كِتَابُ النِّكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَرْعٌ
أَسْلَمَ الزَّوْجُ الرَّقِيقُ، هَلْ لِزَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ خِيَارٌ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عَلَى مَا قَالَ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي: لَا، لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِرِقِّهِ وَلَمْ يَحْدُثْ فِيهَا عِتْقٌ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ، لِأَنَّ الرِّقَّ نَقْصٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ كَبِيرَ نَقْصٍ فِي الْكُفْرِ.
قَالَ الدَّارَكِيُّ: الْخِلَافُ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ، أَمَّا الذِّمِّيَّةُ مَعَ الذِّمِّيِّ، فَلَا خِيَارَ لَهَا قَطْعًا ; لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِأَحْكَامِنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ كَانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَتْ أَوْ لَمْ تُسْلِمْ إِذَا كَانَتْ كِتَابِيَّةً، كَذَلِكَ قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي «الْوَسِيطِ» ذِكْرُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا أَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ، وَلَيْسَ هُوَ بِقَيْدٍ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ.
فَصْلٌ
الْعَبْدُ الْكَافِرُ، إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنَ امْرَأَتَيْنِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فِي الْعُدَّةِ، إِنْ دَخَلَ بِهِنَّ، اخْتَارَ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ، سَوَاءٌ كُنَّ حَرَائِرَ أَوْ إِمَاءً.
فَإِنْ شَاءَ، اخْتَارَ حُرَّتَيْنِ، أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً.
وَإِنْ سَبَقْنَ بِالْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْعُدَّةِ، فَكَذَلِكَ.
وَلَوْ طَرَأَ عِتْقُهُ، نُظِرَ، إِنْ عَتَقَ بَعْدَ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ، لَمْ يُؤَثِّرْ عِتْقُهُ فِي زِيَادَةِ الْعُدَدِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى ثِنْتَيْنِ.
وَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ الْإِسْلَامَيْنِ، بِأَنْ عَتَقَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، أَوْ بَيْنَهُمَا، تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ أَوْ تَأَخَّرَ، فَلَهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ، وَلِلزَّوْجَاتِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَمَحَّضْنَ حَرَائِرَ، فَيَخْتَارُ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ.
وَلَوْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ ثِنْتَانِ مَعَهُ، ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا اخْتِيَارُ ثِنْتَيْنِ، إِمَّا الْأَوَّلِيَّيْنِ، وَإِمَّا ثِنْتَيْنِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ، وَإِمَّا وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَوَاحِدَةً مِنْهُنَّ.
وَلَوْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ،
ثُمَّ عَتَقَ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْبَاقِيَاتُ، فَلَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ بِإِسْلَامِ الْوَاحِدَةِ عَدَدَ الْعَبِيدِ.
وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إِلَّا ثِنْتَيْنِ، وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَتَمَحَّضْنَ إِمَاءً.
فَإِنْ كُنَّ قَدْ عَتَقْنَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَإِلَّا، فَلَا يَخْتَارُ إِلَّا وَاحِدَةً بِشَرْطِ الْإِعْسَارِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ إِمَاءٍ، فَأَسْلَمَتْ مَعَهُ اثْنَتَانِ، ثُمَّ عَتَقَ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْمُتَخَلِّفَتَانِ، لَمْ يَخْتَرْ إِلَّا اثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ كَمَالُ عَدَدِ الْعَبِيدِ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَيَجُوزُ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِيَّيْنِ ; لِأَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا عِنْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ اخْتِيَارُ الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَلَا يَجُوزُ اخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَوَّلِيَّيْنِ وَوَاحِدَةٍ مِنَ الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَنَّ الْمُتَخَلِّفَتَيْنِ عَتَقَتَا بَعْدَ عِتْقِهِ ثُمَّ أَسْلَمَتَا، فَلَهُ اخْتِيَارُهُمَا، وَلَهُ اخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَوَاحِدَةٍ مِنَ الْأَوَّلِيَّيْنِ لِأَنَّهُمَا حُرَّتَانِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ حَرَائِرَ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ ثِنْتَانِ ثُمَّ عَتَقَ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْآخِرَتَانِ، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ ثِنْتَيْنِ كَيْفَ شَاءَ.
وَلَوْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ مِنَ الْإِمَاءِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ عَتَقَ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْبَوَاقِي، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَخْتَارُ إِلَّا وَاحِدَةً عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، لَكِنَّ قِيَاسَ الْأَصْلِ السَّابِقِ جَوَازُ اخْتِيَارِ ثِنْتَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ الْعَبِيدِ قَبْلَ الْعِتْقِ.
فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَخْتَارُ إِلَّا وَاحِدَةً، تَعَيَّنَتِ الْأُولَى، كَذَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَعَلَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي يَخْتَارُ وَاحِدَةً مِنَ الْجُمْلَةِ، وَعَكَسَ الْإِمَامُ فَحَكَى عَنِ الْقَاضِي أَنَّ الْأُولَى تَتَعَيَّنُ.
وَعَنْ سَائِرِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَخْتَارُ وَاحِدَةً مِنَ الْجُمْلَةِ، قَالَ: وَقَوْلُ الْقَاضِي هَفْوَةٌ مِنْهُ.
وَلَوْ عَتَقَتِ الْبَوَاقِي بَعْدَ إِسْلَامِ الْوَاحِدَةِ مَعَهُ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَهُ إِمْسَاكُ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ الرِّقِّ قَبْلَ الْعِتْقِ، فَلَهُ إِمْسَاكُ الْأُولَى ; لِأَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا عِنْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهَا، وَالْبَوَاقِي كُنَّ حَرَائِرَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، فَلَهُ إِمْسَاكُهُنَّ ; لِأَنَّ إِدْخَالَ الْحَرَائِرِ عَلَى الْإِمَاءِ جَائِزٌ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: إِذَا كُنَّ حَرَائِرَ وَإِمَاءً، انْدَفَعَتِ الْإِمَاءُ، وَيَخْتَارُ أَرْبَعًا مِنَ الْحَرَائِرِ إِنْ زِدْنَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَإِلَّا، فَيُمْسِكُهُنَّ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْمُتَخَلِّفَتَانِ، لَمْ يَخْتَرْ إِلَّا اثْنَتَيْنِ، لِاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْحُرَّتَيْنِ، وَاخْتِيَارُ الْأَمَةِ الْأُولَى مَعَ حُرَّةٍ، وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارُ الثَّانِيَةِ مَعَ حُرَّةٍ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي أَلْفَاظِ الِاخْتِيَارِ وَأَحْكَامِهِ.
أَمَّا أَلْفَاظُهُ، فَكَقَوْلِهِ: اخْتَرْتُ نِكَاحَكِ، أَوْ تَقْرِيرَ نِكَاحَكِ، أَوْ حَبْسَكِ، أَوْ عَقْدَكِ، أَوِ اخْتَرْتُكِ، أَوْ أَمْسَكْتُكِ أَوْ أَمْسَكْتُ نِكَاحَكِ، أَوْ ثَبَتُّ [نِكَاحَكِ] أَوْ ثَبَّتُّكِ، أَوْ حَبَسْتُكِ عَلَى النِّكَاحِ.
وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ هَذَا صَرِيحٌ، لَكِنَّ الْأَقْرَبَ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: اخْتَرْتُكِ وَأَمْسَكْتُكِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلنِّكَاحِ كِنَايَةً.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ ثَمَانٍ مَثَلًا، وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ لِلْفَسْخِ وَهُوَ يُرِيدُ حَلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ، لَزِمَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ فِيهِنَّ بِشَيْءٍ.
وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أُرِيدُكُنَّ، وَلِأَرْبَعٍ: لَا أُرِيدُكُنَّ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَحْصُلُ التَّعْيِينُ بِذَلِكَ.
وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ حُصُولُ التَّعْيِينِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: أُرِيدُكُنَّ.
فُرُوعٌ
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ أَرْبَعًا، كَانَ تَعْيِينًا لِلنِّكَاحِ، لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ هِيَ الَّتِي تُخَاطَبُ بِالطَّلَاقِ، فَتَنْدَفِعُ الْأَرْبَعُ الْمُطَلَّقَاتُ بِالطَّلَاقِ، وَالْبَاقِيَاتُ بِالْفَسْخِ بِالشَّرْعِ.
وَلَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا غَيْرَ مُعَيَّنَاتٍ، أُمِرَ بِالتَّعْيِينِ.
فَإِذَا عَيَّنَ، فَالْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا،
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ: أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ تَعْيِينًا لِلنِّكَاحِ.
وَلَوْ آلَى أَوْ ظَاهَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ عَدَدٍ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَعْيِينٌ لِنِكَاحِهِنَّ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ تُخَاطَبُ بِهِ، بَلْ هُوَ بِهَا أَلْيَقُ.
فَعَلَى هَذَا، إِنِ اخْتَارَ مَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا، أَوْ آلَى لِلنِّكَاحِ، صَحَّ الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ مِنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَيَصِيرُ عَائِدًا إِنْ لَمْ يُفَارِقْهَا فِي الْحَالِ.
وَلَوْ قَذَفَ إِحْدَاهُنَّ، لَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ كَانَتْ مُحَصَنَةً، وَلَا يَسْقُطُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَإِنِ اخْتَارَ غَيْرَ الْمَقْذُوفَةِ، وَإِنِ اخْتَارَهَا، سَقَطَ بِالْبَيِّنَةِ وَبِاللِّعَانِ.
[الْفَرْعُ] الثَّانِي: قَالَ: فَسَخْتُ نِكَاحَ هَذِهِ، أَوْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ، أَوْ قَالَ: اخْتَرْتُ هَذِهِ لِلْفَسْخِ، أَوْ هَذِهِ لِلْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ اخْتَرْتُ فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ، فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِلنِّكَاحِ، وَإِنْ أَرَادَ الْفِرَاقَ، أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِلْفَسْخِ.
وَلَوْ قَالَ لِوَاحِدَةٍ: فَارَقْتُكِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ فَسْخٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا.
وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: طَلَّقْتُكِ ; لِأَنَّهُ مِنْ صَرَائِحِ الطَّلَاقِ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: لَوِ اخْتَارَ الْجَمِيعَ لِلنِّكَاحِ أَوِ الْفَسْخِ، فَهُوَ لَغْوٌ، وَلَوْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، وَقَعَ عَلَى الْمَنْكُوحَاتِ وَيُعَيِّنُهُنَّ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَقَدِ اخْتَرْتُكِ لِلنِّكَاحِ أَوْ لِلْفَسْخِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ الِاخْتِيَارِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ إِمَّا كَالِابْتِدَاءِ، كَالنِّكَاحِ، وَإِمَّا كَالرَّجْعَةِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْفَسْخِ كَالطَّلَاقِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الطَّلَاقِ، وَيَحْصُلُ اخْتِيَارُهَا ضِمْنًا، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الضِّمْنِيِّ مَا لَا يُحْتَمَلُ اسْتِقْلَالًا.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَنِكَاحُكِ مَفْسُوخٌ، إِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ نَفَذَ، وَإِلَّا لَغَا.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَقَدِ اخْتَرْتُهَا لِلنِّكَاحِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ قَالَ: فَقَدْ طَلَّقْتُهَا، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: فَقَدْ فَسَخْتُ نِكَاحَهَا، إِنْ أَرَادَ حَلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْفَسْخِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ، جَازَ.
وَإِذَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ، طُلِّقَتْ وَحَصَلَ اخْتِيَارُهَا ضِمْنًا، وَهَكَذَا إِلَى تَمَامِ الْأَرْبَعِ، وَتَنْدَفِعُ الْبَاقِيَاتُ، وَفِي وَجْهٍ: لَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الْفَسْخِ بِالطَّلَاقِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[الْفَرْعُ] الْخَامِسُ: لَا يَكُونُ الْوَطْءُ اخْتِيَارًا لِلْمَوْطُوءَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ هُنَا كَالِابْتِدَاءِ، وَلَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ بَلِ اسْتَدَامَتُهُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، فَإِنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَحْصُلُ بِالْوَطْءِ.
فَلَوْ وَطِئَ الْجَمِيعَ وَجَعَلْنَاهُ اخْتِيَارًا، كَانَ مُخْتَارًا لِلْأَوَّلِيَّاتِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِلْبَاقِيَاتِ، وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ اخْتِيَارًا، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ وَغُرِّمَ الْمَهْرَ لِلْبَاقِيَاتِ.
الْفَرْعُ السَّادِسُ: قَالَ: حَصَرْتُ الْمُخْتَارَاتِ فِي هَؤُلَاءِ السِّتِّ أَوِ الْخَمْسِ، انْحَصَرْنَ وَيَنْدَفِعُ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ.
فَرْعٌ
أَسْلَمَ عَلَى ثَمَانِ وَثَنِيَّاتٍ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَعٌ، وَتَخَلَّفَ أَرْبَعٌ، فَعَيَّنَ الْأَوَّلِيَّاتِ لِلنِّكَاحِ، صَحَّ التَّعْيِينُ.
فَإِنْ أَصَرَّتِ الْمُتَخَلِّفَاتُ، انْدَفَعْنَ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِهِ، وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِيَّاتِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: نَتَبَيَّنُ انْدِفَاعَهُنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، لَكِنْ نَتَبَيَّنُ تَعْيِينَهُنَّ مِنْ وَقْتِ تَعْيِينِهِ لِلْأَوَّلِيَّاتِ.
وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الْبَابِ.
وَإِنْ طَلَّقَ الْأَوَّلِيَّاتِ، صَحَّ وَتَضَمَّنَ اخْتِيَارُهُنَّ، وَيَنْقَطِعُ نِكَاحُهُنَّ بِالطَّلَاقِ، وَنِكَاحُ الْأُخْرَيَاتِ بِالْفَسْخِ بِالشَّرْعِ.
وَإِنْ قَالَ: فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ حَلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ، فَهُوَ لَغْوٌ ; لِأَنَّ الْحَلَّ هَكَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ.
فَإِنْ لَمْ تُسْلِمِ الْمُتَخَلِّفَاتُ، تَعَيَّنَ الْأَوَّلِيَّاتُ، وَإِنْ أَسْلَمْنَ، اخْتَارَ مِنَ الْجَمِيعِ أَرْبَعًا، وَلِلْمُسْلِمَاتِ أَنْ يَدَّعِينَ: أَنَّكَ إِنَّمَا أَرَدْتَ طَلَاقَنَا، وَيُحَلِّفْنَهُ، وَلِلْمُتَخَلِّفَاتِ أَيْضًا أَنْ يَدَّعِينَ إِرَادَةَ الطَّلَاقِ وَبَيْنُونَتِهِنَّ بِالْفَسْخِ الشَّرْعِيِّ وَيُحَلِّفْنَهُ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَلْغُو الْفَسْخُ، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ، إِنْ أَصْرَرْنَ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، لَغَا، وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِيهَا، تَبَيَّنَّا نُفُوذَهُ فِي الْأَوَّلِيَّاتِ، وَتَعَيَّنَ الْأُخْرَيَاتِ لِلنِّكَاحِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ عَيَّنَ الْمُتَخَلِّفَاتِ لِلْفَسْخِ، صَحَّ، وَتَعَيَّنَتِ الْأَوَّلِيَّاتُ لِلزَّوْجِيَّةِ.
وَإِنْ عَيَّنَ الْمُتَخَلِّفَاتِ لِلنِّكَاحِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُنَّ وَثَنِيَّاتٌ وَقَدْ لَا يُسْلِمْنَ.
وَعَلَى وَجْهِ الْوَقْفِ: يَنْعَقِدُ الِاخْتِيَارُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ أَسْلَمْنَ، بَانَتْ صِحَّتُهُ.
وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى ثَمَانِ وَثَنِيَّاتٍ، فَتَخَلَّفْنَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ مُتَعَاقِبَاتٍ فِي عُدَدِهِنَّ، وَهُوَ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ أَسْلَمَتْ: فَسَخْتُ نِكَاحَكِ، فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ، صَارَ مُخْتَارًا لِلْأَوَّلِيَّاتِ، وَإِنْ أَرَادَ حَلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ، فَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ لَغْوٌ فِي الْأَرْبَعِ الْأَوَّلِيَّاتِ، نَافِذٌ فِي الْأُخْرَيَاتِ ; لِأَنَّ فَسْخَ نِكَاحِهِنَّ وَقَعَ وَرَاءَ الْعَدَدِ الْكَامِلِ فَنَفِذَ.
وَعَلَى وَجْهِ الْوَقْفِ: إِذَا أَسْلَمَتِ الْأُخْرَيَاتُ، تَبَيَّنَّا نُفُوذَ الْفَسْخِ فِي الْأَوَّلِيَّاتِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنَ الثَّمَانِ خَمْسٌ، فَقَالَ: فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ، فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ، صَارَ مُخْتَارًا لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ وَبِنَّ بِالطَّلَاقِ، وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ، وَإِنْ أَرَادَ حَلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا، فَإِذَا أَسْلَمَتِ الْمُتَخَلِّفَاتُ فِي الْعِدَّةِ، اخْتَارَ مِنَ الْجَمِيعِ أَرْبَعًا.
وَلَوْ قَالَ: فَسَخْتُ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ، إِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ، صَارَ مُخْتَارًا لِوَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا، فَيُعَيِّنُهَا وَيَخْتَارُ لِلنِّكَاحِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ ثَلَاثَةً.
وَإِنْ أَرَادَ حَلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ فَيُعَيِّنُهَا، وَيَخْتَارُ مِنَ الْبَاقِيَاتِ أَرْبَعًا.
وَإِنِ انْفَسَخَ نِكَاحُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ غَيْرَ مُعَيَّنَتَيْنِ، وَأَرَادَ حَلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ،
انْفَسَخَ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ فَيُعَيِّنُهَا، وَيَخْتَارُ مِنَ الْبَاقِيَاتِ أَرْبَعًا.
فَلَوْ عَيَّنَ ثِنْتَيْنِ، انْفَسَخَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَيُعَيِّنُهَا، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْأُخْرَى مَعَ ثَلَاثٍ أُخَرَ.
وَلَوِ اخْتَارَ الْخَمْسَ كُلَّهُنَّ، تَعَيَّنَتِ الْمَنْكُوحَاتُ فِيهِنَّ، فَيَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا.
فَصْلٌ
أَمَّا حُكْمُ الِاخْتِيَارِ، فَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ، وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ بِالْإِسْلَامِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاخْتِيَارُ وَالتَّعْيِينُ، وَإِنِ امْتَنَعَ، حُبِسَ.
فَإِنْ أَصَرَّ وَلَمْ يَنْفَعِ الْحَبْسُ، عُزِّرَ بِمَا يَرَاهُ الْقَاضِي مِنَ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ.
وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ مَعَ الْحَبْسِ، بَلْ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ الْحَبْسُ، فَإِنْ أَصَرَّ، عُزِّرَ ثَانِيًا وَثَالِثًا إِلَى أَنْ يَخْتَارَ.
فَإِنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الْحَبْسِ، خُلِّيَ حَتَّى يَفِيقَ، وَلَا يَخْتَارُ الْحَاكِمُ عَنِ الْمُمْتَنِعِ ; لِأَنَّهُ خِيَارُ شَهْوَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا حُبِسَ، لَا يُعَزَّرُ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَعَلَّهُ يُؤَخَّرُ لِيُفَكِّرَ، وَأَقْرَبُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ مُدَّةُ الِاسْتِتَابَةِ.
وَاعْتَبَرَ الرُّويَانِيُّ فِي الْإِمْهَالِ الِاسْتِنْظَارَ فَقَالَ: وَلَوِ اسْتَمْهَلَ، أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَزِيدُ، وَيُلْزِمُهُ نَفَقَةَ جَمِيعِهِنَّ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ ; لِأَنَّهُنَّ فِي حَبْسِهِ.
فَرْعٌ
مَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِنَّ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ أَنْ تَعْتَدَّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَإِنْ دَخَلَ بِهِنَّ، فَعِدَّةُ الْحَامِلِ بِالْحَمْلِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْحَامِلِ، فَمَنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ، اعْتَدَّتْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، لَزِمَهَا الْأَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ.
ثُمَّ الْأَشْهُرُ تُعْتَبَرُ مِنْ مَوْتِهِ.
وَفِي الْأَقْرَاءِ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ ; لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ شُرُوعَهَا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَصَحُّهُمَا: الِاعْتِبَارُ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِهِمَا إِنْ أَسْلَمَا مَعًا، وَإِلَّا، فَمِنْ إِسْلَامٍ سَابِقٍ ; لِأَنَّ الْأَقْرَاءَ إِنَّمَا تَجِبُ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مُفَارَقَةٌ بِالِانْفِسَاخِ، وَهُوَ يَحْصُلُ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
فَرْعٌ مَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ، وُقِفَ لَهُنَّ رُبُعُ مَالِهِ أَوْ ثُمُنُهُ، عَائِلًا أَوْ غَيْرَ عَائِلٍ بِحَسْبِ الْحَالِ إِلَى أَنْ يَصْطَلِحْنَ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُنَّ بِحَسْبِ اصْطِلَاحِهِنَّ بِالتَّسَاوِي أَوِ التَّفَاضُلِ.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ يُوَزَّعُ بَيْنَهُنَّ ; لِأَنَّ الْبَيَانَ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ وَهُنَّ مُعْتَرِفَاتٌ بِالْإِشْكَالِ، وَبِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ، وَمَالَ الْإِمَامُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنْ كُنَّ ثَمَانِيًا وَفِيهِنَّ صَغِيرَةٌ، أَوْ مَجْنُونَةٌ، صَالَحَ عَنْهَا وَلِيُّهَا، وَلَيْسَ لَهُ الْمُصَالَحَةُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ ثُمُنِ الْمَوْقُوفِ، وَلَهُ الْمُصَالَحَةُ عَلَى الثُّمُنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: لَا يُصَالِحُ عَلَى أَقَلِّ مِنَ الرُّبْعِ.
ثُمَّ الْمُصَالَحَةُ إِذَا اصْطَلَحْنَ كُلُّهُنَّ، فَلَوْ طَلَبَ بَعْضُهُنَّ شَيْئًا بِلَا صُلْحٍ، لَمْ نَدْفَعْ إِلَى الْمُطَالَبَةِ شَيْئًا إِلَّا بِالْيَقِينِ.
فَفِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ، لَوْ طَلَبَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ، لَمْ نُعْطِهِنَّ، فَإِنْ طَلَبَ خَمْسٌ، أَعْطَيْنَاهُنَّ رُبْعَ الْمَوْقُوفِ، وَإِنْ طَلَبَ سِتٌّ، فَنِصْفُهُ، وَسَبْعٌ، ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُنَّ قَسْمُ مَا أَخَذْنَ وَالتَّصَرُّفُ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الدَّفْعِ أَنْ يُبَرَّئْنَ عَنِ الْبَاقِي؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَعَمُّ، وَنَسَبَهُ ابْنُ كَجٍّ إِلَى النَّصِّ لِتَنْقَطِعَ الْخُصُومَةُ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، يُعْطَى الْبَاقِي لِلثَّلَاثِ، وَيَرْتَفِعُ الْوَقْفُ، وَكَأَنَّهُنَّ اصْطَلَحْنَ عَلَى الْقِسْمَةِ هَكَذَا.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا عَلِمْنَا اسْتِحْقَاقَ الزَّوْجَاتِ الْإِرْثَ.
أَمَّا إِذَا أَسْلَمَ عَلَى ثَمَانِ كِتَابِيَّاتٍ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَعٌ، أَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ وَأَرْبَعُ وَثَنِيَّاتٍ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ الْوَثَنِيَّاتُ،
وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: لَا يُوقَفُ شَيْءٌ لِلزَّوْجَاتِ، بَلْ يُقَسْمُ كُلُّ التَّرِكَةِ بَيْنَ بَاقِي الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الزَّوْجَاتِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُنَّ الْكِتَابِيَّاتُ.
وَالثَّانِي: يُوقَفُ ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ قَدْرَ نَصِيبِ الزَّوْجَاتِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْقِيَاسِ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ الْمَقِيسُ هُوَ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ فِي سَائِرِ الْوَرَثَةِ مَوْجُودٌ وَشَكَكْنَا فِي الْمُزَاحِمِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَإِرْثُ الزَّوْجَاتِ لَمْ نَتَحَقَّقْهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ مُسْلِمَةٌ وَكِتَابِيَّةٌ، فَقَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ.
فَرْعُ
مَاتَ ذِمِّيٌّ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: الرُّبْعُ أَوِ الثُّمُنُ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَرِثُ مِنْهُنَّ إِلَّا أَرْبَعٌ، فَيُوقَفُ بَيْنَهُنَّ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ، وَيُجْعَلَ التَّرَافُعُ إِلَيْنَا بِمَثَابَةِ إِسْلَامِهِمْ.
وَبَنَى الْقَفَّالُ الْخِلَافَ عَلَى صِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ.
فَإِنْ صَحَّحْنَاهَا، وِرْثَ الْجَمِيعُ، وَإِلَّا، لَمْ يَرِثْ إِلَّا أَرْبَعٌ.
وَلَوْ نَكَحَ مَجُوسِيٌّ أُمَّهُ أَوْ بِنْتَهُ وَمَاتَ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: مِنْهُمْ مَنْ بَنَى التَّوْرِيثَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَدْيَانِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ.
فَرْعٌ الْمُتَعَيَّنَاتُ لِلْفُرْقَةِ لِلزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ، هَلْ تُحْسَبُ عِدَّتُهُنَّ مِنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، أَمْ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ إِنْ أَسْلَمَا مَعًا، وَإِسْلَامِ السَّابِقِ إِنْ تَعَاقَبَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْجُمْهُورِ الثَّانِي، خِلَافًا لِلْبَغَوِيِّ.
الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِي النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ.
أَمَّا النَّفَقَةُ، فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، اسْتَمَرَّتِ النَّفَقَةُ كَمَا يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ، وَإِنْ أَسْلَمَا مُتَعَاقِبَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ - وَالصُّورَةُ إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَجُوسِيَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً - فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا، فَإِنْ أَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَلَا نَفَقَةَ ; لِأَنَّهَا نَاشِزَةٌ بِالتَّخَلُّفِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ، اسْتَحَقَّتْهَا مِنْ وَقْتِ الْإِسْلَامِ، وَلَا تَسْتَحِقُّهَا لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ عَلَى الْجَدِيدِ الْأَظْهَرِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوِ اخْتَلَفَا، فَقَالَ: أَسْلَمَتِ الْيَوْمَ، فَقَالَتْ: بَلْ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، لِلْأَصْلِ، وَكَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ، فَقَالَ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَلَا نَفَقَةَ، وَقَالَتْ: بَلْ فِيهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
أَمَّا إِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهَا أَدَّتْ فَرْضًا مُضَيَّقًا، فَهُوَ كَصَوْمِ رَمَضَانَ.
وَإِنْ أَصَرَّ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، اسْتَحَقَّتْ نَفَقَةَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَلَوْ قَالَ: أَسْلَمَتْ أَوَّلًا، فَلَا نَفَقَةَ لَكِ، فَادَّعَتِ الْعَكْسَ، فَمَنَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: هِيَ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ كَانَتْ وَاجِبَةً وَهُوَ يَدَّعِي مُسْقِطًا.
فَرْعٌ
ارْتَدَّتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَا نَفَقَةَ لِزَمَنِ الرِّدَّةِ لِنُشُوزِهَا، سَوَاءٌ عَادَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْعِدَّةِ، أَمْ لَا، وَلَا يَجِيءُ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ.
قُلْتُ: ذَكَرَ صَاحِبُ (الْمُهَذَّبِ) وَآخَرُونَ طَرِيقَيْنِ، أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنِ ارْتَدَّ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَإِنِ ارْتَدَّا مَعًا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَا نَفَقَةَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ، كَتَشَطُّرِ الْمَهْرِ.
فَصْلٌ
أَمَّا الْمَهْرُ، إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فَسَبَقَ بَيَانُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ.
فَلَوْ قَالَتْ: سَبَقْتَنِي بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَعَلَيْكَ نِصْفُ الْمَهْرِ، فَادَّعَى الْعَكْسَ، صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ نِصْفِ الصَّدَاقِ.
وَلَوِ ادَّعَى سَبْقَهَا، فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي أَيُّنَا سَبَقَ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ طَلَبِ الْمَهْرِ.
فَإِنْ عَادَتْ وَقَالَتْ: عَلِمْتُ أَنَّهُ سَبَقَ، صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا وَأَخَذَتِ النِّصْفَ.
وَلَوِ اعْتَرَفَا بِالْجَهْلِ بِالسَّابِقِ، فَلَا نِكَاحَ، لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَعَاقُبِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَهْرِ، لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ طَلَبِهِ، لِاحْتِمَالِ سَبْقِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ يَتَمَكَّنْ هُوَ مِنَ اسْتِرْدَادِ النِّصْفِ، لِاحْتِمَالِ سَبْقِهِ فَيُقَرُّ النِّصْفُ فِي يَدِهَا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالُ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ، فَقَالَ: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ، وَقَالَتْ: بَلْ مُتَعَاقِبَيْنِ وَلَا نِكَاحَ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَالثَّانِي: قَوْلُهَا، لِتَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.
فَإِنْ
قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهَا، نُظِرَ، إِنْ قَالَتْ: أَسْلَمْتَ قَبْلِي، حَلَفَتْ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهَا مَا أَسْلَمَتْ وَقْتَ إِسْلَامِهِ، وَإِنْ قَالَتْ: أَسْلَمْتُ قَبْلَكَ، حَلَفَتْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ يَوْمَ إِسْلَامِهَا.
وَلَوِ اخْتَلَفَا عَلَى الْعَكْسِ، فَقَالَتْ: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَقَالَ: بَلْ مُتَعَاقِبَيْنِ، فَلَا نِكَاحَ، لِاعْتِرَافِهِ، وَهِيَ تَدَّعِي نِصْفَ الْمَهْرِ.
وَفِي الْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا الْقَوْلَانِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا نَدْرِي أَسْلَمْنَا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ، اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ.
فَرْعٌ
أَسْلَمَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، ثُمَّ أَسْلَمَ هُوَ وَادَّعَى أَنَّ إِسْلَامَهُ سَبَقَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَادَّعَتِ الْعَكْسَ، فَهَذَا يُتَصَوَّرُ عَلَى أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وَقْتِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، كَغُرَّةِ رَمَضَانَ، فَادَّعَى إِسْلَامَهُ فِي شَعْبَانَ، وَقَالَتْ: بَلْ فِي خَامِسِ رَمَضَانَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ كُفْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وَقْتِ إِسْلَامِهِ، كَغُرَّةِ رَمَضَانَ، وَقَالَ: انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فِي خَامِسِ رَمَضَانَ، وَقَالَتْ: بَلْ فِي شَعْبَانَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَى أَنَّ إِسْلَامِي سَبَقَ، وَاقْتَصَرَتْ عَلَى أَنَّ عِدَّتِي سَبَقَتْ، فَالنَّصُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَنَصٌّ فِيمَا إِذَا ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ، وَادَّعَتِ انْقِضَاءَهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَفِيمَا إِذَا قَالَ: رَاجَعْتُكِ فِي الْعِدَّةِ، فَقَالَتْ: بَلْ بَعْدَهَا، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا.
وَلِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ.
أَحَدُهَا: طَرْدُ قَوْلَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، هَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، أَمْ قَوْلُهَا؟ وَالثَّانِي: أَنَّ النَّصَّيْنِ عَلَى حَالَيْنِ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ إِسْلَامِهِ أَوْ رَجْعَتِهِ، وَاخْتَلَفَا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَاخْتَلَفَا فِي أَنَّهُ أَسْلَمَ أَوْ رَاجَعَ قَبْلَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَرَجَّحَهُ
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ النَّصُّ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ ; لِأَنَّ الْمُدَّعِي أَوَّلًا مَقْبُولٌ، فَلَا يُرَدُّ بِمُجَرَّدِ قَوْلٍ آخَرَ.
وَزَادَ الْبَغَوِيُّ فِيمَا إِذَا سَبَقَ دَعْوَاهُ فَقَالَ: إِنِ ادَّعَتْ بَعْدَ أَنْ مَضَى بَعْدَ دَعْوَاهُ زَمَنٌ، فَهُوَ الْمُصَدَّقُ.
فَإِنِ اتَّصَلَ كَلَامُهَا بِكَلَامِهِ، فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ.
فَرْعٌ
نَصَّ الشَّافِعِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا جَمِيعًا أَسْلَمَا حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ كَذَا، أَوْ حِينَ غَرَبَتْ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وَاسْتَمَرَّ النِّكَاحُ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُمَا أَسْلَمَا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ مَعَ غُرُوبِهَا، لَمْ يُحْكُمْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّ حِينَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا يَتَنَاوَلُ حَالَةَ تَمَامِ الطُّلُوعِ أَوِ الْغُرُوبِ، وَهِيَ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَقَوْلُهُ: مَعَ الطُّلُوعِ يُصَدَّقُ مِنْ حِينِ يَأْخُذُ فِي الطُّلُوعِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُ أَحَدِهِمَا مُقَارِنًا لِطُلُوعِ أَوَّلِ الْقُرْصِ، وَإِسْلَامُ الْآخَرِ مُقَارِنًا بِطُلُوعِ آخِرِهِ.
فَرْعٌ
نَكَحَتْ فِي الْكُفْرِ زَوْجَيْنِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَإِنْ تَرَتَّبَ النِّكَاحَانِ، فَهِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ ثُمَّ أَسْلَمَتْ مَعَ الثَّانِي وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَ التَّزْوِيجِ بِزَوْجَيْنِ، فَفِي جَوَازِ التَّقْرِيرِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصَحُّهُمَا التَّقْرِيرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحَانِ مَعًا، لَمْ تَقَرَّ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ اعْتَقَدُوا جَوَازَهُ، أَمْ لَا.
وَفِيمَا إِذَا اعْتَقَدُوهُ وَجْهٌ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْتَارُ أَحَدَهُمَا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْبَابُ الثَّامِنُ فِي مُثْبِتَاتِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ
أَسْبَابُهُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ: الْعَيْبُ، وَالْغُرُورُ، وَالْعِتْقُ، وَالتَّعْنِينُ.
وَقَوْلُنَا: «الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا» احْتِرَازٌ مِمَّا إِذَا زَوَّجَ الْأَبُ أَوِ الْجَدُّ بِكْرًا بِغَيْرِ كُفْءٍ وَصَحَّحْنَا النِّكَاحَ، فَلَهَا الْخِيَارُ.
وَلَوْ زُوِّجَ الصَّغِيرُ مَنْ لَا تُكَافِئُهُ، وَصَحَّحْنَاهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَ.
وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةً، فَكَانَتْ كِتَابِيَّةً، فَلَهُ الْخِيَارُ عَلَى رَأْيٍ.
وَالتَّعْنِينُ أَحَدُ الْعُيُوبِ، إِلَّا أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِأَحْكَامٍ، كَضَرْبِ الْمُدَّةِ وَغَيْرِهِ، فَبَيَّنَ الْأَصْحَابُ فِي «فَصْلِ الْعُيُوبِ» أَنَّهُ أَحَدُهَا، وَأَفْرَدُوهُ بِالذِّكْرِ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَحْكَامٍ.
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: الْعَيْبُ، الْعُيُوبُ الْمُثْبِتَةُ لِلْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ: الْبَرَصُ، وَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ الْبَهَقُ.
وَالثَّانِي: الْجُذَامُ، وَهُوَ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ يَحْمَرُّ مِنْهَا الْعُضْوُ ثُمَّ يَسْوَدُّ ثُمَّ يَنْقَطِعُ وَيَتَنَاثَرُ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْعَافِيَةَ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي كُلِّ عُضْوٍ، لَكِنَّهُ فِي الْوَجْهِ أَغْلَبُ.
ثُمَّ حَكَى الْإِمَامُ عَنْ شَيْخِهِ، أَنَّ أَوَائِلَ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ إِذَا اسْتَحْكَمَا.
وَإِنَّ اسْتِحْكَامَ الْجُذَامِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّقَطُّعِ.
وَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ فِي هَذَا وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُكْتَفَى بِاسْوِدَادِ الْعُضْوِ، وَحُكْمِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاسْتِحْكَامِ الْعِلَّةِ.
الثَّالِثُ: الْجُنُونُ مُنْقَطِعًا كَانَ أَوْ مُطْبِقًا، وَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْإِغْمَاءُ بِالْمَرَضِ إِلَّا أَنْ يَزُولَ الْمَرَضُ وَيَبْقَى زَوَالُ الْعَقْلِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا فِي الْجُنُونِ لِاسْتِحْكَامِهِ، وَلَمْ يُرَاجِعُوا أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ أَهْوَ مَرْجُوُّ الزَّوَالِ، أَمْ لَا؟ وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَكَانَ قَرِيبًا.
وَمَتَى وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالْآخَرِ هَذِهِ الْعُيُوبَ، فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ قَلَّ ذَلِكَ الْعَيْبُ أَمْ كَثُرَ.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي قُرْحَةٍ، هَلْ هِيَ جُذَامٌ؟ أَوْ فِي بَيَاضٍ هَلْ هُوَ بَرَصٌ؟
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ عَالِمَيْنِ بِالطِّبِّ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مُخْتَصٌّ بِهِ وَهُوَ الْجَبُّ وَالتَّعْنِينُ.
الثَّالِثُ: مُخْتَصٌّ بِهَا وَهُوَ الرَّتْقُ وَالْقَرَنُ، فَالرَّتْقُ: انْسِدَادُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ بِاللَّحْمِ، وَالْقَرَنُ: عَظْمٌ فِي الْفَرَجِ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ، وَقِيلَ: لَحْمٌ يَنْبُتُ فِيهِ، وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ «الْقَرَنُ» بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ بِإِسْكَانِهَا.
قُلْتُ: يَجُوزُ الْفَتْحُ وَالْإِسْكَانُ، فَالْفَتْحُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ هُنَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ أَنْسَبُ لِكَوْنِ قَرَائِنِهِ مَصَادِرَ وَهِيَ الرَّتْقُ وَالْبَرَصُ وَنَحْوُهُمَا، وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أَكْمَلَ إِيضَاحٍ فِي (تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ) وَنَقَلْتُ أَقْوَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيهَا وَحَاصِلُهُ، جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَتَرْجِيحُ الْفَتْحِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إِجْبَارُ الرَّتْقَاءِ عَلَى شَقِّ الْمَوْضِعِ، فَلَوْ فَعَلَتْ وَأَمْكَنَ الْوَطْءُ، فَلَا خِيَارَ كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا إِذَا عُلِمَ عَيْبُ الْمَبِيعِ بَعْدَ زَوَالِهِ.
فَجُمْلَةُ هَذِهِ الْعُيُوبِ سَبْعَةٌ، يُمْكِنُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ خَمْسَةٌ، وَمَا سِوَاهَا مِنَ الْعُيُوبِ لَا خِيَارَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ زَاهِرٌ السَّرَخْسِيُّ: الصُّنَانُ وَالْبَخْرُ إِذَا لَمْ يَقْبَلَا الْعِلَاجَ يُثْبِتَانِ الْخِيَارَ، وَقَالَ: كَذَا الْعِذْيَوْطُ وَالْعِذْيَوْطَةُ، يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ.
وَالْعِذْيَوْطُ، مَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ الْغَائِطُ عِنْدَ الْجِمَاعِ.
وَزَادَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ فَأَثْبَتُوا الْخِيَارَ بِالِاسْتِحَاضَةِ، وَبِالْعُيُوبِ الَّتِي تَجْتَمِعُ فَتُنَفِّرُ تَنْفِيرَ الْبَرَصِ، وَتَكْسِرُ سَوْرَةُ التَّائِقِ، كَالْقُرُوحِ السَّيَّالَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَيُقَالُ: إِنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَاصِمٍ حَكَاهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
أَمَّا إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ خُنْثَى قَدْ زَالَ إِشْكَالُهُ، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْمَنْعُ ; لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ مَقْصُودُ النِّكَاحِ، وَمَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ إِذَا اخْتَارَ الذُّكُورَةَ أَوِ الْأُنُوثَةَ بِغَيْرِ عَلَامَةٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ بِخِلَافِهِ.
فَأَمَّا إِذَا اتَّضَحَ بِعَلَامَةٍ، فَلَا خِيَارَ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ.
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ أَيْضًا فِيمَا إِذَا اتَّضَحَ بِعَلَامَةٍ مَظْنُونَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِقَطْعِيَّةٍ وَهِيَ الْوِلَادَةُ، فَلَا خِيَارَ.
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتِ الْعَلَامَةُ قَطْعِيَّةً لِمَعْنَى النَّفْرَةِ.
وَلَا خِيَارَ بِكَوْنِهِ أَوْ كَوْنِهَا عَقِيمًا، وَلَا بِكَوْنِهَا مُفْضَاةً، وَالْإِفْضَاءُ: رَفْعُ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَمَدْخَلِ الذَّكَرِ.
فَصْلٌ
إِذَا ظَهَرَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْبٌ مُثْبِتٌ لِلْخِيَارِ، فَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ إِلَّا إِذَا كَانَ مَجْبُوبًا وَهِيَ رَتْقَاءُ، فَهُوَ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَّاطِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْإِمَامُ، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ طَرِيقًا آخَرَ، أَنَّهُ لَا فَسْخَ بِهِ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى تَحْصِيلِ الْوَطْءِ.
وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ، ثَبَتَ الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
هَذَا فِي غَيْرِ الْجُنُونِ، أَمَّا إِذَا كَانَا مَجْنُونَيْنِ، فَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ الْخِيَارِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَالِ، ثُمَّ الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا تَسَاوَى الْعَيْبَانِ فِي الْقَدْرِ وَالْفُحْشِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَأَفْحَشَ، فَلِلْآخِرِ الْخِيَارُ قَطْعًا.
فَرْعٌ
نَكَحَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَلَا خِيَارَ.
فَلَوِ ادَّعَى الْمَعِيبُ عِلْمَ الْآخَرِ،
صُدِّقَ الْمُنْكَرُ بِيَمِينِهِ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ هَذَا الِاخْتِلَافُ بَعْدَ الدُّخُولِ، صُدِّقَ مُدَّعِي الْعِلْمِ.
فَرْعٌ
جَبَّتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا، فَهَلْ لَهَا الْخِيَارُ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَوْ عَيَّبَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ كَمَا لَوْ خَرَّبَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّارَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فَإِنَّ لَهُ الْخِيَارَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ بِالْجَبِّ لَا تَصِيرُ قَابِضَةً لِحَقِّهَا، وَالْمُسْتَأْجِرُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لِحَقِّهِ كَالتَّخْرِيبِ، وَالْمُشْتَرِي بِالتَّعَيُّبِ قَابِضٌ حَقَّهُ.
فَصْلٌ
الْعَيْبُ الْمُثْبِتُ لِلْخِيَارِ إِنْ كَانَ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ الْفَسْخُ بِعَيْبِ صَاحِبِهِ وَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ بِهَا، فَلَهُ الْفَسْخُ عَلَى الْجَدِيدِ الْأَظْهَرِ، وَإِنْ كَانَ بِهِ، نُظِرَ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَالْعَيْبُ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ، فَلَهَا الْخِيَارُ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ.
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهًا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
وَإِنْ حَدَثَ التَّعْنِينُ، فَلَا خِيَارَ ; لِأَنَّهَا عَرَفَتْ قُدْرَتَهُ وَأَخَذَتْ حَظَّهَا، وَإِنْ حَدَثَ الْجَبُّ، فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُقَالُ: الْأَظْهَرُ.
فَرْعٌ
أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ لَهُمْ خِيَارُ الْفَسْخِ بِعَيْبٍ حَدَثَ بِهِ، وَأَمَّا الْمُقَارِنُ، فَإِنْ كَانَ جَبًّا أَوْ تَعْنِينًا، فَلَا خِيَارَ لَهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ جُنُونًا، فَلَهُمُ الْخِيَارُ.
وَإِنْ
رَضِيَتْ هِيَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَنَقَلَ الْحَنَّاطِيُّ فِي الْعَيْبِ الْحَادِثِ وَجْهًا، أَنَّ لِلْأَوْلِيَاءِ إِجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يَخْرُجُ حُكْمُ ابْتِدَاءِ التَّزْوِيجِ، فَإِنْ دَعَتْ إِلَى تَزْوِيجِهَا بِمَجْبُوبٍ أَوْ عَنِينٍ، فَعَلَيْهِمُ الْإِجَابَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنِ امْتَنَعُوا، كَانُوا عَاضِلِينَ، وَإِنْ دَعَتْ إِلَى مَجْنُونٍ، فَلَهُمُ الِامْتِنَاعُ، وَكَذَا الْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَصْلٌ
فِي أَحْكَامِ هَذَا الْخِيَارِ
فِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: هَذَا الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ آخَرَانِ كَخِيَارِ الْعِتْقِ.
أَحَدُهُمَا: يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَالثَّانِي: يَبْقَى إِلَى أَنْ يُوجَدَ صَرِيحُ الرِّضَى بِالْمَقَامِ مَعَهُ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ.
وَهَلْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْفَسْخِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنَ الرَّفْعِ إِلَى الْحَاكِمِ؟ أَمَّا التَّعْنِينُ، فَلَا بُدَّ مِنَ الرَّفْعِ، وَفِيمَا سِوَاهُ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا بُدَّ مِنَ الرَّفْعِ ; لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَخَّرَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْحَاكِمِ وَيَفْسَخَ بِحَضْرَتِهِ، جَازَ.
وَلَوْ وَطِئَهَا وَظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ، فَقَالَتْ: وَطِئْتَ عَالِمًا، فَأَنْكَرَ، أَوْ كَانَ الْعَيْبُ بِهِ، فَقَالَ: كُنْتِ عَالِمَةً فَأَنْكَرَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: قَوْلُ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ النِّكَاحِ.
الثَّانِيَةُ: الْفَسْخُ بِعَيْبٍ مُقَارِنٍ لِلْعَقْدِ، إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، سَقَطَ كُلُّ الْمَهْرِ وَلَا مُتْعَةَ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ فِيهِ أَوْ فِيهَا ; لِأَنَّ شَأْنَ الْفَسْخِ تَرَادُّ الْعِوَضَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، أَنَّهُ يَسْقُطُ الْمُسَمَّى وَيَجِبُ مَهْرُ
الْمِثْلِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ الْمُسَمَّى، وَالثَّالِثُ: إِنْ فَسَخَ بِعَيْبِهَا، فَمَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ فَسَخَتْ بِعَيْبِهِ، فَالْمُسَمَّى.
وَأَمَّا الْفَسْخُ بِعَيْبٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا فِي الْمُقَارِنِ الْمُسَمَّى، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَأَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: الْمُسَمَّى، وَالثَّانِي: مَهْرُ الْمِثْلِ، وَأَصَحُّهَا: إِنْ حَدَثَ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحَالِ، فَمَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُقَارِنِ، وَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالْمُسَمَّى ; لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْخَلَلِ.
فَرْعٌ
إِذَا اطَّلَعَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى عَيْبِ الْآخَرِ، وَمَاتَ الْآخَرُ قَبْلَ الْفَسْخِ، فَهَلْ يُفْسَخُ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْحَنَّاطِيُّ، أَصَحُّهُمَا: يُفْسَخُ وَيَتَقَرَّرُ الْمُسَمَّى بِالْمَوْتِ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهَا، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنَ النِّصْفِ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِالطَّلَاقِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا فُسِخَ بِعَيْبِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَغُرِّمَ الْمَهْرَ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ؟ قَوْلَانِ.
الْجَدِيدُ: الْأَظْهَرُ، لَا.
وَمَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ، وَأَمَّا إِذَا فُسِخَ بِعَيْبٍ حَادِثٍ، فَلَا رُجُوعَ بِالْمَهْرِ مُطْلَقًا، إِذْ لَا غُرُورَ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: الْقَوْلَانِ إِذَا كَانَ الْمَغْرُومُ هُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُسَمَّى، فَلَا رُجُوعَ، وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ، ثُمَّ إِذَا قُلْنَا بِالرُّجُوعِ، فَإِنْ كَانَ التَّغْرِيرُ وَالتَّدْلِيسُ مِنْهَا دُونَ الْوَلِيِّ، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهَا دُونَهُ.
وَصَوَّرَ الْمُتَوَلِّي التَّغْرِيرَ مِنْهَا، بِأَنْ خُطِبَ الزَّوْجُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَيْبِهَا، وَطَلَبَتْ مِنَ الْوَلِيِّ تَزْوِيجَهَا بِهِ وَأَظْهَرَتْ لَهُ أَنَّ الزَّوْجَ عَرَفَ حَالَهَا.
وَصَوَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجُ الزَّازُ، فِيمَا إِذَا عَقَدَتْ بِنَفْسِهَا، وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ.
ثُمَّ لَفْظُ الرُّجُوعِ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الْأَصْحَابُ يُشْعِرُ
بِالدَّفْعِ إِلَيْهَا، ثُمَّ الِاسْتِرْدَادِ مِنْهَا.
لَكِنْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْإِمَامُ، أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلدَّفْعِ إِلَيْهَا وَالِاسْتِرْدَادِ، وَيَعُودُ مَعْنَى الرُّجُوعِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُغَرَّمُ لَهَا.
وَهَلْ يَجِبُ لَهَا أَقَلُّ مَا يَجُوزُ صَدَاقًا لِئَلَّا يَخْلُوَ النِّكَاحُ عَنْ مَهْرٍ؟ وَجْهَانِ.
وَيُقَالُ: قَوْلَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالرُّجُوعِ، أَنَّهُ لَا يُبْقِي لَهَا شَيْئًا، وَيَكْفِي فِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ أَنَّهُ وَجَبَ لَهَا ثُمَّ اسْتُرِدَّ بِالتَّغْرِيرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ التَّغْرِيرُ مِنَ الْوَلِيِّ، بِأَنْ خَطَبَ إِلَيْهِ فَزَوَّجَ وَهُوَ مُجْبَرٌ أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْخَاطِبِ عَيْبَهَا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا غُرِّمَ.
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَوَجْهَانِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ، لَكِنَّ ضَمَانَ الْمَالِ لَا يَسْقُطُ بِالْجَهْلِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا رُجُوعَ إِذَا جَهِلَ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا كَابْنِ عَمٍّ وَمُعْتَقٍ وَقَاضٍ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَرْأَةِ.
فَأَمَّا الْمَحْرَمُ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْحَالُ غَالِبًا، وَإِنْ خَفِيَ فَلِتَقْصِيرِهِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ مَعَ الْجَهْلِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَإِذَا قُلْنَا: لَا رُجُوعَ عَلَى الْجَاهِلِ، فَعَلَى الزَّوْجِ إِثْبَاتُ الْعِلْمِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِ الْوَلِيِّ بِالْعِلْمِ.
وَإِنْ غَرَّهُ أَوْلِيَاءُ الزَّوْجَةِ، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ جَهِلَ بَعْضُهُمْ وَقُلْنَا: لَا رُجُوعَ عَلَى الْجَاهِلِ، رَجَعَ عَلَى مَنْ عَلِمَ.
وَلَوْ وُجِدَ التَّغْرِيرُ مِنْهَا وَمِنَ الْوَلِيِّ، فَهَلْ يَكُونُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا فَقَطْ لِقُوَّةِ جَانِبِهَا، أَمْ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ غَرَّتِ الْوَلِيَّ وَغَرَّ الْوَلِيُّ الزَّوْجَ، رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالْوَلِيُّ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمَا إِذَا كَانَتْ جَاهِلَةً بِعَيْبِهَا، وَلَا يَبْعُدُ مَجِيءُ الْخِلَافِ فِيهِ.
قُلْتُ: لَا مَجِيءَ لَهُ لِتَقْصِيرِهَا الظَّاهِرِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْوَلِيَّ الْمَحْرَمَ لَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ لِتَقْصِيرِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: الْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا سُكْنَى إِذَا كَانَتْ حَائِلًا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَإِنْ قُلْنَا: نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الْحَامِلِ لِلْحَمْلِ وَجَبَتْ هُنَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ.
إِنَّهَا لِلْحَامِلِ، لَمْ تَجِبْ.
وَأَمَّا السُّكْنَى، لَا تَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: إِنْ كَانَ الْفَسْخُ بِعَيْبٍ حَادِثٍ، وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِذَا لَمْ نُوجِبِ السُّكْنَى فَأَرَادَ أَنْ يُسْكِنَهَا حِفْظًا لِمَائِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهَا الْمُوَافَقَةُ، قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ.
فُرُوعٌ
تَتَعَلَّقُ بِهَذَا السَّبَبِ
رَضِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِعَيْبِ صَاحِبِهِ، فَحَدَثَ بِمَنْ بِهِ الْعَيْبُ عَيْبٌ آخَرُ، ثَبَتَ الْخِيَارُ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنِ ازْدَادَ الْأَوَّلُ، فَلَا خِيَارَ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْأَوَّلِ رِضًى بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ.
وَلَوْ فُسِخَ بِعَيْبٍ، فَبَانَ أَنْ لَا عَيْبَ، فَهَلْ يَحْكُمُ بِبُطْلَانِ الْفَسْخِ وَبِاسْتِمْرَارِ النِّكَاحِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْحَنَّاطِيُّ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ، بُطْلَانُ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: عَلِمْتُ عَيْبَ صَاحِبِي، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الْعَيْبَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، فَقَوْلَانِ كَنَظِيرِهِ فِي عِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ.
وَقِيلَ: لَا خِيَارَ هُنَا قَطْعًا ; لِأَنَّ الْخِيَارَ بِالْعَيْبِ مَشْهُورٌ فِي جِنْسِ الْعُقُودِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: الْغُرُورُ بِالِاشْتِرَاطِ.
فَإِذَا شُرِطَ فِي الْعَقْدِ إِسْلَامُ الْمَنْكُوحَةِ، فَبَانَتْ ذِمِّيَّةً، أَوْ شُرِطَ نَسَبٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَبَانَ خِلَافُهُ، فَهَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ أَمْ يَبْطُلُ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الصِّحَّةُ.
وَالْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا اشْتَرَطَتْ حُرِّيَّتَهُ فَبَانَ
عَبْدًا، هُمَا إِذَا نُكِحَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَإِلَّا، فَلَا يَصِحُّ قَطْعًا.
وَفِيمَا إِذَا شَرَطَ حُرِّيَّتَهَا فَبَانَتْ أَمَةً، هُمَا إِذَا نُكِحَتْ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَكَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ الْإِمَاءُ، وَإِلَّا، فَلَا يَصِحُّ قَطْعًا.
وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي كُلِّ وَصْفِ شَرْطٍ، فَبَانَ خِلَافُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْرُوطُ صِفَةَ كَمَالٍ كَالْجَمَالِ، وَالنَّسَبِ، وَالشَّبَابِ، وَالْيَسَارِ، وَالْبَكَارَةِ، أَوْ صِفَةَ نَقْصٍ كَأَضْدَادِهَا، أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَقْصٌ وَلَا كَمَالٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَفِي «شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ» أَنَّهُمَا إِنَّمَا يَجْرِيَانِ فِي النَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَفَاءَةِ، فَإِذَا قُلْنَا بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِنْ دَخَلَ، فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَا سُكْنَى لَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَكَذَا لَا نَفَقَةَ إِنْ كَانَتْ حَائِلًا.
فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ؟ إِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ، وَجَبَتْ، وَإِلَّا، فَلَا، وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ، فَإِنْ بَانَ الْمَوْصُوفُ خَيْرًا مِمَّا شَرَطَ، فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ بَانَ دُونَهُ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ قَوْلَيْنِ.
وَأَمَّا سَائِرُ الْأَصْحَابِ، فَقَالُوا: إِنْ شُرِطَ فِي الزَّوْجِ نَسَبٌ شَرِيفٌ فَبَانَ خِلَافُهُ، نُظِرَ إِنْ كَانَ نَسَبُهُ دُونَ نَسَبِهَا، فَلَهَا الْخِيَارُ.
وَإِنْ رَضِيَتْ هِيَ، فَلِأَوْلِيَائِهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ نَسَبُهُ كَنَسَبِهَا أَوْ فَوْقَهُ، إِلَّا أَنَّهُ دُونَ الْمَشْرُوطِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: لَا خِيَارَ قَطْعًا، وَلَا خِيَارَ لِلْأَوْلِيَاءِ ; لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ حَاصِلَةٌ وَالشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ شَرَطَ فِي الزَّوْجَةِ نَسَبٌ فَبَانَ خِلَافُهُ، فَطَرِيقَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَهِيَ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إِنْ كَانَتْ دُونَ نَسَبِهِ، وَإِلَّا، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ قَطْعًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى الطَّلَاقِ وَعَدَمِ الْعَارِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ شَرَطَتْ حُرِّيَّتَهُ فَخَرَجَ عَبْدًا، فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً، فَلَهَا وَلِوَلِيِّهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: يَثْبُتُ قَطْعًا.
قَالَ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي: وَإِذَا أَثْبَتْنَاهُ، فَهُوَ لِلسَّيِّدِ دُونَ الْأَمَةِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى نِكَاحِ عَبْدٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا خَرَجَ الزَّوْجُ مَعِيبًا، فَإِنَّ الْخِيَارَ لَهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُهَا عَلَى نِكَاحِ مَعِيبٍ بِأَحَدِ هَذِهِ
الْعُيُوبِ.
وَإِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ حُرِّيَّةَ الزَّوْجَةِ فَخَرَجَتْ أَمَةً، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، فَلَهُ الْخِيَارُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَلَا خِيَارَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ صِفَةً أُخْرَى، فَإِنْ شَرَطَتْ فِي الزَّوْجِ فَبَانَ دُونَ الْمَشْرُوطِ، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ شَرَطْتَ فِيهَا، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ قَوْلَانِ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الطَّلَاقِ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ ثُبُوتُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ: تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ الْبَكَارَةِ، فَوُجِدَتْ ثَيِّبًا، فَقَالَتْ: كَنْتُ بِكْرًا فَزَالَتِ الْبَكَارَةُ عِنْدَكَ، وَقَالَ: بَلْ كُنْتِ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا لِدَفْعِ الْفَسْخِ، وَلَوْ قَالَتْ: كَنْتُ بِكْرًا فَافْتَضَّنِي فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا لِدَفْعِ الْفَسْخِ، وَقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ لِدَفْعِ كَمَالِ الْمَهْرِ.
فَصْلٌ
إِذَا ظَنَّتْ زَيْدًا كُفْئًا لَهَا، وَأَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا إِيَّاهُ، فَبَانَ غَيْرَ كُفْءٍ، فَلَا خِيَارَ لَهَا، كَذَا أَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ فَوَاتُ الْكَفَاءَةِ لِدَنَاءَةِ نَسَبِهِ أَوْ حِرْفَتِهِ، أَوْ فِسْقِهِ، فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ كَانَ لِعَيْبِهِ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ لِرِقِّهِ، فَلْيَكُنِ الْحُكْمُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا بِهَذَا فِيمَنْ نَكَحَهَا ظَانًّا حُرِّيَّتَهَا فَبَانَتْ أَمَةً، بَلْ جَانِبُ الْمَرْأَةِ أَوْلَى بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ ضَعِيفٌ، وَفِي فَتَاوَى صَاحِبِ (الشَّامِلِ) لَوْ تَزَوَّجَتْ حُرَّةٌ بِرَجُلٍ نِكَاحًا مُطْلَقًا، فَبَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ نَحْوَ
هَذَا، وَالْمُخْتَارُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ بِالْجَمِيعِ، وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى الْغَزَالِيِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ هَذَا قُبَيْلَ ذِكْرِ كِتَابِ الصَّدَاقِ عَنْ «فَتَاوَى» الْقَاضِي حُسَيْنٍ، أَنَّهَا لَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا بِرَجُلٍ وَلَمْ تَعْلَمْ فِسْقَهُ، فَبَانَ فَاسِقًا، صَحَّ النِّكَاحُ لِوُجُودِ الْإِشَارَةِ إِلَى عَيْنِهِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَكِنْ لَهَا حَقُّ الْفَسْخِ كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا رَجُلًا ثُمَّ وَجَدَتْهُ مَعِيبًا، وَعَجَبٌ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ كَيْفَ قَالَ هُنَا مَا قَالَ مَعَ نَقْلِهِ هَذَا عَنِ الْبَغَوِيِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
نَكَحَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا مُسْلِمَةً فَخَرَجَتْ كِتَابِيَّةً، فَالنَّصُّ أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ، وَلَوْ ظَنَّهَا حُرَّةً فَخَرَجَتْ أَمَةً وَهُوَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا خِيَارَ، وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْعَمَلُ بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ وَلِتَقْصِيرِ وَلِيِّ الْكَافِرَةِ بِتَرْكِ الْعَلَامَةِ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مُنَفِّرٌ.
وَأَصَحُّهُمَا: جَعْلُ الصُّورَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا خِيَارَ فِيهِمَا كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا يَظُنُّهُ كَاتِبًا فَأَخْلَفَ ظَنَّهُ.
فَصْلٌ
الْخُلْفُ فِي الشَّرْطِ، إِذَا قُلْنَا: لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَأَنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، فَمَنْ لَهُ الْخِيَارُ؟ إِنْ أَجَازَ الْعَقْدَ، كَانَ لِلزَّوْجَةِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ فَسَخَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَجِبْ نِصْفُ الْمَهْرِ وَلَا الْمُتْعَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهَلْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَمِ الْمُسَمَّى أَمْ أَقَلُّهُمَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، الْأَوَّلُ.
وَهَلْ يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِمَا غُرِّمَهُ مِنَ الْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ؟ فِيهِ التَّفْصِيلُ وَالْخِلَافُ السَّابِقَانِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَحُكْمِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فَرْعٌ
قَالَ الْأَصْحَابُ: التَّغْرِيرُ الْمُؤَثِّرُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَقْرُونًا بِالْعَقْدِ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ فَلَوْ سَبَقَ الْعَقْدُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَا فِي الْخِيَارِ.
وَقِيلَ: يُؤَثِّرُ فِيهِمَا.
وَأَمَّا الرُّجُوعُ بِالْمَهْرِ، إِذَا قَضَيْنَا بِالرُّجُوعِ عَلَى الْغَارِّ، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّغْرِيرُ السَّابِقُ كَالْمُقَارِنِ، وَحَقَّقَهُ الْإِمَامُ فَقَالَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ التَّغْرِيرِ دُخُولُ الشَّرْطِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا صُدُورُهُ مِنَ الْعَاقِدِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِالْعَقْدِ.
فَلَوْ قَالَ: فُلَانَةٌ حُرَّةٌ فِي مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ زَوَّجَهَا عَلَى الِاتِّصَالِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وَلَايَةٍ، فَهُوَ تَغْرِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ تَحْرِيضَ سَامِعٍ، وَاتَّفَقَ بَعْدَ أَيَّامٍ أَنَّهُ زَوَّجَهَا لِمَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ، فَلَيْسَ مَا جَرَى تَغْرِيرًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ لَا فِي مَعْرِضِ التَّحْرِيضِ، وَجَرَى الْعَقْدُ عَلَى الِاتِّصَالِ أَوْ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ التَّحْرِيضِ، وَجَرَى الْعَقْدُ بَعْدَ زَمَانٍ فَاصِلٍ، فَفِي كَوْنِهِ تَغْرِيرًا تَرَدُّدٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يُعْتَبَرُ الِاتِّصَالُ بِالْعَقْدِ عَلَى مَا أَطْلَقَهُ الْغَزَالِيُّ ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ الضَّمَانِ أَوْسَعُ بَابًا.
فَصْلٌ
إِذَا غَرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَصَحَّحْنَا النِّكَاحَ، فَأَوْلَادُهُ الْحَاصِلُونَ مِنْهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِرِقِّهَا أَحْرَارٌ لِظَنِّهِ الْحُرِّيَّةَ، سَوَاءٌ أَجَازَ الْعَقْدَ أَوْ فَسَخَهُ، إِذَا خَيَّرْنَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَغْرُورُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الظَّنِّ، ثُمَّ عَلَى الْمَغْرُورِ قِيمَةُ الْأَوْلَادِ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ عَلَى
الْمَشْهُورِ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُمْ بِظَنِّهِ.
وَفِي قَوْلٍ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
فَعَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ حُرًّا، فَالْقِيمَةُ مُسْتَقِرَّةٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ أَمْ بِرَقَبَتِهِ أَمْ بِكَسْبِهِ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْأَوْلَادِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ.
وَأَمَّا الْأَوْلَادُ الْحَاصِلُونَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِرِقِّهَا، فَهُمْ أَرِقَّاءُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْرُورُ عَرَبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: أَنَّ الْعَرَبَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقَّ، وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا فَرْقَ.
ثُمَّ فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: فِي الرُّجُوعِ بِالْمَهْرِ الْمَغْرُومِ عَلَى الْغَارِّ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْعَيْبِ، وَأَمَّا قِيمَةُ الْأَوْلَادِ، فَيُرْجَعُ بِهَا عَلَى الْغَارِّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالرُّجُوعِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِذَا غُرِّمَ كَالضَّامِنِ.
فَقَدْ سَبَقَ فِي الضَّامِنِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَرْجِعُ قَبْلَ غَرَمِهِ، فَيَجِيءُ مِثْلُهُ هُنَا.
وَالصَّحِيحُ، الْمَنْعُ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا وَعَلَّقْنَا الْقَيِّمَةَ بِذِمَّتِهِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بَعْدَ عِتْقِهِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُغَرَّمُ.
أَمَّا إِذَا عَلَّقْنَاهَا بِكَسْبِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ، وَغُرِّمَ سَيِّدُهُ مِنْ كَسْبِهِ، أَوْ مِنْ رَقَبَتِهِ، فَيَرْجِعُ فِي الْحَالِ، وَلِلْمَغْرُورِ مُطَالَبَةُ الْغَارِّ بِتَحْصِيلِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي «بَابِ الضَّمَانِ» .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا وَقَدْ دَخَلَ بِالْمَنْكُوحَةِ، فَحَيْثُ يَجِبُ الْمُسَمَّى يَتَعَلَّقُ كَسْبُهُ، وَحَيْثُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، أَمْ بِرَقَبَتِهِ، أَمْ بِكَسْبِهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: الْأَوَّلُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَا يُتَصَوَّرُ الْغُرُورُ بِحُرِّيَّةِ الْأُمَّةِ مِنَ السَّيِّدِ ; لِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: زَوَّجْتُكَ هَذِهِ الْحُرَّةَ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، عَتَقَتْ.
وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِنْ وَكِيلِ السَّيِّدِ فِي تَزْوِيجِهَا، أَوْ مِنْهَا، أَوْ مِنْهُمَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ بِعَاقِدٍ وَلَا مَعْقُودٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنَ الْوَكِيلِ، رَجَعَ الْمَغْرُورُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ إِذَا غُرِّمَهَا، وَبِالْمَهْرِ إِنْ أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنَ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ، كَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا،
لَكِنْ لَا يَرْجِعُ فِي الْحَالِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهَا، تُطَالِبُ بِهِ إِذَا عَتَقَتْ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهَا قَطْعًا وَلَا بِرَقَبَتِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْوَكِيلِ، يَرْجِعُ بِكُلِّ الْمَهْرِ ; لِأَنَّ الْمَهْرَ لِلسَّيِّدِ وَقَدْ أَخَذَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا وَمِنَ الْوَكِيلِ، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهِمَا.
وَفِي كَيْفِيَّتِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ عَلَى الْوَكِيلِ فِي الْحَالِ، وَبِالنِّصْفِ عَلَيْهَا إِذَا عَتَقَتْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْجَمِيعِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، عَلَى الْوَكِيلِ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، فَإِنْ رَجَعَ - هَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ -: يَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِالنِّصْفِ عَلَى الْآخَرِ.
وَقَالَ الْحَنَّاطِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّ التَّغْرِيرَ كَامِلٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَوْ ذَكَرَتْ لِلْوَكِيلِ حُرِّيَّتَهَا، ثُمَّ ذَكَرَهَا الْوَكِيلُ لِلزَّوْجِ، رَجَعَ الْمَغْرُورُ عَلَى الْوَكِيلِ وَالْوَكِيلُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَإِنْ ذَكَرَتْ لِلْوَكِيلِ ثُمَّ ذَكَرَتْ لِلزَّوْجِ، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهَا وَإِنْ ذَكَرَ الْوَكِيلُ لِلزَّوْجِ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا لَمَّا شَافَهَتِ الزَّوْجَ خَرَجَ الْوَكِيلُ مِنَ الْوَسَطِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
وَعَلَى هَذَا، فَصُورَةُ تَغْرِيرِهِمَا أَنْ يَذْكُرَا مَعًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَوْ خَرَجَتِ الَّتِي غُرَّ بِحُرِّيَّتِهَا مُدَبَّرَةً أَوْ مُكَاتَبَةً، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُعَلَّقَةً بِصِفَةٍ، فَالْكَلَامُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، ثُمَّ فِي إِثْبَاتِ الْخِيَارِ كَمَا سَبَقَ، إِذَا كَانَتْ قِنَّةً، لَكِنْ إِذَا خَرَجَتْ مُكَاتَبَةً وَفُسِخَ النِّكَاحُ، فَلَا مَهْرَ لَهَا إِذَا كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْمَهْرَ لِلْمُكَاتَبَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْغُرْمِ لَهَا وَالِاسْتِرْدَادِ مِنْهَا.
وَهَلْ يَجِبُ أَقَلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْعَيْبِ.
وَالْأَوْلَادُ الْحَاصِلُونَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ أَحْرَارٌ، وَعَلَى الْمَغْرُورِ قِيمَتُهُمْ.
وَلِمَنْ تَكُونُ الْقِيمَةُ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ قِنٌّ لِلسَّيِّدِ أَمْ مَكَاتَبٌ كَالْأُمِّ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مَكَاتَبٌ فَقَتَلَهُ قَاتِلٌ، فَهَلْ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ أَمْ لِلْمُكَاتَبَةِ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي الْأَدَاءِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فَإِذَا قُلْنَا: الْوَلَدُ لِلسَّيِّدِ، أَوْ قُلْنَا: هُوَ مَكَاتَبٌ، وَإِذَا قُتِلَ، فَالْقِيمَةُ لِلسَّيِّدِ، غُرِّمَ الْمَغْرُورُ قِيمَةَ الْأَوْلَادِ
لِلسَّيِّدِ، وَيُرْجَعُ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ، وَعَلَيْهَا إِنْ غَرَّتْ، وَيُأْخَذُ مِنْ كَسْبِهَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسْبٌ، فَفِي ذِمَّتِهَا إِلَى أَنْ تُعْتَقَ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْقِيمَةَ لَهَا، فَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا، لَمْ يُغَرِّمِ الْقِيمَةَ لَهَا كَالْمَهْرِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَكِيلِ، غُرِّمَ لَهَا وَرَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ.
فَرْعٌ
إِذَا حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ بِخُلْفِ الشَّرْطِ، فَالرُّجُوعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ إِذَا غَرِمَهُ الزَّوْجُ بِالْوَطْءِ وَالرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْأَوْلَادِ إِذَا غَرِمَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعًا عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ.
فَرْعٌ
مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ قِيمَةِ الْوَلَدِ، هُوَ فِيمَا إِذَا انْفَصَلَ الْجَنِينُ حَيًّا.
فَلَوِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، نُظِرَ إِنِ انْفَصَلَ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَجِيءُ فِيهِ وَجْهٌ سَبَقَ نَظِيرُهُ فِي وَطْءِ الْغَاصِبِ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ.
وَإِنِ انْفَصَلَ بِجِنَايَةٍ، بِأَنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأُجْهِضَتْ، فَلَهُ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا، فَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْغُرَّةُ وَيُغَرَّمُهُ الْمَغْرُورُ ; لِأَنَّهُ يُغَرَّمُ لَهُ فَيُغَرَّمُهُ.
وَقِيلَ: لَا يُغَرَّمُهُ إِذْ لَا قِيمَةَ لِلْمَيِّتِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَضَمَانُهُ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ ; لِأَنَّ الْجَنِينَ الرَّقِيقَ يُغَرَّمُ بِهَذَا الْقَدْرِ.
فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْغُرَّةِ مِثْلَ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ، أَوْ أَكْثَرَ، فَالْمُسْتَحَقُّ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعُشْرُ أَكْثَرَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَسْتَحِقُّ الْعُشْرَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِمَا، وَنَسَبَهُ الْبَغَوِيُّ إِلَى الْعِرَاقِيِّينَ ; لِأَنَّهُ قَدْرُ مَا فَوَّتَهُ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ إِلَّا قَدْرُ الْغُرَّةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ
الْأَمْرَيْنِ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُتَوَقَّفُ تَغْرِيمُهُ عَلَى حُصُولِ الْغُرَّةِ لَهُ.
وَعَلَى الثَّانِي، يُتَوَقَّفُ وَيُنْظَرُ إِلَى مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْغُرَّةِ، فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ مِيرَاثُ الْجَنِينِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَيُغَرَّمُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حِصَّتِهِ مِنَ الْغُرَّةِ وَالْعُشْرِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَرِثَ مَعَ الْأَبِ الْمَغْرُورِ إِلَّا الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ، وَلَا تَسْقُطُ بِالْأُمِّ لِأَنَّهَا رَقِيقَةٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجَانِي هُوَ الْمَغْرُورُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الْغُرَّةُ، وَيَلْزَمُ الْمَغْرُورَ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ إِنْ قُلْنَا فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ بِالْأَصَحِّ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُشْرَ وَتُسَلَّمُ الْغُرَّةُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ، تَعَلَّقَ حَقُّ السَّيِّدِ بِالْغُرَّةِ فَيُؤَدِّي مِنْهَا، وَمَا فَضَلَ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، لَا يَرِثُ الْمَغْرُورُ مِنْهَا شَيْئًا ; لِأَنَّهُ قَاتِلٌ وَلَا يَحْجِبُ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْعَصَبَاتِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا، تَعَلَّقَتِ الْغُرَّةُ بِرَقَبَتِهِ.
ثُمَّ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْغُرَّةَ وَلَمْ نُوجِبْ زِيَادَةً عَلَيْهَا، فَإِذَا حَصَلَتِ الْغُرَّةُ، صُرِفَ إِلَى السَّيِّدِ مِنْهَا عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنِ اعْتَبَرَنَا التَّفْوِيتَ، سُلِّمَتِ الْغُرَّةُ لِلْوَرَثَةِ، وَتَعَلَّقَ حَقُّ السَّيِّدِ بِذِمَّةِ الْمَغْرُورِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْجَانِي عَبْدَ الْمَغْرُورِ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا التَّفْوِيتَ، فَحَقُّ سَيِّدِ الْأَمَةِ عَلَى الْمَغْرُورِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ الْغُرَّةُ بِرَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ حَائِزَ مِيرَاثِ الْجَنِينِ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى عَبْدِهِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ جَدَّةُ الْجَنِينِ، تَعَلَّقَ نَصِيبُهَا بِرَقَبَتِهِ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ، تَعَلَّقَتِ الْغُرَّةُ بِرَقَبَتِهِ لِيُؤَدِّيَ مِنْهَا حَقَّ السَّيِّدِ.
فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْجَانِي سَيِّدَ الْأَمَةِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الْغُرَّةُ.
ثُمَّ إِنِ اعْتَبَرْنَا التَّفْوِيتَ، سُلِّمَتِ الْغُرَّةُ لِلْوَرَثَةِ وَغُرِّمَ الْمَغْرُورُ لِلسَّيِّدِ عُشْرَ قِيمَةِ الْأُمِّ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: انْفِصَالُهُ بِجِنَايَةِ السَّيِّدِ، كَانْفِصَالِهِ بِلَا جِنَايَةٍ، فَلَا يُغَرَّمُ الْمَغْرُورُ شَيْئًا،
وَإِنِ اعْتَبَرْنَا أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ، فَإِذَا حَصَلَتِ الْغُرَّةُ، صُرِفَ مِنْهَا الْعُشْرُ إِلَى السَّيِّدِ.
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: إِذَا كَانَتِ الْغُرَّةُ قَدْرَ الْعُشْرِ أَوْ أَقَلَّ، وَصَرَفْنَاهَا إِلَى السَّيِّدِ، كَانَ الْحَاصِلُ إِيجَابَ الْمَالِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي لِلْجَانِي وَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ.
فَرْعٌ
خِيَارُ الْخُلْفِ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ، الْمَذْهَبُ: نَعَمْ كَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَالثَّانِي: عَلَى أَقْوَالِ خِيَارِ الْعِتْقِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْفَسْخَ، انْفَرَدَ بِهِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْحَاكِمِ كَخِيَارِ عَيْبِ الْمَبِيعِ، وَلَكِنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَلْيَكُنْ كَخِيَارِ عَيْبِ النِّكَاحِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْعِتْقُ، فَإِذَا عَتَقَتْ أَمَةٌ تَحْتَ حُرٍّ، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَإِنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، فَلَهَا الْخِيَارُ إِنْ عَتَقَتْ كُلُّهَا، فَإِنْ أُعْتِقَ بَعْضُهَا، فَلَا خِيَارَ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَهَا الْخِيَارُ.
وَلَوْ دُبِّرَتْ أَوْ كُوتِبَتْ أَوْ عُلِّقَ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ، فَلَا خِيَارَ.
وَلَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ مَكَاتَبٍ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ، فَلَهَا الْخِيَارُ.
وَلَوْ عَتَقَ الزَّوْجُ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ، فَلَا خِيَارَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَوِ الْمَشْهُورِ.
وَلَوْ عَتَقَا مَعًا، فَلَا خِيَارَ، وَيَثْبُتُ خِيَارُ الْعِتْقِ لِلصَّبِيَّةِ وَالْمَجْنُونَةِ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ، وَلَا يَقُومُ الْوَلِيُّ مَقَامَهُمَا فِي الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ.
وَلَوْ عَتَقَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَفْسَخَ الْعَتِيقَةُ، بَطَلَ خِيَارُهَا عَلَى الْأَظْهَرِ الْمَنْصُوصِ فِي الْمُخْتَصَرِ.
فُرُوعٌ
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا فَعَتَقَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَلَهَا الْفَسْخُ لِيَقْطَعَ سَلْطَنَةَ الرَّجْعَةِ.
وَقِيلَ: الْفَسْخُ مَوْقُوفٌ، إِنْ رَاجَعَهَا، نَفَذَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَإِذَا فَسَخَتْ هَلْ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً، أَمْ تَكْفِي بَقِيَّةَ الْعِدَّةِ؟ قَوْلَانِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ الرَّجْعِيَّةَ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْبِنَاءِ، فَتُكْمِلُ عِدَّةَ حُرٍّ أَوْ أَمَةٍ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَوْضِعُهُ «كِتَابُ الْعُدَدِ» . وَلَوْ أَخَّرَتِ الْفَسْخَ، فَلَهَا ذَلِكَ، وَلَا يَبْطُلُ لَهَا.
وَلَوْ أَجَازَتْ، لَمْ تَنْفُذِ الْإِجَازَةُ ; لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةً جَارِيَةٌ إِلَى بَيْنُونَةٍ، فَالْإِجَازَةُ لَا تُلَائِمُ حَالَهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ يُخْرِجُوهُ عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ مَوْرِدُ الْعَقْدِ [قَابِلًا لِمَقْصُودِ الْعَقْدِ] وَحُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ حِكَايَةُ وَجْهٍ فِي نُفُوذِ إِجَازَتِهَا.
وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ تَخْرِيجًا عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ، فَإِنْ رَاجَعَهَا، نَفَذَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ ثَبَتَ لَهَا خِيَارُ الْعِتْقِ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ تَفْسَخَ، فَإِنْ كَانَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، بَقِيَ حَقُّهَا فِي الْفَسْخِ وَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ أُعْتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ.
وَإِنْ كَانَ بَائِنًا، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّلَاقَ مَوْقُوفٌ، وَإِنْ فَسَخَتْ، بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وَإِلَّا بَانَ وُقُوعُهُ وَهَذَا نَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» . وَأَظْهَرُهُمَا يَقَعُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْإِمْلَاءِ» لِمُصَادَفَتِهِ النِّكَاحَ، وَيَبْطُلُ الْخِيَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ.
وَلَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ الْمَعِيبَ قَبْلَ فَسْخِهَا، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَوَقْفِهِ هَذَا الْخِلَافُ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: إِذَا فَسَخَتِ الْعَتِيقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهَا مِنَ الْفَسْخِ.
وَإِنْ فَسَخَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، نُظِرَ، إِنْ تَقَدَّمَ الدُّخُولُ عَلَى الْعِتْقِ، وَجَبَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ وَكَانَتْ جَاهِلَةً بِالْحَالِ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: خِلَافٌ فِيهِمَا.
وَأَيُّهُمَا أَوْجَبْنَاهُ، فَهُوَ لِلسَّيِّدِ، وَكَذَا لَوِ اخْتَارَتِ الْمَقَامَ مَعَهُ، وَجَرَى فِي الْعَقْدِ تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ.
وَإِنْ زُوِّجَهَا مُفَوَّضَةً، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ أَوْ فَرَضَ لَهَا قَبْلَ الْعِتْقِ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ أَيْضًا.
وَإِنْ عَتَقَتْ ثُمَّ دَخَلَ بِهَا، أَوْ فَرَضَ لَهَا، فَهَلِ الْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ أَمْ لَهَا؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَهْرَ الْمُفَوَّضَةِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ أَمْ بِالْفَرْضِ أَوِ الدُّخُولِ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: خِيَارُ الْعِتْقِ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ: يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِي قَوْلٍ: إِلَى أَنْ يُصَرِّحَ بِإِسْقَاطِهِ، أَوْ تَمَكَّنَ مِنَ الْوَطْءِ طَائِعَةً.
وَفِي وَجْهٍ: تَتَقَدَّرُ بِالْمَجْلِسِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْفَوْرِ، فَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ وَفِي الشُّفْعَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: ابْتِدَاءُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ وَقْتِ تَخْيِيرِهَا، وَذَلِكَ إِذَا عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ.
وَذَكَرَ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ، أَنَّهَا لَوْ مَكَّنَتْ وَلَمْ يُصِبْهَا الزَّوْجُ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهَا ; لِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنَ الْوَطْءِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ الْوَطْءِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَصَابَهَا الزَّوْجُ قَهْرًا، فَفِي سُقُوطِ الْخِيَارِ تَرَدُّدٌ لِتَمَكُّنِهَا مِنَ الْفَسْخِ عِنْدَ الْوَطْءِ، فَإِنْ كَانَ قُبِضَ عَلَى فَمِهَا، بَقِيَ حَقُّهَا قَطْعًا.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَوْ قَالَ: أَصَبْتُهَا فَأَنْكَرَتْ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَعَدَمُ الْإِصَابَةِ.
وَإِذَا اعْتَبَرْنَا الْفَوْرَ، فَتَمَكَّنَتْ وَلَمْ تَفْسَخْ، أَوْ مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ، أَوْ مَكَّنَتْ مِنَ الْوَطْءِ، إِذَا اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ ادَّعَتِ الْجَهْلَ بِالْعِتْقِ، صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا إِنْ لَمْ يُكَذِّبْهَا ظَاهِرُ الْحَالِ.
فَإِنْ كَذَّبَهَا، بِأَنْ كَانَتْ مَعَهُ فِي بَيْتِهِ وَيَبْعُدُ خَفَاءُ الْعِتْقِ عَلَيْهَا، فَالْمُصَدَّقُ الزَّوْجُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ: فِي الْمُصَدَّقِ قَوْلَانِ مُطْلَقًا.
فَإِنِ ادَّعَتِ الْجَهْلَ بِأَنَّ الْعِتْقَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، صُدِّقَتْ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَلَوِ ادَّعَتِ الْجَهْلَ بِأَنَّ الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا تُعْذَرُ، وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَلَكِنْ ذَكَرَهَا الْعَبَّادِيُّ فِي «الرَّقْمِ» .
وَقَالَ: إِنْ كَانَتْ قَدِيمَةَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَخَالَطَتْ أَهْلَهُ، لَمْ تُعْذَرْ، وَإِنْ كَانَتْ حَدِيثَةَ الْعَهْدِ بِهِ أَوْ لَمْ تُخَالِطْ أَهْلَهُ، فَقَوْلَانِ.
فَرْعٌ
هَذَا الْفَسْخُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ، وَلَا إِلَى الْمُرَافَعَةِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالشُّفْعَةِ.
قُلْتُ: وَلِلزَّوْجِ وَطْءُ الْعَتِيقَةِ مَا لَمْ تَفْسَخْ، وَكَذَا لِزَوْجِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ، الْعَتِيقَيْنِ وَطْؤُهُمَا مَا لَمْ تَفْسَخَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّبَبُ الرَّابِعُ: التَّعْنِينُ، فَالتَّعْنِينُ مُثْبِتٌ لِلْخِيَارِ، وَكَذَا الْجَبُّ إِنْ لَمْ يَبْقَ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ، كَأَنْ لَا يَبْقَى قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَإِنْ بَقِيَ دُونَ قَدْرِ الْحَشَفَةِ، أَوْ بَقِيَ قَدْرُهَا فَأَكْثَرُ، فَلَا خِيَارَ بِسَبَبِ الْجَبِّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَعَنِ ابْنِ سَلَمَةَ، أَنَّهُ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْخَصْيِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ عَجَزَ عَنِ الْجِمَاعِ بِهِ، فَهُوَ كَالسَّلِيمِ الْعَاجِزِ، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّ الْعَيْبَ مُتَحَقِّقٌ، وَالظَّاهِرُ دَوَامُ الْعَجْزِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمَرَضُ الْمُزْمِنُ الَّذِي لَا يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ، وَلَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ مَعَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ وَجَدَتْ زَوْجَهَا خَصِيًّا مَوْجُوءَ الْخُصْيَتَيْنِ أَوْ مَسْلُولَهُمَا، فَلَا خِيَارَ عَلَى الْأَظْهَرِ الْجَدِيدِ.
وَقِيلَ: لَا خِيَارَ قَطْعًا.
فَرْعٌ
الْعُنَّةُ الطَّارِئَةُ لَا تُؤَثِّرُ ; لِأَنَّ الْقُدْرَةَ تَحَقَّقَتْ بِالْوَطْءِ، فَالْعَجْزُ بِعَارِضٍ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَعَنَّ عَنْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلَّتِي عَنَّ عَنْهَا، لِفَوَاتِ
الِاسْتِمْتَاعِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَقَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ لِانْحِبَاسِ الشَّهْوَةِ عَنِ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِسَبَبِ نُفْرَةٍ أَوْ حَيَاءٍ، وَيَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهَا لِمَيْلٍ أَوْ أُنْسٍ.
فَأَمَّا الْعَجْزُ الْمُحَقِّقُ لِضَعْفٍ فِي الدِّمَاغِ أَوِ الْقَلْبِ أَوِ الْكَبِدِ، أَوْ لِخَلَلٍ فِي نَفْسِ الْآلَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِالنِّسْوَةِ، وَكَذَلِكَ قَدْ يُفْرَضُ الْعَجْزُ عَنِ الْقُبُلِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الدُّبُرِ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فِيهِ وَجْهًا بَعِيدًا، وَلَوْ عَجَزَ عَنِ افْتِرَاعِ بِكْرٍ وَقَدَرَ عَلَى ثَيِّبٍ، فَلِلْبِكْرِ الْخِيَارُ.
فَصْلٌ
إِذَا اعْتَرَفَتْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوَطْءِ وَقَالَتْ: إِنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْهُ، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَهَلْ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِوَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ وَهَلْ يُجْبَرُ هُوَ عَلَيْهَا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا ; لِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْوَطَآتِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ لِمَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: اسْتِقْرَارُ الْمَهْرِ.
وَالثَّانِي: حُصُولُ الِاسْتِمْتَاعِ لِلتَّعَفُّفِ.
فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ الْوَطْأَةُ فَكَانَتْ أَمَةً، فَالطَّلَبُ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَلَهَا عَلَى الثَّانِي.
وَلَوْ أَبْرَأَتِ الْحُرَّةُ عَنْ مَهْرِهَا، فَلَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَتُطَالِبُ عَلَى الثَّانِي، وَلَا يُرْهَقُ إِلَى الْوَطْءِ بَلْ يُمْهَلُ لِيَسْتَعِدَّ لَهُ عَلَى الْعَادَةِ.
وَلَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ أَوْ عُذْرٌ، أُمْهِلَ إِلَى زَوَالِهِ.
وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ بِلَا عُذْرٍ، حُبِسَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُخَرَّجَ مِنَ الْإِيلَاءِ أَنْ يُطَلِّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمْ يُخَرِّجُوهُ.
فَرْعٌ
تَسْقُطُ مُطَالَبَةٌ الْعَنِينِ بِالْفَسْخِ، وَغَيْرِ الْعَنِينِ إِذَا أَوْجَبْنَا وَطْأَهُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ،
فَإِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ كُلَّهَا مَنُوطَةٌ بِهِ كَالتَّحْلِيلِ، وَالتَّحْصِينِ وَالْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالْغُسْلِ، وَفَسَادِ الْعِبَادَةِ، وَثُبُوتِ الْمُصَاهَرَةِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَسَبَبُهُ بَعْدَ الِاتِّبَاعِ، أَنَّ الْحَشَفَةَ هِيَ الَّتِي تُحِسُّ تِلْكَ اللَّذَّةَ، قَالَ: وَيَعْنِي بِتَغَيُّبَهَا أَنْ يَشْتَمِلَ الشَّفْرَانِ وَمُلْتَقَاهُمَا عَلَيْهَا.
أَمَّا لَوِ انْقَلَبَ الشَّفْرَانِ إِلَى الْبَاطِنِ وَكَانَتِ الْحَشَفَةُ تُلَاقِي مَا انْعَكَسَ مِنَ الْبَشَرَةِ الظَّاهِرَةِ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ ; لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي حَيِّزِ الْبَاطِنِ.
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ، أَنَّ أَقَلَّ مَا يَزُولُ بِهِ حُكْمُ التَّعْنِينِ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا أَنْ يَقْتَضَّهَا بِآلَةِ الِاقْتِضَاضِ.
وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَأَنْ تُغَيِّبَ الْحَشَفَةُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاقْتِضَاضِ لَا يَحْصُلُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ.
وَلَوْ جُبَّ بَعْضُ ذَكَرِهِ فَغَيَّبَ مِنَ الْبَاقِي قَدْرَ الْحَشَفَةِ، فَهُوَ كَتَغَيُّبِ الْحَشَفَةِ مِنَ السَّلِيمِ.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ تَغَيُّبُ جَمِيعَ الْبَاقِي وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَظَاهِرُ النَّصِّ مُؤَوَّلٌ.
فَصْلٌ
وَجَدَتْهُ عَنِينًا فَرَفَعَتْهُ إِلَى الْقَاضِي وَادَّعَتْ عَنَتَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا أَوْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِهِ بِهَا، ثَبَتَتْ.
وَإِنْ أَنْكَرَ، حُلِّفَ، فَإِنْ حَلَفَ، لَمْ يُطَالَبْ بِتَحْقِيقِ مَا قَالَهُ بِالْوَطْءِ، وَامْتَنَعَ الْفَسْخُ، وَيَعُودُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ هَلْ يُطَالَبُ بِوَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ وَإِنْ نَكَلَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَيْهَا، وَلَهَا أَنْ تَحْلِفَ إِذَا بَانَ لَهَا عَنَتُهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَطُولِ الْمُمَارِسَةِ.
وَالثَّانِي: يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَتُضْرَبُ الْمُدَّةُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَالثَّالِثُ: لَا تُرَدُّ عَلَيْهَا وَلَا يُقْضَى بِنُكُولِهِ.
وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ وَجْهًا أَنَّ تَحْلِيفَ الزَّوْجِ لَا يُشْرَعُ أَصْلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُرَدُّ عَلَيْهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ، ثُمَّ ثُبُوتُ الْعُنَّةِ لَا يُفِيدُ
الْخِيَارَ فِي الْحَالِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ يَضْرِبُ لِلزَّوْجِ مُدَّةَ سَنَةٍ يُمْهِلُهُ فِيهَا، وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ ضَرْبِ الْقَاضِي لَا مِنْ وَقْتِ إِقْرَارِهِ ; لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا تُضْرَبُ الْمُدَّةُ إِذَا طَلَبَتِ الْمَرْأَةُ، لَكِنْ لَوْ سَكَتَتْ وَحَمَلَ الْقَاضِي سُكُوتَهَا عَلَى دَهْشَةٍ أَوْ جَهْلٍ، فَلَا بَأْسَ بِتَنْبِيهِهَا ثُمَّ قَوْلُهَا: أَنَا طَالِبَةُ حَقِّي عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ، كَافٍ فِي ضَرْبِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ جَهَلَتْ تَفْصِيلَ الْحُكْمِ، وَسَوَاءٌ فِي الْمُدَّةِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، فَإِذَا تَمَّتْ السَّنَةُ وَلَمْ يُصِبْهَا، لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ، وَلَيْسَ لَهَا فَسْخُهُ، بَلْ تَرْفَعُهُ ثَانِيًا إِلَى الْقَاضِي.
وَعَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ، أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَإِذَا رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَإِنِ ادَّعَى الْإِصَابَةَ فِي الْمُدَّةِ، حُلِّفَ، فَإِنْ نَكَلَ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَإِذَا حَلَفَتْ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا فِي الْمُدَّةِ، فَقَدْ جَاءَ وَقْتُ الْفَسْخِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ ثَلَاثًا، فَهَلْ يُمْهَلُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِيلَاءِ.
وَفِي اسْتِقْلَالِهَا بِالْفَسْخِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الِاسْتِقْلَالُ كَمَا يَسْتَقِلُّ بِالْفَسْخِ مَنْ وَجَدَ بِالْمَبِيعِ تَغَيُّرًا وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ كَوْنَهُ عَيْبًا، وَأَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَسْخَ إِلَى الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، أَوْ يَأْمُرُهَا بِالْفَسْخِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي الِاسْتِقْلَالِ بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ، وَالْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي فَصْلِ الْعُيُوبِ مَفْرُوضَانِ فِي الِاسْتِقْلَالِ دُونَ الْمُرَافَعَةِ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَهَا الْفَسْخُ بِنَفْسِهَا، فَهَلْ يَكْفِي لِنُفُوذِ الْفَسْخِ إِقْرَارُ الزَّوْجِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي: ثَبَتَتِ الْعُنَّةُ أَوْ ثَبَتَ حَقُّ الْفَسْخِ فَاخْتَارِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ الْفَسْخَ، وَلَمْ يَقُلِ الْقَاضِي: نَفَّذَتْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ، هَلْ يَصِحُّ الرُّجُوعُ وَيَبْطُلُ الْفَسْخُ؟ وَجْهَانِ فِي «مَجْمُوعِ ابْنِ الْقَطَّانِ» . أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِلَافُ مُفَرَّعًا عَلَى اسْتِقْلَالِهَا بِالْفَسْخِ، أَمَّا إِذَا فَسَخَتْ بِإِذْنٍ، فَإِنَّ الْإِذْنَ السَّابِقَ كَالتَّنْفِيذِ.
فَرْعٌ
إِنَّمَا تُحْسَبُ [الْمُدَّةُ] إِذَا لَمْ تَعْتَزِلْ عَنْهُ.
فَإِنِ اعْتَزَلَتْ أَوْ مَرِضَتْ، لَمْ تُحْسَبْ.
وَلَوْ سَافَرَتْ حُبِسَتْ عَلَى الْأَصَحِّ لِئَلَّا يُدَافِعَ الْمُطَالَبَةَ بِذَلِكَ.
وَإِذَا عَرَضَ مَا يَمْنَعُ الِاحْتِسَابَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ وَزَالَ، فَالْقِيَاسُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ السَّنَةَ أَوْ يَنْتَظِرَ مُضِيَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْفَصْلِ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى.
فَرْعٌ
الْفَسْخُ بِالْعُنَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، كَالْفَسْخِ بِسَائِرِ الْعُيُوبِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ هُنَاكَ.
وَإِذَا رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ مَعَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنَ الْفَسْخِ، وَلَا رُجُوعَ لَهَا إِلَيْهِ.
فَإِنْ فَسَخَتْ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، لَمْ تُنَفِّذْ.
وَإِنْ أَجَازَتْ وَرَضِيَتْ بِالْمَقَامِ مَعَهُ فِي الْمُدَّةِ، أَوْ قَبْلَ ضَرْبِ الْمُدَّةِ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَغْوٌ، وَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ بَعْدَ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ رَضِيَتْ بَعْدَ الْمُدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا ثُمَّ رَاجَعَهَا، لَمْ يَعُدْ حَقُّ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِعُنَّتِهِ فِي هَذَا النِّكَاحِ، وَيُتَصَوَّرُ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ بِغَيْرِ وَطْءٍ يُزِيلُ الْعُنَّةَ، بِأَنْ يَسْتَدْخِلَ مَاءَهُ، أَوْ يَطَأَهَا فِي الدُّبُرِ، فَتَجِبُ الْعِدَّةُ وَحُكْمُ الْعُنَّةِ بَاقٍ.
وَلَوْ بَانَتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، أَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، أَوْ فَسَخَتِ النِّكَاحَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا، فَفِي تَجَدُّدِ حَقِّ الْفَسْخِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: التَّجَدُّدُ ; لِأَنَّهُ
نِكَاحٌ جَدِيدٌ، وَتُضْرَبُ الْمُدَّةُ ثَانِيًا.
وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً ابْتِدَاءً، وَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ عَنِينٌ، فَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ: هُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ، فِيمَا إِذَا نَكَحَ امْرَأَةً ابْتِدَاءً وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّهُ حَكَمَ بِعُنَّتِهِ فِي حَقِّ امْرَأَةٍ أُخْرَى، طَرِيقَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالثُّبُوتِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجَزُ عَنِ امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى.
وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً أَوْ أَصَابَهَا ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا وَعَنَّ عَنْهَا، فَلَهَا الْخِيَارُ قَطْعًا ; لِأَنَّهَا نَكَحَتْهُ غَيْرَ عَالِمَةٍ بِعُنَّتِهِ
فَرْعٌ
إِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الْعُنَّةَ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا وَلَمْ تُضْرَبْ مُدَّةٌ ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ وَالْفَسْخَ يَعْتَمِدَانِ إِقْرَارَ الزَّوْجِ أَوْ يَمِينَهَا بَعْدَ نُكُولِهِ، وَقَوْلُهُمَا سَاقِطٌ.
وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُجَامِعْهَا الصَّبِيُّ، أُجِّلَ، وَلَمْ يُثْبِتْهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ قَوْلًا وَقَالُوا: غَلَطَ الْمُزَنِيُّ.
وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي «الْأُمِّ» وَالْقَدِيمُ: إِنْ لَمْ يُجَامِعْهَا الْخَصِيُّ، أُجِّلَ، وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْخَصِيِّ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا خِيَارَ بِالْإِخْصَاءِ أَوْ رَضِيَتْ بِهِ وَوَجَدَتْهُ مَعَ الْإِخْصَاءِ عَنِينًا، وَإِلَّا، فَالْخِيَارُ فِي الْخَصِيِّ لَا تَأْجِيلَ فِيهِ كَالْجَبِّ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا أَنَّ الْمُرَاهِقَ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِمَاعُ، تُسْمَعُ دَعْوَى التَّعْنِينِ عَلَيْهِ وَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
فَرْعٌ
جُنَّ الزَّوْجُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ، وَمَضَتِ السَّنَةُ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَطَلَبَتِ الْفَرْقَةَ، لَمْ تُجَبْ إِلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ.
فَرْعٌ
مَضَتِ السَّنَةُ فَأَمْهَلَتْهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً أُخْرَى، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ: لَهَا ذَلِكَ، وَلَهَا أَنْ تَعُودَ إِلَى الْفَسْخِ مَتَى شَاءَتْ، كَمَا إِذَا أُمْهِلَ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَا يُلْزَمُ الْإِمْهَالَ، وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ حَقِّهَا بِهَذَا الْإِمْهَالِ لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ.
فَرْعٌ
إِذَا فَسَخَتْ بِالْعُنَّةِ، فَلَا مَهْرَ عَلَى الْمَشْهُورِ ; لِأَنَّهُ فَسْخٌ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَفِي قَوْلٍ: كُلُّهُ، حَكَاهُمَا صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» عَنْ حِكَايَةِ الْإِصْطَخْرِيِّ.
فَصْلٌ
قَالَ الْأَصْحَابُ: إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْوَطْءِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ نَافِيهِ عَمَلًا بِأَصْلِ الْعَدَمِ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ.
إِحْدَاهَا: إِذَا ادَّعَتْ عُنَّتَهُ فَقَالَ: أَصَبْتُهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْمُدَّةِ أَمْ بَعْدَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ خَصِيًّا أَوْ مَقْطُوعَ بَعْضِ الذَّكَرِ، إِذَا كَانَ الْبَاقِي بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ، أَوْ، ادَّعَتْ عَجْزَهُ.
وَقِيلَ: فِي الْخَصِيِّ وَالْمَقْطُوعِ،
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُقَوِّي جَانِبَهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ الْبَاقِي، هَلْ يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ؟ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: يَنْبَغِي أَنْ يَرَى أَهْلُ الْخِبْرَةِ لِيَعْرِفُوا قَدْرَهُ، وَيُخْبِرُوا عَنِ الْحَالِ، كَمَا لَوِ ادَّعَتْ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ فَأَنْكَرَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ.
وَلَوِ ادَّعَتْ عَجْزَهُ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، وَادَّعَى أَنَّهَا امْتَنَعَتْ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا، وَإِلَّا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ النِّكَاحِ.
فَإِذَا حَلَفَ، ضَرَبَ الْقَاضِي الْمُدَّةَ ثَانِيًا وَأَسْكَنَهُمَا فِي جِوَارِ قَوْمٍ ثِقَاتٍ يَتَفَقَّدُونَ حَالَهُمَا.
فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ، اعْتَمَدَ الْقَاضِي قَوْلَ الثِّقَاتِ وَجَرَى عَلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي.
الثَّانِي: إِذَا طَالَبَتْهُ فِي الْإِيلَاءِ بِالْفَيْأَةِ وَالطَّلَاقِ فَقَالَ: وَطِئْتُهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ اسْتِدَامَةً لِلنِّكَاحِ.
وَلَوْ قَالَتْ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ: أَنَا بِكْرٌ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ: إِنْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا، حُكِمَ بِعَدَمِ الْإِصَابَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفِهَا، فَلَوْ قَالَ بَعْدَ شَهَادَتِهِنَّ: أَصَبْتُهَا وَلَمْ أُبَالِغْ، فَعَادَتِ الْبَكَارَةُ وَطَلَبَ يَمِينَهَا، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَحَلَفَتْ.
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا، لَمْ تَحْلِفْ.
وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْإِفْصَاحِ وَابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ كَجٍّ، وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ: تَحْلِفُ الزَّوْجَةُ مَعَ الْبَيِّنَةِ عَلَى قِيَامِ الْبَكَارَةِ ; لِأَنَّ الْبَكَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، فَاحْتِمَالُ الزَّوَالِ وَالْعَوْدِ قَائِمٌ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الزَّوْجُ، فَلَا بُدَّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ.
ثُمَّ إِذَا حَلَفَتْ بَعْدَ دَعْوَاهُ أَوْ دُونَهَا [حَلَفَتْ] عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا، أَوْ عَلَى أَنَّ بَكَارَتَهَا هِيَ الْبَكَارَةُ الْأَصْلِيَّةُ، وَلَهَا حَقُّ الْفَسْخِ بَعْدَ يَمِينِهَا.
وَإِنْ نَكَلَتْ، حَلَفَ الزَّوْجُ وَبَطَلَ الْخِيَارُ.
وَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ أَيْضًا، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَهَا الْفَسْخُ وَيَكُونُ نُكُولُهُ كَحَلِفِهَا ; لِأَنَّ