كِتَابُ النِّكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
نَصِيبِ النِّسْوَةِ، بَيْنَ الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ، لَا حَقَّ لِلْوَاحِدَةِ فِيهِ.
فَإِنْ أَرَدْنَ الصُّلْحَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَالصُّلْحُ فِي نِصْفِ السُّدْسِ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ، وَفِي الثُّلُثَيْنِ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالثِّنْتَيْنِ.
وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَلِلْمُفْرَدَةِ الْمُسَمَّى.
وَأَمَّا الْبَوَاقِي، فَإِنْ دَخَلَ بِهِنَّ، قَابَلْنَا الْمُسَمَّى لِإِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ وَمَهْرَ الْمِثْلِ بِالْمُسَمَّى لِلْفِرْقَةِ الْأُخْرَى وَمَهْرَ مِثْلِ الْأُولَى، وَأَخَذْنَا أَكْثَرَ الْقَدْرَيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَدَفَعْنَا إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الْأَقَلَّ مِنْ مُسَمَّاهَا وَمَهْرِ مِثْلِهَا، وَوَقَفْنَا الْبَاقِيَ.
مِثَالُهُ: سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةً، وَمَهْرُ مِثْلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسُونَ، فَمُسَمَّى الثَّلَاثِ وَمَهْرُ مِثْلِ الثِّنْتَيْنِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ مُسَمَّى الثِّنْتَيْنِ وَمَهْرِ مِثْلِ الثَّلَاثِ، فَنَأْخُذُ مِنَ التَّرِكَةِ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَنَدْفَعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسِينَ، وَنَقِفُ الْبَاقِيَ وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ (مِنْهَا) مِائَةٌ بَيْنَ النِّسْوَةِ الْخَمْسِ، وَخَمْسُونَ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالْوَرَثَةِ، فَإِنْ بَانَ صِحَّةُ نِكَاحِ الثِّنْتَيْنِ، فَالْمِائَةُ لَهُمَا، وَالْخَمْسُونَ لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ بَانَ صِحَّةُ الثَّلَاثِ، فَالْمِائَةُ وَالْخَمْسُونَ لَهُنَّ.
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ، أَخَذْنَا مِنَ التَّرِكَةِ أَكْثَرَ الْمُسَمَّيَيْنِ، وَلَا نُعْطِي فِي الْحَالِ وَاحِدَةً شَيْئًا.
وَالْأَكْثَرُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثُمِائَةٍ، فَنَقِفُ مِائَتَيْنِ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالثِّنْتَيْنِ، وَمِائَةً بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالْوَرَثَةِ.
وَإِنْ دَخَلَ بِإِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ، أَخَذْنَا الْأَكْثَرَ مِنْ مُسَمَّى الْمَدْخُولِ بِهِنَّ فَقَطْ، وَمِنْ مَهْرِ مِثْلِهِنَّ مَعَ مُسَمَّى الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى، وَأُعْطِيَ الْمَوْطُوءَاتُ الْأَقَلَّ مِنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ مِثْلِهِنَّ.
فَفِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، إِنْ دَخَلَ بِالثِّنْتَيْنِ، فَمَهْرُ مِثْلِهِمَا مَعَ مُسَمَّى الثَّلَاثِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ مُسَمَّى الثِّنْتَيْنِ، فَنَأْخُذُ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَنُعْطِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الثِّنْتَيْنِ خَمْسِينَ، وَنَقِفُ مِائَةً بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الثَّلَاثِ، وَمِائَتَيْنِ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالْوَرَثَةِ.
فَإِنْ بَانَ صِحَّةُ نِكَاحِ الثِّنْتَيْنِ، دَفَعْنَا الْمِائَةَ إِلَيْهِمَا، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ بَانَ صِحَّةُ نِكَاحِ الثَّلَاثِ، دَفَعْنَاهَا مَعَ الْمِائَتَيْنِ إِلَيْهِنَّ، وَإِنْ دَخَلَ بِالثَّلَاثِ، فَمَهْرُ مِثْلِهِنَّ مَعَ مُسَمَّى الثِّنْتَيْنِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ مُسَمَّى الثَّلَاثِ، فَنَأْخُذُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَنُعْطِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الثُّلُثِ خَمْسِينَ مِنْهَا، وَنَقِفُ الْبَاقِيَ وَهُوَ مِائَتَانِ، مِنْهَا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ بَيْنَ الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الثِّنْتَيْنِ وَالْوَرَثَةِ.
فَإِنْ بَانَ صِحَّةُ نِكَاحِ الثَّلَاثِ، أَعْطَيْنَاهُنَّ مِائَةً وَخَمْسِينَ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ بَانَ صِحَّةُ نِكَاحِ الثِّنْتَيْنِ، أَعْطَيْنَاهُمَا الْمِائَتَيْنِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: فَإِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَنَكَحَ أَرْبَعًا أُخَرَ فِي عَقْدٍ رَابِعٍ، وَلَمْ يُعْرَفِ التَّرْتِيبُ، لَمْ يُحْكَمْ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْوَاحِدَةِ، لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ.
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، وَقَفْنَا مِيرَاثَ زَوْجَاتٍ، وَلَا نُعْطِي وَاحِدَةً مِنْهُ شَيْئًا.
وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَإِنْ دَخَلَ بِهِنَّ، أَخَذْنَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ الْأَكْثَرَ مِنْ مُسَمَّاهَا وَمَهْرِ مِثْلِهَا، وَأَعْطَيْنَاهَا أَقَلَّهُمَا، وَوَقَفْنَا الْبَاقِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ نِكَاحَ الْأَرْبَعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاحِدَةُ مَعَ الثَّلَاثِ، أَوْ مَعَ الثِّنْتَيْنِ، فَيُنْظَرُ مَهْرُ الْأَرْبَعِ وَحْدَهُ، وَمَهْرُ الْوَاحِدَةِ مَعَ الثَّلَاثِ، ثُمَّ مَعَ الثِّنْتَيْنِ، وَيُؤْخَذُ أَكْثَرُ الْمَقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ، وَيُوقَفُ.
وَإِنْ دَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ، أُخِذَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا أَكْثَرُ مَهْرَيْهَا، وَتُعْطَى مِنْهُ أَقَلَّهُمَا، وَيُوقَفُ الْبَاقِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَأُخِذَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مُسَمَّاهَا، فَيُوقَفُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: اسْتِيفَاءُ عَدَدِ الطَّلَاقِ.
فَإِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا فِي نِكَاحٍ أَوْ أَنْكِحَةٍ دَفْعَةً أَوْ أَكْثَرَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَيَطَأَهَا وَيُفَارِقَهَا وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ، وَإِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ، فَكَطَلَاقِ الْحُرِّ ثَلَاثًا.
وَلَوْ عَتَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يُؤَثِّرْ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ.
وَفِي قَوْلٍ: يَكْفِي الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَهُ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَيُشْتَرَطُ تَغْيِيبُ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، وَبِهِ تَتَعَلَّقُ أَحْكَامُ الْوَطْءِ كُلُّهَا.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَأَقَلُّهُ الِاقْتِضَاضُ بِآلَتِهِ.
وَمَنْ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ، إِنْ بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ دُونَ قَدْرِهَا، لَمْ يَحِلَّ.
وَإِنْ بَقِيَ قَدْرُهَا فَقَطْ، أُحِلَّ.
وَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِهَا، كَفَى تَغْيِيبُ قَدْرِ حَشَفَةِ هَذَا الشَّخْصِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَغْيِيبُ جَمِيعِ الْبَاقِي، سَوَاءً كَانَ قَوِيَّ الِانْتِشَارِ، أَوْ ضَعِيفَهُ فَاسْتَعَانَ بِأُصْبَعِهِ أَوْ أُصْبَعِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ انْتِشَارٌ أَصْلًا، لِتَعْنِينٍ أَوْ شَلَلٍ
أَوْ غَيْرِهِمَا، لَمْ يَحْصُلِ التَّحْلِيلُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي كُتُبِهِمْ، لِعَدَمِ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ، وَحَصَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْغَزَالِيُّ، لِحُصُولِ الْوَطْءِ وَأَحْكَامِهِ.
وَاسْتِدْخَالُ ذَكَرِ النَّائِمِ وَغَيْرِهِ يُحَلِّلُ، وَاسْتِدْخَالُ الْمَاءِ لَا يُحَلِّلُ.
قُلْتُ: وَلَوْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً وَأَوْلَجَ، حَلَّلَ عَلَى الصَّحِيحِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ بِكُلِّ زَوْجٍ، حُرٍّ مُسْلِمٍ، وَعَبْدٍ، وَمَجْنُونٍ، وَخَصِيٍّ، وَذِمِّيٍّ إِذَا كَانَتِ الْمُطَلَّقَةُ ذِمِّيَّةً، سَوَاءٌ كَانَ الْمُطَلِّقُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَيُشْتَرَطُ وَطْءُ الذِّمِّيِّ فِي وَقْتٍ لَوْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا لَقَرَرْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحِ.
قُلْتُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي تَحْلِيلِ الذِّمِّيَّةِ لِلْمُسْلِمِ وَطْءُ ذِمِّيٍّ، بَلِ الْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ يُحَلِّلَانِهَا أَيْضًا لِلْمُسْلِمِ، كَمَا يُحَصِّنَانِهَا، صَرَّحَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَالصَّبِيُّ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِمَاعُ، كَالْبَالِغِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَالطِّفْلُ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ، لَا يُحَلِّلُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنِ الْقَفَّالِ، أَنَّهُ يُحَلِّلُ.
قُلْتُ: هَذَا الْوَجْهُ كَالْغَلَطِ الْمَنَابِذِ لِقَوَاعِدِ الْبَابِ.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُحَلِّلُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا صَغِيرَةً، وَوَطِئَهَا زَوْجٌ، حَلَّتْ قَطْعًا.
وَقِيلَ فِي الَّتِي لَا تُشْتَهَى الْوَجْهَانِ كَتَحْلِيلِ الصَّبِيِّ.
فَرْعٌ
لَوْ وَطِئَهَا فِي إِحْرَامِهِ أَوْ إِحْرَامِهَا، أَوِ الْحَيْضِ، أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ ظِهَارِهَا، أَوْ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، حَلَّتْ، لِأَنَّهُ وَطْءُ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ.
وَلَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ فِي عِدَّةِ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَقَعَ بَعْدَ نِكَاحِهِ، حَلَّتْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَطِئَهَا فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَوْ رِدَّتِهَا، وَعَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ تَحِلَّ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِاضْطِرَابِ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ سَائِرِ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ.
وَاعْتَرَضَ الْمُزَنِيُّ بِأَنَّهُ إِنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَقَدْ حَلَّتْ، وَإِلَّا، فَتَبِينُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: تُتَصَوَّرُ الْعِدَّةُ بِلَا دُخُولٍ، بِأَنْ يَطَأَهَا فِي الدُّبُرِ أَوْ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَسَبَقَ الْمَاءُ، أَمْ تَسْتَدْخِلُ مَاءَهُ، فَتَجِبُ الْعِدَّةُ، وَلَا تَحِلُّ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَكَذَا بِالْخَلْوَةِ عَلَى الْقَدِيمِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنِ النَّصِّ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالْوَطْءِ فِي الرِّدَّةِ، هُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : إِنِ اجْتَمَعَا فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْقَفَّالُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا، بِاسْتِدْخَالِ الْمَاءِ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ (لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: إِذَا قُلْنَا: تَحِلُّ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَلَا تَحِلُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
نَكَحَهَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَطِئَهَا بَانَتْ مِنْهُ، أَوْ نَكَحَهَا إِلَى أَنْ يَطَأَهَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَطِئَهَا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، فَنِكَاحٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَهَا طَلَّقَهَا، فَبَاطِلٌ
أَيْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ بِلَا شَرْطٍ، وَفِي عَزْمِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِذَا وَطِئَهَا، كُرِهَ، وَصَحَّ الْعَقْدُ، وَحَلَّتْ بِوَطْئِهِ.
وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَنْ لَا يَطَأَهَا إِلَّا مَرَّةً، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَهَا نَهَارًا، فَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بُطْلَانِ النِّكَاحِ أَوْ صِحَّتِهِ دُونَ الشَّرْطِ نَصَّانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا عَلَى حَالَيْنِ.
فَالْبُطْلَانُ إِذَا شَرَطَتِ الزَّوْجَةُ أَنْ لَا يَطَأَهَا، وَالصِّحَّةُ إِذَا شَرَطَ الزَّوْجُ أَنْ لَا يَطَأَ، لِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَلَهُ تَرْكُهُ وَالتَّمْكِينُ عَلَيْهَا.
وَلَوْ نَكَحَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ، فَقَالَ الْإِمَامُ: يَجِبُ أَنْ تَلْحَقَ بِشَرْطِ تَرْكِ الْوَطْءِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ، لِلتَّنَاقُضِ.
قُلْتُ: قَوْلُ الْغَزَالِيِّ أَصَحُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَفِي «فَتَاوَى» الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِبُضْعِهَا، فَكَشَرْطِ أَنْ لَا يَطَأَ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْلِكَ بُضْعَهَا، فَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِمْتَاعَ، فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ مِلْكَ الْعَيْنِ، لَمْ يَضُرَّ.
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا شَرَطَهُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَلَوْ تَوَاطَآ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَعَقَدَا عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ بِلَا شَرْطٍ، فَلَيْسَ كَالْمَشْرُوطِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ
قَالَ الْأَئِمَّةُ: أَسْلَمُ طَرِيقٍ فِي الْبَابِ، وَأَدْفَعُهُ لِلْعَارِ، أَنْ تُزَوَّجَ بِعَبْدٍ صَغِيرٍ، وَتَسْتَدْخِلَ حَشَفَتَهُ، ثُمَّ تَتَمَلَّكُهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، وَيَحْصُلُ التَّحْلِيلُ إِنْ صَحَّحْنَا تَحْلِيلَ الصَّبِيِّ وَجَوَّزْنَا إِجْبَارَ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِلَّا، فَلَا.
فَرْعٌ
إِذَا قَالَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا: نَكَحْتُ زَوْجًا آخَرَ، فَوَطِئَنِي وَفَارَقَنِي، وَانْقَضَتْ عِدَّتِي مِنْهُ، قُبِلَ قَوْلُهَا عِنْدَ الِاحْتِمَالِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الثَّانِي، وَصُدِّقَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ، فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَالْوَطْءُ يَعْسُرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنْ ظَنَّ صِدْقَهَا، فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا كَرَاهَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يَظُنَّهُ، اسْتُحِبَّ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا.
وَإِنْ قَالَ: هِيَ كَاذِبَةٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نِكَاحُهَا.
فَإِنْ قَالَ بَعْدَهُ: تَبَيَّنْتُ صِدْقَهَا، فَلَهُ نِكَاحُهَا.
قُلْتُ: قَدْ جَزَمَ الْفُورَانِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَذِبُهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ.
وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى هَذَا، وَهُوَ غَلَطٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهَا تَحِلُّ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَذِبُهَا إِذَا كَانَ الصِّدْقُ مُمْكِنًا.
قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْفُورَانِيُّ غَلَطٌ، وَهُوَ مِنْ عَثَرَاتِ الْكُتَّابِ، وَلَعَلَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يَحْكِ هَذَا الْوَجْهَ، لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ، وَلِقَوْلِ الْإِمَامِ: إِنَّهُ غَلَطٌ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: وَلَوْ كَذَّبَهَا الزَّوْجُ وَالْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ، لَمْ تَحِلَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا قَبْلَ وَطْءِ زَوْجٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِظَاهِرِ الْقَرَانِ.
قُلْتُ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ التَّحْلِيلِ، التَّنْفِيرُ مِنَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الْجِنْسُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَوَانِعِ: رِقُّ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ.
رَقِيقَةٌ يَمْلِكُهَا، وَرَقِيقَةٌ لَا يَمْلِكُهَا.
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مَمْلُوكَتُهُ، فَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ مَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا.
وَلَوْ مَلَكَ بَعْضَ زَوْجَتِهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَلَيْسَ لَهَا نِكَاحُ مَنْ تَمْلِكُ بَعْضَهُ.
وَلَوْ مَلَكَتْ زَوْجَهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَمَةُ غَيْرِهِ، فَلَا تَحِلُّ لِلْحُرِّ إِلَّا بِشُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ يَتَيَسَّرُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَمْنَعُ كَوْنُ الْكِتَابِيَّةِ تَحْتَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرِ الِاسْتِمْتَاعُ، بِأَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ، أَوْ هَرِمَةٌ، أَوْ غَائِبَةٌ، أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ مَجْذُومَةٌ، أَوْ بَرْصَاءُ، أَوْ رَتْقَاءُ، أَوْ مُضْنَاةٌ لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ «الْمُهَذَّبِ» وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ.
فَعَلَى هَذَا، لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ حَتَّى تَبِينَ مِنْهُ الْحُرَّةُ.
(الشَّرْطُ) الثَّانِي: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ لِعَدَمِ الْحُرَّةِ، أَوْ عَدَمِ صَدَاقِهَا.
فَلَوْ قَدَرَ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ رَتْقَاءَ، أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، أَوْ مَجْذُومَةٍ، أَوْ رَضِيعَةٍ، أَوْ مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ، لَمْ تَحِلَّ الْأَمَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)
[النِّسَاءِ: 25] قَيَّدَ بِالْمُؤْمِنَاتِ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، لَا لِلِاشْتِرَاطِ.
وَلَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ غَائِبَةٍ، قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنْ كَانَ يَخَافُ الْعَنَتَ فِي مُدَّةِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ، أَوْ يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهَا، فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِلَّا، فَلَا.
قَالَ الْإِمَامُ: الْمَشَقَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ، أَنْ يُنْسَبَ مُتَحَمِّلُهَا فِي طَلَبِ زَوْجِهِ إِلَى الْإِسْرَافِ.
وَلَوْ لَمْ يَجِدْ
إِلَّا حُرَّةً لَا تَرْضَى إِلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَهُوَ وَاجِدُهُ، فَنَقَلَ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ لَا يَنْكِحُ أَمَةً.
وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي جَوَازَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: إِنْ كَانَتْ زِيَادَةً يُعَدُّ بَذْلُهَا إِسْرَافًا، حَلَّتِ الْأَمَةُ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ، بِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْمَاءِ تَتَكَرَّرُ، وَبِأَنَّ هَذَا النَّاكِحَ لَا يُعَدُّ مَغْبُونًا.
قُلْتُ: قَطَعَ آخَرُونَ بِمُوَافَقَةِ الْمُتَوَلِّي، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَهْرٍ، وَوَجَدَ حُرَّةً تَرْضَى بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ، وَهُوَ يَتَوَقَّعُ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَحَلِّ، أَوْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ نَسِيئَةً مَا يَفِي بِصَدَاقِهَا، أَوْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِأُجْرَةٍ مُعَجَّلَةٍ، أَوْ رَضِيَتْ حُرَّةٌ بِأَنْ يَنْكِحَهَا بِلَا مَهْرٍ، حَلَّتِ الْأَمَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أُقْرِضَ مَهْرَهَا، لَمْ يَجِبِ الْقَبُولُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِاحْتِمَالِ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ.
وَقِيلَ بِالْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ رَضِيَتْ حُرَّةٌ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَهُوَ يَجِدُهُ، لَمْ تَحِلَّ الْأَمَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِيهِ قَلِيلَةٌ، إِذِ الْعَادَةُ الْمُسَامَحَةُ فِي الْمُهُورِ.
وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ أَوْ جَارِيَةٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَبُولُ، وَحَلَّتِ الْأَمَةُ.
وَمَنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ، هَلْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، أَمْ عَلَيْهِ بَيْعُهُمَا وَصَرْفُهُمَا إِلَى طَوْلِ حُرَّةٍ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَالْمَالُ الْغَائِبُ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ، كَمَا لَا يَمْنَعُ ابْنُ السَّبِيلِ الزَّكَاةَ.
وَمَنْ هُوَ مُعْسِرٌ، وَلَهُ ابْنٌ مُوسِرٌ، يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ إِنْ لَمْ نُوجِبْ عَلَى الِابْنِ إِعْفَافَهُ.
وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ بِمَالِ الِابْنِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: خَوْفُ الْعَنَتِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الزِّنَا، قَالَ الْإِمَامُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الزِّنَا، بَلْ أَنْ يَتَوَقَّعَهُ لَا عَلَى النُّدُورِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِغَيْرِ الْخَائِفِ أَنْ يُعْلَمَ اجْتِنَابُهُ، بَلْ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالتَّقْوَى، وَالِاجْتِنَابُ يُنَافِي الْخَوْفَ، فَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ، وَضَعْفُ تَقْوَاهُ، فَهُوَ خَائِفٌ.
وَمَنْ ضَعُفَتْ شَهْوَتُهُ، وَهُوَ يَسْتَبْدِعُ الزِّنَا لِدِينٍ أَوْ مُرُوءَةٍ أَوْ حَيَاءٍ، فَهُوَ غَيْرُ خَائِفٍ.
وَإِنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ، وَقَوِيَ تَقْوَاهُ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا.
وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ تَرْكُ الْوِقَاعِ يَجُرُّ ضَرَرًا أَوْ مَرَضًا، فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
وَأَمَّا الْمَجْبُوبُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الزِّنَا.
قَالَ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي: لَيْسَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَلَوْ نَكَحَ حُرٌّ أَمَةً، فَوَجَدَتْهُ مَجْبُوبًا، وَأَرَادَتِ الْفَسْخَ، فَقَالَ الزَّوْجُ: جُبَّ ذَكَرِي بَعْدَ النِّكَاحِ.
فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ غَيْرَ مُحْتَمَلٍ، بِأَنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مُنْدَمِلًا، وَقَدْ عُقِدَ النِّكَاحُ أَمْسِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ، فَذَاكَ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ، فَدَعْوَاهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهَا، بُطْلَانُ النِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: لِلْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ نِكَاحُ الْأَمَةِ عِنْدَ خَوْفِ الْوُقُوعِ فِي الْفِعْلِ الْمَأْثُومِ بِهِ، لِأَنَّ الْعَنَتَ الْمَشَقَّةُ.
فَرْعٌ
الْقَادِرُ عَلَى شِرَاءِ أَمَةٍ يَتَسَرَّاهَا، لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَمَةٌ، لَمْ يَنْكِحْ أَمَةً قَطْعًا، وَطَرَدَ الْحَنَّاطِيُّ الْخِلَافَ فِيهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ كَانَتِ الْأَمَةُ الَّتِي يَمْلِكُهَا غَيْرَ مُبَاحَةٍ، فَإِنْ وَفَتْ قِيمَتُهَا بِمَهْرِ حُرَّةٍ، أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ يَتَسَرَّاهَا، لَمْ يَنْكِحِ الْأَمَةَ، وَإِلَّا، فَيَنْكِحُهَا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: كَوْنُ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ مُسْلِمَةً، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا لِمُسْلِمٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَجُوزُ لِلْحُرِّ الْكِتَابِيِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُقَالُ: الْأَظْهَرُ، وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَأَمَّا نِكَاحُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ، فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ (نِكَاحِ) الْمُشْرِكِ.
وَالْعَبْدُ الْكِتَابِيُّ، يَنْكِحُ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ إِنْ نَكَحَهَا الْحُرُّ الْكِتَابِيُّ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ.
قُلْتُ: وَنِكَاحُ الْحُرِّ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ الْأَمَةَ الْمَجُوسِيَّةَ وَالْوَثَنِيَّةَ، كَالْكِتَابِيِّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَطْءُ أَمَتِهِ الْكِتَابِيَّةِ دُونَ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ، كَالنِّكَاحِ فِي حَرَائِرِهِمْ.
فَصْلٌ
مَنِ اسْتَجْمَعَ شُرُوطَ نِكَاحِ الْأَمَةِ، لَيْسَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ صَغِيرَةٍ لَا تُوطَأُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ بِهَا الْعَنَتَ.
وَمَنْ بَعْضُهَا رَقِيقٌ كَالرَّقِيقَةِ، لَا يَنْكِحُهَا حُرٌّ إِلَّا بِالشُّرُوطِ.
وَلَوْ قَدَرَ عَلَى نِكَاحِهَا، فَهَلْ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ الرَّقِيقَةِ الْمَحْضَةِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ، لِأَنَّ إِرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ أَهْوَنُ مِنْ إِرْقَاقِ كُلِّهِ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّ مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ كَالرَّقِيقِ، فَيَنْكِحُ الْأَمَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُرَّةِ، لِأَنَّهُ كَالرَّقِيقِ فِي الْوِلَايَةِ وَالنَّظَرِ.
فَصْلٌ
وَلَدُ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ رَقِيقٌ لِمَالِكِهَا، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا الْحُرُّ عَرَبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ أَنَّ الْعَرَبَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقُّ، فَيَكُونُ وَلَدُ الْعَرَبِيِّ حُرًّا، وَهَلْ عَلَى الزَّوْجِ قِيمَتُهُ كَالْمَغْرُورِ؟ أَمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ السَّيِّدَ رَضِيَ حِينَ زَوَّجَهَا عَرَبِيًّا؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
فَرْعٌ
فِي «فَتَاوَى» الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِوَاجِدٍ طَوْلَ حُرَّةٍ، فَأَوْلَدَهَا، فَالْأَوْلَادُ أَرِقَّاءُ، لِأَنَّ شُبْهَةَ النِّكَاحِ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ.
فَصْلٌ
نَكَحَ الْحُرُّ أَمَةً بِشُرُوطِهِ، ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ نَكَحَ حُرَّةً، لَا يَنْفَسِحُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَنْفَسِخُ.
فَصْلٌ
جَمَعَ حُرٌّ حُرَّةً وَأَمَةً فِي عَقْدٍ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، فَنِكَاحُ الْأَمَةِ بَاطِلٌ، وَنِكَاحُ الْحُرَّةِ صَحِيحٌ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، بِأَنْ وَجَدَ حُرَّةً تَسْمَحُ بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ، أَوْ بِلَا مَهْرٍ، أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، أَوْ حُرَّةً
كِتَابِيَّةً، وَقُلْنَا: إِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ لَا تَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ، بَطَلَ نِكَاحُ الْأَمَةِ قَطْعًا، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ.
وَفِي الْحُرَّةِ طَرِيقَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَأَبُو زَيْدٍ وَآخَرُونَ: يَبْطُلُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ يَجُوزُ إِفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ، فَأَشْبَهَ الْأُخْتَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ، فَرَّقَ بِأَنَّ الْأُخْتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا أَقْوَى (وَالْحُرَّةُ أَقْوَى) . وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ وَوَثَنِيَّةٍ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ وَمَحْرَمٍ، أَوْ خَلِيَّةٍ وَمُعْتَدَّةٍ أَوْ مُزَوَّجَةٍ، فَهُوَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لِمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ.
وَإِذَا صَحَّحْنَا نِكَاحَ مَنْ تَحِلُّ (لَهُ) ، فَقَدْ سَبَقَ فِي تَفْرِيقِ «الصَّفْقَةِ» قَوْلُ: أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى، وَأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَهُ، بَلْ تَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي قَوْلٍ، وَمَا يَخُصُّ مَهْرَ مِثْلِهَا مِنَ الْمُسَمَّى إِذَا وُزِّعَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَمَهْرِ مِثْلِ الْأُخْرَى فِي قَوْلٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمُسَمَّى، فَلِلزَّوْجِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الصَّدَاقِ وَالرُّجُوعِ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ «التَّفْرِيقِ» . وَإِنْ قُلْنَا: تَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ، فَلَا فَسْخَ، إِذْ لَا فَائِدَةَ (فِيهِ) ، فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ لَرَجَعَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَسْتَحِقُّ حِصَّةَ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنَ الْمُسَمَّى، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: إِنْ كَانَ الْمُسَمَّى مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، كَالْحُبُوبِ، فَلَا خِيَارَ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ، كَالْعَبْدِ، فَلَهُ الْخِيَارُ، لِتَضَرُّرِهِ بِالتَّشْقِيصِ.
فَإِنْ فُسِخَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَمِيعَ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَمَنْ لَا يَحِلُّ، يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُزَوِّجُ وَلِيَّهُمَا، بِأَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ وَبِنْتَهُ، أَوْ كَانَ وَكِيلًا لِوَلِيَّيْنِ، أَوْ وَلِيَّ إِحْدَاهُمَا وَوَكِيلًا فِي الْأُخْرَى.
وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ إِذَا قَالَ: زَوَّجْتُكَ هَذِهِ وَهَذِهِ بِكَذَا، فَقَالَ: قَبِلْتُ نِكَاحَهُمَا بِكَذَا.
فَأَمَّا إِذَا قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي هَذِهِ، وَزَوَّجْتُكَ أَمَتِي هَذِهِ، فَقَالَ: قَبِلْتُ نِكَاحَ بِنْتِكَ، وَقَبِلْتُ نِكَاحَ أَمَتِكَ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَبُولِ نِكَاحِ الْبِنْتِ، فَنِكَاحُ الْبِنْتِ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ فَصَّلَ الْمُزَوِّجُ، وَقَالَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ نِكَاحَهُمَا، أَوْ جَمَعَ الْمُزَوِّجُ، وَفَصَّلَ الزَّوْجُ، فَهَلْ هُوَ كَمَا لَوْ فَصَّلَا جَمِيعًا، أَوْ كَمَا جَمَعَا جَمِيعًا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ وَأَمَةٍ وَهُوَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ
نِكَاحُ الْأَمَةِ، فَنِكَاحُ الْأُخْتَيْنِ بَاطِلٌ، وَفِي الْأَمَةِ الْخِلَافُ.
وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، وَبِعْتُكَ هَذَا الزِّقَّ مِنَ الْخَمْرِ بِكَذَا، فَقَبِلَهُمَا، أَوْ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَابْنِي أَوْ فَرَسِي، أَوْ وَهَذَا الزِّقَّ، صَحَّ نِكَاحُ الْبِنْتِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْمَضْمُومَ لَا يَقْبَلُ النِّكَاحَ، فَلَغَا.
وَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ قُلْنَا فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُحَلَّلَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ: لِلْمُحَلَّلَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ: لَهَا حِصَّةُ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنَ الْمُسَمَّى، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَجِبُ لَهَا هُنَا جَمِيعُ الْمُسَمَّى، لِتَعَذُّرِ التَّوْزِيعِ.
قُلْتُ: وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَتَيْنِ فِي عَقْدٍ، بَطَلَ نِكَاحُهُمَا قَطْعًا كَالْأُخْتَيْنِ.
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي نِكَاحِ أَمَةِ غَيْرِهِ، أَرَدْنَا بِهِ غَيْرَ أَمَةِ وَلَدِهِ، وَأَمَّا أَمَةُ وَلَدِهِ، فَفِيهَا خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي «الْبَابِ الْعَاشِرِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الْجِنْسُ الرَّابِعُ مِنَ الْمَوَانِعِ: الْكَفَرَةُ.
الْكُفَّارُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ.
أَحَدُهَا: الْكِتَابِيُّونَ، فَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ مُنَاكَحَتُهُمْ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْكِتَابِيَّةُ ذِمِّيَّةً أَوْ حَرْبِيَّةً، لَكِنْ تُكْرَهُ الْحَرْبِيَّةُ، وَكَذَا الذِّمِّيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ أَخَفَّ مِنْ كَرَاهَةِ الْحَرْبِيَّةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِيِّينَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
فَأَمَّا الْمُتَمَسِّكُونَ بِكُتُبِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَوَّلِينَ، كَصُحُفِ شِيثٍ وَإِدْرِيسَ وَإِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُدَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ.
الصِّنْفُ الثَّانِي: مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ كِتَابٍ، كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالشَّمْسِ وَالنُّجُومِ وَالْمُعَطِّلَةِ وَالزَّنَادِقَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْمُعْتَقِدِينَ مَذْهَبَ الْإِبَاحَةِ وَكُلَّ مَذْهَبٍ كُفِّرَ مُعْتَقِدُهُ، فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ.
الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مَنْ لَا كِتَابَ لَهُمْ، لَكِنْ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ وَهُمُ الْمَجُوسُ.
وَهَلْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
أَشْبَهُهُمَا: نَعَمْ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ،
لِأَنَّهُ لَا كِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ، وَلَا نَتَيَقَّنُهُ مِنْ قَبْلُ، فَنَحْتَاطُ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ: يَحِلُّ إِنْ قُلْنَا: كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، وَهَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
فَرْعٌ
الْكِتَابِيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِي النَّفَقَةِ وَالْقَسْمِ وَالطَّلَاقِ وَعَامَّةِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، لَكِنْ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَلَا تُغَسِّلُهُ إِذَا اعْتَبَرْنَا نِيَّةَ الْغَاسِلِ وَلَمْ نُصَحِّحْ نِيَّتَهَا.
وَإِذَا طَهُرَتْ عَنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، أَلْزَمَهَا الزَّوْجُ الِاغْتِسَالَ.
فَإِنِ امْتَنَعَتْ، أَجْبَرْنَاهَا عَلَيْهِ وَاسْتَبَاحَهَا وَإِنْ لَمْ تَنْوِ، لِلضَّرُورَةِ، كَمَا تُجْبَرُ الْمُسْلِمَةُ الْمَجْنُونَةُ.
وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ تَخْرِيجًا عَلَى الْإِجْبَارِ عَلَى الْغُسْلِ، أَنَّ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارَ أَمَتِهِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ، لِأَنَّ الرِّقَّ أَفَادَهَا الْأَمَانَ مِنَ الْقَتْلِ فَلَا تُجْبَرُ كَالْمُسْتَأْمَنَةِ، وَلَيْسَ كَالْغُسْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْظُمُ الْأَمْرُ فِيهِ.
وَاخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي إِجْبَارِ زَوْجَتِهِ الْكِتَابِيَّةِ عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: فِي إِجْبَارِهَا قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: الْإِجْبَارُ إِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ وَكَانَتِ النَّفْسُ تَعَافُهَا، وَعَدَمُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمَةُ، فَهِيَ مُجْبَرَةٌ عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، كَذَا أَطْلَقَهُ الْبَغَوِيُّ.
قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ فِيمَا إِذَا طَالَ بِحَيْثُ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةٍ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَحْضُرْ صَلَاةٌ، فَفِي إِجْبَارِهَا الْقَوْلَانِ، وَهُمَا مَشْهُورَانِ حَتَّى فِي «التَّنْبِيهِ» . وَالْأَظْهَرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْإِجْبَارُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَتُجْبَرُ الْمُسْلِمَةُ أَوِ الْكِتَابِيَّةُ عَلَى التَّنَظُّفِ، بِالِاسْتِحْدَادِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَإِزَالَةِ شَعْرِ الْإِبْطِ وَالْأَوْسَاخِ إِذَا تَفَاحَشَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ نَفَّرَ التَّوَّاقَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ
أَصْلَ الِاسْتِمْتَاعِ، لَكِنْ يَمْنَعُ كَمَالَهُ، فَقَوْلَانِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَيَجْرِيَانِ فِي مَنْعِ الْكِتَابِيَّةِ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ لِلِاسْتِقْذَارِ، وَفِي كُلِّ مَا يَمْنَعُ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لِلزَّوْجِ الْمَنْعَ مِنْهُ.
وَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ أَكْلِ مَا يَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَتِهِ كَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: قَطْعًا، وَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ شُرْبِ مَا تَسْكَرُ بِهِ.
وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ الْقَوْلَانِ، وَيَجْرِيَانِ فِي مَنْعِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ النَّبِيذِ إِذَا كَانَتْ تَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهُ.
وَقِيلَ بِمَنْعِهِمَا قَطْعًا، لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يَنْضَبِطُ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ.
وَمَتَى تَنَجَّسَ فَمُهَا أَوْ عُضْوٌ آخَرُ، فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِهِ بِلَا خِلَافٍ لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ لُبْسِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ دِبَاغِهِ وَلُبْسِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ.
وَيَمْنَعُ الْكِتَابِيَّةَ مِنَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، كَمَا يَمْنَعُ الْمُسْلِمَةَ مِنَ الْجَمَاعَاتِ وَالْمَسَاجِدِ.
فَصْلٌ
فِي صِفَةِ الْكِتَابِيَّةِ الَّتِي يَنْكِحُهَا الْمُسْلِمُ
وَهِيَ ضَرْبَانِ، إِسْرَائِيلِيَّةٌ، وَغَيْرُهَا.
[الضَّرْبُ] الْأَوَّلُ: الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَهَا أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْمٍ يُعْلَمُ دُخُولُهُمْ فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ تَحْرِيفِهِ وَنَسْخِهِ، فَيَحِلُّ نِكَاحُهَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: قَطْعًا، وَهَؤُلَاءِ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ قَطْعًا.
وَفِي حِلِّ ذَبَائِحِهِمُ الْخِلَافُ كَالْمُنَاكَحَةِ.
[الْحَالُ] الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْلَمُ دُخُولُهُمْ بَعْدَ التَّحْرِيفِ وَقَبْلَ النَّسْخِ.
فَإِنْ تَمَسَّكُوا بِالْحَقِّ مِنْهُ، وَتَجَنَّبُوا الْمُحَرَّفَ مِنْهُ، فَكَالْحَالِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ دَخَلُوا فِي الْمُحَرَّفِ، لَمْ تَحِلَّ مُنَاكَحَتُهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ كَالْمَجُوسِ وَأَوْلَى لِلشُّبْهَةِ.
(الْحَالُ) الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُعْلَمُ دُخُولُهُمْ بَعْدَ التَّحْرِيفِ وَالنَّسْخِ، فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ
قَطْعًا.
فَالَّذِينَ تَهَوَّدُوا أَوْ تَنَصَّرُوا بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُنَاكَحُونَ.
وَفِي الْمُتَهَوِّدِينَ بَيْنَ نَبِيِّنَا وَبَيْنَ عِيسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، وَمَنْ جَوَّزَ كَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ نَسْخِ شَرِيعَةِ عِيسَى لِشَرِيعَةِ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ -، وَهَلْ نُسِخَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا، وَهَؤُلَاءِ لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْمٍ لَا يُعْلَمُ مَتَى دَخَلُوا، فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَيُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَبِذَلِكَ حَكَمَتِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي نَصَارَى الْعَرَبِ.
هَكَذَا أَطْلَقَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَفِيهِ شَيْءٌ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْكِتَابِيَّةُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ.
وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي طُرُقِهِمْ، جَوَازُ نِكَاحِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى آبَائِهَا أَدَخَلُوا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ أَمْ بَعْدَهُ؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ إِسْرَائِيلِيَّةٍ يَلْزَمُ دُخُولُ آبَائِهَا قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَإِنْ أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ هُوَ يَعْقُوبُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ زَمَانٌ طَوِيلٌ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَدَخَلَ كُلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ فِي زَمَانِ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ بَعْدَهُ قَبْلَ التَّحْرِيفِ، بَلْ فِي الْقَصَصِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ بَعْضِهِمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَدْيَانِ الْفَاسِدَةِ، وَبِتَقْدِيرِ اسْتِمْرَارِ هَذَا فِي الْيَهُودِ، فَلَا يَسْتَمِرُّ فِي النَّصَارَى، لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ فَأَصَرَّ عَلَى دِينِ مُوسَى.
ثُمَّ مِنَ الْمُصِرِّينَ مَنْ تَنَصَّرَ عَلَى تَعَاقُبِ الزَّمَانِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَبَعْدَهُ، وَلَكِنْ كَأَنَّ الْأَصْحَابَ اكْتَفَوْا بِشَرَفِ النَّسَبِ وَجَعَلُوهُ جَابِرًا لِنَقْصِ دُخُولِ الْآبَاءِ فِي الدِّينِ بَعْدَ التَّحْرِيفِ، حَتَّى فَارَقَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ غَيْرِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ إِذَا دَخَلَ آبَاؤُهُنَّ بَعْدَ التَّحْرِيفِ.
وَأَمَّا الدُّخُولُ فِيهِ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَا تُفَارِقُ فِيهِ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ غَيْرَهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي النَّظَرَ إِلَى حَالِ الْآبَاءِ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ أَيْضًا، حَتَّى يَكُونَ نِكَاحُ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ الَّتِي دَخَلَ أَوَّلُ آبَائِهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ بَعْدَ التَّحْرِيفِ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَغَيْرِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ الَّتِي دَخَلَ آبَاؤُهَا فِيهِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ، لَكِنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ يُخَالِفُهُ، فَاعْرِفْهُ وَانْظُرْ كَيْفَ يُمْكِنُكَ تَنْزِيلُ كَلَامِهِ عَلَى مَنْقُولِ الْأَصْحَابِ.
فَرْعٌ
الصَّابِئُونَ طَائِفَةٌ تُعَدُّ مِنَ النَّصَارَى، وَالسَّامِرَةُ طَائِفَةٌ تُعَدُّ مِنَ الْيَهُودِ.
فَإِنْ كَانُوا يُخَالِفُونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَلَا يَتَأَوَّلُونَ نَصَّ كِتَابِهِمْ، لَمْ يُنَاكَحُوا كَالْمَجُوسِ.
وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي الْفُرُوعِ دُونَ الْأُصُولِ وَتَأَوَّلُوا نُصُوصَ كِتَابِهِمْ، جَازَتْ مُنَاكَحَتُهُمْ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ قَوْلَيْنِ فِي مُنَاكَحَتِهِمْ.
قَالَ الْإِمَامُ: لَا مَجَالَ لِلْخِلَافِ فِيمَنْ تُكَفِّرُهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَيُخْرِجُونَهُمْ عَنْهُمْ، لَكِنْ يُمْكِنُ الْخِلَافُ فِيمَنْ جَعَلُوهُ كَالْمُبْتَدِعِ فِينَا.
وَإِذَا شَكَكْنَا فِي جَمَاعَةٍ أَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الْأُصُولِ أَمِ الْفُرُوعِ؟ لَمْ نُنَاكِحْهُمْ.
وَالصَّابِئُونَ - فِيمَا نُقِلَ - فِرْقَتَانِ، فِرْقَةٌ تُوَافِقُ النَّصَارَى فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَفِرْقَةٌ تُخَالِفُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ أَفْتَى الْإِصْطَخْرِيُّ بِقَتْلِهِمْ.
فَصْلٌ
فِي الِانْتِقَالِ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ
هُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
[الْقِسْمُ] الْأَوَّلُ: مِنْ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ.
أَحَدُهَا: الِانْتِقَالُ مِنْ دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، كَتَهَوُّدِ نَصْرَانِيٍّ وَعَكْسِهِ، فَهَلْ يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، أَمْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الدِّينُ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: الْأَوَّلُ، ثُمَّ الثَّانِي.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ.
وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً، حَلَّ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةَ مُسْلِمٍ، اسْتَمَرَّ نِكَاحُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقَرُّ، لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ وَلَا نِكَاحُهَا.
وَإِذَا انْتَقَلَتْ مَنْكُوحَةُ مُسْلِمٍ، فَكَرِدَّةِ الْمُسْلِمَةِ، فَتَتَنَجَّزُ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَتَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَعْدَهُ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْهُ وَمِنَ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْهُ، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُقْتَلُ كَالْمُرْتَدِّ، وَأَشْبَهُهُمَا: يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ كَمَنْ نَبَذَ الْعَهْدَ.
ثُمَّ هُوَ حَرْبٌ لَنَا، إِنْ ظَفِرْنَا بِهِ قَتَلْنَاهُ.
وَلَوْ تَمَجَّسَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ، فَفِي تَقْرِيرِهِ وَعَدَمِهِ وَمَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْأَقْوَالُ.
وَقِيلَ: يُمْنَعُ التَّقْرِيرُ قَطْعًا، لِكَوْنِهِ دُونَ دِينِهِ الْأَوَّلِ.
فَإِنْ لَمْ نُقِرُّهُ، وَأَبَى الرُّجُوعَ، فَفِي الْقَتْلِ وَالْإِلْحَاقِ بِالْمَأْمَنِ الْقَوْلَانِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَلَا نِكَاحُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةَ مُسْلِمٍ، تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِلَّا، فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، أَوْ عَادَتْ إِلَى دِينِهَا وَقَنِعْنَا بِهِ، دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا بَانَ حُصُولُ الْفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ الِانْتِقَالِ.
وَلَوْ تَمَجَّسَتْ كِتَابِيَّةٌ تَحْتَ كِتَابِيٍّ، فَإِنْ كَانُوا لَا يُجَوِّزُونَ نِكَاحَ الْمَجُوسِ، فَكَتَمَجُّسِهَا تَحْتَ مُسْلِمٍ، وَإِلَّا، فَنُقِرُّهُمَا إِذَا أَسْلَمَا.
وَلَوْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ مَجُوسِيٌّ، فَفِي التَّقْرِيرِ الْأَقْوَالُ، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَالتَّفْرِيعُ كَمَا سَبَقَ، وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَنِكَاحُهَا بِحَالٍ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ بَاطِلٍ إِلَى بَاطِلٍ لَا يُفِيدُ فَضِيلَةً.
الضَّرْبُ الثَّانِي: انْتِقَالٌ مِمَّا يُقَرُّ عَلَيْهِ إِلَى مَا لَا يُقَرُّ، كَتَوَثُّنِ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ
فَلَا يُقَرُّ قَطْعًا.
وَهَلْ يُقْنَعُ بِعَوْدِهِ إِلَى مَا انْتَقَلَ مِنْهُ أَوْ دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، أَمْ لَا يُقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ مَا انْتَقَلَ مِنْهُ، أَمْ لَا يُقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا الِانْتِقَالُ مِنْ كِتَابِيَّةٍ تَحْتَ مُسْلِمٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ.
وَإِنْ دَخَلَ فَعَادَتْ إِلَى مَا يُقْبَلُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، اسْتَمَرَّ نِكَاحُهَا، وَإِلَّا، تَبَيَّنَ الْفِرَاقُ مِنْ وَقْتِ الِانْتِقَالِ.
وَلَوْ تَوَثَّنَ مَجُوسِيٌّ، لَمْ يُقَرَّ، وَفِيمَا يُقْنَعُ بِهِ الْأَقْوَالُ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: عَكْسُ الثَّانِي، كَتَهَوُّدِ وَثَنِيٍّ وَتَنَصُّرِهِ وَتَمَجُّسِهِ، فَلَا يُقَرُّ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ قَطْعًا كَالْمُرْتَدِّ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُقَرُّ فَلَا يَسْتَفِيدُهُ بِبَاطِلٍ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ حُكْمَ هَذِهِ الْأَضْرُبِ، عَلِمْتَ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى بَاطِلٍ، يُبْطِلُ الْفَضِيلَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَوَّلِ، وَلَا يُفِيدُ فَضِيلَةً لَمْ تَكُنْ فِي الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ تَبْقَى الْفَضِيلَةُ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الدِّينَانِ إِنْ قُلْنَا بِالتَّقْرِيرِ.
وَعَلِمْتَ أَنَّ كَلَامَهُمُ الْمُطْلَقَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ: أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي التَّهَوُّدِ وَالتَّنَصُّرِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَا يُنَاكَحُ وَلَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ عَلَى إِطْلَاقِهِ، لِأَنَّ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ الْيَوْمَ فَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي مُنَاكَحَتِهِ وَتَقْرِيرِهِ بِالْجِزْيَةِ إِذَا كَانَ الدُّخُولُ مِنْ دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَإِذًا إِطْلَاقُهُمْ هُنَاكَ وَجَزْمُهُمْ بِالْمَنْعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الدُّخُولُ فِيهِ مِنْ دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ كَالْوَثَنِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْبَيَانُ الَّذِي سَبَقَ الْوَعْدُ بِهِ.
فَرْعٌ
إِذَا قَبِلْنَا رُجُوعَهُ إِلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا نَقُولُ لَهُ: أَسْلِمْ أَوْ عُدْ إِلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ، بَلْ نَأْمُرُهُ بِالْإِسْلَامِ، لَكِنْ نَتْرُكُهُ إِذَا عَادَ إِلَى غَيْرِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الِانْتِقَالُ مِنْ دِينٍ حَقٍّ إِلَى بَاطِلٍ، وَهُوَ رِدَّةُ الْمُسْلِمِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ الْمُرْتَدِّ لِأَحَدٍ.
وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، وَبَعْدَهُ نَقِفُ عَلَى الْعِدَّةِ.
فَإِنْ جَمَعَهُمَا الْإِسْلَامُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وَإِلَّا، بَانَ حُصُولُ الْفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ.
وَفِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ، لَا يَحِلُّ الْوَطْءُ، فَلَوْ وَطِئَ، فَلَا حَدَّ، وَتَجِبُ الْعِدَّةُ، وَهُمَا عِدَّتَانِ مِنْ شَخْصٍ، فَهُوَ كَوَطْءِ مُطَلَّقَتِهِ فِي عِدَّتِهِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا فِي الْإِسْلَامِ هُنَا كَرَجْعَتِهِ هُنَاكَ، فَيَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ إِذَا جَمَعَهُمَا الْإِسْلَامُ فِي الْحَالَاتِ الَّتِي يُحْكَمُ فِيهَا بِثُبُوتِ الرَّجْعَةِ هُنَاكَ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ، أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا، أَوْ آلَى تَوَقَّفْنَا.
فَإِنْ جَمَعَهُمَا الْإِسْلَامُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، تَبَيَّنَّا صِحَّتَهَا، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إِذَا ارْتَدَّتْ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا فِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ، وَلَا أَرْبَعًا سِوَاهَا، وَلَا أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً.
فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ، أَوْ خَالَعَهَا، جَازَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا إِنْ لَمْ تَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَدْ بَانَتْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَإِلَّا، فَبِالطَّلَاقِ (أَوِ الْخُلْعِ) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الِانْتِقَالُ مِنْ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى حَقٍّ، وَهُوَ بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ الْآتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ
مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَالْآخَرُ وَثَنِيٌّ، يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا مُنَاكَحَتُهُ وَمُنَاكَحَةُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مَجُوسِيٌّ وَالْآخَرُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ ذَبِيحَتُهُ، فَإِنْ كَانَتِ الْأُمُّ هِيَ الْكِتَابِيَّةَ، لَمْ يَحِلَّ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ هُوَ الْأَبَ عَلَى الْأَظْهَرِ، هَذَا فِي صِغَرِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُمَا.
فَأَمَّا إِذَا بَلَغَ وَتَدَيَّنَ بِدِينِ الْكِتَابِيِّ مِنْهُمَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ وَذَبِيحَتُهُ.
فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ أَثْبَتَ هَذَا قَوْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا أَثَرَ لِبُلُوغِهِ، وَحَمَلَ النَّصَّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ يَهُودِيًّا وَالْآخَرُ نَصْرَانِيًّا، فَبَلَغَ وَاخْتَارَ دِينَ أَحَدِهِمَا.
وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ يَهُودِيٍّ وَمَجُوسِيَّةٍ، فَبَلَغَ وَاخْتَارَ التَّمَجُّسَ،
فَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْهُ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمَجُوسِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا أَثْبَتْنَا لَهُ حُكْمَ الْيَهُودِ فِي الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ أَنْ نَمْنَعَهُ مِنَ التَّمَجُّسِ إِذَا مَنَعْنَا انْتِقَالَ الْكَافِرِ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ.
الْبَابُ السَّابِعُ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
فِيهِ أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ.
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِيمَا يُقَرُّ عَلَيْهِ الْكَافِرُ مِنَ الْأَنْكِحَةِ الْجَارِيَةِ فِي الْكُفْرِ إِذَا أَسْلَمَ.
فَإِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ، أَوْ أَقَلُّ، اسْتَمَرَّ نِكَاحُهُنَّ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ وَالْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ.
وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ مَجُوسِيَّةٌ أَوْ وَثَنِيَّةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا مِنَ الْكَافِرَاتِ، وَتَخَلَّفَتْ هِيَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْمَسِيسِ، تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَأَسْلَمَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وَإِلَّا، تَبَيَّنَّا حُصُولَ الْفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِ الزَّوْجِ.
وَإِنْ أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ، وَأَصَرَّ الزَّوْجُ عَلَى كُفْرِهِ، أَيَّ كُفْرٍ كَانَ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَأَصَرَّتْ عَلَى التَّوَثُنِ.
وَإِنْ أَسْلَمَا مَعًا، بَقِيَا عَلَى النِّكَاحِ.
سَوَاءٌ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَقَبْلَ الْمَسِيسِ وَبَعْدَهُ، وَالِاعْتِبَارُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ، بِآخِرِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، لَا بِأَوَّلِهَا.
وَلَوْ نَكَحَ كَافِرٌ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ صَغِيرَةً، فَإِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا قَبْلَ بُلُوغِهِمَا كَإِسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
وَلَوْ نَكَحَ لِطِفْلِهِ بَالِغَةً، وَأَسْلَمَ أَبُو الطِّفْلِ وَالْمَرْأَةُ مَعًا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَبْطُلُ النِّكَاحُ، لِأَنَّ إِسْلَامَ الْوَلَدِ يَحْصُلُ عَقِبَ إِسْلَامِ الْأَبِ، فَيُقَدَّمُ إِسْلَامُهُمَا عَلَى إِسْلَامِ الزَّوْجِ، لَكِنَّ تَرَتُّبَ إِسْلَامِ الْوَلَدِ عَلَى إِسْلَامِ الْأَبِ
لَا يَقْتَضِي تَقَدُّمًا وَتَأَخُّرًا بِالزَّمَانِ، فَلَا يَظْهَرُ تَقَدُّمُ إِسْلَامِهَا عَلَى إِسْلَامِ الزَّوْجِ: قَالَ: وَإِنْ أَسْلَمَتْ عَقِبَ إِسْلَامِ الْأَبِ، بَطَلَ النِّكَاحُ أَيْضًا، لِأَنَّ إِسْلَامَ الْوَلَدِ يَحْصُلُ حُكْمًا، وَإِسْلَامُهَا يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ، وَالْحُكْمِيُّ يَكُونُ سَابِقًا لِلْقَوْلِيِّ، فَلَا يَتَحَقَّقُ إِسْلَامُهُمَا مَعًا.
فَرْعٌ
حَيْثُ تَوَقَّفْنَا فِي النِّكَاحِ وَانْتَظَرْنَا الْحَالَ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَطَلَّقَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَطَلَاقُهُ مَوْقُوفٌ.
فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى الْإِسْلَامِ فِي الْعِدَّةِ، تَيَقَّنَّا وُقُوعَهُ.
وَيُعْتَدُّ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَإِلَّا، فَلَا طَلَاقَ.
وَقِيلَ: فِي الطَّلَاقِ قَوْلَا وَقْفِ الْعُقُودِ.
فَفِي قَوْلٍ: لَا يَقَعُ وَإِنِ اجْتَمَعَا فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَطُرِدَا فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ عَبْدَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ، فَبَانَ مَيِّتًا، كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَبَانَ مَيِّتًا.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ يَقْبَلَانِ صَرِيحَ التَّعْلِيقِ، فَقَبُولُهُمَا تَقْدِيرَ التَّعْلِيقِ أَوْلَى، وَكَذَا يَتَوَقَّفُ فِي الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ.
وَلَوْ قَذَفَهَا وَلَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى إِسْلَامٍ فِي الْعِدَّةِ، لَمْ يُلَاعِنْ، وَيُعَزَّرُ إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُتَخَلِّفَةَ، وَيُحَدُّ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَخَلِّفَ.
وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِدَفْعِ الْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ.
وَلَوْ سَبَقَ الزَّوْجُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالزَّوْجَةُ وَثَنِيَّةٌ، فَنَكَحَ فِي زَمَنِ التَّوَقُّفِ أُخْتَهَا الْمُسْلِمَةَ أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا، لَمْ يَصِحَّ.
وَكَذَا لَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيَّةً فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَنَكَحَ فِي الْعِدَّةِ أُخْتَهَا الْمُسْلِمَةَ أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا، لِأَنَّ زَوَالَ نِكَاحِهَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، فَلَا يَنْكِحُ مَنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَتَوَقَّفُ فِيمَنْ نَكَحَهَا.
فَإِنْ أَسْلَمَتِ الْمُتَخَلِّفَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، بَانَ بُطْلَانُ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ، وَإِلَّا، بَانَ صِحَّتُهُ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْ وَقْفِ الْعُقُودِ.
فَعَلَى قَوْلٍ: هُوَ كَمَا قَالَ الْمُزَنِيُّ.
وَالْمَذْهَبُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ.
وَلَوْ أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا، وَنَكَحَ فِي تَخَلُّفِهِ أُخْتَهَا الْكَافِرَةَ، ثُمَّ أَسْلَمَ مَعَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ السَّابِقَةِ، أُقِرَّتِ الثَّانِيَةُ تَحْتَهُ.
وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ أَسْلَمَتَا مَعَهُ، وَلَيْسَ كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّهُ هُنَاكَ مُسْلِمٌ عِنْدَ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ، فَلَا يَنْكِحُ الْأُخْتَ عَلَى الْأُخْتِ، وَهُنَا وَقَعَ النِّكَاحَانِ فِي الشِّرْكِ.
فَصْلٌ
مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، كَلَامٌ جَمْلِيٌّ فِي مَوَاضِعِ اسْتِمْرَارِ النِّكَاحِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَعَدَمِ اسْتِمْرَارِهِ.
وَالْمَقْصُودُ الْآنَ، بَيَانُ شَرْطِ الِاسْتِمْرَارِ.
فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ شَيْءٌ مِنْ مُفْسِدَاتِ النِّكَاحِ بِالْعَقْدِ الْجَارِي فِي الشِّرْكِ، وَلَا بِحَالَةِ عُرُوضِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ مُقَرَّرٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فَسَادَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ نُبَالِ بِاعْتِقَادِهِمْ، وَأَدَمْنَا مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَنَا.
وَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ مُفْسِدٌ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ زَائِلًا عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ بِحَيْثُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا حِينَئِذٍ ابْتِدَاءً، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، إِلَّا إِذَا اعْتَقَدُوا فَسَادَهُ وَانْقِطَاعَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُفْسِدُ بَاقِيًا وَقْتَ الْإِسْلَامِ، بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً نِكَاحُهَا، فَلَا تَقْرِيرَ، بَلْ يَنْدَفِعُ النِّكَاحُ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الضَّابِطِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: عَقَدَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، أَوْ أَجْبَرَ الْبِكْرَ غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ، أَوْ أُجْبِرَتِ الثَّيِّبُ، أَوْ رَاجَعَ فِي الْقُرْءِ الرَّابِعِ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ امْتِدَادَ الرَّجْعَةِ إِلَيْهِ، فَيُقَرُّ عَلَيْهِ، إِذْ لَا مُفْسِدَ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَنِكَاحُهَا الْآنَ جَائِزٌ.
وَلَوْ نَكَحَ أُمَّهُ أَوْ بِنْتَهُ، أَوْ زَوْجَةَ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ، أَوْ مُطَلَّقَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ التَّحْلِيلِ، انْدَفَعَ النِّكَاحُ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ.
(الْمَسْأَلَةُ) الثَّانِيَةُ: (نَكَحَ) مُعْتَدَّةَ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً عِنْدَ الْإِسْلَامِ، انْدَفَعَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّ.
وَخَصَّ صَاحِبُ «الرَّقْمِ» هَذَا التَّفْصِيلَ بِعِدَّةِ النِّكَاحِ، قَالَ: وَفِي عِدَّةِ الشُّبْهَةِ يُقَرَّانِ وَإِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَمْنَعُ دَوَامَ النِّكَاحِ مَعَ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْجُمْهُورُ لِهَذَا الْفَرْقِ، وَأَطْلَقُوا اعْتِبَارَ التَّقْرِيرِ بِالِابْتِدَاءِ.
وَلَوْ كَانَ نَكَحَهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا مُدَّةً مُقَدَّرَةً، فَإِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً عِنْدَ الْإِسْلَامِ، انْدَفَعَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا، اسْتَمَرَّ كَالْعِدَّةِ، وَسَوَاءٌ قَارَنَ بَقِيَّةَ الْعِدَّةِ أَمْ مُدَّةَ الْخِيَارِ إِسْلَامُهُمَا أَوْ إِسْلَامُ أَحَدِهِمَا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَالْعِدَّةُ أَوِ الْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْآخَرُ وَقَدِ انْقَضَتْ، فَلَا تَقْرِيرَ، كَذَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَالْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ، لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لَاقَى إِسْلَامَ أَحَدِهِمَا فَغَلَبَ الْفَسَادُ.
وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّ الْمُؤَثِّرَ اقْتِرَانُهُ بِإِسْلَامِهِمَا، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، لَمْ يَنْدَفِعِ النِّكَاحُ، لِأَنَّ وَقْتَ الْإِمْسَاكِ وَالِاخْتِيَارِ هُوَ حَالُ اجْتِمَاعِهِمَا مُسْلِمِينَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ: النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ، إِنِ اعْتَقَدُوهُ مُؤَبَّدًا، أُقِرُّوا عَلَيْهِ.
وَإِنِ اعْتَقَدُوهُ مُؤَقَّتًا، لَمْ يُقَرُّوا، سَوَاءٌ أَسْلَمَا بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ أَوْ قَبْلَهَا، لِأَنَّ بَعْدَ الْمُدَّةِ لَا نِكَاحَ فِي اعْتِقَادِهِمْ، وَقَبْلَهَا يَعْتَقِدُونَهُ مُؤَقَّتًا، وَمِثْلُهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ.
[الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: غَصَبَ حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ امْرَأَةً وَاتَّخَذَهَا زَوْجَةً وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ غَصْبَهَا نِكَاحًا، قَالَ الْقَفَّالُ: لَا يُقَرُّ، إِذْ لَا عَقْدَ.
وَالصَّحِيحُ التَّقْرِيرُ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِقَامَةُ الْفِعْلِ مَقَامَ الْقَوْلِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ وُجُوهِ الْفَسَادِ.
وَلَوْ غَصَبَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً، لَمْ يُقَرَّ، لِأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ دَفْعَ قَهْرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ.
فَرْعٌ
إِذَا أَسْلَمَا، لَمْ يُبْحَثْ عَنْ شَرْطِ نِكَاحِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلَائِقُ فَلَمْ
يَسْأَلْهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شُرُوطِ أَنْكِحَتِهِمْ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا فِي حَالِ الْإِسْلَامِ، فَالْوَجْهُ: الِاحْتِيَاطُ.
فَصْلٌ
قَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَا إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْعَقْدِ الْجَارِي فِي الشِّرْكِ وَلَا بِالْإِسْلَامِ مُفْسِدٌ، وَمَا إِذَا اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ مُفْسِدٌ، وَهَذَا الْفَصْلُ لِقِسْمٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِالْعَقْدِ، لَكِنْ يَطْرَأُ مُفْسِدٌ وَيَقْتَرِنُ بِالْإِسْلَامِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ بَنَاهَا جَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ وَالْإِمْسَاكَ كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، أَمْ كَاسْتِدَامَتِهِ؟ قَالُوا: وَفِيهِ قَوْلَانِ مُسْتَنْبَطَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْأَوَّلُ.
إِحْدَى الْمَسَائِلِ: إِذَا أَسْلَمَ، وَوُطِئَتْ زَوْجَتُهُ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَتْ، أَوْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، اسْتَمَرَّ نِكَاحُهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً نِكَاحُ الْمُعْتَدَّةِ، لِأَنَّ عِدَّةَ الشُّبْهَةِ لَا تَقْطَعُ نِكَاحَ الْمُسْلِمِ، فَذَا أَوْلَى.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: أَسْلَمَ وَأَحْرَمَ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَعَنِ النَّصِّ جَوَازُ إِمْسَاكِهَا فِي الْإِحْرَامِ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ أَسْلَمْنَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، لَهُ اخْتِيَارُ (أَرْبَعٍ) مِنْهُنَّ، وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ وَهُوَ مُوسِرٌ، لَا يَجُوزُ إِمْسَاكُهَا، وَهَؤُلَاءِ حَمَلُوا النَّصَّ عَلَى مَا إِذَا أَسْلَمَا مَعًا ثُمَّ أَحْرَمَ الزَّوْجُ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا التَّأْوِيلُ، الْأَنْمَاطِيُّ، وَابْنُ سَلَمَةَ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ إِنْكَارُ هَذَا النَّصِّ، وَقَالَ: تَفَحَّصْتُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ، فَلَمْ أَجِدْهُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ.
وَأَظْهَرُهُمَا وَمُخْتَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: الْأَخْذُ بِظَاهِرِ النَّصِّ، لِأَنَّ عُرُوضَ الْإِحْرَامِ لَا يُؤَثِّرُ كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ الْإِمْسَاكَ اسْتِدَامَةٌ، فَأَشْبَهَ الرَّجْعَةَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: نَكَحَ فِي الْكُفْرِ حُرَّةً وَأَمَةً، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْحُرَّةَ تَتَعَيَّنُ لِلنِّكَاحِ، وَيَنْدَفِعُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
وَسَوَاءٌ نَكَحَهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا، وَتَنْدَفِعُ الْأَمَةُ أَيْضًا بِالْيَسَارِ الْمُقَارِنِ لِلْإِسْلَامِ.
وَقِيلَ: فِي انْدِفَاعِهَا فِي الصُّورَتَيْنِ قَوْلَانِ، بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ.
وَالْحَاصِلُ لِلْفَتْوَى، أَنَّهُ مَتَى أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ، أَوْ جَمَعَهُمَا الْإِسْلَامُ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ لِيَسَارٍ أَوْ أَمْنِ الْعَنَتِ، انْدَفَعَ نِكَاحُهَا.
[الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَارْتَدَّتْ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمِ الزَّوْجُ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، بَانَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ أَوَّلًا، وَتَكُونُ الْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، سَقَطَ حُكْمُ تِلْكَ الْعِدَّةِ مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَنَتَوَقَّفُ.
فَإِنْ عَادَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهَا، اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وَإِلَّا، انْقَطَعَ مِنْ يَوْمِ الرِّدَّةِ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ بَعْدَ الدُّخُولِ وَارْتَدَّ، إِنْ لَمْ تُسْلِمِ الْمَرْأَةُ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِهِ، بَانَتْ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ، تَوَقَّفْنَا، فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وَإِلَّا، حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَحَكَى الْقَفَّالُ عَنِ النَّصِّ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ النِّكَاحُ فِي إِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَارْتِدَادِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ، وَالْمَشْهُورُ التَّوَقُّفُ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: الرِّدَّةُ يَفْتَرِقُ فِيهَا حُكْمُ الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِدَامَةِ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ عَلَى التَّوَقُّفِ، وَفِي الدَّوَامِ تَوَقَّفْنَا، فَالْتَحَقَتِ الرِّدَّةُ بِالْعِدَّةِ لِلشُّبْهَةِ وَالْإِحْرَامِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ بِالتَّوَقُّفِ فِي الرِّدَّةِ، وَلَمْ نُجَوِّزِ الِاخْتِيَارَ فِيهَا بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ وَالْعِدَّةِ، لِأَنَّ مُنَافَاةَ الرِّدَّةِ لِلنِّكَاحِ أَشَدُّ، فَإِنَّهَا تَقْطَعُهُ، بِخِلَافِهِمَا، وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الرَّجْعَةُ فِي الرِّدَّةِ، وَتَجُوزُ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ
النِّسْوَةُ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ فِي الرِّدَّةِ.
فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْعِدَّةِ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ حِينَئِذٍ.
فَرْعٌ
قَدْ بَانَ بِمَا ذَكَرْنَا، أَنَّ الْقَاطِعَ لِلنِّكَاحِ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، مِنْهُ مَا يَكُونُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ وَاسْتَمَرَّ كَالْعِدَّةِ، وَمِنْهُ مَا يَطْرَأُ كَمَا لَوْ نَكَحَ حُرَّةً عَلَى أَمَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ نَكَحَ أَمَةً ثُمَّ أَيْسَرَ وَأَسْلَمَ مُوسِرًا.
ثُمَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الِانْقِطَاعِ أَنْ يُقَارِنَ الْمُفْسِدُ إِسْلَامَهُمَا، أَوْ يَكْفِي اقْتِرَانُهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَالْأَصَحُّ الِاكْتِفَاءُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ وَمَعَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، انْدَفَعَتِ الْأَمَةُ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ الْمَدْخُولُ بِهَا مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْأَمَةُ.
وَلَوْ أَصَرَّتِ الْأَمَةُ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، انْدَفَعَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ.
وَلَوْ مَاتَتِ الْحُرَّةُ بَعْدَ إِسْلَامِهَا، أَوِ ارْتَدَّتْ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْأَمَةُ، انْدَفَعَتِ الْأَمَةُ أَيْضًا، وَكَفَى اقْتِرَانُ إِسْلَامِ الْحُرَّةِ بِإِسْلَامِهِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ تَلِفَ مَالُهُ وَأَسْلَمَتْ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَهُ إِمْسَاكُهَا، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ الْيَسَارُ فِي الدَّفْعِ إِذَا قَارَنَ إِسْلَامَهُمَا جَمِيعًا.
وَقِيلَ: يَكْفِي اقْتِرَانُ الْيَسَارِ بِإِسْلَامِهِ، حُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيِّ، قَالَ: وَعَكْسُهُ لَوْ أَسْلَمَ مُعْسِرًا ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَلَهُ إِمْسَاكُهَا نَظَرًا إِلَى وَقْتِ إِسْلَامِهِ.
وَعَنِ ابْنِ خَيْرَانَ: فِي الْيَسَارِ الزَّائِلِ قَوْلَانِ.
وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ: أَنَّ فِي صُورَةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لَهُ إِمْسَاكَ الْأَمَةِ، فَحَصَلَ خِلَافٌ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَالْمَذْهَبُ فِي صُورَةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ انْدِفَاعُ الْأَمَةِ وَإِنْ مَاتَتِ الْحُرَّةُ.
وَفِي صُورَةِ زَوَالِ الْيَسَارِ عَدَمُ انْدِفَاعِهَا، وَاعْتِبَارُ اقْتِرَانِهِ بِإِسْلَامِهِمَا، لِأَنَّ وَقْتَ الِاجْتِمَاعِ هُوَ وَقْتُ جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ.
فَصْلٌ
فِي الْأَنْكِحَةِ الْجَارِيَةِ فِي الشِّرْكِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، كَذَا نَقَلَهَا الْأَكْثَرُونَ، وَسَمَّاهَا الْغَزَالِيُّ أَقْوَالًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)
[اللَّهَبِ: 4] (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ)
[الْقَصَصِ: 9] وَلِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا لَمْ نُبْطِلْهُ قَطْعًا، وَلَمْ نُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا أَسْلَمُوا أَقْرَرْنَاهُمْ، وَالْفَاسِدُ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا وَلَا يُقَرَّرُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا فَاسِدَةٌ، لِعَدَمِ مُرَاعَاتِهِمُ الشُّرُوطَ، لَكِنْ لَا نُفَرِّقُ لَوْ تَرَافَعُوا، رِعَايَةً لِلْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ، وَنُقِرُّهُمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ تَخْفِيفًا.
وَالثَّالِثُ: لَا نَحْكُمُ بِصِحَّةٍ وَلَا فَسَادٍ، بَلْ نَتَوَقَّفُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَمَا قُرِّرَ عَلَيْهِ، بَانَتْ صِحَّتُهُ، وَمَا لَا، فَفَسَادُهُ.
وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بِالصِّحَّةِ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْخِلَافُ، فَهَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْعُقُودِ الَّتِي يُحْكَمُ بِفَسَادِ مِثْلِهَا فِي الْإِسْلَامِ؟ أَمْ يَجْرِي فِي كُلِّ عُقُودِهِمْ؟ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ: التَّخْصِيصُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: مَنْ يَحْكُمُ بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِمْ، يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا عَقَدُوهُ بِشُرُوطِنَا وَغَيْرِهِ.
وَالْمَصِيرُ إِلَى بُطْلَانِ نِكَاحٍ يُعْقَدُ عَلَى وَفْقِ الشَّرَائِعِ كُلِّهَا، مَذْهَبٌ لَا يَعْتَقِدُهُ ذُو حَاصِلٍ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ التَّخْصِيصُ، بَلْ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِطَرْدِهِ فِي الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ إِثْبَاتُ نَقْلِ طَرْدِهِ، وَإِنَّمَا أَلْزَمَهُ إِلْزَامًا لَهُمُ الِانْفِصَالُ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ إِخْلَالُهُمْ بِالشُّرُوطِ، فَإِنْ تُصُوِّرَ عِلْمُنَا بِاجْتِمَاعِهَا، حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ قَطْعًا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَيُبْنَى عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مَسْأَلَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: طَلَّقَ كَافِرٌ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَا.
فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ وَهُوَ صِحَّةُ
أَنْكِحَتِهِمْ، لَا تَحِلُّ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ، وَهَذَا هُوَ نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْفَسَادِ، فَالطَّلَاقُ فِي الْفَاسِدِ لَا يُحْوِجُ إِلَى مُحَلِّلٍ، فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَنَكَحَتْ هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ زَوْجًا فِي الشِّرْكِ، وَوَطِئَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، حَلَّتْ، وَكَذَا يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ لِلْمُسْلِمِ بِنِكَاحِ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ كِتَابِيَّةً طَلَّقَهَا الْمُسْلِمُ ثَلَاثًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الَّتِي يُقَرَّرُ نِكَاحُهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، لَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى إِنْ كَانَ صَحِيحًا.
فَإِنْ كَانَ خَمْرًا وَنَحْوَهَا، فَسَيَأْتِي حُكْمُ مُهُورِهِمُ الْفَاسِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمَنِ انْدَفَعَ نِكَاحُهَا بِإِسْلَامِ الزَّوْجِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا، وَصَحَّحْنَا أَنْكِحَتَهُمْ، فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى إِنْ كَانَ صَحِيحًا.
وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، فَنِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، وَجَبَ الْمُتْعَةُ.
وَمَنِ انْدَفَعَتْ بِإِسْلَامِهَا، فَلَا شَيْءَ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
ثَانِيهِمَا: وُجُوبُ نِصْفِ الْمَهْرِ، لِأَنَّهَا مُحْسِنَةٌ بِالْإِسْلَامِ، فَهِيَ فِي مَعْنَى مَنْ يَنْسُبُ الْفِرَاقَ إِلَى تَخَلُّفِهِ.
وَإِنْ أَفْسَدْنَا أَنْكِحَتَهُمْ، فَلَا مَهْرَ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ فِي الْفَاسِدِ بِلَا دُخُولٍ.
وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَصَحَّحْنَا أَنْكِحَتَهُمْ، وَجَبَ الْمُسَمَّى إِنْ كَانَ صَحِيحًا.
وَإِنْ أَفْسَدْنَاهَا، فَمَهْرُ الْمِثْلِ.
ثُمَّ عَنِ الْقَفَّالِ، أَنَّ مِنْ صِوَرِ الِانْدِفَاعِ مَنْ نَكَحَ مُحَرَّمًا لَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَجَعَلَ وُجُوبَ نِصْفِ الْمَهْرِ عَلَى الْخِلَافِ.
وَرَأَى الْإِمَامُ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْمَحْرَمِ مِنَ الْمَهْرِ.
قَالَ: وَلَا نَقُولُ: انْعَقَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا ثُمَّ انْفَسَخَ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأُخْتِ الْمُفَارَقَةِ مِنَ الْأُخْتَيْنِ وَفِي الزَّائِدَاتِ عَلَى أَرْبَعٍ.
وَالْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ غَيْرِ الْإِمَامِ مُوَافَقَةُ الْقَفَّالِ.
فَرْعٌ
نَكَحَ مُشْرِكٌ أُخْتَيْنِ، فَطَلَّقَهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا، قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنْ صَحَّحْنَا أَنْكِحَتَهُمْ، نَفَذَ الطَّلَاقُ فِيهِمَا، وَلَمْ يَنْكِحْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا إِلَّا بِمُحَلِّلٍ.
وَإِنْ
أَفْسَدْنَاهَا، فَلَا نِكَاحَ وَلَا طَلَاقَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى مُحَلِّلٍ فِيهِمَا.
وَإِنْ تَوَقَّفْنَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَلَاقٌ، لَاخْتَارَ إِحْدَاهُمَا وَبَانَ بِذَلِكَ صِحَّةُ نِكَاحِهَا وَفَسَادُ نِكَاحِ الْأُخْرَى، فَإِذَا طَلَّقَهُمَا، أُمِرَ بِالِاخْتِيَارِ لِيَنْفُذَ الطَّلَاقُ فِي الْمَنْكُوحَةِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى مُحَلِّلٍ لَهَا دُونَ الْأُخْرَى.
وَلَوْ أَسْلَمَ مَعَ أُخْتَيْنِ، ثُمَّ طَلَّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا، فَهُنَا يَتَخَيَّرُ قَطْعًا، لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَسْلَمُوا انْدَفَعَ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا يَنْفُذُ الطَّلَاقُ فِي الْمَنْكُوحَةِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُمَا، أَوْ أَسْلَمَتَا قَبْلَهُ، تَخَيَّرَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا يُمْسِكُ إِلَّا إِحْدَاهُمَا، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأُخْرَى مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِ مَنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ مِنْهُمْ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، فَطَلَّقَهُنَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَعَلَى الصَّحِيحِ يَنْفُذُ الطَّلَاقُ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ، وَعَلَى التَّوَقُّفِ، يَخْتَارُ أَرْبَعًا فَيَنْفُذَ فِيهِنَّ دُونَ الْبَاقِيَاتِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، فَطَلَّقَهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَسْلَمُوا، لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ.
وَلَوْ أَسْلَمُوا، ثُمَّ طَلَّقَهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الْحُرَّةِ، لِأَنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ، وَتَنْدَفِعُ الْأَمَةُ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى مُحَلِّلٍ.
وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَتَا ثُمَّ طَلَّقَهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ أَسْلَمَ فَطَلَّقَهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَتَا، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَمَّا جَمَعَ الْجَمِيعَ، بَانَ انْدِفَاعُ الْأَمَةِ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِ مَنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ مِنْهُمْ.
فَصْلٌ
أَصْدَقَ فَاسِدًا كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا بَعْدَ قَبْضِهِ، فَلَا شَيْءَ.
وَإِنْ أَسْلَمَا قَبْلَ قَبْضِهِ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَفِي قَوْلٍ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ قَبَضَتْهُ.
وَفِي قَوْلٍ: لَا شَيْءَ وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْفَرْقُ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسَمَّى خَمْرًا مُعَيَّنَةً أَوْ فِي الذِّمَّةِ.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا حُرًّا مُسْلِمًا اسْتَرَقُّوهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا قَبْلَ قَبْضِهِ
أَوْ بَعْدَهُ، لَمْ نُقِرُّهُ فِي يَدِهَا، بَلْ نُبْطِلُ مَا جَرَى، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
هَكَذَا ذَكَرُوهُ، وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ، أَنْ يُخْرَجَ مِنْ يَدِهَا، وَلَا تَرْجِعَ بِشَيْءٍ، كَمَا تُرَاقُ الْخَمْرَةُ الْمَقْبُوضَةُ.
وَلَوْ قَبَضَتْ بَعْضَ الْفَاسِدِ، ثُمَّ أَسْلَمَا، وَجَبَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِقِسْطِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَلَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ الْبَاقِي مِنَ الْفَاسِدِ.
وَطَرِيقُ التَّقْسِيطِ، أَنْ يَنْظُرَ، فَإِنْ سَمَّيَا جِنْسًا وَاحِدًا وَلَيْسَ فِيهِ تَعَدُّدٌ، كَزِقِّ خَمْرٍ قُبِضَتْ نِصْفُهُ ثُمَّ أَسْلَمَا، وَجَبَ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُسَمَّى كَزِقَّيْ خَمْرٍ، قَبَضَتْ أَحَدَهُمَا.
فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْقَدْرِ، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا، فَهَلْ يُعْتَبَرُ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ أَوِ الْعَدَدُ؟ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ.
وَإِنْ أَصْدَقَهَا خِنْزِيرَيْنِ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ أَمْ قِيمَتُهُمَا بِتَقْدِيرِ مَالِيَّتِهِمَا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهَا: الثَّانِي.
وَإِنْ سَمَّيَا جِنْسَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَزِقَّيْ خَمْرٍ وَكَلْبَيْنِ وَثَلَاثَةِ خَنَازِيرَ، وَقَبَضَتْ إِحْدَى الْأَجْنَاسِ، فَهَلْ يَنْظُرُ إِلَى الْأَجْنَاسِ، فَكُلُّ جِنْسٍ بِثُلُثٍ، أَمْ إِلَى الْأَعْدَادِ، فَكُلُّ فَرْدٍ سَبْعٍ، أَمْ إِلَى الْقِيمَةِ بِتَقْدِيرِ الْمَالِيَّةِ؟ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّالِثُ.
وَحَيْثُ اعْتَبَرْنَا تَقْوِيمَهَا، فَهَلْ طَرِيقُهُ أَنْ تُقَدَّرَ الْخَمْرُ خَلًّا، وَالْكَلْبُ شَاةً، وَالْخِنْزِيرُ بَقَرَةً، أَمِ الْكَلْبُ فَهْدًا، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاصْطِيَادِ، وَالْخِنْزِيرُ حَيَوَانًا يُقَارِبُهُ فِي الصُّورَةِ وَالْفَائِدَةِ، أَمْ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ لَهَا قِيمَةً كَتَقْدِيرِ الْحُرِّ عَبْدًا فِي الْحُكُومَةِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ.
وَلَوْ تَرَابَى كَافِرَانِ، فَبَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا قَبْلَهُ، فَإِنْ جَرَى تَقَابُضٌ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمَا جَرَى وَلَمْ يَلْزَمِ الرَّدُّ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ، أَبْطَلْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِ الدِّرْهَمَيْنِ، سَأَلْنَا الْمُؤَدِّيَ، أَقَصَدَ أَدَاءَهُ عَنِ الرِّبْحِ، أَمْ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْصِيلَهُ فِي أَوَاخِرِ «كِتَابِ الرَّهْنِ» . وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ إِذَا تَقَابَضَا بِتَرَاضٍ، فَإِنْ أَجْبَرَهُمْ قَاضِيهِمْ عَلَى الْقَبْضِ فِي الرِّبَا وَالصَّدَاقِ وَثَمَنِ خَمْرٍ تَبَايَعُوهَا ثُمَّ أَسْلَمُوا، لَمْ نُوجِبِ الرَّدَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَالْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
وَإِنْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا فِي كُفْرِهِمْ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَيُقَالُ: الْأَصَحُّ.
فَرْعٌ نَكَحَهَا مُفَوَّضَةً، وَيَعْتَقِدُونَ أَنْ لَا مَهْرَ لِلْمُفَوَّضَةِ بِحَالٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَلَا مَهْرَ وَإِنْ كَانَ إِسْلَامُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ وَطْئًا بِلَا مَهْرٍ.
فَصْلٌ
إِذَا تَرَافَعَ إِلَيْنَا ذِمِّيَّانِ فِي نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ، إِنْ كَانَا مُتَّفِقَيِ الْمِلَّةِ، وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَظْهَرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [الْمَائِدَةِ: 49] وَلِأَنَّهُ يَجِبُ الذَّبُّ عَنْهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ، لَكِنْ لَا نَتْرُكُهُمْ عَلَى النِّزَاعِ، بَلْ نَحْكُمُ أَوْ نَرُدُّهُمْ إِلَى حَاكِمِ مِلَّتِهِمْ، وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقَوْلَانِ فِي غَيْرِهَا لِئَلَّا تَضِيعَ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَالْأَصَحُّ طَرْدُهُمَا فِي الْجَمِيعِ.
وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيِ الْمِلَّةِ، كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ، وَجَبَ الْحُكْمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ كُلًّا لَا يَرْضَى بِمِلَّةِ صَاحِبِهِ.
وَقِيلَ بِالْقَوْلَيْنِ.
وَلَوْ تَرَافَعَ مُعَاهَدَانِ، لَمْ يَجِبِ الْحُكْمُ قَطْعًا، وَإِنِ اخْتَلَفَ مِلَّتُهُمَا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا حُكْمَنَا، وَلَمْ نَلْتَزِمْ دَفْعَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ.
وَقِيلَ: هُمَا كَالذِّمِّيِّينَ.
وَقِيلَ: إِنِ اخْتَلَفَ مِلَّتُهُمَا، وَجَبَ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ تَرَافَعَ ذِمِّيٌّ وَمُعَاهَدٌ، فَكَالذِّمِّيِّينَ.
وَقِيلَ: يَجِبُ قَطْعًا.
وَإِنْ تَرَافَعَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ أَوْ مُعَاهَدٌ، وَجَبَ قَطْعًا.
فَرْعٌ
قَالَ الْأَصْحَابُ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ: إِنْ قُلْنَا: وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْكَافِرِينَ،
فَاسْتَعْدَى خَصْمٌ عَلَى خَصْمٍ، وَجَبَ إِعْدَاؤُهُ وَإِحْضَارُ خَصْمِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، وَلَزِمَ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ الْحُضُورُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْحُكْمُ، لَمْ يَجِبِ الْإِعْدَاءُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ، وَلَا يَحْضُرُ قَهْرًا.
قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَوْ أَقَرَّ ذِمِّيٌّ بِالزِّنَا، أَوْ سَرِقَةِ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، حُدَّ قَهْرًا إِنْ أَوْجَبْنَا الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ، وَإِلَّا، فَلَا يُحَدُّ إِلَّا بِرِضَاهُ، فَاعْتَبَرَ الْأَصْحَابُ الرِّضَى عَلَى قَوْلِ عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوهُ عَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: لَا يَجِبُ الْحُكْمُ إِلَّا إِذَا رَضِيَا جَمِيعًا، فَمَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
فَرْعٌ
سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ، أَمْ لَا، إِنَّمَا نَحْكُمُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.
وَإِذَا تَحَاكَمُوا فِي أَنْكِحَتِهِمْ، فَنُقِرُّ مَا نُقِرُّهُ لَوْ أَسْلَمُوا، وَنُبْطِلُ مَا لَا نُقِرُّهُ لَوْ أَسْلَمُوا.
فَإِذَا نَكَحَ بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، أَوْ ثَيِّبًا بِلَا إِذْنِهَا أَوْ مُعْتَدَّةً مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ عِنْدَ التَّرَافُعِ وَتَرَافَعَا، حَكَمْنَا بِالتَّقْرِيرِ وَالنَّفَقَةِ.
فَلَوْ كَانَتْ بَعْدُ فِي الْعِدَّةِ، أَبْطَلْنَاهُ وَلَمْ نُوجِبْ نَفَقَةً.
وَلَوْ نَكَحَ مَجُوسِيٌّ مَحْرَمًا، وَتَرَافَعَا فِي النَّفَقَةِ، أَبْطَلْنَاهُ وَلَا نَفَقَةَ.
وَلَوْ طَلَبَتْ مَجُوسِيَّةٌ النَّفَقَةَ مِنَ الزَّوْجِ الْمَجُوسِيِّ أَوِ الْيَهُودِيِّ، فَوَجْهَانِ، وَكَذَا فِي تَقْرِيرِهِمَا عَلَى النِّكَاحِ.
أَصَحُّهُمَا: التَّقْرِيرُ وَالْحُكْمُ بِالنَّفَقَةِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَا وَالْتَزَمَا الْأَحْكَامَ.
وَوَجْهُ الْمَنْعِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا فِي الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ جَاءَ كَافِرٌ تَحْتَهُ أُخْتَانِ، وَطَلَبُوا فَرْضَ النَّفَقَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ تَرَدُّدٌ، لِأَنَّا نَحْكُمُ بِصِحَّةِ نِكَاحِهِمَا، وَإِنَّمَا تَنْدَفِعُ إِحْدَاهُمَا بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ: وَالَّذِي أَدَّى الْقَطْعَ بِهِ الْمَنْعُ، لِقِيَامِ الْمَانِعِ، وَحَيْثُ لَا نُقَرِّرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَهَلْ يُعْرِضُ الْقَاضِي الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ عَنْهُمَا، أَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ: الْإِعْرَاضُ، وَإِنَّمَا يُفَرِّقُ إِذَا رَضُوا بِحُكْمِنَا.
وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ، أَنَّهُمْ بِالتَّرَافُعِ أَظْهَرُوا مَا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ، كَمَا لَوْ أَظْهَرُوا الْخَمْرَ.
فَرْعٌ
إِذَا الْتَمَسُوا مِنْ حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ ابْتِدَاءَ نِكَاحٍ، أَجَابَ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ كَافِرٌ، وَلَا يُزَوِّجُ إِلَّا بِشُهُودٍ مُسْلِمِينَ.
فَرْعٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ لَمْ يَتَرَافَعْ إِلَيْنَا الْمَجُوسُ، لَكِنْ عَلِمْنَا فِيهِمْ مَنْ نَكَحَ مَحْرَمًا، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ.
وَحَكَى الزُّبَيْرِيُّ قَوْلًا، أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا عَرَفَ ذَلِكَ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ عَرَفَ أَنَّ الْمَجُوسِيَّ نَكَحَ مُسْلِمَةً أَوْ مُرْتَدَّةً.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِيمَا إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَدَدٌ مِنَ النِّسْوَةِ، لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُنَّ فِي الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ صُوَرٌ.
الصُّورَةُ الْأُولَى: أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ تَخَلَّفْنَ وَهُنَّ كِتَابِيَّاتٌ، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَانْدَفَعَ فِي نِكَاحِ الْبَاقِيَاتِ.
وَإِنْ كُنَّ مَجُوسِيَّاتٍ أَوْ وَثَنِيَّاتٍ وَهُنَّ مَدْخُولٌ بِهِنَّ، فَتَخَلَّفْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِ الزَّوْجِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ نَكَحَهُنَّ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا.
وَإِذَا نَكَحَهُنَّ مُرَتَّبًا، فَلَهُ إِمْسَاكُ الْأُخْرَيَاتِ وَمُفَارَقَةُ الْأُولَيَاتِ.
وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَهُنَّ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهِنَّ، وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَرْبَعٌ، تَقَرَّرَ نِكَاحُهُنَّ، وَارْتَفَعَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ.
وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ، فَاجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُ أَرْبَعٍ فَقَطْ فِي الْعِدَّةِ، تَعَيَّنَّ لِلنِّكَاحِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْ ثَمَانٍ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، أَوْ مِتْنَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَأَسْلَمَتِ الْبَاقِيَاتُ فِي عِدَّتِهِنَّ، تَعَيَّنَتِ الْأُخْرَيَاتُ.
وَلَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ، وَتَخَلَّفَتِ الْبَاقِيَاتُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِ الزَّوْجِ،
أَوْ مِتْنَ عَلَى الشِّرْكِ، تَعَيَّنَتِ الْأُولَيَاتُ.
وَلَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِ الزَّوْجِ، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنَ الْأُولَيَاتِ وَالْأُخْرَيَاتِ كَيْفَ شَاءَ.
فَإِنْ مَاتَتِ الْأُولَيَاتُ أَوْ بَعْضُهُنَّ، جَازَ لَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ، وَيَرِثُ مِنْهُمْ.
فَرْعٌ
قَبِلَ كَافِرٌ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ نِكَاحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ، انْدَفَعَ نِكَاحُ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ، لَكِنْ لَا يَخْتَارُ الصَّبِيُّ وَلَا الْوَلِيُّ، لِأَنَّهُ خِيَارُ شَهْوَةٍ، فَيُوقَفُ حَتَّى يَبْلُغَ، وَنَفَقَتُهُنَّ فِي مَالِ الصَّبِيِّ لِحَبْسِهِنَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ وَجُنَّ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَبِنْتُهَا، نَكَحَهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا وَأَسْلَمَتَا، أَوْ لَمْ تُسْلِمَا وَهُمَا كِتَابِيَّتَانِ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا، حَرُمَتَا أَبَدًا.
وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مُسَمَّاهَا إِنْ جَرَتْ تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ، وَإِلَّا، فَمَهْرُ الْمِثْلِ.
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَهَلْ تَتَعَيَّنُ الْبِنْتُ لِلنِّكَاحِ وَيَنْدَفِعُ نِكَاحُ الْأُمِّ، أَمْ يَتَخَيَّرُ إِحْدَاهُمَا؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الْأَوَّلُ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى صِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ.
إِنْ صَحَّحْنَاهَا، تَعَيَّنَتِ الْبِنْتُ، وَحَرُمَتِ الْأُمُّ أَبَدًا، وَإِلَّا، تَخَيَّرَ.
فَإِنِ اخْتَارَ الْبِنْتَ، حَرُمَتِ الْأُمُّ أَبَدًا.
وَإِنِ اخْتَارَ الْأُمَّ، انْدَفَعَتِ الْبِنْتُ، لَكِنْ لَا تَحْرُمُ مُؤَبَّدًا إِلَّا بِالدُّخُولِ بِأُمِّهَا.
وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: إِنْ خَيَّرْنَاهُ، فَلِلْمُفَارَقَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ، لِأَنَّهُ دَفَعَ نِكَاحَهَا بِإِمْسَاكِ الْأُخْرَى.
وَإِنْ قُلْنَا: تَتَعَيَّنُ الْبِنْتُ، فَلَا مَهْرَ لِلْأُمِّ، لِانْدِفَاعِ نِكَاحِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ: الْحُكْمُ بِالْعَكْسِ، إِنْ خَيَّرْنَاهُ، فَلَا مَهْرَ لِلْمُفَارَقَةِ، لِأَنَّ التَّخْيِيرَ يُبْنَى عَلَى فَسَادِ نِكَاحِهِمْ، فَالْمُفَارَقَةُ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْكِحْهَا، حَتَّى جَوَّزَ الْأَصْحَابُ
لِابْنِهِ وَأَبِيهِ نِكَاحَهَا تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نِكَاحٌ، فَلَا مَهْرَ.
وَإِنْ عَيَّنَّا الْبِنْتَ، فَلِلْأُمِّ نِصْفُ الْمَهْرِ، لِصِحَّةِ نِكَاحِهَا وَانْدِفَاعِهِ بِالْإِسْلَامِ.
وَمَالَ الْإِمَامُ إِلَى أَنَّهُ لَا مَهْرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ صَحَّ نِكَاحُ الْبِنْتِ، فَتَصِيرُ الْأُمُّ مَحْرَمًا، وَإِيجَابُ الْمَهْرِ لِلْمَحْرَمِ بَعِيدٌ، وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُ هَذَا.
وَإِنْ دَخَلَ بِالْبِنْتِ فَقَطْ، ثَبَتَ نِكَاحُهَا، وَحَرُمَتِ الْأُمُّ أَبَدًا، وَلَا مَهْرَ لَهَا عِنْدَ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَلَهَا نِصْفُهُ عِنْدَ الْقَفَّالِ إِنْ صَحَّحْنَا أَنْكِحَتَهُمْ.
وَإِنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ فَقَطْ، حَرُمَتِ الْبِنْتُ أَبَدًا.
وَهَلْ لَهُ إِمْسَاكُ الْأُمِّ؟ يُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ.
إِنْ خَيَّرْنَاهُ، أَمْسَكَهَا، وَإِلَّا، فَلَا، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ.
(الصُّورَةُ) الثَّالِثَةُ: سَبَقَ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ، وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ، فَلَهُ إِمْسَاكُهَا إِنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِلَّا، فَلَا.
فَلَوْ تَخَلَّفَتْ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ كِتَابِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْكِحُ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَجَمَعَتِ الْعِدَّةُ إِسْلَامَهُمَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً، وَعَتَقَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَلَهُ إِمْسَاكُهَا.
وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ، وَلَا عَتَقَتْ، أَوْ كَانَتْ وَثَنِيَّةً وَلَمْ تُسْلِمْ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، تَبَيَّنَّا انْدِفَاعَ النِّكَاحِ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِهِ.
وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ إِمَاءٌ، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ إِنْ كَانَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، وَإِلَّا، فَيَنْدَفِعُ نِكَاحُهُنَّ، سَوَاءٌ سَبَقَ إِسْلَامُهُ أَوْ سَبَقْنَهُ.
وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَلَاثٌ، فَأَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ خَائِفٌ مِنَ الْعَنَتِ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الثَّانِيَةُ فِي عِدَّتِهَا وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الثَّالِثَةُ وَهُوَ مُعْسِرٌ خَائِفٌ مِنَ الْعَنَتِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّ الْيَسَارَ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي انْدِفَاعِ النِّكَاحِ إِذَا اقْتَرَنَ بِإِسْلَامِهِمَا، انْدَفَعَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، لِفَقْدِ الشَّرْطِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهَا، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يُؤَثِّرُ عِنْدَ إِسْلَامِهِ فَقَطْ، لَمْ تَنْدَفِعِ الثَّانِيَةُ، بَلْ تَدْخُلُ فِي التَّخْيِيرِ.
فَرْعٌ
أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ، وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ إِحْدَاهُنَّ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ الْبَاقِيَاتِ.
فَإِنْ أَصْرَرْنَ عَلَى الشِّرْكِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُنَّ بِنَّ وَقْتَ إِسْلَامِهِ، وَأَنَّ عِدَّتَهُنَّ انْقَضَتْ.
وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ اخْتَارَ الْمُسْلِمَةَ أَوَّلًا، كَانَتْ بَيْنُونَتُهُنَّ بِاخْتِيَارِهِ إِيَّاهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اخْتَارَهَا، اخْتَارَ إِحْدَاهُنَّ، وَانْدَفَعَ الْبَاقِيَاتُ.
وَإِنْ طَلَّقَ الْمُسْلِمَةَ أَوَّلًا، كَانَ الطَّلَاقُ مُتَضَمِّنًا اخْتِيَارَهَا.
ثُمَّ إِنْ أَصَرَّ الْبَاقِيَاتُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، بَانَ أَنَّهُنَّ بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ.
وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، بَانَ أَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ.
وَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ أَوَّلًا، لَمْ يَنْفُذْ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْسَخُ الزَّائِدُ، وَلَيْسَ فِي الْحَالِ زِيَادَةٌ، ثُمَّ إِنْ أَصْرَرْنَ، انْدَفَعْنَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَزِمَ نِكَاحُ الْأُولَى.
وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، اخْتَارَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْجَمِيعِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ اخْتِيَارُ الْأُولَى، بَلْ نَتَبَيَّنُ نُفُوذَ فَسْخِهِ فِيهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
الرَّابِعَةُ: أَسْلَمَ وَفِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ وَأَرْبَعُ إِمَاءٍ مَثَلًا، وَأَسْلَمْنَ، نُظِرَ، إِنْ أَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ مَعَهُ، أَوْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا وَأَسْلَمَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، تَعَيَّنَتْ، وَانْدَفَعَ الْإِمَاءُ، سَوَاءٌ أَسْلَمْنَ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الْحُرَّةِ أَوْ بَعْدَهُمَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَيْنَهُمَا.
وَإِذَا تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُنَّ، فَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، بِنَّ مِنْ وَقْتِ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِ الزَّوْجِ وَالْحُرَّةِ، وَعِدَّتُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَبَيْنُونَتُهُنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ.
وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ إِسْلَامُ الْحُرَّةِ وَإِسْلَامُهُ فِي الْعِدَّةِ، بِأَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ، وَأَصَرَّتْ هِيَ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، أَوْ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ أَسْلَمْنَ أَوَّلًا وَتَخَلَّفَ الزَّوْجُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ مَاتَتْ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، فَيَخْتَارُ وَاحِدَةً مِنَ الْإِمَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ،
وَفِي مُدَّةِ تَخَلُّفِ الْحُرَّةِ الْمَدْخُولِ بِهَا، لَا يَخْتَارُ وَاحِدَةً مِنَ الْإِمَاءِ، سَوَاءٌ أَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فِي الْعِدَّةِ حَتَّى يَئِسَ مِنْهَا بِالْمَوْتِ أَوِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
فَإِنِ اخْتَارَ وَاحِدَةً قَبْلَ الْيَأْسِ، ثُمَّ مَاتَتِ الْحُرَّةُ، أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَهِيَ مُصِرَّةٌ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجِبُ اخْتِيَارٌ جَدِيدٌ، وَلَا يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَطْرَأْ عِتْقُ الْإِمَاءِ، فَإِنْ طَرَأَ قَبْلَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ بِأَنْ عَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ، أَوْ أَسْلَمْنَ ثُمَّ عَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ أَسْلَمَ وَعَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ، الْتَحَقْنَ بِالْحَرَائِرِ الْأَصْلِيَّاتِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْإِمَاءُ الْمُتَخَلِّفَاتُ بَعْدَ عِتْقِهِنَّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى حَرَائِرَ، فَيَخْتَارُ مِنَ الْجَمِيعِ أَرْبَعًا كَيْفَ شَاءَ.
وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا فِيمَا إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حَرَائِرُ وَإِمَاءٌ، فَعَتَقَ الْإِمَاءُ ثُمَّ أَسْلَمْنَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا اخْتِيَارُ الْحَرَائِرِ الْأَصْلِيَّاتِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَلَوْ تَخَلَّفَتِ الْحُرَّةُ، وَاجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ وَهُنَّ عَتِيقَاتٌ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَهُنَّ.
ثُمَّ إِنْ أَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ الْمُتَخَلِّفَةُ فِي الْعِدَّةِ، بَانَتْ بِاخْتِيَارِهِ الْأَرْبَعُ.
وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ، بَانَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ.
وَإِنْ أَخَّرَ الِاخْتِيَارَ انْتِظَارًا لِإِسْلَامِ الْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ الْمُتَخَلِّفَةِ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هُوَ جَائِزٌ.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: عِنْدِي أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِ اخْتِيَارِ الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ نِكَاحُ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ لَا مَحَالَةَ، فَيَخْتَارُ ثَلَاثًا.
ثُمَّ إِنْ أَسْلَمَتِ الْمُتَخَلِّفَةُ فِي الْعِدَّةِ، اخْتَارَهَا أَوِ الرَّابِعَةَ مِنَ الْعَتِيقَاتِ.
وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الرَّابِعَةِ مِنَ الْعَتِيقَاتِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ وَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ إِلَّا إِمَاءٌ، وَتَخَلَّفْنَ وَعَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا كَالْحَرَائِرِ الْأَصْلِيَّاتِ.
وَلَوْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ إِلَّا وَاحِدَةً، ثُمَّ أَسْلَمَتِ الْمُتَخَلِّفَةُ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَمَا عَتَقَتْ، تَعَيَّنَتْ لِلنِّكَاحِ كَالْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ إِمَاءٍ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ ثِنْتَانِ، وَتَخَلَّفَ ثِنْتَانِ، فَعَتَقَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَأَسْلَمَتِ الْمُتَخَلِّفَتَانِ عَلَى الرِّقِّ، انْدَفَعَتَا
، لِأَنَّ تَحْتَ زَوْجِهِمَا عَتِيقَةً، وَلَا تَنْدَفِعُ الرَّقِيقَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، لِأَنَّ عِتْقَ صَاحِبَتِهَا كَانَ بَعْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهَا وَإِسْلَامِ الزَّوْجِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّهَا، فَيَخْتَارُ وَاحِدَةً مِنَ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ إِمَاءٌ، فَأَسْلَمَ الزَّوْجُ مَعَ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ عَتَقَتْ، ثُمَّ عَتَقَ الْبَاقِيَاتُ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، لِالْتِحَاقِهِنَّ بِالْأَصْلِيَّاتِ، وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارُ الْأُولَى، لِأَنَّهَا كَانَتْ رَقِيقَةً عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ إِمَاءٍ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ اثْنَتَانِ، ثُمَّ عَتَقَتَا وَعَتَقَتِ الْمُتَخَلِّفَتَانِ، ثُمَّ أَسْلَمَتَا، تَعَيَّنَ إِمْسَاكُ الْأُخْرَيَيْنِ، وَانْدَفَعَتِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَتَخَلَّفْنَ، ثُمَّ عَتَقَتِ اثْنَتَانِ، ثُمَّ أَسْلَمَتَا وَأَسْلَمَتِ الْأُخْرَيَانِ، ثُمَّ عَتَقَتَا، تَعَيَّنَ إِمْسَاكُ الْأُولَيَيْنِ، وَانْدَفَعَتِ الْمُتَأَخِّرَتَانِ.
وَالنَّظَرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِلَى حَالَةِ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ، لِأَنَّهُ حَالَةُ إِمْكَانِ الِاخْتِيَارِ.
فَصْلٌ
عِتْقُ الْأَمَةِ تَحْتَ عَبْدٍ، يُثْبِتُ لَهَا الْخِيَارَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ عِتْقِ الْمُشْرِكَةِ مَعَ إِسْلَامِهَا، فَإِذَا نَكَحَ عَبْدٌ كَافِرٌ أَمَةً، ثُمَّ أَسْلَمَا وَعَتَقَتْ، نُظِرَ، إِنْ عَتَقَتْ بَعْدَ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْإِمَاءِ يَعْتَقْنَ تَحْتَ الْعَبِيدِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ صُوَرِ الْفَصْلِ، وَإِنْ عَتَقَتْ قَبْلَ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا، فَلَهَا حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُسْلِمَ هِيَ أَوَّلًا وَتَعْتَقَ، وَيَتَخَلَّفَ الزَّوْجُ، فَلَيْسَ لَهَا الْإِجَازَةُ، سَوَاءٌ عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ، أَوْ أَسَلَمَتْ ثُمَّ عَتَقَتْ، لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْبَيْنُونَةِ، وَلَا يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْإِجَازَةِ حَقُّهَا مِنَ الْفَسْخِ.
وَإِنِ اخْتَارَتِ الْفَسْخَ فِي الْحَالِ، جَازَ، فَإِذَا فَسَخَتْ،
فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ عِدَّتِهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ وَقْتِ الْفَسْخِ، وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ حُرَّةٍ، فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ عِدَّتِهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِهَا.
وَيَلْغُو الْفَسْخُ بِحُصُولِ الْفُرْقَةِ قَبْلَهُ، وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ حُرَّةٍ إِنْ عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ.
وَإِنْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ عَتَقَتْ، فَهِيَ أَمَةٌ عَتَقَتْ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا، فَهَلْ تَعْتَدُّ عِدَّةَ حُرَّةٍ، أَمْ عِدَّةَ أَمَةٍ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، أَقْرَبُهُمَا إِلَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَطَعَ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا كَالرَّجْعِيَّةِ تَعْتَقُ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ، وَالْمَذْهَبُ فِيهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ، وَمَوْضِعُ بَيَانِهِمَا «كِتَابُ الْعِدَدِ» . وَلَوْ أَرَادَتْ تَأْخِيرَ الْفَسْخِ إِلَى أَنْ تَبِينَ حَالُ الزَّوْجِ، جَازَ، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا، كَالرَّجْعِيَّةِ إِذَا عَتَقَتْ فِي الْعِدَّةِ وَالزَّوْجُ رَقِيقٌ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يُسْلِمِ الزَّوْجُ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْعِدَّةِ، سَقَطَ الْخِيَارُ، وَعِدَّتُهَا مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِهَا وَهِيَ عِدَّةُ حُرَّةٍ إِنْ عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ عَتَقَتْ، فَهَلْ هِيَ عِدَّةُ حُرَّةٍ، أَمْ أَمَةٍ؟ فِيهِ الطَّرِيقَانِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ، فَلَهَا الْفَسْخُ، وَتَعْتَدُّ مِنْ وَقْتِ الْفَسْخِ عِدَّةَ حُرَّةٍ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَسْلَمَ وَتَخَلَّفَتْ، فَلَهَا الْخِيَارُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِتَضَرُّرِهَا بِرِقِّهِ.
وَقِيلَ: لَا خِيَارَ لَهَا، لِأَنَّ خِيَارَ الْعِتْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ كَافِرَةٌ، فَلَا يَثْبُتُ لَهَا.
فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَلَهَا تَأْخِيرُ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةُ، ثُمَّ إِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ وَفَسَخَتِ، اعْتَدَّتْ مِنْ وَقْتِ الْفَسْخِ عِدَّةَ حُرَّةٍ.
وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ، تَبَيَّنَّا حُصُولَ الْفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ إِسْلَامِ الزَّوْجِ.
وَهَلْ تَعْتَدُّ عِدَّةَ حُرَّةٍ، أَمْ أَمَةٍ؟ فِيهِ الطَّرِيقَانِ.
وَهُنَا أَوْلَى بِإِلْحَاقِهَا بِالْأَمَةِ، لِأَنَّهَا بَائِنٌ لَيْسَ بِيَدِ الزَّوْجِ مِنْ أَمْرِهَا شَيْءٌ.
وَلَوْ أَجَازَتْ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ، لَمْ تَصِحَّ إِجَازَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْبَيْنُونَةِ.
وَلَوْ فَسَخَتْ، نَفَذَ الْفَسْخُ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، كَالْحَالَةِ الْأُولَى.
وَقِيلَ: لَا يَنْفُذُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ.
وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ الْمُزَنِيِّ، لَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.