كِتَابُ الطَّلَاقِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ، فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا تَقُولُهُ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِالطَّلَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَنَّهُ جَلَسَ مَعَ جَمَاعَةٍ فَقَامَ وَلَبِسَ خُفَّ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: اسْتَبْدَلْتَ بِخُفِّكَ وَلَبِسْتَ خُفَّ غَيْرِكَ، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ خَرَجَ بَعْدَ خُرُوجِ الْجَمَاعَةِ، وَلَمْ يَبْقَ هُنَاكَ إِلَّا مَا لَبِسَهُ، لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْدِلْ، بَلِ اسْتَبْدَلَ الْخَارِجُونَ قَبْلَهُ، وَإِنْ بَقِيَ غَيْرُهُ، طُلِّقَتْ.
قُلْتُ: هَذَا الْكَلَامُ ضَعِيفٌ فِي الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا، بَلْ صَوَابُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إِنْ خَرَجَ بَعْدَ خُرُوجِ الْجَمِيعِ، نُظِرَ، إِنْ قَصَدَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ بَدَلَهُ، كَانَ كَاذِبًا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَلَهُ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا، فَعَلَى قَوْلَيْ طَلَاقِ النَّاسِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ، خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، فِي أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهُ بِالْوَضْعِ وَالْعُرْفِ، عَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ لِأَنَّ هَذَا يُسَمَّى اسْتِبْدَالًا فِي الْعُرْفِ.
وَأَمَّا إِنْ خَرَجَ وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ خُفَّهُ مَعَ الْخَارِجِينَ قَبْلَهُ، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ شَكَّ، فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي تَعَارُضِ الْوَضْعِ وَالْعُرْفِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ رَأَى امْرَأَتَهُ تَنْحِتُ خَشَبَةً، فَقَالَ: إِنْ عُدْتِ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَنَحَتَتْ خَشَبَةً مِنْ شَجَرَةٍ أُخْرَى، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ [وَجْهَانِ] لِأَنَّ النَّحْتَ كَالنَّحْتِ، لَكِنَّ الْمَنْحُوتَ غَيْرُهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْوُقُوعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ تَخْرُجِي اللَّيْلَةَ مِنْ دَارِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَلَعَهَا مَعَ أَجْنَبِيٍّ فِي اللَّيْلِ وَجَدَّدَ نِكَاحَهَا وَلَمْ تَخْرُجْ، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَلَدِ إِلَّا مَعَهَا، فَخَرَجَا، وَتَقَدَّمَ مَعَهَا بِخُطُوَاتٍ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ لِلْعُرْفِ.
وَالثَّانِي: يَحْنَثُ، وَلَا يَحْصُلُ الْبِرُّ إِلَّا بِخُرُوجِهِمَا مَعًا بِلَا تَقَدُّمٍ، وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضْرِبَهَا إِلَّا بِالْوَاجِبِ، فَشَتَمَتْهُ، فَضَرَبَهَا بِالْخَشَبِ، طُلِّقَتْ لَأَنَّ الشَّتْمَ لَا يُوجِبُ الضَّرْبَ بِالْخَشَبِ، وَإِنَّمَا تَسْتَحِقُّ بِهِ التَّعْزِيرَ، وَقِيلَ خِلَافُهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، لَا تُطَلَّقُ هُنَا، وَلَا مَسْأَلَةَ التَّقَدُّمِ بِخُطُوَاتٍ يَسِيرَةٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ عَلِمْتِ مِنْ أُخْتِي شَيْئًا فَلَمْ تَقُولِيهِ لِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، انْصَرَفَ ذَلِكَ إِلَى مَا يُوجِبُ رِيبَةً وَيُوهِمُ فَاحِشَةً، دُونَ مَا لَا يُقْصَدُ الْعِلْمُ بِهِ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَقُولَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَنَّهَا لَوْ سَرَقَتْ مِنْهُ دِينَارًا فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَتَرُدِّينَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ قَدْ أَنْفَقَتْهُ، لَا تُطَلَّقُ حَتَّى يَحْصُلَ الْيَأْسُ مِنْ رَدِّهِ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ تَلِفَ الدِّينَارُ وَهُمَا حَيَّانِ، فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحِنْثِ بِفِعْلِ الْمُكْرَهِ.
قُلْتُ: إِنْ تَلِفَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الرَّدِّ، طُلِّقَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ سَمِعَ لَفْظَ رَجُلٍ بِالطَّلَاقِ، وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمُطْلَقِ الطَّلَاقِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ رَأَيْتُ الدَّمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى دَمِ الْحَيْضِ.
وَقِيلَ: يَتَنَاوَلُ كُلَّ دَمٍ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ هَذِهِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشَارَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الدَّارِ، فَدَخَلَتْ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ الدَّارِ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الْوُقُوعُ ظَاهِرًا، لَكِنَّهُ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، دُيِّنَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ كَانَتِ امْرَأَتِي فِي الْمَأْتَمِ، فَأَمَتِي حُرَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَتِي فِي الْحَمَّامِ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَكَانَتَا عِنْدَ التَّعْلِيقَيْنِ كَمَا ذَكَرَ، عَتَقَتِ الْأَمَةُ، وَلَمْ تُطَلَّقِ الزَّوْجَةُ، لِأَنَّ الْأَمَةَ عَتَقَتْ عِنْدَ تَمَامِ التَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ، وَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا أَمَتَهُ، فَلَا يَحْصُلُ شَرْطُ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَمَةِ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ أَمَتِي فِي الْمَأْتَمِ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَتِي فِي الْحَمَّامِ، فَأَمَتِي حُرَّةٌ، فَكَانَتَا كَمَا ذَكَرَ، طُلِّقَتِ الزَّوْجَةُ.
ثُمَّ إِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، عَتَقَتِ الْأَمَةُ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ فِي الْمَأْتَمِ، وَهَذِهِ فِي الْحَمَّامِ، فَهَذِهِ حُرَّةٌ، وَهَذِهِ طَالِقٌ، وَكَانَتَا، حَصَلَ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا مِلْكِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُهُ، هَلْ يَكُونُ إِقْرَارًا [بِأَنَّهُ مِلْكُهُ؟] وَجْهَانِ، وَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ التَّوْكِيلُ عَلَى التَّعْلِيقِ.
قُلْتُ: إِذَا تَقَدَّمَ التَّوْكِيلُ، يَبْعُدُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، إِذْ لَمْ يُوجَدْ حَالَ التَّعْلِيقِ وَلَا بَعْدَهُ مَا يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ، وَالْمُخْتَارُ فِي الْحَالَتَيْنِ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي التَّوْكِيلِ بِبَيْعِهِ، أَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ وَلَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، فَيَبِيعُهُ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، أَوْ بَاعَهُ غَصْبًا، أَوْ بَاعَهُ بِوِلَايَةٍ كَالْوَالِدِ وَالْوَصِيِّ وَالنَّاظِرِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ تُفَّاحَتَانِ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ لَمْ تَأْكُلِي هَذِهِ التُّفَّاحَةَ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ لَمْ تَأْكُلِي الْأُخْرَى الْيَوْمَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَاشْتَبَهَتِ التُّفَّاحَتَانِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّرِيقَ أَنْ تَأْكُلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُفَّاحَةً، فَلَا يَقَعُ عِتْقٌ وَلَا طَلَاقٌ لِلشَّكِّ، وَالثَّانِي: تَأْكُلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا ظَنَّتْ هِيَ وَالزَّوْجُ أَنَّهَا تُفَّاحَتُهَا.
وَلَوْ خَالَعَ الزَّوْجَ وَبَاعَ الْأَمَةَ فِي يَوْمِهِ، ثُمَّ جَدَّدَ النِّكَاحَ وَالشِّرَاءَ، تَخَلَّصَ
مِنَ الْحِنْثِ.
وَقِيلَ: يَبِيعُ الْأَمَةَ لِلْمَرْأَةِ فِي يَوْمِهِ، وَتَأْكُلُ الْمَرْأَةُ التُّفَّاحَتَيْنِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: كُلَّمَا كَلَّمْتُ رَجُلًا فَأَنْتُمَا طَالِقَانِ، ثُمَّ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: اخْرُجَا، طُلِّقَتَا.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا كَلَّمْتُ رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَكَلَّمَ رَجُلَيْنِ بِكَلِمَةٍ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: طَلْقَةً.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ تَزَوَّجْتُ النِّسَاءَ، أَوِ اشْتَرَيْتُ الْعَبِيدَ، لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا إِذَا تَزَوَّجَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ، أَوِ اشْتَرَى ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ.
وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الدَّارِ، فَتَعَلَّقَ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ فِي الدَّارِ، وَالْغُصْنُ خَارِجٌ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ تَصُومِي غَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَحَاضَتْ، فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُكْرَهِ.
وَأَنْ لَوْ قَالَ لِنِسْوَتِهِ الْأَرْبَعِ: مَنْ حَمَلَ مِنْكُنَّ هَذِهِ الْخَشَبَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَحَمَلَهَا ثَلَاثٌ مِنْهُنَّ، فَإِنْ كَانَتْ خَشَبَةً ثَقِيلَةً لَا تَسْتَقِلُّ بِحَمْلِهَا وَاحِدَةٌ، طُلِّقْنَ.
وَإِنِ اسْتُقِلَّتْ، لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ.
وَقِيلَ: يُطَلَّقْنَ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ أَطَأْكِ اللَّيْلَةَ، فَوَجَدَهَا حَائِضًا أَوْ مُحْرِمَةً، فَعَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ، فَاعْتَرَضَ وَقَالَ: يَقَعُ، لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْيَمِينِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى، فَلَمْ يَعْصِ، حَنِثَ.
وَقِيلَ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتِيَارُ الْقَفَّالِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ، كَفَوَاتِ الْبِرِّ بِالْإِكْرَاهِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُشْبِعْكِ مِنَ الْجِمَاعِ اللَّيْلَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقِيلَ: يَحْصُلُ الْبِرُّ إِذَا جَامَعَهَا وَأَقَرَّتْ أَنَّهَا أَنْزَلَتْ.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: لَا أُرِيدُ الْجِمَاعَ ثَانِيًا، فَإِنْ كَانَتْ لَا تُنْزِلُ، فَيُجَامِعُهَا إِلَى أَنْ تَسْكُنَ لِذَاتُهَا، وَإِنْ لَمْ تَشْتَهِ الْجِمَاعَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ.
وَأَنَّ الْوَكِيلَ بِالطَّلَاقِ إِذَا طَلَّقَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ عَنْ مُوَكِّلِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَأَنَّهُ إِنْ قَالَ: إِنْ بِتُّ عِنْدَكِ اللَّيْلَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَبَاتَ فِي مَسْكَنِهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَصْطَدْ ذَلِكَ الطَّائِرَ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَاصْطَادَ طَائِرًا، وَادَّعَى أَنَّهُ ذَلِكَ الطَّائِرُ،
قُبِلَ، لِلِاحْتِمَالِ، وَالْأَصْلُ النِّكَاحُ.
فَإِنْ قَالَ الْحَالِفُ: لَا أَعْرِفُ الْحَالَ وَاحْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ وَعَدَمُهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عَدَمُهُ كَمَا سَبَقَ فِي آخِرِ الْبَابِ الرَّابِعِ فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ زَيْدٌ الْيَوْمَ الدَّارَ وَجُهِلَ دُخُولُهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلْقَةَ الرَّابِعَةَ، فَهَلْ تُطَلَّقُ؟ وَجْهَانِ يَقْرُبَانِ مِنَ الْخِلَافِ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ.
فَصْلٌ
ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا تُسَاكِنُهُ شَهْرَ رَمَضَانَ، تَعَلَّقَ الْحِنْثُ بِمُسَاكَنَةِ جَمِيعِ الشَّهْرِ، وَلَا يَحْنَثُ بِبَعْضِهِ، وَبِهَذَا قَالَ إِمَامُ الْعِرَاقِيِّينَ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى: يَحْنَثُ بِمُسَاكَنَةِ سَاعَةٍ مِنْهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ شَهْرَ رَمَضَانَ، يَحْنَثُ بِتَكْلِيمِهِ مَرَّةً.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ إِنْ أَفْطَرْتُ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ بِالْكُوفَةِ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا تُطَلَّقُ، لِأَنَّ الْإِفْطَارَ مَحْمُولٌ عَلَى تَنَاوُلِ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ، وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُعَيِّدُ بِالْكُوفَةِ، فَأَقَامَ مَعَهَا يَوْمَ الْعِيدِ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْعِيدِ، حَنِثَ وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَكَلْتِ الْيَوْمَ إِلَّا رَغِيفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَكَلَتْ رَغِيفًا ثُمَّ فَاكِهَةً، طُلِّقَتْ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَكَلْتِ أَكْثَرَ مِنْ رَغِيفٍ، فَأَكَلَتْ خُبْزًا بِإِدَامٍ، طُلِّقَتْ أَيْضًا.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ أَدْرَكْتُ الظُّهْرَ مَعَ الْإِمَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَدْرَكَهُ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِنَا، لِأَنَّ الظُّهْرَ عِبَارَةٌ عَنِ الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ، وَلَمْ يُدْرِكْهَا.
قُلْتُ: هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، وَأَدْرَكَ صَلَاةَ الْإِمَامِ، وَلَكِنَّ
الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ إِدْرَاكُ الْجَمِيعِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ نِسْوَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ وَاحِدَةٍ أُرَاجِعُهَا فَهِيَ طَالِقٌ كُلَّمَا كَلَّمْتُ فُلَانًا، فَرَاجَعَ امْرَأَةً، ثُمَّ كَلَّمَ فُلَانًا، ثُمَّ رَاجَعَ أُخْرَى، طُلِّقَتِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ الْمُرَاجَعَةُ قَبْلَ الْكَلَامِ، فَإِنْ كَلَّمَهُ مَرَّةً أُخْرَى، طُلِّقَتِ الثَّانِيَةُ أَيْضًا.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: آخِرُ امْرَأَةٍ أُرَاجِعُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَرَاجَعَ نِسْوَةً، وَمَاتَ، يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى آخِرِهِنَّ مُرَاجَعَةً بِالْيَقِينِ.
حَتَّى لَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَمْ تَرِثْهُ.
وَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَأَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى النِّكَاحِ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَقْدِ دُونَ الْوَطْءِ، إِلَّا إِذَا نَوَى.
وَأَنَّهُ لَوْ تَخَاصَمَ الزَّوْجَانِ فِي الْمُرَاوَدَةِ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَجِيئِي إِلَى الْفِرَاشِ السَّاعَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالَتِ الْخُصُومَةُ حَتَّى مَضَتِ السَّاعَةُ، ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى الْفِرَاشِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهَا طُلِّقَتْ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتِ بَنِي آدَمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ بِكَلَامِ وَاحِدٍ وَلَا اثْنَيْنِ، إِلَّا إِذَا أَعْطَيْنَاهُمَا حُكْمَ الْجَمْعِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، سَأَلْنَاهُ لِنَتَبَيَّنَ أَيَّ الْيَمِينَيْنِ أَرَادَ مِنْهُمَا، فَمَا أَرَادَ تَقَرَّرَ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ، فَمُطْلَقُ هَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ إِذَا دَخَلَتْ هِيَ الدَّارَ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ مَلَكْتُمَا عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَشَرْطُ الْحِنْثِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، أَنْ يَمْلِكَاهُ مَعًا، حَتَّى لَوْ مَلَكَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا ثُمَّ بَاعَهُ لِصَاحِبِهِ، لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَبِسْتِ قَمِيصَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَبِسَتْهُمَا مُتَوَالِيَيْنِ، طُلِّقَتْ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنِ اغْتَسَلْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَاغْتَسَلَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جَنَابَةٍ، وَقَالَ: قَصَدْتُ بِيَمِينِي غُسْلَ الْجَنَابَةِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُدَيَّنُ وَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا، وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا يَوْمًا، وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُكَلِّمَهُ فِي بَقِيَّةِ اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ عَشْرًا، فَهُوَ مُجْمَلٌ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا تُطَلَّقُ وَاحِدَةً إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، صُدِّقَ، فَإِنِ اتُّهِمَ، حَلَفَ، وَإِنْ أَرَادَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَلُغَتِ الزِّيَادَةُ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ مِنَ الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلِلدَّارِ بُسْتَانٌ بَابُهُ مَفْتُوحٌ إِلَيْهَا، فَخَرَجَتْ إِلَى الْبُسْتَانِ، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الدَّارِ وَمَرَافِقِهَا لَا تُطَلَّقُ، وَإِلَّا فَتُطَلَّقُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَبَوَيْهِ: إِنْ تَزَوَّجْتُ مَا دُمْتُمَا حَيَّيْنِ، فَامْرَأَتِي هَذِهِ طَالِقٌ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَتَزَوَّجَ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ طَلَاقُهُ.
وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَطْعَنُهُ بِنَصْلِ هَذَا الرُّمْحِ أَوِ السَّهْمِ، فَنَزَعَ النَّصْلَ، وَجَعَلَهُ فِي رُمْحٍ آخَرَ وَطَعَنَهُ بِهِ، حَنِثَ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ شَتَمْتِنِي وَلَعَنْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَعَنَتْهُ، لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّهُ عُلِّقَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ.
وَأَنَّهَا لَوْ خَرَجَتْ إِلَى قَرْيَةٍ لِلضِّيَافَةِ، فَقَالَ: إِنْ مَكَثْتِ هُنَاكَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَوْ قَبْلَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُطَلَّقَ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ نِصْفَ اللَّيْلِ، إِنْ بِتُّ مَعَ فُلَانٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَبَاتَ مَعَهُ بَقِيَّةَ اللَّيْلِ، طُلِّقَتْ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبِيتَ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَلَا أَكْثَرَهُ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ، أَنَّ الْمَبِيتَ يُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَى أَكْثَرِ اللَّيْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ كَمَا سَبَقَ فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى، لَكِنَّ الظَّاهِرَ الْحِنْثُ هُنَا لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُ فُلَانًا، وَقَدْ عَرَفَهُ بِوَجْهِهِ، وَطَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ، حَنِثَ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ سَعْدٌ الِاسْتِرَابَادِيُّ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: آخِرُ امْرَأَةٍ أُرَاجِعُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَرَاجَعَ حَفْصَةَ ثُمَّ عَمْرَةَ، ثُمَّ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا، فَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ حَفْصَةَ تُطَلَّقُ لِأَنَّهَا صَارَتْ آخِرًا بَعْدَمَا كَانَتْ أَوَّلًا.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ نِمْتُ عَلَى ثَوْبٍ لَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى مِرْفَقَةٍ لَهَا، لَا تُطَلَّقُ، كَمَا لَوْ وَضَعَ عَلَيْهَا يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ.
وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ، فَنَثَرَ مَأْكُولًا فَالْتَقَطَهُ وَأَكَلَهُ، حَنِثَ، وَكَذَا لَوْ تَنَاهَدَا فَأَكَلَ مِنْ طَعَامِهِ.
قُلْتُ: الصُّورَتَانِ مُشْكِلَتَانِ، وَالْمُخْتَارُ فِي مَسْأَلَةِ النِّثَارِ، بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ، فِي أَنَّهُ يَمْلِكُهُ الْآخِذُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُ يَمْلِكُهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا فَيَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الضَّيْفِ وَنَحْوِهِ، أَنَّهُ هَلْ يَمْلِكُ الطَّعَامَ الْمُقَدَّمَ إِلَيْهِ وَمَتَى يَمْلِكُهُ؟ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُنَاهَدَةِ وَهِيَ خَلْطُ الْمُسَافِرِينَ نَفَقَتَهُمْ وَاشْتِرَاكُهُمْ فِي الْأَكْلِ مِنَ الْمُخْتَلَطِ، فَفِيهَا نَظَرٌ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةُ، وَإِلَّا فَيَخْرُجُ عَلَى مَسْأَلَةِ الضَّيْفِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلَانٍ مَا دَامَ فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَحَوَّلَ فُلَانٌ مِنْهَا ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا، فَدَخَلَتْهَا، لَا تُطَلَّقُ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَضَرَبَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الضَّرْبِ، لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ الْقَتْلَ هُوَ الْفِعْلُ الْمُفَوِّتُ لِلرُّوحِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ أَغْضَبْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَضَرَبَ ابْنَهَا، طُلِّقَتْ وَإِنْ كَانَ ضَرْبَ تَأْدِيبٍ.
وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَصُومُنَّ [زَمَانًا، أَنَّهُ يَحْنَثُ بِصَوْمِ بَعْضِ يَوْمٍ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ مَنْ حَلَفَ لَيَصُومُنَّ، أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَصُومُنَّ] أَزْمِنَةً، بَرَّ بِصَوْمِ يَوْمٍ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَزْمِنَةٍ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومُنَّ الْأَيَّامَ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَيَّامِ الْعُمُرِ، أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ الْأَوْلَى.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُعَذِّبُ الْمَوْجُودِينَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ.
قُلْتُ: هَذَا إِذَا قَصَدَ إِنْ كَانَ يُعَذِّبُ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَإِنْ قَصَدَ إِنْ كَانَ يُعَذِّبُهُمْ كُلَّهُمْ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، لَمْ تُطَلَّقْ لِأَنَّ التَّعْذِيبَ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِهِمْ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَوِ اتَّهَمَتْهُ امْرَأَتُهُ بِالْغِلْمَانِ، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَأْتِي حَرَامًا، ثُمَّ قَبَّلَ غُلَامًا، أَوْ لَمَسَهُ، يَحْنَثُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ خَرَجْتِ مِنَ الدَّارِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَخْرُجِينَ مِنَ الصُّفَّةِ أَيْضًا، فَخَرَجَتْ مِنَ الصُّفَّةِ، لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: «وَلَا تَخْرُجِينَ» كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ تَعْلِيقٍ وَلَا عَطْفٍ.
فَصْلٌ
عَنِ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي مَكَّةَ، أَوْ فِي الْبَحْرِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ إِذَا حَصَلَتْ هُنَاكَ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: فِي الظِّلِّ وَهُمَا فِي الشَّمْسِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مُنْتَظَرًا غَيْرَ حَاصِلٍ، كَقَوْلِهِ: فِي الشِّتَاءِ وَهُمَا فِي الصَّيْفِ، لَا يَقَعُ حَتَّى يَجِيءَ الشِّتَاءُ.
فَصْلٌ
فِي الزِّيَادَاتِ لِأَبِي عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ أَكَلْتُ مِنَ الَّذِي طَبَخَتْهُ هِيَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَوَضَعَتِ الْقِدْرَ عَلَى الْكَانُونِ، وَأَوْقَدَتْ غَيْرُهَا، لَمْ تُطَلَّقْ، وَكَذَا لَوْ سَجَرَ التَّنُّورَ غَيْرُهَا وَوَضَعَتِ الْقِدْرَ فِيهِ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي بَيْتِي نَارٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَفِيهِ سِرَاجٌ، طُلِّقَتْ وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ دَقِيقًا لِيَخْبِزَهُ لَهُ فَخَبَزَهُ بِخَمِيرَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ.
وَأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ: لَا طَاقَةَ لِي بِالْجُوعِ مَعَكَ، فَقَالَ: إِنْ جُعْتِ يَوْمًا فِي بَيْتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ الْمُجَازَاةَ، تُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الصِّفَةِ، وَلَا تُطَلَّقُ بِالْجُوعِ فِي أَيَّامِ الصَّوْمِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتُ دَارَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَبَاعَتْهَا وَدَخَلَهَا، لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَصْلٌ
قَالَ: إِنْ لَمْ تَكُونِي أَحْسَنَ مِنَ الْقَمَرِ، أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهُكِ أَحْسَنَ مِنَ الْقَمَرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُمَا: لَا تُطَلَّقُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[التِّينِ: 4] .
قُلْتُ: هَذَا الْحُكْمُ وَالِاسْتِشْهَادُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدْ ذَكَرْتُ النَّصَّ فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ مِنْ كِتَابِ «الطَّبَقَاتِ» . قَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: لَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَكُنْ أَحْسَنَ مِنَ الْقَمَرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَا تُطَلَّقُ، وَإِنْ كَانَ زِنْجِيًّا أَسْوَدَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي فَتَاوَى الْحَنَّاطِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ قَصَدْتُكِ بِالْجِمَاعِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَصَدَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَجَامَعَهَا، لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ قَصَدْتُ جِمَاعَكِ، طُلِّقَتْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
فَصْلٌ
حَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِزَوْجِهَا: اصْنَعْ لِي ثَوْبًا لِيَكُنْ لَكَ فِيهِ أَجْرٌ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ لِي فِيهِ أَجْرٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتِ: اسْتَفْتَيْتُ فِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يُوسُفَ الْعَالِمَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَالِمًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَاسْتَفْتَى إِبْرَاهِيمَ بْنَ يُوسُفَ فَقَالَ: لَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ الْأُولَى، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ، وَالْمُبَاحُ لَا أَجْرَ لَهُ فِيهِ، وَيَحْنَثُ فِي الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَنِي عَالِمًا.
وَقِيلَ: يَحْنَثُ فِي الْأُولَى أَيْضًا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤْجَرُ فِي ذَلِكَ إِذَا قَصَدَ الْبِرَّ، وَحَكَى الْوَجْهَيْنِ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّجْزِئَةِ» وَقَالَ: الصَّحِيحُ الثَّانِي.
قُلْتُ: لَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِي مِثْلِ هَذَا، لِأَنَّهُ إِنْ قَصَدَ الطَّاعَةَ كَانَ فِيهِ أَجْرٌ وَيَحْنَثُ، وَإِلَّا فَلَا، وَمُقْتَضَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَنْ لَا يَحْنَثَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِعْلُ نِيَّةِ الطَّاعَةِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
قَالَ شَافِعِيٌّ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الشَّافِعِيُّ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ حَنَفِيٌّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ أَفْضَلَ مِنَ الشَّافِعِيِّ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، لَا يُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَشَبَّهُوهُ بِمَسْأَلَةِ الْغُرَابِ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ: لَا يُفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرُّوذِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ السُّنِّيُّ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: إِنْ كَانَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، أَوْ قَالَ السُّنِّيُّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، فَقَالَ الرَّافِضِيُّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَعَ طَلَاقُ الْمُعْتَزِلِيِّ وَالرَّافِضِيِّ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَفْرِغِي الْبَيْتَ مِنْ قُمَاشِكِ، فَإِنْ دَخَلْتُ وَوَجَدْتُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ قُمَاشِكِ وَلَمْ أَكْسِرْهُ عَلَى رَأْسِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَ فَوَجَدَ فِي الْبَيْتِ هَاوُنًا لَهَا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا تُطَلَّقُ، لِلِاسْتِحَالَةِ، وَالثَّانِي: تُطَلَّقُ عِنْدَ الْيَأْسِ قُبَيْلَ مَوْتِهَا أَوْ مَوْتِهِ.
وَأَنَّهُ لَوْ تَخَاصَمَ الزَّوْجَانِ فَخَرَجَتْ مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ، فَعَدَا خَلْفَهَا وَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي خَرَجَتْ مِنَ الدَّارِ مَكْشُوفَةً لِيَقَعَ نَظَرُ الْأَجَانِبِ عَلَيْهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَسَمِعَتْ قَوْلَهُ فَرَجَعَتْ وَلَمْ يُبْصِرْهَا أَجْنَبِيٌّ، طُلِّقَتْ، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي خَرَجَتْ مَكْشُوفَةً وَيَقَعُ نَظَرُ الْأَجَانِبِ عَلَيْهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ وَلَمْ يُبْصِرْهَا أَجْنَبِيٌّ، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مُعَلَّقٌ عَلَى صِفَتَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ إِلَّا إِحْدَاهُمَا، وَفِي الْأُولَى عَلَى صِفَةٍ فَقَطْ وَقَدْ وُجِدَتْ.
قُلْتُ: هَكَذَا صَوَابُ صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَذَا حَقِيقَتُهَا مِنْ كِتَابِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرُّوذِيِّ، وَوَقَعَتْ فِي نُسَخٍ مِنْ كِتَابِ الرَّافِعِيِّ مُغَيَّرَةً.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ.