كِتَابُ الطَّلَاقِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً وَنِصْفًا، لَمْ يَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ.
فَرْعٌ
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بَلْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَقَعَ ثَلَاثٌ، وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: ثِنْتَيْنِ بَلْ وَاحِدَةً، طُلِّقَتِ الْمَدْخُولُ بِهَا ثَلَاثًا، وَغَيْرُهَا طَلْقَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثَلَاثًا إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: يَقَعُ وَاحِدَةٌ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَيَتَعَلَّقُ طَلْقَتَانِ بِدُخُولِ الدَّارِ.
وَالثَّانِي: يَتَعَلَّقُ الثَّلَاثُ بِالدُّخُولِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ تَخْصِيصَ الشَّرْطِ بِقَوْلِي: بَلْ ثَلَاثًا.
فَإِنْ قَالَهُ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَبَيَّنَ بِالْوَاحِدَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ نَكَحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَدَخَلَتْ، فَقِيلَ فِيهِ قَوْلَا عَوْدِ الْحِنْثِ، وَالْمَذْهَبُ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ قَطْعًا، لِأَنَّهَا إِذَا بَانَتْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِالدُّخُولِ وَاقِعًا فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ، فَيَلْغُو.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَتَعَلَّقُ الثَّلَاثُ بِالدُّخُولِ، فَإِذَا دَخَلَتْ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ، فِيمَا إِذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، فَعَلَى وَجْهٍ: لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَعَلَى الْأَصَحِّ: يَقَعُ الثَّلَاثُ.
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، بَلْ ثَلَاثًا إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ: يَقَعُ طَلْقَتَانِ فِي الْحَالِ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الثَّالِثَةِ.
وَعَلَى الثَّانِي تَتَعَلَّقُ الثَّلَاثُ بِالدُّخُولِ، فَإِذَا دَخَلَتْ، فَفِي وَجْهٍ يَقَعُ طَلْقَةٌ، وَعَلَى الْأَصَحِّ ثَلَاثٌ.
فَرْعٌ
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً، قَبْلَهَا كُلُّ تَطْلِيقَةٍ، أَوْ بَعْدَهَا كُلُّ تَطْلِيقَةٍ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَقَعَ الثَّلَاثُ مَعَ تَرْتِيبٍ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَبَاقِي الثَّلَاثِ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَقَعُ وَاحِدَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ.
فَرْعٌ
عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ
لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَأَلْفٍ، فَإِنْ نَوَى عَدَدًا، وَقَعَ، وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى تَتِمَّ ثَلَاثٌ، فَهَلْ تَقَعُ ثَلَاثٌ، أَمْ تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَوَاحِدَةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى أُكْمِلَ ثَلَاثًا، أَوْ أُوقِعَ عَلَيْكِ ثَلَاثًا، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْوَانًا مِنَ الطَّلَاقِ، تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَوَاحِدَةٌ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: يَا مُطَلَّقَةُ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَكَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرَدْتُ تِلْكَ الطَّلْقَةَ، فَهَلْ يُقْبَلُ أَمْ يَقَعُ أُخْرَى؟ وَجْهَانِ.
ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: أَنَّهُ لَوْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي، أَوْ طَلِّقْنِي طَلِّقْنِي طَلِّقْنِي، أَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا، فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ، أَوْ قَدْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنْ نَوَى عَدَدًا، وَقَعَ، وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ، وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ثُمَّ قَالَ: جَعَلْتُهَا ثَلَاثًا، فَهُوَ لَغْوٌ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي الْحِسَابِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ.
الْأَوَّلُ: فِي حِسَابِ الضَّرْبِ، فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي وَاحِدَةٍ، أَوْ طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ، سُئِلَ عَنْ مُرَادِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ طَلْقَةً مَعَ طَلْقَةٍ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِهِ الظَّرْفَ أَوِ الْحِسَابَ، أَوْ لَمْ أُرِدْ شَيْئًا، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ، أَوْ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ، وَأَرَادَ مَعَ اثْنَتَيْنِ، وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَإِنْ أَرَادَ الْحِسَابَ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَالَ: أَرَدْتُ مَا يَزِيدُهُ الْحِسَابُ، فَطَلْقَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: طَلْقَتَانِ.
وَأَجْرَى الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ: طَلَّقْتُكِ مِثْلَ مَا طَلَّقَ زَيْدٌ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ طَلَّقَ زَيْدٌ.
وَكَذَا لَوْ نَوَى عَدَدَ طَلَاقِ زَيْدٍ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ الْحِسَابَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَطَلْقَةٌ، وَكَذَا إِنْ عَرَفَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَفِي قَوْلٍ: طَلْقَتَانِ.
وَفِي قَوْلٍ غَرِيبٍ ضَعِيفٍ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ: يَقَعُ ثَلَاثُ طَلَقَاتٍ لِتَلَفُّظِهِ بِهِنَّ، وَيَجِيءُ هَذَا الْقَوْلُ فِيمَنْ لَا يَعْرِفُ الْحِسَابَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ قَصَدَ الْحِسَابَ، وَقَعَ الثَّلَاثُ إِنْ عَرَفَهُ، وَإِلَّا فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، فَعَلَى التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ الْمَذْكُورَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فِي ثِنْتَيْنِ، فَإِنْ قَصَدَ الْحِسَابَ وَهُوَ يَعْرِفُهُ، وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، فَهَلْ يَقَعُ ثِنْتَانِ، أَمْ ثَلَاثٌ؟ فِيهِ الْخِلَافُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي نِصْفِ طَلْقَةٍ، وَقَعَتْ طَلْقَةٌ، سَوَاءٌ أَرَادَ الْحِسَابَ أَمِ الظَّرْفَ أَمِ الْمَعِيَّةَ، أَمْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا.
وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً فِي نِصْفٍ، فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَعِيَّةَ، فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ، وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً وَرُبُعًا، أَوْ نِصْفًا فِي وَاحِدَةٍ وَرُبُعٍ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَعِيَّةَ، فَتَقَعُ ثَلَاثٌ.
فَرْعٌ
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ، فَهَلْ يَقَعُ الثَّلَاثُ، أَمْ ثِنْتَانِ، أَمْ وَاحِدَةٌ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: الْأَوَّلُ، وَلَوْ قَالَ: مَا بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ، وَقَعَتْ طَلْقَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَجِيءُ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي نَظِيرِهِ مِنَ الْإِقْرَارِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: فِي تَجْزِئَةِ الطَّلَاقِ.
اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ، بَلْ ذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ لِقُوَّتِهِ، سَوَاءٌ أَبْهَمَ بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضَ طَلْقَةٍ، أَوْ جُزْءًا، أَوْ سَهْمًا مِنْ طَلْقَةٍ، أَوْ بَيَّنَ فَقَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ أَوْ رُبُعَ طَلْقَةٍ، قَالَ الْإِمَامُ: وُقُوعُ الطَّلَاقِ هُنَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنِ الْكُلِّ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هُنَا
السِّرَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: بَعْضُكِ طَالِقٌ، لَكِنْ لَا يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مُحَقَّقٌ.
وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُلْغَى قَوْلُهُ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، وَيُعْمَلُ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ.
فَرْعٌ
إِذَا زَادَ فِي الْأَجْزَاءِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةَ أَثْلَاثِ طَلْقَةٍ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: طَلْقَةٌ.
وَقِيلَ: ثَلَاثُ طَلَقَاتٍ، حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، قَوْلُهُ: خَمْسَةُ أَرْبَاعِ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفٌ وَثُلُثَيْ طَلْقَةٍ.
قُلْتُ: هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا زَادَتِ الْأَجْزَاءُ عَلَى طَلْقَةٍ، وَلَمْ يُجَاوِزْ طَلْقَتَيْنِ، فَإِنْ جَاوَزَتْ كَقَوْلِهِ: خَمْسَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَثْلَاثِ طَلْقَةٍ وَأَشْبَاهِهِ، كَانَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَقَعُ طَلْقَةٌ أَمْ ثَلَاثٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ دِرْهَمٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
فَرْعٌ
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ، لَمْ يَقَعْ إِلَّا طَلْقَةٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ نِصْفًا مِنْ طَلْقَةٍ، وَنِصْفًا مِنْ أُخْرَى وَكَذَا لَوْ قَالَ: رُبُعَيْ طَلْقَةٍ، أَوْ ثُلُثَيْ طَلْقَةٍ، وَأَشَارَ فِي «الْوَسِيطِ» إِلَى الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ طَلْقَةٌ، وَالْكُتُبُ سَاكِتَةٌ عَنِ الْخِلَافِ، لَكِنَّهُ جَارٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْحَنَّاطِيُّ.
قُلْتُ: قَدْ حَكَى الْوَجْهَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْوَسِيطِ» عَنْ «شَرْحِ الْمِفْتَاحِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ، أَوْ ثُلُثَ طَلْقَتَيْنِ، وَقَعَ طَلْقَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: طَلْقَتَانِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَرَدْتُ طَلْقَةً، دُيِّنَ، وَفِي قَبُولِهِ ظَاهِرًا وَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ نِصْفُ دِرْهَمَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَا يَلْزَمُ إِلَّا دِرْهَمٌ بِإِجْمَاعِ الْأَصْحَابِ لِعَدَمِ التَّكْمِيلِ.
وَلَوْ قَالَ: ثُلُثُ دِرْهَمَيْنِ، فَعَلَيْهِ ثُلُثَا دِرْهَمٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلَوْ قَالَ: نِصْفَيْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثُلُثَيْ طَلْقَتَيْنِ.
وَقَعَ طَلْقَتَانِ.
وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ، فَهَلْ يَقَعُ طَلْقَتَانِ أَمْ ثَلَاثٌ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ دِرْهَمَيْنِ، فَفِيمَا يَلْزَمُهُ الْوَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ الطَّلَاقِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَقَعُ ثَلَاثُ طَلَقَاتٍ، وَيَنْصَرِفُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ إِلَى الْجِنْسِ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يَقَعُ ثَلَاثٌ، وَالثَّانِي: طَلْقَةٌ.
فَرْعٌ
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ ثُلُثَ وَرُبُعَ وَسُدُسَ طَلْقَةٍ، لَا يَقَعُ إِلَّا طَلْقَةٌ، وَلَوْ كَرَّرَ لَفْظَةَ الطَّلْقَةِ فَقَالَ: ثُلُثَ طَلْقَةٍ، وَرُبُعَ طَلْقَةِ، وَسُدُسَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْغَزَالِيُّ، وَإِنَّمَا نَقَلَ الْإِمَامُ هَذَا الْوَجْهَ، فِيمَا إِذَا نَوَى صَرْفَ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ إِلَى طَلْقَةٍ وَفَسَّرَ كَلَامَهُ بِهِ.
وَلَوْ لَمْ يُدْخِلِ الْوَاوَ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُلُثَ طَلْقَةٍ، رُبُعَ طَلْقَةٍ، سُدُسَ طَلْقَةٍ، لَمْ يَقَعْ إِلَّا طَلْقَةٌ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْخِلِ الْوَاوَ، كَانَ الْجَمِيعُ بِمَنْزِلَةِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ، لَمْ تَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ.
لَوْ زَادَتِ الْأَجْزَاءُ وَلَمْ يُدْخِلِ الْوَاوَ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، ثُلُثَ طَلْقَةٍ، رُبُعَ طَلْقَةٍ، فَفِي «أَمَالِي أَبِي الْفَرَجِ» : أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ.
وَلَوْ لَمْ تَتَغَايَرِ الْأَجْزَاءُ وَتَكَرَّرَتِ الْوَاوُ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، وَنِصْفَ طَلْقَةٍ، وَنِصْفَ طَلْقَةٍ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَيُرْجَعُ فِي اللَّفْظِ الثَّالِثِ إِلَيْهِ، أَقَصَدَ التَّأْكِيدَ أَمْ الِاسْتِئْنَافَ كَمَا لَوْ قَالَ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ ثُلُثَ طَلْقَةٍ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ الطَّلَاقُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ ثُلُثٍ سُدُسٍ، وَلَمْ يَقُلْ: طَلْقَةٍ، وَقَعَ طَلْقَةٌ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
فَرْعٌ
فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ، لَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْشَاءِ، فَيَخْتَارُ مَا شَاءَ مِنْ وَاحِدَةٍ، أَوِ اثْنَتَيْنِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ هَذَا أَوْ هَذَيْنِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي التَّشْرِيكِ، فَإِذَا قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ طَلْقَةً، وَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ
[فَقَطْ] وَلَوْ قَالَ: طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، وَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ فَقَطْ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ تَوْزِيعَ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ، فَيَقَعُ فِي طَلْقَتَيْنِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ، وَفِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ، ثَلَاثٌ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْأُمِّ» ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: يُحْمَلُ عَلَى التَّوْزِيعِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ خَمْسَ طَلَقَاتٍ، طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّوْزِيعَ، وَكَذَلِكَ فِي السِّتِّ، وَالسُّبُعِ، وَالثَّمَانِ.
وَإِنْ أَوْقَعَ تِسْعًا، طُلِّقَتْ
كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً، طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بَعْضَهُنَّ دُونَ بَعْضٍ، دُيِّنَ وَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْوَجْهَانِ مَخْصُوصَانِ بِقَوْلِهِ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ.
أَمَّا قَوْلُهُ: عَلَيْكُنَّ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ هَذَا قَطْعًا، بَلْ يَعُمُّهُنَّ الطَّلَاقُ.
وَاعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا فِي قَوْلِهِ: نِسَائِي طَوَالِقُ عَنِ ابْنِ الْوَكِيلِ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ تَخْصِيصُهُ بَعْضَهُنَّ، وَذَلِكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ هُنَا لَا مَحَالَةَ، فَكَانَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ تَفْرِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ هُنَاكَ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ فِي قَوْلِهِ: بَيْنَكُنَّ، فَذَلِكَ إِذَا أَخْرَجَ بَعْضَهُنَّ عَنِ الطَّلَاقِ، وَعَطَّلَ بَعْضَ الطَّلَاقِ، فَأَمَّا إِذَا فَضَّلَ بَعْضَهُنَّ كَقَوْلِهِ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ طَلْقَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ، وَتَوْزِيعَ الثَّالِثَةِ عَلَى الْبَاقِيَاتِ، فَيُقْبَلُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ.
وَالثَّانِي حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ: يُشْتَرَطُ اسْتِوَاؤُهُنَّ، وَحُكِيَ وَجْهٌ، أَنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ وَإِنْ تَعَطَّلَ بَعْضُ الطَّلَاقِ حَتَّى لَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ أَرْبَعَ طَلَقَاتٍ، ثُمَّ خَصَّصَهَا بِامْرَأَةٍ قُبِلَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ، فَذَلِكَ فِي نَفْيِ الطَّلَاقِ عَمَّنْ نَفَاهُ عَنْهَا أَمَّا إِثْبَاتُهُ عَلَى مَنْ أَثْبَتَهُ عَلَيْهَا، فَيَثْبُتُ قَطْعًا مُؤَاخَذَةً لَهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسَ طَلَقَاتٍ، لِبَعْضِكُنَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِبَعْضٍ، فَيُصَدَّقُ فِي التَّفْصِيلِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي تَصْدِيقِهِ فِي إِخْرَاجِ بِعْضِهِنَّ الْخِلَافُ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ ثُلُثَهَا، وَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثُلُثَ طَلْقَةٍ، وَخُمُسَ طَلْقَةٍ، وَسُدُسَ طَلْقَةٍ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيمَا إِذَا خَاطَبَ بِهِ وَاحِدَةً.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَقَعُ بِهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَكَذَا هُنَا، فَتُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: وَهُوَ وُقُوعُ الثَّلَاثِ، طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا، لِأَنَّ تَغَايُرَ الْأَجْزَاءِ وَعَطْفَهَا، يُشْعِرُ بِقِسْمَةِ كُلِّ جُزْءٍ بَيْنَهُنَّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْعَلَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ، فَتُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً.
وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ كَقَوْلِهِ: ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ، تُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: تُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا لِإِشْعَارِهِ بِقِسْمَةِ كُلِّ طَلْقَةٍ.
فَرْعٌ
طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا، أَوْ جَعَلْتُكِ شَرِيكَتَهَا، أَوْ أَنْتِ كَهِيَ، أَوْ مِثْلَهَا، وَنَوَى طَلَاقَهَا، طُلِّقَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا لَوْ طَلَّقَ رِجْلٌ امْرَأَتَهُ فَقَالَ آخَرُ لِامْرَأَتِهِ: أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا، أَوْ أَنْتِ كَهِيَ، وَنَوَى، طُلِّقَتْ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعٌ، فَقَالَ لِثَلَاثٍ مِنْهُنَّ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً، فَطُلِّقْنَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ لِلرَّابِعَةِ: أَشْرَكْتُكِ مَعَهُنَّ وَنَوَى الطَّلَاقَ، نُظِرَ إِنْ أَرَادَ طَلْقَةً وَاحِدَةً لِتَكُونَ كَوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، طُلِّقَتْ طَلْقَةً، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا تُشَارِكُ كُلَّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَهَا، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ أَطْلَقَ نِيَّةَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَلَا عَدَدًا، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، وَقَالَ الْقَفَّالُ: طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ التَّشْرِيكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا نِصْفُ مَا عَلَيْهِنَّ وَهُوَ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ، فَتُكَمَّلُ.
وَلَوْ قِيلَ عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا مِثْلَهُنَّ، لَمْ يَكُنْ بِأَبْعَدَ مِنْهُ، وَلَوْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَيَيْنِ: أَشْرَكْتُكُمَا مَعَهُمَا وَنَوَى الطَّلَاقَ، فَإِنْ نَوَى كَوْنَ كُلِّ مِنْهُمَا كَوَاحِدَةٍ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً، وَإِنْ نَوَى كَوْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَالْأُولَيَيْنِ مَعًا فِي الطَّلَاقِ أَوْ أَنْ تُشَارِكَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأُولَيَيْنِ فِي طَلْقَتَيْهِمَا، طُلِّقَتَا طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً عَلَى قَوْلَيِ الْقَفَّالِ وَأَبِي عَلِيٍّ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْقَفَّالَ يُشْرِكُهُمَا فَيَجْعَلُ لَهُمَا نِصْفَ مَا لِلْأُولَيَيْنِ، وَهُوَ طَلْقَةٌ فَتُقَسَّمُ وَتُكَمَّلُ.
فَرْعٌ
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا، فَقَالَتْ: تَكْفِينِي ثَلَاثٌ، فَقَالَ: الْبَاقِي لِضَرَّتِكِ، لَا يَقَعُ عَلَى الضَّرَّةِ شَيْءٌ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ لَغْوٌ.
وَلَوْ قَالَتْ: تَكْفِينِي وَاحِدَةٌ فَقَالَ: الْبَاقِي لِضَرَّتِكِ، وَقَعَ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ، وَعَلَى الضَّرَّةِ طَلْقَتَانِ إِذَا نَوَى، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِلثَّانِيَةِ: أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا، قَالَ الشَّاشِيُّ: يَقَعُ عَلَى الثَّانِيَةِ طَلْقَةٌ، وَتَرَدَّدَ الْبُوشَنْجِيُّ فِي طَلْقَةٍ أَمْ ثَلَاثٍ.
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ
الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ مَعْهُودٌ، وَفِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَوْجُودٌ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، طُلِّقَتْ طَلْقَةً.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاللَّفْظِ، فَإِنِ انْفَصَلَ، فَهُوَ لَغْوٌ، وَسَكْتَةُ التَّنَفُّسِ وَالْعِيِّ لَا تَمْنَعُ الِاتِّصَالَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالِاتِّصَالُ الْمَشْرُوطُ هُنَا أَبْلَغُ مِمَّا يُشْتَرَطُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ بَيْنَ كَلَامِ الشَّخْصَيْنِ مَا لَا يَحْتَمِلُ بَيْنَ كَلَامِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْقَطِعُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِتَخَلُّلِ كَلَامٍ يَسِيرٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَنْقَطِعُ الِاسْتِثْنَاءُ بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُ الِاسْتِثْنَاءِ بِأَوَّلِ اللَّفْظِ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، بَلْ لَوْ بَدَا لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ تَمَامِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَاسْتَثْنَى، حُكِمَ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا الْوَجْهَ عَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَصَحُّهُمَا وَادَّعَى أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ بِشَرْطِ وُجُودِ النِّيَّةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يُقَارِنْ أَوَّلَهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اتِّصَالِ اللَّفْظِ وَاقْتِرَانِ الْقَصْدِ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ، يَجْرِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِ «إِلَّا» وَأَخَوَاتِهَا، وَفِي التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ لَا يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُسْتَغْرِقًا، فَإِنِ اسْتَغْرَقَ، فَهُوَ بَاطِلٌ وَيَقَعُ الْجَمِيعُ.
فَصْلٌ
الِاسْتِثْنَاءُ ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: اسْتِثْنَاءٌ بِ «إِلَّا» وَأَخَوَاتِهَا، وَالثَّانِي: تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ، وَغَيْرِهِمَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَبْعُدُ عَنِ اللُّغَةِ تَسْمِيَةُ كُلِّ تَعْلِيقٍ اسْتِثْنَاءً، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: أَنْتِ طَالِقٌ، يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ قَيْدٍ، فَإِذَا عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ، فَقَدْ ثَنَّاهُ عَنْ مُقْتَضَى إِطْلَاقِهِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَةً، يُثَنِّي اللَّفْظَ عَنْ مُقْتَضَاهُ، إِلَّا أَنَّهُ اشْتُهِرَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ تَسْمِيَةُ التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً اسْتِثْنَاءً.
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: فِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا، فَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ لِاسْتِغْرَاقِهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا عَطَفَ بَعْضَ الْعَدَدِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمُسْتَثْنَى أَوِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ فِيهِمَا، فَهَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يُجْمَعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً، أَوْ إِلَّا اثْنَتَيْنِ وَإِلَّا وَاحِدَةً، فَعَلَى الْجَمْعِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُسْتَغْرِقًا فَيَقَعُ الثَّلَاثُ، وَعَلَى الْفَصْلِ، يَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الِاسْتِغْرَاقُ، فَتَقَعُ طَلْقَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: إِلَّا وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ، فَعَلَى الْجَمْعِ يَقَعُ ثَلَاثٌ، وَعَلَى الْفَصْلِ يَخْتَصُّ الْبَطَلَانُ بِالثِّنْتَيْنِ، فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً، فَعَلَى الْجَمْعِ تَكُونُ الْوَاحِدَةُ
مُسْتَثْنَاةً، فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ، وَعَلَى الْفَصْلِ، لَا يُجْمَعُ فَتَكُونُ الْوَاحِدَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ وَاحِدَةٍ، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ.
وَقِيلَ: تَقَعُ الثَّلَاثُ هُنَا قَطْعًا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، فَعَلَى الْجَمْعِ، يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَعَلَى الْفَصْلِ، يَقَعُ اسْتِثْنَاءُ اثْنَتَيْنِ دُونَ الثَّالِثَةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً، وَطَلْقَةً، وَطَلْقَةً إِلَّا طَلْقَةً، فَعَلَى الْجَمْعِ يَقَعُ طَلْقَتَانِ.
كَأَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً، وَعَلَى الْفَصْلِ، يَقَعُ ثَلَاثٌ، لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً، وَوَاحِدَةً، وَوَاحِدَةً، إِلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً، بَلْ وَاحِدَةً، ثُمَّ وَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً، فَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ، وَلَا جَمْعَ لِتَغَايُرِ الْأَلْفَاظِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ؛ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَصِحَّانِ وَلَا يَقَعُ إِلَّا مَا بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءَيْنِ وَهُوَ طَلْقَةٌ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، ثَانِيهُمَا: يَقَعُ ثَلَاثٌ، وَيُجْعَلُ قَوْلُهُ: وَوَاحِدَةً عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ثَلَاثًا كَأَنَّهُ قَالَ: اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً.
قُلْتُ: هَذَا الْوَجْهُ خَطَأٌ ظَاهِرٌ، وَتَعْلِيلُهُ أَفْسَدُ مِنْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَمِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَعَنِ الْحَنَّاطِيِّ احْتِمَالٌ؛ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: إِلَّا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً، فَهَلْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ، أَمِ اثْنَتَانِ، أَمْ ثَلَاثٌ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ، وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ، لَكِنَّ
الْأَصَحَّ هُنَا: يَقَعُ طَلْقَتَانِ.
وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، إِلَّا اثْنَتَيْنِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ قَطْعًا، وَلَغَا الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي.
وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً، فَهَلْ يَقَعُ اثْنَتَانِ أَمْ ثَلَاثٌ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْحَنَّاطِيُّ، وَلَوْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً، فَقِيلَ: اثْنَتَانِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةً.
وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقِيلَ اثْنَتَانِ.
وَقِيلَ: وَاحِدَةً، قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا زَادَ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ، فَهَلْ يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى الْمَلْفُوظِ بِهِ، أَمْ إِلَى الْمَمْلُوكِ وَهُوَ الثَّلَاثُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: إِلَى الْمَلْفُوظِ بِهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَابْنُ الْقَاصِّ، وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرِيُّ: إِلَى الْمَمْلُوكِ.
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا، وَقَعَ طَلْقَتَانِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَثَلَاثٌ عَلَى الثَّانِي.
وَلَوْ قَالَ: خَمْسًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، وَقَعَ ثَلَاثٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَاحِدَةٌ عَلَى الثَّانِي.
وَلَوْ قَالَ: أَرْبَعًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، وَقَعَ اثْنَتَانِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَاحِدَةٌ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ قَالَ: أَرْبَعًا إِلَّا وَاحِدَةً، وَقَعَ ثَلَاثٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَاثْنَتَانِ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ قَالَ: أَرْبَعًا إِلَّا ثَلَاثًا، وَقَعَ عَلَى الْأَوَّلِ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي ثَلَاثٌ، وَلَوْ قَالَ: سِتًّا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا ثَلَاثًا، وَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: سِتًّا إِلَّا أَرْبَعًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَقَعُ طَلْقَتَانِ، وَعَلَى الثَّانِي: ثَلَاثٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَرْبَعًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَقَعُ ثَلَاثٌ، وَعَلَى الثَّانِي: هُوَ كَقَوْلِهِ: ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: خَمْسًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقَعُ ثَلَاثٌ، وَعَلَى الثَّانِي طَلْقَتَانِ كَقَوْلِهِ: ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إِلَّا أَرْبَعًا،
فَإِنْ جَمَعْنَا بَيْنَ الْجُمَلِ الْمَعْطُوفَةِ وَاعْتَبَرْنَا الْمَلْفُوظَ، فَكَقَوْلِهِ: سِتًّا إِلَّا أَرْبَعًا، وَإِلَّا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا.
فَرْعٌ
قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ إِلَّا بَائِنًا وَنَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ الثَّلَاثَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ وَنَوَى الثَّلَاثَ، هَلْ يَقَعُ الثَّلَاثُ اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ أَمْ وَاحِدَةٌ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ؟ فَإِنْ غَلَّبْنَا اللَّفْظَ، بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً.
وَإِنْ غَلَّبْنَا النِّيَّةَ، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَوَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ وَنَصَرَهُ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ وَنَوَى الثَّلَاثَ، وَقَعَ الثَّلَاثُ، فَكَيْفَ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ؟ ! . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلُهُ: أَنْتِ بَائِنٌ إِلَّا طَالِقًا وَنَوَى بِقَوْلِهِ: بَائِنٌ الثَّلَاثَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا طَالِقًا، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِهِ: ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَةً، وَكَذَا لَوْ قَالَ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِلَّا طَالِقًا وَنَوَى التَّكْرَارَ فِيهِ احْتِمَالٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: لَوْ قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَقَالَ: أَنْتِ إِلَّا وَاحِدَةً طَالِقٌ ثَلَاثًا، حَكَى صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَقَعُ الثَّلَاثُ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَصِحُّ فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ، وَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: طَلْقَتَانِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَةً وَنِصْفًا، فَعَلَى الصَّحِيحِ طَلْقَتَانِ، وَعَلَى الثَّانِي طَلْقَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: إِلَّا نِصْفًا وَقَعَ طَلْقَةٌ قَطْعًا، وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثَةً إِلَّا طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا، فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً، وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَهَلْ يَقَعُ ثَلَاثٌ أَمْ وَاحِدَةٌ، فِيهِ
احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَتَيْنِ إِلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً وَنِصْفًا إِلَّا وَاحِدَةً، نَقَلَ الْحَنَّاطِيُّ وُقُوعَ طَلْقَةٍ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ طَلْقَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا نِصْفًا، قَالَ الْبُوشَنْجِيُّ: يُرَاجَعُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ: إِلَّا نَصْفَهَا، وَقَعَ طَلْقَتَانِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ إِلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَيَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ الضَّعِيفُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ فَطَلْقَتَانِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ: فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، نُظِرَ إِنْ سَبَقَتِ الْكَلِمَةُ إِلَى لِسَانِهِ لِتَعَوُّدِهِ لَهَا كَمَا هُوَ الْأَدَبُ، أَوْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَقْصِدْ تَعْلِيقًا مُحَقَّقًا، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ.
وَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ حَقِيقَةً، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى قَوْلًا آخَرَ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَكَذَا يَمْنَعُ الِاسْتِثْنَاءُ انْعِقَادَ التَّعْلِيقِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إِذَا شَاءَ اللَّهُ، وَيَمْنَعُ أَيْضًا الْعِتْقَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَمْنَعُ انْعِقَادَ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ، وَصِحَّةَ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، وَالْبَيْعَ وَسَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ.
وَسَوَاءٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ مَتَى شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إِذَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَكَذَا قَوْلُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَفِي هَذِهِ الصِّيغَةِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا شَاءَ اللَّهُ
[أَوْ أَنْ شَاءَ اللَّهُ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: إِذَا شَاءَ زَيْدٌ، أَوْ أَنْ شَاءَ زَيْدٌ، وَنَقَلَ الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا، فِي أَنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَثَالِثُهَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ عَارِفِ النَّحْوِ وَغَيْرِهِ.
وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ هَذَا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ
مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: وَقَعَتْ طَلْقَةٌ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَالْوَجْهُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ الْجُمْلَتَيْنِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِمَا، أَمْ إِلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ؟ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عَوْدُهُ إِلَى الْأَخِيرَةِ، وَيُوَافِقُ هَذَا الْبِنَاءَ مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ طَالِقَتَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهَلْ يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى عَمْرَةَ فَقَطْ أَمْ إِلَيْهِمَا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، إِنْ جَمَعْنَا الْمُفَرَّقَ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثَلَاثًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثَلَاثًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَفِي مَعْنَاهُ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَصَدَ التَّأْكِيدَ.
فَرْعٌ
قَالَ: يَا طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: يَا طَالِقُ، أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَعَتْ طَلْقَةٌ بِقَوْلِهِ: يَا طَالِقُ فَقَطْ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهَلْ يَقَعُ طَلْقَةٌ بِقَوْلِهِ: يَا طَالِقُ، أَمْ ثَلَاثٌ أَمْ لَا يَقَعُ شَيْءٌ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَظْهَرَ.
وَحَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابِ الثَّالِثَ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، أَنَّ الْبَغَوِيَّ وَغَيْرَهُ: ذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، رَجَعَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى الطَّلَاقِ، وَوَجَبَ حَدُّ الْقَذْفِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَقَدْ قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ غَيْرُ الْمُتَوَلِّي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، أَوْ إِذَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، أَوْ مَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الصَّحِيحِ بِاتِّفَاقِ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : تُطَلَّقُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا تُطَلَّقُ، وَالثَّانِي: تُطَلَّقُ، وَبِالثَّانِي قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيُّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ، صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ، وَنَقَلَهُ عَنْ
[نَصِّ] الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
فَرْعٌ
إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ، أَوْ إِنْ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، أَوْ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا، نُظِرَ، إِنْ وُجِدَ مِنْهُ الْمَشِيئَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِمَّا عَلَّقَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ حَتَّى مَاتَ، وَقَعَ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ إِنْ لَمْ يَحْصُلْ قَبْلَ ذَلِكَ مَانِعٌ، فَإِنْ حَصَلَ مَانِعٌ تَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمَشِيئَةُ، كَجُنُونٍ وَنَحْوِهِ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ قُبَيْلَ حُدُوثِ الْمَانِعِ، وَإِنْ مَاتَ وَشَكَكْنَا فِي أَنَّهُ هَلْ وُجِدَ مِنْهُ الصِّفَةُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الصِّيغَةُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ زَيْدٌ، أَوْ إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ، وَالْوُقُوعُ فِي الثَّانِيَةِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْأُولَى.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، أَوْ إِلَّا أَنْ تَدْخُلَ الدَّارَ، فَالْيَوْمُ هُنَا كَالْعُمْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا بِالْوُقُوعِ فِيمَا إِذَا شَكَكْنَا فِي الْفِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ عَدَمَ الْوُقُوعِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ أَوْجَهُ وَأَقْوَى.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عَدَمُ الْوُقُوعِ، لِلشَّكِّ فِي الصِّفَةِ الْمُوجِبَةِ لِلطَّلَاقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
: قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، مَعْنَاهُ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ.
كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَعْنَاهُ: إِنْ شَاءَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، فَالطَّلَاقُ مُعَلَّقٌ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ الطَّلَاقِ، لَا بِمَشِيئَةِ عَدَمِ الطَّلَاقِ، وَعَدَمُ مَشِيئَةِ الطَّلَاقِ تَحْصُلُ بِأَنْ يَشَاءَ عَدَمَ الطَّلَاقِ، أَوْ بِأَنْ لَا يَشَاءَ شَيْئًا أَصْلًا، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَقَعُ، وَإِنَّمَا لَا يَقَعُ إِذَا شَاءَ زَيْدٌ أَنْ يَقَعَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ لَا تُطَلَّقِي، وَعَلَى هَذَا، إِنْ شَاءَ أَنْ تُطَلَّقَ، طُلِّقَتْ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ
إِذَا شَكَّ، هَلْ طَلَّقَ؟ لَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِهِ، وَكَذَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى صِفَةٍ وَشَكَّ فِي حُصُولِهَا، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَشَكَّ فِي كَوْنِهِ غُرَابًا، أَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَزَيْنَبُ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ حَمَامَةً، فَعَمْرَةُ طَالِقٌ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ غُرَابًا أَمْ حَمَامَةً أَمْ غَيْرَهُمَا فَلَا يُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ.
وَلَوْ تَيَقَّنَ أَصْلَ الطَّلَاقِ، وَشَكَّ فِي عَدَدِهِ، أَخَذَ بِالْأَقَلِّ، وَيُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ، فَإِنْ شَكَّ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ، رَاجَعَهَا لِيَتَيَقَّنَ الْحِلَّ، وَإِنْ زَهِدَ فِيهَا، طَلَّقَهَا لِتَحِلَّ لِغَيْرِهِ يَقِينًا، وَإِنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَمِ اثْنَتَيْنِ؟ لَمْ يَنْكِحْهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَمْ لَمْ يُطَلِّقْ شَيْئًا؟ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا.
فَصْلٌ
تَحْتَهُ زَيْنَبُ وَعَمْرَةُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا، فَزَيْنَبُ طَالِقٌ، وَإِلَّا فَعَمْرَةُ طَالِقٌ، وَأَشْكَلَ حَالُهُ، طُلِّقَتْ إِحْدَاهُمَا، وَعَلَيْهِ اعْتِزَالُهُمَا جَمِيعًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالَ،
وَعَلَيْهِ الْبَحْثُ وَالْبَيَانُ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، فَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، لَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَرْعٌ
قَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا، فَعَبْدِي حُرٌّ، وَقَالَ آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا، فَعَبْدِي حُرٌّ، وَأَشْكَلَ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي عَبْدِهِ، فَإِنْ مَلَكَ أَحَدُهُمَا عَبْدَ الْآخِرِ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ الْعَبْدَانِ، مُنِعَ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا وَيُؤْمَرُ بِتَعْيِينِ الْعِتْقِ فِي أَحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ كَانَا فِي مِلْكِهِ وَعَلَّقَ التَّعْلِيقَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ طَرِيقِ الْبَيَانِ، وَفِي وَجْهٍ: إِنَّمَا يَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِي الَّذِي اشْتَرَاهُ، فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَتَّى يَحْصُلَ الْبَيَانُ، وَلَا يَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِي الْأَوَّلِ.
قُلْتُ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الْإِمَامُ وَآخَرُونَ، وَرَجَّحُوا الْأَوَّلَ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، لَكِنْ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، أَوْ جَمَاهِيرُهُمْ، بِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَعَيَّنُ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ إِذَا تَمَّ تَمَلُّكُهُ ظَاهِرًا، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْقَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا عَبَدَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى عَبْدَ صَاحِبِهِ، قَالَ فِي «الْبَسِيطِ» : لَمْ أَرَهُ مَسْطُورًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، لِأَنَّ بَيْعَ الْأَوَّلِ لِوَاقِعَةٍ انْقَضَتْ، وَتَصَرُّفَهُ فِي الثَّانِي وَاقِعَةٌ أُخْرَى، كَمَا لَوْ صَلَّى إِلَى جِهَتَيْنِ بِاجْتِهَادَيْنِ.
قُلْتُ: أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْعِرَاقِيِّينَ الَّتِي نَقَلْتُهَا، فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ الثَّانِيَ بِلَا شَكٍّ، وَأَمَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى، فَيُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ فِي «الْبَسِيطِ» ، وَيُحْتَمَلُ بَقَاءُ الْحَجْرِ فِي الثَّانِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا اشْتَبَهَ إِنَاءَانِ
فَانْصَبَّ أَحَدُهُمَا، هَلْ يَجْتَهِدُ فِي الثَّانِي، أَمْ يَأْخُذُ بِطَهَارَتِهِ، أَمْ يُعْرِضُ عَنْهُ، وَالْأَقْيَسُ بَقَاءُ الْحَجْرِ احْتِيَاطًا لِلْعِتْقِ، وَلِأَنَّ الْأَمْوَالَ وَغَرَامَاتِهَا أَشَدُّ مِنَ الْقِبْلَةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلِهَذَا لَا يُعْذَرُ النَّاسِي وَالْجَاهِلُ فِي الْغَرَامَاتِ، وَيُعْذَرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَى بَيْعِ عَبْدِهِ كَالْمُصَرِّحِ بِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ، وَأَنَّ الَّذِي عَتَقَ هُوَ عَبْدُ الْآخِرِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، عَتَقَ عَلَيْهِ عَبْدَ صَاحِبِهِ إِذَا مَلَكَهُ قَطْعًا، وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ» : احْتِمَالَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ فِي «الْبَسِيطِ» . وَالثَّانِي: خِلَافُهُ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ غَيْرُ التَّعْلِيقِ السَّابِقِ، فَإِنْ قَالَ لِلْآخَرِ: حَنِثْتَ فِي يَمِينِكَ، فَقَالَ: لَمْ أَحْنَثْ، ثُمَّ مَلَكَ عَبْدَهُ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ قَطْعًا لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالثَّمَنِ إِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ.
وَلَوْ صَدَرَ هَذَانِ التَّعْلِيقَانِ مِنْ شَرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ، فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي «كِتَابِ الْعِتْقِ» .
فَرْعٌ
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ عَلَى جَسَدِ إِبْلِيسَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: قِيَاسُ مَذْهَبِنَا: أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ أَصْلًا، لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَعَلَيْهِ شَعْرٌ أَمْ لَا؟ وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وُقُوعُ طَلْقَةٍ.
قُلْتُ: الْقِيَاسُ وُقُوعُ طَلْقَةٍ، وَلَيْسَ هَذَا تَعْلِيقًا عَلَى صِفَةٍ، فَيُقَالُ: شَكَكْنَا فِيهَا بَلْ هُوَ تَنْجِيزُ طَلَاقٍ، وَرَبْطٌ لِعَدَدِهِ بِشَيْءٍ شَكَكْنَا فِيهِ، فَنُوقِعُ أَصْلَ الطَّلَاقِ، وَنُلْغِي الْعَدَدَ، فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ لَيْسَتْ بِعَدَدٍ، لِأَنَّ أَقَلَّ الْعَدَدِ اثْنَانِ، فَالْمُخْتَارُ وُقُوعُ طَلْقَةٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِعَيْنِهَا ثُمَّ نَسِيَهَا، حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ، فَإِنْ صَدَّقْنَاهُ فِي النِّسْيَانِ، فَلَا مُطَالَبَةَ بِالْبَيَانِ، وَإِنْ كَذَّبْنَاهُ وَبَادَرَتْ وَاحِدَةٌ وَقَالَتْ: أَنَا الْمُطَلَّقَةُ، لَمْ يُقْنَعْ مِنْهُ فِي الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: نَسِيتُ، أَوْ لَا أَدْرِي، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ مُحْتَمَلًا، بَلْ يُطَالِبُ بِيَمِينٍ جَازِمَةٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَتْ وَقُضِيَ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ.
فَصْلٌ
قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، وَقَالَ: نَوَيْتُ الْأَجْنَبِيَّةَ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ فِي «الْإِمْلَاءِ» ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ زَوْجَتُهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» : لَوْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِقَلْبِي وَاحِدَةً، طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْهَا بِالنِّيَّةِ، وَلَوْ حَضَرَتَا، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: طَلِّقْنِي، فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ الْأَجْنَبِيَّةَ، لَمْ يُقْبَلْ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَأَمَتُهُ مَعَ زَوْجَتِهِ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ الزَّوْجَةِ.
وَلَوْ كَانَ مَعَهَا رَجُلٌ أَوْ دَابَّةٌ، فَقَالَ: أَرَدْتُ الرَّجُلَ، أَوِ الدَّابَّةَ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَلَوْ كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ، فَقَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ جَارَتِي زَيْنَبَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، فَتُطَلَّقُ زَوْجَتُهُ ظَاهِرًا وَيُدَيَّنُ، وَقِيلَ: يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالثَّالِثُ، قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: إِنْ قَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ الْأَجْنَبِيَّةَ، قُبِلَ، وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُ زَيْنَبَ، لَمْ يُقْبَلْ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا، وَأُخْرَى نِكَاحًا فَاسِدًا، فَقَالَ لَهُمَا: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، وَقَالَ: أَرَدْتُ فَاسِدَةَ النِّكَاحِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ قَبِلْنَا التَّفْسِيرَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، فَهَذِهِ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
فَصْلٌ
قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، فَإِنْ قَصَدَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، فَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ، فَعَلَيْهِ بَيَانُهَا.
وَإِنْ أَرْسَلَ اللَّفْظَ وَلَمْ يَقْصِدْ مُعَيَّنَةً، طُلِّقَتْ إِحْدَاهُمَا مُبْهَمًا وَيُعَيِّنُهَا الزَّوْجُ، وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي أَحْكَامٍ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَحْكَامٍ، ثُمَّ تَارَةً يُفَصَّلُ حُكْمُهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَتَارَةً بَعْدَ الْمَوْتِ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: حَالَةُ الْحَيَاةِ، وَفِيهَا مَسَائِلُ:
الْأُولَى: يُلْزَمُ الزَّوْجُ بِالتَّبْيِينِ إِذَا نَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، وَبِالتَّعْيِينِ إِذَا لَمْ يَنْوِ، وَيُمْنَعْ مِنْ قُرْبَانِهِمَا حَتَّى يُبَيِّنَ، أَوْ يُعَيِّنَ، وَذَلِكَ بِالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، وَيَلْزَمُهُ التَّبْيِينُ وَالتَّعْيِينُ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَ، عَصَى، فَإِنِ امْتَنَعَ، حُبِسَ وَعُزِّرَ، وَلَا يُقْنَعُ بِقَوْلِهِ: نَسِيتُ الْمُعَيَّنَةَ، وَإِذَا بَيَّنَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، فَلِلْأُخْرَى أَنْ تَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّكَ نَوَيْتَنِي وَتُحَلِّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَطُلِّقَتَا، وَإِذَا عَيَّنَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَا دَعْوَى لَهَا، لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ يُنْشِئُهُ، هَذَا كُلُّهُ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ، فَلَوْ أَبْهَمَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً بَيْنَهُمَا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَوْ يُعَيِّنَ فِي الْحَالِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِحُصُولِ التَّحْرِيمِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمَا إِلَى الْبَيَانِ وَالتَّعْيِينِ، وَإِذَا بَيَّنَ أَوْ عَيَّنَ، لَا يُسْتَرَدُّ الْمَصْرُوفُ إِلَى الْمُطَلَّقَةِ، لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عِنْدَهُ حَبْسَ الزَّوْجَةِ.
الثَّالِثَةُ: وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيمَا إِذَا نَوَى مُعَيَّنَةً يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، وَيَحْتَسِبُ عِدَّةَ مَنْ بَيَّنَ الطَّلَاقَ فِيهَا مِنْ حِينِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ: أَنَّهَا مِنْ وَقْتِ الْبَيَانِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْوِ مُعَيَّنَةً، ثُمَّ عَيَّنَ، فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ مِنْ حِينِ قَالَ: إِحْدَاكُمَا
طَالِقٌ، أَمْ مِنْ حِينِ التَّعْيِينِ؟ وَجْهَانِ، رَجَّحَتْ طَائِفَةٌ الثَّانِيَ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وَرَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ الْأَوَّلَ.
قَالُوا: وَلَوْلَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ، لَمَا مُنِعَ مِنْهُمَا، وَهَذَا أَقْرَبُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ وَمُوَافِقُوهُ، هُوَ الصَّوَابُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالتَّعْيِينِ، فَمِنْهُ الْعِدَّةُ، وَإِنْ قُلْنَا: بِاللَّفْظِ، فَهَلِ الْعِدَّةُ مِنْهُ، أَمْ مِنَ التَّعْيِينِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، فِيمَا إِذَا نَوَى مُعَيَّنَةً.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ، احْتِسَابُ الْعِدَّةِ مِنَ التَّعْيِينِ كَيْفَ قُدِّرَ الْبِنَاءُ، هَذَا كُلُّهُ فِي حَيَاةِ الزَّوْجَيْنِ، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُمَا إِذَا مَاتَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا تَبْقَى الْمُطَالَبَةُ بِالتَّعْيِينِ لِبَيَانِ حُكْمِ الْمِيرَاثِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ بِاللَّفْظِ، فَذَاكَ، وَإِنْ أَوْقَعْنَاهُ بِالتَّعْيِينِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى إِيقَاعِ طَلَاقٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِسْنَادِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَإِلَى مَا يُسْنَدُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ: إِلَى وَقْتِ اللَّفْظِ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، وَأَرْجَحُهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: إِلَى قُبَيْلِ الْمَوْتِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَوْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ نَوَى مُعَيَّنَةً، فَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ، وَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا، بَلْ تَبْقَى الْمُطَالَبَةُ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ بَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي الْمَوْطُوءَةِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ لِجَهْلِهَا كَوْنَهَا الْمُطَلَّقَةَ، وَإِنْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ، قُبِلَ، فَإِنِ ادَّعَتِ الْمَوْطُوءَةُ أَنَّهُ أَرَادَهَا، حَلَفَ، فَإِنْ نَكَلَ وَحَلَفَتْ، طُلِّقَتَا وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى مُعَيَّنَةً، فَهَلْ يَكُونُ الْوَطْءُ تَعْيِينًا؟ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو الْحَسَنِ الْمَاسَرْجِسِيُّ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ كَجٍّ، وَالثَّانِي: لَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَجَّحَهُ صَاحِبَا «الشَّامِلِ» وَ «التَّتِمَّةِ» .
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي، هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ فِي «الْمُحَرَّرِ» ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قَالَ فِي «الشَّامِلِ» : وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا قَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، مُنِعَ مِنْهُمَا، وَمَنْ يَقُولُ: الْوَطْءُ تَعْيِينٌ، لَا يَمْنَعُهُ وَطْءَ أَيِّهِمَا شَاءَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ جَعَلْنَا الْوَطْءَ تَعْيِينًا لِلطَّلَاقِ، فَفِي كَوْنِ سَائِرِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ تَعْيِينًا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ بِذَلِكَ، وَإِذَا جَعَلْنَا الْوَطْءَ تَعْيِينًا لِلطَّلَاقِ فِي الْأُخْرَى، فَلَا مَهْرَ لِلْمَوْطُوءَةِ وَلَا مُطَالَبَةَ، وَإِلَّا فَتُطَالِبُ بِالتَّعْيِينِ، فَإِنْ عَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي الْمَوْطُوءَةِ، فَلَهَا الْمَهْرُ إِنْ قُلْنَا: يَقَعُ الطَّلَاقُ بِاللَّفْظِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعْيِينِ، فَحَكَى الْفُورَانِيُّ أَنَّهُ لَا مَهْرَ، وَذَكَرَ فِيهِ احْتِمَالًا، وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ تَعْيِينٌ: أَنَّ الزَّوْجَ لَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْهُمَا إِذَا لَمْ يَجْعَلِ الْوَطْءَ تَعْيِينًا، وَلَمَّا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ الْمَنْعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، أَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَهُمْ، أَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْيِينٍ.
الْخَامِسَةُ: فِي أَلْفَاظِ الْبَيَانِ وَالتَّعْيِينِ، فَإِنْ نَوَى مُعَيَّنَةً، حَصَلَ الْبَيَانُ بِأَنْ يَقُولَ مُشِيرًا إِلَى وَاحِدَةٍ: الْمُطَلَّقَةُ هَذِهِ، وَلَوْ قَالَ: الزَّوْجَةُ هَذِهِ، بِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْأُخْرَى، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَمْ أُطَلِّقْ هَذِهِ.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ، أَوْ قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ، أَوْ هَذِهِ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِمَا، أَوْ هَذِهِ مَعَ هَذِهِ، طُلِّقَتَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرِ الْحُكْمِ، فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ، فَالْمُطَلَّقَةُ هِيَ الْمَنَوِيَّةُ فَقَطْ، حَتَّى لَوْ قَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَنَوَاهُمَا، فَالْوَجْهُ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا لَا تُطَلَّقَانِ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَنَوَى ثَلَاثًا، لِأَنَّ حَمْلَ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ عَلَيْهِمَا لَا وَجْهَ لَهُ، وَهُنَاكَ يَتَطَرَّقُ إِلَى الْكَلَامِ تَأْوِيلٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ هَذِهِ ثُمَّ هَذِهِ، أَوْ هَذِهِ فَهَذِهِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ
الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ: تُطَلَّقُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ لِاقْتِضَاءِ الْحَرْفَيْنِ التَّرْتِيبَ.
وَحَكَى الْإِمَامُ هَذَا عَنِ الْقَاضِي، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا، فَلْيَكُنْ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ وَهَذِهِ، وَالْحَقُّ هُوَ الِاعْتِرَاضُ.
قُلْتُ: قَوْلُ الْقَاضِي أَظْهَرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ هَذِهِ بَعْدَ هَذِهِ، فَقِيَاسُ الْأَوَّلِ أَنْ تُطَلَّقَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بَائِنًا وَحْدَهَا.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ، أَوْ بَعْدَهَا هَذِهِ، فَقِيَاسُ الْأَوَّلِ أَنْ تُطَلَّقَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا أَوَّلًا وَحْدَهَا، وَقِيَاسُ الِاعْتِرَاضِ، الْحُكْمُ بِطَلَاقِهِمَا فِي الصُّورَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، اسْتَمَرَّ الْإِبْهَامُ وَالْمُطَالَبَةُ بِالْبَيَانِ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعٌ، فَقَالَ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَنَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ، طُلِّقْنَ جَمِيعًا، وَكَذَا لَوْ عَطَفَ
[بِالْوَاوِ فَلَوْ عَطَفَ] بِالْفَاءِ أَوْ بِثُمَّ، عَادَ قَوْلُ الْقَاضِي وَالِاعْتِرَاضُ.
وَلَوْ قَالَ وَهُنَّ ثَلَاثٌ: أَرَدْتُ أَوْ طَلَّقْتُ هَذِهِ، بَلْ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، طُلِّقَتِ الْأُولَى وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ، وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ.
وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، بَلْ هَذِهِ، طُلِّقَتِ الْأَخِيرَةُ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ، نُظِرَ إِنْ فَصَلَ الثَّالِثَةَ عَنِ الْأُولَيَيْنِ بِوَقْفَةٍ أَوْ بِنَغَمَةٍ، أَوْ أَدَاءٍ، فَالطَّلَاقُ مُرَدَّدٌ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ وَبَيْنَ الثَّالِثَةِ وَحْدَهَا، وَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، فَإِنْ بَيَّنَ فِي الثَّالِثَةِ، طُلِّقَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ بَيَّنَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا، طُلِّقَتَا، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، فَلَا يَفْتَرِقَانِ.
وَإِنْ فَصَلَ الثَّانِيَةَ عَنِ الْأُولَى، تَرَدَّدَ الطَّلَاقُ بَيْنَ الْأُولَى وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ،
فَإِنْ بَيَّنَ فِي الْأُولَى، طُلِّقَتْ وَحْدَهَا.
وَإِنْ بَيَّنَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا، طُلِّقَتَا جَمِيعًا، وَإِنْ سَرَدَ الْكَلَامَ وَلَمْ يَفْصِلْ، احْتُمِلَ كَوْنُ الثَّالِثَةِ مَفْصُولَةً عَنْهُمَا، وَاحْتُمِلَ كَوْنُهَا مَضْمُومَةً إِلَى الثَّانِيَةِ مَفْصُولَةً عَنِ الْأُولَى، فَيُسْأَلُ وَيُعْمَلُ بِمَا أَظْهَرَ إِرَادَتَهُ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ، فَإِنْ فَصَلَ الثَّالِثَةَ عَنِ الْأُولَيَيْنِ، تَرَدَّدَ الطَّلَاقُ بَيْنَ إِحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَالْأُخْرَى مُطَلَّقَةٌ وَحْدَهَا.
وَإِنْ فَصَلَ الْأُخْرَيَيْنِ عَنِ الْأُولَى، فَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ الْأُولَى وَحْدَهَا، وَبَيْنَ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا، وَإِنْ سَرَدَ الْكَلَامَ وَلَمْ يَفْصِلْ، فَهُمَا مُحْتَمَلَانِ وَلَوْ قَالَ وَهُنَّ أَرْبَعٌ وَقَدْ طَلَّقَ وَاحِدَةً: أَرَدْتُ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ
[لَا] ، بَلْ هَذِهِ وَهَذِهِ، طُلِّقَتِ الْأُخْرَيَانِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ، بَلْ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، طُلِّقَتِ الْأُولَيَّانِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ وَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ، فَإِنْ فَصَلَ الْأَخِيرَةَ عَنِ الثَّلَاثِ، تَرَدَّدَ الطَّلَاقُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالرَّابِعَةِ.
وَإِنْ فَصَلَ الثَّالِثَةَ عَمَّا قَبْلَهَا، طُلِّقَتِ الْأُولَيَّانِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ فَصَلَ الثَّانِيَةَ عَنِ الْأُولَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: تُطَلَّقُ الْأُولَى، وَيَتَرَدَّدُ الطَّلَاقُ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مَعًا، وَبَيْنَ الرَّابِعَةِ وَحْدَهَا، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
وَإِنْ سَرَدَ الْكَلَامَ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: تُطَلَّقُ الثَّلَاثُ أَوِ الرَّابِعَةُ، وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ.
فَإِنْ بَيَّنَ فِي الثَّلَاثِ أَوْ بَعْضِهِنَّ، طُلِّقْنَ جَمِيعًا، وَإِنْ بَيَّنَ فِي الرَّابِعَةِ، طُلِّقَتْ وَحْدَهَا.
وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: صُورَةُ السَّرْدِ تَحْتَمِلُ احْتِمَالَاتِ الثَّلَاثِ، فَيُرَاجَعُ وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ كَمَا سَبَقَ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ، أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ، فَقَدْ يَفْصِلُ الْأُولَى عَنِ الثَّلَاثِ الْأَخِيرَةِ، وَيَضُمُّ بَعْضَهُنَّ إِلَى بَعْضٍ، فَتُطَلَّقُ الْأُولَى وَيَتَرَدَّدُ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا، وَبَيْنَ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا.
وَقَدْ يَفْرِضُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ وَالْأُخْرَيَيْنِ، وَالضَّمَّ فِيهِمَا، فَتُطَلَّقُ الْأُولَيَّانِ وَالْأُخْرَيَانِ.
وَقَدْ يَفْرِضُ فَصْلَ الرَّابِعَةِ عَمَّا قَبْلَهَا فَتُطَلَّقُ الرَّابِعَةُ، وَيَتَرَدَّدُ الطَّلَاقُ بَيْنَ الثَّالِثَةِ وَحْدَهَا وَبَيْنَ الْأُولَيَيْنِ مَعًا.
وَمَتَى قَالَ: هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَدْرِي أَهِيَ
هَذِهِ أَمْ غَيْرُهَا؟ فَتِلْكَ طَالِقٌ بِكُلِّ حَالٍ وَتُوقَفُ الْبَاقِيَاتُ، فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: تَحَقَّقْتُ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْأُولَى، قُبِلَ مِنْهُ، وَلَمْ تُطَلَّقْ غَيْرُهَا.
وَإِنْ عَيَّنَ أُخْرَى، حُكِمَ بِطَلَاقِهَا، وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنِ الْأُولَى.
وَالْوَقْفَةُ الَّتِي جَعَلْنَاهَا فَاصِلَةً بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مَعَ إِعْمَالِ اللَّفْظَيْنِ، هِيَ الْوَقْفَةُ الْيَسِيرَةُ، فَأَمَّا إِذَا طَالَتْ، فَقَطَعَتْ نَظْمَ الْكَلَامِ بِأَنْ قَالَ: أَرَدْتُ هَذِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ: أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ، فَهَذَا الْكَلَامُ الثَّانِي لَغْوٌ إِذْ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْإِفَادَةِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا نَوَى عِنْدَ اللَّفْظِ الْمُبْهَمِ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْوِ فَطُولِبَ بِالتَّعْيِينِ، فَقَالَ مُشِيرًا إِلَى وَاحِدَةٍ: هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ، تَعَيَّنَتْ وَلَغَا ذِكْرُ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ عَطَفَ غَيْرَهَا بِالْفَاءِ وَثُمَّ، أَوْ بِالْوَاوِ أَوْ بِ «بَلْ» ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ هُنَا لَيْسَ إِخْبَارًا عَنْ سَابِقٍ، بَلْ هُوَ إِنْشَاءُ اخْتِيَارٍ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا اخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالتَّعْيِينِ أَوْ بِاللَّفْظِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لَوِ ادَّعَتِ الَّتِي عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِكَوْنِ الطَّائِرِ غُرَابًا أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ جَزْمًا عَلَى نَفْيِ الطَّلَاقِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى نِسْيَانَ الْمُطَلَّقَةِ.
وَلَوِ ادَّعَتْ أَنَّهُ كَانَ غُرَابًا وَأَنَّهَا طُلِّقَتْ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْجَزْمِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا، وَلَا يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ: لَا أَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ غُرَابًا أَوْ نَسِيتُ الْحَالَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ وَأَنْكَرَ حُصُولَهُ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالدُّخُولِ، لِأَنَّ الْحَلِفَ هُنَاكَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ.
وَأَمَّا نَفْيُ الْغُرَابِيَّةِ، فَهُوَ نَفْيُ صِفَةٍ فِي الْغَيْرِ، وَنَفْيُ الصِّفَةِ كَثُبُوتِهَا فِي إِمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» : فِي الْقَلْبِ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ شَيْءٌ، فَلْيُتَأَمَّلْ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ عَلَى نَفْيِ الْغُرَابِيَّةِ إِذَا تَعَرَّضَ لَهَا فِي الْجَوَابِ.
أَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَسْتِ بِمُطَلَّقَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى مِنْهُ بِذَلِكَ كَنَظَائِرِهِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا طَرَأَ الْمَوْتُ قَبْلَ الْبَيَانِ أَوِ التَّعْيِينِ، فَفِيهِ صُورَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ تَمُوتَ الزَّوْجَتَانِ أَوْ إِحْدَاهُمَا، وَيَبْقَى الزَّوْجُ، فَتَبْقَى الْمُطَالَبَةُ بِالْبَيَانِ أَوِ التَّعْيِينِ.
وَقِيلَ: إِذَا مَاتَتَا، سَقَطَ التَّعْيِينُ، وَإِنْ مَاتَتْ إِحْدَاهُمَا، تَعَيَّنَ الطَّلَاقُ فِي الْأُخْرَى، وَنُسِبَ هَذَا إِلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ، وَيُوقَفُ لَهُ مِنْ تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِيرَاثُ زَوْجٍ، حَتَّى يُبَيِّنَ أَوْ يُعَيِّنَ، فَإِذَا بَيَّنَ أَوْ عَيَّنَ، لَمْ يَرِثْ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَ اللَّفْظِ أَوْ عِنْدَ التَّعْيِينِ، وَيَرِثُ مِنَ الْأُخْرَى، ثُمَّ إِنْ نَوَى مُعَيَّنَةً، فَبَيَّنَ، وَقَالَ وَرَثَةُ الْأُخْرَى: هِيَ الَّتِي أَرَدْتَهَا، فَلَهُمْ تَحْلِيفُهُ، فَإِنْ حَلَفَ فَذَاكَ، وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفُوا وَمُنِعَ مِيرَاثَهَا أَيْضًا.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ مُعَيَّنَةً، وَعَيَّنَ، لَمْ يَتَوَجَّهْ لِوَرَثَةِ الْأُخْرَى دَعْوَى، لِأَنَّ التَّعْيِينَ إِلَى اخْتِيَارِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ تَفْرِيعًا عَلَى مَا اخْتَارَهُ: يَرِثُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِيرَاثَ زَوْجٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَإِذَا حَلَّفَهُ وَرَثَةُ الْأُخْرَى الَّتِي عَيَّنَهَا لِلنِّكَاحِ، أَخَذُوا جَمِيعَ الْمَهْرِ إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَإِلَّا أَخَذُوا نِصْفَهُ وَفِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَأْخُذُونَهُ أَيْضًا عَمَلًا بِتَصْدِيقِهِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ بِزَعْمِهِمْ، وَلَوْ كَذَّبَهُ وَرَثَةُ الَّتِي عَيَّنَهَا لِلطَّلَاقِ وَغَرَضُهُمُ اسْتِقْرَارُ جَمِيعِ الْمَهْرِ إِذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهُمْ تَحْلِيفُهُ وَهُمْ مُقِرُّونَ لَهُ بِإِرْثٍ لَا يَدَّعِيهِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ أَوِ التَّعْيِينِ، فَفِي قِيَامِ الْوَارِثِ مَقَامَهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْيِينِ قَوْلَانِ، وَقِيلَ: يَقُومُ فِي الْبَيَانِ قَطْعًا، وَالْقَوْلَانِ فِي التَّعْيِينِ، وَقِيلَ: لَا يَقُومُ فِي التَّعْيِينِ وَالْقَوْلَانِ فِي الْبَيَانِ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ التَّعْيِينِ، فَإِنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ، فَلَا يُحَلِّفُهُ الْوَارِثُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَمَاتَ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: إِنْ مَاتَ وَالزَّوْجَتَانِ حَيَّتَانِ، لَمْ يَقُمِ الْوَارِثُ قَطْعًا لَا فِي الْبَيَانِ وَلَا فِي التَّعْيِينِ، إِذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِرْثَ لَا يَخْتَلِفُ بِزَوْجَةٍ وَزَوْجَتَيْنِ، وَإِنْ مَاتَتْ إِحْدَاهُمَا، ثُمَّ الزَّوْجُ، ثُمَّ الْأُخْرَى، وَعَيَّنَ
الْوَارِثُ الْأُولَى لِلطَّلَاقِ، قُبِلَ قَوْلُهُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ يَضُرُّ نَفْسَهُ، وَإِنْ عَيَّنَ الْأُولَى لِلنِّكَاحِ، أَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَقَدْ مَاتَتَا، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ، ثُمَّ يَعُودُ التَّرْتِيبُ الْمَذْكُورُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْيِينِ، وَالْأَظْهَرُ حَيْثُ ثَبَتَ قَوْلَانِ: أَنَّهُ يَقُومُ، وَحَيْثُ اخْتُلِفَ فِي إِثْبَاتِ الْقَوْلَيْنِ، الْمَنْعُ.
فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَقُومُ، أَوْ قُلْنَا: يَقُومُ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ، فَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَهُمَا، وُقِفَ مِيرَاثُ زَوْجَةٍ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَوْ يَصْطَلِحَ وَرَثَتُهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا، وَإِنْ مَاتَتَا قَبْلَ مَوْتِ الزَّوْجِ، وُقِفَ مِنْ تَرِكَتِهِمَا مِيرَاثُ زَوْجٍ، وَإِنْ تَوَسَّطَ مَوْتُهُ بَيْنَهُمْ، وُقِفَ مِنْ تَرِكَةِ الْأُولَى مِيرَاثُ زَوْجٍ، وَمِنْ تَرِكَةِ الزَّوْجِ مِيرَاثُ زَوْجَةٍ، حَتَّى يَحْصُلَ الِاصْطِلَاحُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَقُومُ، أَوْ قُلْنَا: يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ، فَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَهُمَا، فَتَعَيُّنُ الْوَارِثِ كَتَعَيُّنِهِ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُمَا، فَإِذَا بَيَّنَ الْوَارِثُ وَاحِدَةً، فَلِوَرَثَةِ الْأُخْرَى تَحْلِيفُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ طَلَّقَ مُوَرِّثَتَهُمْ، وَإِنْ تَوَسَّطَ مَوْتُهُ بَيْنَهُمَا، فَبَيَّنَ الْوَارِثُ الطَّلَاقَ فِي الْأُولَى قَبِلْنَاهُ، وَلَمْ نُحَلِّفْهُ لِأَنَّهُ ضَرَّ نَفْسَهُ، وَإِنْ بَيَّنَ فِي الْمُتَأَخِّرَةِ، فَلِوَرَثَةِ الْأُولَى تَحْلِيفُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مُورِثَهُ طَلَّقَهَا، وَلِوَرَثَةِ الثَّانِيَةِ تَحْلِيفُهُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ طَلَّقَهَا.
فَرْعٌ
شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ فُلَانَةٌ، فَيُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الزَّوْجَتَيْنِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَلَا يُقْبَلُ إِنْ مَاتَتَا قَبْلَهُ، وَإِنْ تَوَسَّطَ مَوْتُهُ، نُظِرَ إِنْ شَهِدَا بِالطَّلَاقِ لِلْأُولَى قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ
قَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا، فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، أَوْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ زَيْدٌ، فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِلَّا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، وَأَشْكَلَ الْحَالُ، فَفِي وَجْهٍ حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ: يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ، كَمَا إِذَا مَاتَ الْحَالِفُ، فَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْعَبْدِ، ثُمَّ قَالَ: تَبَيَّنْتُ أَنَّ الْحِنْثَ كَانَ فِي الزَّوْجَةِ، لَمْ يُنْقَضِ الْعِتْقُ، وَحُكِمَ بِالطَّلَاقِ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّهُ لَا يُقْرَعُ مَا دَامَ الْحَالِفُ حَيًّا لِتَوَقُّعِ الْبَيَانِ، لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ، وَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ إِلَى الْبَيَانِ، وَكَذَا نَفَقَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يُؤَجِّرُهُ الْحَاكِمُ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ.
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، حَفِظَهُ حَتَّى يُبَيِّنَ الْحَالَ.
وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ: حَنِثْتُ فِي الطَّلَاقِ، طُلِّقَتْ.
فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ، فَذَاكَ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا، أَنَّهُ يَحْلِفُ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَذَّبَهُ وَادَّعَى الْعِتْقَ، صُدِّقَ السَّيِّدُ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْعَبْدُ، وَحُكِمَ بِعِتْقِهِ، وَإِنْ قَالَ: حَنِثْتُ فِي الْعِتْقِ، عَتَقَ الْعَبْدُ، ثُمَّ إِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَلَا يَمِينَ، وَفِيهِ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ، حَلَفَ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَتْ وَحُكِمَ بِطَلَاقِهَا.
وَقَوْلُهُ: لَمْ أَحْنَثْ فِي يَمِينِ الْعَبْدِ، فِي جَوَابِ دَعْوَاهُ، وَفِي غَيْرِ الْجَوَابِ كَقَوْلِهِ: حَنِثْتُ فِي يَمِينِ الْعَبْدِ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ فِي أَيِّهِمَا حَنِثْتُ، فَفِي «الشَّامِلِ» وَغَيْرِهِ، أَنَّهُمَا إِنْ صَدَّقَاهُ، بَقِيَ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا، وَإِنْ كَذَّبَاهُ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَإِنْ حَلَفَ، فَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ، وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا وَقَضَى بِمَا ادَّعَاهُ.
وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، فَقَالَ فِي جَوَابِهِ: لَا أَدْرِي، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِالْحِنْثِ فِي الْآخَرِ، فَإِنْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَحَلَفَ عَلَى نَفْيِ مَا يَدَّعِيهِ، كَانَ مُقِرًّا بِالْحِنْثِ فِي الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ لِطَلَاقِ نِسْوَةٍ، وَادَّعَيْنَ الْحِنْثَ
وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، فَحَلَفَ بِعْضُهُنَّ دُونَ بَعْضٍ، حُكِمَ بِطَلَاقِ مَنْ حَلَفَ دُونَ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ.
وَلَوِ ادَّعَتْ وَاحِدَةٌ، وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، فَحَلَفَتْ، حُكِمَ بِطَلَاقِهَا، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ إِذَا ادَّعَتْ أُخْرَى، وَلَا يُجْعَلُ نُكُولُهُ فِي وَاحِدَةٍ نُكُولًا فِي غَيْرِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْبَيَانِ أَوِ التَّعْيِينِ، وَالْحَبْسِ وَالتَّعْزِيرِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ، قَدْ أَشَارُوا إِلَى مِثْلِهِ هُنَا، لَكِنْ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ إِذَا قَالَ: لَا أَدْرِي، يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَيَقْنَعُ مِنْهُ بِذَلِكَ، يَكُونُ التَّضْيِيقُ إِلَى أَنْ يُبَيِّنَ أَوْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي إِبْهَامِ الطَّلَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ.
فَرْعٌ
إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَفِي قِيَامِ الْوَارِثِ مَقَامَهُ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَقُومُ، لِلتُّهْمَةِ فِي إِخْبَارِهِ بِالْحِنْثِ فِي الطَّلَاقِ لِيُرَقَّ الْعَبْدُ وَيَسْقُطَ إِرْثُ الزَّوْجَةِ، وَلِأَنَّ لِلْقُرْعَةِ مَدْخَلًا فِي الْعِتْقِ، وَسَوَاءٌ ثَبَتَ الْخِلَافُ أَمْ لَا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي «الْأَمَالِي» : هَذَا الْخِلَافُ إِذَا قَالَ الْوَارِثُ: حَنِثْتُ فِي الزَّوْجَةِ، فَإِنْ عَكَسَ، قُبِلَ قَطْعًا لِإِضْرَارِهِ بِنَفْسِهِ وَهَذَا حَسَنٌ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَهُ أَيْضًا غَيْرُ السَّرَخْسِيِّ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُ الْوَارِثِ، أَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ، أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْعَبْدِ، عَتَقَ وَيَكُونُ عِتْقُهُ مِنَ الثُّلُثِ إِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَتَرِثُ الْمَرْأَةُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ قَدِ ادَّعَتِ الْحِنْثَ فِي يَمِينِهَا وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا.
وَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ، لَمْ تُطَلَّقْ، لَكِنَّ الْوَرِعَ أَنْ تَتْرُكَ الْمِيرَاثَ،
وَهَلْ يُرَقُّ الْعَبْدُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْوَارِثُ كَيْفَ شَاءَ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيمَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ، فَغَيْرُهُ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا، يَبْقَى الْإِبْهَامُ كَمَا كَانَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا نَزَالُ نُعِيدُ الْقُرْعَةَ حَتَّى تَخْرُجَ عَلَى الْعَبْدِ، قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا الْقَوْلُ غَلَطٌ يَجِبُ إِخْرَاجُ قَائِلِهِ مِنْ أَحْزَابِ الْفُقَهَاءِ، وَيَنْبَغِي لِقَائِلِهِ أَنْ يَقْطَعَ بِعِتْقِ الْعَبْدِ، وَيَتْرُكَ تَضْيِيعَ الزَّمَانِ بِالْقُرْعَةِ.
فَالصَّوَابُ بَقَاءُ الْإِبْهَامِ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا قَوْلَ الْوَارِثِ فَقَالَ: الْحِنْثُ فِي الْعَبْدِ، عَتَقَ وَوَرِثَتِ الزَّوْجَةُ، وَإِنْ عَكَسَ، فَلِلْمَرْأَةِ تَحْلِيفُهُ عَلَى الْبَتِّ، وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَدَّعِيَ الْعِتْقَ، وَيُحَلِّفَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حِنْثَ مُورِثُهُ فِيهِ.
وَنَقَلَ الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُبَيِّنِ الْوَرَثَةُ وُقِفَ حَتَّى يَمُوتُوا، وَيَخْلُفُهُمْ آخَرُونَ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَحْصُلَ بَيَانٌ، وَوَجْهًا، أَنَّ الْوَارِثَ إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَهَذَانِ ضَعِيفَانِ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْإِقْرَاعُ إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ
ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هُنَا مَسَائِلَ مَنْثُورَةً تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الطَّلَاقِ، نَقَلْتُهَا إِلَى مَوْضِعِهَا اللَّائِقَةِ بِهَا، وَمِمَّا لَمْ أَنْقُلْهُ مَسَائِلُ، مِنْهَا عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ: لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَقَالَ مُشِيرًا إِلَى إِحْدَاهُمَا: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الْأُخْرَى، فَهَلْ تُطَلَّقُ الْأُخْرَى، وَتَبْطُلُ الْإِشَارَةُ، أَمْ تُطَلَّقَانِ مَعًا؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَرْجَحُ الْأَوَّلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِإِحْدَى نِسَائِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَفُلَانَةٌ أَوْ فُلَانَةٌ، فَإِنْ أَرَادَ ضَمَّ الثَّانِيَةِ إِلَى الْأُولَى، فَهُمَا حِزْبٌ، وَالثَّالِثَةُ
حِزْبٌ، وَالطَّلَاقُ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ وَالثَّالِثَةِ، فَإِنْ عَيَّنَ الثَّالِثَةَ، طُلِّقَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ عَيَّنَ الْأُولَيَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا، طُلِّقَتَا، وَإِنْ ضَمَّ الثَّانِيَةَ إِلَى الثَّالِثَةِ وَجَعَلَهُمَا حِزْبًا وَالْأُولَى حِزْبًا، طُلِّقَتِ الْأُولَى وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ، وَالتَّعْيِينُ إِلَيْهِ، وَهَذَا الضَّمُّ وَالتَّحْزِيبُ يُعْرَفُ مِنْ قَرِينَةِ الْوَقْفَةِ، وَالنَّغَمَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا فِي صِيَغِ التَّعْيِينِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ، قَالَ: فَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ، فَمُقْتَضَى الْوَاوِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي الْحُكْمِ، فَيُجْعَلَانِ حِزْبًا، وَالثَّالِثَةُ حِزْبًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهَا، طُلِّقَتِ الْأُولَى بِيَقِينٍ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْأُخْرَيَيْنِ.
وَأَنَّهُ لَوْ جَلَسَتْ نِسْوَتُهُ الْأَرْبَعُ صَفًّا، فَقَالَ: الْوُسْطَى مِنْكُنَّ طَالِقٌ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ شَيْءٌ إِذْ لَا وُسْطَى، وَالثَّانِي: يَقَعُ عَلَى الْوَسَطِيَّيْنِ، لِأَنَّ الِاتِّحَادَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي وُقُوعِ اسْمِ الْوُسْطَى.
قُلْتُ: كِلَا الْوَجْهَيْنِ ضَعِيفٌ، وَالْمُخْتَارُ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يُطَلَّقَ وَاحِدَةٌ مِنَ الْوَسَطِيَّيْنِ، يُعَيِّنُهَا الزَّوْجُ، لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْوُسْطَى لِوَاحِدَةٍ.
فَلَا يُزَادُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ الْمَدْخُولِ بِهِمَا: أَنْتُمَا طَالِقَانِ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الْمُرَاجَعَةِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنَةً، ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّةُ إِحْدَاهُمَا، فَإِنْ عَيَّنَ فِي الْبَاقِيَةِ، فَذَاكَ، وَإِنْ عَيَّنَ فِي الثَّانِيَةِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ التَّعْيِينَ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ، أَمْ إِيقَاعٌ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ.
وَلَوِ انْقَضَتْ عَدَّتُهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّزَوُّجُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَبْلَ التَّعْيِينِ، وَإِلَّا إِذَا نَكَحَتْ زَوْجًا آخَرَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْبَابُ السَّادِسُ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَهُوَ جَائِزٌ قِيَاسًا عَلَى الْعِتْقِ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعْلِيقِهِ فِي التَّدْبِيرِ.
وَإِنْ عَلَّقَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ مَعْلُومِ الْحُصُولِ، أَوْ مُحْتَمِلِهِ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إِلَّا بِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي النَّوْعَيْنِ.
وَلَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَإِذَا عَلَّقَ بِصِفَةٍ، ثُمَّ قَالَ: عَجَّلْتُ تِلْكَ الطَّلْقَةَ الْمُعَلَّقَةَ، لَمْ تَتَعَجَّلْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا، أَنَّهَا تُعَجَّلُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ فَأَطْلَقَ وَقَالَ: عَجَّلْتُ لَكَ الطَّلَاقَ، سَأَلْنَاهُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ تِلْكَ الطَّلْقَةَ، صَدَّقْنَاهُ بِيَمِينِهِ وَلَمْ يَتَعَجَّلْ شَيْءٌ، وَإِنْ أَرَادَ طَلَاقًا مُبْتَدَءًا، وَقَعَ طَلْقَةٌ فِي الْحَالِ.
قُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ شَيْءٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ عَقَّبَ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِحَرْفِ شَرْطٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ، فَمَنَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ بِأَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّقَ عَلَى شَرْطِ كَذَا، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنَّمَا حَلَّفْنَاهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْلِيقَ عَلَى شَيْءٍ حَاصِلٍ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذَا وَقَدْ فَعَلَهُ.
وَلَوْ قَطَعَ الْكَلَامَ مُخْتَارًا حُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ ذَكَرَ حَرْفَ الْجَزَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ شَرْطًا، بِأَنْ قَالَ: فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ ذِكْرَ صِفَةٍ فَسَبَقَ لِسَانِي إِلَى الْجَزَاءِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يُقْبَلُ فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَقَدْ خَاطَبَهَا بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَحَرْفُ الْفَاءِ، قَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الشَّرْطِ، رُبَّمَا كَانَ قَصْدُهُ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ بِحَذْفِ الْفَاءِ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ، وَقَالَ الْبُوشَنْجِيُّ: يُسْأَلُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ التَّنْجِيزَ، حُكِمَ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ التَّعْلِيقَ، أَوْ تَعَذَّرَتِ الْمُرَاجَعَةُ، حُمِلَ عَلَى التَّعْلِيقِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
وَأَنْتِ طَالِقٌ بِالْوَاوِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ قَالَ: أَرَدْتُ التَّعْلِيقَ، قُبِلَ، أَوِ التَّنْجِيزَ، وَقَعَ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ جَعْلَ الدُّخُولِ،
وَطَلَاقِهَا شَرْطَيْنِ لِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، قُبِلَ، قَالَ الْبُوشَنْجِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَأُلْغِيَتِ الْوَاوُ، كَمَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءًا: وَأَنْتِ طَالِقٌ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبُوشَنْجِيُّ فَاسِدٌ حُكْمًا وَدَلِيلًا، وَلَيْسَ كَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَارُ، أَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَعْلِيقٌ بِدُخُولِ الدَّارِ، إِنْ كَانَ قَائِلُهُ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، وَإِنْ عَرَفَهَا، فَلَا يَكُونُ تَعْلِيقًا وَلَا غَيْرَهُ إِلَّا بِنِيَّةٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْعَامِّيُّ، فَيُطْلِقُهُ لِلتَّعْلِيقِ، وَيَفْهَمُ مِنْهُ التَّعْلِيقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَإِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ فِي «أَنْتِ» .
فَرْعٌ
إِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ، فَسَبَقَ لِسَانِي إِلَى الشَّرْطِ، وَقَعَ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَى نَفْسِهِ.
فَصْلٌ
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ وَاسِعٌ جِدًّا وَيَتَلَخَّصُ لِمَقْصُودِهِ فِي أَطْرَافٍ.
الْأَوَّلُ: فِي التَّعْلِيقِ بِالْأَوْقَاتِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا، أَوْ غُرَّةَ شَهْرِ كَذَا، أَوْ أَوَّلَهُ، أَوْ رَأْسَ الشَّهْرِ، أَوِ ابْتِدَاءَهُ، أَوْ دُخُولَهُ، أَوِ اسْتِقْبَالَهُ، أَوْ إِذَا جَاءَ شَهْرُ كَذَا، طُلِّقَتْ عِنْدَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، فَلَوْ رَأَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَغْرُبَ.
وَلَوْ قَالَ: فِي نَهَارِ شَهْرِ كَذَا أَوْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ، طُلِّقَتْ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي يَوْمِ كَذَا، طُلِّقَتْ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ قَوْلًا، أَنَّهَا تُطَلَّقُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَطَرَدَهُ فِي الشَّهْرِ أَيْضًا، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا مَا لَوْ قَالَ: فِي وَقْتِ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ فِي يَوْمِ كَذَا وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ، لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ فِي قَبُولِهِ وَجْهًا، وَيُدَيَّنُ قَطْعًا.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: فِي غُرَّتِهِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ أَوِ الثَّالِثَ، فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُولَى تُسَمَّى غُرَرًا، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِهِ الْمُنْتَصَفَ، لَمْ يُدَيَّنْ، لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى، وَكَذَا لَوْ قَالَ: فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ السَّادِسَ عَشَرَ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي رَمَضَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي رَمَضَانَ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَلَوْ قَالَ: فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، وَقَعَ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ الْقَابِلِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، فَهَلْ يَقَعُ فِي جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ، أَمْ أَوَّلَ جُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ السَّادِسَ عَشَرَ، أَمْ أَوَّلَ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْهُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ السَّنَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقَعُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ السَّنَةِ، وَعَلَى الثَّانِي فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ السَّابِعِ.
وَلَوْ قَالَ: فِي آخِرِ طُهْرِكِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقَعُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الطُّهْرِ، وَعَلَى الثَّانِي، فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الطُّهْرِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَوَّلِ آخِرِ الشَّهْرِ، قَالَ الْجُمْهُورُ: يَقَعُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ، وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ أَوْ غَيْرُهُ: فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ أَوَّلِ الشَّهْرِ، قَالَ الْجُمْهُورُ: يَقَعُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، يَقَعُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الْخَامِسَ عَشَرَ.
وَقِيلَ: عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي بَدَلًا عَنِ الْأَوَّلِ.
فَقَالَ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أُخَرَ أَوَّلِ آخِرِ الشَّهْرِ، فَمَنْ جَعَلَ آخِرَ الشَّهْرِ الْيَوْمَ الْأَخِيرَ، قَالَ: تُطَلَّقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ هُوَ آخِرُ الشَّهْرِ، وَأَوَّلَهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَآخِرَ أَوَّلِهِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَمَنْ جَعَلَ الْآخَرَ عَلَى النِّصْفِ الثَّانِي، فَأَوَّلُهُ لَيْلَةُ السَّادِسَ عَشَرَ، فَتُطَلَّقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
الرَّابِعَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي سَلْخِ الشَّهْرِ، فَأَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ: يَقَعُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ.
وَالثَّانِي: وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ: يَقَعُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ.
وَالثَّالِثُ: فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِنَّ الِانْسِلَاخَ يَأْخُذُ مِنْ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: اسْمُ السَّلْخِ يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الشَّهْرِ، فَتُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَمَا سِوَاهُ ضَعِيفٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عِنْدَ انْتِصَافِ الشَّهْرِ، يَقَعُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ، وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ مُطْلِقِهِ، ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَلَوْ قَالَ: نِصْفَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ، طُلِّقَتْ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الثَّامِنِ.
وَلَوْ قَالَ: نِصْفَ يَوْمِ كَذَا، طُلِّقَتْ عِنْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ يُحْسَبُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ شَرْعًا، وَيَكُونُ نِصْفُهُ الْأَوَّلُ أَطْوَلَ.
السَّادِسَةُ: إِذَا قَالَ: إِذَا مَضَى يَوْمٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، نُظِرَ إِنْ قَالَهُ بِاللَّيْلِ، طُلِّقَتْ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْغَدِ، وَإِنْ قَالَهُ بِالنَّهَارِ، طُلِّقَتْ إِذَا جَاءَ مِثْلُ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ.
وَلَوْ فُرِضَ انْطِبَاقُ التَّعْلِيقِ عَلَى أَوَّلِ نَهَارٍ، طُلِّقَتْ عِنْدَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِهِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا مَضَى الْيَوْمُ، نُظِرَ، إِنْ قَالَهُ نَهَارًا، طُلِّقَتْ عِنْدَ غُرُوبِ شَمْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ يَسِيرًا، وَإِنْ قَالَهُ لَيْلًا، كَانَ لَغْوًا، إِذْ لَا نَهَارَ، وَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى الْجِنْسِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ نَهَارًا كَانَ أَوْ لَيْلًا، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَيَلْغُو قَوْلُهُ: الْيَوْمَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ، وَإِنَّمَا أَوْقَعَ وَسَمَّى الْوَقْتَ بِغَيْرِ اسْمِهِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الشَّهْرَ، أَوِ السَّنَةَ، وَقَعَ فِي الْحَالِ.
السَّابِعَةُ: قَالَ: إِذَا مَضَى شَهْرٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ كَامِلٌ.
فَإِنِ اتَّفَقَ قَوْلُهُ فِي ابْتِدَاءِ الْهِلَالِ، طُلِّقَتْ بِمُضِيِّهِ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا، وَإِلَّا فَإِنْ قَالَهُ لَيْلًا، طُلِّقَتْ إِذَا مَضَى ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَمِنْ لَيْلَةِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ تُقُدِّرَ مَا كَانَ سَبَقَ مِنْ لَيْلَةِ التَّعْلِيقِ، وَإِنْ قَالَهُ: نَهَارًا كُمِّلَ مِنَ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ التَّعْلِيقِ.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا مَضَى الشَّهْرُ، طُلِّقَتْ إِذَا انْقَضَى الشَّهْرُ الْهِلَالِيُّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: إِذَا مَضَتِ السَّنَةُ، طُلِّقَتْ بِمُضِيِّ بَقِيَّةِ السَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً، وَإِنْ قَالَ: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ بِالتَّنْكِيرِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَمْضِيَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَنْكَسِرِ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ، طُلِّقَتْ بِمُضِيِّ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ، وَإِنِ انْكَسَرَ بِهِ الْأَوَّلُ، حُسِبَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بَعْدَهُ بِالْأَهِلَّةِ، وَكُمِّلَتْ بَقِيَّةُ الْأَوَّلِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنَ الثَّالِثَ عَشَرَ.
وَفِي وَجْهٍ: أَنَّهُ إِذَا انْكَسَرَ شَهْرٌ، انْكَسَرَ جَمِيعُ الشُّهُورِ، وَاعْتُبِرَتْ سَنَةً بِالْعَدَدِ، وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ فِي السَّلَمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ شَكَّ فِيمَا كَانَ مَضَى مِنْ شَهْرِ التَّعْلِيقِ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ إِلَّا بِالْيَقِينِ، وَذَكَرَ الْحَنَّاطِيُّ فِي حَلِّ الْوَطْءِ فِي حَالِ التَّرَدُّدِ وَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الْحَلُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالسَّنَةِ، السَّنَةَ الْفَارِسِيَّةَ أَوِ الرُّومِيَّةَ، دُيِّنَ وَلَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: السَّنَةَ سَنَةً كَامِلَةً، دُيِّنَ وَلَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي سَنَةَ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، فَقَدْ غَلِطَ عَلَى نَفْسِهِ.
الثَّامِنَةُ: إِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ عُرْفًا، كَقَوْلِهِ: إِنْ طِرْتِ أَوْ صَعِدْتِ السَّمَاءَ، أَوْ إِنْ حَمَلْتِ الْجَبَلَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ عَقْلًا كَقَوْلِهِ: إِنْ أَحْيَيْتِ مَيِّتًا، أَوْ إِنِ اجْتَمَعَ السَّوَادُ وَالْبَيَاضُ، فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَمْ لَا، أَمْ يَقَعُ فِي الْعَقْلِيِّ دُونَ الْعُرْفِيِّ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: لَا يَقَعُ، أَمَّا فِي الْعُرْفِيِّ، فَبِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَأَمَّا فِي الْعَقْلِيِّ، فَعِنْدَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةٍ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّيِّ، وَالْمُسْتَحِيلُ شَرْعًا كَالْمُسْتَحِيلِ عَقْلًا، كَقَوْلِهِ: إِنْ نُسِخَ صَوْمُ رَمَضَانَ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ أَوِ الشَّهْرَ الْمَاضِي، أَوْ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي، فَلَهُ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ، أَنْ يَقَعَ فِي الْحَالِ طَلَاقٌ، يَسْتَنِدُ إِلَى أَمْسِ أَوْ إِلَى الشَّهْرِ الْمَاضِي، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ، لَكِنْ يَقَعُ فِي الْحَالِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَا يَقَعُ أَصْلًا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: لَمْ أُوقِعْ فِي الْحَالِ، بَلْ أَرَدْتُ إِيقَاعَهُ فِي الْمَاضِي، فَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ، وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ ثَانِيهُمَا: لَا يَقَعُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: لَمْ أُرِدْ إِيقَاعَهُ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَاضِي، بَلْ أَرَدْتُ أَنِّي طَلَّقْتُهَا فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي فِي هَذَا النِّكَاحِ وَهِيَ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ أَوْ بَائِنٌ الْآنَ،
فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَتَكُونُ عِدَّتُهَا مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ إِنْ صَدَّقَتْهُ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُهَا أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَذَّبَتْهُ، فَالْعِدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ.
وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهَا إِنْ صَدَّقَتْهُ، قُبِلَ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي أَنَّهُ أَنْشَأَ الطَّلَاقَ، وَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِطَلَاقَيْنِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: قَالَ: أَرَدْتُ أَنِّي طَلَّقْتُهَا فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي وَبَانَتْ، ثُمَّ جَدَّدْتُ نِكَاحَهَا، أَوْ أَنَّ زَوْجًا آخَرَ طَلَّقَهَا فِي نِكَاحٍ سَابِقٍ، قَالَ الْأَصْحَابُ: يُنْظَرُ، إِنْ عُرِفَ نِكَاحٌ سَابِقٌ، فَطَلَاقٌ فِيهِ، أَوْ أَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي إِرَادَتِهِ، فَذَاكَ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَرَدْتُ إِنْشَاءَ طَلَاقٍ الْآنَ، حَلَفَ.
وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ نِكَاحٌ سَابِقٌ، وَطَلَاقٌ فِي ذَلِكَ النِّكَاحِ، وَكَانَ مُحْتَمَلًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ التَّفْسِيرُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً، وَإِلَّا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءًا: طَلَّقَكِ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي زَوْجٌ غَيْرِي، لَا يُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَبَ.
الْحَالُ الْخَامِسُ: أَنْ يَقُولَ: لَمْ أُرِدْ شَيْئًا أَوْ مَاتَ وَلَمْ يُفَسِّرْ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ التَّفْهِيمِ بِالْإِشَارَةِ، فَالصَّحِيحُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلشَّهْرِ الْمَاضِي، فَفِي «الْمُجَرَّدِ» لِلْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِرِضَى فُلَانٍ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّارِيخِ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَالَ: إِذَا مَاتَ أَوْ إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ، فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَضْرِبَكِ بِشَهْرٍ، نُظِرَ إِنْ مَاتَ فُلَانٌ أَوْ قَدِمَ، أَوْ ضَرَبَهَا قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ.
وَقِيلَ: يَقَعُ عِنْدَ الضَّرْبِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ.
حَتَّى لَوْ ضَرَبَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ مَضَى شَهْرٌ أَوْ أَكْثَرُ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالُ أَنَّهُ لَا تَنْحَلُّ لِكَوْنِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ لَيْسَ هُوَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ مَاتَ أَوْ قَدِمَ أَوْ ضَرَبَ بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ، وَتُحْسَبُ الْعِدَّةُ مِنْ يَوْمَئِذٍ.
وَلَوْ مَاتَتْ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقُدُومِ
[دُونَ] شَهْرٍ.
لَا يَرِثُهَا الزَّوْجُ، وَلَوْ خَالَعَهَا قَبْلَ الْقُدُومِ أَوِ الْمَوْتِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْخُلْعِ وَقُدُومِ فُلَانٍ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ، وَقَعَ الْخُلْعُ صَحِيحًا، وَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دُونَ شَهْرٍ وَالطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ ثَلَاثٌ، فَالْخُلْعُ فَاسِدٌ وَالْمَالُ مَرْدُودٌ.
وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ كَذَلِكَ ثُمَّ بَاعَهُ، وَبَيْنَ الْبَيْعِ وَمَوْتِ فُلَانٍ، أَوْ قُدُومِهِ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَحْصُلِ الْعِتْقُ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدَ أَمْسِ، أَوْ أَمْسِ غَدٍ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْيَوْمِ لِأَنَّهُ غَدُ أَمْسِ وَأَمْسِ غَدٍ.
وَلَوْ قَالَ: أَمْسِ غَدًا، أَوْ غَدًا أَمْسِ لَا بِالْإِضَافَةِ، طُلِّقَتْ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنَ الْغَدِ، وَيَلْغُو ذِكْرُ الْأَمْسِ.
هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْبَغَوِيُّ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ مِثْلَهُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ غَدًا، وَأَبْدَى فِيهِ تَوَقُّفًا، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ: أَنْتِ طَالِقٌ الشَّهْرَ الْمَاضِيَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا، وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ، وَلَا يَقَعُ فِي الْغَدِ شَيْءٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ الْيَوْمَ طَلْقَةً وَغَدًا أُخْرَى، طُلِّقَتْ كَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ إِيقَاعَ نِصْفِ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنِصْفِ طَلْقَةٍ غَدًا، فَكَذَلِكَ تُطَلَّقُ طَلْقَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ غَدًا، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَقَعُ طَلْقَتَانِ أَيْضًا، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي أَخَّرَهُ تَعَجَّلَ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدَ الْيَوْمِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ، وَلَا يَقَعُ فِي غَدٍ شَيْءٌ، كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: الْيَوْمَ غَدًا، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَاصِمٍ: لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ شَيْءٌ، وَيَقَعُ فِي غَدٍ طَلْقَةٌ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَعَلَّقَ بِالْغَدِ، وَقَوْلُهُ: بَعْدَهُ الْيَوْمَ، كَتَعْجِيلِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ، فَلَا يَتَعَجَّلُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا، وَبَعْدَ غَدٍ، يَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ، وَلَا يَقَعُ