كِتَابُ الْهِبَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْعَطَايَا، فَقَالَ: تَبَرُّعُ الْإِنْسَانِ بِمَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى مُعَلَّقٍ بِالْمَوْتِ
[وَهُوَ] الْوَصِيَّةُ، وَإِلَى مُنْجَزٍ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: تَمْلِيكٌ مَحْضٌ، كَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ، وَالثَّانِي: الْوَقْفُ.
وَالتَّمْلِيكُ الْمَحْضُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْهِبَةُ، وَالْهَدِيَّةُ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وَسَبِيلُ ضَبْطِهَا أَنْ نَقُولَ: التَّمْلِيكُ لَا بِعِوَضٍ هِبَةٌ، فَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ حَمْلُ الْمَوْهُوبِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِعْظَامًا لَهُ، أَوْ إِكْرَامًا فَهُوَ هَدِيَّةٌ، وَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ كَوْنُ التَّمْلِيكِ لِلْمُحْتَاجِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَامْتِيَازُ الْهَدِيَّةِ عَنِ الْهِبَةِ بِالنَّقْلِ وَالْحَمْلِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَمِنْهُ إِهْدَاءُ النَّعَمِ إِلَى الْحَرَمِ، وَلِذَلِكَ لَا يَدْخُلُ لَفْظُ الْهَدِيَّةِ فِي الْعَقَارِ بِحَالٍ، فَلَا يُقَالُ: أَهْدَى إِلَيْهِ دَارًا، وَلَا أَرْضًا، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِي الْمَنْقُولَاتِ كَالثِّيَابِ، وَالْعَبِيدِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ تَفْتَرِقُ بِالْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ، فَكُلُّ هَدِيَّةٍ، وَصَدَقَةٍ هِبَةٌ، وَلَا تَنْعَكِسُ.
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَتَصَدَّقَ حَنِثَ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَحْنَثُ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي حَدِّ الْهَدِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ رَسُولٌ أَوْ مُتَوَسِّطٌ أَمْ لَا؟ فَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، فِيمَا إِذَا حَلَفَ لَا يَهْدِي إِلَيْهِ، فَوَهَبَ لَهُ خَاتَمًا، أَوْ نَحْوَهُ يَدًا بِيَدٍ، هَلْ يَحْنَثُ؟ وَجْهَيْنِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ، وَيَنْتَظِمُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ: هَذِهِ هَدِيَّتِي أَهْدَيْتُهَا لَكَ.
وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَتَفْتَرِقُ فِي أَحْكَامٍ، وَتَشْتَرِكُ فِي أَحْكَامٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِعْلُهَا مَعَ الْأَقَارِبِ وَمَعَ الْجِيرَانِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَقِرَ الْقَلِيلَ، فَيَمْتَنِعَ مِنْ إِهْدَائِهِ، وَأَنْ لَا يَسْتَنْكِفَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ عَنْ قَبُولِ الْقَلِيلِ.
قُلْتُ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدَى إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُهْدِي، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي إِذَا دَعَا لَهُ الْمُهْدَى إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ أَيْضًا لَهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ مَا يَدْعُو بِهِ فِي كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
وَيَشْتَمِلُ الْكِتَابُ عَلَى بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا: فِي أَرْكَانِ الْهِبَةِ، وَشَرْطِ لُزُومِهَا.
أَمَّا أَرْكَانُهَا فَأَرْبَعَةٌ.
[الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ وَالثَّانِي: الْعَاقِدَانِ، وَأَمْرُهُمَا وَاضِحٌ، الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الصِّيغَةُ، أَمَّا الْهِبَةُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ بِاللَّفْظِ، كَالْبَيْعِ وَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ.
وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ، فَفِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ كَالْبَيْعِ وَالْوَصِيَّةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْمُتَلَقِّينَ عَنْهُ، وَالثَّانِي: لَا حَاجَةَ فِيهَا إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ، بَلْ يَكْفِي الْقَبْضُ وَيَمْلِكُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ قَرَارُ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَهُ الْأَثْبَاتُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ، وَاعْتَمَدَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ
تُحْمَلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقْبَلُهَا، وَلَا لَفْظَ هُنَاكَ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى النَّاسُ فِي الْأَعْصَارِ، وَلِذَلِكَ كَانُوا يَبْعَثُونَ بِهَا عَلَى أَيْدِي الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا عِبَارَةَ لَهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا كَانَ إِبَاحَةً لَا هَدِيَّةً وَتَمْلِيكًا، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِبَاحَةً لَمَا تَصَرَّفُوا فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا قَبِلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَيُمَلِّكُهُ غَيْرَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ مَنِ اعْتَبَرَ الْإِيجَابَ، وَالْقَبُولَ عَلَى الْأَمْرِ الْمُشْعِرِ بِالرِّضَا دُونَ اللَّفْظِ، وَيُقَالُ: الْإِشْعَارُ بِالرِّضَا قَدْ يَكُونُ لَفْظًا، وَقَدْ يَكُونُ فِعْلًا.
فَرْعٌ
الصَّدَقَةُ كَالْهَدِيَّةِ بِلَا فَرْقٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْهَدِيَّةِ الْأَطْعِمَةُ وَغَيْرُهَا.
فَرْعٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمَا سَبَقَ
إِحْدَاهَا: حَيْثُ اعْتَبَرْنَا الْإِيجَابَ، وَالْقَبُولَ، لَا يَجُوزُ التَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَا التَّوْقِيتُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِمَا كَلَامٌ سَنَذْكُرُهُ فِي الْعُمْرَى - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَبُولِ عَنِ الْإِيجَابِ، بَلْ يُشْتَرَطُ التَّوَاصُلُ الْمُعْتَادُ كَالْبَيْعِ، وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْقَبُولِ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا الْخِلَافُ حَكَاهُ كَثِيرُونَ فِي الْهِبَةِ، وَخَصَّهُ الْمُتَوَلِّي بِالْهَدِيَّةِ، وَجَزَمَ بِمَنْعِ التَّأْخِيرِ فِي الْهِبَةِ، وَالْقِيَاسُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ فِي الْهَدَايَا الَّتِي يُبْعَثُ بِهَا [مِنْ] مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ، وَالْقَبُولَ عَلَى الْفَوْرِ، فَأَمَّا أَنْ يُوكِلَ الرَّسُولَ لِيُوجِبَ، وَيَقْبَلَ الْمَبْعُوثَ إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يُوجِبَ الْمُهْدِي وَيَقْبَلَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقَبُولِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْوَاهِبُ أَجْنَبِيًّا قَبِلَ لَهُ مَنْ يَلِي أَمْرَهُ مِنْ وَلِيٍّ، وَوَصِيٍّ، وَقَيِّمٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ مِمَّنْ يَلِي أَمْرَهُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ، قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ، أَوْ نَائِبُهُ، وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا تَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ.
وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى لَفْظَيِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، أَمْ يَكْفِي أَحَدُهُمَا؟ وَجْهَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَمَوْضِعُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْقَبُولِ، مَا إِذَا أَتَى بِلَفْظٍ مُسْتَقِلٍّ كَقَوْلِهِ: اشْتَرَيْتُ لِطِفْلِي، أَوِ انْهَبْتُ لَهُ كَذَا.
أَمَّا قَوْلُهُ: قَبِلْتُ الْبَيْعَ، وَالْهِبَةَ، فَلَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِحَالٍ.
فَرْعٌ
لَا اعْتِبَارَ بِقَبُولِ مُتَعَهِّدِ الطِّفْلِ الَّذِي لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا وَهَبَ لِعَبْدٍ غَيْرُهُ، فَالْمُعْتَبَرُ قَبُولُ الْعَبْدِ، وَفِي افْتِقَارِهِ إِلَى إِذَنْ سَيِّدِهِ خِلَافٌ سَبَقَ.
الرَّابِعَةُ: وَهَبَ لَهُ شَيْئًا فَقَبِلَ نِصْفَهُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ عَبْدَيْنِ، فَقَبِلَ أَحَدَهُمَا، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ، أَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ.
الْخَامِسَةُ: غَرَسَ أَشْجَارًا وَقَالَ عِنْدَ الْغِرَاسِ: أَغْرِسُهُ لِابْنِي، لَمْ يَصِرْ لِلِابْنِ، وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُهُ لِابْنِي وَهُوَ صَغِيرٌ صَارَ لِلِابْنِ، لِأَنَّ هِبَتَهُ لَهُ لَا تَقْتَضِي قَبُولًا بِخِلَافِ مَا لَوْ جَعَلَهُ لِبَالِغٍ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ، وَهُوَ مُلْتَفِتٌ إِلَى الِانْعِقَادِ بِالْكِنَايَاتِ، وَإِلَى أَنَّ هِبَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ يَكْفِي فِيهَا أَحَدُ الشِّقَّيْنِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ خَتَنَ ابْنَهُ وَاتَّخَذَ دَعْوَةً، فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ هَدَايَا، وَلَمْ يُسَمِّ أَصْحَابُهَا الْأَبَ وَلَا الِابْنَ، فَهَلْ تَكُونُ الْهَدِيَّةُ مِلْكًا لِلْأَبِ، أَمْ لِلِابْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي «الْفَتَاوَى» بِأَنَّهُ لِلِابْنِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَقْبَلَهَا لِوَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَثِمَ، قَالَ: وَكَذَا وَصِيٌّ وَقَيِّمٌ، يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَالْوَصِيَّةَ لِلصَّغِيرِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْوَصِيُّ الْوَصِيَّةَ وَالْهَدِيَّةَ، أَثِمَ، وَانْعَزَلَ لِتَرْكِهِ النَّظَرَ، وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ قَالَ: تَكُونُ مِلْكًا لِلْأَبِ، لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ، وَهَذَا أَقْوَى، وَأَصَحُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
السَّابِعَةُ: بَعَثَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً فِي ظَرْفٍ، وَالْعَادَةُ فِي مِثْلِهَا رَدُّ الظَّرْفِ، لَمْ يَكُنِ الظَّرْفُ هَدِيَّةً، فَإِنْ كَانَ الْعَادَةُ أَنْ لَا يُرَدَّ كَقَوْصَرَّةِ التَّمْرِ، فَالظَّرْفُ هَدِيَّةٌ أَيْضًا، وَقَدْ يُمَيَّزُ الْقِسْمَانِ بِكَوْنِهِ مَشْدُودًا فِيهِ، وَغَيْرَ مَشْدُودٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الظَّرْفُ هَدِيَّةً، كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الْهَدِيَّةِ.
وَأَمَّا فِيهَا، فَإِنِ اقْتَضَتِ الْعَادَةُ تَفْرِيغَهُ، لَزِمَ تَفْرِيغُهُ.
وَإِنِ اقْتَضَتِ التَّنَاوُلَ مِنْهُ، جَازَ التَّنَاوُلُ مِنْهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَكُونُ عَارِيَةً.
الثَّامِنَةُ: بَعَثَ كِتَابًا إِلَى حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ، وَكَتَبَ فِيهِ أَنِ اكْتُبِ الْجَوَابَ عَلَى ظَهْرِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَإِلَّا، فَهُوَ هَدِيَّةٌ يَمْلِكُهَا الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُبْقَى عَلَى مِلْكِ الْكَاتِبِ، وَلِلْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي حَكَاهُ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» عَنْ حِكَايَةِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
التَّاسِعَةُ: أَعْطَاهُ دِرْهَمًا وَقَالَ: ادْخُلْ بِهِ الْحَمَّامَ، أَوْ دَرَاهِمَ وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا لِنَفْسِكَ عِمَامَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ إِنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَسُّطِ الْمُعْتَادِ، مَلَكَهُ وَتَصَرَّفَ [فِيهِ] كَيْفَ شَاءَ.
وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ تَحْصِيلُ
مَا عَيَّنَهُ لِمَا رَأَى بِهِ مِنَ الشَّعَثِ، وَالْوَسَخِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ مَكْشُوفُ الرَّأْسِ، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ.
قُلْتُ: وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي «الْفَتَاوَى» : وَهَلْ يَتَعَيَّنُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ: وَلَوْ طَلَبَ الشَّاهِدُ مَرْكُوبًا لِيَرْكَبَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ لِيَصْرِفَهَا إِلَى مَرْكُوبٍ، هَلْ لَهُ صَرْفُهَا إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى؟ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِشَرْطِ أَنَّكَ تَشْتَرِي بِهَا خُبْزًا لِتَأْكُلَهُ، لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلِقْ لَهُ التَّصَرُّفَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْعَاشِرَةُ: سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ مَاتَ أَبُوهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ثَوْبًا لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ، هَلْ يَمْلِكُهُ حَتَّى يُمْسِكَهُ، وَيُكَفِّنَهُ فِي غَيْرِهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِتَكْفِينِهِ لَفِقْهٍ وَوَرَعٍ، فَلَا، وَلَوْ كَفَّنَهُ فِي غَيْرِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى مَالِكِهِ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: أَنَّ خَادِمَ الصُّوفِيَّةِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي السُّوقِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ، يَمْلِكُهُ الْخَادِمُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّرْفُ إِلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّ الْمُرُوءَةَ تَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِمَا تَصَدَّى لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَفِ، فَلَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يُظْهِرَ الْجَمْعَ لَهُمْ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ.
وَإِنَّمَا مَلَكَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ وَلَا وَكِيلٍ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ هَدَايَا الْخِتَانِ.
قُلْتُ: وَمِنْ مَسَائِلِ الْفَصْلِ، أَنَّ قَبُولَ الْهَدَايَا الَّتِي يَجِيءُ بِهَا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، جَائِزٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ قَبُولُ هَدِيَّةِ الْكَافِرِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْعُمَّالِ وَأَهْلِ الْوِلَايَاتِ قَبُولُ هَدِيَّةٍ مِنْ رَعَايَاهُمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى
أَمَّا الْعُمْرَى، فَقَوْلُهُ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ مَثَلًا، أَوْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ، أَوْ حَيَاتَكَ، أَوْ مَا عِشْتَ، أَوْ حَيِيتَ، أَوْ بَقِيتَ، وَمَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى.
ثُمَّ لَهُ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ: فَإِذَا مُتُّ، فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ، أَوْ لِعَقِبِكَ وَهِيَ الْهِبَةُ بِعَيْنِهَا، لَكِنَّهُ طَوَّلَ الْعِبَارَةَ فَإِذَا مَاتَ.
فَالدَّارُ لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا، فَلِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَعُودُ إِلَى الْوَاهِبِ بِحَالٍ.
الثَّانِي: يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سِوَاهُ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَهُ حُكْمُ الْهِبَةِ.
وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْقَدِيمَ: أَنَّ الدَّارَ تَكُونُ لِلْمُعَمَّرِ حَيَاتَهُ.
فَإِذَا مَاتَ، عَادَتْ إِلَى الْوَاهِبِ، أَوْ وَرَثَتِهِ كَمَا شَرَطَ.
وَقِيلَ: الْقَدِيمُ: أَنَّهَا تَكُونُ عَارِيَّةً يَسْتَرِدُّهَا مَتَى شَاءَ، فَإِذَا مَاتَ، عَادَتْ إِلَى الْوَاهِبِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ، فَإِذَا مُتُّ عَادَتْ إِلَيَّ، أَوْ إِلَى وَرَثَتِي إِنْ كُنْتُ مُتُّ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي الْحَالِ الثَّانِي، فَهُنَا أَوْلَى.
وَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، وَالْعَوْدِ إِلَى الْوَاهِبِ، فَكَذَا هُنَا.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْبُطْلَانُ.
وَالصَّحِيحُ: الصِّحَّةُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَسَوَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَالَةِ الْإِطْلَاقِ، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا بِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَعَدَلُوا بِهِ عَنْ قِيَاسِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
وَأَمَّا الرُّقْبَى: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُ لَكَ هَذِهِ الدَّارَ عُمْرَكَ، عَلَى أَنَّكَ إِنْ مُتَّ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيَّ.
وَإِنْ مُتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ لَكَ، أَوْ جَعَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ لَكَ رُقْبَى، أَوْ أَرْقَبْتُهَا لَكَ.
وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحَالِ الثَّالِثِ مِنَ الْعُمْرَى، وَحَاصِلُهُ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ.
وَأَصَحُّهُمَا: قَوْلَانِ.
الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: صِحَّتُهُ، وَيَلْغُو الشَّرْطُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّةُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، فَإِذَا صَحَّحْنَاهُمَا، وَأَلْغَيْنَا الشَّرْطَ، تَصَرَّفَ الْمُعَمَّرُ فِي الْمَالِ كَيْفَ شَاءَ.
وَإِنْ أَبْطَلْنَا الْعَقْدَ أَوْ جَعَلْنَاهُ عَارِيَّةً، فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ، فَبَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ مَاتَ، فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ احْتِمَالَيْنِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ: لَا يُنَفَّذُ الْبَيْعُ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ التَّأْبِيدُ، وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا مُؤَقَّتًا، فَكَيْفَ يَمُلِّكُ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ؟ وَالثَّانِي: يُنَفَّذُ كَبَيْعِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ عَلَى صِفَةٍ، وَبِهَذَا قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مِلْكٌ فِي الْحَالِ، وَالرُّجُوعَ أَمْرٌ يَحْدُثُ، وَشَبَّهَهُ بِرُجُوعِ نِصْفِ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَإِذَا صَحَّحْنَا بَيْعَهُ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي تَرِكَتِهِ بِالْغُرْمِ رُجُوعَ الزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ بَعْدَ خُرُوجِ الصَّدَاقِ عَنْ مِلْكِهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَفِي رُجُوعِ الْمَالِ إِلَى وَرَثَةِ الْوَاهِبِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْمَوْهُوبِ لَهُ اسْتِبْعَادٌ، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ مِلْكٍ لَهُمْ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُورِثُ، لَكِنَّهُ كَمَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ تَرِكَةٌ تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ الْوَصَايَا.
فَرْعٌ
قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ لَكَ عُمْرِي أَوْ حَيَاتِي، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ، أَوْ حَيَاتَكَ، لِشُمُولِ اسْمِ الْعُمْرَى.
وَأَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ، لِخُرُوجِهِ عَنِ اللَّفْظِ الْمُعْتَادِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَأْقِيتِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمُوتُ الْوَاهِبُ أَوَّلًا، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ.
وَأُجْرِيَ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَ فُلَانٍ.
وَخَرَجَ مِنْ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَإِلْغَاءِ الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ: أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ لَا يُفْسِدُ الْهِبَةَ، وَطُرِدَ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَوْقَاتِ، كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ، أَوْ وَقَفْتُهَا سَنَةً.
وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَهُ فِي كُلِّ شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَبِيعَهُ إِذَا قَبَضْتَهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ يُورِثُ جَهَالَةَ الثَّمَنِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ.
وَالْمَذْهَبُ فَسَادُ الْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ بِالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ لِلْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْعُمْرَى، لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ عَلَى صُورَةِ الْعُمْرَى فَقَالَ: مَلَّكْتُكَهَا بِعُشْرِ عُمْرِكَ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَا يَبْعُدُ عِنْدِي جَوَازُهُ تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: لَا يَجُوزُ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْعُمْرَى، كَقَوْلِهِ: إِذَا مَاتَ، أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ، أَوْ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ فَهِيَ لَكَ عُمْرَكَ.
فَلَوْ عَلَّقَ بِمَوْتِهِ فَقَالَ: إِذَا مُتُّ فَهَذِهِ الدَّارُ لَكَ عُمْرَكَ، فَهِيَ وَصِيَّةٌ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ.
فَلَوْ قَالَ: إِذَا مُتُّ فَهِيَ لَكَ
عُمْرَكَ، فَإِذَا مُتُّ عَادَتْ إِلَى وَرَثَتِي، فَهِيَ وَصِيَّةٌ بِالْعُمْرَى عَلَى صُورَةِ الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ.
فَرْعٌ
جَعَلَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارَهُ لِلْآخَرِ عُمْرَهُ، عَلَى أَنَّهُ إِذَا مَاتَ قَبْلَهُ، عَادَتْ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَهَذِهِ رُقْبَى مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
فَرْعٌ
قَالَ: دَارِي لَكَ عُمْرَكَ، فَإِذَا مُتُّ فَهِيَ لِزَيْدٍ، أَوْ عَبْدِي لَكَ عُمْرَكَ، فَإِذَا مُتُّ فَهُوَ حُرٌّ، صَحَّتِ الْعُمْرَى عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ، وَلَغَا الْمَذْكُورُ بَعْدَهَا.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَوْهُوبُ، فَمَا جَازَ بَيْعُهُ، جَازَتْ هِبَتُهُ، وَمَا لَا، فَلَا، هَذَا هُوَ الْغَالِبُ.
وَقَدْ يَخْتَلِفَانِ، فَتَجُوزُ هِبَةُ الْمَشَاعِ سَوَاءٌ الْمُنْقَسِمُ وَغَيْرُهُ، وَسَوَاءٌ وَهَبَهُ لِلشَّرِيكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَجُوزُ هِبَةُ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ مَعَ زَرْعِهَا وَدُونَ زَرْعِهَا وَعَكْسُهُ.
فَرْعٌ
لَوْ وَهَبَ لِاثْنَيْنِ، فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ، فَوَجْهَانِ كَالْبَيْعِ.
وَقَطَعَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» بِالتَّصْحِيحِ.
فَرْعٌ
لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ، وَلَا الْآبِقِ، وَالضَّالِّ، وَتَجُوزُ هِبَةُ الْمَغْصُوبِ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ إِنْ قَدَرَ عَلَى الِانْتِزَاعِ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
وَأَمَّا هِبَتُهُ لِلْغَاصِبِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي