روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْفَرَائِضِ

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِيهِ عَشَرَةُ أَبْوَابٍ.
[الْبَابُ] الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ أَسْبَابِ التَّوْرِيثِ وَالْوَرَثَةِ وَقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَنْ يُبْدَأَ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ غَيْرُهُ.
فَإِنْ تَعَلَّقَ كَالْمَرْهُونِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ زَكَاةٌ وَالْعَبْدِ الْجَانِي، وَالْمَبِيعِ إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا قُدِّمَ حَقُّ الْغَيْرِ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ إِمْسَاكُ مَا تَرَكَهُ، وَغَرَامَةُ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِمْ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.

فَصْلٌ

أَسْبَابُ التَّوْرِيثِ أَرْبَعَةٌ: قَرَابَةٌ، وَنِكَاحٌ، وَوَلَاءٌ، وَجِهَةُ الْإِسْلَامِ.
وَالْمُرَادُ بِجِهَةِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا بِالْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ، وَفَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ، كَانَ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْعُصُوبَةِ، كَمَا يَحْمِلُونَ دِيَتَهُ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ.
وَفِي وَجْهٍ: أَنَّهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ لَا إِرْثًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنِ ابْنِ عَمٍّ بَعِيدٍ، فَأُلْحِقَ ذَلِكَ بِالْمَالِ الضَّائِعِ الَّذِي لَا يُرْجَى ظُهُورُ مَالِكِهِ.
وَحَكَى ابْنُ اللَّبَّانِ وَالرُّويَانِيُّ هَذَا قَوْلًا.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ جَعَلْنَاهُ إِرْثًا، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى الْمُكَاتَبِينَ وَالْكُفَّارِ.
وَفِي جَوَازِ صَرْفِهِ إِلَى الْقَاتِلِ وَجْهَانِ: وَجْهُ الْجَوَازِ: أَنَّ تُهْمَةَ الِاسْتِعْجَالِ لَا تَتَحَقَّقُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مَصْرِفًا لِمَالِهِ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَفِي جَوَازِ صَرْفِهِ إِلَى مَنْ أُوصِيَ لَهُ بِشَيْءٍ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْإِرْثِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مَنْ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ رَقِيقًا فَعَتَقَ.
قُلْتُ: قَدْ ضَمَّ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ إِلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْأَرْبَعَةِ سَبَبًا خَامِسًا، وَهُوَ سَبَبُ النِّكَاحِ، وَهُوَ غَيْرُ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ فِي الْمَبْتُوتَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ إِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إِنَّهَا تَرِثُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

فِي بَيَانِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ الرِّجَالُ الْوَارِثُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ: الِابْنُ، وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأَبُ، وَالْجَدُّ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ، وَالْأَخُ لِلْأُمِّ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ، وَالْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْعَمُّ لِلْأَبِ، وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ، وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ، وَالزَّوْجُ، وَالْمُعْتِقُ.
وَالنِّسَاءُ الْوَارِثَاتُ عَشْرٌ: الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ لِلْأَبِ، وَالْجَدَّةُ لِلْأُمِّ - وَإِنْ عَلَتَا - وَالْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْمُعْتِقَةُ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُعْتِقِ وَالْمُعْتِقَةِ مَنْ أَعْتَقَ، أَوْ عَصَبَةٌ أَدْلَى بِمُعْتِقٍ.

وَيَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْعَمِّ عَمُّ الْمَيِّتِ، وَعَمُّ أَبِيهِ، وَعَمُّ جَدِّهِ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي، وَكَذَلِكَ حَيْثُ أَطْلَقْنَا لَفْظَ الْعَمِّ فِي الْوَرَثَةِ بِخِلَافِ الْأَخِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَخُو الْمَيِّتِ فَقَطْ.
فَرْعٌ إِذَا اجْتَمَعَ الرِّجَالُ الْوَارِثُونَ وَرِثَ مِنْهُمُ الِابْنُ، وَالْأَبُ، وَالزَّوْجُ فَقَطْ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ النِّسَاءُ، فَالْبِنْتُ، وَبِنْتُ الِابْنِ، وَالْأُمُّ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ غَيْرَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَرِثَ خَمْسَةٌ: الْأَبَوَانِ، وَالِابْنُ، وَالْبِنْتُ، وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
وَمَنِ انْفَرَدَ مِنَ الرِّجَالِ حَازَ كُلَّ التَّرِكَةِ إِلَّا الزَّوْجَ وَالْأَخَ لِلْأُمِّ.
وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ، لَا يَسْتَثْنِي إِلَّا الزَّوْجَ.
وَمَنِ انْفَرَدَتْ مِنَ النِّسَاءِ، لَمْ تَحُزْهَا إِلَّا الْمُعْتِقَةَ.
وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ، يُثْبِتُ لِكُلِّهِنَّ الْحِيَازَةَ إِلَّا الزَّوْجَةَ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ فِي الْوَرَثَةِ ذَكَرٌ يُدْلِي بِأُنْثَى فَيَرِثُ إِلَّا الْأَخَ لِلْأُمِّ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَرِثُ مَعَ مَنْ يُدْلِي بِهِ إِلَّا أَوْلَادُ الْأُمِّ.
قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُمَا: لَيْسَ لَنَا مَنْ يُورَثُ وَلَا يَرِثُ إِلَّا الْجَنِينُ فِي غُرَّتِهِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ: أَنَّهُ يُورَثُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ هُمْ كُلُّ قَرِيبٍ يَخْرُجُ عَنِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُهُمْ، فَهُمْ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ: أَبُو الْأُمِّ، وَكُلُّ جَدٍّ وَجَدَّةٍ سَاقِطَيْنِ، وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ، وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ، وَأَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ،

وَبَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ، وَالْعَمُّ لِلْأُمِّ، وَبَنَاتُ الْأَعْمَامِ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْأَخْوَالُ، وَالْخَالَاتُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَعُدُّهُمْ أَحَدَ عَشَرَ، وَيَفْصِلُ الْجَدَّ عَنِ الْجَدَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ لَا يَخْتَلِفُ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَرِثُونَ بِالرَّحِمِ شَيْئًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ، وَابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ لَمْ يُخَلِّفِ الْمَيِّتُ إِلَّا ذَا فَرْضٍ لَا يَسْتَغْرِقُ رُدَّ الْبَاقِي عَلَيْهِ، إِلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ فَلَا رَدَّ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ ذَا فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ، وَرِثَ ذَوُو الْأَرْحَامِ.
وَقَوْلُنَا: إِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ وَلَا يُرَدُّ، هُوَ فِيمَا إِذَا اسْتَقَامَ أَمْرُ بَيْتِ الْمَالِ، بِأَنْ وَلِيَ إِمَامٌ عَادِلٌ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ، فَفِي مَالِ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ وَلَا ذَا فَرْضٍ مُسْتَغْرِقٍ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَبِي حَامِدٍ وَصَاحِبِ (الْمُهَذَّبِ) : لَا يُصْرَفُ إِلَى الرَّدِّ، وَلَا إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ نَائِبِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرَدُّ وَيُصْرَفُ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَصْرُوفٌ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ كَجٍّ، وَبِهِ أَفْتَى أَكَابِرُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي، هُوَ الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ وَأَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سُرَاقَةَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا وَمُتَقَدِّمِيهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ أَعْلَامِهِمْ فِي الْفَرَائِضِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ صَاحِبُ (الْحَاوِي) ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمُتَوَلِّي، وَالْخَبْرِيُّ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - وَآخَرُونَ، قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ: وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا.
قَالَ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ (الْحَاوِي) عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: وَغَلِطَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي مُخَالَفَتِهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مَنْعُهُمْ إِذَا اسْتَقَامَ بَيْتُ الْمَالِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُرَدُّ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَمِينٍ نُظِرَ إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ دُفِعَ إِلَيْهِ لِيَصْرِفَهُ فِيهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاضٍ بِشَرْطِهِ صَرَفَهُ الْأَمِينُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْمَصَالِحِ، وَإِنْ كَانَ قَاضٍ بِشَرْطِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ فَهَلْ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، أَمْ يُفَرِّقُهُ الْأَمِينُ بِنَفْسِهِ، أَمْ يُوقَفُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ بَيْتُ الْمَالِ وَمَنْ يَقُومُ بِشَرْطِهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
قُلْتُ: الثَّالِثُ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلَانِ حَسَنَانِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لَكَانَ حَسَنًا، بَلْ هُوَ عِنْدِي أَرْجَحُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَعَلَى الثَّانِي وُقُوفُ مَسَاجِدِ الْقُرَى، يَصْرِفُهَا صُلَحَاءُ الْقَرْيَةِ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَمَصَالِحِهِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَمِينٍ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ لِيُفَرِّقَهُ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالصَّرْفِ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ: أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ يُقَدَّمُ الْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: يُصْرَفُ إِلَى جَمِيعِهِمْ.
وَهَلْ هُوَ إِرْثٌ، أَمْ شَيْءٌ مَصْلَحِيٌّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَشْبَهُهُمَا بِأَصْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ، قَالَ: وَيُصْرَفُ إِلَيْهِمْ إِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ، أَوْ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَصَالِحِ.
فَإِنْ خِيفَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ مِنْ حَاكِمِ الزَّمَانِ، صُرِفَ إِلَى الْأَصْلَحِ بِقَوْلِ مُفْتِي الْبَلْدَةِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ: أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى جَمِيعِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَابِ الثَّامِنِ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ وَالرَّدِّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

فِي بَيَانِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَارِثٍ مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِمْ وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ، فَهُوَ صَاحِبُ فَرْضٍ.
وَمَنْ وَرِثَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا فَرْضَ لَهُ، فَهُوَ عَصَبَةٌ.
وَقَوْلُنَا: بِالْإِجْمَاعِ، احْتِرَازٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَإِنَّ مَنْ وَرَّثَهُمْ لَا يُسَمِّيهِمْ عَصَبَةً.
وَأَصْحَابُ الْفُرُوضِ قِسْمَانِ: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرِثُ إِلَّا بِالْفَرْضِيَّةِ، وَهُمُ: الزَّوْجَانِ، وَالْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ، وَوَلَدُ الْأُمِّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ أَيْضًا.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يَجْمَعُ الْجِهَتَيْنِ دُفْعَةً، بَلْ يَرِثُ إِمَّا بِهَذِهِ، وَإِمَّا بِهَذِهِ، وَهُمُ الْبَنَاتُ، وَبَنَاتُ الِابْنِ، وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِهِمَا جَمْعًا وَانْفِرَادًا، وَهُمَا: الْأَبُ، وَالْجَدُّ.
أَمَّا الْعَصَبَةُ، فَضَرْبَانِ: عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ كُلُّ ذَكَرٍ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، أَوْ بِتَوَسُّطِ مَحْضِ الذُّكُورِ، وَهَؤُلَاءِ يَأْخُذُ الْمُنْفَرِدُ مِنْهُمْ جَمِيعَ الْمَالِ وَالْبَاقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، وَرُبَّمَا سَقَطُوا.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي حَدِّ الْعَصَبَةِ، غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي دُخُولَ الزَّوْجِ - فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ عَدُّوهُ مِمَّنْ يُدْلِي بِنَفْسِهِ - وَخُرُوجَ الْمُعْتِقَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: هُوَ كُلُّ مُعْتِقٍ وَذَكَرٍ نَسِيبٍ يُدْلِي إِلَى آخِرِهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَعَصَبَةٌ بِغَيْرِهِ، وَهُمُ الْبَنَاتُ، وَبَنَاتُ الِابْنِ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبَوَيْنِ وَلِلْأَبِ، فَيَتَعَصَّبْنَ بِإِخْوَتِهِنَّ، وَيَتَعَصَّبُ الْأَخَوَاتُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ بِالْبَنَاتِ وَبِبَنَاتِ الِابْنِ.
وَقَدْ يُقَالُ: الْعَصَبَةُ ثَلَاثَةٌ: عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ، وَبِغَيْرِهِ، وَمَعَ غَيْرِهِ، عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ.
أَمَّا قَدْرُ الْمُسْتَحَقِّ، فَلِلزَّوْجِ نِصْفُ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتَةِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ، وَرُبُعُهُ إِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ

لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ، وَالثُّمُنُ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَالزَّوْجَاتُ يَشْتَرِكْنَ فِي الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ بِالْإِجْمَاعِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْأُمُّ، فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ تَرِثُ ثُلُثَ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ، وَلَا اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَحَالٌ سُدُسَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، أَوِ اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا، وَحَالٌ يَكُونُ مَعَهَا زَوْجٌ وَأَبٌ، أَوْ زَوْجَةٌ وَأَبٌ، فَلَهَا ثُلُثُ مَا يَبْقَى عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: لَهَا الثُّلُثُ كَامِلًا.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْجَدَّةُ، فَتَرِثُ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِمَحْضِ الْإِنَاثِ، وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهَا كَذَلِكَ، وَفِي أُمِّ أَبِ الْأَبِ، وَأُمِّ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْأَجْدَادِ وَأُمَّهَاتِهِنَّ قَوْلَانِ.
الْمَشْهُورُ: أَنَّهُنَّ وَارِثَاتٌ.
وَالثَّانِي: لَا، نَقَلَهُ أَبُو ثَوْرٍ.
وَأَمَّا الْجَدَّةُ الْمُدْلِيَةُ بِذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، كَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ فَلَا تَرِثُ، بَلْ هِيَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَمَا سَبَقَ، فَحَصَلَ فِي ضَبْطِ الْجَدَّاتِ الْوَارِثَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِبَارَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُقَالَ: هِيَ كُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِمَحْضِ إِنَاثٍ أَوْ بِمَحْضِ ذُكُورٍ، أَوْ بِمَحْضِ الْإِنَاثِ إِلَى مَحْضِ الذُّكُورِ.
الثَّانِيَةُ: الَّتِي لَا تُدْلِي بِمَحْضِ الْوَارِثِينَ غَيْرُ وَارِثَةٍ، وَالْبَاقِيَاتُ وَارِثَاتٌ.
وَعَلَى مَنْقُولِ أَبِي ثَوْرٍ: لَا تُرَدُّ جَدَّةٌ تُدْلِي بِغَيْرِ وَارِثٍ، وَلَا مَنْ وَقَعَ فِي آخِرِ نَسَبِهَا أَبَوَانِ

فَصَاعِدًا، وَلِلْجَدَّةِ الْوَاحِدَةِ السُّدُسُ.
وَإِنِ اجْتَمَعَ جَدَّتَانِ فَصَاعِدًا وَارِثَاتٌ، اشْتَرَكْنَ فِي السُّدُسِ، فَلَوْ أَدْلَتْ إِحْدَاهُمَا بِجِهَتَيْنِ، كَامْرَأَةٍ تَزَوَّجَ ابْنُ بِنْتِهَا بِنْتَ بِنْتِهَا الْأُخْرَى، فَوُلِدَ لَهُمَا وَلَدٌ، فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمُّ أُمِّ أَبِيهِ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّهِ.
فَإِذَا مَاتَ الْوَلَدُ وَخَلَّفَ هَذِهِ، وَجَدَّةً أُخْرَى هِيَ أُمُّ أَبِي أَبِيهِ، أَوْ أَدْلَتْ بِثَلَاثِ جِهَاتٍ فَأَكْثَرَ، بِأَنْ نَكَحَ الْوَلَدُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بِنْتَ بِنْتٍ أُخْرَى لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَوُلِدَ لَهُمَا، فَالْمَرْأَةُ جَدَّةٌ لِلْوَلَدِ الثَّانِي مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
فَالصَّحِيحُ: أَنَّ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ.
وَالثَّانِي: يُوَزَّعُ عَلَى الْجِهَاتِ، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَابْنُ حَرْبَوَيْهِ.

فَرْعٌ فِي تَنْزِيلِ الْجَدَّاتِ لَكَ أُمٌّ وَأَبٌ، وَهُمَا فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنْ أُصُولِكَ، وَلِأَبِيكَ أُمٌّ وَأَبٌ، وَكَذَلِكَ لِأُمِّكَ، فَالْأَرْبَعَةُ هُمُ الْوَاقِعُونَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ دَرَجَاتِ أُصُولِكَ، وَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الْأُولَى مِنْ دَرَجَاتِ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، ثُمَّ أُصُولُكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ ثَمَانِيَةٌ ; لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَبًا وَأُمًّا، وَفِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَفِي الْخَامِسَةِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَالنِّصْفُ مِنَ الْأُصُولِ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ ذُكُورٌ، وَالنِّصْفُ إِنَاثٌ، وَهُنَّ الْجَدَّاتُ، فَفِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْأُصُولِ جَدَّتَانِ، وَفِي الثَّالِثَةِ أَرْبَعٌ، وَفِي الرَّابِعَةِ ثَمَانٍ، وَفِي الْخَامِسَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، وَهَكَذَا يَتَضَاعَفُ عَدَدُهُنَّ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ.
[ثُمَّ] مِنْهُنَّ وَارِثَاتٌ وَغَيْرُ وَارِثَاتٍ، فَإِذَا سُئِلْتَ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الْجَدَّاتِ الْوَارِثَاتِ عَلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْمَنَازِلِ، فَاجْعَلْ دَرْجَهُنَّ بِعَدَدِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَمَحِّضْ نِسْبَةَ الْأُولَى إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ أُمَّهَاتٍ، ثُمَّ أَبْدِلْ مِنْ آخِرِ نِسْبَةِ الثَّانِيَةِ أُمًّا بِأَبٍ، وَفِي آخِرِ نِسْبَةِ الثَّالِثَةِ أُمَّيْنِ بِأَبَوَيْنِ، وَهَكَذَا تُنْقِصُ مِنَ الْأُمَّهَاتِ وَتَزِيدُ فِي الْآبَاءِ حَتَّى تَتَمَحَّضَ نِسْبَةُ الْأَخِيرَةِ آبَاءً.

مِثَالُهُ: سُئِلْتَ عَنْ أَرْبَعِ جَدَّاتٍ، فَقُلْ: هُنَّ أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمٍّ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّ أَبٍ، وَأُمُّ أُمِّ أَبِي أَبٍ، وَأُمُّ أَبِي أَبِي أَبٍ، فَالْأُولَى مِنْ جِهَةِ أُمِّ الْمَيِّتِ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ جِهَةِ جَدِّهِ، وَالرَّابِعَةُ مِنْ جِهَةِ أَبِي جَدِّهِ.
وَهَكَذَا إِذَا أَرَدْتَ زِيَادَةً زِدْتَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ أَبًا.
وَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ مَنْ يُحَاذِي الْوَارِثَاتِ مَعَ السَّاقِطَاتِ، فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ جَدَّتَيْنِ عَلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُ، فَلَيْسَ فِي دَرَجَتِهِمَا غَيْرُهُمَا.
وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ أَكْثَرَ، فَأَلْقِ مِنْ عَدَدِ الْوَارِثَاتِ اثْنَيْنِ أَبَدًا، وَضَعِّفْ الِاثْنَيْنِ بِعَدَدِ مَا بَقِيَ مِنْهُنَّ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ عَدَدُ الْجَدَّاتِ فِي تِلْكَ الدَّرَجَةِ الْوَارِثَاتِ وَالسَّاقِطَاتِ.
فَإِذَا عَرَفْتَ الْوَارِثَاتِ مِنْهُنَّ، فَالْبَاقِيَاتُ السَّاقِطَاتُ.
مِثَالُهُ: خُذْ مِنَ الْأَرْبَعِ اثْنَتَيْنِ وَضَعِّفْهُمَا مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ اثْنَانِ، فَيَبْلُغُ ثَمَانِيَةً، فَهُنَّ الْوَارِثَاتُ وَالسَّاقِطَاتُ، وَإِذَا فَرَضْتَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ، فَخُذْ مِنَ الثَّلَاثَةِ اثْنَتَيْنِ، وَضَعِّفْهُمَا مَرَّةً، لِأَنَّ الْبَاقِيَ وَاحِدٌ فَيَبْلُغُ أَرْبَعَةً، فَهُوَ عَدَدُهُنَّ، فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلَاثُ وَارِثَاتٍ، وَوَاحِدَةٌ سَاقِطَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَارِثَاتِ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الْأُصُولِ بِعَدَدِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ، فَفِي الثَّانِيَةِ ثِنْتَانِ، وَفِي الثَّالِثَةِ ثَلَاثٌ، وَفِي الرَّابِعَةِ أَرْبَعٌ.
وَهَكَذَا فِي كُلِّ دَرَجَةٍ لَا تَزِيدُ إِلَّا وَارِثَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَضَاعَفَ عَدَدُهُنَّ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ، وَسَبَبُهُ [أَنَّ] الْجَدَّاتِ مَا بَلَغْنَ، فَنِصْفُهُنَّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَنِصْفُهُنَّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَلَا يَرِثُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَالْبَاقِيَاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ.
فَإِذَا صَعِدْنَا دَرَجَةً، تَبَدَّلَتْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِأُمِّهَا، وَزَادَتْ أُمُّ الْجَدِّ الَّذِي صَعِدْنَا إِلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُعْظَمَ مَا ذَكَرْنَا فِي تَنْزِيلِ الْجَدَّاتِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فَأَمَّا عَلَى مَنْقُولِ أَبِي ثَوْرٍ، فَلَا يَرِثُ إِلَّا جَدَّتَانِ.

فَصْلٌ

وَلِلْأَبِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ يَرِثُ بِمَحْضِ الْفَرْضِ، وَهُوَ إِذَا كَانَ مَعَهُ ابْنٌ، أَوِ ابْنُ ابْنٍ، فَلَهُ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ أَوِ ابْنِ الِابْنِ.
وَحَالٌ يَرِثُ بِمَحْضِ الْعُصُوبَةِ، وَهُوَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ.
وَحَالٌ يَرِثُ بِهِمَا، وَهُوَ إِذَا كَانَ مَعَهُ بِنْتٌ، أَوْ بِنْتُ ابْنٍ، أَوْ بَنَاتٌ، فَلَهُ السُّدُسُ فَرْضًا، وَلَهُنَّ فَرْضُهُنَّ وَالْبَاقِي لَهُ بِالتَّعْصِيبِ.

فَصْلٌ

الْجَدُّ كَالْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ إِلَّا فِي مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا: الْأَبُ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ مُطْلَقًا، وَالْجَدُّ لَا يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. الثَّانِيَةُ: الْأَبُ يَرُدُّ الْأُمَّ إِلَى ثُلُثِ مَا يَبْقَى فِي صُورَتَيْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ [وَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ] كَمَا سَبَقَ.
وَلَوْ كَانَ بَدَلَهُ جَدٌّ، كَانَ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ كَامِلًا.
الثَّالِثَةُ: الْأَبُ يُسْقِطُ أُمَّ نَفْسِهِ وَأُمَّ كُلِّ جَدٍّ، وَالْجَدُّ لَا يُسْقِطُ أُمَّ الْأَبِ وَإِنْ أَسْقَطَ أُمَّ نَفْسِهِ، وَأَبُو الْجَدِّ وَمَنْ فَوْقَهُ كَالْجَدِّ، لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْجُبُ أُمَّ نَفْسِهِ، وَلَا يَحْجُبُهَا مَنْ فَوْقَهُ.
الرَّابِعَةُ: سَبَقَ أَنَّ الْأَبَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، وَفِي الْجَدِّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِثْلُهُ.
وَالثَّانِي: لَا، بَلْ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْبِنْتِ أَوِ الْبَنَاتِ بِالتَّعْصِيبِ فَقَطْ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا خَاصٌّ بِالْأَبِ.
وَهَذَا خِلَافٌ فِي الْعِبَارَةِ فَقَطْ، وَالْمَأْخُوذُ لَا يَخْتَلِفُ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

فِي الْأَوْلَادِ فَالِابْنُ الْوَاحِدُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا جَمَاعَةُ الْأَبْنَاءِ يَسْتَغْرِقُونَهُ، وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ.
فَإِنِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَرْعٌ إِذَا اجْتَمَعَ أَوْلَادُ الصُّلْبِ وَأَوْلَادُ ابْنٍ أَوْ بَنِينَ، فَإِنْ كَانَ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ، لَمْ يَرِثْ أَوْلَادُ الِابْنِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ وَلَدُ الصُّلْبِ بِنْتًا، فَلَهَا النِّصْفُ، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ وَلَدُ الِابْنِ ذَكَرًا، فَالْبَاقِي لَهُ.
وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا، أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الِابْنِ بِنْتًا، فَلَهَا السُّدُسُ، وَإِنْ كُنَّ بَنَاتٍ، فَالسُّدُسُ بَيْنَهُنَّ.
وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الصُّلْبِ بِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا، فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَلَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ ذَكَرٌ، عَصَّبَهُنَّ فِي الْبَاقِي لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الَّذِي فِي دَرَجَتِهِنَّ أَخَاهُنَّ أَوْ أَخَا بَعْضِهِنَّ، أَوِ ابْنَ عَمِّهِنَّ، وَإِنَّمَا يُعَصِّبُهُنَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ فَرْضٌ كَمَا ذَكَرْنَا.
فَلَوْ خَلَّفَ بِنْتَ صُلْبٍ، وَبِنْتَ ابْنٍ، وَابْنَ ابْنِ ابْنٍ، وَبِنْتَ ابْنِ ابْنٍ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ فَرْضًا، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْأَسْفَلِينَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَا يُعَصِّبُ ابْنُ الِابْنِ مَنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْهُ، بَلْ يَخْتَصُّ بِالْبَاقِي.
وَأَوْلَادُ ابْنِ الِابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الِابْنِ، كَأَوْلَادِ الِابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الصُّلْبِ فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ، وَكَذَا فِي كُلِّ دَرَجَةٍ نَازِلَةٍ مَعَ دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ، حَتَّى إِذَا خَلَّفَ بِنْتَ ابْنٍ، وَبِنْتَ ابْنِ ابْنٍ، فَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ، وَلِلسُّفْلَى السُّدُسُ.
وَلَوْ خَلَّفَ

بِنْتَيِ ابْنٍ، وَبِنْتَ ابْنِ ابْنٍ، فَلِبِنْتَيْ الِابْنِ الثُّلُثَانِ، وَلَا شَيْءَ لِلسُّفْلَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي دَرَجَتِهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا.
فَرْعٌ لَيْسَ فِي الْفَرَائِضِ مَنْ يُعَصِّبُ أُخْتَهُ وَعَمَّتَهُ وَعَمَّةَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَبَنَاتِ أَعْمَامِهِ وَبَنَاتِ أَعْمَامِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ إِلَّا الْمُسْتَقِلَّ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ.

فَصْلٌ

فِي الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ أَمَّا الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ إِذَا انْفَرَدُوا، فَكَأَوْلَادِ الصُّلْبِ لِلذَّكَرِ جَمِيعُ الْمَالِ، وَكَذَا لِلْجَمَاعَةِ، وَلِلْأُخْتِ الْفَرْدَةِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
فَرْعٌ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ عِنْدَ انْفِرَادِهِمْ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ إِلَّا فِي الْمُشَرَّكَةِ، وَهِيَ زَوْجٌ، وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ، وَأَخَوَانِ لِلْأَبَوَيْنِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلْأَخَوَيْنِ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ الْأَخَوَانِ لِلْأَبَوَيْنِ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ.
وَحَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ لَالٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ.
ثَانِيهِمَا: سُقُوطُ الْأَخَوَيْنِ لِلْأَبَوَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،

وَالرِّوَايَةُ عَنْ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُخْتَلِفَةٌ كَمَا ذُكِرَ، لَكِنْ لَمْ أَجِدْ لِغَيْرِهِ نَقْلَ قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَكِنْ ذَهَبَ ابْنُ اللَّبَّانِ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ إِلَى الْإِسْقَاطِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لِلتَّشْرِيكِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ.
أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ زَوْجٌ، وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ، وَاثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ، إِمَّا وَحْدَهُ، وَإِمَّا مَعَ ذُكُورٍ أَوْ إِنَاثٍ، أَوْ كِلَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ، بَلْ كَانَ مَعَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُخْتٌ أَوْ أُخْتَانِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ، فَلَا تَشْرِيكَ، بَلْ يُفْرَضُ لِلْوَاحِدِ النِّصْفُ، وَلِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، وَتُعَالُ الْمَسْأَلَةُ.
وَلَوْ كَانَ وَلَدُ الْأُمِّ وَاحِدًا فَلَهُ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ مِنْ أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ، أَوِ الْأَبِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ إِخْوَةُ أَبٍ سَقَطُوا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ قَرَابَةُ أُمٍّ فَيُشَارِكُونَ أَوْلَادَ الْأُمِّ، فَافْتَرَقَ الصِّنْفَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَإِذَا شَرَكْنَا فِي الثُّلُثِ بَيْنَ أَوْلَادِ الْأُمِّ وَأَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ تَقَاسَمُوهُ سَوَاءً ذَكَرُهُمْ كَأُنْثَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ.
قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ عُدِمَ فِي الْمُشَرَّكَةِ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَكَانَ هُنَاكَ أُخْتٌ لِلْأَبِ، فَلَهَا النِّصْفُ فَرْضًا.
فَلَوْ كَانَ مَعَهَا أَخُوهَا لِأَبٍ أَيْضًا، سَقَطَ وَأَسْقَطَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهَا مَعَهُ، فَلَا تَشْرِيكَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ لَوِ اجْتَمَعَ أَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ وَأَوْلَادُ الْأَبِ، فَهُوَ كَاجْتِمَاعِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَأَوْلَادِ الِابْنِ، فَأَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ، وَأَوْلَادُ الْأَبِ كَأَوْلَادِ الِابْنِ.
فَإِنْ كَانَ فِي أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ، حَجَبَ أَوْلَادَ الْأَبِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَقَطْ، فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِأَوْلَادِ الْأَبِ إِنْ كَانُوا ذُكُورًا، أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا.
وَإِنْ تَمَحَّضْنَ إِنَاثًا، أَوْ أُنْثَى فَقَطْ،

فَلَهُنَّ أَوْ لَهَا السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ ثِنْتَانِ فَأَكْثَرُ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَلَا شَيْءَ لِأَوْلَادِ الْأَبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، فَيُعَصِّبُ الْإِنَاثَ.
وَلَا يُعَصِّبُ الْأُخْتَ إِلَّا مَنْ فِي دَرَجَتِهَا بِخِلَافِ بِنْتِ الِابْنِ، فَإِنَّهُ يُعَصِّبُهَا مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهَا.
فَلَوْ خَلَّفَ أُخْتَيْنِ لِأَبَوَيْنِ، وَأُخْتًا لِأَبٍ وَابْنَ أُخْتٍ لِأَبٍ، فَلِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْأَخِ، وَتَسْقُطُ الْأُخْتُ لِلْأَبِ.
فَرْعٌ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ، لِوَاحِدِهِمُ السُّدُسُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثُ يُقَسَّمُ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ.
قُلْتُ: أَوْلَادُ الْأُمِّ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَيَرِثُونَ مَعَ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ، وَيَرِثُ ذَكَرُهُمُ الْمُنْفَرِدُ كَأُنْثَاهُمُ الْمُنْفَرِدَةِ، وَيَتَقَاسَمُونَ بِالسَّوِيَّةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ ذَكَرَهُمْ يُدَلِي بِأُنْثَى، وَيَرِثُ.
وَالْخَامِسُ: يَحْجُبُونَ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ نَظِيرٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ بَنُو الْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَوِ الْأَبِ يُنَزَّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ فِي حَالَتَيِ الِانْفِرَادِ وَالِاجْتِمَاعِ فَيَسْتَغْرِقُ الْوَاحِدُ [وَالْجَمَاعَةُ] لِلْمَالِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَسْقُطُ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ، لَكِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْإِخْوَةَ فِي أُمُورٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِخْوَةَ يَرُدُّونَ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَبَنُوهُمْ لَا يَرُدُّونَهَا.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبَوَيْنِ وَلِلْأَبِ يُقَاسِمُونَ الْجَدَّ، وَبَنُوهُمْ يَسْقُطُونَ بِهِ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبَوَيْنِ بَدَلَ آبَائِهِمْ فِي الْمُشَرَّكَةِ سَقَطُوا.
الرَّابِعُ: الْإِخْوَةُ لِلْأَبَوَيْنِ وَلِلْأَبِ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ، وَبَنُوهُمْ لَا يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ.
قُلْتُ: وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أُخَرَ: أَحَدُهَا: الْإِخْوَةُ لِلْأَبَوَيْنِ، يَحْجُبُونَ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ، وَأَوْلَادُهُمْ لَا يَحْجُبُونَهُمْ.
وَالثَّانِي: الْأَخُ مِنَ الْأَبِ يَحْجُبُ بَنِي الْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، وَلَا يَحْجُبُهُمُ ابْنُهُ.
الثَّالِثُ: بَنُو الْإِخْوَةِ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَخَوَاتِ إِذَا كُنَّ عَصَبَاتٍ مَعَ الْبَنَاتِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

الْأَخَوَاتُ لِلْأَبَوَيْنِ وَلِلْأَبِ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ عَصَبَاتٌ كَالْإِخْوَةِ.
حَتَّى لَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأُخْتًا، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ الْبَاقِي.
وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا، أَوْ أُخْتًا أَوْ أَخَوَاتٍ، فَلِلْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ أَوْ لِلْأَخَوَاتِ.
وَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ زَوْجٌ، فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ، وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ أَوِ الْأَخَوَاتِ.
وَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ [أُمٌّ] ، عَالَتِ الْمَسْأَلَةُ، وَسَقَطَتِ الْأُخْتُ وَالْأَخَوَاتُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ أَخٌ.
وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَبِنْتَ ابْنٍ وَأُخْتًا، فَلَهَا النِّصْفُ، وَالسُّدُسُ لِبِنْتِ الِابْنِ، وَلِلْأُخْتِ الْبَاقِي.
وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ مَعَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ، فَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَسَقَطَتِ الْأُخْتُ لِلْأَبِ.
وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأُخْتًا لِأَبَوَيْنِ وَأَخًا لِأَبٍ، كَانَ الْبَاقِي

لِلْأُخْتِ، وَسَقَطَ الْأَخُ بِهَا كَسُقُوطِهِ بِالْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ.
وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتًا، وَأَخًا وَأُخْتًا لِأَبَوَيْنِ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَرْعٌ خَلَّفَ بِنْتًا، وَثَلَاثَ أَخَوَاتٍ أَوْ إِخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ أَوْ لِلْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَسَقَطَ الْبَاقُونَ.

فَصْلٌ

الْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ كَالْأَخِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ فِي أَنَّ مَنِ انْفَرَدَ مِنْهُمَا يَأْخُذُ جَمِيعَ الْمَالِ، أَوْ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْفَرْضِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَا أَسْقَطَ الْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ الْعَمَّ لِلْأَبِ.

الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْعَصَبَاتِ وَتَرْتِيبِهِمْ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ يُسْقِطُ الْأَبْعَدَ.
وَجُمْلَةُ عَصَبَاتِ النَّسَبِ: الِابْنُ وَالْأَبُ وَمَنْ يُدْلِي بِهِمَا، وَيُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْأَبْنَاءُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدَّةُ وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ، وَهُمْ فِي دَرَجَةٍ، وَلِذَلِكَ يَتَقَاسَمُونَ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَأَبُو الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا مَعَ الْأَخِ، كَالْجَدِّ مَعَ الْأَخِ، فَيَتَقَاسَمَانِ لِقُوَّةِ الْجُدُودَةِ، وَوُقُوعِ الِاسْمِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ.
هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَالْمَذْهَبُ وَالْمَعْرُوفُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي ذَلِكَ - يَعْنِي لِلْأَصْحَابِ - أَنَّ أَبَا الْجَدِّ يَكُونُ لَهُ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْقَلْبِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَأَبْدَى الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ احْتِمَالًا.

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَخٌ، فَالْمُقَدَّمُ الْجَدُّ، ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، وَيَسْقُطُ ابْنُ الْأَخِ بِالْجَدِّ الْعَالِي سُقُوطَهُ بِالْأَدْنَى، وَفِي النِّهَايَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّ أَبَا الْجَدِّ وَابْنَ الْأَخِ يَتَقَاسَمَانِ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّا إِذَا قَدَّمْنَا نَوْعًا عَلَى نَوْعٍ، لَا نَنْظُرُ إِلَى الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ الْأَخِ وَإِنْ سَفَلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمِّ مَعَ قُرْبِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَدٌّ، فَالْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْعَمُّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُو الْعَمِّ كَذَلِكَ، [ثُمَّ عَمُّ الْأَبِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ، ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ] ، إِلَى حَيْثُ يَنْتَهُونَ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ النَّسَبِ، وَالْمَيِّتُ عَتِيقٌ، فَالْعُصُوبَةُ لِمُعْتِقِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعْتِقُ حَيًّا فَلِعَصَبَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا، فَلِمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ، ثُمَّ لِعَصَبَاتِهِ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهُونَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَتِيقًا، وَأَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ عَتِيقٌ، ثَبَتَ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ لِمُعْتِقِ الْأَبِ أَوِ الْجَدِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَالْمَالُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
فَرْعٌ الْبَعِيدُ مِنَ الْجِهَةِ الْمُقَدَّمَةِ، يُقَدَّمُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنَ الْجِهَةِ الْمُؤَخَّرَةِ.
مِثَالُهُ: ابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْأَخِ وَإِنْ سَفَلَ، يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمِّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْعَمِّ النَّازِلُ، يُقَدَّمُ عَلَى عَمِّ الْأَبِ، وَإِذَا اتَّحَدَتِ الْجِهَةُ، قُدِّمَ الْأَقْرَبُ.
فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ، قُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِالْأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِالْأَبِ.
مِثَالُهُ: الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي بَنِي الْعَمِّ وَبَنِي عَمِّ الْأَبِ.

فَرْعٌ إِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي جِهَةِ عُصُوبَةٍ، وَاخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِقَرَابَةٍ أُخْرَى كَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ نُظِرَ إِنْ أَمْكَنَ التَّوْرِيثُ بِالْقَرَابَةِ الْأُخْرَى لِفَقْدِ الْحَاجِبِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ يُوَرَّثُ بِهِمَا، فَالْأَخُ لِلْأُمِّ يَأْخُذُ السُّدُسَ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالْعُصُوبَةِ.
وَنَصَّ فِيمَا لَوْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمِّ مُعْتِقِهِ وَأَحَدُهُمَا أَخُو الْمُعْتِقِ لِأُمِّهِ: أَنَّ جَمِيعَ الْمَالِ لِلَّذِي هُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ.
وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِمَا طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: جَعْلُهُمَا [عَلَى] قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَرْجِيحُ الْأَخِ لِلْأُمِّ، فَيَأْخُذُ جَمِيعَ الْمَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعُصُوبَةِ وَزَادَ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ، فَأَشْبَهَ الْأَخَ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ.
وَالثَّانِي: لَا تَرْجِيحَ؛ لِأَنَّ مَزِيَّتَهُ بِجِهَةٍ تُفْرَضُ لَهَا فَلَا يَسْقُطُ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي جِهَةِ الْعُصُوبَةِ كَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ فَعَلَى هَذَا فِي النَّسَبِ لَهُ السُّدُسُ فَرْضًا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالْعُصُوبَةِ، وَفِي الْوَلَاءِ لَا يُمْكِنُ تَوْرِيثُهُ بِالْفَرْضِيَّةِ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ بِالْعُصُوبَةِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالْمَنْصُوصِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ فِي النَّسَبِ يَرِثُ، فَأُعْطِيَ فَرْضَهُ، وَاسْتَوَيَا فِي الْبَاقِي بِالْعُصُوبَةِ، وَفِي الْوَلَاءِ لَا يَرِثُ بِالْفَرْضِ، فَرَجَحَ مَنْ يُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأُمِّ.
وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ أَخَا الْمُعْتِقِ مِنْ أَبَوَيْهِ يُقَدَّمُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَيَجْرِي الطَّرِيقَانِ، فِيمَا لَوْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمِّ أَبِيهِ وَأَحَدُهُمَا أَخُوهُ لِأُمِّهِ.
فَلَوْ تَرَكَتِ الْمَرْأَةُ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجُهَا، وَالْآخَرُ أَخٌ لِأُمٍّ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.
وَإِنْ رَجَّحْنَا الْأَخَ لِلْأُمِّ، فَالْبَاقِي كُلُّهُ لَهُ.
وَلَوْ تَرَكَتْ ثَلَاثَةً بَنِي أَعْمَامٍ أَحَدُهُمْ زَوْجٌ، وَالثَّانِي أَخٌ لِأُمٍّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأَخِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَإِنْ رَجَّحْنَا الْأَخَ لِلْأُمِّ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي

لِلْأَخِ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا أَمْكَنَ تَوْرِيثُ الْمُخْتَصِّ بِتِلْكَ الْقَرَابَةِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجِبٍ، بِأَنْ تَرَكَ بِنْتًا وَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، لِأَنَّ إِخْوَةَ الْأُمِّ سَقَطَتْ بِالْبِنْتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَخِ وَحْدَهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، كَمَا لَوِ اجْتَمَعَ مَعَ الْبِنْتِ أَخٌ لِأَبَوَيْنِ وَأَخٌ لِأَبٍ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، فَتَرَكَ ابْنَ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ، وَآخَرَ لِأَبٍ وَهُوَ أَخٌ لِأُمٍّ، فَلِلثَّانِي السُّدُسُ بِالْأُخُوَّةِ، وَالْبَاقِي لِلْأَوَّلِ، وَتَسْقُطُ بِهِ عُصُوبَةُ الثَّانِي.
وَلَوْ تَرَكَتْ ثَلَاثَةً بَنِي أَعْمَامٍ مُتَفَرِّقِينَ، وَالَّذِي هُوَ لِأُمٍّ زَوْجٌ، وَالَّذِي هُوَ لِأَبٍ أَخٌ لِأُمٍّ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأَخِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ.
وَلَوْ تَرَكَ أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ، وَتَرَكَ سِوَاهُمَا أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ فَلَهُمَا الثُّلُثُ بِالْأُخُوَّةِ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمِّ مِنْهُمَا بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، وَتَرَكَ سِوَاهُمَا أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَرَكَ أَخَوَيْنِ هُمَا ابْنَا عَمٍّ، وَأَخًا لَيْسَ بِابْنِ عَمٍّ، وَابْنَ عَمٍّ لَيْسَ بِأَخٍ، فَالثُّلُثُ لِلْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ، وَالْبَاقِي لِبَنِي الْأَعْمَامِ الثَّلَاثَةِ.

فَصْلٌ

فِي عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ قَدْ سَبَقَ أَنْ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ مِنَ النَّسَبِ، فَمَالُهُ أَوْ مَا يَفْضُلُ عَنِ الْفُرُوضِ لِمُعْتِقِهِ إِنْ كَانَ عَتِيقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتِقُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمُعْتِقُ، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِعَصَبَاتِهِ مِنَ النَّسَبِ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ دُونَ مَنْ يُعَصِّبُهُمْ غَيْرُهُمْ، فَلَا تَرِثُ النِّسَاءُ بِالْوَلَاءِ إِلَّا مِمَّنْ أَعْتَقْنَ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، أَوْ جَرَّ الْوَلَاءَ إِلَيْهِنَّ مَنْ أَعْتَقْنَ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ إِلَّا مُعْتَقَهَا، أَوْ مُنْتَمِيًا إِلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ أَضْعَفُ مِنَ النَّسَبِ الْبَعِيدِ.
وَإِذَا بَعُدَ النَّسَبُ، وَرِثَ الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ،

فَيَرِثُ ابْنُ الْأَخِ وَالْعَمُّ وَابْنُهُ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ.
فَإِذَا لَمْ تَرِثْ بِنْتُ الْأَخِ، فَبِنْتُ الْمُعْتِقِ أَوْلَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ تَرْتِيبُهُمْ فِي الْوَلَاءِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي النَّسَبِ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْمُعْتِقِ وَابْنُ ابْنِهِ عَلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ، لَكِنْ يَفْتَرِقُ التَّرْتِيبَانِ فِي مَسَائِلَ.
إِحْدَاهَا: فِي الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ طَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ: يُقَدَّمُ الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ كَمَا فِي النَّسَبِ.
وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ: ثَانِيهِمَا: يَتَسَاوَيَانِ، إِذْ لَا مَدْخَلَ لِقَرَابَةِ الْأُمِّ هَنَا.
الثَّانِيَةُ: فِي الْجَدِّ وَالْأَخِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الْأَخَ مُقَدَّمٌ.
وَالثَّانِي: يَتَسَاوَيَانِ كَالنَّسَبِ، وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيُّ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَتَسَاوَيَانِ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا نَقَلَهُ الْحَنَّاطِيُّ وَغَيْرُهُ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِلْجَدِّ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ وَثُلُثِ الْمَالِ، كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّسَبِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ فِي الْوَلَاءِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: الْقَطْعُ بِالْمُقَاسَمَةِ أَبَدًا.
وَلَوِ اجْتَمَعَ مَعَ جَدِّ الْمُعْتِقِ إِخْوَةٌ لِأَبَوَيْنِ، وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ اللَّبَّانِ: يُعَدُّ الْإِخْوَةُ مِنَ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ، كَمَا فِي النَّسَبِ.
وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْأَكْثَرُونَ: لَا يُعَدُّونَ، بَلِ الْجَدُّ وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ يَقْتَسِمَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ قَدْ يَأْخُذُونَ شَيْئًا فِي النَّسَبِ، كَمَا إِذَا كَانَ مَعَهُمْ أُخْتٌ لِلْأَبَوَيْنِ وَجَدٌّ، وَهُنَا لَا يَأْخُذُونَ شَيْئًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ هُنَا إِلَّا ذَكَرٌ، وَلَا يَرِثُ الْأَخُ لِلْأَبِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْقِسْمَةِ مَنْ لَا يَأْخُذُ بِحَالٍ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْجَدُّ أَوْلَى مِنِ ابْنِ الْأَخِ عَلَى الْأَصَحِّ كَالنَّسَبِ.
وَقِيلَ: يَسْتَوِيَانِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: الْأَخُ أَوْلَى مِنْ أَبِي الْجَدِّ، وَأَبُو الْجَدِّ مَعَ ابْنِ الْأَخِ يَسْتَوِيَانِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: إِنَّ الْأَخَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَدِّ، فَابْنُ الْأَخِ مُقَدَّمٌ أَيْضًا كَابْنِ الِابْنِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْأَخِ وَالْجَدِّ يَجْرِيَانِ فِي الْعَمِّ مَعَ أَبِي الْجَدِّ، وَفِي كُلِّ عَمٍّ اجْتَمَعَ هُوَ وَجَدٌّ إِذَا أَدْلَى ذَلِكَ الْعَمُّ بِابْنِ ذَلِكَ الْجَدِّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْجَدَّ أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ، فَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ مُقَدَّمٌ كَمَا سَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ.
فَرْعٌ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ، فَالْمَالُ لِمُعْتِقِ الْمُعْتَقِ، ثُمَّ لِعَصَبَاتِهِ عَلَى النَّسَقِ الْمَذْكُورِ فِي عَصَبَاتِ الْمُعْتَقِ، ثُمَّ لِمُعْتِقِ مُعْتِقِ الْمُعْتَقِ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
وَالْقَوْلُ فِي مُعْتِقِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَقَوَاعِدَ أُخَرَ وَمَسَائِلَ عَوِيصَةٍ نَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ إِذَا كَانَ مَعَ الْجَدِّ إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَبِ لَمْ يَسْقُطُوا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَسْقُطُونَ، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَابْنُ اللَّبَّانِ، وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ.
وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَنَقُولُ: إِذَا كَانَ مَعَهُ إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَوْ مِنَ الْأَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ، فَلِلْجَدِّ الْأَوْفَرُ مِنْ مُقَاسَمَتِهِمْ وَثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ.
فَإِنْ قَاسَمَ كَانَ كَأَخٍ.
وَإِنْ أَخَذَ الثُّلُثَ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَقَدْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ فَلَا يَكُونُ فَرْقٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنِ الْفَرْضِيُّونَ يَتَلَفَّظُونَ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ.
وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقِسْمَةُ أَوْفَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَخٌ، أَوْ أُخْتٌ، أَوْ أَخٌ وَأُخْتٌ، أَوْ أُخْتَانِ، أَوْ أُخْتَانِ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، فَهِيَ خَمْسُ مَسَائِلَ.
وَإِنَّمَا يَسْتَوِيَانِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ إِلَّا أَخَوَانِ أَوْ أَخٌ وَأُخْتَانِ، أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ.
وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ الثُّلُثُ أَوْفَرُ.
وَضَابِطُهُ أَنَّ

الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ، إِنْ كَانُوا مِثْلَيْهِ، فَالْقِسْمَةُ وَالثُّلُثُ سَوَاءٌ.
وَإِنْ كَانُوا دُونَ مِثْلَيْهِ، فَالْقِسْمَةُ أَوْفَرُ.
وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ مِثْلَيْهِ، فَالثُّلُثُ أَوْفَرُ.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ صَاحِبُ فَرْضٍ - وَأَصْحَابُ الْفُرُوضِ الْوَارِثُونَ مَعَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ سِتَّةٌ: الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الِابْنِ، وَالْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ، وَالزَّوْجُ، وَالزَّوْجَةُ - فَإِمَّا أَنْ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْفُرُوضِ شَيْءٌ، كَبِنْتَيْنِ وَأُمٍّ وَزَوْجٍ، فَيُفْرَضُ لِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَيُزَادُ فِي الْعَوْلِ.
وَإِمَّا أَنْ يَبْقَى السُّدُسُ فَقَطْ، كَبِنْتَيْنِ وَأُمٍّ، فَيُصْرَفُ إِلَى الْجَدِّ.
وَإِمَّا أَنْ يَبْقَى دُونَ السُّدُسِ كَبِنْتَيْنِ وَزَوْجٍ، فَيُفْرَضُ لِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَتُعَالُ الْمَسْأَلَةُ.
وَعَلَى هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ يَسْقُطُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي أَكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ، فَلِلْجَدِّ خَيْرُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مُقَاسَمَةُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَثُلُثُ مَا يَبْقَى، وَسُدُسُ جَمِيعِ الْمَالِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَعَهُ إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ لِأَبَوَيْنِ وَلِأَبٍ، فَلِلْجَدِّ خَيْرُ الْأَمْرَيْنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذُو فَرْضٍ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ إِنْ كَانَ كَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ، لَكِنْ هُنَا يُعَدُّ أَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ أَوْلَادَ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ فِي الْقِسْمَةِ.
ثُمَّ إِذَا أَخَذَ الْجَدُّ حِصَّتَهُ نُظِرَ إِنْ كَانَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ عَصَبَةً، إِمَّا ذَكَرًا، وَإِمَّا ذُكُورًا، وَإِمَّا ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَلَهُمْ كُلُّ الْبَاقِي، وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْأَبِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ، بَلْ أُنْثَى، أَوْ إِنَاثٌ، فَالِاثْنَتَانِ فَصَاعِدًا يَأْخُذُونَ إِلَى الثُّلُثَيْنِ وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ، فَيَسْقُطُ أَوْلَادُ الْأَبِ، وَالْوَاحِدَةُ تَأْخُذُ إِلَى النِّصْفِ.
فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ، فَلِأَوْلَادِ الْأَبِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَرْعٌ إِذَا كَانَ الصِّنْفَانِ مَعَهُ، وَكَانَ غَيْرُ الْقِسْمَةِ خَيْرًا لَهُ، بِأَنْ كَانَ مَعَهُ أُخْتٌ لِلْأَبَوَيْنِ، وَأَخَوَانِ، أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ فَصَاعِدًا لِلْأَبِ، فَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ.
قَالَ بَعْضُ الْفَرْضِيِّينَ: يُجْعَلُ الْبَاقِي

بَيْنَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَوَلَدِ الْأَبِ، ثُمَّ يَرُدُّ وَلَدُ الْأَبِ عَلَى وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ قَدْرَ فَرْضِهِ.
قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُفْرَضَ لِلْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ النِّصْفُ، وَيُجْعَلَ الْبَاقِي لِأَوْلَادِ الْأَبِ.
فَرْعٌ لَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَحَّضَ مَعَ الْجَدِّ إِخْوَةٌ أَوْ أَخَوَاتٌ، أَوْ يَخْتَلِطُوا، فَالْجَدُّ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا كَأَخٍ، وَالْأَخَوَاتُ مَعَهُ كَهُنَّ مَعَ أَخٍ، فَلَا يُفْرَضُ لَهُنَّ مَعَهُ وَلَا تُعَالُ مَسْأَلَةٌ بِسَبَبِهِنَّ، بِخِلَافِ الْجَدِّ حَيْثُ فَرَضْنَا لَهُ وَأَعَلْنَا؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فَرْضٍ بِالْجُدُودَةِ، فَرُجِعَ إِلَيْهِ لِضَرُورَةٍ.
وَهَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ إِلَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَكْدَرِيَّةِ، وَهِيَ زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَجَدٌّ، وَأُخْتٌ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَيُفْرَضُ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَتَعُولُ مِنْ سِتَّةٍ إِلَى تِسْعَةٍ، ثُمَّ يُجْمَعُ نَصِيبُ الْأُخْتِ وَالْجَدِّ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا.
وَتَصِحُّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ، وَلِلْأُمِّ سِتَّةٌ، وَلِلْأُخْتِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ.
وَيُمْتَحَنُ بِهَا فَيُقَالُ: وُرَّاثٌ أَرْبَعَةٌ، أَخَذَ أَحَدُهُمْ ثُلُثَ الْمَالِ، وَالثَّانِي ثُلُثَ الْبَاقِي، وَالثَّالِثُ ثُلُثَ الْبَاقِي، وَالرَّابِعُ الْبَاقِي.
وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْأُخْتِ أَخٌ، سَقَطَ، إِذْ لَا فَرْضَ لَهُ.
وَلَوْ كَانَتْ أُخْتَانِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لَهُمَا، وَلَا عَوْلَ [وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ] .

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْحَجْبِ هُوَ نَوْعَانِ: حَجْبُ نُقْصَانٍ - كَحَجْبِ الْوَلَدِ الزَّوْجَ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ، وَالزَّوْجَةَ مِنَ الرُّبُعِ إِلَى الثُّمُنِ، وَالْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ - وَحَجْبُ حِرْمَانٍ،

وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، فَالْوَرَثَةُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ غَيْرُهُمْ، وَهُمُ: الْأَبَوَانِ، وَالزَّوْجَانِ، وَالْأَوْلَادُ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَحْجُبُهُمْ أَحَدٌ.
وَقِسْمٌ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ غَيْرُهُمْ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ.
[الضَّرْبُ] الْأَوَّلُ: الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَهُمُ الْأُصُولُ.
فَالْجَدُّ لَا يَحْجُبُهُ إِلَّا الْأَبُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جَدٍّ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهُ.
وَأَمَّا الْجَدَّاتُ، فَقَدْ يَحْجُبُهُنَّ غَيْرُهُنَّ، وَقَدْ يَحْجُبُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْأُمُّ تَحْجُبُ كُلَّ جَدَّةٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَتِهَا، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَمَا يَحْجُبُ الْأَبُ كُلَّ مَنْ يَرِثُ بِالْأُبُوَّةِ، وَالْأَبُ يَحْجُبُ كُلَّ جَدَّةٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَكَذَا كُلُّ جَدٍّ يَحْجُبُ أُمَّ نَفْسِهِ وَأُمَّ آبَائِهِ، وَلَا يَحْجُبُ أُمَّ مَنْ دُونَهُ، وَالْأَبُ وَالْأَجْدَادُ لَا يَحْجُبُونَ الْجَدَّةَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ قَرِيبَةً كَانَتْ أَوْ بَعِيدَةً بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا حَجْبُ بَعْضِهِنَّ، فَالْقُرْبَى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَهَذَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ لَا يَكُونُ إِلَّا وَالْبُعْدَى مُدْلِيَةٌ بِالْقُرْبَى، وَمِنْ جِهَةِ الْأَبِ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ فَالْحُكْمُ كَمِثْلٍ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَأُمِّ الْأَبِ، وَأُمِّ أَبِ الْأَبِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَنِ الْفَرْضِيِّينِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْقُرْبَى تَحْجُبُ الْبُعْدَى أَيْضًا.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ كَانَتِ الْبُعْدَى مُدْلِيَةً بِالْقُرْبَى لَكِنَّ الْبُعْدَى جَدَّةٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَلَا تُحْجَبُ.
مِثَالُهُ: لِزَيْنَبَ بِنْتَانِ، حَفْصَةُ، وَعَمْرَةُ، وَلِحَفْصَةَ ابْنٌ، وَلِعَمْرَةَ بِنْتُ بِنْتٍ، فَنَكَحَ الِابْنُ بِنْتَ بِنْتِ خَالَتِهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَلَا تُسْقِطُ عَمْرَةُ الَّتِي هِيَ أُمُّ أُمِّ أُمِّهِ أُمَّهَا ; لِأَنَّهَا أُمُّ أُمِّ أَبِي الْمَوْلُودِ.

فَرْعٌ الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، كَأُمِّ الْأُمِّ، تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَأُمِّ أُمِّ الْأَبِ كَمَا أَنَّ الْأُمَّ تَحْجُبُ أُمَّ الْأَبِ.
وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَأُمِّ الْأَبِ، هَلْ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، كَأُمِّ أُمِّ الْأُمِّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يَحْجُبُهَا، فَأُمُّهُ الْمُدْلِيَةُ بِهِ أَوْلَى.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ نَقَلَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ أُمَّهَاتِ الْأَبِ، كَأُمِّ أُمِّ الْأَبِ، تُسْقِطُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ آبَاءِ الْأَبِ، كَأُمِّ أُمِّ أَبِي الْأَبِ، وَأُمِّ أَبِي أَبِي الْأَبِ، وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ آبَاءِ الْأَبِ، كَأُمِّ أَبِي الْأَبِ، هَلْ تُسْقِطُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ أُمَّهَاتِ الْأَبِ، كَأُمِّ أُمِّ أُمِّ الْأَبِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّفْلِ، فَابْنُ الِابْنِ لَا يَحْجُبُهُ إِلَّا الِابْنُ، وَبِنْتُ الْابْنِ يَحْجُبُهَا الِابْنُ، وَكَذَا بِنْتَا صُلْبٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا ذَكَرٌ يُعَصِّبُهَا، وَكَذَا بَنَاتُ ابْنِ الِابْنِ [يُسْقِطُهُنَّ] ابْنُ الِابْنِ، وَيَسْقُطْنَ أَيْضًا إِذَا اسْتَكْمَلَ بَنَاتُ الِابْنِ الثُّلُثَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ مَنْ يُعَصِّبُهُنَّ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ بِنْتُ صُلْبٍ، وَبِنْتُ ابْنٍ، أَوْ بَنَاتُ ابْنٍ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْمُنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ عَلَى الطَّرَفِ فَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ يَحْجُبُهُمْ أَرْبَعَةٌ: الْوَلَدُ، وَوَلَدُ الِابْنِ، وَالْأَبُ، وَالْجَدُّ.
وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ الْأَبُ، وَالِابْنُ، وَابْنُ الِابْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ سَبَقَ وَجْهٌ: أَنَّ الْجَدَّ أَيْضًا يُسْقِطُهُ.
وَالْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ لَا يَحْجُبُهَا أَيْضًا إِلَّا هَؤُلَاءِ.
وَالْأَخُ لِلْأَبِ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ.
وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ يَحْجُبُهَا الْأَرْبَعَةُ.
وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَكْمَلَتِ الْأَخَوَاتُ لِلْأَبَوَيْنِ الثُّلُثَيْنِ سَقَطَتِ الْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ مُعَصِّبٌ وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ سِتَّةٌ: الِابْنُ، وَابْنُ الِابْنِ، وَالْأَبُ، وَالْجَدُّ، وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ.
وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ.
وَالْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ، وَابْنُ الْأَخِ

لِلْأَبِ.
وَالْعَمُّ لِلْأَبِ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ، وَالْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ [وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ] يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ، وَالْعَمُّ لِلْأَبِ.
وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ، وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ.
وَالْمُعْتِقُ يَحْجُبُهُ عَصَبَاتُ النَّسَبِ.
وَكُلُّ عَصَبَةٍ يَحْجُبُهُ أَصْحَابُ الْفُرُوضِ الْمُسْتَغْرِقَةِ.
فَرْعٌ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَجْبِ هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْحَاجِبُ وَارِثًا مِنَ الْمَيِّتِ.
فَإِنْ لَمْ يَرِثْ نُظِرَ إِنْ كَانَ امْتِنَاعُ الْإِرْثِ لِنَقْصٍ كَالرِّقِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَانِعِ، فَلَا يَحْجُبُ لَا حَجْبَ حِرْمَانٍ، وَلَا حَجْبَ نُقْصَانٍ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَرِثُ لِتَقَدُّمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَقَدْ يَحْجُبُ غَيْرَهُ حَجْبَ نُقْصَانٍ، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ.
إِحْدَاهَا: مَاتَ عَنْ أَبَوَيْنِ وَأَخَوَيْنِ، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِهِ.
الثَّانِيَةُ: أُمٌّ، وَجَدٌّ، وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ، لِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ.
الثَّالِثَةُ: أَبٌ، وَأُمُّ أَبٍ، وَأُمُّ أُمٍّ، فَتَسْقُطُ أُمُّ الْأَبِ بِالْأَبِ، وَفِيمَا تَرِثُهُ أُمُّ الْأُمِّ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: السُّدُسُ.
وَالثَّانِي: نِصْفُ السُّدُسِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا تَرَكَ جَدًّا، وَأَخًا لِأَبَوَيْنِ، وَأَخًا لِأَبٍ، يَنْقُصُ بِالْأَخِ لِلْأَبِ نَصِيبُ الْجَدِّ، وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا.
قُلْتُ: وَصُورَةٌ خَامِسَةٌ: أُمٌّ، وَأَخٌ لِأَبَوَيْنِ، وَأَخٌ لِأَبٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي بَيَانِ مَانِعِ الْمِيرَاثِ هُوَ خَمْسَةٌ.
[الْمَانِعُ] الْأَوَّلُ: اخْتِلَافُ الدِّينِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّسِيبِ وَالْمُعْتِقِ وَالزَّوْجِ، وَلَا بَيْنَ مَنْ يُسْلِمُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَمْ لَا.
الثَّانِيَةُ: يَرِثُ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَالْيَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ مِنَ الْمَجُوسِيِّ، وَالْمَجُوسِيِّ الْحَرْبِيِّ مِنَ الْوَثَنِيِّ، وَبِالْعُكُوسِ عَنِ ابْنِ خَيْرَانَ وَغَيْرِهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا تَرِثُ مِلَّةٌ مِنْهُمْ مِنْ أُخْرَى.
وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ، هُوَ الْأَوَّلُ.
هَذَا إِذَا كَانَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ مَثَلًا ذِمِّيَّيْنِ أَوْ حَرْبِيَّيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْبِيَّانِ مُخْتَلِفَيِ الدَّارِ أَوْ مُتَّفِقَيْهَا، كَالرُّومِ وَالْهِنْدِ.
فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا وَالْآخَرُ حَرْبِيًّا، فَطَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَتَوَارَثَانِ لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمَا، وَرُبَّمَا نَقَلَ الْفَرْضِيُّونَ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا.
وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، ثَانِيهِمَا: التَّوَارُثُ لِشُمُولِ الْكُفْرِ.
وَالْمُعَاهَدُ وَالْمُسْتَأْمَنُ، هَلْ هُمَا كَالذِّمِّيِّ، أَمْ كَالْحَرْبِيِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: كَالذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْصُومَانِ بِالْعَهْدِ وَالْأَمَانِ.
فَعَلَى هَذَا، يَتَوَارَثُ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ.
وَعَلَى الْآخَرِ: فِي التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا الطَّرِيقَانِ، وَيَتَوَارَثُ هُوَ وَالْحَرْبِيُّ.
فَرْعٌ مَاتَ يَهُودِيٌّ ذِمِّيٌّ عَنِ ابْنٍ مِثْلِهِ، وَابْنٍ نَصْرَانِيٍّ ذِمِّيٍّ، وَابْنٍ يَهُودِيٍّ مُعَاهَدٍ،

وَابْنٍ يَهُودِيٍّ حَرْبِيٍّ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ التَّرِكَةَ لِجَمِيعِهِمْ غَيْرَ الْحَرْبِيِّ، وَيَجِئُ فِي الْحَرْبِيِّ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَرِثُ، وَفِي الْآخَرِينَ وَجْهٌ بِالْمَنْعِ، سِوَى الْأَوَّلِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ أَحَدًا، وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ، وَمَالُهُ فَيْءٌ سَوَاءٌ كَسَبَهُ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ فِي الرِّدَّةِ، وَسَوَاءٌ فِي الْمُرْتَدِّ الْمُعْلِنُ وَالزِّنْدِيقُ وَالْمُسْتَسِرُّ، وَلَا يُنَزَّلُ الْتِحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مَنْزِلَةَ مَوْتِهِ.

الْمَانِعُ الثَّانِي: الرِّقُّ.
فَلَا يَرِثُ رَقِيقٌ وَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلَا يُوَرَّثُ رَقِيقٌ إِذْ لَا مِلْكَ لَهُ، وَإِذَا قُلْنَا: يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ، فَمِلْكُهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، يَعُودُ إِلَى السَّيِّدِ إِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْ رَقَبَتِهِ.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقَنُّ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، فَلَا يَرِثُونَ وَلَا يُوَرَّثُونَ.
فَرْعٌ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ لَا يَرِثُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَعَنِ الْمُزَنِيِّ، وَابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ يَرِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ.
وَهَلْ يُوَرَّثُ؟ قَوْلَانِ.
الْقَدِيمُ: لَا، وَالْجَدِيدُ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ تَامُّ الْمِلْكِ.
قُلْتُ: الْجَدِيدُ، هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَعَلَى الْقَدِيمِ: فِيمَا مَلَكَهُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ: أَنَّهُ لِمَالِكِ الْبَاقِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْإِصْطَخْرِيِّ، وَنَقَلَهُ الْفَرْضِيُّونَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَقَالُوا: هُوَ الْأَصَحُّ.
وَعَلَى الْجَدِيدِ: يَرِثُهُ قَرِيبُهُ أَوْ مُعْتِقُهُ.
قُلْتُ: وَزَوْجَتُهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَفِي الْقَدْرِ الْمَوْرُوثِ، وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: جَمِيعُ مَا مَلَكَهُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُقَسَّطُ مَا مَلَكَهُ بَحُرِّيَّتِهِ عَلَى مَالِكِ الْبَاقِي وَالْوَرَثَةِ بِقَدْرِ رِقِّهِ وَحُرِّيَّتِهِ.
فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَنِصْفُ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ، وَنِصْفُهُ لِمَالِكِ بَاقِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَلَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَالْبَدَنُ مُنْقَسِمٌ إِلَى رِقٍّ وَحُرِّيَّةٍ.

الْمَانِعُ الثَّالِثُ: الْقَتْلُ، وَهُوَ ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَضْمُونٌ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْحِرْمَانِ، سَوَاءٌ ضُمِنَ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ كَمَنْ رَمَى صَفَّ الْكُفَّارِ وَلَمْ يَعْلَمْ [فِيهِمْ] مُسْلِمًا، فَقَتَلَ قَرِيبَهُ الْمُسْلِمَ، تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَلَا دِيَةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ قَوْلًا أَنَّ الْمُخْطِئَ يَرِثُ مُطْلَقًا، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَطَأُ بِمُبَاشَرَةٍ كَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ مُوَرِّثَهُ، أَوْ بِالسَّبَبِ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا فَسَقَطَ فِيهَا مُوَرِّثُهُ، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي الطَّرِيقِ فَتَعَثَّرَ بِهِ مُوَرِّثُهُ.
وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِالتَّسَبُّبِ مَصْلَحَتَهُ، كَضَرْبِ الْأَبِ وَالزَّوْجِ وَالْمُعَلِّمِ لِلتَّأْدِيبِ، وَكَسَقْيِهِ الدَّوَاءَ وَبَطِّ جُرْحِهِ لِلْمُعَالَجَةِ إِذَا مَاتَ بِهِ الصَّبِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ لَا يَقْصِدُ.
وَفِي بَطِّ الْجُرْحِ وَسَقْيِ الدَّوَاءِ وَجْهٌ حَكَاهُ ابْنُ اللَّبَّانِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ.
وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» وَجْهٌ فِي مُطْلَقِ الْقَتْلِ بِالتَّسَبُّبِ: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ الْأَوَّلُ.
وَسَوَاءٌ صَدَرَ الْقَتْلُ مِنْ مُكَلَّفٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَجِئُ فِي الصَّبِيِّ وَجْهٌ يَتَخَرَّجُ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ فِي الْمُخْطِئِ إِذَا قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ خَطَأٌ.
وَسَوَاءٌ فِيهِ الْمُكْرَهُ وَالْمُخْتَارُ، وَفِي الْمُكْرَهِ خِلَافٌ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: قَتْلٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ: مُسْتَحَقٌّ مَقْصُودٌ، وَغَيْرُهُ.
وَالْأَوَّلُ نَوْعَانِ.

أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُسَوَّغُ تَرْكُهُ.
فَإِذَا قَتَلَ الْإِمَامُ مُوَرِّثَهُ حَدًّا بِالرَّجْمِ، أَوْ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَفِي مَنْعِهِ أَوْجُهٌ.
الثَّالِثُ: إِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، مُنِعَ.
وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ فَلَا لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يُسَوَّغُ تَرْكُهُ، كَالْقِصَاصِ، فِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى قَتْلِ الْإِمَامِ حَدًّا، وَأَوْلَى بِالْحِرْمَانِ.
وَلَوْ شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوِ الْقِصَاصَ، فَقُتِلَ بِشَهَادَتِهِ، أَوْ شَهِدَ عَلَى إِحْصَانِهِ، وَشَهِدَ غَيْرُهُ بِالزِّنَا، أَوْ زَكَّى الشُّهُودَ بِالزِّنَا عَلَى مُوَرِّثِهِ، فَهُوَ كَمَا إِذَا قَتَلَهُ قِصَاصًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ مَقْصُودٌ، كَقَتْلِ الصَّائِلِ وَالْبَاغِي، فَفِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْقِصَاصِ، وَأَوْلَى بِالْحِرْمَانِ، وَالْبَاغِي أَوْلَى بِالْحِرْمَانِ مِنَ الْعَادِلِ.
وَالْمَذْهَبُ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا: مَنْعُ الْإِرْثِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَكِنَّ الْقِيَاسَ وَالِاخْتِيَارَ: أَنَّ مَا لَا ضَمَانَ فِيهِ لَا يُمْنَعُ.
فَرْعٌ قَدْ يَرِثُ الْمَقْتُولُ مِنْ قَاتِلِهِ، بِأَنْ جَرَحَ مُوَرِّثَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْمَجْرُوحِ.

الْمَانِعُ الرَّابِعُ: اسْتِبْهَامُ وَقْتِ الْمَوْتِ.
فَإِذَا مَاتَ مُتَوَارِثَانِ بِغَرَقٍ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ تَحْتَ هَدْمٍ، أَوْ فِي بِلَادِ غُرْبَةٍ، أَوْ وَجَدَا قَتِيلَيْنِ فِي مَعْرَكَةٍ، فَلَهُ خَمْسُ صُوَرٍ: إِحْدَاهَا: أَنْ نَعْلَمَ سَبْقَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَحُكْمُهُ ظَاهِرٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ نَعْلَمَ التَّلَاحُقَ وَلَا نَعْلَمَ السَّابِقَ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ نَعْلَمَ وُقُوعَ الْمَوْتَتَيْنِ مَعًا.

الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا نَعْلَمَ شَيْئًا، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لَا نُوَرِّثُ أَحَدَهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، بَلْ نَجْعَلُ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ لِبَاقِي وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ اسْتِحْقَاقَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ وَلِأَنَّا إِنْ وَرَّثْنَا أَحَدَهُمَا فَقَطْ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ.
وَإِنْ وَرَّثْنَا كُلًّا مِنْ صَاحِبِهِ تَيَقَّنَّا الْخَطَأَ.
وَقِيلَ: إِذَا تَلَاحَقَ الْمَوْتَانِ، وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ، أُعْطِيَ كُلُّ وَارِثٍ لَهُمْ مَا يُتَيَقَّنُ لَهُ، وَيُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ.
وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَيُصْرَفُ الْجَمِيعُ إِلَى الْوَرَثَةِ.
الْخَامِسَةُ: أَنْ يُعْلَمَ سَبْقُ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَلْتَبِسَ فَيُوقَفَ الْمِيرَاثُ حَتَّى يُتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا؛ لِأَنَّ التَّذَكُّرَ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمِ السَّابِقُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْإِمَامِ.

الْمَانِعُ الْخَامِسُ: الدَّوْرُ، وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ مِنَ التَّوْرِيثِ عَدَمُهُ.
وَمِثَالُهُ: أَقَرَّ الْأَخُ بِابْنٍ لِأَخِيهِ الْمَيِّتِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَا يَرِثُ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِأَبِي الْعَبْدِ، فَمَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَقَبِلَهَا أَخُوهُ يُعْتَقُ الْعَبْدُ وَلَا يَرِثُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلَوِ اشْتَرَى الْمَرِيضُ أَبَاهُ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ.
وَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ نَسَبًا عَلَى وَرَثَةِ مَيِّتٍ، فَأَنْكَرُوا وَنَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ، حَلَفَ وَوَرِثَ مَعَهُمْ إِنْ لَمْ يَحْجُبْهُمْ.
وَإِنْ كَانَ يَحْجُبُهُمْ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَرِثُ، وَإِلَّا لَبَطَلَ نُكُولُهُمْ وَيَمِينُهُ.
وَلَوْ مَلَكَ أَخَاهُ، ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْفُذُ، ثُمَّ إِنْ صَحَّحْنَا الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ، وَرِثَهُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُوجِبُ إِبْطَالَ الْإِقْرَارِ بِحُرِّيَّتِهِ.
وَإِذَا بَطَلَتْ، بَطَلَ الْإِرْثُ.

الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَسْبَابٍ تَمْنَعُ صَرْفَ الْمَالِ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ لِلشَّكِّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ هِيَ أَرْبَعَةٌ: [السَّبَبُ] الْأَوَّلُ: الشَّكُّ فِي الْوُجُودِ، كَمَنْ مَاتَ وَلَهُ قَرِيبٌ مَفْقُودٌ لَا يَعْلَمُ حَيَاتَهُ وَلَا مَوْتَهُ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: فِي التَّوْرِيثِ مِنْهُ.
فَالْمَفْقُودُ: الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَجُهِلَ حَالُهُ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ فِي قِتَالٍ أَوْ عِنْدَ انْكِسَارِ سَفِينَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَهُ مَالٌ - وَفِي مَعْنَاهُ: الْأَسِيرُ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ - فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَوْتِهِ، قُسِّمَ مِيرَاثُهُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ حَالُهُ.
وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ إِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَعِيشُ فِيهَا، قُسِّمَ مَالُهُ، وَهَذِهِ الْمُدَّةُ لَيْسَتْ مُقَدَّرَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: تَتَقَدَّرُ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وَيَكْفِي مَا يَغْلُبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إِلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا الْقَطْعِ غَلَبَةُ الظَّنِّ.
ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْقِسْمَةُ بِالْحَاكِمِ، فَقِسْمَتُهُ تَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالْمَوْتِ، وَإِنِ اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي اعْتِبَارِ حُكْمِهِ مُخْتَلِفٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فِيهِ خِلَافٌ، إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقَطْعَ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْحُكْمِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ.
وَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ، وَقُسِّمَ مَالُهُ، فَهَلْ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ مَفْهُومُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ دَلَالَةً وَصَرِيحًا: أَنَّ لَهَا ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَنْعَ عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ مَخْصُوصٌ بِمَا قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ رَدُّوا عَلَى [الْقَوْلِ] الْقَدِيمِ حَيْثُ قَالُوا: إِذَا لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِمَوْتِهِ فِي قِسْمَةِ مَالِهِ وَعِتْقِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهِ فِي فِرَاقِ زَوْجَتِهِ، فَأَشْعَرَ

بِأَنَّهُمْ رَأَوُا الْحُكْمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا فَالْعَبْدُ الْمُنْقَطِعُ الْخَبَرِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ، وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ بِلَا خِلَافٍ.
وَمَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّا نَنْظُرُ إِلَى مَنْ يَرِثُهُ حِينَ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يُوَرَّثُ مِنْهُ مَنْ مَاتَ قُبَيْلَ الْحُكْمِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الْمَفْقُودِ بَيْنَ مَوْتِهِ وَبَيْنَ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
وَأَشَارَ الْعَبَّادِيُّ فِي «الرَّقْمِ» إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَقَالَ: يَضْرِبُ لَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةً لَا يَعِيشُ فِي الْغَالِبِ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِذَا انْتَهَتْ، فَكَأَنَّهُ مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَوْرِيثِهِ.
فَإِذَا مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ قَبْلَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ نُظِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا الْمَفْقُودَ، تَوَقَّفْنَا حَتَّى يَبِينَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَوْتِ الْقَرِيبِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَفْقُودِ تَوَقَّفْنَا فِي نَصِيبِ الْمَفْقُودِ، وَأَخَذْنَا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَاضِرِينَ بِالْأَسْوَأِ، فَمَنْ يَسْقُطُ مِنْهُمْ بِالْمَفْقُودِ، لَا يُعْطَى شَيْئًا حَتَّى يَبِينَ حَالُهُ، وَمَنْ يَنْقُصُ حَقُّهُ بِحَيَاتِهِ يُقَدَّرُ فِي حَقِّهِ حَيَاتُهُ، وَمَنْ يَنْقُصُ حَقُّهُ بِمَوْتِهِ يُقَدَّرُ فِي حَقِّهِ مَوْتُهُ.
وَمَنْ لَا يَخْتَلِفُ نَصِيبُهُ بِحَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ، يُعْطَى نَصِيبَهُ.
مِثَالُهُ: زَوْجُ مَفْقُودٌ، وَأُخْتَانِ لِأَبٍ وَعَمٌّ حَاضِرُونَ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا فَلِلْأُخْتَيْنِ أَرْبَعَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَمِّ.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَلَهُمَا اثْنَانِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ، فَيُقَدَّرُ فِي حَقِّهِمْ حَيَاتُهُ.
أَخٌ لِأَبٍ مَفْقُودٍ، وَأَخٌ لِأَبَوَيْنِ وَجَدٌّ حَاضِرَانِ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا فَلِلْأَخِ الثُّلُثَانِ، وَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَيُقَدَّرُ فِي حَقِّ الْجَدِّ حَيَاتُهُ، وَفِي حَقِّ الْأَخِ مَوْتُهُ.
أَخٌ لِأَبَوَيْنِ مَفْقُودٌ، وَأُخْتَانِ لِأَبَوَيْنِ وَزَوْجٌ حَاضِرُونَ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ، فَيَكُونُ لِلْأُخْتَيْنِ الرُّبُعُ.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، فَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ، وَلِلْأُخْتَيْنِ أَرْبَعَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ، فَيُقَدَّرُ فِي الزَّوْجِ مَوْتُهُ، وَفِي حَقِّ الْأُخْتَيْنِ حَيَاتُهُ.

ابْنٌ مَفْقُودٌ، وَبِنْتٌ وَزَوْجٌ، لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ بِكُلِّ حَالٍ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كُلِّ الصُّوَرِ هُوَ الصَّحِيحُ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَفِي وَجْهٍ: يُقَدَّرُ مَوْتُهُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَاضِرِينَ مَعْلُومٌ، وَاسْتِحْقَاقَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
فَإِنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ، غَيَّرْنَا الْحُكْمَ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: تُقَدَّرُ حَيَاتُهُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ.
فَإِنَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ غَيَّرْنَا الْحُكْمَ.

السَّبَبُ الثَّانِي: الشَّكُّ فِي النَّسَبِ.
فَإِذَا أَشْكَلَ نَسَبُ مَوْلُودٍ، بِأَنْ وَطِيءَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، أَوِ ادَّعَى اثْنَانِ فَصَاعِدًا مَجْهُولًا، فَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ إِلَّا بِوَاحِدٍ بِأَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْقَائِفِ.
فَلَوْ مَاتَ فِي زَمَنِ الْإِشْكَالِ وَقَفْنَا مِنْ مَالِهِ مِيرَاثَ أَبٍ.
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْوَاطِئَيْنِ، وَقَفْنَا مِنْ مَالِهِ مِيرَاثَ الْمَوْلُودِ، وَأَخَذْنَا فِي نَصِيبِ كُلِّ مَنْ يَرِثُ مَعَهُ لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِالْأَسْوَإِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْمَفْقُودِ.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْحَمْلُ وَنَعْنِي بِهِ كُلَّ حَمْلٍ لَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا لَوَرِثَ مِنْهُ، إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا عَلَى تَقْدِيرٍ.
وَهَذَا الْحَمْلُ، قَدْ يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ وَيَرِثُ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا إِذَا كَانَتْ أُمُّهُ حَامِلًا مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ مِنْ أَبِيهِ وَالْأَبُ مَيِّتٌ، أَوْ مَمْنُوعٌ بِرِقٍّ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا زَوْجَةُ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ جَدِّهِ وَالْحَمْلُ مِنْ غَيْرِهِ، قَدْ لَا يَرِثُ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ الذُّكُورَةِ، كَحَمْلِ امْرَأَةِ الْأَخِ وَالْجَدِّ، وَقَدْ لَا يَرِثُ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْأُنُوثَةِ كَمَا إِذَا مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَأُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَحَمْلٍ مِنَ الْأَبِ، وَفِيهِ فَصْلَانِ.
[الْفَصْلُ] الْأَوَّلُ: فِيمَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَإِنَّمَا يَرِثُ بِشَرْطَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْهُ، وَانْفَصَلَ لِمَا بَيْنَ مَوْتِهِ وَبَيْنَ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَرِثَ لِثُبُوتِ نَسَبِهِ، وَإِنِ انْفَصَلَ لِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَرِثْ.

وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ نُظِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ يَطَؤُهَا، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْهُ قَطْعًا.
وَإِنْ كَانَ زَوْجٌ يَطَؤُهَا، فَإِنِ انْفَصَلَ قَبْلَ تَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ، فَقَدْ عُلِمَ وُجُودُهُ حِينَئِذٍ.
وَإِنِ انْفَصَلَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، لَمْ يَرِثْ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ بَعْدَهُ إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِوُجُودِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَإِذَا مَاتَ حُرٌّ عَنْ أَبٍ رَقِيقٍ تَحْتَهُ حُرَّةٌ حَامِلٌ، فَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ وَرِثَ الْمَوْلُودُ مِنْ أَخِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ رَقِيقٌ لَا يَحْجُبُهُ.
وَإِنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَمْ يَرِثْ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِ الْعُلُوقِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَّا أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى وُجُودِهِ يَوْمَئِذٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَ الْأَبُ عَنِ الْوَطْءِ حَتَّى يَظْهَرَ الْحَالُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَنْفَصِلَ حَيًّا، فَإِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، فَكَأَنْ لَا حَمْلَ، سَوَاءٌ كَانَ يَتَحَرَّكُ فِي الْبَطْنِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ انْفَصَلَ مَيِّتًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِجِنَايَةٍ وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ تُوجِبُ الْغُرَّةَ، وَتَصْرِفُ الْغُرَّةَ إِلَى وَرَثَةِ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ الْغُرَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ تَقْدِيرُ الْحَيَاةِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: الْغُرَّةُ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ الْجَانِي الْحَيَاةَ مَعَ تَهَيُّؤِ الْجَنِينِ لَهَا، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْغُرَّةِ بِتَقْدِيرِ الْحَيَاةِ، فَالْحَيَاةُ مُقَدَّرَةٌ فِي حَقِّ الْجَانِي فَقَطْ تَغْلِيظًا، فَتُقَدَّرُ فِي تَوْرِيثِ الْغُرَّةِ فَقَطْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ الْحَيَاةُ عِنْدَ تَمَامِ الِانْفِصَالِ.
فَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا، وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الِانْفِصَالِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ خَرَجَ مَيِّتًا فِي الْإِرْثِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
حَتَّى لَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ، وَانْفَصَلَ مَيِّتًا، فَالْوَاجِبُ الْغُرَّةُ دُونَ الدِّيَةِ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ: [أَنَّهُ] إِذَا خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا، وَرِثَ وَإِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَلَوْ مَاتَ عَقِبَ انْفِصَالِهِ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَرِثَ، وَنَصِيبُهُ لِوَرَثَتِهِ.
وَتُعْلَمُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ: بِصُرَاخِهِ، وَكَذَا بِالْبُكَاءِ، أَوِ الْعُطَاسِ، أَوِ التَّثَاؤُبِ، أَوِ امْتِصَاصِ الثَّدْيِ، لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْحَيَاةِ.
وَحَكَى الْإِمَامُ اخْتِلَافَ قَوْلٍ فِي الْحَرَكَةِ وَالِاخْتِلَاجِ، ثُمَّ قَالَ:

وَلَيْسَ مَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ مَا إِذَا قَبَضَ الْيَدَ وَبَسَطَهَا - فَإِنَّ هَذِهِ الْحَرَكَةَ تَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ قَطْعًا - وَلَا الِاخْتِلَاجَ الَّذِي يَقَعُ مِثْلُهُ لِانْضِغَاطِ وَتَقَلُّصِ عَصَبٍ فِيمَا أَظُنُّ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَرَكَتَيْنِ.
وَالظَّاهِرُ: كَيْفَمَا قُدِّرَ الْخِلَافُ: أَنَّ مَا لَا تُعْلَمُ بِهِ الْحَيَاةُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لِانْتِشَارٍ بِسَبَبِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَضِيقِ أَوْ لِاسْتِوَاءٍ عَنِ الْتِوَاءٍ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَمَا لَا عِبْرَةَ بِحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ.
فَرْعٌ لَوْ ذُبِحَ رَجُلٌ، فَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ، لَمْ يَرِثْهُ الْمَذْبُوحُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ يَرِثُ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ قَرِيبًا مِنْهُ عَنِ الْمُزَنِيُّ.
قُلْتُ: هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: مَنْ صَارَ فِي حَالِ النَّزْعِ، فَلَهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِالْمَذْبُوحِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَمَتَى ظَهَرَتْ مَخَايِلُ الْحَمْلِ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ كَمَا سَنُفَصِّلُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ مَخَايِلُهُ، وَادَّعَتِ الْمَرْأَةُ الْحَمْلَ، وَوَصَفَتْ عَلَامَاتٍ خَفِيَّةً، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ.
وَالظَّاهِرُ: الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِهَا.
وَطَرْدُ التَّرَدُّدِ فِيمَا إِذَا لَمْ تَدَّعِهِ لَكِنَّهَا قَرِيبَةُ عَهْدٍ بِالْوَطْءِ، وَاحْتِمَالُ الْحَمْلِ قَرِيبٌ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَى الْحَمْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَقَفْنَا الْمَالَ إِلَى أَنْ يَنْفَصِلَ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ، فَفِي وَجْهٍ حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو خَلَفٍ قَوْلًا عَنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ: أَنَّهُ يُوقَفُ جَمِيعُ الْمَالِ.
وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا يُوقَفُ الْجَمِيعُ، بَلْ يُنْظَرُ فِي الْوَرَثَةِ الظَّاهِرِينَ، فَمَنِ احْتَمَلَ حَجْبُهُ بِالْحَمْلِ، لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ لَا يَحْجُبُهُ الْحَمْلُ بِحَالٍ وَلَهُ مُقَدَّرٌ لَا يُنْقَصُ دَفَعَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ أَمْكَنَ الْعَوْلُ، دُفِعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْقَدْرُ عَائِلًا.

مِثَالُهُ: زَوْجَةٌ حَامِلٌ، وَأَبَوَانِ، يُدْفَعُ إِلَيْهَا ثُمُنٌ عَائِلٌ، وَإِلَيْهِمَا سُدُسَانِ عَائِلَانِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحَمْلَ بِنْتَانِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ كَالْأَوْلَادِ، فَالصَّرْفُ إِلَيْهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَقْصَى عَدَدِ الْحَمْلِ هَلْ لَهُ ضَبْطٌ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا ضَبْطَ [لَهُ] ، وَبِهِ قَالَ شَيْخَا الْمَذْهَبِ: أَبُو حَامِدٍ، وَالْقَفَّالُ، وَالْعِرَاقِيُّونَ، وَالصَّيْدَلَانِيُّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ خَمْسَةٌ فِي بَطْنٍ [وَاثْنَا عَشَرَ فِي بَطْنٍ] . وَالثَّانِي: أَنَّ أَقْصَى الْحَمْلِ أَرْبَعَةٌ، وَبِهَذَا قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ وَالْغَزَالِيُّ، وَجَعَلَهُ الْفَرْضِيُّونَ قِيَاسَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَرَادُوا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، يَتْبَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوُجُودَ، وَأَكْثَرُ الَّذِي وُجِدَ أَرْبَعَةٌ، لَكِنَّ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ مُشْكِلٌ بِمَا نَقَلَهُ الْأَوَّلُونَ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ خَلَّفَ ابْنًا وَأُمَّ وَلَدٍ حَامِلًا، لَمْ يُصْرَفْ إِلَى الِابْنِ شَيْءٌ.
وَلَوْ خَلَّفَ ابْنًا وَزَوْجَةً حَامِلًا، فَلَهَا الثُّمُنُ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَى الِابْنِ شَيْءٌ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَهُ الْخُمُسُ أَوْ خُمُسُ الْبَاقِي عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةُ ذُكُورٍ.
وَعَلَى هَذَا، هَلْ يُمَكَّنُ الَّذِينَ صُرِفَ إِلَيْهِمْ حِصَّتُهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَإِلَّا لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِمْ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، قَالَ الْقَفَّالُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلِكُ الْمَوْقُوفُ لِلْحَمْلِ، فَيُحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِرْدَادِ، وَالْحَاكِمُ وَإِنْ كَانَ يَلِي أَمْرَ الْأَطْفَالِ، فَلَا يَلِي أَمْرَ الْأَجِنَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ مَا جَرَى عَلَى الْقِسْمَةِ.
ثُمَّ الْمَوْقُوفُ لِلْحَمْلِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، قَدْ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ الذُّكُورَةِ أَكْثَرَ، وَقَدْ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ الْأُنُوثَةِ أَكْثَرَ، بِأَنْ خَلَّفَتْ زَوْجًا وَأُمًّا حَامِلًا مِنْ أَبِيهَا، فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ ذَكَرًا، فَلَهُ سُدُسُ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا، فَثُلُثُ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ أُنْثَيَيْنِ، عَالَتِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ، فَيُدْفَعُ إِلَى الزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَإِلَى الْأُمِّ سَهْمٌ، وَيُوقَفُ أَرْبَعَةٌ.

فَرْعٌ مَاتَ كَافِرٌ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ، وَقَفْنَا الْمِيرَاثَ لِلْحَمْلِ، فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ، وَرِثَ الْوَلَدُ وَإِنْ كَانَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ.
فَرْعٌ مَاتَ عَنِ ابْنٍ وَزَوْجَةٍ حَامِلٍ، فَوَلَدَتْ ابْنًا وَبِنْتًا، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا وَوُجِدَا مَيِّتَيْنِ، وَلَمْ يُعْلَمِ الْمُسْتَهِلُّ، أُعْطِيَ كُلُّ وَارِثٍ أَقَلَّ مَا يُصِيبُهُ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَصْطَلِحُوا أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ.
السَّبَبُ الرَّابِعُ: [الْخُنُوثَةُ] سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، بَيَانُ مَا تُعْرَفُ بِهِ ذُكُورَتُهُ وَأُنُوثَتُهُ.
فَلَوْ مَاتَ لَهُ مُوَرِّثٌ فِي مُدَّةِ إِشْكَالِهِ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ مِيرَاثُهُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، كَوَلَدِ الْأُمِّ وَالْمُعْتِقِ وُرِّثَ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ، أُخِذَ فِي حَقِّ الْخُنْثَى وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ بِالْيَقِينِ، وَيُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ يَرِثُ عَلَى أَحَدِ تَقْدِيرَيِ الْأُنُوثَةِ وَالذُّكُورَةِ، دُونَ الْآخَرِ، لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَوُقِفَ مَا يَرِثُهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.
وَكَذَا مَنْ يَرِثُ مَعَهُ عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى يَرِثُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، لَكِنْ يَرِثُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَقَلَّ، دُفِعَ إِلَيْهِ الْأَقَلُّ، وَوُقِفَ الْبَاقِي، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَرِثُ مَعَهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ مَا يَأْخُذُهُ.
وَإِنْ كَانَ مَنْ مَعَهُ يَرِثُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَلَا يَخْتَلِفُ حَقُّهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ حَقُّهُ.
وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي حَقِّ الْخُنْثَى بِالْيَقِينِ، وَيُصْرَفُ الْبَاقِي إِلَى بَاقِي الْوَرَثَةِ، حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَنَسَبَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ إِلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ.
وَحَكَى وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ بَاقِي الْوَرَثَةِ ضَمِينٌ؟

فَرْعٌ الْمَالُ الْمَوْقُوفُ بِسَبَبِ الْخُنْثَى لَا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ فِيهِ مَا دَامَ الْخُنْثَى بَاقِيًا عَلَى إِشْكَالِهِ.
فَإِنْ مَاتَ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاصْطِلَاحِ عَلَيْهِ.
وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ.
فَرْعٌ لَوِ اصْطَلَحَ الَّذِينَ وُقِفَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى تَسَاوٍ أَوْ تَفَاوُتٍ جَازَ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا تَوَاهُبٌ، وَإِلَّا لَبَقِيَ الْمَالُ عَلَى صُورَةِ التَّوَقُّفِ، وَهَذَا التَّوَاهُبُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ جَهَالَةٍ، لَكِنَّهَا تُحْتَمَلُ لِلضَّرُورَةِ.
وَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ نَفْسَهُ مِنَ الْبَيْنِ، وَوَهَبَهُ لَهُمْ عَلَى جَهْلٍ بِالْحَالِ، جَازَ أَيْضًا.
فَرْعٌ لَوْ قَالَ الْخُنْثَى فِي أَثْنَاءِ الْأَمْرِ: أَنَا رَجُلٌ، أَوْ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ، قَطَعَ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ يُقْضَى بِقَوْلِهِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى التُّهْمَةِ، فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ هَذَا عَنْ نَصِّهِ هُنَا، قَالَ: وَنَصَّ فِيمَا إِذَا جُنِيَ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْخُنْثَى فِي ذُكُورَةِ الْخُنْثَى: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَانِي.
وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ وَخَرَجَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّا عَرَفْنَا هُنَاكَ أَصْلًا ثَابِتًا، وَهُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْجَانِي، فَلَا نَرْفَعُهُ بِقَوْلِهِ، وَهُنَا بِخِلَافِهِ.
وَإِذَا قَبِلْنَا قَوْلَهُ، حَلَّفْنَاهُ عَلَيْهِ.

فَرْعٌ فِي أَمْثِلَةٍ مُخْتَصَرَةٍ تُوَضِّحُ مَسَائِلَ الْخُنْثَى بِنْتَانِ وَوَلَدُ ابْنٍ خُنْثَى وَأَخٌ، لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي.
وَلَدٌ خُنْثَى، وَأَخٌ أَوْ عَمٌّ، لِلْخُنْثَى النِّصْفُ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي.
وَلَدٌ خُنْثَى وَابْنٌ، يُعْطَى الِابْنُ النِّصْفَ، وَالْخُنْثَى الثُّلُثَ.
وَلَدٌ خُنْثَى، وَابْنَانِ، يُعْطَى الْخُنْثَى الْخُمُسُ، وَالِابْنَانِ الثُّلُثَيْنِ.
وَلَدٌ خُنْثَى، وَبِنْتٌ، وَعَمٌّ، يُعْطَى الْخُنْثَى الثُّلُثَ، وَكَذَا الْبِنْتُ.
زَوْجٌ، وَأَبٌ، وَوَلَدٌ خُنْثَى، لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ، وَلِلْأَبِ السُّدُسُ، وَلِلْخُنْثَى النِّصْفُ.
زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَوَلَدُ أَبٍ خُنْثَى، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ عَائِلًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ عَائِلًا، وَلِلْخُنْثَى سُدُسٌ تَامٌّ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ وَلِدَانِ خُنْثَيَانِ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَيُوقَفُ الْبَاقِي.
ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ خَنَاثَى، وَعَمٌّ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَنَاثَى خُمُسُ الْمَالِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى وَصَاحِبَاهُ ذَكَرَانِ.
ابْنٌ وَخُنْثَيَانِ، يُدْفَعُ إِلَيْهِ الثُّلُثُ، وَإِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخُمُسُ.
وَلَدٌ خُنْثَى، وَوَلَدُ ابْنٍ خُنْثَى، وَعَمٌّ، فَلِلْوَلَدِ النِّصْفُ.
بِنْتٌ، وَبِنْتُ ابْنٍ، وَوَلَدُ ابْنٍ خُنْثَى، وَعَمٌّ، لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِوَلَدَيْ الِابْنِ السُّدُسُ بِالسَّوِيَّةِ.
ثَلَاثَةُ أَوْلَادِ ابْنٍ خَنَاثَى بَعْضُهُمْ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ، لِلْأَوَّلِ النِّصْفُ.
وَالْبَاقِي فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ يُوقَفُ حَتَّى يَبِينَ الْحَالُ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل