روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إِذَا أَتَاكِ كِتَابِي، أَوْ بَلَغَكِ، أَوْ وَصَلَ إِلَيْكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا فَإِنِ انْمَحَى جَمِيعُ الْمَكْتُوبِ، فَبَلَغَهَا الْقِرْطَاسُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ قِرَاءَتُهُ، لَمْ تُطَلَّقْ كَمَا لَوْ ضَاعَ.
وَقِيلَ: تُطَلَّقُ، إِذْ يُقَالُ: أَتَى كِتَابُهُ وَقَدِ انْمَحَى، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَإِنْ بَقِيَ أَثَرٌ، وَأَمْكَنَتْ قِرَاءَتَهُ، طُلِّقَتْ، كَمَا لَوْ وَصَلَ بِحَالِهِ، وَإِنْ وَصَلَهَا بَعْضُ الْكِتَابِ دُونَ بَعْضِهِ، فَخَرْمُ الْكِتَابِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَوْضِعُ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الضَّائِعَ، أَوِ انْمَحَى مَا فِيهِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: لَا تُطَلَّقُ، وَالثَّانِي: تُطَلَّقُ، وَالثَّالِثُ: إِنْ قَالَ: إِذَا جَاءَكِ كِتَابِي، وَقَعَ.
وَإِنْ قَالَ: إِذَا جَاءَكِ كِتَابِي هَذَا أَوِ الْكِتَابُ، فَلَا.
الثَّانِي: مَوْضِعُ سَائِرِ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ، وَمِنْهُ مَا يَعْتَذِرُ بِهِ عَنِ الطَّلَاقِ وَيُوَبِّخُهَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُلْجِئَةِ إِلَى الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَ الْخَلَلُ فِيهِ بِالتَّخَرُّقِ وَالِانْمِحَاءِ، وَبَقِيَ مَوْضِعُ الطَّلَاقِ وَغَيْرُهُ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ، وَالْوُقُوعُ هُنَا أَوْلَى، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، لِوُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَيَحْسُنُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
الثَّالِثُ: مَوْضِعُ السَّوَابِقِ وَاللَّوَاحِقِ، كَالتَّسْمِيَةِ، وَصَدْرِ الْكِتَابِ، وَالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ.
فَإِذَا كَانَ الْخَلَلُ فِيهِ وَالْمَقَاصِدُ بَاقِيَةً، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا، الْوُقُوعُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَكُنْتُ أَوَدُّ أَنْ يُفَرَّقَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ بَيْنَ أَنْ يَبْقَى مُعْظَمُ الْكِتَابِ، أَمْ يَخْتَلَّ؟ فَإِنَّ لِلْمُعْظَمِ أَثَرًا فِي بَقَاءِ الِاسْمِ وَعَدِمِهِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ، هُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ فِي «الْمُسْتَظْهِرِيِّ» لَكِنَّهُ لَمْ يَطْرُدْهُ فِيمَا إِذَا انْمَحَى مَوْضِعُ الطَّلَاقِ، لَمْ يَقَعْ عِنْدَهُ.
وَعِنْدَ سَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ قَطْعًا، وَلَفْظُهُ: وَقِيلَ: إِنْ وُجِدَ أَكْثَرُ الْكِتَابِ، طُلِّقَتْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الرَّابِعُ: الْبَيَاضُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَآخِرِهِ.
الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ.
بِزَوَالِهِ.
وَقِيلَ: يَطَّرِدُ الْخِلَافُ.
أَمَّا إِذَا كَتَبَ: إِذَا بَلَغَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ بَلَغَ مَوْضِعُ الطَّلَاقِ وَقَعَ بِلَا تَفْصِيلٍ وَلَا خِلَافٍ، وَإِنْ بَلَغَ مَا سِوَاهُ وَبَطَلَ مَوْضِعُ الطَّلَاقِ، لَمْ تُطَلَّقْ.
فَرْعٌ كَتَبَ: إِذَا بَلَغَكِ كِتَابِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَتَبَ أَيْضًا: إِذَا وَصَلَ إِلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَبَلَغَهَا، وَقَعَتْ طَلْقَتَانِ لِلصِّفَتَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِقِرَاءَتِهَا، فَقَرَأَتْ بَعْضَهُ دُونَ بَعْضٍ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي وُصُولِ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ.
فَرْعٌ كَتَبَ كِتَابَهُ وَنَوَى، فَكَكَتْبِ الصَّرِيحِ.
وَلَوْ أَمَرَ الزَّوْجُ أَجْنَبِيًّا، فَكَتَبَ وَنَوَى الزَّوْجُ، لَمْ تُطَلَّقْ كَمَا لَوْ قَالَ لِلْأَجْنَبِيِّ: قُلْ لِزَوْجَتِي: أَنْتِ بَائِنٌ وَنَوَى الزَّوْجُ، لَا تُطَلَّقُ.
فَرْعٌ كَتَبَ: إِذَا بَلَغَكِ نِصْفُ كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَبَلَغَهَا كُلُّهُ، فَهَلْ يَقَعُ لِاشْتِمَالِ الْكُلِّ عَلَى النِّصْفِ، أَمْ لَا لِأَنَّ النِّصْفَ فِي مِثْلِ هَذَا يُرَادُ بِهِ الْمُنْفَرِدُ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْوُقُوعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ الْكَتْبُ عَلَى الْكَاغِدِ، وَالرَّقِّ، وَاللَّوْحِ، وَالنَّقْرِ فِي الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ، سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ، وَلَا عِبْرَةَ بِرَسْمِ الْحُرُوفِ عَلَى الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ، لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَلْحَقَ هَذَا بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، وَلَكَ أَنْ تَمْنَعَهُ، لِأَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْحُرُوفِ لَا إِلَى مَعْنَى الطَّلَاقِ وَهُوَ الْإِبْعَادُ.
قُلْتُ: وَلَوْ خَطَّ عَلَى الْأَرْضِ وَأَفْهَمَ، فَكَالْخَطِّ عَلَى الْوَرَقِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ قَالَتْ: أَتَانِي كِتَابُ الطَّلَاقِ، فَأَنْكَرَ أَنَّهُ كَتَبَهُ، أَوْ أَنَّهُ نَوَى، صُدِّقَ، فَلَوْ شَهِدَ شُهُودٌ أَنَّهُ خَطُّهُ، لَمْ تُطَلَّقْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ يُحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى إِثْبَاتِ قِرَاءَتِهِ أَوْ نِيَّتِهِ.
فَرْعٌ كَتَبَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ اسْتَمَدَّ فَكَتَبَ: إِذَا أَتَاكِ كِتَابِي، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى الِاسْتِمْدَادِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَبْلُغَهَا الْكِتَابُ، وَإِلَّا طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ.
فَرْعٌ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِكَلِمَةِ الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ قَدْرًا يُسْمِعُ نَفْسَهُ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: حَكَى الزُّجَاجِيُّ، أَنَّ الْمُزَنِيَّ نَقَلَ فِيهِ قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ، لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْكَتْبِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ، وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ فِي قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ.

قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: الثَّانِي، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، بِخِلَافِ الْكَتْبِ، فَإِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ حُصُولُ الْإِفْهَامِ وَلَمْ يَحْصُلْ هُنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي التَّفْوِيضِ: يَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَى زَوْجَتِهِ طَلَاقَ نَفْسِهَا، فَإِذَا فَوَّضَ فَقَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ شِئْتِ، فَهَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ، أَمْ تَوْكِيلٌ بِهِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: تَمْلِيكٌ وَهُوَ الْجَدِيدُ، فَعَلَى هَذَا، تَطْلِيقُهَا يَتَضَمَّنُ الْقَبُولَ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا تَأْخِيرُهُ، فَلَوْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِعُ الْقَبُولُ عَنِ الْإِيجَابِ ثُمَّ طَلَّقَتْ، لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ وَغَيْرُهُ: لَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ مَتَى شَاءَتْ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ إِنْ شِئْتِ فَطَلَّقَتْ، وَقَعَ بَائِنًا، وَهَذَا تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ.
وَإِذَا لَمْ يَجْرِ عِوَضٌ، فَهُوَ كَالْهِبَةِ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: كَيْفَ يَكُونُ تَطْلِيقِي لِنَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: طُلِّقْتِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَدْرُ قَاطِعًا، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ تَخَلُّلُهُ.
أَمَّا إِذَا قُلْنَا: التَّفْوِيضُ تَوْكِيلٌ، فَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي سَائِرِ الْوِكَالَاتِ، وَيَجِيءُ الْوَجْهُ الْفَارِقُ بَيْنَ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِأَنْ يَقُولَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ.
وَصِيغَةُ الْعَقْدِ، كَقَوْلِهِ: وَكَّلْتُكِ فِي طَلَاقِ نَفْسِكِ.
وَهَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ التَّطْلِيقِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، فَتُطَلِّقُ مَتَى شَاءَتْ كَتَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ.
وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ: لَا، وَطَرَدَهُ الْقَاضِي فِيمَا لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكِ فِي طَلَاقِ نَفْسِكِ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ مَتَى شِئْتِ، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ قَطْعًا، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ

فِيهِ قَبْلَ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إِنْ جَعَلْنَاهُ تَوْكِيلًا، وَكَذَا إِنْ جَعَلْنَاهُ تَمْلِيكًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنَعَهُ ابْنُ خَيْرَانَ.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَطَلِّقِي نَفْسَكِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، لَغَا، وَلَيْسَ لَهَا التَّطْلِيقُ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
. وَإِنْ قُلْنَا: تَوْكِيلٌ، جَازَ كَتَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَطَلِّقِي نَفْسَكِ، إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا، أَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا بَعْدَ شَهْرٍ، فَإِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا عَلَى أَلْفٍ بَعْدِ مُضِيِّ الشَّهْرِ، طُلِّقَتْ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَأَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِكَ، فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ إِطْلَاقَ الطَّلَاقِ لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ، فَلَهُ التَّطْلِيقُ بَعْدَ أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، إِلَّا أَنْ يَطْرَأَ مَنْعٌ، وَإِنْ أَرَادَ تَقْيِيدَ الْأَمْرِ بِرَأْسِ الشَّهْرِ، تَقَيَّدَ الطَّلَاقُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّطْلِيقُ بَعْدَهُ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا مَضَى هَذَا الشَّهْرُ فَأَمْرُهَا بِيَدِكَ، فَمُقْتَضَاهُ إِطْلَاقُ الْإِذْنِ بَعْدَهُ، فَيُطَلِّقُهَا بَعْدَهُ مَتَى شَاءَ وَلَوْ قَالَ: أَمْرُهَا بِيَدِكَ إِلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرًا، فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِلَى شَهْرٍ، وَلَيْسَ لَهُ تَطْلِيقُهَا بَعْدَهُ.
وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ، كَهِيَ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ إِذَا جَعَلْنَا التَّفْوِيضَ إِلَيْهَا تَوْكِيلًا.
فَرْعٌ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ أَنَا طَالِقٌ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ إِذَا قَدِمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهَا التَّعْلِيقَ، وَكَذَا حُكْمُ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِيهَا وَجْهٌ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ.

وَلَوْ قَالَ لَهَا: عَلِّقِي طَلَاقَكِ، فَفَعَلَتْ، أَوْ قَالَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ يَجْرِي مَجْرَى الْأَيْمَانِ، فَلَا يَدْخُلُهُ نِيَابَةً، وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَقِيلَ: إِنْ عَلَّقَ عَلَى صِفَةٍ تُوجَدُ لَا مَحَالَةَ، كَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَرَأْسِ الشَّهْرِ، صَحَّ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعْلِيقِ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُحْتَمَلَةَ الْوُجُودِ كَدُخُولِ الدَّارِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ يَمِينٌ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ.
فَرْعٌ تَفْوِيضُ الْإِعْتَاقِ إِلَى الْعَبْدِ، كَتَفْوِيضِ التَّطْلِيقِ إِلَى الزَّوْجَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ.

فَصْلٌ

كَمَا يَجُوزُ التَّفْوِيضُ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَيُعْتَدُّ مِنَ الْمُفَوَّضِ إِلَيْهَا بِالصَّرِيحِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ التَّفْوِيضُ بِالْكِنَايَاتِ مَعَ النِّيَّةِ، وَيُعْتَدُّ مِنْهَا بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَوَافُقُ لَفْظَيْهِمَا، إِلَّا أَنْ يُقَيَّدَ التَّفْوِيضُ.
فَإِذَا قَالَ: أَبِينِي نَفْسَكِ، أَوْ بِتِّي، فَقَالَتْ: أَبَنْتُ، أَوْ بَتَتُّ، وَنَوَيَا، طُلِّقَتْ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ أَحَدُهُمَا، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: أَبَنْتُ نَفْسِي، أَوْ أَنَا خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ، وَنَوَتْ، طُلِّقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ، وَأَبُو عَبِيدِ بْنُ خَرْبَوَيْهِ: لَا تُطَلَّقُ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ لِلزَّوْجِ: طَلَّقْتُكَ، فَفِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي عَكْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: أَبِينِي نَفْسَكِ، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكِ أَمْرَكِ، أَوْ مَلَّكْتُكِ نَفْسَكِ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَيَنْوِي، فَتَقُولُ: طَلَّقْتُ نَفْسِي، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ: وَيَجْرِي فِيمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: طَلِّقْهَا، فَقَالَ: أَبَنْتُهَا، وَنَوَى، أَوْ قَالَ: أَبِنْهَا وَنَوَى، فَقَالَ: طَلَّقْتُهَا.

وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَبِينِي نَفْسَكِ وَنَوَى، فَقَالَتْ: أَنَا خَلِيَّةٌ وَنَوَتْ، فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، طُلِّقَتْ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ خَيْرَانَ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: تُطَلَّقُ، لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ هُنَا عَلَى النِّيَّةِ، وَاللَّفْظُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، بِخِلَافِ اخْتِلَافِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ، أَوْ قَالَ: بِكِنَايَةِ الطَّلَاقِ، فَعَدَلَ عَنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، لَمْ تُطَلَّقْ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: سَرَّحْتُ نَفْسِي، طُلِّقَتْ بِلَا خِلَافٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الصَّرَاحَةِ.
فَرْعٌ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ وَنَوَى تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ، فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، أَوِ اخْتَرْتُ وَنَوَتْ، وَقَعَتْ طَلْقَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي وَلَمْ يَقُلْ: نَفْسَكِ، وَنَوَى تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ، فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ، فَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى تَقُولَ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَتْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ وَلَا كَلَامِهَا مَا يُشْعِرُ بِالْفِرَاقِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: اخْتَارِي نَفْسَكِ، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ، فَانْصَرَفَ كَلَامُهَا إِلَيْهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: إِذَا قَالَتْ: اخْتَرْتُ، ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ: أَرَدْتُ: اخْتَرْتُ نَفْسِي وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ.
وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي وَنَوَتْ، وَقَعَتْ طَلْقَةٌ، وَتَكُونُ رَجْعِيَّةً إِنْ كَانَتْ مَحَلًّا لِلرَّجْعَةِ.
وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ زَوْجِي أَوِ النِّكَاحَ لَمْ تُطَلَّقْ.
وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ الْأَزْوَاجَ، أَوِ اخْتَرْتُ أَبَوَيَّ، أَوْ أَخِي، أَوْ عَمِّي، طُلِّقَتْ عَلَى الْأَصَحِّ سَوَاءٌ قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ أَوِ اخْتَارِي فَقَطْ.
فَرْعٌ مَتَّى كَانَ التَّفْوِيضُ وَتَطْلِيقُهَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِكِنَايَةٍ فَتَنَازَعَا فِي النِّيَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ النَّاوِي، سَوَاءٌ أَثْبَتَهَا أَمْ نَفَاهَا.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا نَوَتْ فَأَنْكَرَ

صُدِّقَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنَ النَّاوِي.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ التَّخْيِيرِ، فَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ، أَوْ قَالَ: خَيَّرْتُكِ فَلَمْ تَخْتَارِي فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَقَالَتْ: اخْتَرْتُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِلْأَصْلِ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَلَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا إِلَى وَكِيلٍ، فَقَالَ لَهَا الْوَكِيلُ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَزَعَمَ أَنَّهُ نَوَى الطَّلَاقَ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، وَكَذَّبَهُ الزَّوْجُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ أَمِينُهُ.
وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ لِلْأَصْلِ.
وَلَوْ تَوَافَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى تَكْذِيبِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْوَكِيلِ.
فَرْعٌ الْقَوْلُ فِي اشْتِرَاطِ الْفَوْرِ فِي قَبُولِهَا إِذَا فَوَّضَ بِكِنَايَةٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا فَوَّضَ بِصَرِيحٍ.
فَرْعٌ قَالَ: اخْتَارِي مِنْ ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ مَا شِئْتِ، أَوْ طَلِّقِي نَفْسَكِ مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ، فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، وَلَا تَمْلِكُ الثَّلَاثَ.
فَرْعٌ خَيَّرَ صَبِيَّةً، فَاخْتَارَتْ، لَمْ تُطَلَّقْ.
فَرْعٌ قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: اخْتَارِي، وَقَالَ: أَرَدْتُ وَاحِدَةً، لَمْ يَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ.

فَرْعٌ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ، أَوْ طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: أَخْتَارُ أَوْ أُطَلِّقُ، فَمُطَلَّقَةٌ لِلِاسْتِقْبَالِ، فَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ شَيْءٌ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الْإِنْشَاءَ، وَقَعَ فِي الْحَالِ.
قُلْتُ: هَذَا كَمَا قَالَ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَ النَّحْوِيِّينَ، أَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ إِذَا تَجَرَّدَ، فَالْحَالُ أَوْلَى بِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْحَالِ، وَعَارَضَهُ أَصْلُ بَقَاءِ النِّكَاحِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ أَنَّهُ لَوْ خَيَّرَهَا وَهِيَ لَا تَعْلَمُ، فَاخْتَارَتِ اتِّفَاقًا، خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ فَكَانَ مَيِّتًا، وَالطَّلَاقُ أَوْلَى بِالنُّفُوذِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِيَدِكَ، يُسْأَلُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالطَّلَاقِ، قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالَّذِي أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِي جَعَلْتُهُ فِي يَدِكَ، قُبِلَ وَاسْتَقَلَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ أَمْرٍ لِي عَلَيْكِ قَدْ جَعَلْتُهُ بِيَدِكِ، فَعِنْدِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَفْوِيضٍ صَرِيحٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا مَا لَمْ يَنْوِ هُوَ الثَّلَاثَ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ، فَالْمُضَافُ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ، فِي أَنَّ التَّفْوِيضَ عَلَيْكَ أَمْ تَوْكِيلٌ؟ إِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، لَمْ يَحْتَمِلِ التَّرَاخِيَ كَالْبَيْعِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَتَوْكِيلِهِ بِالْبَيْعِ الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ، فَعَلَى هَذَا، لَهُ الرَّدُّ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دُونَ بَعْضٍ.

فَصْلٌ

قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَنَوَى الثَّلَاثَ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي وَنَوَتِ الثَّلَاثَ، وَقَعَ الثَّلَاثُ.
وَإِنْ لَمْ تَنْوِ هِيَ الْعَدَدَ، فَهَلْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ أَمِ الثَّلَاثُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: وَاحِدَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ أَوْ طَلَّقْتُ نَفَسِي وَلَمْ تَلَفَّظْ بِالْعَدَدِ وَلَا نَوَتْهُ، وَقَعَ الثَّلَاثُ، لِأَنَّ قَوْلَهَا هُنَا جَوَابٌ لِكَلَامِهِ، فَهُوَ كَالْمَعَادِ فِي الْجَوَابِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ هُوَ بِالثَّلَاثِ وَنَوَتْهَا، لِأَنَّ الْمَنَوِيَّ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ عَوْدِهِ فِي الْجَوَابِ، فَإِنَّ التَّخَاطُبَ بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ.
وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ.
وَلَوْ فَوَّضَ بِكِنَايَةٍ وَنَوَى عَدَدًا وَطَلَّقَتْ هِيَ بِالْكِنَايَةِ وَنَوَتِ الْعَدَدَ، وَقَعَ مَا نَوَيَاهُ.
فَلَوْ نَوَى أَحَدُهُمَا عَدَدًا، وَالْآخِرُ عَدَدًا آخَرَ، وَقَعَ الْأَقَلُّ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَقَعَ مَا أَوْقَعَتْهُ.
ثُمَّ إِنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَرَاجَعَهَا فِي الْحَالِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي الْفَتَاوَى: لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُطَلِّقَ الثَّلَاثَ دُفْعَةً، وَبَيْنَ قَوْلِهَا: طَلَّقْتُ نَفْسِي وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، فَلَا يَقْدَحُ تَخَلُّلُ الرَّجْعَةِ بَيْنَ الطَّلْقَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي وَاحِدَةً، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَالْحُكْمُ فِي الطَّرَفَيْنِ فِي تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا.
قُلْتُ: وَحَكَى صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَغَيْرُهُ وَجْهًا فِي الْوَكِيلِ: إِذَا زَادَ أَوْ نَقَصَ، لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ وَلَمْ يُؤْذَنْ فِي هَذَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا إِنْ شِئْتِ، فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً، أَوْ قَالَ: وَاحِدَةً إِنْ شِئْتِ، فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ: إِنْ شِئْتِ.
وَلَوْ قَدَّمَ ذِكْرَ الْمَشِيئَةِ عَلَى الْعَدَدِ فَقَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ شِئْتِ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً، أَوْ

قَالَ: طَلِّقِي إِنْ شِئْتِ وَاحِدَةً، فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا.
قَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ: لَا يَقَعُ، لِأَنَّ مَشِيئَةَ ذَلِكَ الْعَدَدِ صَارَتْ شَرْطًا فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْقَصْدُ إِلَى الطَّلَاقِ: فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِحُرُوفِ الطَّلَاقِ بِمَعْنَى الطَّلَاقِ، وَلَا يَكْفِي الْقَصْدُ إِلَى حُرُوفِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهُ، وَيَخْتَلُّ الْقَصْدُ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ اللَّفْظَ، كَالنَّائِمِ تَجْرِي كَلِمَةُ الطَّلَاقِ عَلَى لِسَانِهِ.
وَلَوِ اسْتَيْقَظَ نَائِمٌ، وَقَدْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَفْظُ الطَّلَاقِ فَقَالَ: أَجَزْتُ ذَلِكَ الطَّلَاقَ أَوْ أَوْقَعْتُهُ، فَهُوَ لَغْوٌ.
فَرْعٌ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِ الطَّلَاقِ فِي مُحَاوَرَتِهِ، وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، لَكِنْ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ سَبْقَ اللِّسَانِ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
فَإِذَا قَالَ: طَلَّقْتُكِ، ثُمَّ قَالَ: سَبَقَ لِسَانِي وَإِنَّمَا أَرَدْتُ: طَلَبْتُكِ، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ لَا يَسَعُ امْرَأَتَهُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُ.
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ صَاحِبِ «الْحَاوِي» وَغَيْرِهِ: أَنَّ هَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُتَّهَمًا.
فَأَمَّا إِنْ ظَنَّتْ صِدْقَهُ بِأَمَارَةٍ، فَلَهَا أَنْ تَقْبَلَ قَوْلَهُ وَلَا تُخَاصِمَهُ.
وَأَنَّ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ إِذَا عَرَفَ الْحَالَ، يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَهَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ.
وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ تُسَمَّى طَالِقًا، وَعَبَدُهُ يُسَمَّى حُرًّا، فَقَالَ لَهَا: يَا طَالِقُ، وَلَهُ: يَا حُرُّ، فَإِنْ قَصَدَ النِّدَاءَ، فَلَا طَلَاقَ وَلَا عِتْقَ.
وَإِنْ قَصَدَ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ، حَصَلَا.
وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى النِّدَاءِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ.
وَلَوْ كَانَ حُرُوفُ اسْمِ امْرَأَتِهِ تُقَارِبُ حُرُوفَ طَالِقٍ، كَطَالِعٍ وَطَالِبٍ، وَطَارِقٍ، فَقَالَ: يَا طَالِقُ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: يَا طَارِقُ، أَوْ يَا طَالِعُ فَالْتَفَّ الْحَرْفُ بِلِسَانِي، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الظَّاهِرِ لِظُهُورِ الْقَرِينَةِ.

وَمَنْ صَوَّرَ سَبْقَ اللِّسَانِ، مَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ أَوْ ظَنَّ طُهْرَهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ الْآنَ طَاهِرَةٌ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ، فَقَالَ: أَنْتِ الْآنَ طَالِقَةٌ.
فَرْعٌ الْمُبَرْسَمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالنَّائِمِ.
فَرْعٌ الْحَاكِي لِطَلَاقِ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: قَالَ فُلَانٌ: زَوْجَتِي طَالِقٌ.
وَالْفَقِيهُ إِذَا كَرَّرَ لَفَظَ الطَّلَاقِ فِي تَصْوِيرِهِ وَتَدْرِيسِهِ وَتَكْرَارِهِ، لَا طَلَاقَ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَنِ الْعَمَلِ.
قَالَ الْبُوشَنْجِيُّ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا.

فَصْلٌ

الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ يَنْفُذَانِ مِنَ الْهَازِلِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَلَا تَدْيِينَ فِيهِمَا، وَيَنْفُذُ أَيْضًا النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَسَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ مَعَ الْهَزْلِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَصُورَةُ الْهَزْلِ أَنْ يُلَاعِبَهَا بِالطَّلَاقِ بِأَنْ تَقُولَ فِي مَعْرِضِ الدَّلَالِ وَالِاسْتِهْزَاءِ: طَلِّقْنِي، فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ، فَتُطَلَّقُ، لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا قَاصِدًا مُخْتَارًا، وَلَمْ يَصْرِفِ اللَّفْظَ إِلَى تَأْوِيلٍ، فَلَمَّ تُدَيَّنْ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: أَرَدْتُ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ.

فَصْلٌ

خَاطَبَ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ حِجَابٍ وَنَحْوِهِمَا وَهُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً، تُطَلَّقُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.

وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» أَنَّ بَعْضَ الْوُعَّاظِ طَلَبَ مِنَ الْحَاضِرِينَ شَيْئًا فَلَمْ يُعْطُوهُ، فَقَالَ مُتَضَجِّرًا مِنْهُمْ: طَلَّقْتُكُمْ ثَلَاثًا، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ فِيهِمْ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَأَفْتَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ.
قَالَ: وَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تُطَلَّقَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: طَلَّقْتُكُمْ لَفْظٌ عَامٌّ وَهُوَ يَقْبَلُ الِاسْتِثْنَاءَ بِالنِّيَّةِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ، فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ بِقَلْبِهِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ زَوْجَتَهُ فِي الْقَوْمِ، كَانَ مَقْصُودُهُ غَيْرَهَا.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ، كِلَاهُمَا عَجَبٌ مِنْهُمَا، أَمَّا الْعَجَبُ مِنَ الرَّافِعِيِّ، فَلِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ كَمَسْأَلَةِ السَّلَامِ عَلَى زَيْدٍ، لِأَنَّهُ هُنَاكَ عَلِمَ بِهِ وَاسْتَثْنَاهُ، وَهُنَا لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا، وَاللَّفْظُ يَقْتَضِي الْجَمِيعَ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهَا.
وَأَمَّا الْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ، فَلِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الرُّكْنِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَصْدُ لَفْظِ الطَّلَاقِ بِمَعْنَى الطَّلَاقِ، وَلَا يَكْفِي قَصْدُ لَفْظِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْوَاعِظَ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَى الطَّلَاقِ، وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا أَوْ جُمْهُورِهِمْ، أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَدْخُلْنَ فِي خِطَابِ الرِّجَالِ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُ: طَلَّقْتُكُمْ خِطَابُ رِجَالٍ، فَلَا تَدْخُلُ امْرَأَتُهُ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُطَلَّقَ لِمَا ذَكَرْتُهُ، لَا لِمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ، فَهَذَا مَا تَقْتَضِيهِ الْأَدِلَّةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ نَسِيَ أَنَّ لَهُ زَوْجَةً، أَوْ زَوَّجَهُ أَبُوهُ فِي صِغَرِهِ، أَوْ وَكِيلُهُ فِي كِبْرِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي فَقَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ، أَوْ خَاطَبَهَا بِالطَّلَاقِ، طُلِّقَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا فِي الظَّاهِرِ.
وَفِي نُفُوذِهِ بَاطِنًا وَجْهَانِ بَنَاهُمَا الْمُتَوَلِّي عَلَى الْإِبْرَاءِ عَنِ الْمَجْهُولِ.
إِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ، لَمْ تُطَلَّقْ بَاطِنًا.

فَرْعٌ إِذَا لُقِّنَ كَلِمَةَ الطَّلَاقِ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُهَا، فَقَالَهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعَ أَهْلِ ذَلِكَ اللِّسَانِ اخْتِلَاطٌ.
فَإِنْ كَانَ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْحُكْمِ وَيُدَيَّنُ بَاطِنًا.
وَإِذَا لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ فَقَالَ: أَرَدْتُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَقَعْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ مَعْنَاهَا قَطْعُ النِّكَاحِ، وَلَكِنْ نَوَيْتُ بِهَا الطَّلَاقَ، وَقَصَدْتُ قَطْعَ النِّكَاحِ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ خَاطَبَهَا بِكَلِمَةٍ لَا مَعْنًى لَهَا، وَقَالَ: أَرَدْتُ الطَّلَاقَ.

السَّبَبُ الثَّانِي: الْإِكْرَاهُ.
التَّصَرُّفَاتُ الْقَوْلِيَّةُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا بِالْإِكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ الرِّدَّةُ وَالْبَيْعُ، وَسَائِرُ الْمُعَامَلَاتِ وَالنِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ وَالْإِعْتَاقُ وَغَيْرُهَا، وَأَمَّا مَا حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، فَهُوَ صَحِيحٌ، فَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ إِسْلَامَ الْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ مَعَ الْإِكْرَاهِ، صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ بِحَقٍّ، وَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُ الذِّمِّيِّ مُكْرَهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمُؤْلِي بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ إِذَا أَطْلَقَ بِإِكْرَاهِ الْقَاضِي، نَفَذَ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ إِكْرَاهٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: هَذَا فِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا إِذَا أَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ فَتَلَفَّظَ بِهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَلَغَتِ الزِّيَادَةُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَزِلُ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ غَيْرُهُ، وَثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ مَعَ الْإِكْرَاهِ، وَفِي امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ بِالْإِكْرَاهِ خِلَافٌ فِي مَوْضِعِهِ.

فَصْلٌ

إِنَّمَا يَنْدَفِعُ الطَّلَاقُ بِالْإِكْرَاهِ، إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ.
فَإِنْ ظَهَرَ بِأَنْ خَالَفَ الْمُكْرَهَ، وَأَتَى بِغَيْرِ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ، حُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلِذَلِكَ

صُوَرٌ مِنْهَا أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى طَلْقَةٍ فَيُطَلِّقُ ثَلَاثًا، أَوْ عَلَى ثَلَاثٍ، فَيُطَلِّقُ وَاحِدَةً، أَوْ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتَيْنِ، فَيُطَلِّقُ إِحْدَاهُمَا، أَوْ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ بِصَرِيحٍ، فَطَلَّقَ بِكِنَايَةٍ أَوْ بِصَرِيحٍ آخَرَ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ عَلَى تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ فَعَلَّقَهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَا عِبْرَةَ بِالْإِكْرَاهِ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَيَقَعُ مَا أَتَى بِهِ.
وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، وَقَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي تَعْيِينِهَا وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِيهِ خِلَافًا، وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةٍ فَطَلَّقَ زَوْجَتَيْنِ، نُظِرَ إِنْ قَالَ لَهُ: طَلِّقْ زَوْجَتَكَ حَفْصَةَ، فَقَالَ لَهَا وَلِضَرَّتِهَا عَمْرَةَ: طَلَّقْتُكُمَا، طُلِّقَتَا، لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ كَلِمَةِ الْإِكْرَاهِ.
وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُ حَفْصَةَ وَعَمْرَةَ، أَوْ: وَطَلَّقْتُ عَمْرَةَ، أَوْ حَفْصَةُ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ عَمْرَةُ وَلَمْ تُطَلَّقْ حَفْصَةُ، هَكَذَا فَصَّلَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يُفَصِّلِ الْإِمَامُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ، بَلْ أَطْلَقَ عَنِ الْأَصْحَابِ الْحُكْمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الضَّرَّتَيْنِ.
قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فِي طَلَاقِ عَمْرَةَ.
فَرْعٌ الْإِكْرَاهُ عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ، يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ، كَمَا يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّنْجِيزِ.
فَرْعٌ إِنْ وَرَّى الْمُكْرَهُ بِأَنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: طَلَّقْتُ فَاطِمَةَ غَيْرَ زَوْجَتِي، أَوْ نَوَى الطَّلَاقَ مِنْ وَثَاقٍ، أَوْ قَالَ فِي نَفْسِهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ.
وَإِذَا ادَّعَى التَّوْرِيَةَ، صُدِّقَ ظَاهِرًا فِي كُلِّ مَا كَانَ يُدَيَّنُ فِيهِ عِنْدَ الطَّوَاعِيَةِ.
وَإِنْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ، نُظِرَ إِنْ كَانَ غَبِيًّا لَا يُحْسِنُ التَّوْرِيَةَ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَأَصَابَتْهُ دَهْشَةٌ بِالْإِكْرَاهِ وَسَلِّ السَّيْفِ، فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ تُصِبْهُ

دَهْشَةٌ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ طَلَاقُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ وَالْغَزَالِيِّ، لِإِشْعَارِهِ بِالِاخْتِيَارِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ مُجْبَرٌ عَلَى اللَّفْظِ.
وَلَا نِيَّةَ تُشْعِرُ بِالِاخْتِيَارِ.
وَلَوْ قَصَدَ الْمُكْرَهُ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ سَاقِطٌ بِالْإِكْرَاهِ، وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ وَحْدَهَا.
وَأَصَحُّهُمَا: يَقَعُ لِقَصْدِهِ بِلَفْظِهِ.
وَعَلَى هَذَا، فَصَرِيحُ لَفْظِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ، كِنَايَةٌ، إِنْ نَوَى وَقَعَ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ قَالَ: طَلِّقْ زَوْجَتِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَطَلَّقَهَا وَقَعَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ لِسُقُوطِ حُكْمِ اللَّفْظِ بِالْإِكْرَاهِ.
كَمَا لَوْ قَالَ لِمَجْنُونٍ: طَلِّقْهَا فَطَلَّقَ.
فَرْعٌ الْوَكِيلُ فِي الطَّلَاقِ إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَقَعُ لِحُصُولِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقَعَ، لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ.
قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ.

فَصْلٌ

فِي بَيَانِ الْإِكْرَاهِ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ الْمُكْرِهِ غَالِبًا قَادِرًا عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ، بِوِلَايَةٍ، أَوْ تَغَلُّبٍ، وَفَرْطِ هُجُومٍ، وَكَوْنُ الْمُكْرَهِ مَغْلُوبًا عَاجِزًا عَنِ الدَّفْعِ بِفِرَارٍ أَوْ مُقَاوَمَةٍ، أَوِ اسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِنِ امْتَنَعَ مِمَّا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ، أَوْقَعَ بِهِ الْمَكْرُوهَ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَا إِكْرَاهَ إِلَّا بِأَنْ يُنَالَ بِالضَّرْبِ.

وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَنْجِيزِ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ بَلْ يَكْفِي التَّوَعُّدُ.
وَفِيمَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِهِ إِكْرَاهًا، سَبْعَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: الْقَتْلُ فَقَطْ.
حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَالْإِمَامُ.
وَالثَّانِي: الْقَتْلُ، أَوْ قَطْعُ طَرَفٍ، أَوْ ضَرْبٌ يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَالثَّالِثُ: قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَثِيرُونَ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَا سَبَقَ أَيْضًا الضَّرْبُ الشَّدِيدُ، وَالْحَبْسُ، وَأَخْذُ الْمَالِ، وَإِتْلَافُهُ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي «الْإِفْصَاحِ» وَزَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَوْ تَوَعَّدَهُ بِنَوْعِ اسْتِخْفَافٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ وَجِيهًا يَغُضُّ ذَلِكَ مِنْهُ، فَهُوَ إِكْرَاهٌ.
قَالَ هَؤُلَاءِ: فَالضَّرْبُ وَالْحَبْسُ وَالِاسْتِخْفَافُ، يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ.
وَالتَّخْوِيفُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَأَخْذِ الْمَالِ، لَا يَخْتَلِفُ.
وَقَالَ الْمَاسَرْجِسِيُّ: يَخْتَلِفُ بِأَخْذِ الْمَالِ، فَلَا يَكُونُ تَخْوِيفُ الْمُوسِرِ بِأَخْذِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ مِنْهُ إِكْرَاهًا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: هَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ، فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ هِيَ الْمَوْجُودَةُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَصَحُّهَا: الثَّالِثُ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا خَوَّفَهُ بِمَا يَسْلُبُ الِاخْتِيَارَ، وَيَجْعَلُهُ كَالْهَارِبِ مِنَ الْأَسَدِ الَّذِي يَتَخَطَّى النَّارَ وَالشَّوْكَ، وَلَا يُبَالِي، فَعَلَى هَذَا الْحَبْسُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ.
وَكَذَا التَّخْوِيفُ بِالْإِيلَامِ الشَّدِيدِ.
قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنْ لَوْ فُوتِحَ بِهِ، احْتُمِلَ جَعْلُهُ إِكْرَاهًا.
وَالْخَامِسُ: لَا يُشْتَرَطُ سُقُوطُ الِاخْتِيَارِ، بَلْ إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى فِعْلٍ يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ حَذَرًا مِمَّا تَهَدَّدَهُ بِهِ، حَصَلَ الْإِكْرَاهُ.
فَعَلَى هَذَا، يُنْظَرُ فِيمَا طَلَبَهُ مِنْهُ وَمَا هَدَّدَهُ بِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ إِكْرَاهًا فِي مَطْلُوبٍ دُونَ مَطْلُوبٍ، وَفِي شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ.
فَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ، حَصَلَ بِالْقَطْعِ وَبِالتَّخْوِيفِ

بِالْحَبْسِ الطَّوِيلِ، وَبِتَخْوِيفِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ بِالصَّفْعِ فِي الْمَلَأِ، وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ وَالطَّوْفِ بِهِ فِي السُّوقِ.
وَقِيلَ: لَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِالْحَبْسِ وَمَا بَعْدَهُ إِكْرَاهًا، وَطُرِدَ هَذَا الْخِلَافُ فِي التَّخْوِيفِ بِقَتْلِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ، أَنَّهُ إِكْرَاهٌ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّخْوِيفَ بِإِتْلَافِ الْمَالِ لَيْسَ إِكْرَاهًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى قَتْلٍ فَالتَّخْوِيفُ بِالْحَبْسِ، وَقَتْلِ الْوَلَدِ، وَإِتْلَافِ الْمَالِ لَيْسَ إِكْرَاهًا.
وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى إِتْلَافِ مَالٍ، فَالتَّخْوِيفُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِكْرَاهًا.
وَقِيلَ: لَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِإِتْلَافِ الْمَالِ إِكْرَاهًا فِي إِتْلَافِ الْمَالِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الْإِكْرَاهَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّخْوِيفِ بِعُقُوبَةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الْمُكْرَهِ، بِحَيْثُ لَوْ حَقَّقَهَا تَعَلَّقَ بِهِ قِصَاصٌ، فَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ، كَأَخْذِ الْمَالِ وَقَتْلِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ، وَالْحَبْسِ الْمُؤَبَّدِ، إِلَّا أَنْ يُخَوِّفَهُ بِحَبْسٍ فِي قَعْرِ بِئْرٍ يَغْلِبُ مِنْهُ الْمَوْتُ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ هَذَا.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: لَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ إِلَّا بِعُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ، وَالضَّرْبُ الشَّدِيدُ، وَالتَّجْوِيعُ وَالتَّعْطِيشُ، وَالْحَبْسُ الطَّوِيلُ، وَيَخْرُجُ مَا خَرَجَ عَنِ الْوَجْهِ السَّادِسِ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ التَّخْوِيفُ بِالِاسْتِخْفَافِ بِإِلْقَاءِ الْعِمَامَةِ وَالصَّفْعِ، وَمَا يُخِلُّ بِالْجَاهِ.
وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، دُخُولَ الْحَبْسِ وَخُرُوجَ قَتْلِ الْوَلَدِ، وَأَمَّا التَّخْوِيفُ بِالنَّفْيِ عَنِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، فَكَالْحَبْسِ الدَّائِمِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: إِكْرَاهٌ، لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْوَطَنِ شَدِيدَةٌ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ عُقُوبَةً لِلزَّانِي، وَجَعَلَ الْبَغْوَيُّ التَّخْوِيفَ بِاللِّوَاطِ، كَالتَّخْوِيفِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ، وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ.
وَقَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِكْرَاهًا عَلَى الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ.
وَفِي كَوْنِهِ إِكْرَاهًا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ، وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ الْمُنْتَشِرِ، هُوَ الْوَجْهُ الْخَامِسُ، لَكِنْ فِي بَعْضِ

تَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ.
فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُقَالَ: الْإِكْرَاهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ بِالتَّخْوِيفِ بِعُقُوبَةٍ آجِلَةٍ كَقَوْلِهِ: لَأَقْتُلَنَّكَ غَدًا، وَلَا بِأَنْ يَقُولَ: طَلِّقِ امْرَأَتَكَ وَإِلَّا قَتَلْتُ نَفْسِي، أَوْ كَفَرْتُ، أَوْ أَبْطَلْتُ صَوْمِي أَوْ صَلَاتِي.
وَلَا بِأَنْ يَقُولَ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ: طَلِّقِ امْرَأَتَكَ، وَإِلَّا اقْتَصَصْتُ مِنْكَ.
فَرْعٌ لَوْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ الظَّالِمُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ وَطَالَبَهُ بِهِ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ مَوْضِعَهُ، أَوْ طَالَبَهُ بِمَالِهِ فَقَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدِي، فَلَمْ يُخَلِّهِ حَتَّى يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ فَحَلَفَ بِهِ كَاذِبًا، وَقَعَ طَلَاقُهُ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا تَوَصَّلَ بِالْحَلِفِ إِلَى تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لَهُ اللُّصُوصُ: لَا نُخَلِّيكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنْ لَا تَذْكُرَ مَا جَرَى، فَحَلَفَ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ إِذَا ذَكَرَهُ، لِأَنَّهُمْ أَكْرَهُوهُ عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ هُنَا.
فَرْعٌ تَلَفَّظَ بِطَلَاقٍ ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ مُكْرَهَا وَأَنْكَرْتُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا، أَوْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةً أُخْرَى.
وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ، أَوْ نَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ: يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ.
قَالَ: وَلَوْ طَلَّقَ فِي الْمَرَضِ، وَقَالَ: كُنْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي النَّائِمِ، فِيهِ نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: اخْتِلَالُ الْعَقْلِ: فَمَنْ طَلَّقَ وَهُوَ زَائِلُ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ فِيهِ، كَجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ أُوجِرَ خَمْرًا، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَشْرُوبَ مِنْ جِنْسِ مَا يُسْكِرُ، أَوْ شَرِبَ دَوَاءً يُزِيلُ الْعَقْلَ بِقَصْدِ التَّدَاوِي وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ.
وَلَوْ تَعَدَّى بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَسَكِرَ، أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ يُجَنِّنُ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ فَزَالَ عَقْلُهُ فَطَلَّقَ، وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ قَدِيمٌ، فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَمَنَعَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ: لَا يَقَعُ: الْمُزَنِيُّ، وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَأَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ، وَابْنُهُ سَهْلٌ، وَأَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ فِي شُرْبِ الدَّوَاءِ الْمَذْكُورِ.
وَإِنْ وَقَعَ فِي السُّكْرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ كُلِّهَا، مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمَا فِي أَقْوَالِهِ كُلِّهَا، كَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ، وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ، وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا أَفْعَالُهُ، كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَغَيْرِهِمَا، فَكَأَفْعَالِ الصَّاحِي قَطْعًا لِقُوَّةِ الْأَفْعَالِ.
وَقِيلَ: هُمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالْجِنَايَاتِ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
وَقِيلَ: هُمَا فِيمَا هُوَ لَهُ كَالنِّكَاحِ وَالْإِسْلَامِ، أَمَّا مَا عَلَيْهِ كَالطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ وَالضَّمَانِ، أَوْ لَهُ وَعَلَيْهِ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، فَيَصِحُّ قَطْعًا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ.
فَرْعٌ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ فِي حَدِّ السَّكْرَانِ، فَعَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّهُ الَّذِي اخْتَلَّ كَلَامُهُ الْمَنْظُومُ.
وَانْكَشَفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ.
وَعَنِ الْمُزَنِيِّ: أَنَّهُ الَّذِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَبَيْنَ أُمِّهِ وَامْرَأَتِهِ.
وَقِيلَ: الَّذِي يُفْصِحُ بِمَا كَانَ يَحْتَشِمُ مِنْهُ.

وَقِيلَ: الَّذِي يَتَمَايَلُ فِي مِشْيَتِهِ وَيَهْذِي فِي كَلَامِهِ.
وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَهُوَ الْأَقْرَبُ: أَنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ.
فَإِذَا انْتَهَى تَغَيُّرُهُ إِلَى حَالِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّكْرِ، فَهُوَ الْمُرَادُ بِالسَّكْرَانِ.
وَلَمْ يَرْضَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ.
قَالَ: وَلَكِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ تَعْتَرِيهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
إِحْدَاهَا: هِزَّةٌ وَنَشَاطٌ يَأْخُذُهُ إِذَا دَبَّتِ الْخَمْرَةُ فِيهِ وَلَمْ تَسْتَوْلِ بَعْدُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزُولُ الْعَقْلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَرُبَّمَا احْتُدَّ.
وَالثَّانِيَةُ: نِهَايَةُ السُّكْرِ، وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ طَافِحًا، وَيَسْقُطَ كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَكَادُ يَتَحَرَّكُ.
وَالثَّالِثَةُ: حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُمَا.
وَهِيَ أَنْ تَخْتَلِطَ أَحْوَالُهُ، فَلَا تَنْتَظِمُ أَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ، وَيَبْقَى تَمْيِيزُ وَفَهْمُ كَلَامٍ، فَهَذِهِ الثَّالِثَةُ سُكْرٌ.
وَفِيِ نُفُوذِ الطَّلَاقِ فِيهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ.
وَأَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى، فَيَنْفُذُ طَلَاقُهُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ، لِبَقَاءِ الْعَقْلِ وَانْتِظَامِ الْقَصْدِ وَالْكَلَامِ.
وَأَمَّاِ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ، أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ طَلَاقُهُ إِذْ لَا قَصْدَ لَهُ، وَلَفْظُهُ كَلَفْظِ النَّائِمِ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ، لِتَعَدِّيهِ بِالتَّسَبُّبِ إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهَذَا أَوْفَقُ لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ.

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَحَلُّ وَهُوَ الْمَرْأَةُ.
فَإِنْ أَضَافَ إِلَى كُلِّهَا فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ، فَذَاكَ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: جِسْمُكِ، أَوْ جَسَدُكِ، أَوْ شَخْصُكِ، أَوْ نَفْسُكِ، أَوْ جُثَّتُكِ، أَوْ ذَاتُكِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ.
وَلَوْ أَضَافَ إِلَى بَعْضِهَا شَائِعًا، طُلِّقَتْ أَيْضًا، سَوَاءٌ أَبْهَمَ فَقَالَ: بَعْضُكِ أَوْ جُزْءُكِ طَالِقٌ، أَوْ نَصَّ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ كَالنِّصْفِ وَالرُّبْعِ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْعِتْقِ، فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا.
. .» . وَلَوْ أَضَافَ إِلَى عِوَضٍ مُعَيَّنٍ، طُلِّقَتْ سَوَاءٌ كَانَ عُضْوًا بَاطِنًا كَالْكَبِدِ وَالْقَلْبِ

وَالطِّحَالِ، أَوْ ظَاهِرًا كَالْيَدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُفْصَلُ فِي الْحَيَاةِ كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ، أَمْ لَا كَالْأُصْبُعِ، وَالْأَصْبُعُ الزَّائِدَةُ كَالْأَصْلِيَّةِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ قَوْلًا ضَعِيفًا فِي الشَّعْرِ، كَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَا شَكَّ فِي اطِّرَادِهِ فِي السِّنِّ وَالظُّفْرِ.
قُلْتُ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ اتِّصَالَ السِّنِّ آكَدُ مِنَ الشَّعْرِ.
وَأَمَّا اشْتِرَاكُهُمَا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِهِ، فَلِعَدَمِ الْإِحْسَاسِ، وَلِأَنَّهُمَا جُزْءَانِ، فَأَشْبَهَا الْيَدَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ أَضَافَ إِلَى فَضَلَاتِ الْبَدَنِ كَالرِّيقِ، وَالْعَرَقِ، وَالْمُخَاطِ، وَالْبَوْلِ، أَوْ إِلَى الْأَخْلَاطِ كَالْبَلْغَمِ، وَالْمِرَّتَيْنِ لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَالْإِمَامُ وَجْهًا: وَإِنْ أَضَافَ إِلَى اللَّبَنِ وَالْمَنِيِّ، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُمَا مُتَهَيِّئَانِ لِلْخُرُوجِ كَالْبَوْلِ.
وَلَوْ قَالَ: جَنِينُكِ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِيهِ الِاتِّفَاقَ، وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْحَنَّاطِيُّ فِي قَوْلِهِ: الْمَاءُ أَوِ الطَّعَامُ الَّذِي فِي جَوْفِكِ طَالِقٌ.
وَلَوْ أَضَافَ إِلَى الشَّحْمِ، طُلِّقَتْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِلَى الدَّمِ، تُطَلَّقُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ أَضَافَ إِلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِالذَّاتِ، كَالسِّمْنِ وَالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ وَالْمَلَاحَةِ، وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالْكَلَامِ وَالضَّحِكِ، وَالْبُكَاءِ وَالْغَمِّ، وَالْفَرَحِ، وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا فِي الْحُسْنِ وَالْحَرَكَةِ، وَالسُّكُونِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ، ثُمَّ الْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَلَوْ قَالَ: ظِلُّكِ، أَوْ طَرِيقُكِ، أَوْ صُحْبَتُكِ، أَوْ نَفَسُكِ بِفَتْحِ الْفَاءِ،

أَوِ اسْمُكِ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ ذَاتَهَا وَوُجُودَهَا، فَتُطَلَّقُ.
وَلَوْ قَالَ: رُوحُكِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ فِيهِ خِلَافًا مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ أَوْ عَرَضٌ.
وَلَوْ قَالَ: حَيَاتُكِ طَالِقٌ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: تُطَلَّقُ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ أَرَادَ الرُّوحَ، طُلِّقَتْ، وَهَذَا فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ [إِنْ] أَرَادَ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالْحَيِّ، لَا تُطَلَّقُ كَسَائِرِ الْمَعَانِي، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ عَدَمَ الْوُقُوعِ.
فَرْعٌ إِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى جُزْءٍ أَوْ عُضْوٍ مُعَيَّنٍ، فَفِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَسْرِي إِلَى بَاقِي الْبَدَنِ، كَمَا يَسْرِي الْعِتْقُ.
وَالثَّانِي: يَجْعَلُ الْمُضَافَ إِلَيْهِ عِبَارَةً عَنِ الْجُمْلَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الطَّلَاقُ فِي الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، جَعَلَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ طَلْقَةٍ.
وَلَا يُقَالُ: يَقَعُ نِصْفُ طَلْقَةٍ ثُمَّ يَسْرِي، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحَّ.
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي صُوَرٍ.
مِنْهَا: إِذَا قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَيَمِينُكِ طَالِقٌ، فَقَطَعَتْ يَمِينَهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ، إِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، طُلِّقَتْ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَوْ قَالَ لِمَنْ لَا يَمِينَ لَهَا: يَمِينُكِ طَالِقٌ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: التَّخْرِيجُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الطَّلَاقِ.
وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْإِمَامُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ جَعَلَ الْبَعْضَ عِبَارَةً عَنِ الْكُلِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لِتَنْتَظِمَ الْإِضَافَةُ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ، لَغَتِ الْإِضَافَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: لِحْيَتُكِ أَوْ ذَكَرُكِ طَالِقٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ.

وَمِنْهَا: قَالَ الْمُتَوَلِّي: الْقَوْلُ بِعَدَمِ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ: حُسْنُكِ أَوْ بَيَاضُكِ طَالِقٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالسِّرَايَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الصِّفَاتِ.
أَمَّا إِذَا جَعَلْنَا الْبَعْضَ عِبَارَةً عَنِ الْجُمْلَةِ، فَيَجْعَلُ الصِّفَةَ عِبَارَةً عَنِ الْمَوْصُوفِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ، مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلِ وَلِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: يَدُكِ أُمُّ وَلَدِي، أَوْ قَالَ لِطِفْلٍ الْتَقَطَهُ: يَدُكِ ابْنِي، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ جَعَلْنَا الْبَعْضَ عِبَارَةً عَنِ الْجُمْلَةِ، كَانَ إِقْرَارًا بِالِاسْتِيلَادِ أَوِ النَّسَبِ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ لَوْ أَضَافَ الْعِتْقَ إِلَى يَدِ عَبْدِهِ أَوْ رَأْسِهِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُزْءٍ شَائِعٍ، قَالَ الْإِمَامُ: الْمَذْهَبُ تَقَدُّمُ السِّرَايَةِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ يُمْكِنُ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ فِيهِ، وَوُقُوعُهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ، لِأَنَّ إِعْتَاقَهُ بَعْضَ عَبْدِهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ.
قُلْتُ: يُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ عَبَدَهُ الْمَرْهُونَ وَهُوَ مُوسِرٌ بِقِيمَةِ بَعْضِهِ وَقُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: إِنَّهُ يَنْفُذُ، عِتْقُ الْمُوسِرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لَوْ أَشَارَ إِلَى عُضْوٍ مُبَانٍ، وَوَصَفَهُ بِالطَّلَاقِ، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَلَوْ فُصِلَتْ أُذُنُهَا

ثُمَّ أُلْصِقَتْ فَالْتَحَمَتْ، أَوْ سَقَطَتْ شَعْرَةٌ ثُمَّ ثَبَتَتْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَنَمَتْ، فَأَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَيْهَا، لَمْ تُطَلَّقِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اتَّبَعَ فِيهِ الْغَزَالِيَّ وَلَيْسَ هُوَ شَرْطًا، فَلَوْ ثَبَتَتْ فِي مَوْضِعِهَا، كَانَ كَذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ مَسْأَلَةَ الشَّعْرَةِ قَلَّ أَنْ تُوجَدَ فِي غَيْرِ «الْوَسِيطِ» بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْأُذُنِ، فَإِنَّهَا مَشْهُورَةٌ بِالْوَجْهَيْنِ، لَكِنْ أَنْكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَصَوُّرَهَا فِي الْعَادَةِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ، وَنَوَى إِيقَاعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، طُلِّقَتْ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إِيقَاعَهُ عَلَيْهَا، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
فَعَلَى هَذَا، لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ أَصِلِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ اللَّفْظَ كِنَايَةٌ لِكَوْنِهِ أُضِيفَ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ.
وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ، فَمَتَى نَوَى إِيقَاعَهُ عَلَيْهَا، كَانَ نَاوِيًا أَصْلَ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ جَرَّدَ الْقَصْدَ إِلَى تَطْلِيقِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى نِيَّةِ أَصِلِ الطَّلَاقِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ قَطْعًا.
وَقِيلَ: عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ أَصِلِ الطَّلَاقِ.
وَفِي نِيَّةِ الْإِضَافَةِ إِلَيْهَا، الْوَجْهَانِ.
وَإِذَا نَوَاهَا، وَقَعَ، وَهَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْكِنَايَاتِ، كَقَوْلِهِ: أَنَا مِنْكِ خَلِيٌّ أَوْ بَرِيٌّ.
وَلَوْ قَالَ: أَسْتَبْرِئُ رَحِمِي مِنْكِ، أَوْ أَنَا مُعْتَدٌّ مِنْكِ، أَوْ مُسْتَبْرِئٌ رَحِمِي وَنَوَى تَطْلِيقَهَا، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنَا مِنْكَ حُرٌّ، أَوْ أَعْتَقْتُ نَفْسِي مِنْكَ وَنَوَى إِعْتَاقَ الْعَبْدِ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَشْمَلُ الْجَانِبَيْنِ، وَالرِّقَّ مُخْتَصٌّ بِالْعَبْدِ.

فَرْعٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُكَ أَوْ أَنْتَ طَالِقٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ لَهَا: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَعْتِقْ نَفْسَكَ، فَقَالَ: أَعْتَقْتُكَ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ، فَهُوَ كَقَوْلِ السَّيِّدِ: أَنَا مِنْكَ حُرٌّ.

الرُّكْنُ الْخَامِسُ: الْوِلَايَةُ عَلَى الْمَحَلِّ، فَلَوْ قَالَ لِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ فِي عِدَّتِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ.
طُلِّقَتْ.
وَالْمُخْتَلِعَةُ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، لَا فِي عِدَّتِهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِذَا نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَنَكَحَ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقِيلَ: فِي الْوُقُوعِ قَوْلَانِ، حَكَاهُمَا الْحَنَّاطِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ، كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ بِلَا فَرْقٍ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ وَهُوَ لِأَجْنَبِيٍّ، فَهُوَ لَغْوٌ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَهُ إِنْ مَلَكْتُهُ، فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ، لَكِنْ مُتَعَلِّقٌ بِمِلْكِ غَيْرِهِ.
وَأَجْرَى الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ: إِذَا مَلَكْتُ عَبْدَ فُلَانٍ، فَقَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِزَيْدٍ.
وَلَوْ أَرْسَلَ الْوَصِيَّةَ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، صَحَّتْ عَلَى الصَّحِيحِ كَالنَّذْرِ.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَجْهًا، أَنَّهَا لَا تَصِحُّ.
فَرْعٌ لَوْ عَلَّقَ الْعَبْدُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ إِمَّا مُطْلَقًا بِأَنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَعَتَقَ، ثُمَّ دَخَلَتِ الدَّارَ، وَإِمَّا مُقَيَّدٌ بِحَالَةِ مِلْكِ الثَّالِثَةِ بِأَنْ قَالَ: إِذَا عَتَقْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَفِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ الثَّالِثَةِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ وَبِهِ

قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَيُحْكَمُ بِمُوجِبِهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَصْلَ النِّكَاحِ، وَهُوَ يُفِيدُ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثَ بِشَرْطِ الْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ وَجَدَ كَمَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِي حَالِ الْبِدْعَةِ طَلَاقَ السُّنَّةِ، وَيَمْلِكُ تَعْلِيقَهُ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ لِأَمَتِهِ: إِذَا وَلَدْتِ فَوَلَدُكِ حُرٌّ وَكَانَتْ حَائِلًا عِنْدَ التَّعْلِيقِ.
فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا حِينَئِذٍ، عَتَقَ قَطْعًا.

فَصْلٌ

عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِصِفَةٍ كَدُخُولِ الدَّارِ، ثُمَّ أَبَانَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ بِعِوَضٍ أَوْ بِالثَّلَاثِ، وَوُجِدَتِ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ ثُمَّ نَكَحَهَا، ثُمَّ وُجِدَتِ الصِّفَةُ ثَانِيًا، أَوِ ارْتَدَّ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَنَكَحَهَا، فَوُجِدَتِ الصِّفَةُ ثَانِيًا، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: فِيهِ قَوْلَانِ.
كَمَا لَوْ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ، وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِصِفَةٍ، ثُمَّ أَزَالَ مِلْكَهُ ثُمَّ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ، لَمْ يُؤَثِّرْ وُجُودُ الصِّفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ التَّعْلِيقُ بِصِيغَةِ «كُلَّمَا» فَإِنْ كَانَ بِهَا كَقَوْلِهِ: كُلَّمَا دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ: فَإِذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ فِي الْبَيْنُونَةِ، ثُمَّ جَدَّدَ نِكَاحَهَا، فَفِي عَوْدِ الصِّفَةِ الْقَوْلَانِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ، ثُمَّ وُجِدَتْ بَعْدَمَا جَدَّدَ نِكَاحَهَا، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: لَا يَقَعُ.
وَالثَّانِي: يَقَعُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَتِ الْبَيْنُونَةُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ، وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا.
وَتَجْرِي الْأَقْوَالُ فِي عَوْدِ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وَكَانَتِ الصِّفَةُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إِيقَاعُهُ فِي الْبَيْنُونَةِ كَقَوْلِهِ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، تَخَلَّصَ مِنْهَا إِذَا أَبَانَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، وَبِهِ أَجَابَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ، وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِذَا بِنْتِ

مِنِّي وَنَكَحْتُكِ، وَدَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ بَعْدَمَا بِنْتِ مِنِّي وَنَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَالْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ وَالْمُعْتَبَرُونَ: لَا تُطَلَّقُ بِالدُّخُولِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَغَلَّطُوا مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
فَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ قَبْلَ أَنْ أَبِينَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ دَخَلْتِهَا بَعْدَمَا أَبَنْتُكِ وَنَكَحْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، صَحَّ التَّعْلِيقُ الْأَوَّلُ، وَبَطَلَ الثَّانِي.
وَلَوْ عَلَّقَ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا رَجْعِيَّةً فَرَاجَعَهَا، ثُمَّ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، طُلِّقَتْ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ نِكَاحًا مُجَدَّدًا وَلَمْ تَحْدُثْ حَالَةٌ تَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ بِصِفَةٍ، ثُمَّ أَزَالَ مِلْكَهُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَلَكَهُ، ثُمَّ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، فَفِي نُفُوذِ الْعِتْقِ الْخِلَافُ فِي عَوْدِ الْيَمِينِ.
ثُمَّ قِيلَ: هُوَ كَالْإِبَانَةِ بِالثَّلَاثِ، لِأَنَّ الْعَائِدَ مِلْكٌ جَدِيدٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْأَوَّلِ، كَالنِّكَاحِ بَعْدَ الثَّلَاثِ.
وَقِيلَ: هُوَ كَالْإِبَانَةِ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالصِّفَةِ حَالَةٌ تَمْنَعُ مِلْكَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ هُنَاكَ حَالَةٌ تَمْنَعُ نِكَاحَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَالْإِبَانَةِ بِالثَّلَاثِ إِذَا عَلَّقَ ذِمِّيٌّ عِتْقَ عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَنَقَضَ الْعَهْدَ، وَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَ وَاسْتُرِقَّ، فَمَلَكَهُ سَيِّدُهُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ حَالَةٌ يَمْتَنِعُ فِيهَا الْمِلْكُ وَهِيَ حَالَةُ الْحَرْبِ.
فَرْعٌ الْخِلَافُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْخِلَافِ فِي عَوْدِ الْحِنْثِ وَبِالْخِلَافِ فِي عَوْدِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ عَلَى قَوْلٍ لَا يَتَنَاوَلُ الْيَمِينُ النِّكَاحَ الثَّانِي، وَلَا يَحْصُلُ الْحِنْثُ فِيهِ.
وَعَلَى قَوْلٍ يَتَنَاوَلُهُ وَيَحْصُلُ الْحِنْثُ.
فَرْعٌ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.

فَصْلٌ

إِذَا رَاجَعَ الرَّجْعِيَّةَ أَوْ بَانَتْ مِنْهُ هِيَ أَوْ غَيْرُهَا بِطَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ، ثُمَّ جَدَّدَ نِكَاحَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ، أَوْ بَعْدَ نِكَاحِ وَوَطْءِ الزَّوْجِ الثَّانِي، عَادَتْ إِلَيْهِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ.
وَلَوْ بَانَتْ بِالثَّلَاثِ فَنَكَحَهَا آخَرُ وَوَطِئَهَا وَفَارَقَهَا، فَنَكَحَهَا الْأَوَّلُ، عَادَتْ إِلَيْهِ بِالثَّلَاثِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بِنَاءُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، لِاسْتِغْرَاقِ الْأَوَّلِ.

فَصْلٌ

الْحُرُّ يَمْلِكُ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا طَلْقَتَيْنِ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمَكَاتَبُ وَمَنْ بَعْضَهُ حُرٌّ، كَالْقِنِّ.
وَمَتَى طَلَّقَ الْحُرُّ أَوِ الْعَبْدُ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْمُطَلَّقَةُ حَتَّى يَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ، وَيَطَأَهَا وَيُفَارِقَهَا كَمَا سَبَقَ.
فَرْعٌ طَلَّقَ ذِمِّيٌّ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ، وَنَكَحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ، مَلَكَ عَلَيْهَا طَلْقَةً فَقَطْ.
وَلَوْ كَانَ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ وَأَرَادَ نِكَاحَهَا بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: تَحِلُّ لَهُ وَيَمْلِكُ عَلَيْهَا طَلْقَةً، لِأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِالطَّلْقَتَيْنِ، فِطَرَيَانُ الرِّقِّ لَا يَرْفَعُ الْحِلَّ الثَّابِتَ.
وَقِيلَ: لَا تَحِلُّ لَهُ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ وَقَدْ طَلَّقَ طَلْقَتَيْنِ.
وَلَوْ طَلَّقَ الْعَبْدُ طَلْقَةً ثُمَّ عَتَقَ فَرَاجَعَهَا، أَوْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، مَلَكَ عَلَيْهَا طَلْقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، لِأَنَّهُ عَتَقَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ عَدَدِ الرَّقِيقِ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ، ثُمَّ عَتَقَ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ طَلَّقَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ طَلْقَتَيْنِ، وَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِنْ عَتَقَ أَوَّلًا،

فَلَهُ رَجْعَتُهَا وَتَجْدِيدُ نِكَاحِهَا.
وَإِنْ طَلَّقَ أَوَّلًا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ.
فَلَوْ أَشْكَلَ السَّابِقُ وَاعْتَرَفَ الزَّوْجَانِ بِالْإِشْكَالِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْأَكْثَرُونَ: لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا وَلَا نِكَاحُهَا إِلَّا بِمُحَلِّلٍ.
وَقِيلَ: تَحِلُّ رَجْعَتُهَا وَالتَّجْدِيدُ إِنْ بَانَتْ، وَلَا يُفْتَقَرُ إِلَى مُحَلِّلٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا تَحْرِيمَ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ، نُظِرَ إِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الطَّلَاقِ كَيَوْمِ الْجُمْعَةِ، وَقَالَ: عَتَقْتُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَالَتْ: بَلْ يَوْمَ السَّبْتِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَإِنِ اتَّفَقَا أَنَّ الْعِتْقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَقَالَتْ: طُلِّقْتُ يَوْمَ السَّبْتِ فَقَالَ: بَلْ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى وَقْتِ أَحَدِهِمَا وَقَالَ: طَلَّقْتُكِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَقَالَتْ: قَبْلَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِوَقْتِ الطَّلَاقِ.
فَرْعٌ سَبَقَ فِي التَّحْلِيلِ لَوْ قَالَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا: نَكَحَنِي زَوْجٌ وَأَصَابَنِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي مِنْهُ وَلَمْ يَظُنَّ، صَدَّقَهَا لِأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْكِحَهَا.
وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنِ الْحَالِ؟ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَجِبُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: أَنَا أَقُولُ: يَجِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ.

فَصْلٌ

طَلَاقُ الْمَرِيضِ فِي الْوُقُوعِ، كَطَلَاقِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، بَقِيَ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا.
فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عَدَّتِهَا وَرِثَهُ الْآخَرُ، وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا، لَا يَرِثُهُ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ طَلَاقًا بَائِنًا، فَفِي كَوْنِهِ قَاطِعًا لِلْمِيرَاثِ قَوْلَانِ.
الْجَدِيدُ: يَقْطَعُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَالْقَدِيمُ، لَا يَقْطَعُ، وَحُجَّةُ الْجَدِيدِ انْقِطَاعُ الزَّوْجِيَّةِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا بِالِاتِّفَاقِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ، فَلَا إِشْكَالَ وَلَا تَفْرِيعَ لِوُضُوحِ أَحْكَامِهِ.
وَأَمَّا الْقَدِيمُ، فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ.
مِنْهَا: هَلْ تَرِثُ

مَا لَمْ تَنَقَضِ عِدَّتُهَا، أَمْ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، أَمْ أَبَدًا؟ فِيهِ أَقْوَالٌ.
فَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَجَرَى الْآخَرَانِ.
وَلَوْ أَبَانَ فِي مَرَضِهِ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ، وَنَكَحَ أَرْبَعًا، ثُمَّ مَاتَ، فَهَلْ يَكُونُ الْإِرْثُ لِلْأُولَيَّاتِ لِسَبْقِهِنَّ، أَمْ لِلْأُخْرَيَاتِ لِأَنَّ هُنَّ الزَّوْجَاتُ، أَمْ يَشْتَرِكُ الثَّمَانِ؟ فِيهِ أَوْجُهُ.
أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ مَا فِي تَوْرِيثِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ مِنْ الِاسْتِبْعَادِ.
فَلَوْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ وَنَكَحَ أُخْرَى، فَلَا وَجْهَ إِلَّا تَوْرِيثَهُمَا.
وَلَوْ أَبَانَ وَاحِدَةً وَنَكَحَ أَرْبَعًا أَوْ بِالْعَكْسِ، جَرَى الْخِلَافُ، وَإِنَّمَا تَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ عَلَى الْقَدِيمِ إِذَا طَلَّقَهَا لَا بِسُؤَالِهَا، فَإِنْ طَلَّقَهَا بِسُؤَالِهَا، أَوِ اخْتَلَعَتْ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ، فَشَاءَتْ، لَمْ تَرِثْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: تَرِثُ وَإِنْ طَلَّقَ بِسُؤَالِهَا.
وَلَوْ سَأَلَتْهُ فَلَمْ تُطَلَّقْ فِي الْحَالِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ سَأَلَتْهُ رَجْعِيًّا فَأَبَانَهَا، وَرِثَتْ لِأَنَّهُ فَارٌّ.
وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا فِي الْمَرَضِ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ، أَوْ فِعْلِ نَفْسِهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ، فَهُوَ فَارٌّ وَفِي الْأَجْنَبِيِّ وَجْهٌ.
وَإِنْ عَلَّقَ بِفِعْلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ، كَالنَّوْمِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْمَفْرُوضَيْنِ، فَفَارٌّ.
قُلْتُ: وَهَذَا فِي الْأَكْلِ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
فَإِنْ أَكَلَتْ مُتَلَذِّذَةً، أَكْلًا يَضُرُّهَا فَلَيْسَ بِفَارٍّ.
قَالَهُ الْإِمَامُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ، فَفَارٌّ إِنْ لَمْ تَعْلَمِ التَّعْلِيقَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ عَلِمَتْ ثُمَّ نَسِيَتْ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ فَارٌّ.
وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا فِي الصِّحَّةِ بِصِفَةٍ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْمَرَضِ كَقَوْلِهِ: إِذَا مَرِضْتُ مَرَضَ الْمَوْتِ، أَوْ وَقَعْتُ فِي النَّزْعِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفَارٌّ: وَإِنِ احْتَمَلَ وَجُودَهَا

فِي الْمَرَضِ وَقَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ غَدٌ، أَوْ قَدِمَ زَيْدٌ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَجَاءَ أَوْ قَدِمَ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَيْسَ بِفَارٍّ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ فَسَخَ النِّكَاحَ بِعَيْنِهَا أَوْ لَاعَنَهَا، فَلَيْسَ بِفَارٍّ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْقَذْفُ فِي الْمَرَضِ، فَفَارٌّ.
قُلْتُ: وَقِيلَ: إِنَّ الْفَاسِخَ فَارٌّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ، أَوِ الْحَرُّ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، أَوِ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً، ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوِ الْأَمَةُ، أَوْ أَسْلَمَتِ الذِّمِّيَّةُ فِي الْعِدَّةِ، فَلَا إِرْثَ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً يَوْمَ الطَّلَاقِ، فَلَا تُهْمَةَ.
وَكَذَا لَوْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ بَعْدَمَا ارْتَدَّ، أَوِ ارْتَدَّتْ ثُمَّ جَمَعَهُمَا الْإِسْلَامُ فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً يَوْمَئِذٍ.
وَلَوِ ارْتَدَّتْ بَعْدَمَا أَبَانَهَا فِي الْمَرَضِ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَهُوَ فَارٌّ لِلتُّهْمَةِ.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا، فَعَتَقَتْ قَبْلَ الْغَدِ، أَوْ طَلَّقَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا عَتَقَتْ، فَلَيْسَ بِفَارٍّ، وَكَذَا لَوِ ارْتَدَّ فِي الْمَرَضِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ وَأَصَرَّ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَمَاتَ، لَمْ يَكُنْ فَارًّا عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِتَبْدِيلِ الدِّينِ حِرْمَانَهَا الْإِرْثَ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ.
وَقِيلَ بِطَرْدِهِ فِيمَا لَوِ ارْتَدَّتْ هِيَ حَتَّى تُجْعَلَ فَارَّةً، فَيَرِثُهَا الزَّوْجُ.
وَلَوْ أَبَانَ مُسْلِمَةً فِي الْمَرَضِ، وَارْتَدَّتْ وَعَادَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْعِدَّةِ، وَرِثَتْ لِأَنَّهَا بِصِفَةِ الْوَارِثِينَ يَوْمَيِ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ، وَكَذَا لَوْ عَادَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ، إِنْ قُلْنَا: الْمَبْتُوتَةُ تَرِثُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَلَوْ طَلَّقَ الْأَمَةَ فِي الْمَرَضِ، وَعَتَقَتْ وَاخْتَلَفَا فَقَالَتْ: طَلِّقْنِي بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِرْثٌ، وَقَالَ الْوَارِثُ: بَلْ قَبْلَهُ فَلَا إِرْثَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ.

وَلَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَهَا الصَّغِيرَ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا، فَقِيلَ: تُجْعَلُ فَارَّةً فَيَرِثُهَا الزَّوْجُ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ.
وَلَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضٍ، بِأَنَّهُ أَبَانَهَا فِي الصِّحَّةِ، لَمْ يُجْعَلْ فَارًّا وَيُصَدَّقْ فِيمَا قَالَهُ، وَتُحْسَبُ الْعِدَّةُ مِنْ يَوْمَئِذٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِلتُّهْمَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ، ثُمَّ مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ فَقَالَ: عَنَيْتُ هَذِهِ، قَبْلَ قَوْلِهِ، وَلَمْ تَرِثْ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَبْهَمَ، فَعَيَّنَ فِي الْمَرَضِ وَاحِدَةً، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: يَخْرُجُ عَلَى أَنَّ التَّعْيِينَ إِيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ فِي الْمُعَيَّنَةِ، أَمْ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الطَّلَاقِ الْوَاقِعِ؟ إِنْ قُلْنَا: بِالثَّانِي، لَمْ تَرِثْ.
وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلَيْ تَوْرِيثِ الْمَبْتُوتَةِ.
قُلْتُ: إِنَّمَا تَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ عَلَى الْقَدِيمِ إِذَا أَنْشَأَ تَنْجِيزَ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ الْوَارِثَةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا فِي مَرَضٍ مُخَوِّفٍ، وَاتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ وَمَاتَ بِسَبَبِهِ.
فَإِنْ بَرِأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ تَرِثْ قَطْعًا.
وَلَوْ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ، أَوْ قُتِلَ: فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ، فَقَطَعَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَغَيْرُهُ، بِأَنَّهَا لَا تَرِثُ عَلَى الْقَدِيمِ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَ «التَّتِمَّةِ» : تَرِثُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَعَدُّدِ الطَّلَاقِ فِيهِ أَطْرَافٌ.
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي نِيَّةِ الْعَدَدِ.
فَإِذَا قَالَ: طَلَّقْتُكِ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى طَلْقَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، وَقَعَ مَا نَوَى وَكَذَا حُكْمُ الْكِنَايَةِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بِالنَّصْبِ، وَنَوَى طَلْقَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: يَقَعُ مَا نَوَى، صَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَالثَّالِثُ قَالَهُ الْقَفَّالُ: إِنْ بَسَطَ نِيَّةَ الثَّلَاثِ عَلَى جَمِيعِ اللَّفْظِ، لَمْ تَقَعِ الثَّلَاثُ.
وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَعَ الثَّلَاثُ وَلَغَا ذِكْرُ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ طَلْقَةً مُلَفَّقَةً مِنْ أَجْزَاءِ ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ: وَقَعَ الثَّلَاثُ قَطْعًا.
وَحَكَى الْإِمَامُ طَرْدَ وَجْهٍ فِيهِ، لِبُعْدِ اللَّفْظِ وَالْفَهْمِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ بِالرَّفْعِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ، بِحَذْفِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَنَوَى الثَّلَاثَ، وَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: وُقُوعُ مَا نَوَاهُ.
وَالثَّانِي: تَقَعُ وَاحِدَةٌ فَقَطْ.
فَرْعٌ قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ بِاثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَنَوَى الطَّلَاقَ، وَقَعَ.
ثُمَّ إِنْ نَوَى طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَقَعَ الْمَلْفُوظُ بِهِ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ صَرِيحٌ فِي الْعَدَدِ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ.
فَإِذَا نَوَى أَصْلَ الطَّلَاقِ، وَقَعَ الْعَدَدُ الْمُصَرَّحُ بِهِ.
وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ مَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ.
فَرْعٌ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ تَمَامِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا، فَهَلْ يَقَعُ الثَّلَاثُ أَمْ وَاحِدَةٌ، أَمْ لَا يَقَعُ شَيْءٌ؟ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْفَتْوَى، أَنَّهُ إِنْ نَوَى الثَّلَاثَ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ

وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ يُحَقِّقَهُ بِاللَّفْظِ، وَقَعَ الثَّلَاثُ وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ، وَهَكَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي تَعْبِيرِهِ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَرِدَّتُهَا وَإِسْلَامُهَا، إِذَا لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا قَبْلَ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا، كَمَوْتِهَا، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ شَخْصٌ عَلَى فَمِهِ وَمَنَعَهُ أَنْ يَقُولَ: ثَلَاثًا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى عَزْمِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، فَمَاتَتْ فَقَالَ: ثَلَاثًا، قَالَ الْإِمَامُ: لَا شَكَّ أَنَّ الثَّلَاثَ لَا تَقَعُ، وَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، كَيْفَ سَبِيلُهُ؟ فَقِيلَ: قَوْلُهُ: ثَلَاثًا مَنْصُوبٌ بِالتَّفْسِيرِ وَالتَّمْيِيزِ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا جَهْلٌ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: طَالِقٌ طَلَاقًا ثَلَاثًا.
كَقَوْلِهِ: ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدًا، أَيْ: ضَرْبًا شَدِيدًا.

فَصْلٌ

قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ الْبَيْتِ أَوِ الْبَلَدِ أَوِ السَّمَاءِ أَوِ الْأَرْضِ، أَوْ مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، أَوْ أَكْبَرَ الطَّلَاقِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَوْ أَعْظَمَهُ، أَوْ أَشَدَّهُ، أَوْ أَطْوَلَهُ، أَوْ أَعْرَضَهُ، أَوْ طَلْقَةً كَبِيرَةً، أَوْ عَظِيمَةً، لَمْ يَقَعْ بِاللَّفْظِ إِلَّا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ الطَّلَاقِ أَوْ أَكْثَرَهُ، وَقَعَ الثَّلَاثُ.
وَلَوْ قَالَ: عَدَدَ التُّرَابِ، قَالَ الْإِمَامُ: تَقَعُ وَاحِدَةٌ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: عِنْدِي يَقَعُ الثَّلَاثُ كَمَا لَوْ قَالَ: عَدَدَ أَنْوَاعِ التُّرَابِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَزْنَ دِرْهَمٍ، أَوْ دِرْهَمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا.
وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا لَمْ يَقَعْ إِلَّا طَلْقَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: يَا مِائَةَ طَالِقٍ، أَوْ أَنْتِ مِائَةُ طَالِقٍ، نَقَلَ الْبَغَوِيُّ، وَالْمُتَوَلِّي: أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِائَةً.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ كَمِائَةِ طَالِقٍ فَهَلْ تَقَعُ وَاحِدَةٌ أَمْ ثَلَاثٌ؟ وَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً أَلْفَ مَرَّةٍ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا، لَمْ يَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.

فَرْعٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: يُنْظَرُ إِنْ قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ أَوِ التَّعْلِيقَ، فَلَمْ يُتِمَّهُ، فَلَا أَرَى أَنْ يَقَعَ طَلَاقُهُ، وَيُصَدَّقُ إِذَا فَسَّرَ بِهِ لِلْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِثْنَاءَ وَلَا التَّعْلِيقَ، وَقَعَ لِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالِاسْتِثْنَاءِ بِلَا نِيَّةٍ، لَمْ يَقَعْ، فَهُنَا أَوْلَى.

الطَّرَفُ الثَّانِي فِي التَّكْرَارِ: فِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، نُظِرَ إِنْ سَكَتَ بَيْنَهُمَا سَكْتَةً فَوْقَ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ وَنَحْوِهِ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ التَّأْكِيدَ، لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا وَيُدَيَّنُ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ وَقَصَدَ التَّأْكِيدَ قُبِلَ وَلَمْ يَقَعْ إِلَّا طَلْقَةٌ، وَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِئْنَافَ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ، فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَقَعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ طَلْقَةٌ قَطْعًا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.
وَلَوْ كَرَّرَ اللَّفْظَةَ ثَلَاثًا، وَأَرَادَ بِالْآخِرَتَيْنِ تَأْكِيدَ الْأُولَى لَمْ يَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِئْنَافَ، وَقَعَ الثَّلَاثُ وَإِنْ أَطْلَقَ فَكَذَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ قَالَ: قَصَدْتُ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الثَّانِيَةِ، وَبِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدَ الْأُولَى، وَبِالثَّالِثَةِ الِاسْتِئْنَافَ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ.
وَلَوْ قَصَدَ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الْأُولَى، وَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: طَلْقَتَانِ، وَلَا يَقْدَحُ هَذَا الْفَصْلُ الْيَسِيرِ.
وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ الِاسْتِئْنَافَ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِالثَّالِثَةِ شَيْئًا أَوْ بِالثَّالِثَةِ الِاسْتِئْنَافَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالثَّانِيَةِ شَيْئًا، وَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ طَلْقَتَانِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ، أَنْتِ مُفَارَقَةٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: تَقَعُ هُنَا الثَّلَاثُ قَطْعًا، حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، وَطَالِقٌ، وَقَالَ: قَصَدْتُ بِالثَّانِي تَأْكِيدَ الْأَوَّلِ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الظَّاهِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ بِالثَّالِثِ تَأْكِيدَ الثَّانِي لِتَسَاوِيهِمَا،

وَيَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الِاسْتِئْنَافَ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: قَصَدْتُ بِالثَّالِثِ تَأْكِيدَ الْأَوَّلِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ.
فَهُوَ كَقَوْلِهِ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَطَالِقٌ، فَطَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، بَلْ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، فَطَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ، تَعَيَّنَ الثَّلَاثُ وَلَا مَدْخَلَ لِلتَّأْكِيدِ لِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ.
وَنَصَّ فِي «الْإِمْلَاءِ» ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ، لَا بَلْ طَالِقٌ.
وَقَالَ: شَكَكْتُ فِي الثَّانِيَةِ، فَاسْتَدْرَكْتُ بِقَوْلِي: لَا بَلْ طَالِقٌ لِأُحَقِّقَ إِيقَاعَ الثَّانِيَةِ قُبِلَ وَلَمْ يَقَعْ إِلَّا طَلْقَتَانِ، فَجَعَلَ الْأَصْحَابُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ: لَا يُقْبَلُ وَيَقَعُ الثَّلَاثُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَغَايِرَةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، بَلْ طَالِقٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ «لَا» ، فَالْمَذْهَبُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ قَطْعًا كَمَا سَبَقَ.
وَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ.
فَرْعٌ قَالَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
. لَمْ يَقَعْ إِلَّا طَلْقَةٌ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِهَا، فَلَا يَقَعُ مَا بَعْدَهَا.
وَحُكِيَ وَجْهٌ وَقَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِمَدْخُولٍ بِهَا عَلَى مَا سَبَقَ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ وَاحِدٌ فَأَشْبَهُ قَوْلَهُ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ثَلَاثًا، بَيَانٌ لِلْأَوَّلِ بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ.
فَرْعٌ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ، أَوْ قَالَ:

أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَدَخَلَتْ، وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَإِنْ قَالَهُ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: تَقَعُ الثَّلَاثُ أَيْضًا إِذَا دَخَلَتْ.
وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
وَقَعَ الثَّلَاثُ.
وَإِنْ عَكَسَ فَوَاحِدَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ، فَإِنْ قَصَدَ التَّأْكِيدَ، وَقَعَ طَلْقَةٌ.
وَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِئْنَافَ، وَقَعَ الثَّلَاثُ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ؟ قَالَ الْبَغَوِيُّ: فِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ حَنِثَ فِي أَيْمَانٍ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، هَلْ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ؟ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يُحْمَلُ عَلَى التَّأْكِيدِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ فَصْلٌ، أَوْ حَصَلَ وَاتَّحَدَ الْمَجْلِسُ.
فَإِنِ اخْتَلَفَ فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ؟ وَجْهَانِ.
وَإِذَا حُمِلَ عَلَى التَّأْكِيدِ، فَيَقَعُ عِنْدَ الدُّخُولِ طَلْقَةٌ أَمْ يَتَعَدَّدُ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً، وَإِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْأَصْحَابُ: تُطَلَّقُ بِالدُّخُولِ ثَلَاثًا سَوَاءٌ كَانَ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَقَعُ دُفْعَةً.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَدُّدِ يَقَعُ الْجَمِيعُ حَالَ الدُّخُولِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، لَمْ يَقَعْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إِلَّا طَلْقَةٌ لِأَنَّ «ثُمَّ» لِلتَّرَاخِي.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فَطَلْقَةً، أَوْ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ، وَقَعَ الثَّلَاثُ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالْأُولَى وَلَمْ تَقَعِ الزِّيَادَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ مَعَ

طَلْقَةٍ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ.
وَهَلْ يَقَعَانِ مَعًا بِتَمَامِ الْكَلَامِ، أَمْ مُتَعَاقِبَيْنِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، طُلِّقَتْ عَلَى الْأَوَّلِ طَلْقَتَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي طَلْقَةً.
وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً تَحْتَ طَلْقَةٍ، أَوْ تَحْتَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ فَوْقَ طَلْقَةٍ، أَوْ فَوْقَهَا طَلْقَةٌ، فَقَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: حُكْمُهَا حُكْمُ «مَعَ» ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي كَلَامًا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا إِلَّا طَلْقَةٌ، لِأَنَّ وَصْفَ الطَّلَاقِ بِالْفَوْقِيَّةِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُحَالٌ، فَيَلْغُو وَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ: طَالِقٌ طَالِقٌ، وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، كَمَا لَا يَلْزَمُ فِي الْإِقْرَارِ إِلَّا دِرْهَمٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ كَجٍّ وَالْحَنَّاطِيُّ.
وَلَوْ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ، أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى.
وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَبَانَتْ.
وَلَوْ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ، أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ مُتَعَاقِبَتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قَبْلَهَا طَلْقَةٌ مَمْلُوكَةٌ أَوْ ثَابِتَةٌ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ ذَلِكَ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لَا مَحَالَةَ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَفِي كَيْفِيَّةِ تَعَاقُبِهِمَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تَقَعُ أَوَّلًا الْمُنَجَّزَةُ، ثُمَّ الْمُضَمَّنَةُ، وَيَلْغُو قَوْلُهُ: قَبْلَهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ، يَقَعُ فِي الْحَالِ، وَيَلْغُو قَوْلُهُ: أَمْسِ.
وَأَصَحُّهُمَا: تَقَعُ أَوَّلًا الْمُضَمَّنَةُ، ثُمَّ الْمُنَجَّزَةُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُضَمَّنَةَ تَقَعُ قَبْلَ تَمَامِ اللَّفْظِ، بَلْ يَقَعَانِ بَعْدَ تَمَامِ اللَّفْظِ، فَتَقَعُ الْمُضَمَّنَةُ عَقِبَ اللَّفْظِ، ثُمَّ الْمُنَجَّزَةُ فِي لَحْظَةٍ عَقِبَهَا.
فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَأَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: يَقَعُ وَاحِدَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَالثَّالِثُ: يَقَعُ طَلْقَتَانِ، وَيَلْغُو قَوْلُهُ: قَبْلَهَا، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: طَلْقَتَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ قَالَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ

طَالِقٌ طَلْقَةً، قَبْلَهَا طَلْقَةٌ وَبَعْدَهَا طَلْقَةٌ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا.
وَلَوْ قَالَ: قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا طَلْقَةٌ، وَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: طَلْقَتَانِ، وَيَلْغُو قَوْلُهُ: قَبْلَهَا.
وَلَوْ خَاطَبَ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا بِأَحَدِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، فَهَلْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ أَمْ لَا يَقَعُ شَيْءٌ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَمَتَى قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، أَيْ سَأُطَلِّقُهَا بَعْدَ هَذَا طَلْقَةً، لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا وَيُدَيَّنُ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: قَبْلَهَا أَنَّ زَوْجًا آخَرَ طَلَّقَهَا فِي نِكَاحٍ آخَرَ، فَعَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فِيمَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي، وَفُسِّرَ بِهَذَا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ عَلَى التَّرْتِيبِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَالصَّحِيحُ وُقُوعُ ثَلَاثٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا.
وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ بِالْفَرَاغِ [مِنْ] وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَقِيَاسُ مَنْ قَالَ: يَقَعُ طَلْقَةٌ، إِذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا: أَنْ يَقَعَ هُنَا طَلْقَةٌ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَيَتِمُّ الثَّلَاثُ بِقَوْلِهِ: ثَلَاثًا، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَقَعُ مُرَتَّبَةً.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا، أَوْ قَالَ: إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: وَاحِدَةً وَمِائَةً، لَمْ يَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَهَلْ يَقَعُ الثَّلَاثُ أَمْ وَاحِدَةٌ؟ وَجْهَانِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، أَنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ كَقَوْلِهِ: وَاحِدَةٌ وَمِائَةٌ، بِخِلَافِ إِحْدَى عَشْرَةَ، فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُفْرَدِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل