كِتَابُ الْغَصْبِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لِلْأَصْحَابِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عِبَارَاتٌ فِي مَعْنَى الْغَصْبِ.
إِحْدَاهَا: أَنَّهُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ عَلَى جِهَةِ التَّعَدِّي، وَرُبَّمَا قِيلَ: الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ.
الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الْأُولَى: أَنَّهُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَاخْتَارَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَقَالَ: لَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْيِيدِ بِالْعُدْوَانِ، بَلْ يَثْبُتُ الْغَصْبُ وَحُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ، كَمَا لَوْ أَوْدَعَ ثَوْبًا عِنْدَ رَجُلٍ، ثُمَّ جَاءَ الْمَالِكُ فَأَخَذَ ثَوْبًا لِلْمُودَعِ وَهُوَ يَظُنُّهُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَبِسَهُ الْمُودَعُ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ ثَوْبُهُ.
الثَّالِثَةُ: وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الْأُولَيَيْنِ: أَنَّ كُلَّ مَضْمُونٍ عَلَى مُمْسِكِهِ فَهُوَ مَغْصُوبٌ، كَالْمَقْبُوضِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْوَدِيعَةِ إِذَا تَعَدَّى فِيهَا الْمُودَعُ وَالرَّهْنِ إِذَا تَعَدَّى فِيهِ الْمُرْتَهَنُ.
وَأَشْبَهُ الْعِبَارَاتِ وَأَشْهَرُهَا هِيَ الْأُولَى.
وَفِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ الثَّابِتُ حُكْمُ الْغَصْبِ، لَا حَقِيقَتُهُ.
قُلْتُ: كُلُّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ نَاقِصَةٌ، فَإِنَّ الْكَلْبَ وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ يُغْصَبُ، وَكَذَلِكَ الِاخْتِصَاصَاتُ بِالْحُقُوقِ، فَالِاخْتِيَارُ: أَنَّهُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِ.
الْأَوَّلُ: فِي الضَّمَانِ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ.
الْأَوَّلُ: فِي الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ، وَالْغَصْبُ وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، فَلَا يَنْحَصِرُ الْمُوجِبُ فِيهِ، بَلِ الْإِتْلَافُ أَيْضًا مُضَمِّنٌ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِعَارَةُ وَالِاسْتِيَامُ وَغَيْرُهُمَا، وَالْإِتْلَافُ يَكُونُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِالتَّسَبُّبِ.
وَمَا لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْهَلَاكِ، فَقَدْ يُضَافُ إِلَيْهِ الْهَلَاكُ حَقِيقَةً، وَقَدْ لَا.
وَمَا لَا فَقَدْ يُقْصَدُ بِتَحْصِيلِهِ حُصُولُ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ الْهَلَاكُ حَقِيقَةً، وَقَدْ لَا لِأَنَّ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ الْهَلَاكُ يُسَمَّى عِلَّةً وَالْإِتْيَانُ بِهِ مُبَاشَرَةً، وَمَا لَا يُضَافُ إِلَيْهِ الْهَلَاكُ وَيُقْصَدُ بِتَحْصِيلِهِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، يُسَمَّى سَبَبًا، وَالْإِتْيَانُ بِهِ تَسَبُّبًا.
وَهَذَا الْقَصْدُ وَالتَّوَقُّعُ قَدْ يَكُونُ لِتَأْثِيرِهِ بِمُجَرَّدِهِ فِيهِ، وَهُوَ عِلَّةُ الْعِلَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِانْضِمَامِ أُمُورٍ إِلَيْهِ وَهِيَ غَيْرُ بَعِيدَةِ الْحُصُولِ.
فَمِنَ الْمُبَاشَرَةِ: الْقَتْلُ، وَالْأَكْلُ، وَالْإِحْرَاقُ.
وَمِنَ التَّسَبُّبِ: الْإِكْرَاهُ عَلَى إِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ.
وَمِنْهُ مَا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ، فَتَرَدَّتْ فِيهَا بَهِيمَةٌ، أَوْ عَبْدٌ، أَوْ حُرٌّ، فَإِنْ رَدَّاهُ غَيْرُهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُبَاشِرِ الْمُرَدِّي، لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى السَّبَبِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا وَبَيَانُ مَحَلِّ الْعُدْوَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ
لَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ فَضَاعَ مَا فِيهِ نُظِرَ إِنْ كَانَ
[مَطْرُوحًا] عَلَى الْأَرْضِ فَانْدَفَقَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، ضَمِنَ.
وَإِنْ كَانَ مُنْتَصِبًا لَا يَضِيعُ مَا فِيهِ لَوْ بَقِيَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ سَقَطَ، نُظِرَ إِنْ سَقَطَ بِفِعْلِهِ بِأَنْ كَانَ يُحَرِّكُ الْوِكَاءَ وَيَجْذِبُهُ حَتَّى أَفْضَى إِلَى السُّقُوطِ ضَمِنَ، وَكَذَا لَوْ سَقَطَ بِمَا يَقْصِدُ تَحْصِيلَهُ بِفِعْلِهِ بِأَنْ فَتَحَ رَأْسَهُ، فَأَخَذَ مَا فِيهِ فِي التَّقَاطُرِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى ابْتَلَّ أَسْفَلُهُ وَسَقَطَ، ضَمِنَ.
وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِضٍ كَزَلْزَلَةٍ، أَوْ هُبُوبِ رِيحٍ، أَوْ وُقُوعِ طَائِرٍ، فَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَهُ فَأَخَذَ مَا فِيهِ فِي الْخُرُوجِ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَنَكَّسَهُ مُسْتَعْجِلًا، فَضَمَانُ الْخَارِجِ بَعْدَ النَّكْسِ، هَلْ هُوَ
عَلَيْهِمَا كَالْجَارِحَيْنِ، أَمْ عَلَى الثَّانِي فَقَطْ كَالْحَازِّ مَعَ الْجَارِحِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
هَذَا إِذَا كَانَ مَا فِي الزِّقِّ مَائِعًا.
فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَذَابَتْهُ وَضَاعَ، أَوْ ذَابَ بِمُرُورِ الزَّمَانِ وَتَأْثِيرِ حَرَارَةِ الرِّيحِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ، فِيمَا لَوْ أَزَالَ أَوْرَاقَ الْعِنَبِ وَجَرَّدَ عَنَاقِيدَهُ لِلشَّمْسِ فَأَفْسَدَتْهَا، وَفِيمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةَ رَجُلٍ فَهَلَكَتْ سَخْلَتُهَا أَوْ حَمَامَةً فَهَلَكَ فَرْخُهَا، لِفَقْدِ مَا يَصْلُحُ لَهُمَا.
وَلَوْ جَاءَ آخَرُ وَقَرَّبَ نَارًا مِنَ الْجَامِدِ فَذَابَ وَضَاعَ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَصَحُّهُمَا: يَضْمَنُ الثَّانِي.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ قَرَّبَ الْفَاتِحُ أَيْضًا النَّارَ، وَفِيمَا لَوْ كَانَ رَأْسُ الزِّقِّ مَفْتُوحًا فَجَاءَ رَجُلٌ وَقَرَّبَ مِنْهُ النَّارَ.
فَرْعٌ
لَوْ حَلَّ رِبَاطَ سَفِينَةٍ فَغَرِقَتْ بِالْحَلِّ، ضَمِنَ، وَلَوْ غَرِقَتْ بِحَادِثٍ كَهُبُوبِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَادِثٌ، فَوَجْهَانِ.
وَلْيَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الزِّقِّ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ حَادِثٌ لِسُقُوطِهِ.
فَرْعٌ
فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ حَتَّى طَارَ ضَمِنَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْفَتْحِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: إِنْ طَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا.
وَفِي مَا جُمِعَ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ - تَفْرِيعًا عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ إِذَا طَارَ فِي الْحَالِ -: أَنَّهُ لَوْ وَثَبَتْ هِرَّةٌ بِمُجَرَّدِ فَتْحِ الْقَفَصِ وَدَخَلَتْهُ وَقَتَلَتِ الطَّائِرَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى إِغْرَاءِ الْهِرَّةِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَفَصُ مُغْلَقًا فَاضْطَرَبَ بِخُرُوجِ الطَّائِرِ وَسَقَطَ فَانْكَسَرَ، لَزِمَ الْفَاتِحَ ضَمَانُهُ.
وَأَنَّهُ لَوْ كَسَرَ الطَّائِرُ فِي خُرُوجِهِ
قَارُورَةَ رَجُلٍ، لَزِمَهُ ضَمَانُهَا، لِأَنَّ فِعْلَ الطَّائِرِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَعِيرٌ فِي جِرَابٍ مَشْدُودِ الرَّأْسِ، بِجَنْبِهِ حِمَارٌ، فَفَتَحَ رَأْسَهُ فَأَكَلَهُ الْحِمَارُ فِي الْحَالِ، لَزِمَ الْفَاتِحَ ضَمَانُهُ، وَلَوْ حَلَّ رِبَاطَ بَهِيمَةٍ أَوْ فَتَحَ بَابَ الْإِصْطَبْلِ فَخَرَجَتْ وَضَاعَتْ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْقَفَصِ.
وَلَوْ خَرَجَتْ فِي الْحَالِ وَأَتْلَفَتْ زَرْعَ رَجُلٍ، قَالَ الْقَفَّالُ: إِنْ كَانَ نَهَارًا لَمْ يَضْمَنِ الْفَاتِحُ، وَإِنْ كَانَ لَيْلًا ضَمِنَ، كَدَابَّةِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: لَا يَضْمَنُ، إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ حِفْظُ بَهِيمَةِ الْغَيْرِ عَنِ الزُّرُوعِ.
قُلْتُ: قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ بِمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ حَلَّ قَيْدَ الْعَبْدِ الْمَجْنُونِ، أَوْ فَتَحَ بَابَ السِّجْنِ، فَذَهَبَ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَّ رِبَاطَ الْبَهِيمَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ عَاقِلًا، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ آبِقًا فَلَا ضَمَانَ، لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا صَحِيحًا، فَذَهَابُهُ مُحَالٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ آبِقًا فَلَا ضَمَانَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: هُوَ كَحَلِّ رِبَاطِ الْبَهِيمَةِ، فَفِيهِ التَّفْصِيلُ.
فَرْعٌ
لَوْ وَقَعَ طَائِرٌ عَلَى جِدَارِهِ فَنَفَرَهُ لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا قَبْلَهُ، التَّفْصِيلُ وَلَوْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَتَلَهُ ضَمِنَهُ، سَوَاءٌ هَوَاءُ دَارِهِ وَغَيْرُهُ، إِذْ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ الطَّائِرِ مِنْ هَوَاءِ مِلْكِهِ.
فَرْعٌ
لَوْ فَتَحَ بَابَ الْحِرْزِ فَسَرَقَ غَيْرُهُ، أَوْ دَلَّ سَارِقًا فَسَرَقَ، أَوْ أَمَرَ غَاصِبًا فَغَصَبَ، أَوْ بَنَى دَارًا فَأَلْقَتِ الرِّيحُ فِيهَا ثَوْبًا وَضَاعَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ: وَلَوْ حَبَسَ الْمَالِكَ عَنْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى تَلِفَتْ فَلَا ضَمَانَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْمَالِ، كَذَا قَالُوهُ،
وَلَعَلَّ صُورَتَهُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ مَنْعَهُ عَنِ الْمَاشِيَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ حَبْسَهُ فَأَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى هَلَاكِهَا، لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ قَالَ: لَوْ كَانَ لَهُ زَرْعٌ وَنَخِيلٌ، وَأَرَادَ سَوْقَ الْمَاءِ إِلَيْهَا فَمَنَعَهُ ظَالِمٌ مِنَ السَّقْيِ حَتَّى فَسَدَتْ، فَفِي الضَّمَانِ الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ فَتَحَ الزِّقَّ عَنْ جَامِدٍ فَذَابَ بِالشَّمْسِ وَضَاعَ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي صُورَتَيِ الْحَبْسِ عَنِ الْمَاشِيَةِ وَالسَّقْيِ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ، بِخِلَافِ فَتْحِ الزِّقِّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْمَالِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ غَصَبَ هَادِي الْقَطِيعِ فَتَبِعَهُ الْقَطِيعُ، أَوْ غَصَبَ الْبَقَرَةَ فَتَبِعَهَا الْعِجْلُ، لَمْ يَضْمَنِ الْقَطِيعَ وَالْعِجْلَ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
لَوْ نَقَلَ صَبِيًّا حُرًّا إِلَى مَضْبَعَةٍ، فَاتَّفَقَ سَبُعٌ فَافْتَرَسَهُ، فَلَا ضَمَانَ لِإِحَالَةِ الْهَلَاكِ عَلَى اخْتِيَارِ الْحَيَوَانِ وَمُبَاشَرَتِهِ.
وَلَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَسْبَعَةٍ فَافْتَرَسَهُ سَبُعٌ، فَلَا ضَمَانَ أَيْضًا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ.
فَصْلٌ
إِثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُبَاشَرَةٍ بِأَنْ يَغْصِبَ الشَّيْءَ فَيَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ، وَإِلَى التَّسَبُّبِ، وَهُوَ فِي الْأَوْلَادِ وَسَائِرِ الزَّوَائِدِ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْيَدِ عَلَى الْأُصُولِ سَبَبٌ لِإِثْبَاتِهَا عَلَى الْفُرُوعِ، فَيَكُونُ وَلَدُ الْمَغْصُوبِ وَزَوَائِدُهُ مَغْصُوبَةً.
ثُمَّ إِثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ يَكُونُ فِي الْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ.
أَمَّا الْمَنْقُولُ: فَالْأَصْلُ فِيهِ النَّقْلُ، لَكِنْ لَوْ رَكِبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ، أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ، فِي كَوْنِهِ غَاصِبًا ضَامِنًا، وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، سَوَاءٌ قَصَدَ الِاسْتِيلَاءَ أَمْ لَا.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا، أَمَّا إِذَا كَانَ حَاضِرًا، فَإِنْ أَزْعَجَهُ وَجَلَسَ عَلَى الْفِرَاشِ، أَوْ لَمْ يُزْعِجْهُ وَكَانَ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ مِنْ رَفْعِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَضْمَنُهُ قَطْعًا، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَظِيرِهِ مِنَ الْعَقَارِ: أَنْ لَا يَكُونَ غَاصِبًا إِلَّا لِنِصْفِهِ.
وَأَمَّا الْعَقَارُ، فَإِنْ كَانَ مَالِكُهُ فِيهِ، فَأَزْعَجَهُ ظَالِمٌ وَدَخَلَ الدَّارَ بِأَهْلِهِ عَلَى هَيْئَةِ مَنْ يَقْصِدُ السُّكْنَى، فَهُوَ غَاصِبٌ، سَوَاءٌ قَصَدَ الِاسْتِيلَاءَ أَمْ لَا، لِأَنَّ وُجُودَ الِاسْتِيلَاءِ يُغْنِي عَنْ قَصْدِهِ، وَلَوْ سَكَنَ بَيْتًا مِنَ الدَّارِ وَمَنَعَ الْمَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ فَهُوَ غَاصِبٌ لِذَلِكَ الْبَيْتِ دُونَ بَاقِي الدَّارِ.
وَإِنْ أَزْعَجَ الْمَالِكَ وَلَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ غَاصِبٌ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي الْغَصْبِ إِلَّا الِاسْتِيلَاءَ وَمَنْعَ الْمَالِكِ عَنْهُ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا يَكُونُ غَصْبًا، وَاعْتَبَرَ دُخُولَ الدَّارِ فِي غَصْبِهَا، أَمَّا إِذَا لَمْ يُزْعِجِ الْمَالِكَ، وَلَكِنْ دَخَلَ وَاسْتَوْلَى مَعَهُ فَهُوَ غَاصِبٌ لِنِصْفِ الدَّارِ، لِاجْتِمَاعِ يَدِهِمَا وَاسْتِيلَائِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ ضَعِيفًا، وَالْمَالِكُ قَوِيٌّ، لَا يُعَدُّ مِثْلُهُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا لِشَيْءٍ مِنَ الدَّارِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقَصْدِ مَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْقِيقِهِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَالِكٌ، فَدَخَلَ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ، فَهُوَ غَاصِبٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا وَصَاحِبُ الدَّارِ قَوِيًّا، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ حَاصِلٌ فِي الْحَالِ، وَأَثَرُ قُوَّةِ الْمَالِكِ إِنَّمَا هُوَ سُهُولَةُ إِزَالَتِهِ وَالِانْتِزَاعِ مِنْ يَدِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ سَلَبَ قَلَنْسُوَةَ مَلِكٍ، فَإِنَّهُ غَاصِبٌ وَإِنْ سَهُلَ عَلَى الْمَالِكِ انْتِزَاعُهَا.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَكُونُ غَصْبًا، لِأَنَّ مِثْلَهُ فِي الْعُرْفِ يُعَدُّ هَزْءًا، وَلَا يُعَدُّ اسْتِيلَاءً، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَإِنْ دَخَلَ لَا عَلَى قَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ، بَلْ لِيَنْظُرَ، هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَكِنْ لَوِ انْهَدَمَتْ فِي تِلْكَ الْحَالِ، هَلْ يَضْمَنُهَا؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ أَخَذَ مَنْقُولًا مِنْ
بَيْنَ يَدَيْ مَالِكِهِ لِيَنْظُرَ هَلْ يَصْلُحُ لَهُ لِيَشْتَرِيَهُ، فَتَلِفَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ الْيَدَ عَلَى الْمَنْقُولِ حَقِيقَةٌ.
وَلَوِ اقْتَطَعَ قِطْعَةَ أَرْضٍ مُلَاصِقَةٍ لِأَرْضِهِ، وَبَنَى عَلَيْهَا حَائِطًا وَأَضَافَهَا إِلَى مِلْكِهِ، ضَمِنَهَا، لِوُجُودِ الِاسْتِيلَاءِ.
فَصْلٌ
فِيمَا إِذَا انْبَنَتْ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ يَدٌ أُخْرَى
قَدْ سَبَقَ مُعْظَمُ مَسَائِلِهِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ كُلَّ يَدٍ تَرَتَّبَتْ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ، فَهِيَ يَدُ ضَمَانٍ، فَيَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ عِنْدَ التَّلَفِ بَيْنَ مُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ وَمَنْ تَرَتَّبَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِهِ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَغْصُوبَ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَالْجَهْلُ لَيْسَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ.
ثُمَّ الثَّانِي، إِنْ عَلِمَ الْغَصْبَ، فَهُوَ غَاصِبٌ مِنَ الْغَاصِبِ، فَيُطَالَبُ بِكُلِّ مَا يُطَالَبُ بِهِ الْغَاصِبُ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِهِ، فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.
فَإِذَا غَرِمَ، لَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِذَا غَرِمَ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَيْهِ، هَذَا إِذَا لَمْ تَخْتَلِفْ قِيمَتُهُ فِي يَدِهِمَا، أَوْ كَانَتْ فِي يَدِ الثَّانِي أَكْثَرَ، فَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ الْأَوَّلِ أَكْثَرَ، لَمْ يُطَالَبْ بِالزِّيَادَةِ إِلَّا الْأَوَّلُ، وَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ.
أَمَّا إِذَا جَهِلَ الثَّانِي الْغَصْبَ، فَإِنْ كَانَتِ الْيَدُ فِي وَضْعِهَا يَدَ ضَمَانٍ كَالْعَارِيَةِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي.
وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَالْوَدِيعَةِ اسْتَقَرَّ عَلَى الْغَاصِبِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي وَجْهٍ: يَسْتَقِرُّ عَلَى الْمُودَعِ وَفِي وَجْهٍ: لَا يُطَالَبُ الْمُودَعُ أَصْلًا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الرَّهْنِ بِزِيَادَةٍ عَلَى هَذَا، وَالْقَرْضُ مَعْدُودٌ مِنْ أَيْدِي الضَّمَانِ.
وَلَوْ وَهَبَ الْمَغْصُوبُ، فَهَلِ الْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ يَدَ ضَمَانٍ، أَمْ عَلَى الْمُتَّهَبِ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِلتَّمَلُّكِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي.
وَلَوْ زَوَّجَ الْمَغْصُوبَةَ فَتَلِفَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ الزَّوْجُ بِقِيمَتِهَا قَطْعًا.
وَقِيلَ: كَالْمُودَعِ.
فَرْعٌ
إِذَا أَتْلَفَ الْقَابِضُ مِنَ الْغَاصِبِ، نُظِرَ، إِنِ اسْتَقَلَّ بِالْإِتْلَافِ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ حَمَلَهُ الْغَاصِبُ عَلَيْهِ بِأَنْ غَصَبَ طَعَامًا فَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ ضِيَافَةً فَأَكَلَهُ فَالْقَرَارُ عَلَى الْأَكْلِ إِنْ كَانَ عَالِمًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ جَاهِلًا عَلَى الْأَظْهَرِ الْمَشْهُورِ فِي الْجَدِيدِ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ ضَمِنَهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِالْعَكْسِ، هَذَا إِذَا قَدَّمَهُ إِلَيْهِ وَسَكَتَ.
فَإِنْ قَالَ: هُوَ مِلْكِي، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَكْلَ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَاصِبِ الْقَوْلَانِ.
وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ مَظْلُومٌ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَغَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ.
وَلَوْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ فَأَتْلَفَهُ الْمُتَّهَبُ، فَالْقَوْلَانِ، وَأَوْلَى بِالِاسْتِقْرَارِ عَلَى الْمُتَّهَبِ.
فَرْعٌ
لَوْ قَدَّمَ الطَّعَامَ الْمَغْصُوبَ إِلَى عَبْدِ إِنْسَانٍ فَأَكَلَهُ، فَإِنْ جَعَلْنَا الْقَرَارَ عَلَى الْحُرِّ الْآكِلِ، فَهَذِهِ جِنَايَةٌ مِنَ الْعَبْدِ يُبَاعُ فِيهَا، وَإِلَّا فَلَا يُبَاعُ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الْغَاصِبُ كَمَا لَوْ قَدَّمَ شَعِيرًا مَغْصُوبًا إِلَى بَهِيمَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهَا.
فَرْعٌ
غَصَبَ شَاةً وَأَمَرَ قَصَّابًا بِذَبْحِهَا جَاهِلًا بِالْحَالِ، فَقَرَارُ ضَمَانِ النَّقْصِ عَلَى الْغَاصِبِ،
وَلَا يَخْرُجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي آكِلِ الطَّعَامِ، لِأَنَّهُ ذَبْحُ الْغَاصِبِ، وَهُنَاكَ انْتَفَعَ بِأَكْلِهِ.
فَرْعٌ
لَوْ أَمَرَ الْغَاصِبُ رَجُلًا بِإِتْلَافِ الْمَغْصُوبِ بِالْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَنَحْوِهِمَا، فَفَعَلَهُ جَاهِلًا بِالْغَصْبِ، فَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالِاسْتِقْرَارِ عَلَى الْمُتْلِفِ، لِأَنَّهُ حَرَامٌ، بِخِلَافِ الْآكِلِ، وَلَا أَثَرَ لِلتَّغْرِيرِ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
فَرْعٌ
قَدَّمَ الْمَغْصُوبَ إِلَى مَالِكِهِ، فَأَكَلَهُ جَاهِلًا بِالْحَالِ، فَإِنْ قُلْنَا فِي التَّقْدِيمِ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ: الْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ.
وَإِلَّا فَيَبْرَأُ، وَرُبَّمَا نَصَرَ الْعِرَاقِيُّونَ الْأَوَّلَ.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْبَرَاءَةَ هُنَا أَوْلَى مِنَ الِاسْتِقْرَارِ عَلَى الْآكِلِ.
وَلَوْ أَوْدَعَهُ لِلْمَالِكِ، أَوْ رَهَنَهُ عِنْدَهُ، أَوْ أَجَّرَهُ إِيَّاهُ جَاهِلًا بِالْحَالِ، فَتَلِفَ عِنْدَهُ، لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ بِالْقَوْلَيْنِ.
وَلَوْ بَاعَهُ لِلْمَالِكِ، أَوْ أَقْرَضَهُ، أَوْ أَعَارَهُ فَتَلِفَتْ عِنْدَهُ، بَرِئَ الْغَاصِبُ.
وَلَوْ دَخَلَ الْمَالِكُ دَارَ الْغَاصِبِ، فَأَكَلَ طَعَامًا يَظُنُّهُ لِلْغَاصِبِ فَكَانَ هُوَ الْمَغْصُوبَ، بَرِئَ الْغَاصِبُ، وَلَوْ صَالَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ عَلَى مَالِكِهِ فَقَتَلَهُ الْمَالِكُ لِلدَّفْعِ، لَمْ يَبْرَأِ الْغَاصِبُ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَمْ لَا، لِأَنَّ الْإِتْلَافَ بِهَذِهِ الْجِهَةِ كَإِتْلَافِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَفِي وَجْهٍ: يَبْرَأُ عِنْدَ الْعِلْمِ، لِإِتْلَافِهِ مَالَ نَفْسِهِ لِمَصْلَحَتِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
فَرْعٌ
زَوَّجَ الْمَغْصُوبَةَ بِمَالِكِهَا جَاهِلًا، فَتَلِفَتْ عِنْدَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَوْدَعَهَا عِنْدَهُ فَتَلِفَتْ،
فَلَوِ اسْتَوْلَدَهَا، نَفَذَ الِاسْتِيلَادُ وَبَرِئَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ قَالَ الْغَاصِبُ لِلْمَالِكِ: أَعْتِقْ هَذَا، فَأَعْتَقَهُ جَاهِلًا، نَفَذَ الْعِتْقُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْجَهْلِ، فَعَلَى هَذَا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِعَوْدِ مَصْلَحَةِ الْعِتْقِ إِلَيْهِ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَبْرَأُ، فَيُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْتِقْهُ عَنِّي، فَفَعَلَ جَاهِلًا، فَفِي نُفُوذِ الْعِتْقِ وَجْهَانِ، إِنْ نَفَذَ فَفِي وُقُوعِهِ عَنِ الْغَاصِبِ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ.
وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ لِلْغَاصِبِ: أَعْتِقْهُ عَنِّي، أَوْ مُطْلَقًا فَأَعْتَقَهُ، عَتَقَ وَبَرِئَ الْغَاصِبُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الْمَضْمُونِ، قَالَ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: الْمَضْمُونُ هُوَ الْمَعْصُومُ، وَهُوَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَهُوَ الْأَحْرَارُ، فَيُضْمَنُونَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالطَّرَفِ، بِالْمُبَاشَرَةِ تَارَةً، وَبِالتَّسَبُّبِ أُخْرَى، وَتَفْصِيلُهُ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ.
الثَّانِي: مَا هُوَ مَالٌ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَعْيَانٌ، وَمَنَافِعُ.
وَالْأَعْيَانُ ضَرْبَانِ: حَيَوَانٌ وَغَيْرُهُ.
وَالْحَيَوَانُ صِنْفَانِ: آدَمِيٌّ وَغَيْرُهُ.
أَمَّا الْآدَمِيُّ: فَيُضْمَنُ النَّفْسُ وَالطَّرَفُ مِنَ الرَّقِيقِ بِالْجِنَايَةِ كَمَا يُضْمَنُ الْحُرُّ، وَيُضْمَنُ أَيْضًا بِالْيَدِ الْعَادِيَةِ.
وَبَدَلُ نَفْسِهِ: قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، سَوَاءٌ قُتِلَ أَوْ تَلِفَ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ.
وَأَمَّا الْأَطْرَافُ وَالْجِرَاحَاتُ، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَا يَتَقَدَّرُ وَاجِبُهُ فِي الْحُرِّ فَوَاجِبُهُ فِي الرَّقِيقِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، سَوَاءٌ حَصَلَ بِالْجِنَايَةِ أَوْ فَاتَ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، وَمَا كَانَ مُقَدَّرًا فِي الْحُرِّ، يُنْظَرُ، إِنْ حَصَلَ بِجِنَايَةٍ، فَقَوْلَانِ: الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَتَقَدَّرُ مِنَ الرَّقِيقِ أَيْضًا، وَالْقِيمَةُ فِي حَقِّهِ كَالدِّيَةِ فِي حَقِّ الْحُرِّ، فَيَجِبُ فِي يَدِ الْعَبْدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، كَمَا يَجِبُ فِي يَدِ الْحُرِّ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
وَالْقَدِيمُ: الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَأَمَّا مَا يَتْلَفُ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَسَقَطَتْ يَدُهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَالْوَاجِبُ فِيهِ مَا يَنْقُصُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِي وَجْهٍ: إِنْ كَانَ النَّقْصُ أَقَلَّ مِنَ الْمُقَدَّرِ وَجَبَ مَا يَجِبُ عَلَى الْجَانِي، فَعَلَى
الْجَدِيدِ: لَوْ قَطَعَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ، لَزِمَهُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَالْأَرْشِ.
وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ، فَعَلَيْهِ كَمَالُ الْقِيمَةِ.
وَكَذَا لَوْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ.
وَلَوْ كَانَ النَّاقِصُ بِقَطْعِ الْغَاصِبِ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَجَبَ ثُلُثَا قِيمَتِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
أَمَّا عَلَى الْقَدِيمِ فَلِأَنَّهُ قُدِّرَ النَّقْصُ.
وَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ، فَالنِّصْفُ بِالْجِنَايَةِ، وَالسُّدُسُ بِالْيَدِ الْعَادِيَةِ.
وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِسُقُوطِ الْيَدِ بِآفَةٍ ثُلُثَ الْقِيمَةِ فَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْقَدِيمِ، وَكَذَا عَلَى الْجَدِيدِ تَفْرِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ: الْوَاجِبُ نِصْفُ قِيمَتِهِ.
وَالْمَكَاتَبُ، وَالْمُسْتَوْلَدَةِ، وَالْمُدَبَّرِ، حُكْمُهُمْ فِي الضَّمَانِ حُكْمُ الْقِنِّ.
الصِّنْفُ الثَّانِي: غَيْرُ الْآدَمِيِّ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَيَجِبُ فِيهِ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ قِيمَتُهُ، وَفِي مَا تَلِفَ مِنْ أَجْزَائِهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْخَيْلُ، وَالْإِبِلُ، وَالْحَمِيرُ، وَغَيْرُهَا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: غَيْرُ الْحَيَوَانِ، وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى مِثْلِيٍّ وَمُتَقَوِّمٍ، وَسَيَأْتِي ضَبْطُهُمَا وَحُكْمُهُمَا فِي الطَّرَفِ الثَّالِثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْمَنَافِعُ، وَهِيَ أَصْنَافٌ.
مِنْهَا: مَنَافِعُ الْأَمْوَالِ مِنَ الْعَبِيدِ وَالثِّيَابِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، وَهِيَ مَضْمُونَةٌ بِالتَّفْوِيتِ.
وَالْفَوَاتُ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، فَكُلُّ عَيْنٍ لَهَا مَنْفَعَةٌ تُسْتَأْجَرُ لَهَا، يُضْمَنُ مَنْفَعَتُهَا إِذَا بَقِيَتْ فِي يَدِهِ مُدَّةً لَهَا أُجْرَةٌ حَتَّى لَوْ غَصَبَ كِتَابًا وَأَمْسَكَهُ مُدَّةً وَطَالَعَهُ، أَوْ مِسْكًا فَشَمَّهُ، أَوْ لَمْ يَشُمُّهُ لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ يَعْرِفُ صَنَائِعَ، لَزِمَهُ أُجْرَةٌ أَعْلَاهَا أُجْرَةً، وَلَا يَلْزَمُهُ أَجْرُ الْجَمِيعِ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا لِمَنْفَعَةٍ، فَاسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِهَا، ضَمِنَهَا.
قُلْتُ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ، أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ أَرْضًا وَلَمْ يَزْرَعْهَا، وَهِيَ مِمَّا تَنْقُصُ بِتَرْكِ الزَّرْعِ كَأَرْضِ الْبَصْرَةِ وَشِبْهِهَا فَإِنَّهَا إِذَا لَمْ تُزْرَعْ نَبَتَ فِيهَا
الدَّغَلُ وَالْحَشِيشُ، كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ الْحَشِيشِ وَأُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي أَرْشَ النَّقْصِ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَجِبُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ، فَلَا تُضْمَنُ بِالْفَوَاتِ تَحْتَ الْيَدِ، لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا يُزَوِّجُ السَّيِّدُ الْمَغْصُوبَةَ، وَلَا يُؤَجِّرُهَا، كَمَا لَا يَبِيعُهَا، وَكَذَا لَوْ تَدَاعَى رَجُلَانِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ، ادَّعَيَا عَلَيْهَا، وَلَا يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ.
وَإِذَا أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا حُكِمَ بِأَنَّهَا زَوْجُهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَدَ لَهَا، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ تُسْتَحَقُّ اسْتِحْقَاقَ ارْتِفَاقٍ لِلْحَاجَةِ وَسَائِرَ الْمَنَافِعِ تُسْتَحَقُّ اسْتِحْقَاقَ مِلْكٍ تَامٍّ.
وَلِهَذَا مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةً بِالِاسْتِئْجَارِ، مَلَكَ نَقْلَهَا إِلَى غَيْرِهِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَالزَّوْجُ لَا يَمْلِكُ نَقْلَ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ.
فَأَمَّا إِذَا فَوَّتَ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ بِالْوَطْءِ فَيَضْمَنُ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَسَيَأْتِي تَفْرِيعُهُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنَ الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ، وَهِيَ مَضْمُونَةٌ بِالتَّفْوِيتِ.
فَإِذَا قَهَرَ حُرًّا وَسَخَّرَهُ فِي عَمَلٍ، ضَمِنَ أُجْرَتَهُ.
وَإِنْ حَبَسَهُ وَعَطَّلَ مَنَافِعَهُ، لَمْ يَضْمَنْهَا عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ، فَمَنَافِعُهُ تَفُوتُ تَحْتَ يَدِهِ، بِخِلَافِ الْمَالِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَضْمَنُهَا، وَيَقْرُبُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْخِلَافُ فِي صُورَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: لَوِ اسْتَأْجَرَ حُرًّا وَأَرَادَ أَنْ يُؤَجِّرَهُ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَسْلَمَ الْحُرُّ الْمُسْتَأْجَرُ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْمُسْتَأْجِرُ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهُ فِيهَا، هَلْ تَتَقَرَّرُ أُجْرَتُهُ؟ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ، وَتَتَقَرَّرُ أُجْرَتُهُ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا يُؤَجِّرُهُ وَلَا تَتَقَرَّرُ أُجْرَتُهُ، لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ، وَلَا تَحْصُلُ مَنَافِعُهُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِهَا، هَكَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ
[تَوْجِيهُ] الْخِلَافِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا دُخُولَ الْحُرِّ تَحْتَ الْيَدِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، بَلِ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِهِ، وَلَكِنْ مَنْ جَوَّزَ إِجَارَةَ
الْمُسْتَأْجَرِ، وَقَرَّرَ الْأُجْرَةَ، بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ الْخِلَافَ فِي الْمَسَائِلِ مَبْنِيًّا عَلَى التَّرَدُّدِ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ الْيَدِ وَلَمْ نَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.
فَرْعٌ
فِي دُخُولِ ثِيَابِ الْحُرِّ فِي ضَمَانِ مَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ.
فَرْعٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ نَقَلَ حُرًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بِالْقَهْرِ إِلَى مَوْضِعٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ وَاحْتَاجَ إِلَى مُؤْنَةً، فَهِيَ عَلَى النَّاقِلِ، لِتَعَدِّيهِ.
وَمِنْهَا: مَنْفَعَةُ الْكَلْبِ، فَمَنْ غَصَبَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ حِرَاسَةٍ، لَزِمَهُ رَدُّهُ مَعَ مُؤْنَةِ الرَّدِّ إِنْ كَانَ لَهُ مُؤْنَةٌ، وَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَنْفَعَتِهِ؟ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إِجَارَتِهِ.
وَفِيمَا اصْطَادَهُ الْغَاصِبُ بِالْكَلْبِ الْمَغْصُوبِ، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لِلْمَالِكِ، كَصَيْدِ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لِلْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ شَبَكَةً أَوْ قَوْسًا وَاصْطَادَ بِهِمَا، فَإِنَّهُ لِلْغَاصِبِ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ، فِيمَا لَوِ اصْطَادَ بِالْبَازِي وَالْفَهْدِ الْمَغْصُوبَيْنِ، وَحَيْثُ كَانَ الصَّيْدُ لِلْغَاصِبِ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ الْمَغْصُوبِ، وَحَيْثُ كَانَ لِلْمَالِكِ كَصَيْدِ الْعَبْدِ، فَفِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ لِزَمَنِ الِاصْطِيَادِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ فِي شُغْلٍ آخَرَ.
قُلْتُ: وَالْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الصَّيْدِ عَنِ الْأُجْرَةِ، فَإِنْ نَقَصَتْ وَجَبَ النَّاقِصُ قَطْعًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الْمَغْصُوبُ، إِذَا دَخَلَهُ نَقْصٌ، هَلْ يَجِبُ أَرْشُهُ مَعَ الْأُجْرَةِ؟ نُظِرَ، إِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبٍ غَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ، بِأَنْ غَصَبَ ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَسُقُوطِ عُضْوِ الْعَبْدِ بِمَرَضٍ، وَجَبَ الْأَرْشُ مَعَ الْأُجْرَةِ، ثُمَّ الْأُجْرَةُ الْوَاجِبَةُ لِمَا قَبْلَ حُدُوثِ النَّقْصِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ سَلِيمًا، وَلِمَا بَعْدَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مَعِيبًا.
وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ الِاسْتِعْمَالِ، بِأَنْ لَبِسَ الثَّوْبَ فَأَبْلَاهُ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَجِبَانِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ إِلَّا أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَأَرْشِ النَّقْصِ.
فَرْعٌ
سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ الْعَبْدَ الْمَغْصُوبَ إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِآفَةٍ، غَرِمَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ لِلْحَيْلُولَةِ، وَتَلْزَمُهُ مَعَ ذَلِكَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ بَذْلِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهَا، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ، لِبَقَاءِ حُكْمِ الْغَصْبِ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي أَنَّ الزَّوَائِدَ الْحَاصِلَةَ بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، هَلْ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ؟ وَفِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ رَدِّهَا؟ وَفِي أَنَّ جِنَايَةَ الْآبِقِ فِي إِبَاقِهِ، هَلْ يَتَعَلَّقُ ضَمَانُهَا بِالْغَاصِبِ؟ وَلَوْ غَيَّبَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَعَسُرَ رَدُّهُ، وَغَرِمَ الْقِيمَةَ، قَالَ الْإِمَامُ: وَطَرَّدَ شَيْخِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْخِلَافَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ وَثُبُوتِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إِذَا غَيَّبَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ.
فَرْعٌ
الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ، لَا يُضْمَنَانِ
[لَا] لِمُسْلِمٍ وَلَا لِذِمِّيٍّ، سَوَاءٌ أَرَاقَ حَيْثُ تَجُوزُ الْإِرَاقَةُ أَمْ حَيْثُ لَا تَجُوزُ، ثُمَّ خُمُورُ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تُرَاقُ إِلَّا إِذَا تَظَاهَرُوا بِشُرْبِهَا أَوْ بَيْعِهَا، وَلَوْ غُصِبَ مِنْهُمْ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ وَجَبَ رَدُّهَا، وَإِنْ غُصِبَتْ مِنْ مُسْلِمٍ وَجَبَ رَدُّهَا إِنْ كَانَتْ مُحْتَرَمَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْتَرَمَةً لَمْ يَجِبْ، بَلْ تُرَاقُ.
فَرْعٌ
آلَاتُ الْمَلَاهِي كَالْبَرْبَطِ وَالطُّنْبُورِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَا الصَّنَمُ وَالصَّلِيبُ، لَا يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيْءٌ، لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةُ الِاسْتِعْمَالِ، وَلَا حُرْمَةَ لِتِلْكَ الصَّنْعَةِ.
وَفِي الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فِي إِبْطَالِهَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تُكْسَرُ وَتُرَضَّضُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى حَدٍّ لَا يُمْكِنُ اتِّخَاذُ آلَةٍ مُحَرَّمَةٍ مِنْهَا لَا الْأُولَى وَلَا غَيْرُهَا.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا تُكْسَرُ الْكَسْرَ الْفَاحِشَ لَكِنْ تُفَصَّلُ.
وَفِي حَدِّ التَّفْصِيلِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: قَدْرٌ لَا يَصْلُحُ مَعَهُ لِلِاسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمِ، حَتَّى إِذَا رُفِعَ وَجْهُ الْبَرْبَطِ وَبَقِيَ عَلَى صُورَةِ قَصْعَةٍ كَفَى، وَالثَّانِي: أَنْ يُفَصَّلَ إِلَى حَدٍّ
[حَتَّى] لَوْ فُرِضَ اتِّخَاذُ آلَةٍ مُحَرَّمَةٍ مِنْ مَفْصِلِهَا لَنَالَ الصَّانِعُ التَّعَبَ الَّذِي يَنَالُهُ فِي ابْتِدَاءِ الِاتِّخَاذِ، وَهَذَا بِأَنْ يَبْطُلَ تَأْلِيفُ الْأَجْزَاءِ كُلِّهَا حَتَّى تَعُودَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ التَّأْلِيفِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى تَفْصِيلِ الْأَجْزَاءِ، هُوَ فِيمَا إِذَا تَمَكَّنَ الْمُحْتَسِبُ مِنْهُ، أَمَّا
إِذَا مَنَعَهُ مَنْ فِي يَدِهِ وَدَافَعَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلَهُ إِبْطَالُهُ بِالْكَسْرِ قَطْعًا.
وَحَكَى الْإِمَامُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ قَطْعَ الْأَوْتَارِ لَا يَكْفِي لِأَنَّهَا مُجَاوِرَةٌ لَهَا مُنْفَصِلَةٌ.
وَمَنِ اقْتَصَرَ فِي إِبْطَالِهَا عَلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ جَاوَزَهُ، فَعَلَيْهِ التَّفَاوُتُ بَيْنَ قِيمَتِهَا مَكْسُورَةً بِالْحَدِّ الْمَشْرُوعِ وَبَيْنَ قِيمَتِهَا مُنْتَهِيَةً إِلَى الْحَدِّ الَّذِي أَتَى بِهِ.
وَإِنْ أَحْرَقَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا مَكْسُورَةَ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ.
قُلْتُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْرَاقُهَا، لِأَنَّ رُضَاضَهَا مُتَمَوَّلٌ.
وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ، أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يَشْتَرِكُونَ فِي جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى إِزَالَةِ هَذَا الْمُنْكَرِ وَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، وَيُثَابُ الصَّبِيُّ عَلَيْهَا كَمَا يُثَابُ الْبَالِغُ، وَلَكِنْ إِنَّمَا تَجِبُ إِزَالَتُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْقَادِرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَنْعُ الصَّبِيِّ مِنْ كَسْرِ الْمَلَاهِي وَإِرَاقَةِ الْخُمُورِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُ الْبَالِغِ، فَإِنَّ الصَّبِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْوِلَايَاتِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَآحَادِ الرَّعِيَّةِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي كِتَابِ «السِّيَرِ» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ، فَمَا كَانَ مِثْلِيًّا ضُمِنَ بِمِثْلِهِ.
وَمَا كَانَ مُتَقَوَّمًا، فَبِالْقِيمَةِ.
وَفِي ضَبْطِ الْمِثْلِيِّ أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: كُلُّ مُقَدَّرٍ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَهُوَ مِثْلِيٌّ، وَيُنْسَبُ هَذَا إِلَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَمَا لَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ.
وَالثَّانِي: يُزَادُ مَعَ هَذَا جَوَازُ السَّلَمِ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: زَادَ الْقَفَّالُ وَآخَرُونَ اشْتِرَاكَ جَوَازِ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ.
وَالرَّابِعُ: مَا يُقَسَّمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ.
وَالْخَامِسُ، قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ: الْمِثْلِيُّ مَا
[لَا] تَخْتَلِفُ أَجْزَاءُ النَّوْعِ مِنْهُ فِي الْقِيمَةِ، وَرُبَّمَا قِيلَ فِي الْجِرْمِ وَالْقِيمَةِ.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ: مَنْ
قَالَ: الْمِثْلِيُّ: الْمُتَشَاكِلُ فِي الْقِيمَةِ وَمُعْظَمِ الْمَنَافِعِ.
وَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ، هُوَ تَسَاوِي الْأَجْزَاءِ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْقِيمَةِ، فَزَادَ الْمَنْفَعَةَ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَزَادَ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ لَا مِنْ حَيْثُ الصَّنْعَةُ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ مَنْقُوضٌ بِالْمَعْجُونَاتِ.
وَالثَّالِثُ: بَعِيدٌ عَنِ اخْتِيَارِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ هَذَا الشَّرْطِ، وَقَالُوا: امْتِنَاعُ بَيْعِ بَعْضِهِ
[بِبَعْضٍ] لِرِعَايَةِ الْكَمَالِ فِي حَالِ التَّمَاثُلِ بِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ.
وَالرَّابِعُ: لَا حَاصِلَ لَهُ، فَإِنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِالْأَرْضِ الْمُتَسَاوِيَةِ، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَتْ مِثْلِيَّةً: وَالْخَامِسُ: ضَعِيفٌ أَيْضًا مُنْتَقَضٌ بِأَشْيَاءَ، فَالْأَصَحُّ الْوَجْهُ الثَّانِي، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يُقَالَ: الْمِثْلِيُّ: مَا يَحْصُرُهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ، وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، وَلَا يُقَالُ: مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ مَا يُعْتَادُ كَيْلُهُ وَوَزْنُهُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَهُوَ مِثْلِيٌّ، وَكَذَا التُّرَابُ وَهُوَ مِثْلِيٌّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيَحْصُلُ مِنَ الْخِلَافِ اخْتِلَافٌ مِنَ الصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ، لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا مُخْتَلِفَةُ الْجَوَاهِرِ، وَكَذَا فِي التِّبْرِ، وَالسَّبِيكَةِ، وَالْمِسْكِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالْكَافُورِ، وَالثَّلْجِ، وَالْجَمْدِ، وَالْقُطْنِ، لِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَفِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَسَائِرِ الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ لِامْتِنَاعِ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَكَذَا الدَّقِيقُ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا كُلَّهَا مِثْلِيَّةٌ.
وَفِي السُّكَّرِ وَالْفَانِيذِ وَالْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ، وَاللَّحْمِ الطَّرِيِّ، لِلْخِلَافِ فِي جَوَازِ بَيْعِ كُلٍّ مِنْهَا بِجِنْسِهِ، وَفِي الْخُبْزِ، لِامْتِنَاعِ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَأَيْضًا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ السَّلَمِ فِيهِ.
وَأَمَّا
الْحُبُوبُ، وَالْأَدْهَانُ، وَالْأَلْبَانُ وَالسَّمْنُ، وَالْمَخِيضُ، وَالْخَلُّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، وَالزَّبِيبُ، وَالتَّمْرُ، وَنَحْوُهَا، فَمِثْلِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْخَالِصَةُ مِثْلِيَّةٌ.
وَمُقْتَضَى الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ جَرَيَانُ خِلَافٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِي السَّلَمِ فِيهَا خِلَافًا سَبَقَ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ: أَنَّهَا مِثْلِيَّةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْمُكَسَّرَةِ الْخِلَافُ فِي التِّبْرِ وَالسَّبِيكَةِ، وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَغْشُوشَةُ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِهَا فَمِثْلِيَّةٌ، وَإِلَّا فَمُتَقَوَّمَةٌ.
فَصْلٌ
إِذَا غَصَبَ مِثْلِيًّا وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، وَالْمِثْلُ مَوْجُودٌ، فَلَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى فُقِدَ أُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ.
وَالْمُرَادُ بِالْفِقْدَانِ: [أَنْ] لَا يُوجَدَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَحَوَالَيْهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي انْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا.
أَصَحُّهَا: يَجِبُ أَقْصَى الْقِيَمِ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إِلَى الْإِعْوَازِ.
وَالثَّانِي: أَقْصَاهَا مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ.
وَالثَّالِثُ: أَقْصَاهَا مِنَ التَّلَفِ إِلَى الْإِعْوَازِ، وَرُبَّمَا بُنِيَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ إِعْوَازِ الْمِثْلِ هَلْ هُوَ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ لِأَنَّهُ الَّذِي أُتْلِفَ عَلَى الْمَالِكِ أَمْ قِيمَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عِنْدَ التَّلَفِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَبِي الطَّيِّبِ ابْنِ سَلَمَةَ.
وَالرَّابِعُ: أَقْصَاهَا مِنَ الْغَصْبِ إِلَى تَغْرِيمِ الْقِيمَةِ وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا.
وَالْخَامِسُ: أَقْصَاهَا مِنَ الْإِعْوَازِ إِلَى الْمُطَالَبَةِ.
وَالسَّادِسُ: أَقْصَاهَا مِنْ تَلَفِ الْمَغْصُوبِ إِلَى الْمُطَالَبَةِ.
وَالسَّابِعُ: قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ.
وَالثَّامِنُ: يَوْمَ الْإِعْوَازِ، اخْتَارَهُ أَبُو عَلِيٍّ الزُّجَاجِيُّ، بِضَمِّ الزَّايِ، وَالْحَنَّاطِيُّ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَأَبُو خَلَفٍ السُّلَمِيُّ.
وَالتَّاسِعُ: يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ.
وَالْعَاشِرُ: إِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ فَقِيمَةُ يَوْمِ الْإِعْوَازِ.
وَإِنْ فُقِدَ هُنَاكَ فَقَطْ، فَقِيمَةُ يَوْمِ الْحُكْمِ بِالْقِيمَةِ.
وَالْحَادِيَ عَشَرَ: حُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ إِنْ ثَبَتَ عَنْهُ: قِيمَةُ يَوْمِ
أَخْذِ الْقِيمَةِ، لَا يَوْمِ الْمُطَالَبَةِ، وَلَوْ غَصَبَ مِثْلِيًّا فَتَلِفَ وَالْمِثْلُ مَفْقُودٌ، فَالْقِيَاسُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: أَقْصَى الْقِيَمِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ.
وَعَلَى الثَّالِثِ وَالسَّابِعِ وَالثَّامِنِ: [قِيمَةُ] يَوْمِ التَّلَفِ وَأَنْ يَعُودَ.
وَالرَّابِعُ وَالسَّادِسُ وَالتَّاسِعُ بِحَالِهَا.
وَعَلَى الْخَامِسِ أَقْصَى الْقِيَمِ مِنَ التَّلَفِ إِلَى يَوْمِ التَّقْوِيمِ.
وَالْعَاشِرُ بِحَالِهِ.
قُلْتُ: وَالْحَادِيَ عَشَرَ بِحَالِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَتْلَفَ لِرَجُلٍ مِثْلِيًّا بِلَا غَصْبٍ، وَكَانَ الْمِثْلُ مَوْجُودًا فَلَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى فُقِدَ، فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: قِيمَةُ يَوْمِ الْإِتْلَافِ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ: أَقْصَى الْقِيَمِ مِنَ الْإِتْلَافِ إِلَى الْإِعْوَازِ.
وَعَلَى الرَّابِعِ: مِنَ الْإِتْلَافِ إِلَى التَّقْوِيمِ.
وَالْقِيَاسُ عَوْدُ الْأَوْجُهِ الْبَاقِيَةِ.
وَلَوْ أَتْلَفَهُ وَالْمِثْلُ مَفْقُودٌ فَالْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْأَوَائِلِ وَالسَّابِعِ وَالثَّامِنِ: تَجِبُ قِيمَةُ يَوْمِ الْإِتْلَافِ.
وَعَلَى الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَالسَّادِسِ: أَقْصَى الْقِيَمِ مِنَ الْإِتْلَافِ إِلَى التَّقْوِيمِ.
وَعَلَى التَّاسِعِ: قِيمَةُ يَوْمِ التَّقْوِيمِ.
وَعَلَى الْعَاشِرِ: إِنْ كَانَ مَفْقُودًا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، فَيَوْمُ الْإِتْلَافِ، وَإِلَّا فَيَوْمُ التَّغْرِيمِ.
فَرْعٌ
مَتَى غَرِمَ الْغَاصِبُ أَوِ الْمُتْلِفُ الْقِيمَةَ لِإِعْوَازِ الْمِثْلِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمِثْلَ، هَلْ لِلْمَالِكِ رَدُّ الْقِيمَةِ وَطَلَبُ الْمِثْلِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا.
قُلْتُ: وَيَجْرِيَانِ، فِي أَنَّ الْغَاصِبَ وَالْمُتْلِفَ، هَلْ لَهُمَا رَدُّ الْمِثْلِ وَطَلَبُ الْقِيمَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
فِي أَنَّ الْمِثْلِيَّ هَلْ يُؤْخَذُ مِثْلُهُ مَعَ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ
أَمَّا الْمَكَانُ، فَإِذَا غَصَبَ مِثْلِيًّا وَنَقَلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، كَانَ لِلْمَالِكِ أَنْ يُكَلِّفَهُ رَدَّهُ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ لِلْحَيْلُولَةِ.
ثُمَّ إِذَا رَدَّهُ الْغَاصِبُ رَدَّ الْقِيمَةَ وَاسْتَرَدَّهُ.
فَلَوْ تَلِفَ فِي الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، طَالَبَهُ بِمِثْلِهِ حَيْثُ ظَفِرَ بِهِ مِنَ الْبَلَدَيْنِ لِتَوَجُّهِ الطَّلَبِ عَلَيْهِ بِرَدِّ الْعَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
فَإِنْ فُقِدَ الْمِثْلُ غَرَّمَهُ [قِيمَةَ] أَكْثَرِ الْبَلَدَيْنِ قِيمَةً.
وَلَوْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا أَوْ غَصَبَهُ وَتَلِفَ عِنْدَهُ فِي بَلَدٍ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ فِي آخَرَ، هَلْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْمِثْلِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ: إِنْ كَانَ مِمَّا لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْمِثْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبُ الْمِثْلِ، وَلَا لِلْغَارِمِ تَكْلِيفُهُ قَبُولَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يُغَرِّمَهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الْمِثْلِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ تَكْلِيفُهُ مُؤْنَةَ النَّقْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُطَالِبُهُ بِالْمِثْلِ.
وَإِنْ لَزِمَتْ مُؤْنَةٌ وَزَادَتِ الْقِيمَةُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا فِي وَقْتِ الرُّخْصِ، لَهُ طَلَبُ الْمِثْلِ فِي الْغَلَاءِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الْبَلَدِ لَا تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ بَلَدِ التَّلَفِ طَالَبَهُ بِالْمِثْلِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَأَخَذَ الْقِيمَةَ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فِي بَلَدِ التَّلَفِ هَلْ لِلْمَالِكِ رَدُّ الْقِيمَةِ وَطَلَبُ الْمِثْلِ؟ وَهَلْ لِصَاحِبِهِ اسْتِرْدَادُ الْقِيمَةِ وَبَذْلُ الْمِثْلِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ غَرِمَ الْقِيمَةَ لِإِعْوَازِ الْمِثْلِ.
وَلَوْ نَقَلَ الْمَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إِلَى بَلَدٍ، وَتَلِفَ هُنَاكَ، أَوْ أَتْلَفَهُ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ فِي بَلَدٍ ثَالِثٍ وَقُلْنَا: إِنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْمِثْلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّلَفِ، فَلَهُ أَخْذُ قِيمَةِ أَكْثَرِ الْبَلَدَيْنِ قِيمَةً.
وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ الزَّمَانُ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْمِثْلِ وَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَخْرُجِ الْمِثْلُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ قِيمَةٌ وَمَالِيَّةٌ.
فَأَمَّا إِنْ خَرَجَ بِأَنْ أَتْلَفَ مَاءَهُ فِي مَفَازَةٍ، ثُمَّ اجْتَمَعَا عَلَى شَطِّ نَهْرٍ أَوْ فِي بَلَدٍ، أَوْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ الْجَمْدَ فِي الصَّيْفِ وَاجْتَمَعَا فِي الشِّتَاءِ، فَلَيْسَ لِلْمُتْلِفِ بَذْلُ الْمِثْلِ، بَلْ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْمِثْلِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَفَازَةِ [وَفِي الصَّيْفِ، وَإِذَا غَرِمَ الْقِيمَةَ ثُمَّ اجْتَمَعَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَفَازَةِ] أَوْ فِي الصَّيْفِ،
فَهَلْ يَثْبُتُ التَّرَادُّ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَأَمَّا الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ وَالْمُقْتَرَضُ إِذَا ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، فَفِي مُطَالَبَتِهِ كَلَامٌ سَبَقَ فِي كِتَابِ السَّلَمَ.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ: لَا آخُذُ الْقِيمَةَ بَلْ أَنْتَظِرُ وُجُودَ الْمِثْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ، نَقَلَهُ فِي الْبَيَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِهِ، هَلْ يُجْبَرُ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ.
وَلَوْ لَمْ يَأْخُذِ الْقِيمَةَ حَتَّى وُجِدَ الْمِثْلُ تَعَيَّنَ قَطْعًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، إِنْ كَانَا مَضْرُوبَيْنِ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُمَا مِثْلِيَّانِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا صَنْعَةٌ بِأَنْ أَتْلَفَ حُلِيًّا وَزْنُهُ عَشْرَةٌ وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: يَضْمَنُ الْعَيْنَ بِوَزْنِهَا مِنْ جِنْسِهَا وَالصَّنْعَةَ بِقِيمَتِهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ نَقْدَ الْبَلَدِ أَمْ لَا، لِأَنَّا لَوْ ضَمَّنَّاهُ الْجَمِيعَ بِالْجِنْسِ لَقَابَلْنَا عَشَرَةً بِعِشْرِينَ وَذَلِكَ رِبًا.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ الْعَيْنَ بِوَزْنِهَا مِنْ جِنْسِهَا وَالصَّنْعَةَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الصَّنْعَةَ وَحْدَهَا بِكَسْرٍ يَضْمَنُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَكْسُورِ أَمْ لَا.
وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْكُلَّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ تَحَرُّزًا عَنِ الْفَاضِلِ، وَعَنِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ.
وَالرَّابِعُ وَهُوَ أَصَحُّهَا: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الرِّبَا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَجْرِي فِي الْعُقُودِ لَا فِي هَذِهِ الْغَرَامَاتِ، هَكَذَا نَقَلَ الْجُمْهُورُ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ تَرْتِيبُ الْبَغَوِيِّ، وَهُوَ أَنَّ صَنْعَةَ الْحُلِيِّ مُتَقَوَّمَةٌ، وَفِي ذَاتِهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي التِّبْرِ.
فَإِنْ قُلْنَا: مُتَقَوَّمٌ، ضَمِنَ الْكُلَّ بِنَقْدِ الْبَلَدِ كَيْفَ كَانَ، وَإِنْ قُلْنَا: مِثْلِيٌّ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَضْمَنُ الْوَزْنَ بِالْمِثْلِ وَالصَّنْعَةَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ أَتْلَفَ
إِنَاءً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ جَوَّزْنَا اتِّخَاذَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ حُلِيًّا، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَهُوَ كَإِتْلَافِ مَا لَا صَنْعَةَ لَهُ.
وَلَوْ أَتْلَفَ مَا لَا صَنْعَةَ فِيهِ كَالتِّبْرِ وَالسَّبِيكَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مِثْلِيٌّ، ضَمِنَ مِثْلَهُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَمْ لَا كَسَائِرِ الْمُتَقَوَّمَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَوَابَ كَذَلِكَ، إِلَّا إِذَا كَانَ نَقْدُ الْبَلَدِ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَانَتِ الْقِيمَةُ تَزِيدُ عَلَى الْوَزْنِ، فَحِينَئِذٍ يُقَوَّمُ بِغَيْرِ الْجِنْسِ وَيَضْمَنُ بِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْعِرَاقِيِّينَ.
فَصْلٌ
إِذَا تَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ، فَقَدْ يَكُونُ مُتَقَوَّمًا ثُمَّ يَصِيرُ مِثْلِيًّا، وَعَكْسُهُ، وَمِثْلِيًّا فِيهِمَا، وَمُتَقَوَّمًا فِيهِمَا.
الْحَالُ الْأَوَّلُ: كَمَنْ غَصَبَ رَطْبًا وَقُلْنَا: إِنَّهُ مُتَقَوَّمٌ فَصَارَ تَمْرًا، ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ: يَضْمَنُ مِثْلَ التَّمْرِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ، وَأَشْبَهُهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ الرَّطْبُ أَكْثَرَ قِيمَةً لَزِمَهُ قِيمَتُهُ لِئَلَّا تَضِيعَ الزِّيَادَةُ، وَإِنْ كَانَ التَّمْرُ أَكْثَرَ أَوِ اسْتَوَيَا لَزِمَهُ الْمِثْلُ، وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ مِثْلِ التَّمْرِ وَقِيمَةِ الرُّطَبِ.
الْحَالُ الثَّانِي: كَمَنْ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، وَتَلِفَ الدَّقِيقُ عِنْدَهُ أَوْ جَعَلَهُ خُبْزًا وَأَتْلَفَهُ، وَقُلْنَا: لَا مِثْلَ لِلدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ، أَوْ تَمْرًا وَاتَّخَذَ مِنْهُ خَلًّا بِالْمَاءِ، فَعَلَى قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ: يَضْمَنُ الْمِثْلَ وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالتَّمْرُ، وَعَلَى مَا قَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ الْمُتَقَوَّمُ أَكْثَرَ قِيمَةً غَرِمَهَا، وَإِلَّا فَالْمِثْلُ، وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: يَغْرَمُ أَكْثَرَ الْقِيَمِ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ بِالْمِثْلِ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا قِيلَ: مَنْ غَصَبَ حِنْطَةً فِي الْغَلَاءِ فَتَلِفَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَهُ، ثُمَّ طَالَبَهُ الْمَالِكُ فِي الرُّخْصِ، فَهَلْ يُغَرِّمُهُ الْمِثْلَ أَوِ الْقِيمَةَ، لَمْ يَصِحَّ
إِطْلَاقُ الْجَوَابِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ تَلِفَتْ وَهِيَ حِنْطَةٌ غَرِمَ الْمِثْلَ.
وَإِنْ صَارَ إِلَى حَالَةِ التَّقْوِيمِ ثُمَّ تَلِفَ فَالْقِيمَةُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: كَمَنْ غَصَبَ سِمْسِمًا فَاتَّخَذَ مِنْهُ شَيْرَجًا ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْغَزَّالِيُّ: يُغَرِّمُهُ الْمَالِكُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ غَرِمَ مِثْلَهُ، وَإِلَّا فَيَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا.
الْحَالُ الرَّابِعُ: يَجِبُ فِيهِ أَقْصَى الْقِيَمِ.
فَرْعٌ
إِذَا لَزِمَهُ الْمِثْلُ لَزِمَهُ تَحْصِيلُهُ إِنْ وَجَدَهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ إِلَّا بِزِيَادَةٍ فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالرُّويَانِيِّ: يَلْزَمُهُ الْمِثْلُ، لِأَنَّ الْمِثْلَ كَالْعَيْنِ، وَيَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ وَإِنْ لَزِمَ فِي مُؤْنَتِهِ أَضْعَافُ قِيمَتِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ آخَرِينَ، مِنْهُمُ الْغَزَالِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهُ، لِأَنَّ الْمَوْجُودَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ كَالْمَعْدُومِ كَالرَّقَبَةِ، وَمَاءِ الطَّهَارَةِ، وَيُخَالِفُ الْعَيْنَ، فَإِنَّهُ تَعَدَّى فِيهَا دُونَ الْمِثْلِ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي أَصَحُّ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَيْضًا الشَّاشِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
غَصَبَ مُتَقَوَّمًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ، لَزِمَهُ أَقْصَى قِيمَتِهِ مِنْ يَوْمِ غَصْبِهِ إِلَى تَلَفِهِ، وَتَجِبُ قِيمَتُهُ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي تَلِفَ فِيهِ، فَلَوْ كَانَتْ مِائَةً فَصَارَتْ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ عَادَتْ بِالرُّخْصِ إِلَى خَمْسِينَ، ثُمَّ تَلِفَ، لَزِمَهُ مِائَتَانِ.
وَلَوْ تَكَرَّرَ ارْتِفَاعُ السِّعْرِ وَانْخِفَاضُهُ لَمْ يَضْمَنْ كُلَّ زِيَادَةٍ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْأَكْثَرَ، وَلَا أَثَرَ لِارْتِفَاعِ السِّعْرِ بَعْدَ التَّلَفِ
قَطْعًا.
وَلَوْ أَتْلَفَ مُتَقَوَّمًا بِلَا غَصْبٍ، لَزِمَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْإِتْلَافِ.
فَإِنْ حَصَلَ التَّلَفُ بِتَدَرُّجٍ وَسِرَايَةٍ، وَاخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ بِأَنْ جَنَى عَلَى بَهِيمَةٍ قِيمَتُهَا مِائَةٌ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ هَلَكَتْ وَقِيمَةُ مِثْلِهَا خَمْسُونَ، فَقَالَ الْقَفَّالُ: يَلْزَمُهُ الْمِائَةُ، لِأَنَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا الْأَقْصَى فِي الْيَدِ الْعَادِيَةِ، فَفِي نَفْسِ الْإِتْلَافِ أَوْلَى.
فَرْعٌ
لَوْ لَمْ يَهْلِكِ الْمَغْصُوبُ لَكِنْ أَبَقَ، أَوْ غَيَّبَهُ الْغَاصِبُ، أَوْ ضَلَّتِ الدَّابَّةُ، أَوْ ضَاعَ الثَّوْبُ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ فِي الْحَالِ لِلْحَيْلُولَةِ.
وَالِاعْتِبَارُ بِأَقْصَى الْقِيَمِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى الْمُطَالَبَةِ، وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يُلْزِمَهُ قَبُولَ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ قِيمَةَ الْحَيْلُولَةِ لَيْسَتْ حَقًّا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يُجْبَرَ عَلَى قَبُولِهِ، أَوِ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ، بَلْ لَوْ أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ عَنْهَا لَمْ يَنْفُذْ.
وَفِي وَجْهٍ: هِيَ كَالْحُقُوقِ الْمُسْتَقِرَّةِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
ثُمَّ الْقِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ، يَمْلِكُهَا الْمَالِكُ كَمَا يَمْلِكُ عِنْدَ التَّلَفِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا، وَلَا يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ، فَإِذَا ظَفِرَ بِالْمَغْصُوبِ، فَلِلْمَالِكِ اسْتِرْدَادُهُ وَرَدُّ الْقِيمَةِ، وَلِلْغَاصِبِ رَدُّهُ وَاسْتِرْدَادُ الْقِيمَةِ.
وَهَلْ لَهُ حَبْسُ الْمَغْصُوبِ إِلَى أَنْ يَسْتَرِدَّهَا؟ حَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا حَكَى ثُبُوتَ الْحَبْسِ لِلْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ لِاسْتِرْدَادِ الثَّمَنِ، لَكِنْ سَبَقَ فِي الْبَيْعِ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْحَبْسِ لِلْمُشْتَرِي، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ: الْمَنْعُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَبْسُ الْغَاصِبِ فِي مَعْنَاهُ، وَالْمَنْعُ هُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَإِذَا كَانَتِ الدَّرَاهِمُ الْمَبْذُولَةُ بِعَيْنِهَا بَاقِيَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَلِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ إِمْسَاكُهَا وَغَرَامَةُ مِثْلِهَا أَمْ لَا.
قُلْتُ: الْأَقْوَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى تَرْكِ التَّرَادِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعٍ لِيَصِيرَ الْمَغْصُوبُ لِلْغَاصِبِ، ثُمَّ التَّضْمِينُ
لِلْحَيْلُولَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُتَقَوَّمَاتِ، بَلْ يَثْبُتُ فِي كُلِّ مَغْصُوبٍ خَرَجَ مِنَ الْيَدِ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ.
قُلْتُ: قَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنِ الْقَفَّالِ: أَنَّ الْمَالِكَ لَا يُمَلَّكُ الْقِيمَةَ الْمَأْخُوذَةَ لِلْحَيْلُولَةِ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ عَلَى مِلْكِ الْغَاصِبِ، لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِي مِلْكِهِ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ، قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَلَوْ ظَهَرَ عَلَى الْمَالِكِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، فَالْغَاصِبُ أَحَقُّ بِالْقِيمَةِ الَّتِي دَفَعَهَا، لِأَنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْمَالِكِ، رَجَعَ الْغَاصِبُ بِمِثْلِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً زَائِدَةً، رَجَعَ فِي زِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ دُونَ الْمُنْفَصِلَةِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْجُرْجَانِيُّ: هَذَا إِذَا تَصَوَّرَ كَوْنَ الْقِيمَةِ مِمَّا يَزِيدُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
سَبَقَ أَنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونَةٌ.
فَلَوْ كَانَتِ الْأُجْرَةُ فِي مُدَّةِ الْغَصْبِ مُتَفَاوِتَةً، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي يُوسُفَ.
أَصَحُّهَا: يَضْمَنُ فِي كُلِّ بَعْضٍ مِنْ أَبْعَاضِ الْمُدَّةِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا فِيهِ.
وَالثَّانِي: كَذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْأُجْرَةُ فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ أَقَلَّ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْأُولَى أَكْثَرَ، ضَمِنَهَا بِالْأَكْثَرِ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، فَرُبَّمَا يُكْرِيهَا بِهَا فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ.
وَالثَّالِثُ: بِالْأَكْثَرِ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
فَصْلٌ
زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ مُنْفَصِلَةً كَانَتْ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَالْبَيْضِ أَوْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ الصَّنْعَةِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ كَالْأَصْلِ، سَوَاءٌ طَلَبَهُ الْمَالِكُ بِالرَّدِّ أَمْ لَا.
الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِي الِاخْتِلَافِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: ادَّعَى الْغَاصِبُ تَلَفَ الْمَغْصُوبِ، وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ.
فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَقِيلَ: قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ، فَعَلَى الصَّحِيحِ إِذَا حَلَفَ الْغَاصِبُ، هَلْ لِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُ الْمِثْلَ أَوِ الْقِيمَةَ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
الثَّانِيَةُ: اتَّفَقَا عَلَى الْهَلَاكِ وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ، صُدِّقَ الْغَاصِبُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ، وَعَلَى الْمَالِكِ الْبَيِّنَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّ قِيمَتَهُ كَذَا، أَمَّا إِذَا أَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِفَاتِ الْعَبْدِ لِيُقَوِّمَهُ الْمُقَوِّمُونَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فَفِي قَوْلٍ: يُقْبَلُ وَيُقَوَّمُ بِالْأَوْصَافِ، وَيُنَزَّلُ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ كَالسَّلَمِ، وَالْمَشْهُورُ: الْمَنْعُ، لِلتَّفَاوُتِ.
قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنْ يَسْتَفِيدُ الْمَالِكُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْأَوْصَافِ إِبْطَالَ دَعْوَى الْغَاصِبِ مِقْدَارًا حَقِيرًا لَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْغَاصِبُ بِصِفَاتٍ فِي الْعَبْدِ تَقْتَضِي النَّفَاسَةَ، ثُمَّ قَوَّمَهُ بِحَقِيرٍ لَا يَلِيقُ بِهَا، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، بَلْ يُؤْمَرُ بِالزِّيَادَةِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيمَةً لِمِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْصُوفِ.
وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: قِيمَتُهُ أَلْفٌ، وَقَالَ الْغَاصِبُ: بَلْ خَمْسُمِائَةٍ، وَجَاءَ الْمَالِكُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، فَقِيلَ: لَا تُسْمَعُ هَكَذَا، وَالْأَكْثَرُونَ سَمِعُوهَا، قَالُوا: وَفَائِدَةُ السَّمَاعِ أَنْ يُكَلَّفَ الْغَاصِبُ زِيَادَةً عَلَى خَمْسِمِائَةٍ إِلَى حَدٍّ لَا تَقْطَعُ الْبَيِّنَةُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: لَا أَدْرِي كَمْ قِيمَتُهُ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى يُبَيِّنَ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ الْغَاصِبُ: أَعْلَمُ أَنَّهُ دُونَ مَا ذَكَرَهُ، وَلَا أَعْرِفُ قَدْرَهُ، لَمْ تُسْمَعْ حَتَّى يُبَيِّنَ، فَإِذَا بَيَّنَ حَلَفَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ الْمَالِكُ: كَانَ الْعَبْدُ كَاتِبًا أَوْ مُحْتَرِفًا، فَأَنْكَرَ الْغَاصِبُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ، وَقِيلَ: قَوْلُ الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمِلْكِهِ.
وَلَوِ ادَّعَى الْغَاصِبُ بِهِ عَيْبًا وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، نُظِرَ، إِنِ ادَّعَى عَيْبًا حَادِثًا فَقَالَ: كَانَ أَقْطَعَ أَوْ سَارِقًا، فَفِي الْمُصَدَّقِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْمَالِكُ.
وَإِنِ ادَّعَى عَيْبًا خِلْقِيًّا، فَقَالَ: كَانَ أَكْمَهَ أَوْ وُلِدَ أَعْرَجَ أَوْ عَدِيمَ الْيَدِ، فَالْمُصَدَّقُ الْغَاصِبُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ
الْأَصْلَ الْعَدَمُ، وَيُمَكِّنُ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ.
وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ الْمَالِكُ نَظَرًا إِلَى غَلَبَةِ السَّلَامَةِ.
وَالثَّالِثُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَنْدُرُ مِنَ الْعُيُوبِ وَغَيْرِهِ.
الرَّابِعَةُ: رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَبِهِ عَيْبٌ، وَقَالَ: غَصَبْتُهُ هَكَذَا، وَقَالَ الْمَالِكُ: حَدَثَ الْعَيْبُ عِنْدَكَ، صُدِّقَ الْغَاصِبُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
قُلْتُ: وَقَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ فِي الْبَيَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: تَنَازَعَا فِي الثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْعَبْدِ، صُدِّقَ الْغَاصِبُ، لِثُبُوتِ يَدِهِ.
السَّادِسَةُ: قَالَ: غَصَبْتَ دَارِي بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ: غَصَبْتُهَا بِالْمَدِينَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ بِالْكُوفَةِ.
وَأَمَّا دَارُ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ وَافَقَهُ الْمُدَّعِي عَلَيْهَا ثَبَتَتْ، وَإِلَّا فَيَبْطُلُ إِقْرَارُهُ بِهَا، لِتَكْذِيبِهِ.
قُلْتُ: وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ: غَصَبْتَ مِنِّي عَبْدًا فَقَالَ: بَلْ جَارِيَةً، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: غَصَبَ خَمْرًا مُحْتَرَمَةً فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ، فَقَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ: هَلَكَتْ بَعْدَ التَّخَلُّلِ، فَقَالَ الْغَاصِبُ: قَبْلَهُ، صُدِّقَ الْغَاصِبُ.
الثَّامِنَةُ: قَالَ: طَعَامِي الَّذِي غَصَبْتَهُ كَانَ جَدِيدًا، فَقَالَ الْغَاصِبُ: بَلْ عَتِيقًا، صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَالِكُ، ثُمَّ لَهُ أَخْذُ الْعَتِيقِ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ.
التَّاسِعَةُ: بَاعَ عَبْدًا فَجَاءَ زَيْدٌ وَادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ وَأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ غَصَبَهُ مِنْهُ، فَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُ دَعْوَى عَيْنِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَفِي دَعْوَاهُ الْقِيمَةُ عَلَى الْبَائِعِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ.
فَإِنِ ادَّعَى الْعَيْنَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَصَدَّقَهُ أَخَذَ الْعَبْدَ مِنْهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي، فَأَقَامَ زَيْدٌ بَيِّنَةً، أَخَذَهُ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ.
وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً وَنَكَلَ الْمُشْتَرِي، حَلَفَ زَيْدٌ وَأَخَذَهُ، وَلَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، لِتَقْصِيرِهِ بِالنُّكُولِ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي، لَمْ يُقْبَلْ
إِقْرَارُ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَبْقَى الْبَيْعُ بِحَالِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ بِالْغَصْبِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ.
ثُمَّ لَوْ عَادَ الْعَبْدُ إِلَى الْبَائِعِ بِإِرْثٍ أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ إِلَى زَيْدٍ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا، سُلِّمَ الْعَبْدُ إِلَى زَيْدٍ، وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ أَوْ بَدَلُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا.
وَلَوْ جَاءَ الْمُدَّعِي بَعْدَمَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، لَمْ يَبْطُلِ الْعِتْقُ، سَوَاءٌ وَافَقَهُمَا الْعَبْدُ أَوْ خَالَفَهُمَا، لِأَنَّ فِي عِتْقِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَاتَبَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ تَوَافَقُوا عَلَى تَصْدِيقِ الْمُدَّعِي، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَابِلَةٌ لِلْفَسْخِ.
وَلِلْمُدَّعِي فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْبَائِعِ إِنِ اخْتَصَّ بِتَصْدِيقِهِ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْغُرْمَ لِلْحَيْلُولَةِ فِيمَا إِذَا أَقَرَّ بِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ لِعَمْرٍو، وَعَلَى الْمُشْتَرِي إِنِ اخْتَصَّ بِتَصْدِيقِهِ، وَعَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا إِنْ صَدَّقَاهُ جَمِيعًا.
وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُشْتَرِي، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَكْثَرَ، فَلَا يُطَالَبُ الْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ.
وَلَوْ مَاتَ الْمُعْتَقُ وَقَدْ كَسَبَ مَالًا، فَهُوَ لِلْمُدَّعِي، لِأَنَّ الْمَالَ خَالِصُ حَقٍّ آدَمِيٍّ، وَقَدْ تَوَافَقُوا أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ، كَذَا أَطْلَقُوهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى كَسْبٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ الْعَبْدُ، فَأَمَّا كَسْبٌ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُدَّعِي، لِاعْتِرَافِهِ بِخُلُوِّهِ عَنِ الْإِذْنِ.
قُلْتُ: وَلَوِ ادَّعَى الْغَاصِبُ رَدَّ الْمَغْصُوبِ حَيًّا وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ مَاتَ عِنْدَكَ وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَسَقَطَتَا، وَضَمِنَ الْغَاصِبُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْغَصْبِ.
وَلَوْ قَالَ: غَصَبْنَا مِنْ زَيْدٍ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: كُنَّا عَشَرَةَ أَنْفُسٍ، وَخَالَفَهُ زَيْدٌ، قَالَ فِي الْبَيَانِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا زَادَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي الطَّوَارِئِ عَلَى الْمَغْصُوبِ
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ.
الْأَوَّلُ: فِي النَّقْصِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: نَقْصُ الْقِيمَةِ فَقَطْ، كَمَنْ غَصَبَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً، فَرَدَّهُ بِحَالِهِ وَهُوَ يُسَاوِي دِرْهَمًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَلْزَمُهُ نَقْصُ الْقِيمَةِ، وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهَذَا شَاذٌّ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: نَقْصُ الْقِيمَةِ وَالْأَجْزَاءِ، فَالْجُزْءُ الْفَائِتُ، مَضْمُونٌ بِقِسْطِهِ مِنْ أَقْصَى الْقِيَمِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، وَالنَّقْصُ الْحَاصِلُ بِتَفَاوُتِ السِّعْرِ فِي الْبَاقِي الْمَرْدُودِ غَيْرُ مَضْمُونٍ.
مِثَالُهُ: غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، فَعَادَتْ بِالرُّخْصِ إِلَى دِرْهَمٍ، ثُمَّ لَبِسَهُ فَأَبْلَاهُ حَتَّى عَادَتْ إِلَى نِصْفِ دِرْهَمٍ، يَرُدُّهُ مَعَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، لِأَنَّ بِالِاسْتِعْمَالِ انْسَحَقَتْ أَجْزَاءٌ مِنَ الثَّوْبِ، وَتِلْكَ الْأَجْزَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نِصْفُ الثَّوْبِ، فَيَغْرَمُ النِّصْفَ بِمِثْلِ نِسْبَتِهِ مِنْ أَقْصَى الْقِيَمِ كَمَا يَغْرَمُ الْكُلَّ عِنْدَ تَلَفِهِ بِالْأَقْصَى.
وَلَوْ كَانَتِ الْقِيمَةُ عِشْرِينَ وَعَادَتْ بِانْخِفَاضِ السِّعْرِ إِلَى عَشَرَةٍ، ثُمَّ لَبِسَهُ وَأَبْلَاهُ فَعَادَتْ إِلَى خَمْسَةٍ، لَزِمَهُ مَعَ رَدِّهِ عَشَرَةٌ.
وَلَوْ كَانَتْ عَشَرَةً فَعَادَتْ بِالِانْخِفَاضِ إِلَى خَمْسَةٍ، ثُمَّ لَبِسَهُ فَأَبْلَاهُ حَتَّى عَادَتْ إِلَى دِرْهَمٍ، لَزِمَهُ مَعَ رَدِّهِ سِتَّةٌ، لِأَنَّهُ تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الثَّوْبِ، فَيَغْرَمُهَا بِثَلَاثَةِ أَخْمَاسٍ أَقْصَى الْقِيَمِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: وَأَخْطَأَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهَا النَّاقِصَةُ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ هَذَا: أَنْ يَلْزَمَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى نِصْفُ دِرْهَمٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسَةٌ.
وَلَوْ غَصَبَهُ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَعَادَ بِالِاسْتِعْمَالِ إِلَى خَمْسَةٍ، ثُمَّ انْخَفَضَ السِّعْرُ فَعَادَتْ إِلَى دِرْهَمَيْنِ فَرَدَّهُ، لَزِمَهُ مَعَ الرَّدِّ الْخَمْسَةُ النَّاقِصَةُ بِالِاسْتِعْمَالِ،
وَلَا يَضْمَنُ النُّقْصَانَ الْحَاصِلَ فِي الْبَالِي الْمَرْدُودِ.
وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، فَلَبِسَهُ وَأَبْلَاهُ حَتَّى عَادَتْ إِلَى خَمْسَةٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ السِّعْرُ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ وَهُوَ بَالٍ عَشَرَةٌ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ: يَغْرَمُ مَعَ رَدِّ الثَّوْبِ عَشَرَةً، لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنَ الثَّوْبِ نِصْفُهُ وَهُوَ يُسَاوِي عَشَرَةً.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَغْرَمُ مَعَ رَدِّهِ إِلَّا الْخَمْسَةَ النَّاقِصَةَ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَ التَّلَفِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالصِّفَاتُ كَالْأَجْزَاءِ فِي هَذَا كُلِّهِ، حَتَّى لَوْ غَصَبَ عَبْدًا صَانِعًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَنَسِيَ الصَّنْعَةَ وَعَادَتْ قِيمَتُهُ إِلَى خَمْسِينَ، ثُمَّ ارْتَفَعَ السِّعْرُ فَبَلَغَتْ قِيمَتُهُ نَاسِيًا مِائَةً وَقِيمَةُ مِثْلِهِ يُحْسِنُ الصَّنْعَةَ مِائَتَيْنِ، لَا يَغْرَمُ مَعَ رَدِّهِ إِلَّا خَمْسِينَ.
ثُمَّ الْجَوَابُ فِي صُوَرِ إِبْلَاءِ الثَّوْبِ [كُلِّهَا] مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ مِثْلِ الْمَغْصُوبِ لَازِمَةٌ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ الْحَاصِلِ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَسَبَقَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
فَعَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ: الْوَاجِبُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمَقَادِيرِ الْمَذْكُورَةِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْغَاصِبُ فِي قِيمَةِ الثَّوْبِ الَّذِي أَبْلَاهُ، فَقَالَ الْمَالِكُ: زَادَتْ قَبْلَ الْإِبْلَاءِ فَاغْرَمِ التَّالِفَ بِقِسْطِهِ [مِنْهَا] ، وَقَالَ الْغَاصِبُ: [بَلْ] زَادَتْ بَعْدَهُ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: الْمُصَدَّقُ الْغَاصِبُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: نَقْصُ الْأَجْزَاءِ وَالصِّفَاتِ وَحْدَهَا، وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ فِي الصُّوَرِ الْآتِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ
النَّقْصُ الْحَادِثُ فِي الْمَغْصُوبِ، ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا سِرَايَةَ لَهُ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُهُ وَرَدُّ الْبَاقِي، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَرْشُ قَدْرَ الْقِيمَةِ كَقَطْعِ يَدَيِ الْعَبْدِ أَوْ دُونَهَا وَلَا بَيْنَ أَنْ تَفُوتَ مُعْظَمُ مَنَافِعِهِ أَوْ لَا تَفُوتَ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْأَوَّلُ كَذَبْحِ الشَّاةِ
وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ، وَتَمْزِيقِ الثَّوْبِ، أَوْ لَا يَبْطُلَ.
فَلَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ تَرْكَ النَّاقِصِ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَتَغْرِيمَهُ بَدَلَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكِهِ.
وَفِي وَجْهٍ: إِذَا طَحَنَ الطَّعَامَ، فَلَهُ تَرْكُهُ وَطَلَبُ الْمِثْلِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى حَقِّهِ مِنَ الدَّقِيقِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَهُ سِرَايَةٌ، لَا يَزَالُ يَسْرِي إِلَى الْهَلَاكِ الْكُلِّيِّ، كَمَا لَوْ بَلَّ الْحِنْطَةَ وَتَمَكَّنَ فِيهَا الْعَفَنُ السَّارِي، أَوِ اتَّخَذَ مِنْهَا هَرِيسَةً، أَوْ غَصَبَ سَمْنًا وَتَمْرًا وَدَقِيقًا وَعَمِلَهُ عَصِيدَةً، وَفِيهِ نُصُوصٌ وَطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ تَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مَنْصُوصَةٍ.
أَظْهَرُهَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ: يُجْعَلُ كَالْهَالِكِ وَيَغْرَمُ بَدَلَ كُلِّ مَغْصُوبٍ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ.
وَالثَّانِي: يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ إِلَّا ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ.
وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ مُوجَبِ الْقَوْلَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَالْمَسْعُودِيُّ.
وَالرَّابِعُ: يَتَخَيَّرُ الْغَاصِبُ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيَغْرَمَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ.
قُلْتُ: رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ الْأَوَّلَ أَيْضًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: لِمَنْ تَكُونُ الْحِنْطَةُ الْمَبْلُولَةُ؟ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الْمُتَوَلِّي.
أَحَدُهُمَا: تَبْقَى لِلْمَالِكِ كَمَا لَوْ نَجَّسَ زَيْتَهُ وَقُلْنَا: لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، فَإِنَّ الْمَالِكَ أَوْلَى بِهِ.
وَالثَّانِي: يَصِيرُ لِلْغَاصِبِ.
وَإِذَا حَكَمْنَا بِالْأَرْشِ مَعَ الرَّدِّ، غَرِمَ أَرْشَ عَيْبٍ سَارٍ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يُسَلِّمَ الْجَمِيعَ إِلَيْهِ فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى يُسَلِّمُ أَرْشَ النَّقْصِ الْمُتَحَقَّقِ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ وَوَقْفَ الزِّيَادَةِ إِلَى أَنْ تَتَيَقَّنَ نِهَايَتُهُ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ أَرْشِ الْعَيْبِ السَّارِي أَرْشُ عَيْبٍ شَأْنُهُ السِّرَايَةُ، وَهُوَ حَاصِلٌ
فِي الْحَالِ.
أَمَّا الْمُتَوَلَّدُ مِنْهُ، فَيَجِبُ قَطْعُ النَّظَرِ عَنْهُ، إِذِ الْكَلَامُ فِي نَقْصٍ لَا تَقِفُ سِرَايَتُهُ إِلَى الْهَلَاكِ.
فَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى الْمُتَوَلَّدِ مِنْهُ، لَانْجَرَّ إِلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ، وَهُوَ عَوْدٌ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ بَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ أَبُو خَلَفٍ السُّلَمِيُّ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ فَقَالَ فِي قَوْلِ التَّخْيِيرِ: إِنْ شَاءَ الْمَالِكُ غَرَّمَهُ مَا نَقَصَ إِلَى الْآنَ، ثُمَّ لَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَةِ فَسَادٍ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ لَهُ وَطَالَبَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ.
فَرْعٌ
مِنْ صُوَرِ هَذَا الضَّرْبِ مَا إِذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي الزَّيْتِ وَتَعَذَّرَ تَخْلِيصُهُ مِنْهُ، فَأَشْرَفَ عَلَى الْفَسَادِ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ تَرَدُّدٌ فِي مَرَضِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ إِذَا كَانَ سَارِيًا عَسِرَ الْعِلَاجُ، كَالسُّلِّ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَلَمْ يَرْضَهُ الْإِمَامُ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ الْمَأْيُوسَ مِنْهُ قَدْ يَبْرَأُ، وَالْعَفَنُ الْمَفْرُوضُ فِي الْحِنْطَةِ يُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ قَطْعًا.
قُلْتُ: وَلَوْ عَفِنَ الطَّعَامُ فِي يَدِهِ لِطُولِ الْمُكْثِ، فَطَرِيقَانِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هُوَ كَبَلِّ الْحِنْطَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: يَتَعَيَّنُ أَخْذُهُ مَعَ الْأَرْشِ قَطْعًا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ
أَمَّا جِنَايَتُهُ، فَيُنْظَرُ إِنْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَاقْتُصَّ مِنْهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، غَرِمَ الْغَاصِبُ أَقْصَى قِيمَةٍ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى الْقِصَاصِ.
وَإِنْ جَنَى بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا فِي الطَّرَفِ، وَاقْتُصَّ مِنْهُ فِي يَدِهِ، غَرِمَ بَدَلَهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
وَلَوِ اقْتُصَّ مِنْهُ
بَعْدَ الْوَفَاءِ إِلَى السَّيِّدِ، يُلْزَمُ الْغَاصِبُ أَيْضًا، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوِ ارْتَدَّ أَوْ سَرَقَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، ثُمَّ قُتِلَ أَوْ قُطِعَ بَعْدَ الرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ.
وَلَوْ غَصَبَ مُرْتَدًّا أَوْ سَارِقًا فَقُتِلَ أَوْ قُطِعَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَهَلْ يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ؟ وَجْهَانِ، كَمَنِ اشْتَرَى مُرْتَدًّا أَوْ سَارِقًا فَقُتِلَ أَوْ قُطِعَ فِي يَدِهِ، فَمِنْ ضَمَانِ مَنْ يَكُونُ الْقَتْلُ أَوِ الْقَطْعُ؟ أَمَّا إِذَا جَنَى الْمَغْصُوبُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ جِنَايَةً تُوجِبُ الْمَالَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ، فَعَلَى الْغَاصِبِ تَخْلِيصُهُ بِالْفِدَاءِ.
وَبِمَاذَا يَفْدِيهِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْأَرْشِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا.
وَالثَّانِي: بِالْأَرْشِ وَإِنْ زَادَ كَالْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا أَرَادَ السَّيِّدُ فِدَاءَ الْجَانِي.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْجَانِيَ وَالْجِنَايَةَ مَضْمُونَانِ عَلَى الْغَاصِبِ، لَمْ يَخْلُ، إِمَّا أَنْ يَتْلَفَ الْجَانِي فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ.
فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُ أَقْصَى الْقِيَمِ.
فَإِذَا أَخَذَهَا، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُغَرِّمَ الْغَاصِبَ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَّمَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْقِيمَةِ الَّتِي أَخَذَهَا الْمَالِكُ، لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالرَّقَبَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِبَدَلِهَا كَمَا إِذَا تَلِفَ الْمَرْهُونُ كَانَتْ قِيمَتُهُ رَهْنًا.
وَفِي وَجْهٍ: لَا مُطَالَبَةَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
فَإِذَا أَخَذَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ، رَجَعَ الْمَالِكُ بِمَا أَخَذَهُ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي أَلْفًا، فَرَجَعَ بِانْخِفَاضِ السِّعْرِ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ جَنَى وَمَاتَ عِنْدَ الْغَاصِبِ، فَغَرَّمَهُ الْمَالِكُ الْأَلْفَ، لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَّا خَمْسُمِائَةٍ وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَلْفًا فَأَكْثَرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا قَدْرُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدَ إِلَى الْمَالِكِ، نُظِرَ، إِنْ رَدَّهُ بَعْدَمَا غَرِمَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَذَاكَ، وَإِنْ رَدَّ قَبْلَهُ فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ رَجَعَ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ حِينَ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَنَى فِي يَدِ الْمَالِكِ ثُمَّ غَصَبَهُ رَجُلٌ وَرَدَّهُ ثُمَّ بِيعَ فِي تِلْكَ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْمَالِكُ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ.
وَفَرَّعَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالُوا: إِذَا جَنَى فِي يَدِ الْمَالِكِ جِنَايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، ثُمَّ غُصِبَ وَجَنَى فِي يَدِ الْغَاصِبِ جِنَايَةً مُسْتَغْرِقَةً.
ثُمَّ رَدَّهُ الْمَالِكُ، ثُمَّ بِيعَ فِي الْجِنَايَتَيْنِ وَقُسِمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَلَوْ كَانَ الْفَرْعُ بِحَالِهِ، وَتَلِفَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْجِنَايَتَيْنِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَلَهُ طَلَبُ الْقِيمَةِ مِنَ الْغَاصِبِ، وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِمَا أَخْذُهَا، فَإِذَا أَخَذَاهَا، فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ بِنِصْفِهَا عَلَى الْغَاصِبِ، لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَهَا بِجِنَايَةٍ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَإِذَا رَجَعَ بِهِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ أَخْذُهُ، لِأَنَّهُ بَدَلُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ قَبْلَ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ مَرَّةً أُخْرَى، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِجِنَايَةٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْغَاصِبِ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَقِيلَ: إِذَا رُدَّ الْعَبْدُ وَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ، فَالنِّصْفُ الْأَوَّلُ يَرْجِعُ بِهِ الْمَالِكُ وَيُسَلَّمُ لَهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يُطَالِبُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ الْغَاصِبَ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ.
وَإِذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بَعْدَ الْجِنَايَتَيْنِ، لَا يَأْخُذُ الْمَالِكُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ يُطَالِبُ الْغَاصِبَ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ وَالْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ الثَّانِي يُطَالِبُهُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ.
وَلَوْ جَنَى الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوَّلًا، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى الْمَالِكِ فَجَنَى فِي يَدِهِ أُخْرَى، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَسْتَغْرِقُ الْقِيمَةَ، فَبِيعَ فِيهِمَا وَقُسِمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا، فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ لِلْجِنَايَةِ الَّتِي هِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: سَمِعْتُ الْقَفَّالَ مَرَّةً يَقُولُ: لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِمَا أَخْذُ هَذَا النِّصْفِ مِنَ الْمَالِ.
أَمَّا الثَّانِي، فَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ مَسْبُوقَةٌ بِجِنَايَةٍ مُسْتَغْرِقَةٍ، وَحَقُّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ وَقَدْ أَخَذَهُ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ، فِلِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ يَثْبُتُ فِي الْقِيمَةِ بِنَفْسِ الْغَصْبِ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَمَا لَمْ يَصِرْ حَقُّهُ إِلَيْهِ لَا يَرْجِعُ إِلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، بَلْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ أَخْذُهُ كَمَا فِي الْجِنَايَةِ السَّابِقَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِثُبُوتِ حَقِّ السَّيِّدِ فِي الْقِيمَةِ، فَإِنَّ حَقَّهُ وَإِنْ تَقَدَّمَ، فَحَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُقَدَّمٌ كَمَا فِي الرَّقَبَةِ.
قَالَ: وَنَاظَرْتُ الْقَفَّالَ فِيهِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِي.
وَعَلَى هَذَا إِذَا
أَخَذَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، رَجَعَ بِهِ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ مَرَّةً أُخْرَى، وَيُسَلِّمُ لَهُ الْمَأْخُوذَ ثَانِيًا، لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَخَذَ تَمَامَ الْقِيمَةِ وَالثَّانِيَ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ إِلَّا بِالنِّصْفِ وَقَدْ أَخَذَهُ.
وَلَوْ جَنَى فِي يَدِ الْغَاصِبِ ثُمَّ فِي يَدِ الْمَالِكِ كَمَا صَوَّرْنَاهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ الْغَاصِبُ أَوْ غَصَبَهُ ثَانِيًا فَمَاتَ عِنْدَهُ، أُخِذَتِ الْقِيمَةُ مِنْهُ وَقُسِمَتْ بَيْنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ الْقِيمَةِ، لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ.
فَإِذَا أَخَذَهُ كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ مَرَّةً أُخْرَى وَيُسَلِّمَ لَهُ الْمَأْخُوذَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ، وَقَدْ غَرِمَ الْغَاصِبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ الْقِيمَةَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ، وَمَرَّةً بِالْقَتْلِ.
أَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُتِلَ، نُظِرَ، إِنْ وَجَبَ الْقِصَاصُ بِأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا وَالْقَتْلُ عَمْدًا، فَلِلْمَالِكِ الْقِصَاصُ.
فَإِذَا اقْتَصَّ، بَرِئَ الْغَاصِبُ، لِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَلَ حَقِّهِ، وَلَا نَظَرَ مَعَ الْقِصَاصِ إِلَى تَفَاوُتِ الْقِيمَةِ، كَمَا لَا نَظَرَ فِي الْأَحْرَارِ إِلَى تَفَاوُتِ الدِّيَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ.
فَإِنْ كَانَ الْجَانِي حُرًّا لَزِمَهُ لِلْجِنَايَةِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَتْلِ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ الْغَاصِبُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ، وَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا الْغَاصِبَ أَوِ الْجَانِيَ، لَكِنَّ الْقَرَارَ عَلَى الْجَانِي.
ثُمَّ إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقَتْلِ أَكْثَرَ، وَنَقَصَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، لَزِمَهُ مَا نَقَصَ بِحُكْمِ الْيَدِ.
وَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَبْدًا، فَإِنْ سَلَّمَهُ سَيِّدُهُ فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِثْلَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ أَخَذَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْ نَقَصَتْ عِنْدَهُ قَبْلَ الْقَتْلِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ، أَخَذَ الْبَاقِيَ مِنَ الْغَاصِبِ.
وَإِنِ اخْتَارَ سَيِّدُهُ فِدَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَفْدِيهِ بِالْأَرْشِ، أَخَذَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ إِلَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَفْدِي بِالْأَقَلِّ مِنَ الْأَرْشِ وَالْقِيمَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْجَانِي، فَالْبَاقِي عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ أَوْ مِثْلَهَا أَخَذَهَا الْمَالِكُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ إِلَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ.
وَلَوِ اخْتَارَ الْمَالِكُ تَغْرِيمَ الْغَاصِبِ ابْتِدَاءً فَلَهُ ذَلِكَ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ جَمِيعَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى سَيِّدِ الْجَانِي بِمَا غَرِمَ إِلَّا مَا لَا يُطَالَبُ بِهِ إِلَّا الْغَاصِبُ.
هَذَا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ قَتْلًا،
فَأَمَّا الْجِرَاحَاتُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فِي الْحُرِّ، وَإِمَّا لَا، وَالْوَاجِبُ فِي الْحَالَيْنِ، مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالْجِنَايَةِ، كَانَ الْمُعْتَبَرُ حَالَ الِانْدِمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ نَقْصٌ لَمْ يُطَالَبْ بِشَيْءٍ.
وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ مُقَدَّرًا مِنَ الْقِيمَةِ كَالْمُقَدَّرِ مِنَ الدِّيَةِ، فَهَلْ يُؤْخَذُ فِي الْحَالِ، أَمْ يُؤْخَذُ فِي الِانْدِمَالِ؟ قَوْلَانِ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى حُرٍّ، وَسَيَأْتِي
[ذَلِكَ] فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا كَانَ الْجَانِي غَيْرَ الْغَاصِبِ وَغَرَّمْنَاهُ الْمُقَدَّرَ مِنَ الْقِيمَةِ، وَكَانَ النَّاقِصُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ، فَعَلَى الْغَاصِبِ مَا زَادَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُقَدَّرُ أَكْثَرَ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ، فَهَلْ يُطَالِبُ الْغَاصِبُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا نَقَصَ؟ ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا سَقَطَتْ يَدُهُ بِآفَةٍ: أَنَّ الْأَصَحَّ: أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ.
وَهُنَا الْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُطَالِبُ، وَالْقَرَارُ عَلَى الْجَانِي.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ السُّقُوطَ بِآفَةٍ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ تَلَفٌ لَا بَدَلَ لَهُ، وَيُشْبِهُ الْجِنَايَةَ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهُ بِالِاخْتِيَارِ.
فَرْعٌ
لَوِ اجْتَمَعَتْ جِنَايَةُ الْمَغْصُوبِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، بِأَنْ قَتَلَ إِنْسَانًا، ثُمَّ قَتَلَهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ عَبْدُ رَجُلٍ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَقْتَصَّ وَيَسْقُطُ بِهِ الضَّمَانُ عَنِ الْغَاصِبِ، وَيَسْقُطُ حَقُّ وَرَثَةِ مَنْ قَتَلَهُ الْمَغْصُوبُ، لِأَنَّ الْعَبْدَ الْجَانِيَ إِذَا هَلَكَ [وَ] لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِوَضٌ، يَضِيعُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ قَدْ نَقَصَ عِنْدَ الْغَاصِبِ بِحُدُوثِ عَيْبٍ بَعْدَمَا جَنَى، لَمْ يَبْرَأِ الْغَاصِبُ مِنْ أَرْشِ ذَلِكَ النَّقْصِ، وَلِوَلِيِّ مَنْ قَتَلَهُ التَّمَسُّكُ بِهِ، وَإِنْ حَدَثَ الْعَيْبُ قَبْلَ جِنَايَتِهِ، فَازَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْأَرْشِ.
فَلَوْ لَمْ يَقْتَصَّ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بَلْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، فَحُكْمُ تَغْرِيمِهِ وَأَخْذِهِ الْمَالَ عَلَى مَا سَبَقَ
فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ.
ثُمَّ إِذَا أَخَذَ الْمَالَ كَانَ لِوَرَثَةِ مَنْ جَنَى عَلَيْهِ هَذَا الْعَبْدُ التَّعَلُّقُ بِهِ، لِأَنَّهُ بَدَلُ الْجَانِي عَلَى مُوَرِّثِهِمْ.
فَإِذَا أَخَذُوهُ، رَجَعَ بِهِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ مَرَّةً أُخْرَى، لِأَنَّهُ أُخِذَ [مِنْهُ] بِسَبَبِ جِنَايَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ، وَيُسَلَّمُ الْمَأْخُوذُ ثَانِيًا كَمَا سَبَقَ نَظِيرُهُ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ، لَوْ وَثَبَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ فَقَتَلَ الْغَاصِبَ، وَهَرَبَ إِلَى سَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: إِنْ عَفَا وَرَثَةُ الْغَاصِبِ عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، سَقَطَ الضَّمَانُ عَنِ الْغَاصِبِ فِي الْمَالِ.
وَإِنْ قَتَلُوهُ، لَزِمَهُمْ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي التَّرِكَةِ، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوهُ، وَكَذَا لَوْ طَلَبُوا الدِّيَةَ مِنْ رَقَبَتِهِ.
وَإِنْ قَتَلَ الْمَغْصُوبُ سَيِّدَهُ وَهُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَنَّ لِوَرَثَةِ الْمَالِكِ أَنْ يَقْتَصُّوا مِنْهُ، وَإِذَا قَتَلُوهُ اسْتَحَقُّوا قِيمَتَهُ مِنَ الْغَاصِبِ.
وَحَكَى فِي الْبَيَانِ وَجْهًا: أَنَّ جِنَايَتَهُ تَكُونُ هَدْرًا.
وَلَوْ صَالَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ أَوِ الْجَمَلُ الْمَغْصُوبُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ لِلدَّفْعِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
نَقْلُ التُّرَابِ مِنَ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، تَارَةً يَكُونُ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ حَفْرٍ، كَكَشْطِ وَجْهِهَا، وَتَارَةً بِإِحْدَاثِهَا كَحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ نَهَرٍ.
فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى، لِلْمَالِكِ إِجْبَارُهُ عَلَى رَدِّهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا.
فَإِنْ تَلِفَ وَانْمَحَقَ بِهُبُوبِ الرِّيحِ أَوِ السُّيُولِ، أَجْبَرَهُ عَلَى رَدِّ مِثْلِهِ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ إِعَادَةُ وَضْعِهِ وَهَيْئَتِهِ كَمَا كَانَ مِنِ انْبِسَاطٍ أَوِ ارْتِفَاعٍ.
وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَالِكُ بِالرَّدِّ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ، بِأَنْ دَخَلَ الْأَرْضَ نَقْصٌ يَرْتَفِعُ بِالرَّدِّ وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ الْأَرْشُ، أَوْ نَقَلَهُ إِلَى مِلْكِهِ وَأَرَادَ تَفْرِيغَهُ، أَوْ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ شَارِعٍ
يُخَافُ مِنَ التَّعَثُّرِ بِهِ الضَّمَانُ، فَلَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالرَّدِّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنْ نَقَلَهُ إِلَى مَوَاتٍ، أَوْ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيِ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ إِلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، فَإِنْ مَنَعَهُ الْمَالِكُ مِنَ الرَّدِّ، لَمْ يَرُدَّ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ، فَهَلْ يَفْتَقِرُ الرَّدُّ إِلَى إِذْنِهِ؟ وَجْهَانِ: بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ فَخَالَفَ وَرَدَّ، هَلْ لِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ النَّقْلَ ثَانِيًا؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَلَهُ الرَّدُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَإِذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي الرَّدِّ فَرَدَّهُ، فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ مِنْ بَسْطِهِ، لَمْ يَبْسُطْهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَبْسُوطًا.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فَأَمَرَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ خَطَرَ الضَّمَانِ بِالسُّقُوطِ فِيهَا.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا يَطِمُّ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَالِكِ.
فَإِنْ مَنَعَهُ وَقَالَ: رَضِيتُ بِاسْتِدَامَةِ الْبِئْرِ، فَإِنْ كَانَ لِلْغَاصِبِ غَرَضٌ
[فِي الطَّمِّ] سِوَى دَفْعِ ضَمَانِ السُّقُوطِ فَلَهُ الطَّمُّ، وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحِّ، وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةً وَتَعَدِّيًا.
فَلَوْ لَمْ يَقُلْ: رَضِيتُ بِاسْتِدَامَتِهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الطَّمِّ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالرِّضَا، لِتَضَمُّنِهِ إِيَّاهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يَتَضَمَّنُهُ.
وَلَوْ طَوَى الْغَاصِبُ الْبِئْرَ بِآلَةِ نَفْسِهِ فَلَهُ نَقْلُهَا، وَلِلْمَالِكِ إِجْبَارُهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ تَرَكَهَا وَوَهَبَهَا لَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَبُولُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَحَيْثُ قُلْنَا فِي الْحَالَتَيْنِ: يَرُدُّ التُّرَابَ إِلَى مَوْضِعِهِ لِوُقُوعِهِ فِي مِلْكِهِ أَوْ شَارِعٍ فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ نَقْلُهُ إِلَى مَوَاتٍ وَنَحْوِهِ فِي طَرِيقِ الرَّدِّ.
فَإِنْ تَيَسَّرَ لَمْ يَرُدَّ إِلَّا بِإِذْنٍ قَالَهُ الْإِمَامُ وَذَكَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَقِلُّ بِالطَّمِّ إِذَا بَقِيَ التُّرَابُ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ.
أَمَّا إِذَا تَلِفَ، فَفِي الطَّمِّ بِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ وَجْهَانِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى، وَفِيمَا إِذَا طَلَبَ الْمَالِكُ الرَّدَّ وَالَطَّمَّ عِنْدَ تَلَفِ ذَلِكَ [التُّرَابِ] ، وَالْأَصَحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ التُّرَابِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ إِذَا أَعَادَ هَيْئَةَ الْأَرْضِ فِي الْحَالَيْنِ كَمَا كَانَتْ، إِمَّا بِطَلَبِ
الْمَالِكِ، وَإِمَّا دُونَهُ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ نَقْصٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ الْحَفْرِ وَالرَّدِّ، وَإِنْ بَقِيَ لَزِمَهُ أَرْشُهُ مَعَ الْأُجْرَةِ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ إِلَى هُنَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالَّذِي يُفْتَى بِهِ، وَوَرَاءَهُ تَصَرُّفٌ لِلْأَصْحَابِ قَالُوا: نَصَّ هُنَا: أَنَّهُ يَجِبُ أَرْشُ النَّقْصِ الْحَاصِلِ بِالْحَفْرِ، وَلَمْ يُوجِبِ التَّسْوِيَةَ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا إِذَا غَرَسَ الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ ثُمَّ قَلَعَ بِطَلَبِ الْمَالِكِ.
وَنَصَّ فِيمَا إِذَا بَاعَ أَرْضًا فِيهَا أَحْجَارٌ مَدْفُونَةٌ فَنَقَلَهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ.
فَقِيلَ قَوْلَانِ فِيهِمَا، وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ ضَعِيفٌ.
وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يُوهِمُ ظَاهِرُهُ خِلَافَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلْيُتَأَوَّلْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
فَصْلٌ
إِذَا خُصِيَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي جِرَاحِ الْعَبْدِ.
وَهَلْ يَتَقَدَّرُ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ: أَنَّهُ يَتَقَدَّرُ، لَزِمَهُ كَمَالُ الْقِيمَةِ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ سَقَطَ ذَلِكَ الْعُضْوُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ، وَرَدَّهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، لَكِنَّ قِيَاسَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالتَّلَفِ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ كَمَا يَضْمَنُ الْجِنَايَةَ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَمَالُ الْقِيمَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ فِي الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ سِمَنٌ مُفْرِطٌ، فَزَالَ وَرَجَعَتْ إِلَى الِاعْتِدَالِ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ السِّمَنَ لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ مُقَدَّرٌ، بِخِلَافِ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَصْلٌ
إِذَا غَصَبَ زَيْتًا أَوْ دُهْنًا فَأَغْلَاهُ، فَإِنْ نَقَصَتْ عَيْنُهُ فَقَطْ، كَمَنْ غَصَبَ صَاعَيْنِ قِيمَتُهُمَا دِرْهَمَانِ فَصَارَ بِالْإِغْلَاءِ صَاعًا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَرُدُّهُ وَيَغْرَمُ مِثْلَ الصَّاعِ الذَّاهِبِ.
وَالثَّانِي: يَرُدُّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ فَقَطْ رَدَّهُ مَعَ الْأَرْشِ.
وَإِنْ نَقَصَا مَعًا وَجَبَ رَدُّ الْبَاقِي وَمِثْلُ مَا ذَهَبَ، إِلَّا إِذَا كَانَ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْعَيْنِ، فَيَجِبُ مَعَ مِثْلِ الذَّاهِبِ أَرْشُ نَقْصِ الْبَاقِي.
وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا فَأَغْلَاهُ، فَطَرِيقَتَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالزَّيْتِ فَيَضْمَنُ مِثْلَ الذَّاهِبِ وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَصَحُّهَا: لَا، فَلَا يَضْمَنُ مِثْلَ الْعَصِيرِ الذَّاهِبِ إِذَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ، لِأَنَّ الذَّاهِبَ مَائِيَّتُهُ وَالذَّاهِبَ مِنَ الزَّيْتِ زَيْتٌ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْعَصِيرِ إِذَا صَارَ خَلًّا وَنَقَصَتْ عَيْنُهُ دُونَ قِيمَتِهِ، وَفِي الرُّطَبِ إِذَا صَارَ تَمْرًا.
فَصْلٌ
نَقْصُ الْمَغْصُوبِ هَلْ يَنْجَبِرُ بِالْكَمَالِ بَعْدَهُ؟ يُنْظَرُ، إِنْ كَانَ الْكَمَالُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي نَقَصَ بِهِ، كَمَا لَوْ هَزَلَتِ الْجَارِيَةُ ثُمَّ سَمِنَتْ وَعَادَتِ الْقِيمَةُ كَمَا كَانَتْ، لَمْ يَنْجَبِرْ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: لَا يَنْجَبِرُ قَطْعًا، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ يُحْسِنُ صُنْعَةً فَنَسِيَهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا أَوْ تَعَلَّمَهَا انْجَبَرَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يَنْجَبِرُ قَطْعًا، لِأَنَّ تَذَكُّرَ الصَّنْعَةِ لَا يُعَدُّ شَيْئًا مُتَجَدِّدًا، بِخِلَافِ السِّمَنِ.
وَالثَّانِي: وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ كَسَرَ الْحُلِيَّ وَالْإِنَاءَ، ثُمَّ أَعَادَ تِلْكَ الصَّنْعَةَ.