روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 329-343
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الصَّدَاقِ

صفحات 329-343
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَصْدَقْتُكِ أَبَاكِ فَقَالَتْ: بَلْ أُمِّي، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَتَحَالَفَانِ.
وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْهَا أُمَّهَا، وَتَحْلِفُ هِيَ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْهَا الْأَبَ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَيُعْتَقُ الْأَبُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا الْأَبَ لِتَضَمُّنِهِ الْإِقْرَارَ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهَا وَلَا غُرْمَ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَوِّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: بِعْتُكَ أَبَاكَ فَأَنْكَرَ، عَتَقَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ.
إِنْ قُلْنَا بِالتَّحَالُفِ فَحَلَفَا، عَتَقَ الْأَبُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا قِيمَةُ الْأَبِ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَقُولُ: هُوَ لَهَا، وَهِيَ تُنْكِرُهُ.
وَإِنْ حَلَفَتْ دُونَهُ، عَتَقَ الْأَبَوَانِ.
أَمَّا الْأَبُ، فَبِإِقْرَارِهِ، وَأَمَّا الْأُمُّ، فَلِأَنَّا حَكَمْنَا بِكَوْنِهَا صَدَاقًا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا.
وَإِنْ حَلَفَ دُونَهَا، رَقَّتِ الْأُمُّ، وَعَتَقَ الْأَبُ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ.
وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، عَتَقَ الْأَبُ، وَلَا تَتَمَكَّنُ هِيَ مِنْ طَلَبِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ بَعْدَ الرَّدِّ، كَانَ كَمَنْ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا.
وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: أَصْدَقْتُكِ أَبَاكِ وَنِصْفَ أُمِّكِ وَقَالَتْ: بَلْ أَصْدَقْتَنِي كِلَيْهِمَا، تَحَالَفَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هُنَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ.
فَإِذَا حَلَفَا، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَتُعْتِقُ، وَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ لِاتِّفَاقِهِمَا أَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ الصَّدَاقِ، فَلَمَّا تَحَالَفَا بَطَلَ الصَّدَاقُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّ الْعِتْقِ فَوَجَبَتِ الْقِيمَةُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَتَحَالَفَا.
وَأَمَّا الْأُمُّ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهَا نِصْفُهَا.
فَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، عَتَقَ الْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ وَعَلَيْهَا قِيمَةُ مَا يُعْتَقُ مِنْهَا، وَيَجِيءُ التَّقَاصُّ.
وَلَوْ حَلَفَ الزَّوْجُ دُونَهَا، عَتَقَ الْأَبُ وَنِصْفُ الْأُمِّ، وَلَا سِرَايَةَ إِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً، وَلَا شَيْءَ لَهَا وَلَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِيَمِينِهِ أَنَّ الصَّدَاقَ هُوَ الْأَبُ وَنِصْفُ الْأُمِّ.
وَلَوْ حَلَفَتْ دُونَهُ، حُكِمَ بِكَوْنِهِمَا صَدَاقًا وَعِتْقًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
وَلَوْ قَالَتْ: أَصْدَقْتَنِي الْأُمَّ وَنِصْفَ الْأَبِ، فَقَالَ: لَا بَلِ الْأَبَ وَنِصْفَ الْأُمِّ، تَحَالَفَا.
فَإِذَا حَلَفَا،

فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَيُعْتَقُ مِنَ الْأَبِ نِصْفُهُ لِاتِّفَاقِهِمَا، وَنِصْفُهُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ وَعَلَيْهَا قِيمَةُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْأُمُّ، فَيُعْتَقُ نِصْفُهَا بِاتِّفَاقِهِمَا، وَيَسْرِي إِلَى الْبَاقِي إِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، وَعَلَيْهَا قِيمَةُ مَا عَتَقَ مِنْهَا.

الثَّامِنَةُ: اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا، سَوَاءٌ اخْتَلَفَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ.
فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى قَبْضِ مَالٍ، فَقَالَ: دَفَعْتُهُ صَدَاقًا وَقَالَتْ: بَلْ هَدِيَّةٌ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ تَلَفَّظَ وَاخْتَلَفَا، هَلْ قَالَ: خُذِي هَذَا صَدَاقًا أَمْ قَالَ: هَدِيَّةٌ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
وَإِنِ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَفْظٌ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا نَوَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: بِلَا يَمِينٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَمْ غَيْرِهِ، طَعَامًا أَمْ غَيْرَهُ.
فَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ، وَقَعَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَإِنْ رَضِيَا بِبَيْعِهِ بِالصَّدَاقِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا اسْتَرَدْهُ وَأَدَّى الصَّدَاقَ.
فَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَلَهُ الْبَدَلُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّقَاصِّ.
[وَلَوْ] بَعَثَ إِلَى بَيْتِ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: بَعَثْتُهُ بِعِوَضٍ، وَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إِلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِ.
التَّاسِعَةُ: ادَّعَى دَفْعَ الصَّدَاقِ إِلَى وَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ، أَوِ السَّفِيهَةِ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ.
وَإِنِ ادَّعَى دَفْعَهُ إِلَى وَلِيِّ الْبَالِغَةِ الرَّاشِدَةِ، لَمْ يُسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ إِذْنَهَا، وَسَوَاءٌ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ.
وَفِي الْبِكْرِ وَجْهٌ، [وَ] الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ، هَلْ يَمْلِكُ قَبْضَ مَهْرِ الْبِكْرِ الرَّشِيدَةِ؟ وَالْمَذْهَبُ مَنْعُهُ.
وَفِيهِ قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ، فَاسْتَأْذَنَهَا

فَسَكَتَتْ، لَمْ يَسْتَفِدْ بِسُكُوتِهَا الْإِذْنَ فِي الْقَبْضِ، وَقِيَاسُ الْقَوْلِ أَوِ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ، أَنْ يَسْتَفِيدَهُ وَإِنْ نَهَتْ عَنْهُ كَتَزْوِيجِهَا.
الْعَاشِرَةُ: وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَنْكُوحَةِ، فَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي عَقْدَيْنِ، الْقَوْلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلُ النَّافِي.
وَإِنْ قَالَ: نَكَحْتُ هَاتَيْنِ بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا أَوْ وَلِيُهِمَّا: بَلْ نَكَحْتَ هَذِهِ فَقَطْ بِأَلْفٍ، فَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَى نِكَاحِهَا.
وَأَمَّا الْأُخْرَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.

فَصْلٌ

يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الصَّدَاقِ.
أَصْدَقَهَا جَارِيَةً، ثُمَّ وَطِئَ الْجَارِيَةَ عَالِمًا بِالْحَالِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا مَلَكَتْهَا بِالدُّخُولِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا حَدَّ.
وَعَلَّلُوهُ بِشَيْئَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى مِثْلُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَنِ الْعَوَامِّ.
وَالثَّانِي: اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا تَمْلِكُ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَّا نِصْفَ الصَّدَاقِ.
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا تَمْلِكُ جَمِيعَ الصَّدَاقِ بِالْعَقْدِ، فَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ يُحَدُّ.
وَعَلَى الثَّانِي، لَا وَحَيْثُ قُلْنَا: يُحَدُّ، فَأَوْلَدَهَا، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً.
وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يُحَدُّ، فَالْوَلَدُ نَسِيبٌ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ سُقُوطِهِ.

فَصْلٌ

خَالَعَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، يَتَشَطَّرُ الْمَهْرُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ جَمِيعُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

بَابُ الْوَلِيمَةِ.

هِيَ عَامَّةٌ عَلَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، تَقَعُ عَلَى كُلِّ دَعْوَةٍ تُتَّخَذُ بِسُرُورٍ حَادِثٍ، مِنْ نِكَاحٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
لَكِنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَتُقَيَّدُ فِي غَيْرِهِ، فَيُقَالُ: وَلِيمَةُ الْخِتَانِ وَغَيْرِهِ، وَيُقَالُ لِدَعْوَةِ الْخِتَانِ: إِعْذَارٌ، وَلِدَعْوَةِ الْوِلَادَةِ: عَقِيقَةٌ، وَلِسَلَامَةِ الْمَرْأَةِ مِنَ الطَّلْقِ: خُرْسٌ.
وَقِيلَ: الْخُرْسُ لِطَعَامِ الْوِلَادَةِ، وَلِقُدُومِ الْمُسَافِرِ: نَقِيعَةٌ، وَلِإِحْدَاثِ الْبِنَاءِ: وَكِيرَةٌ، وَلِمَا يُتَّخَذُ لِلْمُصِيبَةِ: وَضِيمَةٌ، وَلِمَا يُتَّخَذُ بِلَا سَبَبٍ: مَأْدُبَةٌ.
قُلْتُ: الْإِعْذَارُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
وَالْخُرْسُ، بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَيُقَالُ: بِالصَّادِ.
الْمَأْدُبَةُ، بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا.
وَالْوَضِيمَةُ، بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ.
وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ: النَّقِيعَةُ لِقُدُومِ الْمُسَافِرِ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَنْ يَتَّخِذُهَا أَهْوَ الْقَادِمُ أَوِ الْمَقْدُومُ عَلَيْهِمْ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَهْلِ اللُّغَةِ.
فَنَقَلَ الْأَزْهَرِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ، أَنَّهُ الْقَادِمُ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْمُحْكَمِ» : هُوَ طَعَامٌ يُصْنَعُ لِلْقَادِمِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كَالْأُضْحِيَةِ وَسَائِرِ الْوَلَائِمِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقَطَعَ الْقَفَّالُ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْوَلَائِمِ، فَمُسْتَحَبَّةٌ، لَيْسَ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَلَا يَتَأَكَّدُ تَأَكُّدَ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوبِ سَائِرِ الْوَلَائِمِ قَوْلًا؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا: وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا.
فَرْعٌ أَقَلُّ الْوَلِيمَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، لِلْمُتَمَكِّنِ شَاةٌ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ، اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ وَأَمَّا الْإِجَابَةُ إِلَى الدَّعْوَةِ، فَفِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِنْ أَوْجَبْنَا الْوَلِيمَةَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ نُوجِبْهَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْأَصَحِّ، صَحَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ «مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا» . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ.
وَأَمَّا غَيْرُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِجَابَةَ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ.
وَقِيلَ: بِطَرْدِ الْخِلَافِ فِي الْوُجُوبِ.
وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْإِجَابَةَ، فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ.
ثُمَّ إِنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ أَوْ تُسْتَحَبُّ بِشُرُوطٍ.
مِنْهَا: أَنْ يَعُمَّ عَشِيرَتَهُ أَوْ جِيرَانَهُ، أَوْ أَهْلَ حِرْفَتِهِ، أَغْنِيَاءَهُمْ وَفُقَرَاءَهُمْ، دُونَ مَا إِذَا خَصَّ الْأَغْنِيَاءَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَخُصَّهُ بِالدَّعْوَةِ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ شَخْصًا.
فَأَمَّا إِذَا فَتَحَ بَابَ دَارِهِ وَقَالَ: لِيَحْضُرْ مَنْ أَرَادَ، أَوْ بَعَثَ شَخْصًا لِيُحْضِرَ مَنْ شَاءَ، أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ: احْضَرْ وَأَحْضِرْ

مَعَكَ مَنْ شِئْتَ، فَقَالَ لِغَيْرِهِ: احْضَرْ، فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ وَلَا تُسْتَحَبُّ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ إِحْضَارُهُ لِخَوْفٍ مِنْهُ، أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهِهِ، أَوْ لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ، بَلْ تَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ، أَوِ التَّوَدُّدِ.
وَمِنْهَا، أَنْ يَدْعُوَهُ مُسْلِمٌ.
فَإِنْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ فَهَلْ هُوَ كَالْمُسْلِمِ أَمْ لَا تَجِبُ قَطْعًا؟ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَلَا يَكُونُ الِاسْتِحْبَابُ فِي إِجَابَتِهِ كَالِاسْتِحْبَابِ فِي دَعْوَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ عَنْ طَعَامِهِ لِنَجَاسَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ الْفَاسِدِ، وَتُكْرَهُ مُخَالَطَةُ الذِّمِّيِّ وَمُوَادَّتُهُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ.
فَلَوْ أَوْلَمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَالْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَكْرُوهَةٌ، وَفِي الثَّانِي لَا تَجِبُ قَطْعًا، وَلَا يَكُونُ اسْتِحْبَابُهَا كَالِاسْتِحْبَابِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ.
فَرْعٌ إِذَا اعْتَذَرَ الْمَدْعُوُّ إِلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، فَرَضِيَ بِتَخَلُّفِهِ، زَالَ الْوُجُوبُ وَارْتَفَعَتْ كَرَاهَةُ التَّخَلُّفِ.
فَرْعٌ دَعَاهُ جَمَاعَةٌ، أَجَابَ الْأَسْبَقَ، فَإِنْ جَاءَا مَعًا، أَجَابَ الْأَقْرَبَ رَحِمًا، ثُمَّ الْأَقْرَبَ دَارًا كَالصَّدَقَةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ.
فَإِنْ كَانَ، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي التَّخَلُّفِ.
وَأَشَارَ فِي «الْوَسِيطِ» إِلَى وَجْهٍ فِيهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمَلَاهِي.
فَإِنْ كَانَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الشَّخْصُ مِمَّنْ إِذَا حَضَرَ رُفِعَ الْمُنْكَرُ، فَلْيَحْضُرْ إِجَابَةً لِلدَّعْوَةِ وَإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْضُرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ وَلَا يَسْتَمِعْ وَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ يُضْرَبُ الْمُنْكَرُ فِي جِوَارِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّحَوُّلُ وَإِنْ

بَلَغَهُ الصَّوْتُ، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْعِرَاقِيُّونَ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: يَحْرُمُ الْحُضُورُ لِأَنَّهُ كَالرِّضَى بِالْمُنْكَرِ وَإِقْرَارِهِ.
قُلْتُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ غَلَطٌ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْ كُلِّ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ خَطَأٌ، وَلَا يُغْتَرُّ بِجَلَالَةِ صَاحِبِ «التَّنْبِيهِ» وَنَحْوِهِ مِمَّنْ ذَكَرَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالثَّانِي، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَضَرَ، نَهَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا، فَلْيَخْرُجْ.
وَفِي جَوَازِ الْقُعُودِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ، بِأَنْ كَانَ فِي اللَّيْلِ وَيَخَافُ مِنَ الْخُرُوجِ، قَعَدَ كَارِهًا وَلَا يَسْتَمِعُ.
وَلَوْ كَانُوا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِي إِبَاحَتِهِ، لَمْ يُنْكِرْهُ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ حَاضِرُهُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَكَالْمُنْكَرِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَقِيلَ: لَا.
فَرْعٌ وَمِنَ الْمُنْكَرَاتِ، فَرْشُ الْحَرِيرِ وَصُوَرُ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى السُّقُوفِ وَالْجُدْرَانِ، وَالثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ، وَالسُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ، وَالْوَسَائِدِ الْكِبَارِ الْمَنْصُوبَةِ، وَلَا بَأْسَ بِمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَالْبِسَاطِ الَّذِي يُدَاسُ، وَالْمَخَادِّ الَّتِي يُتَّكَأُ عَلَيْهَا، وَلْيَكُنْ فِي مَعْنَاهَا الطَّبَقُ وَالْخُوَانُ، وَالْقَصْعَةُ.
وَلَا بَأْسَ بِصُوَرِ الْأَشْجَارِ، وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ.
وَفِي وَجْهٍ: يُكْرَهُ صُورَةُ الشَّجَرِ.
وَلَوْ كَانَتْ صُوَرُ الْحَيَوَانَاتِ مَقْطُوعَةَ الرُّءُوسِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنَعَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَهَلْ دُخُولُ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ الْمَمْنُوعَةُ حَرَامٌ

أَمْ مَكْرُوهٌ؟ وَجْهَانِ.
وَبِالتَّحْرِيمِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَبِالْكَرَاهَةِ قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَالصَّيْدَلَانِيُّ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ» . وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ فِي الْمَمَرِّ دُونَ مَوْضِعِ الْجُلُوسِ، فَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ وَالْجُلُوسِ، وَلَا يَتْرُكُ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ بِهَذَا السَّبَبِ.
وَكَذَا لَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ الَّذِي عَلَى بَابِهِ صُوَرٌ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
فَرْعٌ يَحْرُمُ عَلَى الْمُصَوِّرِ التَّصْوِيرَ عَلَى الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً.
وَفِي نَسْجِ الثِّيَابِ الْمُصَوَّرَةِ وَجْهَانِ، جَوَّزَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا قَدْ لَا تُلْبَسُ، وَرَجَّحَ الْمَنْعَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ لَعَنَ اللَّهُ الْمُصَوِّرِينَ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَطَرَدَ الْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ فِي التَّصْوِيرِ عَلَى الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا، وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ.
قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَوِّرَ، لَكِنْ إِنِ اتَّفَقَ يُسَامَحُ بِهِ وَلَا يَجِبُ طَمْسُهُ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ تَحْرِيمُ التَّصْوِيرِ عَلَى الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

الصَّوْمُ لَيْسَ عُذْرًا فِي تَرْكِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ.
فَإِذَا حَضَرَ الصَّائِمُ، إِنْ كَانَ صَوْمَ

فَرْضٍ مُضَيَّقَ الْوَقْتِ، حَرُمَ الْفِطْرُ.
وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ، فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزِ الْخُرُوجَ مِنْهُ، حَرُمَ الْفِطْرُ، وَإِلَّا [فَقِيلَ] هُوَ كَصَوْمِ النَّفْلِ.
وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ كَرَاهَةُ الْخُرُوجِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ.
وَإِنْ كَانَ صَوْمَ نَفْلٍ، فَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ إِمْسَاكُهُ، اسْتُحِبَّ إِتْمَامُ صَوْمِهِ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، اسْتُحِبَّ الْفِطْرُ.
أَمَّا الْمُفْطِرُ، فَفِي أَكْلِهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ وَأَقَلُّهُ لُقْمَةٌ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.

فَصْلٌ

دَعَاهُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، كُرِهَتْ إِجَابَتُهُ كَمَا تُكْرَهُ مُعَامَلَتُهُ.
فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ عَيْنَ الطَّعَامِ حَرَامٌ، حَرُمَتْ إِجَابَتُهُ.

فَصْلٌ

الْمَرْأَةُ إِذَا دَعَتِ النِّسَاءَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الرِّجَالِ.
فَإِنْ دَعَتْ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا، وَجَبَتِ الْإِجَابَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ خَلْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ.
قُلْتُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ: لَوْ دَعَتْهُ أَجْنَبِيَّةٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَحْرَمٌ لَهُ وَلَا لَهَا، وَلَمْ يُخْلَ بِهِ، بَلْ جَلَسَتْ فِي بَيْتٍ، وَبَعَثَتِ الطَّعَامَ مَعَ خَادِمٍ إِلَيْهِ إِلَى بَيْتٍ آخَرَ مِنْ دَارِهَا، لَمْ يُجِبْهَا مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالضِّيَافَةِ.
إِحْدَاهَا: لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْكُلَ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَفْظًا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَنْتَظِرُ حُضُورَ غَيْرِهِ، فَلَا يَأْكُلْ حَتَّى يَحْضُرَ أَوْ يَأْذَنَ الْمُضِيفُ لَفْظًا.
وَفِي «الْوَسِيطِ» أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ الِاكْتِفَاءُ بِقَرِينَةِ التَّقْدِيمِ، وَلِلْقَرِينَةِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَابِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الشُّرْبُ مِنَ الْحَبَابِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الطُّرُقِ، وَكَانَ السَّلَفُ يَأْكُلُونَ مِنْ بُيُوتِ إِخْوَانِهِمْ لِلِانْبِسَاطِ وَهُمْ غُيَّبٌ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: تَقْدِيمُ الطَّعَامِ، إِنَّمَا يَكْفِي إِذَا دَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ دَعْوَةً، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِذْنِ لَفْظًا، إِلَّا إِذَا جَعَلْنَا الْمُعَاطَاةَ بَيْعًا، وَقَرِينَةُ التَّقْدِيمِ لَا تَخْتَلِفُ لِسَبْقِ الدَّعْوَةِ وَعَدَمِهِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ بِتَقْدِيمِ الطَّعَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ بِلَا لَفْظٍ، سَوَاءٌ دَعَاهُ أَمْ لَا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُنْتَظِرًا غَيْرَهُ كَمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الصَّدِيقِ وَبُسْتَانِهِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ غَيْبَتِهِ فَجَائِزٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: هَلْ يَمْلِكُ الضَّيْفُ مَا يَأْكُلُهُ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الْقَفَّالُ: لَا بَلْ هُوَ إِتْلَافٌ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَأْكُلْ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: نَعَمْ.
وَبِمَ يَمْلِكُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
قِيلَ: بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقِيلَ: بِالْأَخْذِ، وَقِيلَ: بِوَضْعِهِ

فِي الْفَمِ، وَقِيلَ: بِالِازْدِرَادِ يَتَبَيَّنُ حُصُولُ الْمِلْكِ قُبَيْلَهُ.
وَضَعَّفَ الْمُتَوَلِّي مَا سِوَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ.
وَعَلَى الْأَوْجُهِ يَنْبَنِي التَّمَكُّنُ مِنَ الرُّجُوعِ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : إِذَا قُلْنَا: يَمْلِكُهُ بِالْأَخْذِ أَوْ بِالْوَضْعِ فِي الْفَمِ، فَهَلْ لِلْآخِذِ إِبَاحَتُهُ لِغَيْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ [وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ] لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يُعِيرُ الْمُسْتَعَارَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ مِنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: هَذَا لَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِهِمَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: لَيْسَ لِلضَّيْفِ التَّصَرُّفُ فِي الطَّعَامِ بِمَا سِوَى الْأَكْلِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْئًا، إِلَّا إِذَا أَخَذَ مَا يَعْلَمُ رِضَى الْمَالِكِ بِهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْمَأْخُوذِ وَجِنْسِهِ، وَبِحَالِ الْمُضِيفِ وَالدَّعْوَةِ.
فَإِنْ شَكَّ فِي وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّ الْمُسَامَحَةِ، فَالصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ، وَلَيْسَ لِلضَّيْفِ إِطْعَامُ السَّائِلِ وَالْهِرَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُلْقِمَ الْأَضْيَافُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِلَّا إِذَا فَاوَتَ بَيْنَهُمْ فِي الطَّعَامِ، فَلَيْسَ لِمَنْ خُصَّ بِنَوْعٍ أَنْ يُطْعِمُوا مِنْهُ غَيْرَهُمْ، وَيُكْرَهَ لِلْمُضِيفِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
الرَّابِعَةُ: يَحْرُمُ التَّطَفُّلُ، وَاسْتَثْنَى الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: إِذَا كَانَ فِي الدَّارِ ضِيَافَةٌ، جَازَ لِمَنْ بَيْنُهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الطَّعَامِ انْبِسَاطٌ أَنْ يَدْخُلَ وَيَأْكُلَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ

فِي آدَابِ الْأَكْلِ مِنْهَا: أَنْ يَقُولَ أَوَّلًا: بِاسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ قَالَ إِذَا تَذَكَّرَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَأَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ قَبْلَ الْأَكْلِ وَبَعْدَهُ، وَأَنْ يَأْكُلَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، وَأَنْ يَدْعُوَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ إِنْ كَانَ ضَيْفًا، وَيَقُولَ: «أَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ.
وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا، وَأَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِي آكِلِيهِ، وَأَنْ يَأْكُلَ مِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ وَأَعْلَى الثَّرِيدِ وَنَحْوَهُ، وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْفَوَاكِهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَعِيبَ الطَّعَامَ، وَأَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَنْ يَأْكُلَ بِشِمَالِهِ، وَأَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، وَأَنْ يَنْفُخَ فِيهِ.
وَلَا يُكْرَهُ الشُّرْبُ قَائِمًا، وَحَمَلُوا النَّهْيَ الْوَارِدَ عَلَى حَالَةِ السَّيْرِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ تَأْوِيلِ النَّهْيِ عَلَى حَالَةِ السَّيْرِ، قَدْ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَالْمُتَوَلِّي، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ آخَرُونَ بِخِلَافِ هَذَا.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا بِلَا عُذْرٍ خِلَافَ الْأَوْلَى، لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» . وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ الصَّحِيحَانِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ قَائِمًا، فَمَحْمُولَانِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.
وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ بِأَشْيَاءَ بَاطِلَةٍ، أَوْضَحْتُ جَوَابَهَا فِي شَرْحِ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» . وَيُكْرَهُ الشُّرْبَ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ.
وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ: حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آخِرِهِ.
وَكَذَلِكَ فِي آخِرِ الشُّرْبِ فَيَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» . ثَبَتَ ذَلِكَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا أَذْكَارٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ جَمَعْتُ

مَقَاصِدَهَا فِي كِتَابِ أَذْكَارِ الطَّعَامِ مِنْ كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» ، وَشَرَحْتُ فِيهِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَحْسَنَ شَرْحٍ وَأَوْجَزَهُ، مَعَ جُمَلٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَطْعِمَةِ.
وَقَوْلُهُ: رَبَّنَا، يَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَوِ النِّدَاءِ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَإِذَا أَكَلَ جَمَاعَةٌ، فَمِنَ الْأَدَبِ أَنْ يَتَحَدَّثُوا عَلَى طَعَامِهِمْ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَمَخَّطَ وَيَبْصُقَ فِي حَالِ أَكْلِهِمْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَرِّبَ فَمَهُ مِنَ الْقَصْعَةِ بِحَيْثُ يَرْجِعُ مِنْ فَمِهِ إِلَيْهَا شَيْءٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْعَقَ الْقَصْعَةَ، وَأَنْ يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، وَأَنْ يَأْكُلَ اللُّقْمَةَ السَّاقِطَةَ مَا لَمْ تَتَنَجَّسْ وَيَتَعَذَّرْ تَطْهِيرُهَا؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ.
وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَأْكُلَ الشَّخْصُ وَحْدَهُ، وَأَنْ لَا يَرْتَفِعَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْغُلَامِ وَالصِّبْيَانِ وَالزَّوْجَةِ، وَأَنْ لَا يَتَمَيَّزَ عَلَى جُلَسَائِهِ بِنَوْعٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَدَوَاءٍ، وَنَحْوِهِ، وَأَنْ يَمُدَّ الْأَكْلَ مَعَ رُفْقَتِهِ مَا دَامَ يَظُنُّ لَهُمْ حَاجَةً إِلَى الْأَكْلِ، وَأَنْ يُؤْثِرَهُمْ بِفَاخِرِ الطَّعَامِ، كَقِطْعَةِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ لَيِّنٍ، أَوْ طَيِّبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ اسْتِحْبَابُ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ آكِلٍ، حَتَّى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْهَرَ بِهَا جَهْرًا يَسْمَعُهُ رُفْقَتُهُ سَمَاعًا مُحَقَّقًا؛ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا، وَلِيَتَنَبَّهَ غَيْرُهُ لَهَا وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَنْ يُسَمِّيَ.
فَإِنْ سَمَّى وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ، أَجَزَأَ عَنِ الْبَاقِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» وَفِي «طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ» فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي قَوْلُ أَحَدِ الْجَمَاعَةِ.
وَمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ لِعَارِضٍ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ فِي أَثْنَاءِ أَكْلِهِ، سَمَّى، كَمَا لَوْ نَسِيَهَا، وَسَبَقَ مِثْلُهُ فِي الْوُضُوءِ، وَالتَّسْمِيَةِ فِي الْمَشْرُوبِ كَالْمَأْكُولِ.
وَلَا بَأْسَ

بِقَوْلِهِ: لَا أَشْتَهِي هَذَا الطَّعَامَ، أَوْ مَا اعْتَدْتُ أَكْلَهُ، لِحَدِيثِ الضَّبِّ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَمْ يَأْكُلْ أَنْ يَدْعُوَ لِأَهْلِ الطَّعَامِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّرْحِيبُ بِالضَّيْفِ وَحَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حُصُولِهِ ضَيْفًا عِنْدَهُ، وَسُرُورُهُ بِهِ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ لِجَعْلِهِ أَهْلًا لِتَضْيِيفِهِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

يَجُوزُ نَثْرُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالتَّمْرِ وَالسُّكَّرِ وَنَحْوِهَا فِي الْإِمْلَاكَاتِ.
وَهَلْ يُكْرَهُ أَمْ يُسْتَحَبُّ، أَمْ لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ، بَلْ تَرْكُهُ أَوْلَى؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا الثَّالِثُ.
وَالْتِقَاطُ النِّثَارِ جَائِزٌ، لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، إِلَّا إِذَا عُرِفَ أَنَّ النَّاثِرَ لَا يُؤْثِرُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يَقْدَحِ الِالْتِقَاطُ فِي مُرُوءَتِهِ، ثُمَّ مَنِ الْتَقَطَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ.
وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُ تَمْلِيكٍ لِمُعَيَّنٍ وَالثَّانِي: يَمْلِكُ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ، وَالْأَئِمَّةُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَمْيَلُ، وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ أَكْثَرِهِمْ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، لِلنَّاثِرِ الِاسْتِرْجَاعُ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَهُ الِاسْتِرْجَاعُ مَا لَمْ يَخْرُجِ الْمُلْتَقِطُ مِنَ الدَّارِ، وَعَلَيْهِ الْغُرْمُ إِنْ أَتَلَفَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ فَهَلْ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ النَّاثِرِ بِالنَّثْرِ، أَمْ بِأَخْذِ الْمُلْتَقِطِ، أَمْ بِإِتْلَافِهِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْأَخْذِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمَنْ وَقَعَ فِي حَجْرِهِ شَيْءٌ مِنَ النِّثَارِ، فَإِنْ بَسَطَهُ لِذَلِكَ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ.
فَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ بِنَفْسِ الْوُقُوعِ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيُمْنَعُ غَيْرُهُ مِنْ أَخْذِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَبْسُطْهُ لَهُ، لَمْ يَمْلِكْهُ، لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَالْفِعْلِ.
فَإِنْ نَفَضَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ أَوَّلًا، وَإِلَّا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ.
فَلَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ، فَفِي مِلْكِهِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ، فِيمَا لَوْ عَشَّشَ طَائِرٌ فِي مِلْكِهِ فَأَخَذَ فَرْخَهُ غَيْرُهُ.
وَفِيمَا إِذَا دَخَلَ السَّمَكُ مَعَ الْمَاءِ حَوْضَهُ، وَفِيمَا إِذَا وَقَعَ الثَّلْجُ فِي مِلْكِهِ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ، وَفِيمَا إِذَا أَحْيَا مَا يَحْجُرُهُ غَيْرُهُ.
لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْمُحْيِيَ يَمْلِكُ.
وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَيْلُهُمْ إِلَى الْمَنْعِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَجِّرَ غَيْرُ مَالِكٍ فَلَيْسَ الْإِحْيَاءُ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَوْ سَقَطَ مِنْ حَجْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْصِدَ أَخْذَهُ، أَوْ قَامَ فَسَقَطَ، بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ، كَمَا لَوْ طَارَ الْفَرْخُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهُ بِلَا خِلَافٍ.
ثُمَّ اخْتِصَاصُ مَنْ وَقَعَ فِي حَجْرِهِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ هُوَ مِمَّنْ يَأْخُذُهُ.
أَمَّا مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ وَلَا يَرْغَبُ فِيهِ، فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِهِ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ مِنْ حَجْرِهِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَيُكْرَهُ أَخْذُ النِّثَارِ مِنَ الْهَوَاءِ بِالْمُلَاءَةِ وَالْأُزُرِ الْمَرْبُوطَةِ بِرُءُوسِ الْخَشَبِ.
فَإِنْ أُخِذَ كَذَلِكَ اسْتَحَقَّهُ؛ وَنَثْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، كَنَثْرِ السُّكَّرِ ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ.
قُلْتُ: وَلَوِ الْتَقَطَ النِّثَارَ صَبِيٌّ مَلَكَهُ، وَلَوِ الْتَقَطَهُ عَبَدٌ مَلَكَهُ سَيِّدُهُ، ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ، وَالْخِتَانُ فِي هَذَا كَإِمْلَاكٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل