روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 107-146
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 107-146
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تَظَاهَرَتِ النُّصُوصُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ، وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ مُطْلَقٍ لَا يُصَادِفُ إِعْتَاقُهُ مُتَعَلِّقَ حَقٍّ لَازِمٍ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ إِعْتَاقُ غَيْرِ مَالِكٍ إِلَّا بِوِكَالَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ، وَلَا إِعْتَاقُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ.
وَفِي الْمَحْجُورِ لِفَلَسٍ وَالرَّاهِنِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي خِلَافٌ سَبَقَ فِي التَّفْلِيسِ وَالرَّهْنِ وَالْبَيْعِ، وَالْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ يُعْتَبَرُ إِعْتَاقُهُ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَا يَصِحُّ إِعْتَاقُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمَوْقُوفَ، وَيَصِحُّ إِعْتَاقُ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ.
وَإِذَا أَسْلَمَ عَتِيقُ الْكَافِرِ، فَوَلَاؤُهُ ثَابِتٌ عَلَيْهِ.
وَيَصِحُّ الْعِتْقُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ، أَمَّا الصَّرِيحُ، فَالتَّحْرِيرُ وَالْإِعْتَاقُ صَرِيحَانِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مُحَرَّرٌ، أَوْ أَحْرَرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ عَتِيقٌ، أَوْ مُعْتَقٌ، أَوْ أَعْتَقْتُكَ، عَتَقَ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَلَا أَثَرَ لِلْخَطَأِ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، بِأَنْ يَقُولَ لِلْعَبْدِ: أَنْتِ حُرَّةٌ، أَوْ لِلْأَمَةِ: أَنْتَ حُرٌّ.
وَفَكُّ الرَّقَبَةِ صَرِيحٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْكِنَايَةُ كَقَوْلِهِ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، أَوْ لَا

سَبِيلَ، أَوْ لَا سُلْطَانَ، أَوْ لَا يَدَ، أَوْ لَا أَمْرَ، أَوْ لَا خِدْمَةَ، أَوْ أَزَلْتُ مِلْكِي عَنْكَ، أَوْ حَرَّمْتُكَ، أَوْ أَنْتَ سَائِبَةٌ، أَوْ أَنْتَ لِلَّهِ.
وَصَرَائِحُ الطَّلَاقِ وَكِنَايَاتُهُ كُلُّهَا كِنَايَاتٌ فِي الْعِتْقِ.
وَقَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كِنَايَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، لِاقْتِضَائِهِ التَّحْرِيمَ، كَقَوْلِهِ: حَرَّمْتُكِ.
وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ نَفْسَكَ، وَنَوَى الْعِتْقَ، عَتَقَ.
فَإِنْ نَوَى التَّمْلِيكَ، فَعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: بِعْتُكَ نَفْسَكَ.
وَلَوْ كَانَتْ أَمَتُهُ تُسَمَّى قَبْلَ جَرَيَانِ الرِّقِّ عَلَيْهَا حُرَّةً، فَقَالَ لَهَا: يَا حُرَّةُ، فَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ النِّدَاءُ بِاسْمِهَا الْقَدِيمِ، عَتَقَتْ، وَإِنْ قَصَدَ نِدَاءَهَا، لَمْ تَعْتِقْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تَعْتِقُ ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ.
وَلَوْ كَانَ اسْمُهَا فِي الْحَالِ حُرَّةً، أَوِ اسْمُ الْعَبْدِ حُرٌّ أَوْ عَتِيقٌ، فَإِنْ قَصَدَ النِّدَاءَ، لَمْ يَعْتِقْ.
وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: أَنَّهُ لَوِ اجْتَازَ بِالْمَكَّاسِ، فَخَافَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْمَكْسِ عَنْ عَبْدِهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ حُرٌّ لَيْسَ بِعَبْدٍ، وَقَصَدَ الْإِخْبَارَ، لَمْ يَعْتِقْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي خَبَرِهِ.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: افْرُغْ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَأَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ: أَرَدْتُ: حُرٌّ مِنَ الْعَمَلِ، دِينَ، وَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا.
وَأَنَّهُ لَوْ زَاحَمَتْهُ امْرَأَةٌ فِي طَرِيقٍ، فَقَالَ: تَأَخَّرِي يَا حُرَّةُ، فَبَانَتْ أَمَتَهُ، لَمْ تَعْتِقْ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدٍ: يَا مَوْلَايَ، فَكِنَايَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي، فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ: هُوَ لَغْوٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
فَرْعٌ قَالَ لِعَبْدِ غَيْرِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، فَهَذَا إِقْرَارٌ بِحُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ فِي الْحَالِ.
فَلَوْ مَلَكَهُ حَكَمْنَا بِعِتْقِهِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ: قَدْ أَعْتَقْتُكَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْإِنْشَاءِ، فَلَغْوٌ،

أَوْ فِي مَعْرِضِ الْإِقْرَارِ، فَيُؤَاخَذُ بِهِ إِنْ مَلَكَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: هُوَ إِقْرَارٌ ; لِأَنَّ «قَدْ» يُؤَكِّدُ مَعْنَى الْمُضِيِّ فِي الْفِعْلِ الْمَاضِي.
قَالَ الْإِمَامُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: أُعْتِقُكَ بِلَا «قَدْ» لَا يَكُونُ إِقْرَارًا وَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ فِي الْوَضْعِ لِلْمَاضِي، قَالَ: وَعِنْدِي لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَالْوَجْهُ أَنْ يُرَاجَعَ وَيُحْكَمَ بِمُوجَبِ قَوْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يُفَسِّرْ، تُرِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، وَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُكَ.

فَرْعٌ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى عِوَضٍ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ عِتْقَكَ إِلَيْكَ، أَوْ حَرَّرْتُكَ، وَنَوَى تَفْوِيضَ الْعِتْقِ إِلَيْهِ، فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ فِي الْحَالِ، عَتَقَ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُكَ عَلَى كَذَا، فَقَبِلَ فِي الْحَالِ، أَوْ قَالَ الْعَبْدُ: اعْتِقْنِي عَلَى كَذَا، فَأَجَابَهُ، عَتَقَ، وَعَلَيْهِ مَا الْتَزَمَ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُكَ عَلَى كَذَا إِلَى شَهْرٍ، فَقَبِلَ، عَتَقَ فِي الْحَالِ، وَالْعِوَضُ مُؤَجَّلٌ.
وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، عَتَقَ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُكَ عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي وَلَمْ يُبَيِّنْ مُدَّةً، أَوْ تَخْدِمَنِي أَبَدًا.
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي شَهْرًا.
أَوْ تَعْمَلَ لِي كَذَا، وَبَيَّنَهُ، فَقَبِلَ، عَتَقَ، وَعَلَيْهِ مَا الْتَزَمَ.
وَلَوْ خَدَمَهُ نِصْفَ شَهْرٍ وَمَاتَ، فَلِلسَّيِّدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ فِي تَرِكَتِهِ.
فُرُوعٌ.
أَكْثَرُهَا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
إِذَا قَالَ: أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ الدَّارَ مِنْ عَبِيدِي، أَوْ أَيُّ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي دَخَلَ أَوَّلًا، فَهُوَ حُرٌّ، فَدَخَلَ اثْنَانِ مَعًا، ثُمَّ ثَالِثٌ، لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
أَمَّا الثَّالِثُ، فَظَاهِرٌ، وَالِاثْنَانِ لَا يُوصَفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ أَوَّلٌ.
وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ وَالْحَالَةُ

هَذِهِ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ وَحْدَهُ، عَتَقَ الثَّالِثُ.
وَلَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ لَا غَيْرَ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ وَجْهَانِ فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
وَلَوْ قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ بَعْضٍ، لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ يَمُوتَ السَّيِّدُ، فَيَبِينَ الْآخَرُ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَضَى الْعَامُ، وَاخْتَلَفَا فِي أَنَّهُ حَجَّ، فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ بِالْكُوفَةِ يَوْمَ النَّحْرِ - عَتَقَ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: إِذَا جَاءَ الْغَدُ، فَأَحَدُكُمَا حُرٌّ، فَجَاءَ الْغَدُ، عَتَقَ أَحَدُهُمَا، وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ.
فَلَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، وَجَاءَ الْغَدُ وَالْآخَرُ فِي مِلْكِهِ، لَمْ يَتَعَيَّنِ الْعِتْقُ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ حِينَئِذٍ إِعْتَاقَهُمَا، فَلَا يَمْلِكُ إِعْتَاقَ أَحَدِهِمَا.
وَلَوْ بَاعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ اشْتَرَى مَنْ بَاعَ، وَجَاءَ الْغَدُ وَهُمَا مِلْكُهُ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي عَوْدِ الْحِنْثِ.
وَلَوْ بَاعَ نِصْفَ أَحَدِهِمَا، وَجَاءَ الْغَدُ وَفِي مِلْكِهِ نِصْفُهُ الْآخَرُ، فَإِلَيْهِ التَّعْيِينُ، فَإِنْ عَيَّنَ مَنْ نِصْفُهُ لَهُ، وَقَعَ النَّظَرُ فِي السِّرَايَةِ.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا جَاءَ الْغَدُ وَأَحَدُكُمَا فِي مِلْكِي فَهُوَ حُرٌّ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ جَاءَ الْغَدُ وَالْآخَرُ فِي مِلْكِهِ، عَتَقَ.
وَإِنْ بَاعَ أَحَدَهُمَا وَنِصْفَ الْآخَرِ، وَجَاءَ الْغَدُ، لَمْ يَعْتِقِ النِّصْفُ الْبَاقِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مِلْكِهِ.

فَصْلٌ

فِي خَصَائِصِ الْعِتْقِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا عَنِ الطَّلَاقِ، وَهِيَ خَمْسٌ: الْأَوْلَى السِّرَايَةُ، فَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ مَمْلُوكٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ لَهُ، فَيَعْتِقُ كُلُّهُ كَمَا فِي الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ الْمُوسِرُ وَالْمُعْسِرُ.
وَلَوْ أَضَافَ إِلَى عُضْوٍ مُعَيَّنٍ، كَيَدٍ، وَرِجْلٍ، عَتَقَ كُلُّهُ، كَالطَّلَاقِ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ التَّكْمِيلِ إِذَا أَضَافَ الْعِتْقَ إِلَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَحْصُلُ فِي الْجُزْءِ الْمُسَمَّى، ثُمَّ يَسْرِي إِلَى الْبَاقِي.

وَالثَّانِي: يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَيَكُونُ إِعْتَاقُ الْبَعْضِ عِبَارَةً عَنْ إِعْتَاقِ الْكُلِّ.
وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ، فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِحُصُولِهِ دُفْعَةً، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْخِلَافُ بِتَفَارِيعِهِ فِي الطَّلَاقِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ الْحَامِلَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ، عَتَقَ الْحَمْلُ أَيْضًا، لَا بِالسِّرَايَةِ، فَإِنَّ السِّرَايَةَ فِي الْأَشْقَاصِ، لَا فِي الْأَشْخَاصِ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّبَعِ كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ، إِلَّا أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ بِاسْتِثْنَائِهِ، وَالْعِتْقُ لَا يَبْطُلُ لِقُوَّتِهِ.
وَلِهَذَا لَوِ اسْتَثْنَى عُضْوًا فِي الْبَيْعِ، بَطَلَ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ، عَتَقَ، وَلَمْ يَعْتِقِ الْأُمُّ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهَا لَا تَتْبَعُهُ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ: تَعْتِقُ بِعِتْقِهِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْأُمُّ لِوَاحِدٍ، وَالْحِمْلُ لِآخَرَ، لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِعِتْقِ الْآخَرِ.
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إِذَا وَلَدْتِ فَوَلَدُكِ حُرٌّ، أَوْ كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ حُرٌّ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ التَّعْلِيقِ، عَتَقَ الْوَلَدُ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، عَتَقَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكِ الْوَلَدَ حِينَئِذٍ، فَقَدْ مَلَكَ الْأَصْلَ الْمُفِيدَ لِمِلْكِ الْوَلَدِ.
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ: إِنْ كَانَ أَوَّلُ مَنْ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، فَإِنْ وَلَدَتِ الذَّكَرَ أَوَّلًا، عَتَقَ، وَرَقَّتِ الْأُمُّ وَالْأُنْثَى، وَإِنْ وَلَدَتِ الْأُنْثَى أَوَّلًا، عَتَقَتِ الْأُمُّ وَالذَّكَرُ أَيْضًا، لِكَوْنِهِ فِي بَطْنِ عَتِيقِهِ، وَتَرِقُّ الْأُنْثَى ; لِأَنَّ عِتْقَ الْأُمِّ طَرَأَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا.
وَإِنْ وَلَدَتْهُمَا مَعًا، فَلَا عِتْقَ، إِذْ لَا أَوَّلَ فِيهِمَا.
وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ وَلَدَتْهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا، فَلَا عِتْقَ، لِلشَّكِّ.
وَإِنْ عُلِمَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا، وَأَشْكَلَ، فَالذَّكَرُ حُرٌّ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْأُنْثَى رَقِيقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْأُمُّ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَيُؤْمَرُ السَّيِّدُ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا رَقِيقَةٌ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: يُقْرَعُ

عَلَيْهَا بِسَهْمِ رِقٍّ وَسَهْمِ عِتْقٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ غَلَطٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّا شَكَكْنَا فِي عِتْقِهَا، وَالْقُرْعَةُ لَا يُثْبِتُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي تَعْيِينِ مَا تَيَقَّنَّا أَصْلَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا كُلُّهُ إِذَا وَلَدَتْ فِي صِحَّةِ السَّيِّدِ، فَلَوْ وَلَدَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الثُّلُثُ يَفِي بِالْجَمِيعِ، لَمْ يَخْتَلِفِ الْجَوَابُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا هَذِهِ الْأَمَةُ وَمَا وَلَدَتْ، أُقْرِعَ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْغُلَامِ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْغُلَامِ، عَتَقَ وَحْدَهُ إِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْأُمِّ، قُوِّمَتْ حَامِلًا بِالْغُلَامِ يَوْمَ وَلَدَتِ الْجَارِيَةَ إِنْ وَلَدَتْهَا أَوَّلًا، وَيَعْتِقُ مِنْهَا وَمِنَ الْغُلَامِ قَدْرُ الثُّلُثِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ مِائَةً وَقِيمَةُ الْأُمِّ حَامِلًا بِالْغُلَامِ مِائَتَيْنِ، فَيَعْتِقُ نِصْفُهَا وَنِصْفُ الْغُلَامِ وَهُوَ مِائَةٌ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ النِّصْفَانِ، وَهُوَ مِائَةٌ، وَالْجَارِيَةُ وَهِيَ مِائَةٌ أُخْرَى.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي لِغَيْرِهِ، فَيَعْتِقُ نَصِيبُهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةٍ بَاقِيهِ، لَزِمَهُ قِيمَتُهُ لِلشَّرِيكِ، وَعَتَقَ الْبَاقِي عَلَيْهِ وَوَلَاءُ جَمِيعِ الْعَبْدِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ التَّقْوِيمُ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: كَوْنُ الْمُعْتِقِ مُوسِرًا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُعَدَّ غَنِيًّا، بَلْ إِذَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَفِي بِقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ، وَيُصْرَفُ إِلَى هَذِهِ الْجِهَةِ كُلُّ مَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ، فَيُبَاعُ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ، وَكُلُّ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ يَوْمٍ، وَقُوتِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَدَسْتِ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ، وَسُكْنَى يَوْمٍ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الْيَسَارِ بِحَالَةِ الْإِعْتَاقِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، ثُمَّ أَيْسَرَ، فَلَا تَقْوِيمَ.
وَلَوْ مَلَكَ قِيمَةَ الْبَاقِي، لَكِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِهِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذٌ تَصَرُّفُهُ.
وَلِهَذَا

لَوِ اشْتَرَى بِهِ عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ، نَفَذَ.
وَالثَّانِي: لَا يُقَوَّمُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوسِرٍ، بَلْ لَوْ أُبْرِئَ عَنِ الدَّيْنِ، لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا، كَالْمُعْسِرِ يُوسِرُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُضَارِبُ الشَّرِيكُ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ أَصَابَهُ بِالْمُضَارَبَةِ مَا يَفِي بِقِيمَةِ جَمِيعِ نَصِيبِهِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى حِصَّتِهِ، وَيَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبْدِ إِنْ قُلْنَا: تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَحْصُلُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، ضَارَبَ الشَّرِيكُ بِقِيمَةِ بَاقِيهِ، إِلَى أَنْ يَعْتِقَ الْجَمِيعُ.
وَلَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَبْدٌ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ لِأَحَدِهِمَا: أَعْتِقْ نَصِيبَكَ مِنْهُ عَنِّي عَلَى هَذِهِ الْعَشَرَةِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَجَابَهُ، عَتَقَ نَصِيبُهُ عَنِ الْمُسْتَدْعِي، وَلَا سِرَايَةَ ; لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنِ الْعَشَرَةِ بِمَا جَرَى، وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ فِي ذِمَّتِي، فَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ يَمْنَعُ التَّقْوِيمَ، لَمْ يُقَوَّمْ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْنَعُ، فَإِنْ قُلْنَا: السِّرَايَةُ تَحْصُلُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، عَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ، وَيُقَسَّمُ الْعَشَرَةُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَتَبْقَى لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، عَتَقَ مِنْ نَصِيبِ الشَّرِيكِ بِالسِّرَايَةِ حِصَّةُ الْخَمْسَةِ، وَهُوَ رُبُعُ الْعَبْدِ، وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى الرِّقِّ، وَلِلشَّرِيكِ الْمُسْتَدْعِي مِنْهُ خَمْسَةٌ فِي ذِمَّتِهِ.
وَلَوْ مَلَكَ نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيِ الْقِيمَةِ، فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ بِنِصْفِ قِيمَةِ أَحَدِهِمَا، نُظِرَ، إِنْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا، عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُمَا، وَسَرَى إِلَى نِصْفِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَيَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَهَذَا إِذَا حَكَمْنَا بِالسِّرَايَةِ فِي الْحَالِ.
وَقُلْنَا: الْيَسَارُ بِقِيمَةِ بَعْضِ النَّصِيبِ يَقْتَضِي السِّرَايَةَ بِالْقِسْطِ، وَإِنْ أَعْتَقَ مُرَتَّبًا، سَرَى إِلَى جَمِيعِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ يَمْنَعُ السِّرَايَةَ، فَلَا سِرَايَةَ فِي الْعَبْدِ

الثَّانِي، وَإِلَّا فَيَسْرِي، وَمَا فِي يَدِهِ يُصْرَفُ إِلَى الشَّرِيكِ، وَالْبَاقِي فِي ذِمَّتِهِ.
وَإِنْ كَانَ الشِّقْصَانِ لِشَخْصَيْنِ، صُرِفَ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ.
وَلَوْ مَلَكَ الشِّقْصَيْنِ، فَأَعْتَقَهُمَا مَعًا وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا، فَلَا سِرَايَةَ ; لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مُرَتَّبًا، عَتَقَ كُلُّ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ فِي نَصِيبِهِ فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ وَفَاءً بِبَاقِي الَّذِي أَعْتَقَ شِقْصَهُ، ثُمَّ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّانِي نَفَذَ الْعِتْقُ فِي نَصِيبِهِ، وَلَا سِرَايَةَ ; لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَإِنَّمَا نَفَذَ إِعْتَاقُهُ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّانِي ; لِأَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ، بَلْ هُوَ فِي الذِّمَّةِ.
فَرْعٌ أَعْتَقَ شَرِيكٌ نَصِيبَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، نُظِرَ، إِنْ خَرَجَ جَمِيعُ الْعَبْدِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وَعَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا نَصِيبُهُ، عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَلَا تَقْوِيمَ، وَإِنْ خَرَجَ نَصِيبُهُ وَبَعْضُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَيَجِيءُ فِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي يَسَارِ الْمُعْتِقِ بِبَعْضِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ.
وَبِالْجُمْلَةِ الْمَرِيضُ فِي الثُّلُثِ كَالصَّحِيحِ فِي الْكُلِّ، وَفِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مُعْسِرٌ.
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ بِاعْتِبَارِ الثُّلُثِ عَلَى أَنَّ التَّقْوِيمَ يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَرِيضِ ; لِأَنَّ الثُّلُثَ يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْمَوْتِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ حَالَ إِعْتَاقِهِ، ثُمَّ اسْتَفَادَ مَالًا، وَوَفَى عِنْدَ الْمَوْتِ، قُوِّمَ جَمِيعُهُ.
وَفِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيِ الْقِيمَةِ، فَأَعْتَقَهُمَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، نُظِرَ، إِنْ خَرَجَا مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَا، سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ إِلَّا نَصِيبَاهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا، عَتَقَ نَصِيبَاهُ، وَلَا سِرَايَةَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُمَا

مُرَتَّبًا، عَتَقَ كُلُّ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَعْتِقْ مِنَ الثَّانِي شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَزِمَهُ قِيمَةُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ مِنَ الْأَوَّلِ، وَصَارَ نَصِيبُهُ مِنَ الثَّانِي مُسْتَحَقَّ الصَّرْفِ إِلَيْهِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ نَصِيبَاهُ، وَنَصِيبُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مُرَتَّبًا، عَتَقَ جَمِيعُ الْأَوَّلِ، وَلَا يَعْتِقُ مِنَ الثَّانِي إِلَّا نَصِيبُهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ: نَصِيبَاهُ، وَنِصْفُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي: يُقْرَعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَلَمْ يَعْتِقْ مِنَ الْآخَرِ إِلَّا نَصِيبُهُ ; لِأَنَّ الْقُرْعَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْعِتْقِ، وَلَا يُصَارُ إِلَى التَّشْقِيصِ مَعَ إِمْكَانِ التَّكْمِيلِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ إِلَّا أَحَدُ نَصِيبَيْهِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ نَصِيبِهِ، وَهُوَ رُبُعُ كُلِّ عَبْدٍ، وَأَصَحُّهُمَا: يُقْرَعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، عَتَقَ مِنْهُ جَمِيعُ نَصِيبِهِ، وَلَا يَعْتِقُ مِنَ الْآخَرِ شَيْءٌ.
وَلَوْ أَعْتَقَ النَّصِيبَيْنِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: إِنْ أَعْتَقَهُمَا مُرَتَّبًا، عَتَقَ ثُلُثَا نَصِيبِهِ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ ثُلُثُ جَمِيعِ مَالِهِ، وَهُوَ ثُلُثُ ذَلِكَ الْعَبْدِ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ سُدُسُ ذَلِكَ الْعَبْدِ، وَنِصْفُ الْعَبْدِ الْآخَرِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا وَمَاتَ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثَا نَصِيبِهِ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ.
فَرْعٌ لَوْ أَوْصَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَا سِرَايَةَ وَإِنْ خَرَجَ كُلُّهُ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ الْمَالَ يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ إِلَى الْوَارِثِ، وَيَبْقَى الْمَيِّتُ مُعْسِرًا، بَلْ لَوْ كَانَ كُلُّ الْعَبْدِ لَهُ فَأَوْصَى بِإِعْتَاقِ بَعْضِهِ، فَأَعْتَقَ، لَمْ يُسَرَّ.
وَكَذَا لَوْ دَبَّرَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَقَالَ: إِذَا مُتُّ، فَنَصِيبِي مِنْكَ حُرٌّ، وَإِنْ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ: أَعْتِقُوا نَصِيبِي، وَكَمِّلُوا الْعِتْقَ كَمَّلْنَاهُ،

إِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ كُلُّهُ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَخْرُجُ.
وَهُنَا فَائِدَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: عِنْدِي أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِالتَّكْمِيلِ، لَا يُكَمَّلُ إِلَّا بِاخْتِيَارِ الشَّرِيكِ ; لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا لَا يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا بِاخْتِيَارِ الْمُعْتِقِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعْتِقَ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا، ثُمَّ أَيْسَرَ، أَوْ قَالَ: قَوِّمُوهُ عَلَيَّ حَتَّى أَسْتَقْرِضَ، لَا يُجْبَرُ الشَّرِيكُ، وَالْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا، وَوَجَّهَهُ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثِ.
وَإِذَا أَوْصَى بِالتَّكْمِيلِ، فَقَدِ اسْتَبْقَى لِنَفْسِهِ قَدْرَ قِيمَةِ الْعَبْدِ مِنَ الثُّلُثِ، فَكَانَ مُوسِرًا بِهِ.
الثَّانِيَةُ: ذَكَرَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ لِصُورَةِ الْوَصِيَّةِ بِالتَّكْمِيلِ أَنْ يَقُولَ: اشْتَرُوا نَصِيبَ الشَّرِيكِ، فَأَعْتِقُوهُ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَعْتِقُوهُ إِعْتَاقًا سَارِيًا، فَلَا خَيْرَ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَا سِرَايَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنْ أَعْتَقْنَا نَصِيبَهُ، فَالَّذِي أَتَى بِهِ وَصِيَّةٌ بِمُحَالٍ.
وَلَوْ مَلَكَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ، فَأَوْصَى بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ مِنْهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِ، أَعْتَقَ عَنْهُ النَّصِيبَانِ، وَلَا سِرَايَةَ.
وَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: وَكَمِّلُوا عِتْقَهُمَا، فَإِنْ خَرَجَا مِنَ الثُّلُثِ، كَمَنْ عَتَقَهُمَا، وَإِنْ خَرَجَ الْبَاقِي مِنْ أَحَدِهِمَا، فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ.
أَحَدُهُمَا: فِيهِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ النَّصِيبَيْنِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ إِلَّا نَصِيبَاهُ مَعَ الْبَاقِي مِنْ أَحَدِهِمَا، فَفِي وَجْهٍ: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَفِي آخَرَ: يُقْرَعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، أَعْتَقَ كُلَّهُ، وَأَعْتَقَ مِنَ الْآخَرِ نَصِيبَهُ لَا غَيْرَ.
الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْقُرْعَةِ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ التَّكْمِيلَ هُنَا حَيْثُ أَوْصَى بِهِ، فَيُرَاعَى مَقْصُودُهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.

فَرْعٌ لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ مُوسِرًا بِبَعْضِ قِيمَةِ النَّصِيبِ، فَوَجْهَانِ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ فِي «الْأُمِّ» : أَنَّهُ يَسْرِي إِلَى الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ مُوسِرٌ بِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْرِي ; لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الِاسْتِقْلَالَ فِي ثُبُوتِ أَحْكَامِ الْأَحْرَارِ.
وَلَوْ كَانَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ عَبْدٌ، فَأَعْتَقَ اثْنَانِ نَصِيبَهُمَا، وَأَحَدُهُمَا مُوسِرٌ، قُوِّمَ نَصِيبُ الثَّالِثِ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ عِتْقُ نَصِيبِهِ بِاخْتِيَارٍ، فَلَوْ مَلَكَ بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، نُظِرَ، إِنْ مَلَكَهُ لَا بِاخْتِيَارِهِ بِأَنْ وَرِثَهُ، لَمْ يَسْرِ، وَإِنْ مَلَكَهُ بِاخْتِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ بِطَرِيقٍ يُقْصَدُ بِهِ اجْتِلَابُ الْمِلْكِ كَالشِّرَاءِ، وَقَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ، سَرَى، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّمَلُّكُ غَالِبًا، لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ، فَإِنْ كَانَتْ عَبْدًا، فَاشْتَرَى شِقْصًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ، ثُمَّ عَجَّزَهُ سَيِّدُهُ فَصَارَ الشِّقْصُ لَهُ، وَعَتَقَ، لَمْ يَسْرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ.
وَإِنْ عَجَّزَ الْمُكَاتَبُ نَفْسَهُ، لَمْ يَسْرِ، لِعَدَمِ اخْتِيَارِ سَيِّدِهِ.
وَلَوْ بَاعَ شِقْصًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَى وَارِثِهِ، بِأَنْ بَاعَ ابْنَ أَخِيهِ بِثَوْبٍ وَمَاتَ، وَوَارِثُهُ أَخُوهُ، فَوَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا، فَرَدَّهُ، وَاسْتَرَدَّ الشِّقْصَ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ، فَفِي السِّرَايَةِ وَجْهَانِ ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي تَمَلُّكِهِ، لَكِنَّ مَقْصُودَهُ رَدُّ الثَّوْبِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ هُنَا السِّرَايَةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ وَجَدَ مُشْتَرِي الشِّقْصِ بِهِ عَيْبًا، فَرَدَّهُ، فَلَا سِرَايَةَ، كَالْإِرْثِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِشِقْصٍ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَى وَارِثِهِ، بِأَنْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ جَارِيَةٍ، لَهُ مِنْهَا ابْنٌ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ ابْنِ أَخِيهِ، وَمَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ، فَقَبِلَهَا ابْنُهُ أَوْ أَخُوهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ الشِّقْصُ، وَلَا سِرَايَةَ

عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ بِقَبُولِهِ يَدْخُلُ الشِّقْصُ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِالْإِرْثِ.
فَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِشِقْصٍ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَى وَارِثِهِ، بِأَنْ أَوْصَى لَهُ بِشِقْصٍ مِنْ أَمَةٍ، وَوَارِثُهُ أَخُوهُ مِنْ أَبِيهِ، فَمَاتَ وَقَبِلَ الْوَصِيَّةَ أَخُوهُ، عَتَقَ ذَلِكَ الشِّقْصُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَيَسْرِي إِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ يَفِي ثُلُثُهَا بِقِيمَةِ الْبَاقِي ; لِأَنَّ قَبُولَ وَارِثِهِ كَقَبُولِهِ فِي الْحَيَاةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ وَقْفَةٌ ; لِأَنَّ الْقَبُولَ حَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا لِابْنِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ صَفْقَةً وَاحِدَةً، عَتَقَ نَصِيبُ الِابْنِ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ الشَّرِيكِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِمَحَلِّ السِّرَايَةِ حَقٌّ لَازِمٌ، فَلَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ مَرْهُونٌ، سَرَى عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمَالِكِ، وَتَنْتَقِلُ الْوَثِيقَةُ إِلَى الْقِيمَةِ.
وَلَوْ كَاتَبَا عَبْدًا، ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا، فَالصَّحِيحُ أَوِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَسْرِي، وَهَلْ يُقَوَّمُ فِي الْحَالِ أَمْ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ؟ فِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُ تَفَارِيعَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابَةِ.
وَلَوْ كَانَ نَصِيبُ شَرِيكِهِ مُدَبَّرًا، قُوِّمَ أَيْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ ; لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ كَالْقِنِّ فِي الْبَيْعِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْرِي، فَرَجَعَ عَنِ التَّدْبِيرِ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَسْرِي، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ أَيْسَرَ.
وَقِيلَ: يَسْرِي، لِزَوَالِ الْمَانِعِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُحْكَمُ بِالسِّرَايَةِ عِنْدَ ارْتِفَاعِ التَّدْبِيرِ، أَمْ يُتَبَيَّنُ اسْتِنَادُهَا إِلَى وَقْتِ الْإِعْتَاقِ؟ وَجْهَانِ.
وَلَوْ كَانَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ مُسْتَوْلَدًا، بِأَنِ اسْتَوْلَدَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ، لَمْ يَسْرِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ السِّرَايَةَ تَتَضَمَّنُ النَّقْلَ، وَأُمُّ الْوَلَدِ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ، وَقِيلَ: يَسْرِي ; لِأَنَّ السِّرَايَةَ كَالْإِتْلَافِ، وَإِتْلَافُ أُمِّ الْوَلَدِ يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَلَوِ اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اسْتَوْلَدَهَا الثَّانِي، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا، فَفِي السِّرَايَةِ الْوَجْهَانِ.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يُوَجِّهَ الْإِعْتَاقَ إِلَى مَا يَمْلِكُهُ لِيَعْتِقَ نَصِيبُهُ،

ثُمَّ يَسْرِي، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْتُ نَصِيبِي مِنْ هَذَا الْعَبْدِ، أَوِ النِّصْفَ الَّذِي أَمْلِكُهُ، فَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ نَصِيبَ شَرِيكِي، أَوْ نَصِيبُ شَرِيكِي مِنْ هَذَا الْعَبْدِ حُرٌّ، فَهُوَ لَغْوٌ، وَلَوْ أَطْلَقَ فَقَالَ لِعَبْدٍ يَمْلِكُ نِصْفَهُ: أَعْتَقْتُ نِصْفَكَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ، أَمْ عَلَى النِّصْفِ شَائِعًا؟ وَجْهَانِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبْدِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ لِهَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ إِلَّا فِي تَعْلِيقِ طَلَاقٍ أَوْ إِعْتَاقٍ.
وَلَوْ بَاعَ نِصْفَ عَبْدٍ يَمْلِكُ نِصْفَهُ، فَإِنْ قَالَ: بِعْتُ النِّصْفَ الَّذِي أَمْلِكُهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ، أَوْ نَصِيبِي مِنْهُ وَهُمَا يَعْلَمَانِهِ، صَحَّ.
وَإِنْ أَطْلَقَ وَقَالَ: بِعْتُ نِصْفَهُ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ، أَمْ عَلَى النِّصْفِ شَائِعًا؟ وَجْهَانِ، فَعَلَى الثَّانِي يَبْطُلُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ.
وَفِي صِحَّتِهِ فِي نِصْفِ نَصِيبِهِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِنِصْفِهِ الْمُشْتَرَكِ، فَفِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحْمَلُ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ.
وَفِي الْإِقْرَارِ عَلَى الْإِشَاعَةِ أَنَّهُ إِخْبَارٌ، وَاسْتَحْسَنَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ هَذَا، وَصَحَّحَ الْبَغَوِيُّ الْإِشَاعَةَ فِيهِمَا.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إِنْ دَخَلْتَ دَارَ زَيْدٍ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ فَنَصِيبِي مِنْكَ حُرٌّ، فَدَخَلَهَا، عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نَصِيبُهُ، وَلَا يُقَوَّمُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ دُفْعَةً، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا فَنَصِيبِي مِنْكَ حُرٌّ، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ شَتَمْتَهُ، فَنَصِيبِي مِنْكَ حُرٌّ فَشَتَمَهُ.
وَكَذَا لَوْ وَكَّلَا رَجُلًا فِي عِتْقِهِ فَأَعْتَقَ كُلَّهُ دُفْعَةً، وَلَا أَثَرَ لِوُقُوعِ التَّعْلِيقَيْنِ أَوِ التَّوْكِيلَيْنِ فِي

وَقْتَيْنِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الْوُقُوعِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: إِنْ دَخَلْتِهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، فَدَخَلَتْ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، وَنَجَّزَ الْآخَرُ عِتْقَهُ بَعْدَ تَعْلِيقِ الْأَوَّلِ بِيَوْمٍ مَثَلًا، فَلَهُ أَحْوَالٌ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمُوتَ الْمُعَلِّقُ لِدُونِ شَهْرٍ مِنَ التَّعْلِيقِ، فَيَعْتِقُ الْعَبْدُ كُلُّهُ عَلَى الْمُنَجِّزِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْ يَعْتِقَ بِالتَّعْلِيقِ لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَى التَّعْلِيقِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ مَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ مِنْ أَوَّلِ شُرُوعِهِ فِي لَفْظِ التَّعْلِيقِ بِلَا زِيَادَةٍ، وَمَا لَمْ يَمْضِ شَهْرٌ مِنْ تَمَامِ التَّعْلِيقِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْتِقَ بِالتَّعْلِيقِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ بِأَيَّامٍ، فَيَعْتِقَ جَمِيعُهُ عَلَى الثَّانِي أَيْضًا ; لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالتَّعْلِيقِ إِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْتِ بِشَهْرٍ وَإِعْتَاقُ الْمُنَجِّزِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الشَّهْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْمَوْتِ، فَيُؤْخَذُ قِيمَةُ نَصِيبِ الْمُعَلِّقِ مِنَ الْمُنَجِّزِ لِوَرَثَةِ الْمُعَلِّقِ.
هَذَا إِنْ قُلْنَا السِّرَايَةُ تَحْصُلُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، أَوْ قُلْنَا بِالتَّبْيِينِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَحْصُلُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَإِذَا سَبَقَ وَقْتَ الْعِتْقِ بِالتَّعْلِيقِ، كَانَ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ عَنِ الْمُعَلِّقِ خِلَافٌ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي تَفْرِيعِ أَقْوَالِ السِّرَايَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ عَلَى رَأْسِ شَهْرٍ مِنْ تَمَامِ صِيغَةِ التَّعْلِيقِ، عَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ عَلَى الْمُعَلِّقِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا مَاتَ عَلَى تَمَامِ شَهْرَيْنِ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ الْمُنَجِّزِ، عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نَصِيبُهُ، وَلَا تَقْوِيمَ، لِوُقُوعِ الْعِتْقَيْنِ مَعًا.

فَرْعٌ مَتَى تَثْبُتُ السِّرَايَةُ إِذَا حَكَمْنَا بِهَا؟ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَظْهَرُهَا: بِنَفْسِ

إِعْتَاقِ الشَّرِيكِ، وَالثَّانِي: بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ.
وَالثَّالِثُ: مَوْقُوفٌ، فَإِنْ رَأَى الْقِيمَةَ، تَبَيَّنَّا حُصُولَ الْعِتْقِ بِاللَّفْظِ، وَإِنْ فَاتَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَقْوَالِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: إِذَا أَوْلَدَ أَمَةً لَهُ نِصْفُهَا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، سَرَى الِاسْتِيلَادُ، وَهَلْ يَسْرِي بِنَفْسِ الْعُلُوقِ أَمْ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، أَمْ يَتَبَيَّنُ كَأَدَائِهَا السِّرَايَةَ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ؟ فِيهِ الْأَقْوَالُ كَالْعِتْقِ.
وَعَلَى الْأَقْوَالِ تَلْزَمُ الْمُسْتَوْلِدَ نِصْفُ الْمَهْرِ لِشَرِيكِهِ مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ الْأَمَةِ، ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَجَبَ مَعَ ذَلِكَ نِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَحْصُلُ بِالْعُلُوقِ، أَوْ قُلْنَا بِالتَّبَيُّنِ، فَهَلْ يَثْبُتُ بَعْدَ الْعِتْقِ أَوْ قَبْلَهُ؟ وَجْهَانِ، إِنْ قُلْنَا: بَعْدَهُ، وَجَبَ أَيْضًا نِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ قُلْنَا: قَبْلَهُ، فَلَا، وَبِهِ أَجَابَ الْبَغَوِيُّ.
وَلَوْ وَطِئَهَا الثَّانِي قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا السِّرَايَةَ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ، فَعَلَى الثَّانِي كَمَالُ الْمَهْرِ لِلْأَوَّلِ، وَلِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُهُ، فَيَقَعُ الْمَهْرُ قِصَاصًا.
وَإِنْ قُلْنَا: يَحْصُلُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، لَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَلَهُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُهُ، فَيَتَقَاصَّانِ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْلَدَ مُعْسِرًا، ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ فِي نِصْفِهِ، وَنِصْفُ الْآخَرِ يَبْقَى قِنًّا.
وَهَلْ يَكُونُ الْوَلَدُ كُلُّهُ حُرًّا، أَمْ تُبَعَّضُ حُرِّيَّتُهُ؟ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ سَبَقَا فِي الْغَنَائِمِ.

الثَّانِيَةُ: عَبْدٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، لِوَاحِدٍ نِصْفُهُ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ، يَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى نَصِيبِ الشَّرِيكَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِبَعْضِ قِيمَةِ الْبَاقِي وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ بِنِسْبَةِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا كَانَ مُوسِرًا بِثُلُثِ الْبَاقِي، قُوِّمَ عَلَيْهِ ثُلُثُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَوْ

أَعْتَقَ اثْنَانِ مِنْهُمْ نَصِيبَهُمَا مَعًا، أَوْ عَلَّقَا بِشَرْطٍ وَاحِدٍ، أَوْ وَكَّلَا مَنْ أَعْتَقَ عَنْهُمَا دُفْعَةً، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ مُوسِرًا، قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ الثَّالِثِ.
وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ، قُوِّمَ نَصِيبُ الثَّالِثِ عَلَيْهِمَا، وَكَيْفَ يُقَوَّمُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقِيمَةُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، الثَّانِي عَلَى قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ، كَنَظِيرِهِ مِنَ الشُّفْعَةِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهَا عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ ; لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ مَرَافِقِ الْمِلْكِ كَالثَّمَرَةِ، وَهُنَا سَبِيلُهُ سَبِيلُ ضَمَانِ الْمُتْلِفِ، فَيَسْتَوِي الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَاتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ، وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الْمَذْهَبُ بِاتِّفَاقِ فِرَقِ الْأَصْحَابِ، إِلَّا الْإِمَامَ، فَرَجَّحَ طَرِيقَ الْقَوْلَيْنِ.

الثَّالِثَةُ: إِنْ قُلْنَا: تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بِاللَّفْظِ أَوْ قُلْنَا بِالتَّبَيُّنِ، اعْتُبِرَتْ قِيمَةُ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ، وَإِنْ قُلْنَا: بِالْأَدَاءِ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ يَوْمُ الْإِعْتَاقِ أَمِ الْأَدَاءِ، أَمْ أَكْثَرُ الْقِيَمِ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ إِلَى الْأَدَاءِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْأَوَّلُ، وَرَجَّحَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ الثَّانِيَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ، رَاجَعْنَا الْمُقَوِّمِينَ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ، أَوْ غَابَ، أَوْ تَقَادَمَ الْعَهْدُ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْمُعْتِقُ ; لِأَنَّهُ غَارِمٌ كَالْغَاصِبِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي صَنْعَةٍ لِلْعَبْدِ تَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى قِيمَتِهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصَّنْعَةُ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ حَاضِرًا وَهُوَ يُحْسِنُ الصَّنْعَةَ، وَلَمْ يَمْضِ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ زَمَنٌ يُمْكِنُ تَعَلُّمُهُ فِيهِ، صُدِّقَ الشَّرِيكُ، وَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ التَّعَلُّمُ فِيهِ، أَوْ مَاتَ الْعَبْدُ، أَوْ غَابَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمُصَدَّقَ الْمُعْتِقُ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ: إِنِّي أُحْسِنُهَا، أَوْ لَا أُحْسِنُهَا، بَلْ يُجَرَّبُ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ يُنْقِصُ الْقِيمَةَ، نُظِرَ إِنِ ادَّعَى الْمُعْتِقُ عَيْبًا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، بِأَنْ قَالَ: كَانَ أَكْمَهَ أَوْ أَخْرَسَ، وَقَالَ الشَّرِيكُ: بَلْ بَصِيرًا نَاطِقًا، وَقَدْ

غَابَ الْعَبْدُ أَوْ مَاتَ، صُدِّقَ الْمُعْتِقُ بِيَمِينِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِي الْمُصَدَّقِ قَوْلَانِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: الطَّرِيقَانِ فِيمَا إِذَا ادَّعَى النَّقْصَ فِي الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ، أَمَّا إِذَا ادَّعَاهُ فِي الْبَاطِنَةِ، فَقَوْلَانِ كَالصُّورَةِ الْآتِيَةِ، لِتَمَكُّنِ الشَّرِيكِ مِنَ الْبَيِّنَةِ عَلَى سَلَامَةِ الظَّاهِرَةِ.
وَإِنِ ادَّعَى حُدُوثَ عَيْبٍ بَعْدَ السَّلَامَةِ، بِأَنْ زَعَمَ ذَهَابَ بَصَرِهِ أَوْ سَرِقَتَهُ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُصَدَّقَ الشَّرِيكُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا يُشَاهَدُ وَيُطَّلَعُ عَلَيْهِ، وَقَطَعَ فِيمَا لَا يُشَاهَدُ بِتَصْدِيقِ الشَّرِيكِ لِعُسْرِ إِثْبَاتِهِ بِبَيِّنَةٍ.

الرَّابِعَةُ: لَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ.
وَلَوْ أَعْسَرَ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ وَمَاتَ مُعْسِرًا، فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْإِعْتَاقَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، فَالْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ، لَمْ يَعْتِقْ حِصَّةُ الشَّرِيكِ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: السِّرَايَةُ تَحْصُلُ بِاللَّفْظِ، مَاتَ حُرًّا مَوْرُوثًا، وَأُخِذَتْ مِنَ الْمُعْتِقِ قِيمَةُ حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّبْيِينِ، لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، فَإِذَا أَدَّاهَا تَبَيَّنَّا الْعِتْقَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَحْصُلُ بِالْأَدَاءِ، سَقَطَتِ الْقِيمَةُ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَعْتِقُ.
وَالثَّانِي: تَجِبُ ; لِأَنَّهُ مَالٌ اسْتُحِقَّ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْتِقِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ تَبْيِينُ أَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَفِي التَّهْذِيبِ تَفْرِيعًا عَلَى تَأَخُّرِ السِّرَايَةِ أَنَّهُ يَمُوتُ نِصْفُهُ رَقِيقًا، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِي مُطَالَبَةِ الشَّرِيكِ لَهُ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.

الْخَامِسَةُ: لَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، لَمْ يَنْفُذْ إِنْ قُلْنَا بِالسِّرَايَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قُلْنَا بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِئَلَّا يُفَوِّتَ حَقًّا ثَبَتَ لِلْأَوَّلِ، وَنَفَّذَهُ ابْنُ خَيْرَانَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَعَلَى هَذَا فِي نُفُوذِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا

وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ، فَإِنْ نَفَّذْنَا الْبَيْعَ، فَهَلْ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ، وَيَبْذُلَ الْقِيمَةَ كَالشَّفِيعِ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.

السَّادِسَةُ: لِلشَّرِيكِ مُطَالَبَةُ الْمُعْتِقِ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا، أَمَّا عَلَى غَيْرِ التَّأَخِيرِ، فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى التَّأْخِيرِ، فَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَالْحَيْلُولَةُ مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَلْزَمُ عَلَى تَنْفِيذِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ أَنْ لَا يَمْلِكَ مُطَالَبَتَهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَإِذَا دَفَعَ الْمُعْتِقُ الْقِيمَةَ، أُجْبِرَ الشَّرِيكُ عَلَى قَبُولِهَا إِنْ وَقَفْنَا الْعِتْقَ عَلَى أَدَائِهَا، وَإِذَا لَمْ نَدْفَعْ، وَلَمْ يُطَالِبْهُ الشَّرِيكُ، فَلِلْعَبْدِ طَلَبُ الدَّفْعِ مِنْ هَذَا، وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ، طَالَبَهُمَا الْحَاكِمُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ غَائِبًا، دَفَعَ الْقِيمَةَ إِلَى وَكِيلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، جَعَلَهُ الْقَاضِي عِنْدَ أَمِينٍ، وَلَهُ أَنْ يُقِرَّهَا فِي يَدِ الْمُعْتِقِ إِنْ كَانَ ثِقَةً.

السَّابِعَةُ: إِذَا تَعَذَّرَتِ الْقِيمَةُ بِإِفْلَاسٍ أَوْ هَرَبٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: يَبْقَى نَصِيبُ الشَّرِيكِ رَقِيقًا، وَيَرْتَفِعُ الْحَجْرُ عَنْهُ، إِذْ لَا وَجْهَ لِتَعْطِيلِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ بِلَا بَدَلٍ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ يُثْبِتُ الْعِتْقَ، وَجَعَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَجْهًا، فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ إِعْسَارَ الْمُعْتِقِ يَدْفَعُ الْحَجْرَ وَلَوْ عَادَ الْيَسَارُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَا يَعُودُ التَّقْوِيمُ ; لِأَنَّ حَقَّ الْعِتْقِ ارْتَفَعَ بِتَخَلُّلِ الْإِعْسَارِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.

الثَّامِنَةُ: إِذَا قُلْنَا: لَا سِرَايَةَ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَوَطِئَهَا الشَّرِيكُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَجَبَ نِصْفُ الْمَهْرِ لِنِصْفِهَا الْحُرِّ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلْيُصَوَّرْ فِي وَطْءٍ مُحَرَّمٍ أَوْ فِي مُكْرَهَةٍ وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا:

لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، وَالثَّانِي: يَجِبُ وَيُصْرَفُ إِلَى الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّهُ مُسْتَحَقُّ الِانْقِلَابِ إِلَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْجَارِيَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَجَبَ لَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ، وَلَا حَدَّ لِلِاخْتِلَافِ فِي مِلْكِهِ.

التَّاسِعَةُ: قَالَ لِشَرِيكِهِ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ، أَوْ فَجَمِيعُ الْعَبْدِ حُرٌّ، أَوْ فَنَصِيبِي حُرٌّ بَعْدَ عِتْقِ نَصِيبِكَ، فَإِذَا أَعْتَقَ الْمَقُولُ لَهُ نَصِيبَهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نَصِيبُهُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ.
ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: السِّرَايَةُ تَحْصُلُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، سَرَى عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّ السِّرَايَةَ قَهْرِيَّةٌ تَابِعَةٌ لِعِتْقِ نَصِيبِهِ، لَا مَدْفَعَ لَهَا، وَمُوجِبُ التَّعْلِيقِ قَابِلٌ لِلدَّفْعِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّبَيُّنِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا أُدِّيَتِ الْقِيمَةُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَدَاءِ، فَنَصِيبُ الْمُعَلِّقِ عَمَّنْ يَعْتِقُ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ عِتْقِ نَصِيبِكَ، أَوْ فِي حَالِ عِتْقِ نَصِيبِكَ، وَقُلْنَا: السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَعْتِقُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ عَنْهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ، وَصَاحِبُ التَّقْرِيبِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَحَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: يَعْتِقُ جَمِيعُهُ عَنِ الْمَقُولِ لَهُ، وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ: مَعَ نَصِيبِكَ ; لِأَنَّ الْمُعَلِّقَ لَا يُقَارِنُ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ، بَلْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ بِلَا شَكٍّ.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَ عِتْقِ نَصِيبِكَ، فَأَعْتَقَ الْمَقُولُ لَهُ نَصِيبَهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ أَوِ الْمُعَلِّقُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُنَجِّزِ، وَعَتَقَ عَلَى الْمُعَلِّقِ نَصِيبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِمُوجَبِ التَّعْلِيقِ، وَلَا سِرَايَةَ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ مُوسِرًا، وَقُلْنَا: السِّرَايَةُ تَحْصُلُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، فَوَجْهَانِ، مَنْ صَحَّحَ الدَّوْرَ اللَّفْظِيَّ، كَابْنِ الْحَدَّادِ يَقُولُ: لَا يَنْفُذُ إِعْتَاقُ الْمَقُولِ لَهُ فِي نَصِيبِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ نَفَذَ، لَعَتَقَ نَصِيبُ

الْقَائِلِ قَبْلَهُ، وَلَوْ عَتَقَ لَسَرَى، وَلَوْ سَرَى لَبَطَلَ عِتْقُهُ، فَيَلْزَمُ مِنْ نُفُوذِهِ عَدَمُ نُفُوذِهِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: مَهْمَا أَعْتَقْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ، لَمْ يُتَمَكَّنْ مِنْ إِعْتَاقِهِ كَمَا سَبَقَ نَظِيرُهُ فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ صَدَّ هَذَا التَّعْلِيقَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، امْتَنَعَ الْإِعْتَاقُ عَلَيْهِمَا.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَتَى بِعْتَ نَصِيبَكَ، فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَهُ، لَمْ يَنْفُذِ الْبَيْعُ، وَالْمُسْتَبْعِدُونَ لِصِحَّةِ الدَّوْرِ وَانْسِدَادِ بَابِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ أَوْلَى بِالِاسْتِبْعَادِ هُنَا لِتَضَمُّنِهِ الْحَجْرَ عَلَى الْعَيْنِ، وَمَنْ لَا يُصَحِّحُ الدَّوْرَ - وَهُوَ الْأَصَحُّ - يَقُولُ: يَعْتِقُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْهُ، وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا لَوْ قَالَ: مَعَ نَصِيبِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَحْصُلُ الْعِتْقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ نَفَّذْنَا عِتْقَ الشَّرِيكِ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُنَجِّزِ عَلَيْهِ، وَنَصِيبُ الْمُعَلِّقِ عَلَى الْمُعَلِّقِ.
وَإِنْ لَمْ نُنَفِّذْهُ قَالَ الْإِمَامُ: تَدُورُ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا، وَعَلَى هَذِهِ الصُّوَرِ جَمِيعًا لَوْ أَعْتَقَ الْمُعَلِّقُ نَصِيبَهُ، عَتَقَ وَتَثْبُتُ السِّرَايَةُ إِذَا وُجِدَ شَرْطُهَا.

الْعَاشِرَةُ: إِذَا قَالَ الشَّرِيكُ الْمُوسِرُ: أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، فَعَلَيْكَ قِيمَةُ نَصِيبِي، فَأَنْكَرَ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ؛ قُضِيَ بِهَا، وَمَتَى يَعْتِقُ حِصَّةُ الْمُدَّعِي؟ فِيهِ الْأَقْوَالُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، صُدِّقَ الْمُنْكِرُ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ، رَقَّ نَصِيبُهُ، وَإِنْ نَكَلَ، حُلِّفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ، وَاسْتَحَقَّ الْقِيمَةَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ نَصِيبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الدَّعْوَى إِنَّمَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْقِيمَةِ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلدَّعْوَى عَلَى إِنْسَانٍ بِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، وَإِنَّمَا هَذَا وَظِيفَةُ الْعَبْدِ، لَكِنْ لَوْ شَهِدَ آخَرُ مَعَ هَذَا الْمُدَّعِي، ثَبَتَ الْعِتْقُ بِشَهَادَةِ الْحِسْبَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَأَبْعَدَ بَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ، فَحَكَمَ بِالْعِتْقِ تَبَعًا لِدَعْوَى الْقِيمَةِ، وَهَلْ يُحْكَمُ بِعِتْقِ

نَصِيبِ الْمُدَّعِي إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ نَكَلَ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي؟ إِنْ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ السِّرَايَةِ، فَنَعَمْ، لِاعْتِرَافِهِ بِسِرَايَةِ إِعْتَاقِ الْمُدَّعَى إِلَيْهِ إِلَى نَصِيبِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّأَخُّرِ، لَمْ يَعْتِقْ.
وَإِذَا عَتَقَ نَصِيبُهُ، لَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِ الْمُنْكِرِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُوسِرًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْشِئِ الْعِتْقَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ نَصِيبِي وَأَعْتَقْتَهُ، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، يَعْتِقُ نَصِيبُ الْمُدَّعِي وَلَا يَسْرِي.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَعْتِقُ إِلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، لَمْ يَعْتِقْ نَصِيبُ الْمُدَّعِي.
وَلَوْ صَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشَّرِيكَ، فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعْسِرًا، وَأَنْكَرَ، وَحَلَفَ، لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ مِنَ الْعَبْدِ، فَإِنِ اشْتَرَى الْمُدَّعِي نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، عَتَقَ مَا اشْتَرَاهُ، لِاعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا يَسْرِي إِلَى الْبَاقِي.
وَلَوِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسِرَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّكَ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، وَطَالَبَ بِالْقِيمَةِ، وَأَنْكَرَ، صُدِّقَ كُلُّ وَاحِدٍ بِيَمِينِهِ فِيمَا أَنْكَرَهُ، فَإِذَا حَلَفَا، فَلَا يُطَالَبُ بِالْقِيمَةِ، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِ جَمِيعِ الْعَبْدِ إِنْ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ السِّرَايَةِ، وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ.
وَإِنْ قُلْنَا بِتَأَخُّرِ السِّرَايَةِ أَوْ بِالتَّبَيُّنِ، فَالْعَبْدُ رَقِيقٌ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِلْآخَرِ: أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ الْآخَرِ، حُكِمَ بِعِتْقِ مَا اشْتَرَاهُ، وَلَا يَسْرِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْشِئْ إِعْتَاقًا.
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا لِعَمْرٍو، وَالْآخَرُ لَزَيْدٍ، صَحَّ، وَلَا عِتْقَ.
وَلَوْ بَاعَاهُ لِزَيْدٍ، حُكِمَ بِعِتْقِ نِصْفِهِ ; لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا يَقِينَ فِي وَاحِدٍ مِنَ النِّصْفَيْنِ، لِجَوَازِ كَوْنِهِمَا كَاذِبَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ عَلَى قَوْلِ تَعْجِيلِ السِّرَايَةِ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ، وَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُ الْمُوسِرِ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ الْمُعْسِرُ، عَتَقَ كُلُّهُ.
وَلَوْ طَارَ طَائِرٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ غُرَابًا، فَنَصِيبِي مِنْ هَذَا الْعَبْدِ حُرٌّ، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا، فَنَصِيبِي حُرٌّ، وَلَمْ يُبَيَّنِ الْحَالُ، فَإِنْ كَانَا

مُعْسِرَيْنِ، فَلَا عِتْقَ، فَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ الْآخَرِ، حُكِمَ بِعِتْقِ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ.
وَلَوْ بَاعَاهُ لِثَالِثٍ، حُكِمَ بِعِتْقِ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ أَيْضًا، وَلَا رُجُوعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَزْعُمُ أَنَّ نَصِيبَهُ مَمْلُوكٌ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ، وَقَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَجْهًا أَنَّهُ إِنِ اشْتَرَاهُ عَالِمًا بِالتَّعْلِيقَيْنِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ عَلِمَ، فَلَهُ الرَّدُّ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا، فَبَانَ أَنَّ نِصْفَهُ حُرٌّ، فَعَلَى هَذَا يُرَدُّ الْعَبْدُ ; لِأَنَّ نِصْفَهُ حُرٌّ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مَعِيبٌ بِسَبَبِ التَّشْقِيصِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَلَوِ اخْتَلَفَ النَّصِيبَانِ، لَمْ يَعْتِقْ إِلَّا أَقَلُّهُمَا.
وَلَوْ تَبَادَلَا النَّصِيبَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُحْنِثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، بَلِ اعْتَرَفَا بِالْإِشْكَالِ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعِتْقِ شَيْءٍ، وَالْحُكْمُ بَعْدَ الْمُبَادَلَةِ كَالْحُكْمِ قَبْلَهَا.
وَإِنْ حَنَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ الْآخَرَ، حُكِمَ بِعِتْقِ الْجَمِيعِ، لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ بِعِتْقِ مَا صَارَ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ مَوْقُوفًا.
وَإِنْ حَنَّثَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
وَلَمْ يُحَنِّثْهُ الْآخَرُ، حُكِمَ بِعِتْقِ مَا صَارَ لِلْمُحَنِّثِ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ، وَلَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ نَصِيبِ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ السِّرَايَةِ، عَتَقَ الْعَبْدُ، لِأَنَّا نَتَحَقَّقُ حِنْثَ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ نَتَمَكَّنْ مِنَ التَّعْيِينِ، فَيَعْتِقُ نَصِيبُهُ، وَيَسْرِي إِلَى الثَّانِي، وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَدَّعِيَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ عَلَى الْآخَرِ، وَيُحَلِّفَهُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَحْصُلُ السِّرَايَةُ إِلَّا بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَالْحُكْمُ كَمَا فِي الْمُعْسِرَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَأَرَادَ طَلَبَ الْقِيمَةِ، حَلَّفَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى قَوْلِ تَعْجِيلِ السِّرَايَةِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، فَإِنْ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ السِّرَايَةِ، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُ الْمُوسِرِ لِلشَّكِّ فِيهِ.
وَإِنْ أَخَّرْنَاهَا إِلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ، لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِ شَيْءٍ فِي الْحَالِ، وَلِلْمُعْسِرِ أَنْ يَدَّعِيَ التَّقْوِيمَ عَلَى الْمُوسِرِ وَيُحَلِّفَهُ.

فَرْعٌ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَعْتَقْنَاهُ مَعًا، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ، أَوْ كَانَ الْقَائِلُ مُوسِرًا، فَقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الْحَدَّادِ أَنَّهُ يُحَلَّفُ الْمُنْكِرُ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ الشَّيْخُ: إِنَّمَا يَحْلِفُ عِنْدِي إِذَا قَالَ لِلْمُقِرِّ: أَنْتَ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ وَأَنَا لَمْ أَعْتِقْ وَأَرَادَ طَلَبَ الْقِيمَةِ فَيُحَلِّفُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ مَعَهُ لِيَأْخُذَ الْقِيمَةَ ; لِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْقِيمَةَ، وَادَّعَى مَا يُسْقِطُهَا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ فِي الْإِعْتَاقِ، فَيُدْفَعُ يَمِينُهُ الْمُسْقِطُ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَمْ تَعْتِقْ نَصِيبَكَ، وَلَا أَنَا أَعْتَقْتُهُ، فَلَا مُطَالَبَةَ بِالْقِيمَةِ، وَلَا يَمِينَ.
وَهَلْ يُحْكَمُ بِإِعْتَاقِ جَمِيعِ الْعَبْدِ بِإِقْرَارِ الْمُوسِرِ؟ إِنْ أَثْبَتْنَا السِّرَايَةَ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، فَنَعَمْ، وَإِنْ أَخَّرْنَاهَا، لَمْ يَعْتِقْ نَصِيبُ الْمُنْكِرِ، وَإِذَا حَلَفَ الْمُنْكِرُ فِي التَّصْوِيرِ الْأَوَّلِ أَخَذَ الْقِيمَةَ مِنَ الْمُقِرِّ، وَحُكِمَ بِعِتْقِ جَمِيعِ الْعَبْدِ، وَوَلَاءُ نَصِيبِ الْمُنْكِرِ مَوْقُوفٌ.
فَلَوْ مَاتَ الْعَتِيقُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَى الْمُقِرِّ أَخَذَ نِصْفَ مَالِهِ بِالْوَلَاءِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ النِّصْفِ الْآخَرِ قَدْرَ نِصْفِ الْقِيمَةِ الَّذِي غَرِمَهُ لِلْمُنْكِرِ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّهُ إِنْ صَدَّقَ، فَالْمُنْكِرُ ظَالِمٌ لَهُ، وَهَذَا مَالُهُ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ كَذَّبَ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِإِعْتَاقِ جَمِيعِهِ، فَجَمِيعُ الْمَالِ لَهُ بِالْوَلَاءِ، وَالثَّانِي لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ رَجَعَ الْمُنْكِرُ عَنْ إِنْكَارِهِ، وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ، رُدَّ مَا أُخِذَ مِنْهُ.
وَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ كُلَّهُ، قُبِلَ، وَكَانَ جَمِيعُ الْوَلَاءِ لَهُ، كَمَا لَوْ نَفَى نَسَبًا يَلْحَقُهُ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ

فَرْعٌ عَبْدٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، شَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَنَّ الثَّالِثَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ مُعْسِرًا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَحُكِمَ بِعِتْقِ نَصِيبِ الثَّالِثِ، وَرِقِّ الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، فَالْأَصَحُّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ بِإِثْبَاتِ الْقِيمَةِ، فَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ لَهُمَا قِيمَةٌ، وَيَعْتِقُ نَصِيبُهُمَا، لِاعْتِرَافِهِمَا بِالسِّرَايَةِ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ دُونَ الْقِيمَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْحُكْمُ بِعِتْقِ نَصِيبِهِمَا مُفَرَّعٌ عَلَى تَعْجِيلِ السِّرَايَةِ، فَإِنْ أَخَّرْنَاهَا، لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ مِنَ الْعَبْدِ، لَكِنْ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُمَا، لِاعْتِرَافِهِمَا بِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الْعِتْقَ عَلَى الثَّالِثِ، هَكَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ تَعَذُّرَ حُصُولِ الْقِيمَةِ بِإِعْسَارٍ وَغَيْرِهِ يَرْفَعُ الْحَجْرَ عَنِ الشَّرِيكِ، وَالتَّعَذُّرُ هُنَا حَاصِلٌ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا قُلْنَا: السِّرَايَةُ تَحْصُلُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، فَلَهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ فِي الْإِرْثِ وَالشَّهَادَةِ وَالْحَدِّ وَالْجِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْقِيمَةَ، وَإِنْ أَخَّرْنَاهَا إِلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَلَهُ حُكْمُ الْأَرِقَّاءِ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ، وَإِنْ تَوَقَّفْنَا فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ أَعْتَقَ شُرَكَاءُ لَهُ فِي حُبْلَى، وَهُوَ مُوسِرٌ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ حَتَّى وَلَدَتْ، عَتَقَ مَعَهَا وَلَدُهَا، تَفْرِيعًا عَلَى السِّرَايَةِ فِي الْحَالِ، فَأَمَّا إِذَا أَخَّرْنَاهَا إِلَى الْأَدَاءِ فَنُصَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْتِقَ الْوَلَدُ مَعَهَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا إِذَا كَانَ حَمْلًا، فَأَمَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَلَا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّ نَصِيبَ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ مِنَ الْوَلَدِ مَمْلُوكٌ، فَأَمَّا نَصِيبُ الْمُعْتِقِ فَيَجِبُ أَنْ يَعْتِقَ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ نَصِيبَ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ مِنَ الْوَلَدِ، لَا يَعْتِقُ بِدَفْعِ نِصْفِ قِيمَةِ الْأُمِّ وَعِتْقِهَا،

وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنَ الْوَلَدِ نَصِيبُ الْمُعْتِقِ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْرِيَ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ ضَعِيفٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: وَكَّلَ شَرِيكَهُ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ، فَقَالَ الْوَكِيلُ لِلْعَبْدِ: نِصْفُكَ حُرٌّ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ نَصِيبِي، قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ نَصِيبَ شَرِيكِي، قُوِّمَ عَلَى الشَّرِيكِ نَصِيبُ الْوَكِيلِ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «الشَّامِلِ» . قُلْتُ: لَعَلَّ الْأَصَحَّ حَمْلُهُ عَلَى نَصِيبِ الْوَكِيلِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَرِيضٌ لَهُ نِصْفَا عَبْدَيْنِ، قِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا، فَقَالَ: أَعْتَقْتُ نَصِيبِي مِنْ سَالِمٍ وَغَانِمٍ، وَقُلْنَا: السِّرَايَةُ تُعَجَّلُ، عَتَقَ ثُلُثَا نَصِيبِهِ مِنْ سَالِمٍ، فَقَالَ الْوَكِيلُ لِلْعَبْدِ: نِصْفُكَ حُرٌّ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ نَصِيبِي مِنْ سَالِمٍ وَمِنْ غَانِمٍ، وَقُلْنَا: السِّرَايَةُ تُعَجَّلُ، عَتَقَ ثُلُثَا نَصِيبِهِ مِنْ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَلَا يَعْتِقُ مِنَ الْآخَرِ شَيْءٌ.
وَلَوْ قَالَ: نَصِيبِي مِنْ هَذَيْنِ حُرٌّ، عَتَقَ ثُلُثَا نَصِيبِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَيُقْرَعُ، وَيَعْتِقُ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، عَتَقَ ثُلُثَا نَصِيبِهِ، وَإِنْ نِصْفَاهُمَا ثُلُثُ مَالِهِ فَقَالَ: أَعْتَقْتُ نَصِيبِي مِنْ سَالِمٍ وَمِنْ غَانِمٍ، عَتَقَ سَالِمٌ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالسِّرَايَةِ، وَلَمْ يَعْتِقْ مِنْ غَانِمٍ شَيْءٌ.
وَلَوْ قَالَ: نَصِيبِي مِنْهُمَا حُرٌّ، عَتَقَ النِّصْفَانِ، وَلَا سِرَايَةَ.

الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَمَةٌ حَامِلٌ مِنْ زَوْجٍ اشْتَرَاهَا زَوْجُهَا وَابْنُهَا الْحُرُّ مَعَهَا وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا لَوْ أَوْصَى مَالِكُهَا بِهِمَا لَهُمَا وَقَبِلَا الْوَصِيَّةَ مَعًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَصَايَا، وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّ الْأَمَةَ تَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ، وَالْحَمْلُ يَعْتِقُ عَلَيْهِمَا، وَلَا يُقَوَّمُ.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنَ الْمُشْتَرِكِ وَهُوَ مُوسِرٌ، وَحَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا، فَشَهَادَتُهُمَا تُثْبِتُ عِتْقَ نَصِيبِهِ، وَيُوجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَيَغْرَمَانِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ قَطْعًا ; لِأَنَّ شُهُودَ الْعِتْقِ يَغْرَمُونَ بِالرُّجُوعِ.
وَهَلْ يَغْرَمَانِ لَهُ قِيمَةَ نَصِيبِ الشَّرِيكِ الَّتِي غَرِمَهَا؟ قَوْلَانِ ; لِأَنَّ فِي تَغْرِيمِ شُهُودِ الْمَالِ قَوْلَيْنِ سَبَقَا.
هَذَا إِذَا صَدَّقَ الشَّرِيكُ الشُّهُودَ، وَأَخَذَ الْقِيمَةَ، وَعَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ، إِمَّا بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَإِمَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَأَمَّا إِذَا كَذَّبَهُمْ، وَقَالَ: لَمْ يُعْتِقْ زَيْدٌ نَصِيبَهُ، فَإِنْ عَجَّلْنَا السِّرَايَةَ، عَتَقَ الْجَمِيعُ، وَلَا يَلْزَمُهُ لِلشَّرِيكِ شَيْءٌ، وَإِنْ أَخَّرْنَاهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ لِيَكْمُلَ الْعِتْقُ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ رَدُّهَا إِنْ أَصَرَّ عَلَى تَكْذِيبِ الشُّهُودِ، كَمَا لَوْ جَاءَ الْمُكَاتَبُ بِالنَّجْمِ الْأَخِيرِ، فَقَالَ السَّيِّدُ: هَذَا حَرَامٌ غَصَبْتَ مِنْ فُلَانٍ، يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ.
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى شَرِيكٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَآخَرَانِ عَلَى الشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنَّهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَإِنْ أُرِّخَتِ الْبَيِّنَتَانِ، عَتَقَ كُلُّهُ عَلَى الْأَوَّلِ، إِنْ عَجَّلْنَا السِّرَايَةَ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ الْآخَرِ، وَإِنْ أَخَّرْنَاهَا إِلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي أَنَّ إِعْتَاقَ الثَّانِي قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، هَلْ يُنَفَّذُ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، أُخِذَتْ قِيمَةُ نَصِيبِهِ مِنَ الْأَوَّلِ لِيَعْتِقَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَرَّخَا، عَتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ، وَلَا تَقْوِيمَ.
فَلَوْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى أَحَدِهِمَا، لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا، لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَنَّ الْعِتْقَ فِي النِّصْفِ الَّذِي شَهِدَا بِهِ حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمَا، أَمْ بِشَهَادَةِ الْآخَرَيْنِ بِالسِّرَايَةِ، فَلَا يُوجِبُ شَيْئًا بِالشَّكِّ، وَإِنْ رَجَعُوا جَمِيعًا، فَقِيلَ: الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ يَغْرَمُونَ قِيمَةَ

الْعَبْدِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ تَارِيخٌ، فَالْحُكْمُ بِعِتْقِ الْعَبْدِ مُعَلَّقٌ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ، وَيُقَدَّرُ كَأَنَّ الْإِعْتَاقَيْنِ وَقَعَا مَعًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الْخَصِيصَةُ الثَّانِيَةُ: الْعِتْقُ بِالْقَرَابَةِ، فَمَنْ مَلَكَ أَبَاهُ، أَوْ أُمَّهُ، أَوْ أَحَدَ أُصُولِهِ مِنَ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوِ الْأُمِّ، أَوْ مَلَكَ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، عَتَقَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ مَلَكَهُ قَهْرًا بِالْإِرْثِ، أَمِ اخْتِيَارًا بِالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يَعْتِقُ غَيْرُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ.
وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُمَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ فَعَلَ، فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ.
وَلَوْ وَهَبَ لِلصَّبِيِّ قَرِيبَهُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ.
نُظِرَ، إِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُعْسِرًا، فَلِوَلِيِّهِ قَبُولُهُ، وَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ عَلَى الْأَصَحِّ وَظَاهِرِ النَّصِّ، فَإِذَا قَبِلَ، عَتَقَ عَلَى الصَّبِيِّ.
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْقَرِيبُ بِحَيْثُ يَجِبُ تَعَفُّفُهُ فِي الْحَالِ، لَمْ يَجُزْ لِلْوَلِيِّ الْقَبُولُ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَجِبُ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُعْسِرِ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلِ الْوَلِيُّ قَبِلَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلِلصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْقَبُولُ، كَذَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ، وَلْيَكُنْ هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَلَوْ وُهِبَ لَهُ بَعْضُ الْقَرِيبِ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُعْسِرًا، قَبِلَ الْوَلِيُّ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، زَادَ النَّظَرَ فِي غَرَامَةِ السِّرَايَةِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَقْبَلُ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَبِلَ، لَعَتَقَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَسَرَى، وَلَزِمَهُ قِيمَةُ الشَّرِيكِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ.
وَالثَّانِي: يَقْبَلُ، وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْرِي.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ الْقَبُولُ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي صِحَّةِ الْقَبُولِ.
فَرْعٌ اشْتَرَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَرِيبَهُ، فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنِهِ أَوْ بِمُحَابَاةٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ، قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَقَدْ لَا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ

كُلِّ ذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ وَلَا وَصِيَّةٌ، اعْتُبِرَ عِتْقُهُ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ خَرَجَ كُلُّهُ مِنْ ثُلُثِهِ، عَتَقَ، وَإِلَّا، عَتَقَ قَدْرُ الثُّلُثِ، وَإِنْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ، عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى يَعْتِقَ كُلُّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ آخَرُ.
وَقِيلَ: مِنَ الثُّلُثِ حَتَّى لَا يَعْتِقَ إِلَّا ثُلُثُهُ، إِذَا لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا آخَرَ.
وَلَوْ مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِرْثُ مِنَ الثُّلُثِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي الْوَصَايَا.
فَرْعٌ مِنْ قَوَاعِدِ كِتَابِ السِّيَرِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إِذَا قَهَرَ حَرْبِيًّا، مَلَكَهُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْأَصْحَابُ قَصْدَ الْإِرْقَاقِ، بَلِ اكْتَفَوْا بِصُورَةِ الْقَهْرِ، وَعِنْدِي لَا بُدَّ مِنَ الْقَصْدِ، فَإِنَّ الْقَهْرَ قَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِخْدَامِ، فَلَا يَتَمَيَّزُ قَهْرُ الْإِرْقَاقِ إِلَّا بِالْقَصْدِ، فَإِذَا قَهَرَ عَبْدٌ سَيِّدَهُ الْحَرْبِيَّ، عَتَقَ الْعَبْدُ، وَصَارَ السَّيِّدُ رَقِيقًا لَهُ.
وَلَوْ قَهَرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، وَاسْتَرَقَّهَا، مَلَكَهَا، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهَا، وَكَذَا لَوْ قَهَرَتْ زَوْجَهَا.
وَلَوْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ، فَهَلْ لَهُ بَيْعُهُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ ; لِأَنَّ الْقَهْرَ دَائِمٌ، وَبِهَذَا أَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُرَجَّحَ الْأَوَّلُ، وَيُتَّجَهَ أَنْ يُقَالَ: لَا يَمْلِكُهُ بِالْقَهْرِ، لِاقْتِرَانِ سَبَبِ الْعِتْقِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ.
وَيُخَالِفُ الشِّرَاءَ فَإِنَّا صَحَّحْنَاهُ لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إِلَى تَخْلِيصِهِ مِنَ الرِّقِّ.
فَرْعٌ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى بَعْضَ قَرِيبِهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ، وَسَرَى إِلَى الْبَاقِي، وَفِي مَعْنَاهُ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَلَوْ وَرِثَ نِصْفَهُ، لَا يَسْرِي،

وَشِرَاءُ الْوَكِيلِ وَقَبُولُهُ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ كَشِرَائِهِ وَقَبُولِهِ لِصُدُورِهِ عَنِ اخْتِيَارِهِ، وَكَذَا قَبُولُ نَائِبِهِ شَرْعًا، حَتَّى لَوْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ ابْنِهِ، فَمَاتَ، وَقَبِلَ الْأَخُ الْوَصِيَّةَ، عَتَقَ الشِّقْصُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَسَرَى إِلَى الْبَاقِي إِنْ وَفَى بِهِ الثُّلُثُ، وَيُنَزَّلُ قَبُولُ وَارِثِهِ مَنْزِلَةَ قَبُولِهِ فِي حَيَاتِهِ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى وَارِثِهِ، بِأَنْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ ابْنِ أَخِيهِ، فَمَاتَ، وَقَبِلَ الْأَخُ الْوَصِيَّةَ، عَتَقَ الشِّقْصُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَسَرَى إِلَى الْبَاقِي إِنْ وَفَى بِهِ الثُّلُثُ، وَيُنَزَّلُ قَبُولُ وَارِثِهِ مَنْزِلَةَ قَبُولِهِ فِي حَيَاتِهِ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى وَارِثِهِ، بِأَنْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ ابْنِ أَخِيهِ، فَمَاتَ، وَقَبِلَ الْأَخُ الْوَصِيَّةَ، عَتَقَ الشِّقْصُ وَلَا سِرَايَةَ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ لِلْمَيِّتِ أَوَّلًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْأَخِ إِرْثًا، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي السِّرَايَةِ حَيْثُ يَمْلِكُ بِطَرِيقِ اخْتِيَارٍ يَتَضَمَّنُ الْمِلْكَ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ التَّمَلُّكُ، كَمَا إِذَا بَاعَ ابْنَ أَخِيهِ بِثَوْبٍ وَمَاتَ، وَوَارِثُهُ الْأَخُ، فَرَدَّ الثَّوْبَ بِعَيْبٍ، وَاسْتَرَدَّ الشِّقْصَ، عَتَقَ عَلَيْهِ.
وَفِي السِّرَايَةِ الْخِلَافُ.
وَلَوْ وُهِبَ لِعَبْدٍ بَعْضُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ، فَقَبِلَ، وَقُلْنَا: يَصِحُّ قَبُولُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، عَتَقَ الْمَوْهُوبُ عَلَى السَّيِّدِ، وَسَرَى ; لِأَنَّ قَبُولَ الْعَبْدِ كَقَبُولِهِ شَرْعًا.
قُلْتُ: هَذَا مُشْكِلٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْرِي ; لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا كَالْإِرْثِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ جَرَحَ عَبْدٌ أَبَاهُ، فَاشْتَرَاهُ الْأَبُ، ثُمَّ مَاتَ بِالْجِرَاحَةِ.
إِنْ قُلْنَا: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ، عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ صِحَّةُ الشِّرَاءِ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ.

الْخَصِيصَةُ الثَّالِثَةُ: امْتِنَاعُ الْعِتْقِ بِالْمَرَضِ، سَبَقَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا أَنَّ التَّبَرُّعَاتِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ تُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ، وَأَنَّ الْعِتْقَ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ وَقَدْ يَنْدَفِعُ لِوُقُوعِهِ فِي الْمَرَضِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بَعْدَ حَطِّ قَدْرِ الدَّيْنِ، فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا، لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدٌ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، لَمْ يَعْتِقْ إِلَّا ثُلُثُهُ، وَإِنْ مَاتَ هَذَا الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، مَاتَ، وَثُلُثُهُ حُرٌّ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَهَلْ يَمُوتُ كُلُّهُ رَقِيقًا، أَمْ كُلُّهُ حُرًّا، أَمْ ثُلُثُهُ حُرًّا وَبَاقِيهِ رَقِيقًا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا عِنْدَ الصَّيْدَلَانِيِّ: الْأَوَّلُ، وَبِهِ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ فِي مَجْلِسِ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْمَحْمُودِيِّ، فَرَضِيَهُ وَحَمِدَهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَا يَعْتِقُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ هُنَا شَيْءٌ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَوْ وَهَبَ فِي الْمَرَضِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، وَأَقْبَضَهُ، وَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ السَّيِّدِ، فَإِنْ قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ، يَمُوتُ رَقِيقًا مَاتَ هُنَا عَلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ، وَيَلْزَمُهُ مَئُونَةُ تَجْهِيزِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمُوتُ حُرًّا، مَاتَ هُنَا عَلَى مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَعَلَيْهِ تَجْهِيزُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ، وُزِّعَتِ الْمَئُونَةُ عَلَيْهِمَا.
الثَّانِي: إِذَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ وَلَدٌ مِنْ مُعْتِقِهِ، كَانَ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوَالِي أُمِّهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمُوتُ حُرًّا، أُنْجِزَ الْوَلَاءُ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَعْتِقُ ثُلُثُهُ، أُنْجِزَ وَلَاءُ ثُلُثِهِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ سِوَاهُ، وَمَاتَ الْعَتِيقُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ: لَا يَجِبُ مِنَ الثُّلُثِ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالْمَوْتِ، فَإِذَا لَمْ تَبْقَ إِلَى الْمَوْتِ، لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحِسَابِ، قَالَ: وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا حُكْمُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَحُكْمِهِ لَوْ عَاشَ، أَنْ يُحْسَبَ

مِنَ الثُّلُثِ.
وَلَوْ وَهَبَ عَبْدًا، وَأَقْبَضَهُ، وَلَهُ مَالٌ آخَرُ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ، كَمَا أَنَّ هِبَتَهُ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ كَإِعْتَاقِهِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ.
وَلَوْ أَتْلَفَهُ الْمُتَّهِبُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا، حَتَّى إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ، يُحْسَبُ الْمَوْهُوبُ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، يَغْرَمُ الْمَوْهُوبُ لِلْوَرَثَةِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَلِفَ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ لَيْسَتْ مُضَمَّنَةً، وَالْإِتْلَافُ مُضَمَّنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ فِي إِلْحَاقِ التَّلَفِ بِالْإِتْلَافِ وَعَكْسِهِ.
فَرْعٌ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ فِرَقُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْمَيِّتَ يَدْخُلُ فِي الْقُرْعَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ أَنْ يُجْعَلَ الْفَائِتُ كَالْمَعْدُومِ، وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَجْهًا، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتِ، بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا مَوْرُوثًا عَنْهُ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَالَ، وَيُحْتَسَبُ بِهِ عَنِ الْمُعْتِقِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ الثَّوَابَ، وَتُعَادُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عَبْدَانِ، فَأَعْتَقَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ، وَرَقَّ ثُلُثُهُ مَعَ الْعَبْدِ الْآخَرِ.
وَلَوْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ أَوَّلًا عَلَى أَحَدِ الْحَيَّيْنِ، فَكَذَلِكَ يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَبْلَ امْتِدَادِ يَدِ الْوَارِثِ إِلَى التَّرِكَةِ، فَالْحُكْمُ كَمَا

لَوْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَلَفْظُ الصَّيْدَلَانِيِّ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْمَيِّتُ فِي يَدِهِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ امْتِدَادِ يَدِ الْوَارِثِ إِلَى التَّرِكَةِ، وَقَبْلَ الْإِقْرَاعِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يُحْسَبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْوَارِثِ، حَتَّى لَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ، عَتَقَ كُلُّهُ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ دَخَلَ فِي يَدِهِ وَضَمَانِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى التَّرِكَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَلَّطْ عَلَى التَّصَرُّفِ.
وَلَوْ مَاتَ اثْنَانِ مِنْهُمْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِ الْمَيِّتَيْنِ، صَحَّ عِتْقُ نِصْفِهِ، وَجُعِلَ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ، وَهُوَ الْعَبْدُ الْحَيُّ.
وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَيْهِ، أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمَيِّتِ الْآخَرِ وَالْحَيِّ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْآخَرِ، أَعْتَقْنَا نِصْفَهُ، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَيْهِ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَأَعْتَقْنَا ثُلُثَ الْحَيِّ.
وَلَوْ قُتِلَ أَحَدُ الْعَبِيدِ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ بَعْدَهُ، دَخَلَ الْقَتِيلُ فِي الْقُرْعَةِ قَطْعًا ; لِأَنَّ قِيمَتَهُ تَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَلِوِرْثَةِ الْآخَرِ قِيمَةُ الْقَتِيلِ، وَإِنْ خَرَجَ لِلْقَتِيلِ، بَانَ أَنَّهُ قُتِلَ حُرًّا، وَعَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةُ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِنْ كَانَ قَاتِلُهُ حُرًّا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ جَرَحَكَ أَحَدٌ، فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ، فَجَرَحَهُ حُرٌّ، وَمَاتَ بِالْجِرَاحَةِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُتَعَيِّنَةٌ فِيهِ، وَهُنَا التَّعْيِينُ بِالْقُرْعَةِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجْهَانِ ; لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنِ اعْتَقَدَ رِقَّهُ كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ عَرَفَهُ رَقِيقًا فَبَانَ عَتِيقًا، فَفِي الْقِصَاصِ قَوْلَانِ.

الْخَصِيصَةُ الرَّابِعَةُ: الْقُرْعَةُ، وَفِيهَا طَرَفَانِ: أَحَدُهُمَا فِي مَحَلِّهَا،

وَهُوَ أَنْ يُعْتِقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبِيدًا دُفْعَةً، وَيَقْصُرُ عَنْهُمْ ثُلُثُ مَالِهِ، وَلَا يُجِيزُ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمْ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ لِتَجْتَمِعَ الْحُرِّيَّةُ فِي بَعْضِهِمْ، فَيَعْتِقُ، أَوْ يَقْرُبُ مِنَ الْعِتْقِ.
وَفِي الضَّابِطِ قُيُودٌ، أَحَدُهَا: وُقُوعُ الْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَإِذَا انْتَفَى عَتَقُوا كُلُّهُمْ.
الثَّانِي: أَنْ يُعْتِقَهُمْ دُفْعَةً بِأَنْ يُوَكِّلَ بِإِعْتَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ وَكِيلًا، فَيَعْتِقُوا مَعًا، أَوْ يَقُولَ: هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ، أَوْ يَقُولَ لَهُمْ: أَعْتَقْتُكُمْ، أَوْ أَنْتُمْ أَحْرَارٌ، فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ أَوَّلًا قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، إِلَى تَمَامِ الثُّلُثِ، كَقَوْلِهِ: سَالِمٌ حُرٌّ، وَغَانِمٌ حُرٌّ، وَفَائِقٌ حُرٌّ، فَلَوْ قَالَ: سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَفَائِقٌ أَحْرَارٌ: فَهُوَ مَحَلُّ الْقُرْعَةِ.
وَلَوْ قَالَ: سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَفَائِقٌ حُرٌّ، فَعَنِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يُرَاجَعُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ حُرِّيَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ حُرِّيَّةَ الْأَخِيرِ، قُبِلَ، وَلَا قُرْعَةَ، وَإِنْ قَالَ: حُرِّيَّةُ غَيْرِهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقْصُرَ عَنْهُمْ ثُلُثُ مَالِهِ، وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ، فَإِنْ وَفَى الثُّلُثُ بِهِمْ، أَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ، عَتَقُوا جَمِيعًا.
وَلَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبِيدٍ، وَلَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهِمْ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ، أُقْرِعَ أَيْضًا، وَسَوَاءٌ أَوْصَى بِإِعْتَاقِهِمْ دُفْعَةً، أَوْ قَالَ: أَعْتِقُوا فُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: أَعْتِقُوا فُلَانًا ; لِأَنَّ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَوْتُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَتَّبَ الْإِعْتَاقَ الْمُنْجِزُ إِلَّا أَنْ يُقَيِّدَ، فَيَقُولَ: أَعْتِقُوا فُلَانًا ثُمَّ فُلَانًا وَلَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِالْمَوْتِ، فَقَالَ: إِذَا مُتُّ فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ، أَوْ أَعْتَقْتُكُمْ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ رَتَّبَ فَقَالَ: إِذَا مُتُّ، فَفُلَانٌ حُرٌّ، أَقْرَعَ أَيْضًا.
وَفِي الْوَصِيَّةِ وَالتَّعْلِيقِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا قُرْعَةَ، بَلْ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ ثُلُثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، أَوْ أَثْلَاثُ هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يُقْرَعُ،

بَلْ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ لِتَصْرِيحِهِ بِالتَّبْعِيضِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يُقْرَعُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَصَايَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُمْ، أَوْ ثُلُثُكُمْ حُرٌّ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُكُمْ أَمْ كَقَوْلِهِ أَثْلَاثُ هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ، فِيهِ طَرِيقَانِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إِلَى الْمَوْتِ فَقَالَ: ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ أَثْلَاثُ هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ بَعْدَ مَوْتِي، عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ، وَلَا قُرْعَةَ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ يُعْتَبَرُ لِمَعْرِفَةِ الثُّلُثِ فِيمَنْ أَعْتَقَهُ مُنْجَزًا فِي الْمَرَضِ قِيمَةُ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ، وَفِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ قِيمَةُ يَوْمِ الْمَوْتِ أَقَلَّ، فَالزِّيَادَةُ حَصَلَتْ فِي مِلْكِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ يَوْمَ الْقَبْضِ أَقَلَّ، فَمَا نَقَصَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِمْ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ، كَالَّذِي يُغْصَبُ، أَوْ يَضِيعُ مِنَ التَّرِكَةِ قَبْلَ قَبْضِهِمْ، وَإِذَا أَنْجَزَ إِعْتَاقَ عَبْدٍ، وَأَوْصَى بِإِعْتَاقِ آخَرَ، قَوَّمْنَا الْمُنْجَزَ حَالَ إِعْتَاقِهِ، وَالْآخَرَ حَالَ الْمَوْتِ، وَبَقِيَّةَ التَّرِكَةِ بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَا، وَإِنْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا، أَعْتَقْنَا الْمُنْجَزَ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الثُّلُثِ، أَعْتَقْنَا بِقَدْرِهِ مِنَ الْمُوصَى بِإِعْتَاقِهِ، وَإِنْ نَقَصَ الثُّلُثُ، أَعْتَقْنَا مِنَ الْمُنْجَزِ بِقَدْرِهِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ فِي الْمَرَضِ عَبْدًا مُبْهَمًا، بِأَنْ قَالَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ حُرٌّ، أَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِأَنْ قَالَ: أَعْتِقُوا أَحَدَهُمْ، فَفِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» لِلرُّويَانِيِّ أَنَّهُ يُكْتَبُ رُقْعَةٌ لِلْعِتْقِ، وَأُخْرَى لِلْوَصِيَّةِ بِإِعْتَاقٍ، وَرُقْعَتَانِ لِلتَّرِكَةِ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ، فَكَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِعَيْنِهِ، وَمَنْ خَرَجَ لَهُ الْوَصِيَّةُ، فَكَأَنَّهُ أَوْصَى بِإِعْتَاقِهِ، ثُمَّ يَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ.
وَفِي «الشَّامِلِ» أَنَّهُ يُمَيَّزُ الثُّلُثُ بِالْقُرْعَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُمَيَّزُ بَيْنَ الْمُنْجَزِ وَالْآخَرِ.

فَرْعٌ كُلُّ عَبْدٍ مِنَ الْمُنْجَزِ إِعْتَاقُهُمْ عَتَقَ بِالْقُرْعَةِ يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ لَا مِنْ يَوْمِ الْقُرْعَةِ، وَيُسَلَّمُ لَهُ مَا كَسَبَهُ مِنْ وَقْتِ الْإِعْتَاقِ وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ، سَوَاءٌ كَسَبَهُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ أَمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ رَقِيقًا مِنْهُمْ فَأَكْسَابُهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ، تُحْسَبُ عَلَى الْوَارِثِ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَأَكْسَابُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ الْقُرْعَةِ لَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ، لِحُصُولِهَا عَلَى مِلْكِهِ.
فَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِائَةٌ، وَكَسَبَ أَحَدُهُمْ مِائَةً، وَأَقْرَعْنَا، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلْكَاسِبِ، عَتَقَ وَفَازَ بِكَسْبِهِ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ، وَإِنْ خَرَجَ لِأَحَدِ الْآخَرَيْنِ، عَتَقَ، ثُمَّ تُعَادُ بَيْنَ الْكَاسِبِ وَالْآخَرِ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِلْآخَرِ، عَتَقَ ثُلُثُهُ وَبَقِيَ ثُلُثَاهُ مَعَ الْكَاسِبِ، وَكَسْبُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلْكَاسِبِ، وَقَعَ الدَّوْرُ ; لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بَعْضُهُ، وَيَتَوَزَّعُ الْكَسْبُ عَلَى مَا عَتَقَ وَعَلَى مَا رَقَّ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ حِصَّةُ مَا عَتَقَ، وَتَزِيدُ التَّرِكَةُ بِحِصَّةِ مَا رَقَّ، وَإِذَا زَادَتِ التَّرِكَةُ، زَادَ مَا عَتَقَ، وَتَزِيدُ حِصَّتُهُ، وَإِذَا زَادَتْ حِصَّتُهُ، نَقَصَتْ حِصَّةُ التَّرِكَةِ.
وَطَرِيقُ اسْتِخْرَاجِهِ بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسَائِلِ الدَّوْرِيَّةِ مِنَ الْوَصَايَا وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُ رُبُعُهُ، وَيَتْبَعُهُ رُبُعُ كَسْبِهِ، يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ مَعَ الْعَبْدِ الْآخَرِ، وَجُمْلَتُهَا ضِعْفُ مَا عَتَقَ، وَلَوْ كَسَبَ أَحَدُهُمْ مِائَتَيْنِ، وَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ الثَّانِيَةُ لِغَيْرِ الْكَاسِبِ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَالْكَاسِبُ وَكَسْبُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلْكَاسِبِ،

فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَتَبِعَهُ مِنَ الْكَسْبِ شَيْئَانِ ; لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلَا قِيمَتِهِ، تَبْقَى لِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ تَعْدِلُ ضِعْفَ مَا عَتَقَ، وَهُوَ عَبْدَانِ وَشَيْئَانِ فَبَعْدَ الْجَبْرِ أَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ، تَعْدِلُ عَبْدَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْيَاءَ، تُسْقِطُ عَبْدَيْنِ بَعَبْدَيْنِ، يَبْقَى عَبْدَانِ وَشَيْئَانِ فِي مُقَابَلَةِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَالشَّيْءُ خُمُسُ الْعَبْدَيْنِ، وَهُوَ خُمُسَا عَبْدٍ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ، فَقَدْ عَتَقَ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَبَقِيَ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ سِتُّونَ، وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ، وَجُمْلَتُهَا مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ، وَقَدْ سَبَقَتْ نَظَائِرُ هَذَا فِي الْوَصَايَا.
هَذَا كُلُّهُ فِي الْأَكْسَابِ الْحَاصِلَةِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ، وَلَوْ كَسَبَ أَحَدُهُمْ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ مِائَةً بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلْكَاسِبِ عَتَقَ وَتَبِعَهُ كَسْبُهُ غَيْرَ مَحْسُوبٍ كَمَا لَوْ كَسَبَ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِ الْكَاسِبِ، عَتَقَ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ، وَلَا تُعَادُ الْقُرْعَةُ لِلْكَسْبِ، بَلْ يَفُوزُ بِهِ الْوَارِثُ لِحُصُولِهِ فِي مِلْكِهِ، وَكَسْبُ مَنْ أُوصِيَ بِإِعْتَاقِهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لِلْمُوصِي، تَزِيدُ بِهِ التَّرِكَةُ وَالثُّلُثُ، وَكَسْبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا تَزِيدُ بِهِ التَّرِكَةُ وَلَا الثُّلُثُ بِلَا خِلَافٍ.
وَهَلْ هُوَ لِلْوَرَثَةِ أَمْ لِلْعَبْدِ؟ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الصَّبَّاغِ أَحَدُهُمَا: قَوْلَانِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ كَسْبَ الْمُوصَى بِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ لِلْوَرَثَةِ أَوْ لِلْمُوصَى لَهُ؟ وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لِلْوَرَثَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِمَوْتِ الْمُوصِي اسْتِحْقَاقًا مُسْتَقِرًّا، وَالْوَصِيَّةُ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، بَلِ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، وَإِذَا زَادَتْ قِيمَةُ مَنْ نَجَزَ إِعْتَاقُهُ، كَانَتِ الزِّيَادَةُ كَالْكَسْبِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قَرْعَةُ الْعِتْقِ، تَبِعَتْهُ الزِّيَادَةُ غَيْرَ مَحْسُوبَةٍ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِيمَنْ أَعْتَقَهُمْ جَارِيَةٌ، فَوَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ، فَالْوَلَدُ كَالْكَسْبِ،

فَإِذَا خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهَا، تَبِعَهَا الْوَلَدُ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِ مَنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، أَوِ الَّتِي وَلَدَتْ، وَقَعَ لِلدَّوْرِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِائَةٌ، فَبَلَغَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِائَتَيْنِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَسَبَ أَحَدُهُمْ مِائَةً.
وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَيْنِ، قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةٌ، فَوَلَدَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَسَبَ أَحَدُهُمْ مِائَةً، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلَّتِي لَمْ تَلِدْ، عَتَقَتْ، وَرَقَّتِ الْوَالِدَةُ وَوَلَدُهَا، وَهُمَا ضِعْفُ مَا عَتَقَ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلْوَالِدَةِ، عَتَقَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَتَبِعَهَا مِنَ الْوَلَدِ مِثْلُهُ، يَبْقَى مَعَ الْوَرَثَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ إِلَّا شَيْئَيْنِ يَعْدِلُ ضِعْفَ مَا أَعْتَقْنَا مَحْسُوبًا، وَهُمَا شَيْئَانِ، فَبَعْدَ الْجَبْرِ يَعْدِلُ ثَلَاثُمِائَةٍ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مِائَةٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَتَبِعَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْوَلَدِ، يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ رُبُعُهُمَا وَالْجَارِيَةُ الْأُخْرَى، وَجُمْلَتُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، ضِعْفُ مَا عَتَقَ مِنْهَا.
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ، أَوْ مَا فِي بَطْنِكِ، فَوَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ تَعْيِينٌ، فَيُقْرَعُ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِلْوَلَدِ، عَتَقَ دُونَ الْأُمِّ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهِ، عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَتِ الْأُمُّ، عَتَقَتْ، وَتَبِعَهَا الْوَلَدُ إِنْ وَفَى بِهِمَا الثُّلُثُ، وَإِلَّا، فَيَعْتِقُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَيَتْبَعُهَا مِنَ الْوَلَدِ شَيْءٌ.
وَطَرِيقُ اسْتِخْرَاجِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَصَايَا فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَكَسَبَ، وَتَقْوِيمُ الْوَلَدِ بِمَا يَكُونُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا وَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَهُ، نُظِرَ إِنْ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ، فَالْوَلَدُ كَكَسْبٍ حَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهِ، إِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلْأُمِّ، عَتَقَتْ، وَتَبِعَهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِ

الْوَالِدَةِ، عَتَقَتْ، وَلَا تُعَادُ الْقُرْعَةُ لِلْوَلَدِ ; لِأَنَّهُ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهَلْ تُحْسَبُ عَلَى الْوَارِثِ حَتَّى تُعَادَ الْقُرْعَةُ؟ قَالَ الْبَغَوِيُّ: يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ يُعْرَفُ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَهُوَ كَالْحَادِثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَا تُعَادُ، وَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَالْحَادِثِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَتُعَادُ، وَأَطْلَقَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، هَلْ يُحْسَبُ الْوَلَدُ عَلَى الْوَرَثَةِ مِنَ الثُّلُثَيْنِ؟ وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ مَنْ نُجِّزَ، عَتَقَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ كَانَ النَّقْصُ فِيمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ، حُسِبَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَنْ رَقَّ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ إِلَّا النَّاقِصُ.
فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَرَجَعَ إِلَى خَمْسِينَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا طَرِيقَ اسْتِخْرَاجِهِ فِي الْوَصَايَا.
وَحَاصِلُهُ أَنْ يَعْتِقَ مِنْهُ الْخُمُسُ.
وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ، قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِائَةٌ، فَعَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ إِلَى خَمْسِينَ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلنَّاقِصِ، عَتَقَ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ مِائَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ لِأَحَدِ الْآخَرَيْنِ، عَتَقَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَثُلُثٌ، يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ سُدُسُهُ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ وَالنَّاقِصُ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، ضِعْفُ مَا عَتَقَ ; لِأَنَّ الْمَحْسُوبَ عَلَى الْوَرَثَةِ الْبَاقِي بَعْدَ النَّقْصِ، وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ.
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِائَةٌ، وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، فَعَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا إِلَى خَمْسِينَ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلْآخَرِ، عَتَقَ نِصْفُهُ، وَبَقِيَ لِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُ مَعَ الْعَبْدِ النَّاقِصِ، وَهُمَا ضِعْفُ مَا عَتَقَ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلنَّاقِصِ، وَقَعَ الدَّوْرُ، لِأَنَّا نَحْتَاجُ إِلَى إِعْتَاقِ بَعْضِهِ مُعْتَبَرًا بِيَوْمِ الْإِعْتَاقِ، وَإِلَى إِبْقَاءِ ضِعْفِهِ لِلْوَرَثَةِ مُعْتَبَرًا بِيَوْمِ الْمَوْتِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، يَبْقَى خُمُسَاهُ مَعَ الْآخَرِ لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ حَدَثَ

النَّقْصُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ، وَقَبْلَ الْإِقْرَاعِ، فَهَلْ يُحْسَبُ عَلَى الْوَرَثَةِ؟ قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ الْوَارِثُ مَقْصُورَ الْيَدِ عَنِ التَّرِكَةِ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يُحْسَبُ عَلَيْهِ.

الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ وَالتَّجْرِبَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ فَصْلَانِ: الْأَوَّلُ: فِي كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ، قَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّ لِلْقُرْعَةِ طَرِيقَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُكْتَبَ أَسْمَاءُ الْعَبِيدِ فِي رِقَاعٍ، ثُمَّ يُخْرَجَ عَلَى الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُكْتَبَ فِي الرِّقَاعِ الرِّقُّ وَالْحُرِّيَّةُ، وَيُخْرَجَ عَلَى أَسْمَاءِ الْعَبِيدِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ أَثْبَتَ قَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ يُقْرَعُ بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ أَمِ الثَّانِي، وَأَنَّ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْخِلَافِ فِي الْجَوَازِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ خِلَافًا، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا فِي الْعِتْقِ: يَسْلُكُ مَا شَاءَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَلَفْظُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ أَخْصَرُ.
وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ أَنْ تَكُونَ الرِّقَاعُ صِغَارًا لِيَكُونَ أَخْفَى، وَأَنْ تَكُونَ مُتَسَاوِيَةً، وَأَنْ تُدْرَجَ فِي بَنَادِقَ، وَتُجْعَلَ فِي حِجْرِ مِنْ لَمْ يَحْضُرْ هُنَاكَ، كَمَا بَيَّنَّا فِي الْقِسْمَةِ، وَأَنَّهُ يُغَطَّى بِثَوْبٍ، وَيُدْخَلُ مَنْ يُخْرِجُهَا الْيَدَ مِنْ تَحْتِهِ.
كُلُّ هَذَا لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنَ التُّهْمَةِ، وَلَا تَتَعَيَّنُ الرِّقَاعُ، بَلْ تَجُوزُ الْقُرْعَةُ بِأَقْلَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَبِالنَّوَى وَالْبَعْرِ، وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَعَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ، كَدَوَاةٍ وَقَلَمٍ وَحَصَاةٍ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا ; لِأَنَّ الْمُخْرِجَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَظْهَرُ حَيْفُهُ، وَلَا يَجُوزُ الْإِعْرَاضُ عَنْ أَصْلِ الْقُرْعَةِ، وَالتَّمْيِيزُ بِطَرِيقٍ آخَرَ بِأَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ طَارَ غُرَابٌ، فَفُلَانٌ حُرٌّ، أَوْ أَنَّ مَنْ وَضَعَ عَلَى صَبِيٍّ يَدَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ أَنْ يُرَاجَعَ شَخْصٌ لَا غَرَضَ لَهُ

وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ: فَإِنْ كُنَّا نُعْتِقُ عَبْدًا، وَنَرِقُّ آخَرِينَ، وَرَأَيْنَا إِثْبَاتَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: يَثْبُتُ الرِّقُّ فِي رُقْعَتَيْنِ، وَالْحُرِّيَّةُ فِي رُقْعَةٍ عَلَى نِسْبَةِ الْمَطْلُوبِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، فَإِنَّ مَا يَكْثُرُ فَهُوَ أَحْرَى بِسَبْقِ الْيَدِ إِلَيْهِ.
وَفِي كَلَامِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ احْتِيَاطًا، وَقَالَ: يَكْفِي رُقْعَةٌ لِلرِّقِّ وَأُخْرَى لِلْحُرِّيَّةِ، ثُمَّ إِذَا أَخْرَجْنَا رُقْعَةً بِاسْمِ أَحَدِهِمْ، فَخَرَجَتْ لِلْحُرِّيَّةِ، انْفَصَلَ الْأَمْرُ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلرِّقِّ، احْتَجْنَا إِلَى إِخْرَاجِهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: إِذَا أَثْبَتْنَا الرِّقَّ وَالْحُرِّيَّةَ، فَقَالَ الْمُخْرِجُ: أُخْرِجُ عَلَى اسْمِ هَذَا، وَنَازَعَهُ الْآخَرُونَ، وَقَالُوا: أَخْرِجْ عَلَى أَسْمَائِنَا، أَوْ أَثْبَتْنَا الْأَسْمَاءَ، وَقَالَ الْمُخْرِجُ: أُخْرِجُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَقَالُوا: أَخْرِجْ عَلَى الرِّقِّ، أَوْ تَنَازَعَ الْوَرَثَةُ وَالْعَبْدُ، فَقَالَ الْوَرَثَةُ: أَخْرِجْ عَلَى الرِّقِّ، وَقَالَ الْعَبْدُ: عَلَى الْحُرِّيَّةِ، فَهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ احْتِمَالَانِ، إِنْ أَثْبَتَ الرِّقَّ وَالْحُرِّيَّةَ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ أَوَّلًا حَتَّى يَتَعَيَّنَ مَنْ يُعْرَضُ عَلَى الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ وَاحِدٌ، أُخْرِجَتْ رُقْعَةٌ عَلَى اسْمِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَثْبُتَ الْحُرِّيَّةُ عَلَى رُقْعَةٍ، وَالرِّقُّ عَلَى رُقْعَتَيْنِ، وَيُعْطِي الْمُخْرِجُ كُلَّ عَبْدٍ رُقْعَةً، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْقِسْمَةِ أَنَّ تَعْيِينَ مَنْ يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الشُّرَكَاءِ وَالْأُجَرَاءِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْقَسَّامِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُنَاطَ هُنَا بِنَظَرِ مُتَوَلِّي الْإِقْرَاعِ مِنْ قَاضٍ أَوْ وَصِيٍّ، فَيَبْدَأُ بِمَنْ شَاءَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مُضَايَقَاتِهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ إِعْطَاءَ كُلِّ عَبْدٍ رُقْعَةً، لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْإِقْرَاعِ، بَلْ يَكْفِي الْإِخْرَاجُ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ.

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ تَجْزِئَةِ الْعَبِيدِ، وَهِيَ تَقَعُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، أُقْرِعَ بِإِثْبَاتِ اسْمَيْهِمَا فِي رُقْعَتَيْنِ، وَإِخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَلَى الرِّقِّ أَوِ الْحُرِّيَّةِ، أَوْ بِإِثْبَاتِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فِي رُقْعَتَيْنِ، وَالْإِخْرَاجِ عَلَى اسْمِهِمَا، ثُمَّ إِنِ اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ، وَرَقَّ بَاقِيهِ مَعَ الْآخَرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل