روضة الطالبين وعمدة المفتينكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْكُفَّارِ، مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا يُحَصَّلُ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ، وَإِلَى حَاصِلٍ بِذَلِكَ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ: فَيْئًا.
وَالثَّانِي: غَنِيمَةً.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسْعُودِيُّ وَطَائِفَةٌ أَنَّ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالَيْنِ يَقَعُ عَلَى الْآخَرِ إِذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا، افْتَرَقَا؛ كَاسْمَيِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ وَغَيْرُهُ: اسْمُ الْفَيْءِ يَشْمَلُ الْمَالَيْنِ، وَاسْمُ الْغَنِيمَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَوَّلَ.
وَفِي لَفْظِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ مَا يُشْعِرُ بِهِ.
وَبَيَانُ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ يَقَعُ فِي بَابَيْنِ: [الْبَابُ] الْأَوَّلُ فِي الْفَيْءِ فَمِنْهُ مَا جَلَا عَنْهُ الْكُفَّارُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا سَمِعُوا خَبَرَهُمْ أَوْ لِضُرٍّ أَصَابَهُمْ، وَجِزْيَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَلَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَعُشُورُ تِجَارَاتِهِمُ الْمَشْرُوطَةُ عَلَيْهِمْ إِذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَنَا، وَلَا وَارِثَ لَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُخَمَّسٌ عَلَى مَا سَن

ُفَصِّلُ

هُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَحُكِيَ عَنِ الْقَدِيمِ: أَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ لَا يُخَمَّسُ.
فَقِيلَ: يَخْتَصُّ هَذَا الْقَوْلُ بِالْمُرْتَدِّ، وَيُخَمَّسُ مَا سِوَاهُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يَسْتَصْحِبُ بِهِ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَتَلْزَمُهُ الْحُدُودُ.
وَقِيلَ: مَا تَرَكُوهُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُخَمَّسُ قَطْعًا، وَفِيمَا سِوَاهُ يَطَّرِدُ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ فِي جَمِيعِ مَالِ الْفَيْءِ قَوْلَيْنِ: الْجَدِيدُ: يُخَمَّسُ كَالْغَنِيمَةِ.
وَالْقَدِيمُ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ صُولِحُوا عَلَى الضِّيَافَةِ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لِأَهْلِ الْخُمُسِ فِي مَالِ الضِّيَافَةِ، بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ الطَّارِقُونَ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يُخَمَّسُ،

فَحُكْمُ جَمِيعِ الْمَالِ حُكْمُ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى قَوْلِنَا بِالتَّخْمِيسِ، وَفِي مَصْرِفِهَا خِلَافٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي ((الْحِلْيَةِ)) : لَوْ صَالَحُونَا عَلَى مَالٍ عِنْدَ الْقِتَالِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.

فَصْلٌ

مَالُ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، فَأَرْبَعَةٌ يَأْتِي بَيَانُ مَصْرِفِهَا، وَالْخُمُسُ الْآخَرُ يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةٍ: أَحَدُهَا: السَّهْمُ الْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَصَالِحِهِ، وَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي السِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ.
وَأَمَّا بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيُصْرَفُ هَذَا السَّهْمُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَسَدِّ الثُّغُورِ، وَعِمَارَةِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ، وَيُقَدَّمُ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ.
وَنَقَلَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ هَذَا السَّهْمَ يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ: أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ جَعَلَ هَذَا قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ.
وَحَكَى فِي الْوَسِيطِ وَجْهًا: أَنَّ هَذَا السَّهْمَ يُصْرَفُ إِلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذَانِ النَّقْلَانِ شَاذَّانِ مَرْدُودَانِ.
السَّهْمُ الثَّانِي: لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، يَشْتَرِكُ فِيهِ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ وَكَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ وَذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، بِشَرْطِ كَوْنِ الِانْتِسَابِ بِالْآبَاءِ، فَلَا يُعْطَى أَوْلَادُ الْبَنَاتِ.
قُلْتُ: وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ كَجٍّ وَجْهًا فِي اخْتِصَاصِهِ بِفُقَرَائِهِمْ، وَهُوَ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَا يُفَضَّلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِالذُّكُورَةِ، فَلِلذَّكَرِ سَهْمَانِ، وَلِلْأُنْثَى سَهْمٌ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يُسَوَّى بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْمُدْلِي بِجِهَتَيْنِ يُفَضَّلُ عَلَى الْمُدْلِي بِجِهَةٍ.
فَرْعٌ يُعَمُّ بِالْعَطَاءِ الْحَاضِرُ فِي مَوْضِعِ حُصُولِ الْفَيْءِ وَالْغَائِبُ عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: مَا حَصَلَ فِي إِقْلِيمٍ، دُفِعَ إِلَى مَنْ فِيهِ، لِمَشَقَّةِ النَّقْلِ.
وَاحْتَجُّوا لِلصَّحِيحِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِرْثِ.
وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ، فَيَأْمُرُ الْإِمَامُ أُمَنَاءَهُ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ بِضَبْطِ مَنْ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَقْلُ مَا فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ إِلَى جَمِيعِ الْأَقَالِيمِ، بَلِ الْحَاصِلُ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ يُضْبَطُ، يُفَرَّقُ عَلَى سَاكِنِيهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَعْضِهَا شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَفِ بِمَنْ فِيهِ، نُقِلَ قَدْرُ الْحَاجَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ كَانَ الْحَاصِلُ قَدْرًا لَوْ وُزِّعَ لَمْ يَسُدَّ مَسَدًّا، قُدِّمَ الْأَحْوَجُ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ لِلضَّرُورَةِ.
السَّهْمُ الثَّالِثُ: لِلْيَتَامَى.
وَالْيَتِيمُ: الصَّغِيرُ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ، قِيلَ: وَلَا جَدَّ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَقْرُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: عَلَى الصَّحِيحِ.
السَّهْمُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: الْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي الزَّكَاةِ.
فَرْعٌ فِي تَعْمِيمِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَتَخْصِيصِ الْحَاصِلِ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ وَنَاحِيَةٍ بِأَهْلِهِ، الْخِلَافُ فِي أَهْلِ الْقُرْبَى، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ.

فَرْعٌ سَبَقَ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ: أَنَّ عِنْدَ الِانْفِرَادِ يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ فِي اسْمِ الْمَسَاكِينِ، وَعَكْسِهِ، وَلَفْظُ الْمَسَاكِينِ هُنَا مُفْرَدٌ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْفُقَرَاءُ، وَحِينَئِذٍ مُقْتَضَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ تَعْمِيمِ مَسَاكِينِ الْإِقْلِيمِ أَوِ الْعَالَمِ تَنَاوَلَ الْفُقَرَاءَ أَيْضًا، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ بَعْضِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ حَاجَةً، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَهُمْ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُمَا دَاخِلَانِ فِي الِاسْمِ.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ يَجُوزُ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَ الْيَتَامَى، وَكَذَا فِي الْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَ بِالْحَاجَةِ، فَتُرَاعَى حَاجَاتُهُمْ، بِخِلَافِ ذَوِي الْقُرْبَى، فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ بِالْقَرَابَةِ.
فَرْعٌ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ: اخْتِصَاصُهُ بِيَتَامَى الْمُرْتَزِقَةِ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ مِثْلَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ.

فَرْعٌ إِذَا فُقِدَ بَعْضُ الْأَصْنَافِ، وُزِّعَ نَصِيبُهُ عَلَى الْبَاقِينَ كَالزَّكَاةِ، إِلَّا سَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُ لِلْمَصَالِحِ كَمَا ذَكَرْنَا.
فَرْعٌ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى كَافِرٍ.
فَرْعٌ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى إِعْطَاءِ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْيَتَامَى، وَلَا مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَلَا مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ، كَمَا قُلْنَا فِي الزَّكَاةِ إِذَا فَرَّقَهَا الْإِمَامُ.
قُلْتُ: لَا يَجُوزُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى إِلَى مَوَالِيهِمْ، قَالَ صَاحِبُ ((التَّلْخِيصِ)) : لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مِسْكِينٌ أَوِ ابْنُ سَبِيلٍ، قُبِلَ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا يُقْبَلُ الْيُتْمُ وَالْقَرَابَةُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، فَفِي مَصْرِفِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَظْهَرُهَا: أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ الْمُرْصَدِينَ لِلْجِهَادِ.
وَالثَّانِي: لِلْمَصَالِحِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُقَسَّمُ كَمَا يُقَسَّمُ الْخُمُسُ، فَيُقَسَّمُ جَمِيعُ الْفَيْءِ عَلَى الْخَمْسَةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ، وَهَذَا غَرِيبٌ.
فَعَلَى الثَّانِي: نَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ

فَالْأَهَمِّ.
وَأَهَمُّهَا تَعَهُّدُ الْمُرْتَزِقَةِ.
وَكَذَا حُكْمُ خُمُسُ الْخُمْسِ.
فَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الْمَصْرِفَ الْمُرْتَزِقَةُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِيمَا فَضَلَ عَنْهُمْ.
فَرْعٌ وَلِلْإِمَامِ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْمُرْتَزِقَةِ وَظَائِفُ: إِحْدَاهَا: يَضَعُ دِيوَانًا.
قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَهُوَ الدَّفْتَرُ الَّذِي يُثْبَتُ فِيهِ الْأَسْمَاءُ.
فَيُحْصِي الْمُرْتَزِقَةَ بِأَسْمَائِهِمْ، وَيَنْصِبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ عَدَدٍ يَرَاهُ عَرِّيفًا لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ أَحْوَالَهُمْ، وَيَجْمَعَهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيُثْبِتُ [فِيهِ] قَدْرَ أَرْزَاقِهِمْ.
قُلْتُ: نَصْبُ الْعَرِّيفِ مُسْتَحَبٌّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: يُعْطِي كُلَّ شَخْصٍ قَدْرَ حَاجَتِهِ، فَيَعْرِفُ حَالَهُ وَعَدَدَ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ وَقَدْرَ نَفَقَتِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ وَسَائِرَ مَؤُنَتِهِمْ، وَيُرَاعِي الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ، وَمَا يَعْرِضُ مِنْ رُخْصٍ وَغَلَاءٍ، وَحَالَ الشَّخْصِ فِي مُرُوءَتِهِ وَضِدِّهَا، وَعَادَةَ الْبَلَدِ فِي الْمَطَاعِمِ، فَيَكْفِيهِ الْمَئُونَاتِ لِيَتَفَرَّغَ لِلْجِهَادِ، فَيُعْطِيهِ لِأَوْلَادِهِ الَّذِينَ هُمْ فِي نَفَقَتِهِ أَطْفَالًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا، وَكُلَّمَا زَادَتِ الْحَاجَةُ بِالْكِبَرِ، زَادَ فِي حِصَّتِهِ.
وَهَلْ يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَتَعَهَّدُ مِنْهُ الْأَوْلَادَ؟ أَمْ يَتَوَلَّى الْإِمَامُ تَعَهُّدَهُمْ بِنَفْسِهِ؟ أَوْ بِنَائِبٍ لَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُعْطِي الْأَوْلَادَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا كَانَ لَهُ عَبْدٌ يَقْتَنِيهِ لِلزِّينَةِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ، لَمْ يُعْطَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُ أَوْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْغَزْوِ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا، أُعْطِيَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ يَخْدُمُهُ وَهُوَ مِمَّنْ يُخْدَمُ، بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ [لَهُ] عَبْدٌ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ، أَعْطَاهُ الْإِمَامُ عَبْدًا، وَلَا يُعْطِي إِلَّا لِعَبْدٍ وَاحِدٍ.
وَفِي الزَّوْجَاتِ، يُعْطِي لِلْجَمَاعَةِ.

وَإِذَا نَكَحَ جَدِيدَةً، زَادَ فِي الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ نِهَايَتَهُنَّ أَرْبَعٌ، وَالْعَبِيدُ لَا حَصْرَ لَهُمْ، وَكَأَنَّ هَذَا فِي عَبِيدِ الْخِدْمَةِ.
فَأَمَّا الَّذِينَ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مَصْلَحَةُ الْجِهَادِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَ لَهُمْ وَإِنْ كَثُرُوا.
قُلْتُ: كَذَا هُوَ مَنْقُولٌ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ فِي عَبِيدِ الْخِدْمَةِ عَلَى وَاحِدٍ إِذَا حَصَلَتْ بِهِ الْكِفَايَةُ.
فَأَمَّا مَنْ لَا تَحْصُلُ كِفَايَتُهُ إِلَّا بِخِدْمَةِ عَبِيدٍ، فَيُعْطِي لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْوَجْهُ الشَّاذُّ فِي الْأَوْلَادِ يَجْرِي فِي الزَّوْجَاتِ وَالْعَبِيدِ.
فَرْعٌ يُعْطَى الْمُرْتَزِقُ مُؤْنَةَ فَرَسِهِ، بَلْ يُعْطَى الْفَرَسَ إِذَا كَانَ يُقَاتِلُ فَارِسًا وَلَا فَرَسَ لَهُ، وَلَا يُعْطَى لِلدَّوَابِّ الَّتِي يَتَّخِذُهَا زِينَةً وَنَحْوَهَا.
فَرْعٌ يُعْطَى كُلٌّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ، وَلَا يُفَضَّلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشَرَفِ نَسَبٍ أَوْ سَبْقٍ فِي الْإِسْلَامِ أَوِ الْهِجْرَةِ وَسَائِرِ الْخِصَالِ الْمَرْضِيَّةِ، بَلْ يَسْتَوُونَ كَالْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ.
وَفِي وَجْهٍ: يُفَضَّلُ إِذَا اتَّسَعَ الْمَالُ.
الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ فِي الْإِعْطَاءِ وَفِي إِثْبَاتِ الِاسْمِ فِي الدِّيوَانِ قُرَيْشًا عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، بْنِ خُزَيْمَةَ، بْنِ مُدْرِكَةَ، بْنِ إِلْيَاسَ، بْنِ مُضَرَ، بْنَ نِزَارِ، بْنِ مَعَدِّ، بْنِ عَدْنَانَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّسَّابِينَ،

وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ.
وَقِيلَ: هُمْ وَلَدُ إِلْيَاسَ.
وَقِيلَ: وَلَدُ مُضَرَ.
وَقِيلَ: وَلَدُ فِهْرَ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ.
ثُمَّ يُقَدِّمُ مِنْ قُرَيْشٍ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ: مُحَمَّدُ، بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ، بْنِ عَبْدِ مُنَافِ، بْنِ قُصَيٍّ، بْنِ كِلَابٍ، بْنِ مُرَّةٍ، بْنِ كَعْبِ، بْنِ لُؤَيِّ، بْنِ غَالِبِ، بْنِ فِهْرِ، بْنِ مَالِكِ، بْنِ النَّضْرِ، بْنِ كِنَانَةَ، فَيُقَدِّمُ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ أَخَوَيْ هَاشِمٍ، وَيُقَدِّمُ مِنْهُمَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ؛ لِأَنَّهُ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبَوَيْهِ، وَنَوْفَلٌ أَخُوهُ لِأَبِيهِ، ثُمَّ بَنِي عَبْدِ الْعُزَّى وَبَنِي عَبْدِ الدَّارِ ابْنَيْ قُصَيٍّ يُقَدِّمُ مِنْهُمَا بَنِي عَبْدِ الْعُزَّى؛ لِأَنَّهُمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، ثُمَّ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ أَخِي قُصَيٍّ، ثُمَّ بَنِي تَيْمٍ وَبَنِي مَخْزُومٍ أَخَوَيْ كِلَابٍ، وَيُقَدِّمُ مِنْهُمَا بَنِي تَيْمٍ، لِمَكَانِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ بَنِي جُمَحٍ وَبَنِي سَهْمٍ، وَهُمَا [مِنْ] وَلَدِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ - وَهُصَيْصٌ وَعَدِيٌّ أَخَوَا مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ - وَقَدَّمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَبَائِلِ الثَّلَاثِ بَنِي جُمَحٍ، وَسَوَّى بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وَبَنِي عَدِيٍّ، كَمَا يُسَوَّى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَقَدَّمَ الْمَهْدِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَانِهِ بَنِي عَدِيٍّ عَلَى بَنِي جُمَحٍ وَبَنِي سَهْمٍ؛ لِمَكَانِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ تَوَاضُعًا مِنْهُ.
ثُمَّ يُقَدِّمُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ.
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قُرَيْشٍ، بَدَأَ بِالْأَنْصَارِ، ثُمَّ يُعْطِي سَائِرَ الْعَرَبِ.
هَكَذَا رَتَّبَ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَفِي ((أَمَالِي)) السَّرَخْسِيِّ: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيُقَدَّمُونَ عَلَيْهِمْ.
وَمَتَى اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ، قُدِّمَ أَسَنُّهُمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي السِّنِّ، فَأَقْدَمُهُمَا إِسْلَامًا وَهِجْرَةً.

قُلْتُ: قَدْ عَكَسَ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا، فَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يُقَدِّمُ بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ، قَدَّمَ بِالدِّينِ.
فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ، قَدَّمَ بِالسِّنِّ، فَإِنْ تَقَارَبَا، قَدَّمَ بِالشَّجَاعَةِ.
فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ، فَوَلِيُّ الْأَمْرِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، أَوْ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ بَعْدَ الْعَرَبِ، يُعْطِي الْعَجَمَ.
وَفِي ((الْمُهَذَّبِ)) وَ ((التَّهْذِيبِ)) : أَنَّ التَّقْدِيمَ فِيهِمْ بِالسِّنِّ وَالْفَضَائِلِ، وَلَا يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالنَّسَبِ، وَفِيهِ كَلَامَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَجَمَ قَدْ يَعْرِفُ نَسَبَهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ فِيمَنْ عَرَفَ نَسَبَهُ الْقُرْبَ وَالْبُعْدَ أَيْضًا.
الثَّانِي: أَنَّا قَدَّمَنَا فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: أَنَّ الظَّاهِرَ رِعَايَةُ كُلِّ نَسَبٍ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ نَسَبَ الْعَجَمِ مَرْعِيٌّ فِي الْكَفَاءَةِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ هُنَا.
قُلْتُ: قَدْ أَشَارَ الْمَاوَرْدِيُّ إِلَى اعْتِبَارِ نَسَبِ الْعَجَمِ فَقَالَ: إِنْ كَانُوا عَجَمًا لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى نَسَبٍ، جَمَعَهُمْ بِالْأَجْنَاسِ، كَالتُّرْكِ، وَالْهِنْدِ، وَبِالْبُلْدَانِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُمْ سَابِقَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، تَرَتَّبُوا عَلَيْهَا، وَإِلَّا، فَبِالْأَقْرَبِ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ.
فَإِنْ تَسَاوَوْا، فَبِالسَّبْقِ إِلَى طَاعَتِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَجَمِيعُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْوَظِيفَةِ، مُسْتَحَبٌّ لَا مُسْتَحَقٌّ.
الرَّابِعَةُ: لَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ اسْمَ صَبِيٍّ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا ضَعِيفٍ لَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ، كَالْأَعْمَى، وَالزَّمِنِ، وَإِنَّمَا هُمْ تَبَعٌ لِلْمُقَاتِلِ إِذَا كَانُوا فِي عِيَالِهِ، يُعْطِي لَهُمْ كَمَا سَبَقَ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ الرِّجَالَ الْمُكَلَّفِينَ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلْغَزْوِ، وَإِذَا طَرَأَ عَلَى الْمُقَاتِلِ مَرَضٌ أَوْ جُنُونٌ، فَإِنْ رُجِيَ زَوَالُهُ، أُعْطِيَ وَلَمْ يُسْقِطِ اسْمَهُ،

وَإِلَّا أَسْقَطَ اسْمَهُ.
وَفِي إِعْطَائِهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي زَوْجَةِ الْمُقَاتِلِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَوْلَى بِالْإِعْطَاءِ.
قُلْتُ: تَرَكَ مِنْ شُرُوطِ مَنْ يُثْبِتُهُ فِي الدِّيوَانِ الْإِسْلَامَ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِقْدَامٌ عَلَى الْقِتَالِ وَمَعْرِفَةٌ بِهِ.
فَإِنِ اخْتَلَّ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُهُ؛ لِعَجْزِهِ عَمَّا هُوَ مُرْصَدٌ لَهُ.
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَقْطَعِ، وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَعْرَجِ إِنْ كَانَ فَارِسًا.
وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا، فَلَا.
وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَخْرَسِ وَالْأَصَمِّ.
قَالَ: وَإِذَا كَتَبَهُ فِي الدِّيوَانِ، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورَ الِاسْمِ، لَمْ يَحْسُنْ تَحْلِيَتُهُ.
وَإِنْ كَانَ مَغْمُورًا وُصِفَ وَحُلِّيَ، فَيَذْكُرُ سِنَّهُ وَقَدَّهُ وَلَوْنَهُ وَحُلِّيَ وَجْهُهُ، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ، هَلْ يَنْقَطِعُ رِزْقُ زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ لِزَوَالِ الْمَتْبُوعِ؟ أَمْ يَسْتَمِرُّ تَرْغِيبًا لِلْمُجَاهِدِينَ؟ قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي.
فَعَلَى هَذَا، تُرْزَقُ الزَّوْجَةُ إِلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَالْأَوْلَادُ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا وَيَسْتَقِلُّوا بِالْكَسْبِ، أَوْ يَرْغَبُوا فِي الْجِهَادِ فَيُثْبَتُ اسْمُهُمْ فِي الدِّيوَانِ.
وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ وَهُوَ أَعْمَى أَوْ زَمِنٌ، رُزِقَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا كَانَ يُرْزَقُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، هَذَا فِي ذُكُورِ الْأَوْلَادِ.
وَأَمَّا الْإِنَاثُ، فَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْوَسِيطِ أَنَّهُنَّ يُرْزَقْنَ إِلَى أَنْ يَتَزَوَّجْنَ.
الْخَامِسَةُ: يُفَرِّقُ الْأَرْزَاقَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وَيَجْعَلُ لَهُ وَقْتًا مَعْلُومًا لَا يَخْتَلِفُ.
وَإِذَا رَأَى مَصْلَحَةً أَنْ يُفَرِّقَ مُشَاهَرَةً وَنَحْوَهَا، فَعَلَ.
وَإِذَا اقْتَصَرَ فِي السَّنَةِ عَلَى مَرَّةٍ، فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: يَجْتَهِدُ، فَمَا اقْتَضَتْهُ الْحَالُ وَتَمَكَّنَ فِيهِ مِنَ الْإِعْطَاءِ

فِي أَوَّلِ السَّنَةِ أَوْ آخِرِهَا، فَعَلَهُ، وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ قَوْلُهُ فِي ((الْوَجِيزِ)) : يُفَرِّقُ فِي أَوَّلِ كُلِّ سَنَةٍ، وَقَوْلُ الْآخَرِينَ: يُفَرِّقُ فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ.
فَرْعٌ إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ بَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ وَانْقِضَاءِ الْحَوْلِ، صَرَفَ نَصِيبَهُ إِلَى وَرَثَتِهِ وَلَا يَسْقُطُ هَذَا الْحَقُّ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَقَوْلَانِ.
وَيُقَالُ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَصْرِفُ قِسْطَ مَا مَضَى إِلَى وَرَثَتِهِ كَالْأُجْرَةِ.
وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ لَهُمْ، كَالْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ، لَا يُسْتَحَقُّ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ جَمْعِ الْمَالِ وَبَعْدَ الْحَوْلِ، فَظَاهِرُ النَّصِّ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَصْرِفُ نَصِيبَهُ مِمَّا سَيَحْصُلُ إِلَى وَرَثَتِهِ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ جَمْعِ الْمَالِ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَفِي قِسْطِ مَا مَضَى الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ وَبَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْعَطَاءُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ.
فَإِنْ رَأَى الْإِعْطَاءَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا، فَالِاعْتِبَارُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ.

فَصْلٌ

جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَنْقُولَاتِ مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ.
فَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرْضُ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هِيَ وَقْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ تُسْتَغَلُّ وَتُقَسَّمُ غَلَّتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ كَذَلِكَ أَبَدًا.
هَذَا نَصُّهُ.
فَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ: الْحُكْمُ بِأَنَّهَا وَقْفٌ عَلَى أَنَّهَا لِلْمَصَالِحِ، فَأَمَّا إِنْ جَعَلْنَاهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ، فَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ كَالْمَنْقُولَاتِ

وَكَالْغَنِيمَةِ.
وَالْأَصَحُّ جَرَيَانُ هَذَا الْحُكْمِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: لِلْمَصَالِحِ أَوْ لِلْمُرْتَزِقَةِ، لِتَبْقَى الرَّقَبَةُ مُؤَبَّدَةً، وَيَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهَا الْمُسْتَحِقُّ كُلَّ عَامٍ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولَاتِ، فَإِنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْهَلَاكِ، وَالْغَنِيمَةُ بَعِيدَةٌ عَنْ نَظَرِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، لِتَأَكُّدِ حَقِّ الْغَانِمِينَ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْوَقْفِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُرَادُ بِهِ التَّوَقُّفُ عَنْ قِسْمَةِ الرَّقَبَةِ، دُونَ الْوَقْفِ الشَّرْعِيِّ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ الْوَقْفُ الشَّرْعِيُّ لِلْمَصْلَحَةِ.
فَعَلَى هَذَا، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْحُصُولِ، كَمَا يَرِقُّ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْأَسْرِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لَكِنَّ الْإِمَامَ يَقِفُهَا.
وَإِنْ رَأَى قِسْمَتَهَا أَوْ بَيْعَهَا وَقِسْمَةَ ثَمَنِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هِيَ وَقْفٌ، أَيْ: تُجْعَلُ وَقْفًا.
وَأَمَّا خُمُسُهُ، فَسَهْمُ الْمَصَالِحِ لَا سَبِيلَ إِلَى قِسْمَتِهِ، بَلْ يُوقَفُ وَتُصْرَفُ غَلَّتُهُ فِي الْمَصَالِحِ، أَوْ يُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ إِلَيْهَا، وَالْوَقْفُ أَوْلَى وَيَجِيءُ الْوَجْهُ السَّابِقُ، أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْحُصُولِ.
وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ.
وَسَهْمُ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ يُرَتَّبُ عَلَى سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى.
إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ وَقْفٌ، فَهُنَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى مُتَعَيِّنُونَ، وَإِلَّا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ وَقْفٌ.
وَقِيلَ: لَا.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، ثُمَّ فِي الْخُمُسِ، عَلِمْتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ؛ أَنَّ الْجَمِيعَ وَقْفٌ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

فَصْلٌ

إِذَا زَادَتِ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى حَاجَاتِ الْمُرْتَزِقَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، صُرِفَ الْفَاضِلُ إِلَيْهِمْ أَيْضًا عَلَى قَدْرِ مَئُونَاتِهِمْ.
وَفِي جَوَازِ صَرْفِ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى إِصْلَاحِ الْحُصُونِ وَإِلَى الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ لِيَكُونَ عُدَّةً لَهُمْ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا لِلْمَصَالِحِ، صُرِفَ الْفَاضِلُ إِلَى بَاقِي الْمَصَالِحِ، كَإِصْلَاحِ الْحُصُونِ

وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ.
وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَفِي جَوَازِ صَرْفِهِ إِلَيْهِمْ وَجْهَانِ.
وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَيْهِمْ عَنْ كِفَايَةِ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ بِلَا خِلَافٍ.

فَصْلٌ

فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ إِحْدَاهَا: جَاءَ رَجُلٌ فَطَلَبَ إِثْبَاتَ اسْمِهِ فِي الدِّيوَانِ، أَجَابَهُ الْإِمَامُ: إِنْ وَجَدَ فِي الْمَالِ سَعَةً وَفِي الطَّالِبِ أَهْلِيَّةً، وَإِلَّا، فَلَا.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: لَا يُحْبَسُ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ خَوْفًا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، بَلْ يُفْرِغُ الْجَمِيعَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ.
ثُمَّ إِنْ نَزَلَتْ نَازِلَةٌ، فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِأَمْرِهَا.
فَإِنْ غَشِيَهُمُ الْعَدُوُّ، فَعَلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُرْزَقُ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ الْحُكَّامُ وَوُلَاةُ الْأَحْدَاثِ وَالصَّلَاةِ، وَكُلُّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ الْفَيْءِ مِنْ وَالٍ وَكَاتِبٍ وَجُنْدِيٍّ لَا يَسْتَغْنِي أَهْلُ الْفَيْءِ عَنْهُمْ.
وَالْمُرَادُ بِالْحُكَّامِ: الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَيْءِ فِي مَغْزَاهِمْ.
وَوُلَاةُ الْأَحْدَاثِ، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ أَحْدَاثَ أَهْلِ الْفَيْءِ الْفُرُوسِيَّةَ وَالرَّمْيَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُنَصَّبُونَ فِي الْأَطْرَافِ لِتَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ وَسُعَاةِ الصَّدَقَاتِ وَعَزْلِهِمْ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ إِلَى الثُّغُورِ وَحِفْظِ الْبِلَادِ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ.
وَوُلَاةُ الصَّلَاةِ: الَّذِينَ يُقِيمُونَ لَهُمُ الْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَكَذَلِكَ يُرْزَقُ عُرَفَاءُ أَهْلِ الْفَيْءِ.
وَإِذَا وُجِدَ مَنْ يَتَطَوَّعُ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ، لَمْ يُرْزَقْ عَلَيْهَا غَيْرُهُ.
[الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِلُ الْفَيْءِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَامِلُ الْفَيْءِ إِنْ وُلِّيَ وَضْعَ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَتَقْدِيرَهَا وَتَقْرِيرَهَا اشْتُرِطَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا حُرًّا مُجْتَهِدًا عَارِفًا بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ.
وَإِنْ وُلِّيَ جِبَايَةَ أَمْوَالِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِهَا، سَقَطَ

الشَّرْطُ الثَّالِثُ.
وَإِنْ وُلِّيَ جِبَايَةَ نَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ الْفَيْءِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ فِيهِ عَنِ اسْتِنَابَةٍ، اشْتُرِطَ إِسْلَامُهُ وَحُرِّيَّتُهُ وَاطِّلَاعُهُ بِشَرْطِ مَا وَلِيَ مِنْ حِسَابٍ وَمِسَاحَةٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْوِلَايَةِ.
وَإِنِ اسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِنَابَةِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ كَالرَّسُولِ الْمَأْمُورِ.
وَأَمَّا تَوْلِيَةُ الذِّمِّيِّ، فَإِنْ كَانَتْ جِبَايَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْجِزْيَةِ وَعُشْرِ التُّجَّارِ، جَازَتْ.
وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي جَوَازِهَا وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا فَسَدَتْ وِلَايَةُ الْعَامِلِ، وَقَبَضَ الْمَالَ مَعَ فَسَادِهَا، بَرِئَ الدَّافِعُ، لِبَقَاءِ الْإِذْنِ.
فَلَوْ نُهِيَ عَنِ الْقَبْضِ بَعْدَ فَسَادِهَا لَمْ يَبْرَأَ الدَّافِعُ إِلَيْهِ إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ، وَإِنْ جَهِلَهُ، فَوَجْهَانِ، كَالْوَكِيلِ.
قُلْتُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَأَخَّرَ الْعَطَاءُ عَنِ الْمُثْبَتِينَ فِي الدِّيوَانِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَكَانَ الْمَالُ حَاصِلًا، فَلَهُمُ الْمُطَالَبَةُ كَالدُّيُونِ.
وَإِنْ أَعْوَزَ بَيْتُ الْمَالِ، كَانَتْ أَرْزَاقُهُمْ دَيْنًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُمْ مُطَالَبَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِهِ.
قَالَ: وَإِذَا أَرَادَ وَلِيُّ الْأَمْرِ إِسْقَاطَ بَعْضِهِمْ لِسَبَبٍ، جَازَ، وَبِغَيْرِ سَبَبٍ، لَا يَجُوزُ.
وَإِذَا أَرَادَ بَعْضُهُمْ إِخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنَ الدِّيوَانِ، جَازَ إِنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا.
قَالَ: وَإِذَا جُرِّدَ الْجَيْشُ لِلْقِتَالِ، فَامْتَنَعُوا وَهُمْ أَكْفَاءُ مَنْ حَارَبَهُمْ، سَقَطَتْ أَرْزَاقُهُمْ.
وَإِنْ ضَعُفُوا عَنْهُ، لَمْ تَسْقُطْ.
وَإِذَا جُرِّدَ أَحَدُهُمْ لِسَفَرٍ، أُعْطِيَ نَفَقَةَ سَفَرِهِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ، وَلَمْ يُعْطَ إِنْ دَخَلَ فِيهِ.
وَإِذَا تَلِفَ سِلَاحُهُ فِي الْحَرْبِ، أُعْطِيَ عِوَضَهُ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبَابُ الثَّانِي فِي الْغَنِيمَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا، أَنَّهَا الْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْكُفَّارِ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: سَوَاءٌ مَا أَخَذْنَاهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ قَهْرًا وَمَا اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهِ بَعْدَمَا هَزَمْنَاهُمْ فِي الْقِتَالِ وَتَرَكُوهُ.
وَحِلُّ الْغَنِيمَةِ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا، وَكَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، يَصْنَعُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إِعْطَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، فَجُعِلَ خُمُسُهَا مَقْسُومًا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ كَالْفَيْءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الْأَنْفَالِ: 41] وَجُعِلَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ.
وَيَعْرِضُ فِي أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ النَّفَلُ وَالرَّضَخُ وَالسَّلَبُ وَالْقِسْمَةُ، وَيَحْصُلُ بَيَانُهَا فِي أَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ.
الْأَوَّلُ: النَّفَلُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ، وَهُوَ زِيَادَةُ مَالٍ عَلَى سَهْمِ الْغَنِيمَةِ، يَشْرُطُهُ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ لِمَنْ يَقُومُ بِمَا فِيهِ نِكَايَةٌ زَائِدَةٌ فِي الْعَدُوِّ، أَوْ تَوَقُّعُ ظَفَرٍ، أَوْ دَفْعُ شَرٍّ، وَذَلِكَ كَالتَّقَدُّمِ عَلَى طَلِيعَةٍ، أَوِ التَّهَجُّمِ عَلَى قَلْعَةٍ، أَوِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَكَحِفْظِ مَكْمَنٍ، وَتَجَسُّسِ حَالٍ وَشِبْهِهَا.
وَإِنَّمَا يُنَفِّلُ إِذَا مَسَّتْ حَاجَةٌ لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاقْتَضَى الْحَالُ بَعْثَ السَّرَايَا وَحِفْظَ الْمَكَامِنِ، وَلِذَلِكَ نَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ دُونَ بَعْضٍ.
ثُمَّ الْكَلَامُ فِيمَنْ شَرَطَ لَهُ، وَفِي مَحَلِّ الْمَشْرُوطِ وَقَدْرِهِ.

أَمَّا الْأَوَّلُ، فَيَجُوزُ كَوْنُهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا وَجَمَاعَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يُطْلِقَ فَيَقُولُ: مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا.
وَأَمَّا مَحَلُّهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ النَّفَلَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الْمُرْصَدَةِ بِبَيْتِ الْمَالِ، وَحِينَئِذٍ يَشْتَرِطُ كَوْنَهُ مَعْلُومًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَهُ مِمَّا سَيُغْنَمُ وَيُؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَحِينَئِذٍ يَذْكُرُ جُزْءًا كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ وَغَيْرِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ لِلْحَاجَةِ.
وَإِذَا نَفَّلَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَمِمَّ يُنَفِّلُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَيُقَالُ: أَقْوَالٌ.
أَصَحُّهَا: مِنْ خُمُسِ خُمُسِهَا.
وَالثَّانِي: مِنْ أَصْلِهَا.
وَالثَّالِثُ: مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا.
وَأَمَّا قَدْرُهُ، فَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَضْبُوطٌ، فَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ وَيَجْعَلُهُ بِقَدْرِ الْعَمَلِ وَخَطَرِهِ، وَقَدْ صَحَّ فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنَفِّلُ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ((الْقُفُولُ)) بَدَلَ ((الرَّجْعَةِ)) ، وَقِيلَ: الْبَدْأَةُ: السَّرِيَّةُ الْأُولَى، وَالرَّجْعَةُ: الثَّانِيَةُ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْبَدْأَةُ: السَّرِيَّةُ الَّتِي يَبْعَثُهَا الْإِمَامُ قَبْلَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ مُقَدِّمَةً لَهُ، وَالرَّجْعَةُ: الَّتِي يَأْمُرُهَا بِالرُّجُوعِ بَعْدَ تَوَجُّهِ الْجَيْشِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَنُقِصَ الْبَدْأَةُ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَرِيحُونَ لَمْ يَطُلْ بِهِمُ السَّفَرُ، وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ فِي غَفْلَةٍ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ مِنْ وَرَائِهِمْ يَسْتَظْهِرُونَ بِهِ، وَالرَّجْعَةُ بِخِلَافِهِمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْحَدِيثِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَحَلِّ النَّفَلِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ، ثُلُثُ خُمُسِ الْخُمُسِ، أَوْ رُبُعُهُ.
وَقِيلَ: ثُلُثُ الْجَمِيعِ، أَوْ رُبُعُهُ.
وَقِيلَ: ثُلُثُ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا، أَوْ رُبُعُهَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: أَنَّهُ يُزَادُ نَصِيبُ كُلُّ شَخْصٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِثْلَ ثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ، وَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَالنَّقْصُ عَنِ الرُّبُعِ بِالِاجْتِهَادِ.

فَرْعٌ إِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ شَرْطُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
فَرْعٌ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِي الْحَرْبِ مُبَارَزَةٌ وَحُسْنُ إِقْدَامٍ وَأَثَرٌ مَحْمُودٌ، أُعْطِيَ سَهْمُهُ، وَزِيدَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ.

الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الرَّضْخِ.
فَالصَّبِيُّ، وَالْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْخُنْثَى، وَالزَّمِنُ، وَالذِّمِّيُّ، لَا يُسْهِمُ لَهُمْ، لَكِنْ يَرْضَخُ لَهُمْ، وَهَذَا الرَّضْخُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِي قَوْلٍ: مُسْتَحَبٌّ.
وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي قَدْرِهِ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ سَهْمَ رَاجِلٍ إِنْ كَانَ مَنْ يَرْضَخُ لَهُ رَاجِلًا.
وَإِنْ كَانَ فَارِسًا، فَوَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ تَعْزِيرُ الْحُرِّ حَدَّ الْعَبِيدِ؟ وَبِالْمَنْعِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَسَوَاءٌ حَضَرَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَالصَّبِيُّ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَالْمَرْأَةُ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، أَمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ.
وَإِنْ حَضَرَ الذِّمِّيُّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُعَزِّرُهُ الْإِمَامُ آنَ ذَلِكَ.
وَإِنْ حَضَرَ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ، فَلَهُ الْأُجْرَةُ فَقَطْ، وَإِلَّا، فَلَهُ الرَّضْخُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهُ.
وَقِيلَ: إِنْ قَاتَلَ، اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَإِذَا حَضَرَ نِسَاءُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَلَهُنَّ الرَّضْخُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ يُفَاوِتُ الْإِمَامُ بَيْنَ أَهْلِ الرَّضْخِ بِحَسَبِ نَفْعِهِمْ، فَيُرَجِّحُ الْمُقَاتِلَ وَمَنْ قِتَالُهُ

أَكْثَرُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْفَارِسَ عَلَى الرَّاجِلِ، وَالْمَرْأَةَ الَّتِي تُدَاوِي الْجَرْحَى وَتَسْقِي الْعِطَاشَ عَلَى الَّتِي تَحْفَظُ الرِّجَالَ، بِخِلَافِ سَهْمِ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُقَاتِلُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ.
وَالرَّضْخُ بِالِاجْتِهَادِ، كَدِيَةِ الْحُرِّ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ.
فَرْعٌ فِي مَحَلِّ الرَّضْخِ لِلْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا: مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ.
وَالثَّانِي: مِنْ أَصْلِهَا.
وَالثَّالِثُ: مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ كَالْعَبِيدِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ قَطْعًا.
وَحَيْثُ رَضَخْنَا مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ يُبْدَأُ بِهِ كَالسَّلَبِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي خُمُسًا وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ.
فَرْعٌ إِذَا انْفَرَدَ الْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِغَزْوَةٍ وَغَنِمُوا، خُمِّسَتْ.
وَفِي الْبَاقِي أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ كَمَا يُقَسَّمُ الرَّضْخُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الرَّأْيُ مِنْ تَسْوِيَةٍ وَتَفْضِيلٍ.
وَالثَّانِي: يُقَسَّمُ كَالْغَنِيمَةِ، لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
وَالثَّالِثُ: يُرْضَخُ لَهُمْ مِنْهُ، وَيُجْعَلُ الْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَخَصَّصَ الْبَغَوِيُّ هَذَا الْخِلَافَ بِالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، وَقَطَعَ فِي الْعَبِيدِ بِكَوْنِهِ لِسَادَتِهِمْ، وَحَكَى أَنَّهُ لَوْ سَبَى مُرَاهِقُونَ أَوْ مَجَانِينُ صِغَارًا، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَعَ أَهْلِ الرَّضْخِ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ، فَيُرْضَخُ لَهُمْ، وَالْبَاقِي لِذَلِكَ الْوَاحِدِ.

فَرْعٌ لَا يُخَمَّسُ مَا أَخَذَهُ الذِّمِّيُّونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالزَّكَاةِ.
فَرْعٌ مَنْ قَاتَلَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، رُضِخَ لَهُ مَعَ السَّهْمِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَازِعُ كَلَامَهُ فِيهِ.
وَقِيلَ: يُزَادُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ.
فَرْعٌ لَوْ زَالَ نَقْصُ أَهْلِ الرَّضْخِ، فَعَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ دَارِ الْحَرْبِ، أَسْهَمَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، فَقَدْ أَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الرَّضْخُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيمَا بَيْنَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَحِيَازَةِ الْمَالِ، الْخِلَافُ الْآتِي فِيمَنْ حَضَرَ فِي هَذَا الْحَالِ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي السَّلَبِ.
هُوَ لِلْقِتَالِ، وَالْكَلَامُ فِي سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ وَمُسْتَحِقِّهِ وَنَفْسِهِ وَكَيْفِيَّةِ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ.
أَمَّا سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، فَقَالَ فِي ((الْوَسِيطِ)) فِي ضَبْطِهِ: هُوَ رُكُوبُ الْغَرَرِ فِي قَهْرِ كَافِرٍ مُقْبِلٍ عَلَى الْقِتَالِ بِمَا يَكْفِي شَرُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِيهِ قُيُودٌ: أَحَدُهَا: رُكُوبُ الْغَرَرِ.
فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ الصَّفِّ كَافِرًا، وَقَتَلَهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ، وَكَذَا لَوْ رَمَى مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ، فَقَتَلَ رَجُلًا.

[الْقَيْدُ] الثَّانِي: إِقْبَالُ الْكَافِرِ عَلَى الْقِتَالِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اشْتِغَالَهُ بِالْقِتَالِ حِينَ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ تَقَاتَلَا زَمَانًا ثُمَّ هَرَبَ فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُ فِي إِدْبَارِهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مُقَاتَلَتُهُ مَعَ قَاتِلِهِ، بَلْ لَوْ قَصَدَ كَافِرٌ مُسْلِمًا، فَجَاءَ مُسْلِمٌ آخَرُ مِنْ وَرَائِهِ فَقَتَلَهُ، اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ، بَلِ الْمَرْعِيُّ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، أَنْ يَقْتُلَهُ مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَأَمَّا إِذَا انْهَزَمَ جَيْشُ الْكُفَّارِ فَاتَّبَعَهُمْ فَقَتَلَ كَافِرًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ؛ لِأَنَّ بِهَزِيمَتِهِمُ انْدَفَعَ شَرُّهُمْ، وَمَا دَامَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَالشَّرُّ مُتَوَقَّعٌ، وَالْمُوَلِّي لَا تُؤْمَنُ كَرَّتُهُ.
وَلَوْ قَتَلَ كَافِرًا وَهُوَ أَسِيرٌ فِي يَدِهِ، أَوْ نَائِمٌ، أَوْ مَشْغُولٌ بِأَكْلٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ مُثْخَنٌ زَائِلُ الِامْتِنَاعِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ.
الْقَيْدُ الثَّالِثُ: قَهَرَهُ بِمَا يَكْفِي شَرَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ [بِقَتْلٍ] ، أَوْ إِثْخَانٍ، أَوْ إِزَالَةِ امْتِنَاعٍ، بِأَنْ يُعْمِيَهُ، أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.
وَلَا يَلْحَقُ بِهِ قَطْعُ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ.
فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، أَوْ يَدًا وَرِجْلًا، فَهُوَ إِثْخَانٌ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ.
وَلَوِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِهِ أَوْ إِثْخَانِهِ، فَالسَّلَبُ لَهُمْ.
وَفِي وَجْهٍ: أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ لَا يُرْجَى نَجَاتُهُ مِنْهُمْ، لَمْ يَخْتَصَّ قَاتِلُهُ بِسَلَبِهِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ شَرُّهُ بِالْوُقُوعِ بَيْنَهُمْ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازِ: لَوْ أَمْسَكَهُ وَاحِدٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَالسَّلَبُ بَيْنَهُمَا؛ لِانْدِفَاعِ شَرِّهِ بِهِمَا، وَكَأَنَّ هَذَا فِيمَا إِذَا مَنَعَهُ الْهَرَبَ وَلَمْ يَضْبِطْهُ.
فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ الضَّابِطُ، فَإِنَّهُ أَسْرٌ، وَقَتْلُ الْأَسِيرِ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّلَبُ.
وَلَوْ أَثْخَنَهُ، فَقَتَلَهُ آخَرُ، فَالسَّلَبُ لِلْمُثْخِنِ.
وَلَوْ جَرَحَهُ فَلَمْ يُثْخِنْهُ، فَقَتَلَهُ آخَرُ، فَالسَّلَبُ لِلثَّانِي.
وَلَوْ أَسَرَهُ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ سَلَبَهُ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ كُلَّ شَرِّهِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ أَصْعَبُ مِنَ الْقَتْلِ وَأَبْلَغُ فِي الْقَهْرِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ.
ثُمَّ الْإِمَامُ يَتَخَيَّرُ فِي الْأَسِيرِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ كَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ أَرَقَّهُ، فَهَلْ لِمَنْ أَسَرَهُ رَقَبَتُهُ؟

أَوْ فَادَاهُ، هَلْ لَهُ مَالُ الْفِدَاءِ؟ اطَّرَدَ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَظْهَرُ هُنَا الْمَنْعَ؛ لِأَنَّ اسْمَ السَّلَبِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ لَوْ كَانَ الْكَافِرُ الْمَقْتُولُ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، إِنْ كَانَ لَا يُقَاتِلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ، اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْعَبْدُ كَالصَّبِيِّ.
وَقِيلَ: بِالِاسْتِحْقَاقِ قَطْعًا.

فَصْلٌ

فَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ السَّلَبِ، فَكُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْغَنِيمَةِ، يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ يَسْتَحِقُّونَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ الذِّمِّيُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ، فَكَانَ الْقَاتِلُ خُنْثَى، وُقِفَ السَّلَبُ حَتَّى يُتَبَيَّنَ.
وَإِذَا حَضَرَ الذِّمِّيُّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، فَلَا سَلَبَ لَهُ قَطْعًا، وَلَا سَلَبَ لِلْمُخَذِّلِ قَطْعًا.
وَالتَّاجِرُ إِذَا قُلْنَا: لَا سَهْمَ لَهُ، كَالصَّبِيِّ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا نَفْسُ السَّلَبِ، فَمَا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَالْخُفِّ وَالرَّانَيْنِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ، كَالدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ وَالسِّلَاحِ، وَمَرْكُوبِهِ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ سَرْجٍ وَلِجَامٍ وَمِقْوَدٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُمْسِكًا عِنَانَهُ وَهُوَ يُقَاتِلُ رَاجِلًا.

وَفِيمَا عَلَيْهِ مِنَ الزِّينَةِ، كَالطَّوْقِ، وَالسُّوَارِ، وَالْمِنْطَقَةِ، وَالْخَاتَمِ، وَالْهِمْيَانِ، وَمَا فِيهِ مِنَ النَّفَقَةِ، فَقَوْلَانِ.
وَيُقَالُ: وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَتْ سَلَبًا، كَثِيَابِهِ وَأَمْتِعَتِهِ الْمُخَلَّفَةِ فِي خَيْمَتِهِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا سَلَبٌ؛ لِأَنَّهَا مَسْلُوبَةٌ.
وَالْجَنِيبَةُ الَّتِي تُقَادُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فِيهَا هَذَا الْخِلَافُ.
وَقِيلَ بِالْمَنْعِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا سَلَبٌ، صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازِ: فَعَلَى هَذَا، لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا جَنِيبَةً وَاحِدَةً، فَعَلَى هَذَا يَبْقَى النَّظَرُ إِذَا قَادَ جَنَائِبَ فِي أَنَّ السَّلَبَ أَيَّتُهَا، يَرْجِعُ إِلَى تَعْيِينِ الْإِمَامِ، أَمْ يَقْرَعُ؟ قُلْتُ: تَخْصِيصُ أَبِي الْفَرَجِ بِجَنِيبَةٍ فِيهِ نَظَرٌ.
وَإِذَا قِيلَ بِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الْقَاتِلُ جَنِيبَةَ قَتِيلِهِ، فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ بَلِ الصَّوَابُ، بِخِلَافِ مَا أَبْدَاهُ الرَّافِعِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَقِيبَةُ الْمَشْدُودَةُ عَلَى فَرَسِهِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالْأَمْتِعَةِ لَيْسَتْ سَلَبًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: كَالْمِنْطَقَةِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ إِخْرَاجِ السَّلَبِ، فَفِي تَخْمِيسِهِ قَوْلَانِ.
الْمَشْهُورُ: لَا يُخَمَّسُ.
وَالثَّانِي: يُخَمَّسُ، فَيُدْفَعُ خُمُسُهُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَبَاقِيهِ لِلْقَاتِلِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ بَاقِي الْغَنِيمَةِ.
فَرْعٌ لَا فَرْقَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ، بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ كَافِرًا مُبَارَزَةً، وَبَيْنَ أَنْ يَنْغَمِرَ فِي

صَفِّ الْعَدُوِّ فَيَقْتُلَهُ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقُولَ.

الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ.
مِنْ أَحْكَامِ قِسْمَتِهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ السِّيَرِ.
فَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ، أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ الْقِسْمَةَ، بَدَأَ بِالسَّلَبِ فَأَعْطَاهُ لِلْقَاتِلِ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ السَّلَبَ لَا يُخَمَّسُ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْمُؤَنَ اللَّازِمَةَ، كَأُجْرَةِ حَمَّالٍ وَحَافِظٍ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَاقِيَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَيَأْخُذُ خَمْسَ رِقَاعٍ، فَيَكْتُبُ عَلَى وَاحِدَةٍ: لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْمَصَالِحِ، وَعَلَى أَرْبَعٍ: لِلْغَانِمِينَ، وَيُدْرِجُهَا فِي بَنَادِقَ مُتَسَاوِيَةٍ وَيُجَفِّفُهَا، وَيُخْرِجُ لِكُلِّ قِسْمٍ رُقْعَةً، فَمَا خَرَجَ عَلَيْهِ: سَهْمُ اللَّهِ تَعَالَى، جَعَلَهُ بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ عَلَى خَمْسَةِ [أَسْهُمٍ] ، وَمِنْهُ يَكُونُ النَّفَلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُقَسِّمُ الْبَاقِيَ عَلَى الْغَانِمِينَ، وَيُقَدِّمُ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عَلَى قِسْمَةِ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّهُمْ حَاضِرُونَ مَحْصُورُونَ، وَمِنْهَا يَكُونُ الرَّضْخُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَسَوَاءٌ فِي الْقِسْمَةِ الْمَنْقُولُ وَالْعَقَارُ، لِعُمُومِ الْآيَةِ.
وَلَا تُكْرَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
قُلْتُ: هَذِهِ الْعِبَارَةُ نَاقِصَةٌ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: يُسْتَحَبُّ قِسْمَتُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا، بَلْ قَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ ((الْمُهَذَّبِ)) وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصِلٌ

فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ اسْتَحَقَّهُ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُسْهَمُ لَهُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْأَصْلِ صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: مَنْ حَضَرَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، اسْتَحَقَّ.
وَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ حِيَازَةِ الْمَالِ، فَلَا وَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، وَقَبْلَ حِيَازَةِ الْمَالِ، فَقَوْلَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّ.
وَالثَّانِي: بَلَى.
وَقِيلَ: إِنْ خِيفَ رَجْعَةُ الْكُفَّارِ، اسْتَحَقَّ.
وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَوْ أَقَامُوا عَلَى حِصْنٍ وَأَشْرَفُوا عَلَى فَتْحِهِ، فَلَحِقَ مَدَدٌ قَبْلَ الْفَتْحِ، شَارَكُوهُمْ.
وَإِنْ فَتَحُوا وَدَخَلُوا آمِنِينَ، ثُمَّ جَاءَ الْمَدَدُ، لَمْ يُشَارِكُوهُمْ.
[الصُّورَةُ] الثَّانِيَةُ: غَابَ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَالِ مُنْهَزِمًا وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى انْقَضَى الْقِتَالُ، فَلَا حَقَّ لَهُ.
وَإِنْ عَادَ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، اسْتَحَقَّ مِنَ الْمَحُوزِ بَعْدَ عَوْدِهِ دُونَ الْمَحُوزِ قَبْلَ عَوْدِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ فِيمَنْ حَضَرَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ: لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَحُوزِ قَبْلَ حُضُورِهِ.
كَذَا نَقَلَهُ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ كُنَّا أَطْلَقْنَاهُ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ أَبُو الْفَرَجِ مُتَعَيِّنٌ، وَكَلَامُ مَنْ أَطْلَقَهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ وَلَّى مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، اسْتَحَقَّ عَلَى تَفْصِيلٍ مَذْكُورٍ فِي ((كِتَابِ السِّيَرِ)) ، وَمَنْ هَرَبَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُتَحَرِّفًا أَوْ مُتَحَيِّزًا، قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ.
وَإِنْ عَادَ قَبْلَهُ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
فَإِنْ حَلَفَ، اسْتَحَقَّ مِنَ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ نَكَلَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ إِلَّا مِنَ الْمَحُوزِ بَعْدَ عَوْدِهِ.

قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ أَرْجَحُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الصُّورَةُ] الثَّالِثَةُ: مَاتَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِتَالِ، فَلَا حَقَّ لَهُ.
وَلَوْ مَاتَ فَرَسُهُ أَوْ سُرِقَ أَوْ عَارَ أَوْ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الْفَرَسِ.
وَفِيمَا إِذَا عَارَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَحِيَازَةِ الْمَالِ، انْتَقَلَ حَقُّهُ إِلَى وَرَثَتِهِ.
وَلَوْ مَاتَ فَرَسُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَرَسِ.
وَلَوْ مَاتَ الرَّجُلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَقَبْلَ الْحِيَازَةِ، انْتَقَلَ حَقُّهُ إِلَى وَرَثَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ مَاتَ فَرَسُهُ فِي هَذَا الْحَالِ، اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَرَسِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَالِ، سَقَطَ حَقُّهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
وَنَصَّ فِي مَوْتِ الْفَرَسِ فِي هَذَا الْحَالِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسِ.
وَلِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ.
أَصَحُّهَا: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْفَارِسَ مَتْبُوعٌ، وَالْفَرَسَ تَابِعٌ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: إِنْ حِيزَ الْمَالُ بِقِتَالٍ جَدِيدٍ، فَلَا اسْتِحْقَاقَ فِيهِمَا.
وَإِنْ أَفْضَى ذَلِكَ الْقِتَالُ إِلَى الْحِيَازَةِ، اسْتُحِقَّ فِيهِمَا.
[الصُّورَةُ] الرَّابِعَةُ: إِذَا شَهِدَ الْوَقْعَةَ صَحِيحًا، ثُمَّ مَرِضَ مَرَضًا لَا يَمْنَعُ الْقِتَالَ، كَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ وَالصُّدَاعِ، أَوْ مَرَضًا يُرْجَى زَوَالُهُ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، كَالزَّمَانَةِ وَالْفَالِجِ، فَفِي بُطْلَانِ حَقِّهِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا يَبْطُلُ.
وَلَوْ خَرَجَ فِي الْحَرْبِ، اسْتَحَقَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ فِي رَجَاءِ الزَّوَالِ وَعَدَمِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ رَجَاءُ الزَّوَالِ قَبْلَ انْجِلَاءِ الْقِتَالِ.
وَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمَرِيضُ، رُضِخَ لَهُ.
وَالْمَرَضُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَقَبْلَ حِيَازَةِ الْمَالِ، عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ.
[الصُّورَةُ] الْخَامِسَةُ: الْمُخَذِّلُ لِلْجَيْشِ، يُمْنَعُ الْخُرُوجَ مَعَ النَّاسِ وَحُضُورَ الصَّفِّ.
فَإِنْ حَضَرَ، لَمْ يُعْطَ سَهْمًا وَلَا رَضْخًا.
وَلَا يُلْحَقُ الْفَاسِقُ بِالْمُخَذِّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يُلْحَقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَخْذِيلُهُ.

قُلْتُ: كَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ، أَنَّ الْمُخَذِّلَ لَا رَضْخَ لَهُ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: إِنْ حَضَرَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، رَضَخَ لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

بَعَثَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ سَرِيَّةً إِلَى دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِبَلَدِهِ، فَغَنِمَتْ، لَمْ يُشَارِكْهَا الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ.
قُلْتُ: سَوَاءٌ كَانَتْ دَارُ الْحَرْبِ قَرِيبَةً مِنَ الْإِمَامِ، أَمْ لَا.
حَتَّى لَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً، وَقَصَدَ الْخُرُوجَ وَرَاءَهَا، فَغَنِمَتِ السَّرِيَّةُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، لَمْ يُشَارِكْهَا وَإِنْ قَرُبَتْ دَارُ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لِلْمُجَاهِدِينَ، وَقَبْلَ الْخُرُوجِ لَيْسُوا مُجَاهِدِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ بَعَثَ سَرِيَّتَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ، لَمْ تُشَارِكْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.
فَلَوْ أَوْغَلَتَا فِي دِيَارِ الْكُفَّارِ، وَالْتَقَتَا فِي مَوْضِعٍ، اشْتَرَكَتَا فِيمَا غَنِمَتَا بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ.
وَلَوْ بَعَثَهُمَا إِلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ أَمَّرَ عَلَيْهِمَا أَمِيرًا وَاحِدًا، أَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَرِيبَةً مِنَ الْأُخْرَى، بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةً عَوْنًا لِلْأُخْرَى، اشْتَرَكَتَا، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَوْ دَخَلَ الْإِمَامُ أَوِ الْأَمِيرُ دَارَ الْحَرْبِ، وَبَعَثَ سَرِيَّةً فِي نَاحِيَةٍ، فَغَنِمَتْ، شَارَكَهُمْ جَيْشُ الْإِمَامِ.
وَلَوْ غَنِمَ الْجَيْشُ، شَارَكَتْهُ السَّرِيَّةُ، لِاسْتِظْهَارِ كُلٍّ بِالْآخَرِ.
وَلَوْ بَعَثَ سَرِيَّتَيْنِ إِلَى جِهَةٍ، اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِيمَا يَغْنَمُ كُلٌّ مِنْهُمْ.
وَلَوْ بَعَثَهُمَا إِلَى جِهَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَا شَرِكَةَ بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ هُنَا.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ وَالْإِمَامُ أَنَّ شَرْطَ الِاشْتِرَاكِ أَنْ يَكُونُوا بِالْقُرْبِ مُتَرَصِّدِينَ لِلنُّصْرَةِ.
وَحَدُّ الْقُرْبِ: أَنْ يَبْلُغَهُمُ الْغَوْثُ وَالْمَدَدُ مِنْهُمْ إِنِ احْتَاجُوا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِهَذَا، وَاكْتَفَوْا بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.

قُلْتُ: هَذَا الْمَنْقُولُ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، هُوَ الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَرِيبَةً، وَالْأُخْرَى بَعِيدَةً، اخْتَصَّتِ الْقَرِيبَةُ بِالْمُشَارَكَةِ.
فَرْعٌ بَعَثَ الْإِمَامُ جَاسُوسًا، فَغَنِمَ الْجَيْشُ قَبْلَ رُجُوعِهِ، شَارَكَهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ الدَّارَكِيُّ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُمْ لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَخَاطَرَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ شُهُودِ الْوَقْعَةِ.

فَصْلٌ

إِذَا شَهِدَ الْأَجِيرُ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ الْوَقْعَةَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ لِعَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ تَعْيِينِ مُدَّةٍ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ حَائِطٍ، اسْتَحَقَّ السَّهْمَ قَطْعًا.
وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِأَنِ اسْتَأْجَرَهُ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ شَهْرًا، فَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقَاتِلْ، فَلَا سَهْمَ لَهُ، وَإِنْ قَاتَلَ؛ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَأَطْلَقَ الْمَسْعُودِيُّ وَآخَرُونَ الْأَقْوَالَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُقَاتِلَ، أَوْ لَا.
وَكَذَلِكَ أَطْلَقَهَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ.
أَظْهَرُهَا: لَهُ السَّهْمُ؛ لِحُضُورِ الْوَقْعَةِ.
وَالثَّانِي: لَا.
وَعَلَى هَذَيْنِ، يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِمُقْتَضَى الْإِجَارَةِ.
وَالثَّالِثُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأُجْرَةِ وَالسَّهْمِ.
فَإِنِ اخْتَارَ الْأُجْرَةَ، فَلَا سَهْمَ.
وَإِنِ اخْتَارَ السَّهْمَ، فَلَا أُجْرَةَ.
قَالَ صَاحِبُ ((الْإِفْصَاحِ)) : هَذَا الثَّالِثُ هُوَ فِيمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ لِسَقْيِ الْغُزَاةِ وَحِفْظِ دَوَابِّهِمْ مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَيُخَيِّرُهُ الْإِمَامُ، أَمَّا أَجِيرُ آحَادِ النَّاسِ فَلَا يَجِيءُ فِيهِ هَذَا الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَازِمَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَارِي بَيْنَهُمَا صُورَةَ جُعَالَةٍ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ:

يَجْرِي الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي كُلِّ أَجِيرٍ، كَمَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ لُزُومَ الْإِجَارَةِ لَا يَخْتَلِفُ.
ثُمَّ عَلَى الثَّالِثِ، إِذَا اخْتَارَ السَّهْمَ، فَفِيمَا يَسْقُطُ مِنَ الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قِسْطُهَا مِنْ وَقْتِ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ.
وَأَصَحُّهُمَا: مِنْ وَقْتِ شُهُودِ الْوَقْعَةِ.
وَأَمَّا وَقْتُ تَخْيِيرِهِ، فَنُقِلَ فِي ((الشَّامِلِ)) عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُخَيِّرُ، إِمَّا قَبْلَ الْقِتَالِ، وَإِمَّا بَعْدَهُ.
فَيُقَالُ قَبْلَهُ: إِنْ أَرَدْتَ الْقِتَالَ، فَاطْرَحِ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْأُجْرَةَ فَاطْرَحِ الْجِهَادَ.
وَيُقَالُ بَعْدَهُ: إِنْ كُنْتَ قَصَدْتَ الْجِهَادَ، فَلَا أُجْرَةَ لَكَ، وَإِنْ كُنْتَ قَصَدْتَ الْأُجْرَةَ، فَخُذْهَا وَلَا سَهْمَ لَكَ.
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْصُلُ الْغَرَضُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا.
فَرْعٌ إِذَا أَسْهَمْنَا لِلْأَجِيرِ، فَلَهُ السَّلَبُ إِذَا قَتَلَ.
وَإِنْ لَمْ نُسْهِمْ، فَوَجْهَانِ.
وَعَلَى هَذَا، يَرْضَخُ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْعَبْدِ.
وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ.
فَرْعٌ هَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْأَجِيرِ لِغَيْرِ الْجِهَادِ.
فَأَمَّا الْأَجِيرُ لِلْجِهَادِ، فَفِي صِحَّةِ اسْتِئْجَارِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي ((السِّيَرِ)) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ، فَلَهُ الْأُجْرَةُ، وَلَا سَهْمَ وَلَا رَضْخَ، وَإِلَّا، فَلَا أُجْرَةَ.
وَفِي سَهْمِ الْغَنِيمَةِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهُ؛ لِشُهُودِهِ الْوَقْعَةَ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، قَاتَلَ، أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ بِالْإِجَارَةِ.

فَصْلٌ

تُجَّارُ الْعَسْكَرِ وَأَهْلُ الْحِرَفِ، كَالْخَيَّاطِينَ، وَالسَّرَّاجِينَ، وَالْبَزَّازِينَ، وَالْبَقَّالِينَ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ لِغَرَضِ تِجَارَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، إِذَا شَهِدُوا الْوَقْعَةَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِمُ السَّهْمَ طُرُقٌ.
الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ إِنْ قَاتَلُوا، اسْتَحَقُّوا، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ.
وَقِيلَ: بِالِاسْتِحْقَاقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الرُّويَانِيِّ، وَبِالْمَنْعِ مُطْلَقًا.
وَإِذَا لَمْ نُسْهِمْ لَهُمْ، فَلَهُمُ الرَّضْخُ عَلَى الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

إِذَا أَفْلَتَ أَسِيرٌ مِنَ الْكُفَّارِ، وَشَهِدَ الْوَقْعَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ هَذَا الْجَيْشِ، اسْتَحَقَّ السَّهْمَ، قَاتَلَ، أَمْ لَا؟ وَإِنْ أُسِرَ مِنْ جَيْشٍ آخَرَ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ لِشُهُودِهِ الْوَقْعَةَ أَمْ لَا لِعَدَمِ قَصْدِهِ الْجِهَادَ؟ قَوْلَانِ.
ثُمَّ قِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، قَاتَلَ، أَمْ لَا.
وَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ فِي ((الْمُخْتَصَرِ)) أَنَّهُمَا إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ، فَإِنْ قَاتَلَ، اسْتَحَقَّ قَطْعًا.
هَذَا إِذَا أَفْلَتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَحِيَازَةِ الْغَنِيمَةِ.
فَإِنْ أَفْلَتَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَقَبْلَ الْحِيَازَةِ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي لُحُوقِ الْمَدَدِ.
وَإِنْ أَفْلَتَ بَعْدَ الْحِيَازَةِ، قَالَ فِي ((الشَّامِلِ)) : إِنْ قُلْنَا: تُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ بِالْحِيَازَةِ، فَلَا سَهْمَ لَهُ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَفْلَتَ قَبْلَ الْحِيَازَةِ وَلَمْ يُقَاتِلْ.
وَإِذَا لَمْ يُسْهِمْ لَهُ، فَفِي الرَّضْخِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
فَصْلٌ أَسْلَمَ كَافِرٌ، وَالْتَحَقَ بِجَيْشِ الْإِسْلَامِ، فَشَهِدَ الْوَقْعَةَ، يُسْهَمُ لَهُ إِنْ قَاتَلَ قَطْعًا،

وَكَذَا إِنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إِعْلَاءَ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَشَهِدَ الْوَقْعَةَ.
وَفِي ((الرَّقْمِ)) لِلْعَبَّادِيِّ: أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ.

فَصْلٌ

سَبَقَ أَنِ الْغَنِيمَةَ يُبْدَأُ مِنْهَا بِالسَّلَبِ وَالْمُؤَنِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي خَمْسَةَ أَقْسَامٍ، وَيُجْعَلُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ، فَيُسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُفَضَّلُ بَعْضُهُمْ إِلَّا بِشَيْئَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: النُّقْصَانُ الْمُقْتَضِي لِلرَّضْخِ، تَفْرِيعًا عَلَى الْأَظْهَرِ: أَنَّهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَارِسَ يُفَضَّلُ عَلَى الرَّاجِلِ، فَيُعْطَى الْفَارِسُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ، وَيُعْطَى الرَّاجِلُ سَهْمًا.
وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: رَاكِبُ الْبَعِيرِ، وَالْفِيلِ، وَالْحِمَارِ، وَالْبَغْلِ، لَا يَلْحَقُ بِالْفَارِسِ، لَكِنْ يُعْطَى الرَّاكِبُ سَهْمَهُ، وَيُرْضَخُ لِهَذِهِ الدَّوَابِّ، وَيَكُونُ رَضْخُ الْفِيلِ أَكْثَرَ مِنْ رَضْخِ الْبَغْلِ، وَرَضْخُ الْبَغْلِ أَكْثَرَ مِنْ رَضْخِ الْحِمَارِ، وَلَا يَبْلُغُ رَضْخُهَا سَهْمَ فَرَسٍ، وَيُرْضَخُ لِلصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ الْفَارِسَيْنِ أَكْثَرَ مِمَّا يُرْضَخُ لَوْ كَانَا رَاجِلَيْنِ.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: سَوَاءٌ فِي الْخَيْلِ الْعَتِيقُ، وَهُوَ الَّذِي أَبَوَاهُ عَرَبِيَّانِ، وَالْبِرْذَوْنُ، وَهُوَ الَّذِي أَبَوَاهُ أَعْجَمِيَّانِ، وَالْهَجِينُ، وَهُوَ الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ عَجَمِيَّةٌ، وَالْمُقْرِفُ، وَهُوَ الَّذِي أَبُوهُ عَجَمِيٌّ وَأُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْكَرَّ وَالْفَرَّ يَقَعُ مِنْهَا كُلِّهَا، وَلَا يَضُرُّ تَفَاوُتُهَا، كَالرِّجَالِ.
وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ: لَا يُسْهَمُ لِلْبِرْذَوْنِ، بَلْ يُرْضَخُ لَهُ.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ: لِيَتَعَهَّدِ الْإِمَامُ الْخَيْلَ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يُدْخِلُ إِلَّا فَرَسًا شَدِيدًا، وَلَا يُدْخِلُ حَطْمًا، وَهُوَ الْكَسِيرُ، وَلَا قَحْمًا، وَهُوَ الْهَرِمُ، وَلَا ضَرَعًا، وَهُوَ الصَّغِيرُ الضَّعِيفُ، وَلَا أَعْجَفَ رَازِحًا.
وَالْأَعْجَفُ: الْمَهْزُولُ.
وَالرَّازِحُ: هُوَ بَيِّنُ الْهُزَالِ.

قُلْتُ: الْقَحْمُ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالضَّرَعُ، بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْضًا، وَالرَّازِحُ، بِالرَّاءِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ زَايٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَضُبِطَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ؛ لِأَنَّهَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَكُتُبِ الْأَصْحَابِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وَرَأَيْتُ مَنْ صَحَّفَهَا فَأَرَدْتُ السَّلَامَةَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَوْ أَدْخَلَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْهَا، نُظِرَ إِنْ نَهَى الْإِمَامُ عَنْ إِدْخَالِهِ وَبَلَغَهُ النَّهْيُ، لَمْ يُسْهِمْ لِفَرَسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْهَ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُسْهِمُ لَهُ كَالشَّيْخِ الضَّعِيفِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، بَلْ هُوَ كُلٌّ، بِخِلَافِ الشَّيْخِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ وَدُعَائِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، بَلِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَمْكَنَ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي إِذَا لَمْ يُمْكِنْ.
[الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: مَنْ حَضَرَ بِفَرَسَيْنِ، لَمْ يُسْهِمْ إِلَّا لِوَاحِدٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحَكَى بَعْضُهُمْ قَوْلًا أَنَّهُ يُسْهِمُ لِفَرَسَيْنِ وَلَا يُزَادُ.
[الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةُ: يُسْهِمُ لِلْفَرَسِ الْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَأْجِرِ، فَيَكُونُ السَّهْمُ لِلْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لِلْمُعِيرِ.
وَأَمَّا الْفَرَسُ الْمَغْصُوبُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْهِمُ لَهُ، وَيَكُونُ سَهْمُهُ لِلْغَاصِبِ.
وَقِيلَ: لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
وَقِيلَ: لَا يُسْهِمُ لَهُ؛ لِأَنَّ إِحْضَارَهُ حَرَامٌ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ.
[الْمَسْأَلَةُ] السَّادِسَةُ: إِذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي مَاءٍ أَوْ حِصْنٍ وَقَدْ أَحْضَرَ فَرَسَهُ، أَسْهَمَ لِفَرَسِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى الرُّكُوبِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَلَى مَا إِذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنَ السَّاحِلِ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ يَخْرُجُ وَيُرْكَبُ.
فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلِ الْحَالُ الْخُرُوجَ، فَلَا مَعْنَى لِإِعْطَاءِ سَهْمِ الْفَرَسِ.
[الْمَسْأَلَةُ] السَّابِعَةُ: حَضَرَ اثْنَانِ بِفَرَسٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، فَهَلْ يُعْطَى كُلٌّ مِنْهُمَا سَهْمَ فَرَسٍ؛

لِأَنَّ مَعَهُ فَرَسًا قَدْ يَرْكَبُهُ، أَمْ يُعْطَيَانِ سَهْمَ فَرَسٍ وَاحِدٍ مُنَاصَفَةً، أَمْ لَا يُعْطَيَانِ لِلْفَرَسِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِفَرَسٍ تَامٍّ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
قُلْتُ: لَعَلَّ الْأَصَحَّ الْمُنَاصَفَةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ رَكِبَ اثْنَانِ فَرَسًا، وَشَهِدَا الْوَقْعَةَ، فَهَلْ لَهُمَا سِتَّةُ أَسْهُمٍ لِأَنَّهُمَا فَارِسَانِ؟ أَمْ سَهْمَانِ لِأَنَّهُمَا رَاجِلَانِ لِتَعَذُّرِ الْكَرِّ وَالْفَرِّ؟ أَمْ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، سَهْمَانِ لَهُمَا وَسَهْمَانِ لِلْفَرَسِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قُلْتُ: اخْتَارَ ابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ وَجْهًا رَابِعًا حَسَنًا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِيهِ قُوَّةُ الْكَرِّ وَالْفَرِّ مَعَ رُكُوبِهِمَا، فَأَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَإِلَّا، فَسَهْمَانِ.
وَمِنْ مَسَائِلِ الْبَابِ: لَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ حَصَّلَ فَرَسًا بِبَيْعٍ أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَحَضَرَ بِهِ الْحَرْبَ، أُسْهِمَ لَهُ.
قَالَ صَاحِبُ ((الْعُدَّةِ)) : وَلَوْ حَضَرَ فَارِسًا، فَضَاعَ فَرَسُهُ، فَأَخَذَهُ رَجُلٌ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَأَسْهَمَ الْمُقَاتِلُ [لَهُ] وَلِلْفَرَسِ، كَانَ سَهْمَا الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَفَرَسُهُ حَاضِرٌ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ اخْتِيَارُ إِزَالَةِ يَدٍ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ، وَيُفَارِقُ الْمَغْصُوبَ حَيْثُ قُلْنَا: سَهْمُ الْفَرَسِ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَشْهَدِ الْوَقْعَةَ.
وَمِنْهَا: الْأَعْمَى، وَالزَّمِنُ، وَمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُمْ، لَكِنْ يُرْضَخُ.
وَحَكَى الْجُرْجَانِيُّ فِي اسْتِحْقَاقِهِمُ السَّهْمَ قَوْلَيْنِ.
وَلَوْ شَرَطَ الْإِمَامُ لِلْجَيْشِ أَنْ لَا يُخَمِّسَ عَلَيْهِمْ، فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ، وَيَجِبُ تَخْمِيسُ مَا غَنِمُوا، وَسَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ، أَمْ لَا.
وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا: أَنَّهُ

إِنْ شَرَطَهُ لِضَرُورَةٍ، لَمْ يُخَمِّسْ، وَهَذَا شَاذٌّ بَاطِلٌ.
وَلَوْ غَزَتْ طَائِفَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ فَغَنِمَتْ، خَمَّسَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يُخَمِّسُ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَلَوْ كَانَ مَعَهُ فَرَسٌ فَلَمْ يَرْكَبْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَمْ يُسْهِمْ لَهُ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ: وَلَوْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَرْكَبْهُ بِحَالٍ، فَلَا سَهْمَ لَهُ.
قَالَ: وَعِنْدِي يُسْهِمُ لَهُ إِذَا كَانَ يُمْكِنُهُ رُكُوبُهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ - الْجُزْءُ السَّادِسُ مِنْ كِتَابِ رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمْدَةِ الْمُفْتِينَ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَيَلِيهِ الْجُزْءُ السَّابِعُ، وَأَوَّلُهُ كِتَابُ النِّكَاحِ

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل