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَطْلُبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ وَيَعْفُوَ بَعْضُهُمْ.
وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ مَا إِذَا كَانَتِ الشُّفْعَةُ لِوَاحِدٍ فَعَفَا عَنْ بَعْضِهَا، وَفِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: يَسْقُطُ جَمِيعُهَا كَالْقِصَاصِ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ كَعَفْوِهِ عَنْ بَعْضِ حَدِّ الْقَذْفِ.
وَالثَّالِثُ: يَسْقُطُ مَا عَفَا عَنْهُ
وَيَبْقَى الْبَاقِي، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: وَمَوْضِعُ هَذَا الْوَجْهِ، مَا إِذَا رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ أَبَى وَقَالَ: خُذِ الْكُلَّ أَوْ دَعْهُ، فَلَهُ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ، إِذَا لَمْ نَحْكُمْ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ.
فَإِنْ حَكَمْنَا بِهِ، فَطَرِيقَانِ.
مِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الْبَعْضِ تَأْخِيرٌ لِطَلَبِ الْبَاقِي، وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَمَلَ ذَلِكَ إِذَا بَادَرَ إِلَى طَلَبِ الْبَاقِي، وَطَرَدَ الْأَوْجُهَ.
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ صَاحِبَ «الشَّامِلِ» قَالَ: اسْتَحَقَّ شِقْصًا، فَجَاءَ وَقَالَ: آخُذُ نِصْفَهُ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ فِي الْكُلِّ، لِأَنَّهُ تَرَكَ طَلَبَ النِّصْفِ.
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَاسْتَحَقَّ اثْنَانِ شُفْعَةً، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ، فَأَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: يَسْقُطُ حَقُّ الْعَافِي، وَيَثْبُتُ الْجَمِيعُ لِلْآخَرِ.
فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَمِيعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ، لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَالثَّانِي: يَسْقُطُ حَقُّهُمَا جَمِيعًا، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، كَالْقِصَاصِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَسْقُطُ حَقُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، تَغْلِيبًا لِلثُّبُوتِ كَمَا سَبَقَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.
وَالرَّابِعُ: يَسْقُطُ حَقُّ الْعَافِي، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا قِسْطَهُ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُلْزِمَهُ أَخْذَ الْجَمِيعِ.
هَذَا إِذَا ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِعَدَدٍ ابْتِدَاءً.
فَلَوْ ثَبَتَتْ لِوَاحِدٍ فَمَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا، فَهَلْ هُوَ كَمَا لَوْ ثَبَتَتْ لِوَاحِدٍ فَعَفَا عَنْ بَعْضِهَا، أَمْ كَثُبُوتِهَا لِابْنَيْنِ عَفَا أَحَدُهُمَا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَلَوْ كَانَ لِلشِّقْصِ شَفِيعَانِ، فَمَاتَ كُلٌّ عَنِ ابْنَيْنِ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ، فَحَاصِلُ الْمَنْقُولِ تَفْرِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: يَسْقُطُ الْكُلُّ.
وَالثَّانِي: يَبْقَى الْكُلُّ لِلْأَرْبَعَةِ.
وَالثَّالِثُ: يَسْقُطُ حَقُّ الْعَافِي وَأَخِيهِ، وَيَأْخُذُ الْآخَرَانِ.
وَالرَّابِعُ: يَنْتَقِلُ حَقُّ الْعَافِي إِلَى الثَّلَاثَةِ، فَيَأْخُذُونَ الشِّقْصَ أَثْلَاثًا.
وَالْخَامِسُ: يَسْتَقِرُّ حَقُّ الْعَافِي لِلْمُشْتَرِي، وَيَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الشِّقْصِ.
وَالسَّادِسُ: يَنْتَقِلُ حَقُّ الْعَافِي إِلَى أَخِيهِ فَقَطْ.
قُلْتُ: أَصَحُّهَا: الرَّابِعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
مَاتَ الشَّفِيعُ عَنِ ابْنَيْنِ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَفْوَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ يَمِينِهِمَا عَلَى الْبَتِّ.
فَلَوِ ادَّعَى عَفْوَ أَبِيهِمَا، حَلَفَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
فَإِنْ حَلَفَا أَخَذَا.
وَإِنْ نَكَلَا حَلَفَ الْمُشْتَرِي، وَبَطَلَ حَقُّهُمَا.
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُ إِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا أَخَذَ الْآخَرُ الْجَمِيعَ، فَلَا يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ.
وَإِنْ قُلْنَا: حَقُّ الْعَافِي يَسْتَقِرُّ لِلْمُشْتَرِي، حَلَفَ الْمُشْتَرِي لِيَسْتَقِرَّ لَهُ نَصِيبُ النَّاكِلِ.
ثُمَّ الْوَارِثُ الْحَالِفُ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ بِنُكُولِ أَخِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ صَدَّقَ أَخَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْفُ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ الْعَفْوَ، وَأَنْكَرَ النَّاكِلُ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِدَعْوَى أَخِيهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَلِفِ نُكُولُهُ فِي جَوَابِ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ حَلَفَ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا، حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَفَا، وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْجَمِيعَ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْضُرَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ دُونَ بَعْضٍ.
فَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ لِأَرْبَعَةٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ، وَثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِلْبَاقِينَ، فَلَمْ يَحْضُرْ إِلَّا وَاحِدٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ حِصَّتِهِ فَقَطْ، وَلَا يُكَلَّفُ الصَّبْرَ إِلَى حُضُورِهِمَا، بَلْ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَمِيعَ أَوْ تَرَكَهُ.
وَهَلْ لَهُ تَأْخِيرُ الْأَخْذِ إِلَى حُضُورِهِمَا؟ إِذَا قُلْنَا: الشُّفْعَةُ عَلَى الْفَوْرِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِلْعُذْرِ، وَإِذَا أَخَذَ الْجَمِيعَ، ثُمَّ حَضَرَ أَحَدُ الْغَائِبِينَ، أَخَذَ مِنْهُ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا شَفِيعَانِ.
فَإِذَا حَضَرَ الثَّالِثُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فُرُوعٌ:
أَحَدُهَا: خَرَجَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، فَفِي الْعُهْدَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عُهْدَةُ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِاسْتِحْقَاقِهِمُ الشُّفْعَةَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رُجُوعَ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ كُلَّ الثَّمَنِ، وَرُجُوعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فَيَسْتَرِدُّ
مِنْهُ النِّصْفَ، وَرُجُوعَ الثَّالِثِ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي يَسْتَرِدُّ مِنْ كُلٍّ مَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهَذَا أَصَحُّ، وَرَجَّحَ الْعِرَاقِيُّونَ الْأَوَّلَ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هَذَا الْخِلَافُ فِي الرُّجُوعِ بِالْمَغْرُومِ مِنْ أُجْرَةٍ وَنَقْصِ قِيمَةِ الشِّقْصِ.
فَأَمَّا الثَّمَنُ فَكُلٌّ، فَيَسْتَرِدُّ مَا سَلَّمَهُ مِمَّنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ.
الثَّانِي: أَخَذَ الْحَاضِرُ جَمِيعَ الشِّقْصِ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَرَدَّهُ، فَحَضَرَ الثَّانِي وَهُوَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَلَهُ أَخْذُ الْجَمِيعِ.
الثَّالِثُ: مَا يَسْتَوْفِيهِ الْأَوَّلُ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ وَالثَّمَرَةِ، يُسَلَّمُ لَهُ، فَلَا يُزَاحِمُهُ فِيهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا الثَّالِثُ لَا يُزَاحِمُ الثَّانِيَ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ بَعْدَ الْمُنَاصَفَةِ، كَمَا أَنَّ الشَّفِيعَ لَا يُزَاحِمُ الْمُشْتَرِيَ فِيهَا.
الرَّابِعُ: أَخَذَ الْأَوَّلُ كُلَّ الشِّقْصِ وَأَفْرَزَهُ، بِأَنْ أَتَى الْحَاكِمُ فَنَصَّبَ قَيِّمًا فِي مَالِ الْغَائِبَيْنِ، فَاقْتَسَمَا، وَبَنَى فِيهِ، أَوْ غَرَسَ ثُمَّ رَجَعَ الْغَائِبَانِ، هَلْ لَهُمَا الْقَلْعُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، كَمَا أَنَّ الشَّفِيعَ لَا يَقْلَعُ بِنَاءَ الْمُشْتَرِي وَغِرَاسِهُ مَجَّانًا.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ كَاسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ، فَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ حَتَّى يَظْهَرَ حَالُهُمَا، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ مَعَ الْمُشْتَرِي.
الْخَامِسُ: إِذَا حَضَرَ اثْنَانِ فَأَخَذَا الشِّقْصَ، وَاقْتَسَمَا مَعَ الْقَيِّمِ فِي مَالِ الْغَائِبِ، ثُمَّ قَدِمَ [الْغَائِبُ] ، فَلَهُ الْأَخْذُ وَإِبْطَالُ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ عَفَا اسْتَمَرَّتِ الْقِسْمَةُ.
السَّادِسُ: أَخَذَ اثْنَانِ، فَحَضَرَ الثَّالِثُ، وَأَرَادَ أَخْذَ ثُلُثِ مَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَلَا يَأْخُذُ مِنَ الثَّانِي] شَيْئًا [فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
السَّابِعُ: أَخَذَ الْأَوَّلُ الْجَمِيعَ، فَحَضَرَ الثَّانِي وَأَرَادَ أَخْذَ الثُّلُثِ فَقَطْ، فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ الْحَقُّ عَلَى الْأَوَّلِ.
فَإِنْ أَخَذَ الثُّلُثَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَوْ بِالتَّرَاضِي، ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ، نُظِرَ، إِنْ أَخَذَ مِنَ الْأَوَّلِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ
لِلثَّانِي، فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الثَّانِي ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْأَوَّلِ: ضُمَّ مَا مَعَكَ إِلَى [مَا] أَخَذْتُهُ لِنُقَسِّمَهُ نِصْفَيْنِ لِأَنَّا مُتَسَاوِيَانِ.
وَإِنَّمَا تَصِحُّ قِسْمَةُ الشِّقْصِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِأَنَّا نَحْتَاجُ إِلَى عَدَدٍ لِثُلُثِهِ ثُلُثٌ وَهُوَ تِسْعَةٌ، مَعَ الثَّانِي مِنْهَا ثَلَاثَةٌ، وَمَعَ الْأَوَّلِ سِتَّةٌ، فَيَنْتَزِعُ الثَّالِثُ مِنَ الثَّانِي وَاحِدًا يَضُمُّهُ إِلَى السِّتَّةِ [الَّتِي] مَعَ الْأَوَّلِ، فَلَا يَنْقَسِمُ بَيْنَهُمَا، فَتُضْرَبُ اثْنَيْنِ فِي تِسْعَةٍ تَبْلُغُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِلثَّانِي مِنْهَا اثْنَانِ فِي اثْنَيْنِ بِأَرْبَعَةٍ، تَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ لِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ نِصْفَيْنِ، وَهَذَا الْمُنْقَسِمُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، رُبُعُ الدَّارِ، فَتُقَسَّمُ جُمْلَتُهَا مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ.
هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ وَنَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَمَّا تَرَكَ الثَّانِي سُدُسًا لِلْأَوَّلِ، صَارَ عَافِيًا عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ، فَيَبْطُلُ جَمِيعُ حَقِّهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَبَقَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْقَطَ حَقُّ الثَّانِي كُلُّهُ، وَيَكُونُ الشِّقْصُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَلَا يُسَلَّمُ أَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنُ: قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَوْ حَضَرَ اثْنَانِ وَأَخَذَا الشِّقْصَ، ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ، فَإِنْ قَضَى لَهُ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ، أَخَذَ مِنْ كُلٍّ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، وَإِلَّا فَهَلْ يَأْخُذُ ثُلُثَ مَا فِي يَدِ الْحَاضِرِ، أَمْ نِصْفَهُ؟ وَجْهَانِ.
ثُمَّ إِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَغَابَ الْحَاضِرُ، فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ أَخَذَ مِنَ الْحَاضِرِ ثُلُثَ مَا مَعَهُ، أَخَذَ مِنَ الْقَادِمِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ أَخَذَ نِصْفَهُ، أَخَذَ مِنَ الْقَادِمِ سُدُسَ مَا فِي يَدِهِ وَيَتِمُّ بِذَلِكَ نَصِيبُهُ، وَيَنْقَسِمُ هَذَا الشِّقْصُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَجُمْلَةُ الدَّارِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ.
التَّاسِعُ: ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِحَاضِرٍ وَغَائِبٍ، فَعَفَا الْحَاضِرُ، ثُمَّ مَاتَ الْغَائِبُ، فَوَرِثَهُ الْحَاضِرُ، فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ كُلِّهِ بِالشُّفْعَةِ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ: أَنَّهُ إِذَا عَفَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، أَخَذَ الْآخَرُ الْجَمِيعَ.
وَإِنْ قُلْنَا: عَفْوُ أَحَدِهِمَا يُسْقِطُ حَقَّ الْآخَرِ،
لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
وَإِنْ قُلْنَا: يَسْتَقِرُّ نَصِيبُ الْعَافِي لِلْمُشْتَرِي، لَمْ يَأْخُذِ الْحَاضِرُ بِحَقِّ الْإِرْثِ إِلَّا النِّصْفَ.
فَصْلٌ
لَيْسَ لِلشَّفِيعِ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَلَوِ اشْتَرَى اثْنَانِ شِقْصًا مِنْ رَجُلٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، إِذْ لَا تَفْرِيقَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ بَاعَ اثْنَانِ مِنْ مُلَّاكِ الدَّارِ شِقْصًا لِوَاحِدٍ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ بَاعَ اثْنَانِ نَصِيبَهُمَا لِاثْنَيْنِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ كَأَرْبَعَةِ عُقُودٍ، تَفْرِيعًا عَلَى الْأَظْهَرِ أَنَّ تَعَدُّدَ الْبَائِعِ كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، فَلِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَمِيعَ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ وَهُوَ نَصِيبُ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَنِصْفُ نَصِيبِ الْآخَرِ، أَوْ يَأْخُذُ نِصْفَ الْجُمْلَةِ بِأَخْذِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَوْ نِصْفِ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ يَأْخُذُ رُبُعَ الْجُمْلَةِ وَهُوَ نِصْفُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا.
وَلَوْ وَكَّلَا وَكِيلًا فِي بَيْعِ شِقْصٍ أَوْ شِرَائِهِ، أَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فِي بَيْعِ شِقْصٍ أَوْ شِرَائِهِ، فَالِاعْتِبَارُ بِالْعَاقِدِ، أَمْ بِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ لِثَلَاثَةٍ، فَوَكَّلَ أَحَدَهُمْ بِبَيْعِ نَصِيبِهِ، وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَعَ نَصِيبِ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَبَاعَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ إِذَا قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِالْعَاقِدِ إِلَّا أَخْذُ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكُ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِالْمَعْقُودِ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا فَقَطْ.
وَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ لِرَجُلَيْنِ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِبَيْعِ نِصْفِ نَصِيبِهِ، وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَعَ نَصِيبِ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَبَاعَ كَذَلِكَ، وَأَرَادَ الْمُوَكِّلُ أَخْذَ نَصِيبِ الْوَكِيلِ بِالشُّفْعَةِ بِحَقِّ النِّصْفِ الْبَاقِي لَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الصَّفْقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا لَا شُفْعَةَ لِلْمُوَكِّلِ فِيهِ وَهُوَ مِلْكُهُ، وَعَلَى مَا فِيهِ شُفْعَةٌ وَهُوَ مَلِكُ الْوَكِيلِ، فَأَشْبَهَ مَنْ بَاعَ شِقْصًا وَثَوْبًا بِمِائَةٍ.
وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: أَنَّهَا كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ.
وَلَوْ بَاعَ شِقْصَيْنِ
مِنْ دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرَ الشَّفِيعِ فِي الْأُخْرَى، فَلِكُلٍّ أَنْ يَأْخُذَ مَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَافَقَهُ الْآخَرُ فِي الْأَخْذِ، أَمْ لَا.
وَإِنْ كَانَ شَفِيعَهُمَا وَاحِدًا، جَازَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الشَّفِيعِ
الْأَظْهَرُ الْمَنْصُوصُ فِي الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ: أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ.
وَالثَّانِي: تَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَالثَّالِثُ: تَمْتَدُّ مُدَّةً تَتَّسِعُ لِتَأَمُّلِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْأَخْذِ.
وَالرَّابِعُ: تَمْتَدُّ إِلَى التَّصْرِيحِ بِإِسْقَاطِهَا.
وَالْخَامِسُ: إِلَى التَّصْرِيحِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: بِعْ لِمَنْ شِئْتَ، أَوْ هَبْهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: بِعْنِيهِ، أَوْ هَبْهُ لِي، أَوْ قَاسِمْنِي.
وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ بِهَذَا، وَلِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَأْخُذِ الشَّفِيعُ وَلَمْ يَعْفُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُلْزِمَهُ الْأَخْذَ أَوِ الْعَفْوَ.
وَفِي قَوْلٍ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، تَنْزِيلًا لِلشَّفِيعِ مَنْزِلَةَ مُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ الْفَوْرِ.
[وَإِنَّمَا نَحْكُمُ بِالْفَوْرِ] بَعْدَ عِلْمِ الشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ.
فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَضَى سُنُونَ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، ثُمَّ إِذَا عَلِمَ، لَا يُكَلَّفُ الْمُبَادَرَةَ، عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ بِالْعَدْوِ وَنَحْوِهِ، بَلْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَا عُدَّ تَقْصِيرًا وَتَوَانِيًا فِي الطَّلَبِ، يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ، وَمَا لَا يُعَدُّ تَقْصِيرًا لِعُذْرٍ، لَا يُسْقِطُهَا.
وَالْعُذْرُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُنْتَظَرُ زَوَالُهُ عَنْ قُرْبٍ كَالْمَرَضِ، فَيَنْبَغِي لِلْمَرِيضِ أَنْ يُوَكِّلَ إِنْ قَدَرَ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِتَقْصِيرِهِ.
وَالثَّانِي: لَا.
وَالثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ فِي التَّوْكِيلِ مِنَّةٌ وَلَا مُؤْنَةٌ ثَقِيلَةٌ بَطَلَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ.
فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، بَطَلَتْ عَلَى الْأَظْهَرِ أَوِ الْأَصَحِّ.
وَالْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ، كَالْمَرَضِ،
وَكَذَا الْحَبْسُ إِذَا كَانَ ظُلْمًا أَوْ بِدَيْنٍ هُوَ مُعْسِرٌ بِهِ عَاجِزٌ عَنْ بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ.
وَإِنْ حَبَسَ بِحَقٍّ، بِأَنْ كَانَ مَلِيئًا، فَغَيْرُ مَعْذُورٍ، وَمِثْلُهُ الْغَيْبَةُ.
فَإِذَا كَانَ الشَّفِيعُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ طَالِبًا عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ، أَوْ يَبْعَثُ وَكِيلًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مُخَوِّفًا، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ إِلَى أَنْ يَجِدَ رُفْقَةً مُعْتَمَدِينَ يَصْحَبُهُمْ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ وَيَزُولَ الْحَرُّ وَالْبَرْدُ الْمُفْرِطَانِ.
وَإِذَا أَخَّرَ لِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ السَّيْرُ بِنَفْسِهِ، وَلَا [وَجَدَ] وَكِيلًا، فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ.
فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، فَفِي بُطْلَانِ حَقِّهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَأُجْرِيَ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ إِذَا سَارَ طَالِبًا فِي الْحَالِ.
وَالْأَظْهَرُ هُنَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَلَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِتَرْكِهِ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ وَكِيلًا وَلَمْ يُشْهِدْ، فَإِنَّهُ يَكْفِي.
وَلْيُطْرَدْ فِيمَا إِذَا كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَمَا سَبَقَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُنْتَظَرُ زَوَالُهُ عَنْ قُرْبٍ، بِأَنْ كَانَ مَشْغُولًا بِصَلَاةٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ، أَوْ فِي حَمَّامٍ، فَلَهُ الْإِتْمَامُ، وَلَا يُكَلَّفُ قَطْعَهَا، عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: يُكَلَّفُ قَطْعَهَا حَتَّى الصَّلَاةَ إِذَا كَانَتْ نَافِلَةً.
وَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْأَكْلِ أَوِ الصَّلَاةِ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، جَازَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَهَا، فَإِذَا فَرَغَ طَلَبَ الشُّفْعَةَ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُجْزِئُ.
فَرْعٌ
لَوْ رَفَعَ الشَّفِيعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي، وَتَرَكَ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي مَعَ حُضُورِهِ، جَازَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَى الطَّلَبِ، وَلَمْ يُرَاجِعِ الْمُشْتَرِيَ وَلَا الْقَاضِيَ لَمْ يَكْفِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَائِبًا، فَالْقِيَاسُ: أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي وَيَأْخُذَ كَمَا ذَكَرْنَا هُنَاكَ.
وَإِذَا أَلْزَمْنَاهُ الْإِشْهَادَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَهَلْ يُؤْمَرُ أَنْ يَقُولَ: