روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 192-231
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الضَّحَايَا

صفحات 192-231
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَكَرَ كِتَابَ الضَّحَايَا، وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ، وَالْعَقِيقَةِ، وَالْأَطْعِمَةِ، وَالنُّذُورِ، فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ بَعْدَ الْمُسَابَقَةِ.
وَهُنَاكَ ذَكَرَهَا الْمُزَنِيُّ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَذَكَرَهَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ هُنَا، وَهَذَا أَنْسَبُ، فَاخْتَرْتُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّضْحِيَةُ، سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَشِعَارٌ ظَاهِرٌ، يَنْبَغِي لِمَنْ قَدِرَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهَا.
وَإِذَا الْتَزَمَهَا بِالنَّذْرِ، لَزِمَتْهُ.
وَلَوِ اشْتَرَى بَدَنَةً أَوْ شَاةً تَصْلُحُ لِلضَّحِيَّةِ بِنِيَّةِ التَّضْحِيَةِ، أَوِ الْهَدْيِ، لَمْ تَصِرْ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ ضَحِيَّةً وَلَا هَدْيًا.
وَفِي «تَتِمَّةِ التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ: أَنَّهَا تَصِيرُ، وَهُوَ غَلَطٌ حَصَلَ عَنْ غَفْلَةٍ.
وَمَوْضِعُ الْوَجْهِ النِّيَّةُ فِي دَوَامِ الْمِلْكِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : لَوْ قَالَ: إِنِ اشْتَرَيْتُ شَاةً، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَجْعَلَهَا نَذْرًا، فَهُوَ نَذْرٌ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ.
فَإِذَا اشْتَرَى شَاةً، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهَا ضَحِيَّةً، وَلَا تَصِيرُ بِالشِّرَاءِ ضَحِيَّةً، فَلَوْ عَيَّنَ فَقَالَ: إِنِ اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الشَّاةَ، فَعَلَيَّ أَنْ أَجْعَلَهَا ضَحِيَّةً، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ جَعْلُهَا ضَحِيَّةً، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ التَّعْيِينِ، وَقَدْ أَوْجَبَهَا قَبْلَ الْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُ، تَغْلِيبًا لِلنَّذْرِ.

فَصْلٌ

لِلتَّضْحِيَةِ شُرُوطٌ وَأَحْكَامٌ.
أَمَّا الشُّرُوطُ، فَأَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَذْبُوحُ مِنَ النَّعَمِ، وَهِيَ الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، سَوَاءٌ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَكُلُّ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الضَّأْنِ إِلَّا الْجَذَعُ أَوِ الْجَذَعَةُ، وَلَا مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ إِلَّا الثَّنِيِّ أَوِ الثَّنِيَّةِ.
وَفِي وَجْهٍ: يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
ثُمَّ الْجَذَعُ: مَا اسْتَكْمَلَ سَنَةً عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: مَا اسْتَكْمَلَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ.
وَقِيلَ: ثَمَانِيَةً.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ: لَوْ أَجْذَعَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ، كَانَ مُجْزِئًا، كَمَا لَوْ تَمَّتِ السَّنَةُ قَبْلَ أَنْ يَجْذَعَ.
وَيَكُونُ ذَلِكَ، كَالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ، أَوِ الِاحْتِلَامِ، فَإِنْهُ يَكْفِي فِيهِ أَحَدُهُمَا، وَبِهَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» فَقَالَ: الْجَذَعَةُ: مَا اسْتَكْمَلَتْ سَنَةً، أَوْ أَجَذَعَتْ قَبْلَهَا، أَيْ: أَسْقَطَتْ سِنَّهَا.
وَأَمَّا الثَّنْيُّ مِنَ الْإِبِلِ، فَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ سِنِينَ، وَطَعَنَ فِي السَّادِسَةِ.
وَرَوَى حَرْمَلَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّهُ الَّذِي اسْتَكْمَلَ سِتًّا وَدَخَلَ فِي السَّابِعَةِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ قَوْلًا آخَرَ، وَإِنْ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَلَكِنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ نِهَايَةِ سِنِّ الثَّنْيِ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ، بَيَانُ ابْتِدَاءِ سِنِّهِ.
وَأَمَّا الثَّنْيُ مِنَ الْبَقَرِ، فَمَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ.
وَرَوَى حَرْمَلَةُ: أَنَّهُ مَا اسْتَكْمَلَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ.
وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ، هُوَ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا الثَّنْيُ مِنَ الْمَعْزِ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ الَّذِي اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ.
وَقِيلَ: مَا اسْتَكْمَلَ سَنَةً.

فَصْلٌ

فِي صِفَتِهَا وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: الْمَرِيضَةُ، إِنْ كَانَ مَرَضُهَا يَسِيرًا، لَمْ يَمْنَعِ الْإِجْزَاءَ وَإِنْ كَانَ بَيِّنًا يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ الْهُزَالُ وَفَسَادُ اللَّحْمِ، مَنَعَ الْإِجْزَاءَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا: أَنَّ الْمَرَضَ لَا يَمْنَعُ بِحَالٍ، وَأَنَّ الْمَرَضَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ الْمُرَادِ بِهِ الْجَرَبُ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَحَكَاهُ فِي «الْحَاوِي» قَوْلًا قَدِيمًا.
وَحُكِيَ وَجْهٌ فِي الْهُيَامِ خَاصَّةً، أَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَهُوَ مِنْ أَمْرَاضِ الْمَاشِيَةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَدَّ عَطَشُهَا، فَلَا تُرْوَى مِنَ الْمَاءِ.
قُلْتُ: هُوَ - بِضَمِّ الْهَاءِ - قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ دَاءٌ يَأْخُذُهَا، فَتَهِيمُ فِي الْأَرْضِ لَا تَرْعَى.
وَنَاقَةٌ هَيْمَاءُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْمَدِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: الْجَرَبُ، يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَالْوَدْكَ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَمْنَعُ إِلَّا كَثِيرُهُ، كَالْمَرَضِ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، وَسَوَاءٌ فِي الْمَرَضِ وَالْجَرَبِ، مَا يُرْجَى زَوَالُهُ، وَمَا لَا يُرْجَى.
الثَّالِثَةُ: الْعَرْجَاءُ، إِنِ اشْتَدَّ عَرَجُهَا، بِحَيْثُ تَسْبِقُهَا الْمَاشِيَةُ إِلَى الْكَلَأِ الطَّيِّبِ

وَتَتَخَلَّفُ عَنِ الْقَطِيعِ، لَمْ تُجْزِئْ.
وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يُخْلِفُهَا عَنِ الْمَاشِيَةِ، لَمْ يَضُرَّ.
فَلَوِ انْكَسَرَ بَعْضُ قَوَائِمِهَا فَكَانَتْ تَزْحَفُ بِثَلَاثٍ لَمْ تُجْزِئْ.
وَلَوْ أَضْجَعَهَا لِيُضَحِّيَ بِهَا وَهِيَ سَلِيمَةٌ، فَاضْطَرَبَتْ وَانْكَسَرَتْ رِجْلُهَا، أَوْ عَرِجَتْ تَحْتَ السِّكِّينِ، لَمْ تُجْزِئْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهَا عَرْجَاءُ عِنْدَ الذَّبْحِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُ شَاةٍ فَبَادَرَ إِلَى التَّضْحِيَةِ بِهَا، فَإِنْهَا لَا تُجْزِئُ.
الرَّابِعَةُ: لَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ، وَلَا الْعَوْرَاءُ الَّتِي ذَهَبَتْ حَدَقَتُهَا، [وَكَذَا إِنْ بَقِيَتْ حَدَقَتُهَا] عَلَى الْأَصَحِّ.
وَتُجْزِئُ الْعَشْوَاءُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهِيَ الَّتِي تُبْصِرُ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، لِأَنَّهَا تُبْصِرُ وَقْتَ الرَّعْيِ.
وَأَمَّا الْعَمَشُ وَضَعْفُ بَصَرِ الْعَيْنَيْنِ جَمِيعًا، فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إِنْ غَطَّى النَّاظِرَ بَيَاضٌ، أَذْهَبَ أَكْثَرَهُ مَنَعَ وَإِنْ أَذْهَبَ أَقَلَّهُ، لَمْ يَمْنَعْ عَلَى الصَّحِيحِ.
الْخَامِسَةُ: الْعَجْفَاءُ الَّتِي ذَهَبَ مُخُّهَا مِنْ شِدَّةِ هُزَالِهَا، لَا تُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَ بِهَا بَعْضُ الْهُزَالِ وَلَمْ يَذْهَبْ مُخُّهَا، [أَجْزَأَتْ] ، كَذَا أَطْلَقَهُ كَثِيرُونَ.
وَقَالَ فِي «الْحَاوِي» : إِنْ كَانَ خُلُقِيًّا، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِمَرَضٍ مَنَعَ؛ لِأَنَّهُ دَاءٌ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: كَمَا لَا يُعْتَبَرُ السِّمَنُ الْبَالِغُ لِلْإِجْزَاءِ، لَا يُعْتَبَرُ الْعَجَفُ الْبَالِغُ لِلْمَنْعِ.
وَأَقْرَبُ مُعْتَبَرٍ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ لَا تَرْغَبُ فِي لَحْمِهَا الطَّبَقَةُ الْعَالِيَةُ مِنْ طَلَبَةِ اللَّحْمِ فِي سِنِيِ الرَّخَاءِ، مَنَعَتْ.
السَّادِسَةُ: وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الثَّوْلَاءِ، وَهِيَ الْمَجْنُونَةُ الَّتِي تَسْتَدِيرُ فِي الرَّعْيِ وَلَا تَرْعَى إِلَّا قَلِيلًا فَتَهْزِلُ.
السَّابِعَةُ: يُجْزِئُ الْفَحْلُ وَإِنْ كَثُرَ نَزَوَانُهُ، وَالْأُنْثَى وَإِنْ كَثُرَتْ وِلَادَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يُطْلَبْ لَحْمُهَا، إِلَّا إِذَا انْتَهَيَا إِلَى الْعَجَفِ الْبَيِّنِ.
الثَّامِنَةُ: لَا تُجْزِئُ مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ، فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهَا، نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَبِنْ مِنْهَا شَيْءٌ،

بَلْ شُقَّ طَرَفُهَا وَبَقِيَ مُتَدَلِّيًا، لَمْ يُمْنَعْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: يُمْنَعُ.
وَإِنْ أَبْيَنَ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأُذُنِ، مُنِعَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، مُنِعَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِفَوَاتِ جُزْءٍ مَأْكُولٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: وَأَقْرَبُ ضَبْطٍ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ: أَنَّهُ إِنْ لَاحَ النَّقْصُ مِنَ الْبُعْدِ، فَكَثِيرٌ، وَإِلَّا فَقَلِيلٌ.
التَّاسِعَةُ: لَا يَمْنَعُ الْكَيُّ فِي الْأُذُنِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، لِتَصَلُّبِ الْمَوْضِعِ، وَتُجْزِئُ صَغِيرَةُ الْأُذُنِ، وَلَا تُجْزِئُ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا أُذُنٌ.
الْعَاشِرَةُ: لَا تُجْزِئُ الَّتِي أَخَذَ الذِّئْبُ مِقْدَارًا بَيِّنًا مِنْ فَخْذِهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُ قَطْعُ الْفَلْقَةِ الْيَسِيرَةِ مِنْ عُضْوٍ كَبِيرٍ وَلَوْ قَطَعَ الذِّئْبُ أَوْ غَيْرُهُ أَلْيَتَهَا أَوْ ضَرْعَهَا، لَمْ تُجْزِئْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتُجْزِئُ الَّتِي خُلِقَتْ بِلَا ضَرْعٍ أَوْ بِلَا أَلْيَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ مِنَ الْمَعْزِ، بِخِلَافِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا أُذُنٌ؛ لِأَنَّ الْأُذُنَ عُضْوٌ لَازِمٌ غَالِبًا.
وَالذَّنَبُ كَالْأَلْيَةِ، وَقَطْعُ بَعْضِ الْأَلْيَةِ أَوِ الضَّرْعِ كَقَطْعِ كُلِّهِ، وَلَا تَجُوزُ مَقْطُوعَةُ بَعْضِ اللِّسَانِ.
الْحَادِيَةُ عَشَرَةَ: يُجْزِئُ الْمَوْجُوءُ وَالْخَصِيُّ، كَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَشَذَّ ابْنُ كَجٍّ، فَحَكَى فِي الْخَصِيِّ قَوْلَيْنِ، وَجَعَلَ الْمَنْعَ: الْجَدِيدُ.
الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: تُجْزِئُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا وَالَّتِي انْكَسَرَ قَرْنُهَا، سَوَاءً دُمِيَ قَرْنُهَا بِالِانْكِسَارِ، أَمْ لَا.
قَالَ الْقَفَّالُ: إِلَّا أَنْ يُؤَثِّرَ أَلَمُ الِانْكِسَارِ فِي اللَّحْمِ، فَيَكُونُ كَالْجَرَبِ وَغَيْرِهِ، وَذَاتُ الْقَرْنِ أَفْضَلُ.
الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ: تُجْزِئُ الَّتِي ذَهَبَ بَعْضُ أَسْنَانِهَا، فَإِنِ انْكَسَرَ أَوْ تَنَاثَرَ جَمِيعُ أَسْنَانِهَا، فَقَدْ أَطْلَقَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَجَمَاعَةٌ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَقَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: تُجْزِئُ.
وَقِيلَ: لَا تُجْزِئُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَرَضٍ أَوْ كَانَ يُؤَثِّرُ فِي الِاعْتِلَافِ وَيُنْقِصُ اللَّحْمَ، مَنَعَ، وَإِلَّا، فَلَا، وَهَذَا حَسَنٌ، وَلَكِنَّهُ يُؤَثِّرُ بِلَا شَكٍّ، فَيَرْجِعُ الْكَلَامُ إِلَى الْمَنْعِ الْمُطْلَقِ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ.
وَفِي الْحَدِيثِ نُهِيَ عَنِ الْمُشَيَّعَةِ.
قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : هِيَ الْمُتَأَخِّرَةُ عَنِ الْغَنَمِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِهُزَالٍ أَوْ عِلَّةٍ، مَنَعَ، لِأَنَّهَا عَجْفَاءُ، وَإِنْ كَانَ عَادَةً وَكَسَلًا، لَمْ يَمْنَعْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ فِي صِفَةِ الْكَمَالِ فِيهِ مَسَائِلُ إِحْدَاهَا: يُسْتَحَبُّ لِلتَّضْحِيَةِ الْأَسْمَنُ الْأَكْمَلُ، حَتَّى أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِشَاةٍ سَمِينَةٍ، أَفْضَلُ مِنْ شَاتَيْنِ دُونِهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اسْتِكْثَارُ الْقِيمَةِ فِي الْأُضْحِيَةِ أَحَبُّ مِنَ اسْتِكْثَارِ الْعَدَدِ، وَفِي الْعِتْقِ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا اللَّحْمُ، وَالسَّمِينُ أَكْثَرُ، وَأَطْيَبُ، وَالْمَقْصُودُ فِي الْعِتْقِ التَّخْلِيصُ مِنَ الرِّقِّ، وَتَخْلِيصُ عَدَدٍ أَوْلَى مِنْ وَاحِدٍ وَكَثْرَةُ اللَّحْمِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ الشَّحْمِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَحْمًا رَدِيئًا.
الثَّانِيَةُ: أَفْضَلُهَا الْبَدَنَةُ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ، ثُمَّ الضَّأْنُ، ثُمَّ الْمَعِزُ.
وَسَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: الْبَدَنَةُ أَوِ الْبَقَرَةُ أَفْضَلُ، لِكَثْرَةِ اللَّحْمِ، وَالتَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ أَفْضَلُ مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي بَدَنَةٍ.
الثَّالِثَةُ: أَفْضَلُهَا الْبَيْضَاءُ، ثُمَّ الْعَفْرَاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَصْفُو بَيَاضُهَا، ثُمَّ السَّوْدَاءُ.
الرَّابِعَةُ: التَّضْحِيَةُ بِالذَّكَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْأُنْثَى عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيُّ.
وَحُكِيَ [عَنْ] نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّ الْأُنْثَى أَفْضَلُ، فَقِيلَ: لَيْسَ مُرَادُهُ تَفْضِيلَ الْأُنْثَى فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَفْضِيلَهَا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، إِذَا قُوِّمَتْ لِإِخْرَاجِ الطَّعَامِ، فَالْأُنْثَى أَكْثَرُ قِيمَةً.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ أُنْثَى لَمْ تَلِدْ أَفْضَلُ مِنَ الذَّكَرِ إِذَا كَثُرَ نَزَوَانُهُ، فَإِنْ فَرَضْنَا ذَكَرًا لَمْ يُنْزِ، وَأُنْثَى لَمْ تَلِدْ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا.

فَصْلٌ

الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ لَا يُضَحَّى بِهَا إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ، لَكِنْ إِذَا ضَحَّى بِهَا وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ، تَأَدَّى الشِّعَارُ وَالسُّنَّةُ لِجَمِيعِهِمْ، وَعَلَى هَذَا حُمِلَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشٍ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» . وَكَمَا أَنَّ الْفَرْضَ يَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضِ عَيْنٍ، وَفَرْضِ كِفَايَةٍ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ التَّضْحِيَةَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ التَّضْحِيَةَ مَسْنُونَةٌ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ حَمَلَ جَمَاعَةٌ الْحَدِيثَ عَلَى الْإِشْرَاكِ فِي الثَّوَابِ، وَسَيَأْتِي [بَيَانُهُ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ الْبَدَنَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَكَذَا الْبَقَرَةُ، سَوَاءً كَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ، أَوْ بُيُوتٍ، سَوَاءً كَانُوا مُتَقَرِّبِينَ بِقُرْبَةٍ مُتَّفِقَةٍ أَوْ مُخْتَلِفَةٍ، وَاجِبَةٍ أَمْ مُسْتَحَبَّةٍ، أَمْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ.
وَإِذَا اشْتَرَكُوا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ قِسْمَةَ لَحْمِهَا تُبْنَى عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، أَمْ إِفْرَازٌ؟ إِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ، جَازَتْ.
وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ، فَبَيْعُ اللَّحْمِ الرَّطْبِ بِمِثْلِهِ، لَا يَجُوزُ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَدْفَعَ الْمُتَقَرِّبُونَ نَصِيبَهُمْ إِلَى الْفُقَرَاءِ مَشَاعًا، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ اللَّحْمَ بِدَرَاهِمَ، أَوْ يَبِيعُ مُرِيدُ اللَّحْمِ نَصِيبَهُ لِلْمُتَقَرِّبِينَ بِدَرَاهِمَ.
وَإِنْ شَاءُوا جَعَلُوا اللَّحْمَ أَجْزَاءً بِاسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ جُزْءٌ، ثُمَّ يَبِيعُ صَاحِبُ الْجُزْءِ نَصِيبَهُ مِنْ بَاقِي الْأَجْزَاءِ بِدَرَاهِمَ، وَيَشْتَرِي مِنْ أَصْحَابِهِ نَصِيبَهُمْ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ يَتَقَاصُّونَ.
وَقَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : تَصِحُّ الْقِسْمَةُ، قَطْعًا لِلْحَاجَةِ.
وَكَمَا يَجُوزُ تَضْحِيَةُ سَبْعَةٍ بِبَدَنَةٍ

أَوْ بَقَرَةٍ، يَجُوزُ أَنْ يَقْصُدَ بَعْضُهُمُ التَّضْحِيَةَ، وَبَعْضُهُمُ الْهَدْيَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْحَرَ الْوَاحِدُ الْبَدَنَةَ أَوِ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ لَزِمَتْهُ بِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، وَالْفَوَاتِ، وَمُبَاشَرَةِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَنَذْرِ التَّصَدُّقِ بِشَاةٍ، وَالتَّضْحِيَةِ بِشَاةٍ، لَكِنْ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، تُرَاعَى الْمُمَاثَلَةُ وَمُشَابَهَةُ الصُّورَةِ، فَلَا تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ مِنَ الظِّبَاءِ.
وَلَوْ وَجَبَ شَاتَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ فِي قَتْلِ صَيْدَيْنِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَذْبَحَا عَنْهُمَا بَدَنَةً، وَيَجُوزَ أَنْ يَذْبَحَ الْوَاحِدُ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً، سُبْعُهَا عَنْ شَاةٍ لَزِمَتْهُ، وَيَأْكُلُ الْبَاقِي كَمُشَارَكَةِ مَنْ يُرِيدُ اللَّحْمَ.
وَلَوْ جَعَلَ جَمِيعَ الْبَدَنَةِ أَوِ الْبَقَرَةِ مَكَانَ الشَّاةِ، فَهَلْ يَكُونُ [الْجَمِيعُ] وَاجِبًا حَتَّى لَا يَجُوزَ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، أَمِ الْوَاجِبُ السُّبْعُ فَقَطْ حَتَّى يَجُوزَ الْأَكْلُ مِنَ الْبَاقِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، كَالْوَجْهَيْنِ فِي مَاسِحِ جَمِيعِ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ، هَلْ يَقَعُ جَمِيعُهُ فَرْضًا، أَمِ الْفَرْضُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؟ قُلْتُ: قِيلَ: الْوَجْهَانِ فِي الْمَسْحِ فِيمَا إِذَا مَسَحَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ مَسَحَ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَالثَّانِي سُنَّةٌ قَطْعًا، وَقِيلَ: الْوَجْهَانِ فِي الْحَالَيْنِ، وَمِثْلُهُمَا إِذَا طَوَّلَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالْقِيَامَ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ، وَفَائِدَتُهُ فِي زِيَادَةِ الثَّوَابِ فِي الْوَاجِبِ، وَالْأَرْجَحُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَقَعُ تَطَوُّعًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي شَاتَيْنِ، لَمْ تُجْزِئْهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يُجْزِئْ بَعْضُ شَاةٍ بِلَا خِلَافٍ بِكُلِّ حَالٍ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: الْوَقْتُ.
فَيَدْخُلُ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَمَضَى قَدَرُ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي وَجْهٍ: تُعْتَبَرُ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُطْبَتَهُ.
وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِـ (ق) وَ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) وَخَطَبَ خُطْبَةً مُتَوَسِّطَةً.
وَقَالَتِ الْمَرَاوِزَةُ: الْخِلَافُ فِي طُولِ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَالْخُطْبَةُ مُخَفَّفَةٌ قَطْعًا، فَإِنْهُ السُّنَّةُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَمَا أَرَى مَنْ يَعْتَبِرُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، يَكْتَفِي بِأَقَلِّ مَا يُجْزِئُ، وَظَاهِرُ

كَلَامِ صَاحِبِ «الشَّامِلِ» خِلَافُهُ.
وَفِي وَجْهٍ: يَكْفِي مُضِيُّ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْخُطْبَتَانِ.
وَيَخْرُجُ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَيَجُوزُ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَكِنْ تُكْرَهُ التَّضْحِيَةُ وَالذَّبْحُ مُطْلَقًا فِي اللَّيْلِ، فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْوَقْتِ، لَمْ تَكُنْ أُضْحِيَّةً، فَإِنْ لَمْ يُضَحِّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، فَاتَتْ، فَإِنْ ضَحَّى فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ، وَقَعَ عَنِ الْوَقْتِ، لَا عَنِ الْمَاضِي، وَهَذَا كُلُّهُ فِي أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ، فَأَمَّا الْمَنْذُورَةُ، فَفِي تَوْقِيتِهَا خِلَافٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ.
وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَ ضَحِيَّتَهُ وَهَدْيَهُ بِنَفْسِهِ.
وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَبْحِهَا مَنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُوكِّلَ مُسْلِمًا فَقِيهًا، لِعِلْمِهِ بِشُرُوطِهَا.
وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ، بِخِلَافِ الْكِتَابِيِّ.
وَإِذَا وَكَّلَ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضِرَ الذَّبْحَ.
وَيُكْرَهُ تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ فِي ذَبْحِهَا.
وَفِي كَرَاهَةِ تَوْكِيلِ الْحَائِضِ، وَجْهَانِ: قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَهْيٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَائِضُ أَوْلَى مِنَ الصَّبِيِّ، وَالصَّبِيُّ الْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنَ الْكِتَابِيِّ.
الثَّانِيَةُ: النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي التَّضْحِيَةِ.
وَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الذَّبْحِ، أَمْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَقْرُونَةٌ بِهِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ.
وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةً، فَهَلْ يَكْفِيهِ التَّعْيِينُ وَالْقَصْدُ عَنْ نِيَّةِ الذَّبْحِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: لَا يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّ التَّضْحِيَةَ قُرْبَةٌ فِي نَفْسِهَا، فَوَجَبَتِ النِّيَّةُ فِيهَا، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: الِاكْتِفَاءَ.
وَلَوِ الْتَزَمَ ضَحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ عَيَّنَ شَاةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، بُنِيَ [عَلَى] الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمُعَيَّنَةَ، هَلْ تَتَعَيَّنُ عَنِ الْمُطْلَقَةِ فِي الذِّمَّةِ؟ إِنْ قُلْنَا: [لَا] فَلَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَإِلَّا، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَلَوْ وَكَّلَ وَنَوَى عِنْدَ

ذَبْحِ الْوَكِيلِ، كَفَى وَلَا حَاجَةَ إِلَى نِيَّةِ الْوَكِيلِ، بَلْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُضَحٍّ، لَمْ يَضُرَّ.
وَإِنْ نَوَى عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْوَكِيلِ فَقَطْ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي تَقْدِيمِ النِّيَّةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَ النِّيَّةَ إِلَى الْوَكِيلِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا، فَلَا.
الثَّالِثَةُ: الْعَبْدُ الْقِنُّ، وَالْمُدَبِّرُ، وَالْمُسْتَوْلِدَةُ، لَا يَجُوزُ لَهُمُ التَّضْحِيَةُ إِنْ قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ: إِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ بِالتَّمْلِيكِ، فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ، وَقَعَتِ التَّضْحِيَةُ عَنِ السَّيِّدِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُونَ، لَمْ يَجُزْ تَضْحِيَتُهُمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقُّ الِانْتِزَاعِ.
فَإِنْ أَذِنَ، وَقَعَتْ عَنْهُمْ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُمْ فِي التَّصَدُّقِ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَلَا بَعْدَ جَعْلِهَا ضَحِيَّةً.
وَالْمَكَاتَبُ لَا تَجُوزُ تَضْحِيَتُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَذِنَ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَبَرُّعِهِ بِإِذْنِهِ.
وَمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ، لَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِمَا مَلَكَهُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ ضَحَّى عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَقَعْ عَنْهُ.
وَفِي التَّضْحِيَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، كَلَامٌ يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قُلْتُ: إِذَا ضَحَّى عَنْ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنٍ، فَإِنْ كَانَتِ الشَّاةُ مُعَيَّنَةً بِالنَّذْرِ، وَقَعَتْ عَنِ الْمُضَحِّي، وَإِلَّا، فَلَا، كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» وَغَيْرُهُ.
وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ إِبْرَهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: أَنَّهَا تَقَعُ عَنِ الْمُضَحِّي، قَالَ هُوَ وَصَاحِبُ «الْعُدَّةِ» : لَوْ أَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي ثَوَابِ أُضْحِيَتِهِ وَذَبَحَ عَنْ نَفْسِهِ، جَازَ، قَالَا: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الذَّبْحُ.
فَالذَّبْحُ الَّذِي يُبَاحُ بِهِ الْحَيَوَانُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ، إِنْسِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا، ضَحِيَّةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا، هُوَ التَّذْفِيفُ بِقَطْعِ جَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ مِنْ حَيَوَانٍ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِآلَةٍ لَيْسَتْ عَظْمًا وَلَا ظُفْرًا، فَهَذِهِ قُيُودٌ.
أَمَّا الْقَطْعُ، فَاحْتِرَازٌ مِمَّا لَوِ اخْتَطَفَ رَأْسَ عُصْفُورٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِيَدِهِ، أَوْ بِبُنْدُقَةٍ، فَإِنْهُ مَيْتَةٌ.
وَأَمَّا الْحُلْقُومُ،

فَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ خُرُوجًا وَدُخُولًا، وَالْمَرِّيءُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهُوَ تَحْتَ الْحُلْقُومِ، وَرَاءَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيِ الْعُنُقِ يُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ، وَقِيلَ: بِالْمَرِّيءِ، وَيُقَالُ لَهُمَا: الْوَدَجَانِ، وَيُقَالُ لِلْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ مَعَهُمَا: الْأَوْدَاجُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ.
وَقَالَ الِاصْطَخْرِيُّ: يَكْفِي أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَبْقَى بَعْدَهُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: هَذَا خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَخِلَافُ مَقْصُودِ الذَّكَاةِ، وَهُوَ الْإِزْهَاقُ بِمَا يُوحِي وَلَا يُعَذِّبُ.
وَيُسْتَحَبُّ مَعَهُمَا قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَوْحَى، وَالْغَالِبُ أَنَّهُمَا يَنْقَطِعَانِ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، فَإِنْ تَرَكَهُمَا، جَازَ.
وَلَوْ تَرَكَ مِنَ الْحُلْقُومِ أَوِ الْمَرِّيءِ شَيْئًا يَسِيرًا، أَوْ مَاتَ الْحَيَوَانُ، فَهُوَ مَيْتَةٌ.
وَكَذَا لَوِ انْتَهَى إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَقَطَعَ الْمَتْرُوكَ، فَمَيْتَهٌ.
وَفِي «الْحَاوِي» وَجْهٌ: إِنْ بَقِيَ الْيَسِيرُ، فَلَا يَضُرُّ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ فِي «الْحِلْيَةِ» ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَطَعَ مِنَ الْقَفَا حَتَّى وَصَلَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِّيءَ، عَصَى، لِزِيَادَةِ الْإِيلَامِ.
ثُمَّ يَنْظُرُ، إِنْ وَصَلَ إِلَى الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ وَقَدِ انْتَهَى إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ يَحِلَّ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ وَصَلَهُمَا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَقَطَعَهُمَا، حَلَّ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ ذَكَّاهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ قَطْعِ الْمَرِّيءِ، وَلَكِنْ لَمَّا قَطَعَهُ مَعَ بَعْضِ الْحُلْقُومِ انْتَهَى إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ لِمَا نَالَهُ بِسَبَبِ قَطْعِ الْقَفَا، فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ أَقْصَى مَا وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ قَطْعِ الْمَذْبَحِ.
وَالْقَطْعُ مِنْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ، كَالْقَطْعِ مِنَ الْقَفَا.
وَلَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي أُذُنِ الثَّعْلَبِ لِيَقْطَعَ الْمَرِّيءَ وَالْحُلْقُومَ مِنْ دَاخِلِ الْجِلْدِ، فَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ.
وَلَوْ أَمَرَّ السِّكِّينَ مُلْصَقًا بِاللَّحْيَيْنِ فَوْقَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، وَأَبَانَ الرَّأْسَ، فَلَيْسَ هُوَ بِذَبْحٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعِ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِّيءَ.
وَأَمَّا كَوْنُ التَّذْفِيفِ حَاصِلًا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَوْ أَخَذَ الذَّابِحُ فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ [وَالْمَرِّيءِ] ، وَأَخَذَ آخَرُ فِي نَزْعِ حَشْوَتِهِ، أَوْ نَخَسَ خَاصِرَتَهُ، لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّ التَّذْفِيفَ لَمْ يَتَمَخَّضْ بِالْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ.
وَسَوَاءً كَانَ مَا يَجْرِي بِهِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ مِمَّا يُذَفِّفُ لَوِ انْفَرَدَ، أَوْ كَانَ يُعِينُ عَلَى

التَّذْفِيفِ.
وَلَوِ اقْتَرَنَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ بِقَطْعِ رَقَبَةِ الشَّاةِ مِنْ قَفَاهَا، بِأَنْ كَانَ يُجْرِي سِكِّينًا مِنَ الْقَفَا، وَسِكِّينًا مِنَ الْحُلْقُومِ حَتَّى الْتَقَتَا، فَهِيَ مَيْتَةٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَقَدَّمَ قَطْعُ الْقَفَا وَبَقِيَتِ الْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةٌ إِلَى وُصُولِ السِّكِّينِ الْمَذْبَحَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ أَنْ يُسْرِعَ الذَّابِحُ فِي الْقَطْعِ، وَلَا يَتَأَنَّى بِحَيْثُ يَظْهَرُ انْتِهَاءُ الشَّاةِ قَبْلَ اسْتِتْمَامِ قَطْعِ الْمَذْبَحِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَهَذَا قَدْ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ: أَنَّ الْمُتَعَبَّدَ بِهِ، كَوْنَ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الِابْتِدَاءِ، فَيُشْبِهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا، إِذَا تَبَيَّنَ مَصِيرُهُ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَهُنَاكَ، إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الْحَالُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، خِلَافُ مَا سَبَقَ تَصْرِيحُ الْإِمَامِ بِهِ، بَلِ الْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مُقَصِّرٌ فِي الثَّانِي، فَلَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنْهُ لَا تَقْصِيرَ، وَلَوْ لَمْ يُحَلِّلْهُ، أَدَّى إِلَى حَرَجٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْحَيَوَانِ عِنْدَ الْقَطْعِ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: لَوْ جَرَحَ السَّبْعُ صَيْدًا، أَوْ شَاةً، أَوِ انْهَدَمَ سَقْفٌ عَلَى بَهِيمَةٍ أَوْ جَرَحَتْ هِرَّةٌ حَمَامَةً، ثُمَّ أُدْرِكَتْ حَيَّةً فَذُبِحَتْ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، حَلَّتْ وَإِنْ تَيَقَّنَ هَلَاكُهَا بَعْدَ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَمْ تَحِلَّ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهَا تَحِلُّ فِي الْحَالَيْنِ، وَقَوْلٌ: أَنَّهَا لَا تَحِلُّ فِيهِمَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّاةِ إِذَا مَرِضَتْ، فَصَارَتْ إِلَى أَدْنَى الرَّمَقِ فَذُبِحَتْ، فَإِنْهَا تَحِلُّ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَالُ الْهَلَاكُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَكَلَتِ الشَّاةُ نَبَاتًا مُضِرًّا، فَصَارَتْ إِلَى أَدْنَى الرَّمَقِ فَذُبِحَتْ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مَرَّةً: فِيهَا وَجْهَانِ، وَجَزَمَ مَرَّةً بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبٌ يُحَالُ الْهَلَاكُ عَلَيْهِ، فَصَارَ كَجُرْحِ السَّبْعِ.
ثُمَّ كَوْنُ الْحَيَوَانِ مُنْتَهِيًا إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، أَوْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، تَارَةً يَسْتَيْقِنُ، وَتَارَةً يَظُنُّ بِعَلَامَاتٍ وَقَرَائِنَ لَا تَضْبُطُهَا الْعِبَارَةُ، وَشَبَّهُوهُ بِعَلَامَاتِ الْخَجَلِ وَالْغَضَبِ وَنَحْوِهِمَا.
وَمِنْ أَمَارَاتِ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ: الْحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، وَانْفِجَارِ الدَّمِ

وَتَدَفُّقِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكْفِي دَلِيلًا عَلَى بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ.
قَالَ: وَالْأَصَحُّ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّهُ مَا قَدْ يَحْصُلَانِ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَكِنْ قَدْ يَنْضَمُّ إِلَى أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا قَرَائِنُ أَوْ أَمَارَاتٌ أُخَرُ تُفِيدُ الظَّنَّ أَوِ الْيَقِينَ، فَيَجِبُ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ.
قُلْتُ: اخْتَارَ الْمُزَنِيُّ وَطَوَائِفٌ مِنَ الْأَصْحَابِ: الِاكْتِفَاءَ بِالْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ فِي ظَنِّنَا شَيْءٌ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ، لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْآلَةِ لَيْسَتْ عَظْمًا، فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ بِكُلِّ قَاطِعٍ إِلَّا الظُّفْرَ وَالْعَظْمَ، سَوَاءٌ مِنَ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ، الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ فِي عَظْمِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةٌ فِي الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَصْلٌ

فِي سُنَنِ الذَّبْحِ وَآدَابِهِ سَوَاءً ذَبَحَ الْأُضْحِيَّةَ وَغَيْرَهَا.
إِحْدَاهَا: تَحْدِيدُ الشَّفْرَةِ.
الثَّانِيَةُ: إِمْرَارُ السِّكِّينِ بِقُوَّةٍ وَتَحَامُلٍ ذَهَابًا وَعَوْدًا، لِيَكُونَ أَوْحَى وَأَسْهَلَ.
الثَّالِثَةُ: اسْتِقْبَالُ الذَّابِحِ الْقِبْلَةَ، وَتَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْقُرُبَاتِ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ تَوْجِيهِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: يُوَجِّهُ مَذْبَحَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَلَا يُوَجِّهُ وَجْهَهَا، لِيُمْكِنَهُ هُوَ أَيْضًا الِاسْتِقْبَالُ.
وَالثَّانِي: يُوَجِّهُهَا بِجَمِيعِ بَدَنِهَا.
وَالثَّالِثُ: يُوَجِّهُ قَوَائِمَهَا.

الرَّابِعَةُ: التَّسْمِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَالرَّمْيِ إِلَى الصَّيْدِ، وَإِرْسَالُ الْكَلْبِ.
فَلَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهَوًا، حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ، لَكِنَّ تَرْكَهَا عَمْدًا، مَكْرُوهٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهُ يَأْثَمُ بِهِ.
وَهَلْ يَتَأَدَّى الِاسْتِحْبَابُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ عَضِّ الْكَلْبِ وَإِصَابَةِ السَّهْمِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
وَهَذَا الْخِلَافُ فِي كَمَالِ الِاسْتِحْبَابِ.
فَأَمَّا إِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ [عِنْدَ الْإِرْسَالِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَدَارَكَهَا عِنْدَ الْإِصَابَةِ قَطْعًا، كَمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ] فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ وَالْأَكْلِ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ فِي أَثْنَائِهِمَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الذَّابِحُ وَالصَّائِدُ: بِاسْمِ مُحَمَّدٍ وَلَا بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ، بَلْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ الذَّبْحَ بِاسْمِهِ، وَالْيَمِينَ بِاسْمِهِ، وَالسُّجُودَ لَهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ مَخْلُوقٌ.
وَذَكَرَ فِي «الْوَسِيطِ» : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ.
قَالَ: وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، بِالرَّفْعِ، فَلَا بَأْسَ.
وَيُنَاسِبُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مَا حَكَاهُ فِي «الشَّامِلِ» وَغَيْرِهِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ذَبِيحَةٌ يَذْبَحُونَهَا بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْمَسِيحِ، لَمْ تَحِلَّ.
وَفِي كِتَابِ الْقَاضِي ابْنِ كَجٍّ: أَنَّ الْيَهُودِيَّ لَوْ ذَبَحَ لِمُوسَى، وَالنَّصْرَانِيَّ لِعِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، أَوْ لِلصَّلِيبِ، حُرِّمَتْ ذَبِيحَتُهُ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ أَوْ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقْوَى أَنْ يُقَالَ: يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ ذَبْحٌ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: وَخَرَّجَ أَبُو الْحُسَيْنِ وَجْهًا آخَرَ: أَنَّهَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَذْبَحُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَعْتَقِدُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَعْتَقِدُهُ النَّصْرَانِيُّ فِي عِيسَى.
قَالَ: وَإِذَا ذَبَحَ لِلصَّنَمِ، لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ، سَوَاءً كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا.
وُفِي تَعْلِيقَةٍ لِلشَّيْخِ إِبْرَاهِيمِ الْمَرْوَرُوذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ مَا يُذْبَحُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ، أَفْتَى أَهْلُ بُخَارَى بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الذَّبْحَ لِلْمَعْبُودِ وَبِاسْمِهِ، نَازِلٌ مُنْزِلَةِ السُّجُودِ لَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْظِيمِ وَالْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، فَمَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِهِ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ جَمَادٍ كَالصَّنَمِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْعِبَادَةِ، لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، وَكَانَ فِعْلُهُ كُفْرًا،

كَمَنْ سَجَدَ لِغَيْرِهِ سَجْدَةَ عِبَادَةٍ، وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَأَمَّا إِذَا ذَبَحَ لِغَيْرِهِ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بِأَنْ ضَحَّى أَوْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَهَا لِأَنَّهَا بَيْتُ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الرَّسُولِ لِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ حِلَّ الذَّبِيحَةِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى، يَرْجِعُ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَهْدَيْتُ لِلْحَرَمِ، أَوْ لِلْكَعْبَةِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الذَّبْحُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ، فَإِنْهُ اسْتِبْشَارٌ بِقُدُومِهِ، نَازِلٌ مَنْزِلَةَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ لِوِلَادَةِ الْمَوْلُودِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَكَذَا السُّجُودُ لِلْغَيْرِ تَذَلُّلًا وَخُضُوعًا.
وَعَلَى هَذَا، إِذَا قَالَ الذَّابِحُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَبَاسِمِ مُحَمَّدٍ، وَأَرَادَ: أَذْبَحُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَأَتَبَرَّكُ بَاسِمِ مُحَمَّدٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْرُمَ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَةَ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ، يَصِحُّ نَفْيُ الْجَوَازِ وَالْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ عَنْهُ.
وَوَقَعَتْ مُنَازَعَةٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَقِينَاهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ قَزْوِينَ [فِي] أَنَّ مَنْ ذَبَحَ بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ؟ وَهَلْ يَكْفُرُ بِذَلِكَ؟ وَأَفْضَتْ تِلْكَ الْمُنَازَعَةُ إِلَى فِتْنَةٍ، وَالصَّوَابُ مَا بَيَّنَاهُ.
وَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الذَّبْحِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» ، قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تُسْتَحَبُّ وَلَا تُكْرَهُ.
قُلْتُ: أَتْقَنَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْفَصْلَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ، مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ، قَالَ: وَحَكَى صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إِذَا سَمَّى غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْمَسِيحِ، لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَذْبَحُهَا لَهُ، فَأَمَّا إِنْ ذَكَرَ الْمَسِيحَ عَلَى مَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَائِزٌ.
قَالَ: وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: تَحِلُّ مُطْلَقًا، وَإِنْ سَمَّى الْمَسِيحَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: الْمُسْتَحَبُّ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ، وَهُوَ قَطْعُ اللَّبَةِ أَسْفَلَ الْعُنُقِ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ

الذَّبْحُ، وَهُوَ قَطْعُ الْحَلْقِ أَعْلَى الْعُنُقِ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ.
فَلَوْ ذَبَحَ الْإِبِلَ وَنَحَرَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، حَلَّ، وَلَكِنْ تَرَكَ الْمُسْتَحَبَّ، وَفِي كَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ، الْمَشْهُورُ: لَا يُكْرَهُ.
السَّادِسَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْحَرَ الْبَعِيرُ قَائِمًا عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمٍ مَعْقُولَ الرُّكْبَةِ، وَإِلَّا فَبَارِكًا، وَأَنْ تُضْجَعَ الْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ، وَتُتْرَكُ رِجْلُهَا الْيُمْنَى وَتُشَدُّ قَوَائِمُهَا الثَّلَاثُ.
السَّابِعَةُ: إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِّيءَ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسِكَ وَلَا يُبَيِّنَ رَأْسَهُ فِي الْحَالِ، وَلَا يَزِيدَ فِي الْقَطْعِ، وَلَا يُبَادِرَ إِلَى سَلْخِ الْجِلْدِ، وَلَا يَكْسِرَ الْفَقَارَ، وَلَا يَقْطَعَ عُضْوًا، وَلَا يُحَرِّكَ الذَّبِيحَةَ، وَلَا يَنْقِلَهَا إِلَى مَكَانٍ، بَلْ يَتْرُكُ جَمِيعَ ذَلِكَ حَتَّى تُفَارِقَ الرُّوحُ، وَلَا يُمْسِكَهَا بَعْدَ الذَّبْحِ مَانِعًا لَهَا مِنَ الِاضْطِرَابِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ تُسَاقَ إِلَى الْمَذْبَحِ بِرِفْقٍ، وَتُضْجَعَ بِرِفْقٍ، وَيَعْرِضَ عَلَيْهَا الْمَاءَ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَلَا يَحُدَّ الشَّفْرَةَ قِبَالَتِهَا، وَلَا يَذْبَحَ بَعْضَهَا قِبَالَةَ بَعْضٍ.
الثَّامِنَةُ: يُسْتَحَبُّ عِنْدَ التَّضْحِيَةِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ، تَقَبَّلْ مِنِّي.
وَفِي «الْحَاوِي» وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ.
وَلَوْ قَالَ: تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ وَمُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا، لَمْ يُكْرَهْ وَلَمْ يُسْتَحَبَّ، كَذَا نَقَلَهُ فِي «الْبَحْرِ» عَنِ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي «الْحَاوِي» : يَخْتَارُ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنْ يُكَبِّرَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَبَعْدَهَا [ثَلَاثًا] فَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

فَصْلٌ

قَدَّمْنَا أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي التَّضْحِيَةِ، وَأَنَّ الشَّاةَ إِذَا جَعَلَهَا أُضْحِيَّةً، هَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ عَنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ؟ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: لَا يَكْفِيهِ.
فَإِنْ

قُلْنَا: يَكْفِيهِ، اسْتُحِبَّ التَّجْدِيدُ.
وَمَهْمَا كَانَ فِي مِلْكِهِ، بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ، فَقَالَ: جَعَلْتُ هَذَا ضَحِيَّةً، أَوْ هَذِهِ ضَحِيَّةً، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَا، صَارَتْ ضَحِيَّةً مُعَيَّنَةً.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ هَدْيًا، أَوْ هَذَا هَدْيٌ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ [هَذِهِ] ، صَارَ هَدْيًا.
وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ: لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَةِ الْمُعَيَّنَيْنِ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْرِيعُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ إِعْتَاقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، لَا يَزُولُ مِلْكُهُ [عَنْهُ] مَا لَمْ يَعْتِقْهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْهَدْيِ، وَالْأُضْحِيَةِ، وَالْمَالُ الْمُعَيَّنُ، يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَفِي الْعَبْدِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَيْهِ، بَلْ يَنْفَكُّ الْمِلْكُ بِالْكُلِّيَّةِ.
أَمَّا إِذَا نَوَى جَعْلَ هَذِهِ الشَّاةِ هَدْيًا، أَوْ أُضْحِيَّةً، وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ، فَالْمَشْهُورُ الْجَدِيدُ: أَنَّهَا لَا تَصِيرُ.
وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: تَصِيرُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ سُرَيْحٍ وَالِاصْطَخْرِيُّ.
وَعَلَى هَذَا، فِيمَا يَصِيرُ بِهِ هَدْيًا، أَوْ أُضْحِيَّةً أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَمَا يَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ بِالنِّيَّةِ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ.
وَالثَّانِي: بِالنِّيَّةِ وَالتَّقْلِيدِ أَوِ الْإِشْعَارِ، لِتَنْضَمَّ الدَّلَالَةُ الظَّاهِرَةُ إِلَى النِّيَّةِ، قَالَهُ الِاصْطَخْرِيُّ.
وَالثَّالِثُ: بِالنِّيَّةِ وَالذَّبْحِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ كَالْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ.
وَالرَّابِعُ: بِالنِّيَّةِ وَالسَّوْقِ إِلَى الْمَذْبَحِ.
وَلَوْ لَزِمَهُ هَدْيٌ أَوْ أُضْحِيَّةٌ بِالنَّذْرِ، فَقَالَ: عَيَّنْتُ هَذِهِ الشَّاةَ لِنَذْرِي، أَوْ جَعَلْتُهَا عَنْ نَذْرِي، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِي، فَفِي تَعَيُّنِهَا وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ، التَّعَيُّنُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ.
وَحَكَى الْإِمَامُ هَذَا الْخِلَافَ فِي صُوَرٍ رُتِّبَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَلْنُورِدْهَا بِزَوَائِدَ؛ فَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: عَلَيَّ التَّضْحِيَةُ بِهَذِهِ الْبَدَنَةِ أَوِ الشَّاةِ، لَزِمَهُ التَّضْحِيَةُ قَطْعًا، وَتَتَعَيَّنُ تِلْكَ الشَّاةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ، لَزِمَهُ الْعِتْقُ، وَفِي تَعْيِينِ هَذَا الْعَبْدِ، وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ، وَالْعَبْدُ أَوْلَى بِالتَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ ذُو حَقٍّ فِي الْعِتْقِ، بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ.
فَلَوْ نَذَرَ إِعْتَاقَ عَبْدٍ، ثُمَّ عَيَّنَ عَبْدًا عَمَّا الْتَزَمَ، فَالْخِلَافُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِثْلِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذَا

الْعَبْدَ عَتِيقًا، لَمْ يَخْفَ حُكْمُهُ، وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذَا الْمَالَ، أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ صَدَقَةً، تَعَيَّنَتْ عَلَى الْأَصَحِّ كَشَاةِ الْأُضْحِيَّةِ، وَعَلَى الثَّانِي، لَا؛ إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ لِتَسَاوِيهَا، بِخِلَافِ الشَّاةِ.
وَلَوْ قَالَ: عَيَّنْتُ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَمَّا فِي ذِمَّتِي مِنْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ، لَغَا التَّعْيِينَ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابٍ، كَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي الدَّرَاهِمِ ضَعِيفٌ، وَتَعْيِينُ مَا فِي الذِّمَّةِ ضَعِيفٌ، فَيَجْتَمِعُ سَبَبَا ضَعْفٍ.
قَالَ: وَ [قَدْ] يُقَاسُ بِتَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، وَقَالَ: لَا تَخْلُو الصُّورَةُ عَنِ احْتِمَالٍ.
فَرْعٌ سَبَقَ بَيَانُ وَقْتِ ضَحِيَّةِ التَّطَوُّعِ، فَلَوْ أَرَادَ التَّطَوُّعَ بِالذَّبْحِ وَتَفْرِيقِ اللَّحْمِ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أُضْحِيَّةٌ وَلَا ثَوَابُهَا، لَكِنْ يَحْصُلُ ثَوَابُ صَدَقَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةً، فَوَقْتُهَا وَقْتُ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِشَاةٍ، فَهَلْ تَتَوَّقَتُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهَا فِي الذِّمَّةِ كَدِمَاءِ الْجَبْرَانِ.
وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ضَحِيَّةً فِي الذِّمَّةِ، وَالضَّحِيَّةُ مُؤَقَّتَةٌ، وَهَذَا مُوَافِقٌ، نَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الَّتِي أَوْجَبَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَذْبَحْهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ، فَإِنْهُ يَذْبَحُهَا قَضَاءً.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَتَوَقَّتُ، فَالْتَزَمَ بِالنَّذْرِ ضَحِيَّةً، ثُمَّ عَيَّنَ وَاحِدَةً عَنْ نَذْرِهِ، وَقُلْنَا: إِنَّهَا تَتَعَيَّنُ، فَهَلْ تَتَوَقَّتُ التَّضْحِيَةُ بِهَا؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا.

فَصْلٌ

مَنْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَشَرُ ذِي الْحِجَّةِ، كُرِهَ أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَهُ أَوْ يُقَلِّمَ ظُفْرَهُ حَتَّى يُضَحِّيَ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَحْرُمُ، حَكَاهُ صَاحِبُ «الرَّقْمِ» ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ يَبْقَى كَامِلَ الْأَجْزَاءِ لِتُعْتَقَ مِنَ النَّارِ، وَقِيلَ: لِلتَّشْبِيهِ بِالْمُحْرِمِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنْهُ لَا يَتْرُكُ الطِّيبَ وَلِبْسَ الْمَخِيطِ وَغَيْرَهُمَا.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّ الْحَلْقَ وَالْقَلْمَ، لَا يُكْرَهَانِ إِلَّا إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَاشْتَرَى ضَحِيَّةً، أَوْ عَيَّنَ شَاةً مِنْ مَوَاشِيهِ لِلتَّضْحِيَةِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْقَلْمُ.
قُلْتُ: قَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ: حُكْمُ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ كَالشَّعْرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا أَحْكَامُ الْأُضْحِيَّةِ، فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ.
الْأَوَّلُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَلَفِهَا وَإِتْلَافِهَا، وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: الْأُضْحِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَالْهَدْيُ الْمُعَيَّنُ، يَزُولُ مِلْكُ الْمُتَقَرِّبِ عَنْهُمَا بِالنَّذْرِ، فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِمَا بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ، وَلَا إِبْدَالَ بِمِثْلِهِمَا، وَلَا بِخَيْرٍ مِنْهُمَا.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ حَتَّى يَذْبَحَ وَيَتَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ، كَمَا [لَوْ] قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ، لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ إِلَّا بِإِعْتَاقٍ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَالْفَرْقُ: مَا سَبَقَ.
وَلَوْ نَذَرَ إِعْتَاقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَإِبْدَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَزُلِ الْمِلْكُ عَنْهُ.
وَلَوْ خَالَفَ فَبَاعَ الْأُضْحِيَّةَ أَوِ الْهَدْيَ الْمُعَيَّنَ، اسْتَرَدَّ إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ بَاقِيَةٌ، وَيَرُدُّ

الثَّمَنَ.
فَإِنْ أَتْلَفَهَا الْمُشْتَرِي، أَوْ تَلَفَتَ عِنْدَهُ، لَزِمَهُ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ، وَيَشْتَرِي النَّاذِرُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ مِثْلَ التَّالِفَةِ، جِنْسًا وَنَوْعًا وَسِنًّا.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِالْقِيمَةِ الْمِثْلَ لِغَلَاءٍ حَدَثَ، ضَمَّ إِلَيْهَا مِنْ مَالِهِ تَمَامَ الثَّمَنِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: يَضْمَنُ مَا بَاعَ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، لِرُخْصٍ حَدَثَ، فَعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَظِيرِهِ.
ثُمَّ إِنِ اشْتَرَى الْمِثْلَ بِعَيْنِ الْقِيمَةِ، صَارَ الْمُشْتَرَى ضَحِيَّةً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ.
وَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ، وَنَوَى عِنْدَ الشِّرَاءِ أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلْيَجْعَلْهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ ضَحِيَّةً.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، لَا يَصِحُّ إِجَارَتُهَا، وَيَجُوزُ إِعَارَتُهَا، لِأَنَّهَا إِرْفَاقٌ، فَلَوْ أَجَّرَهَا فَرَكِبَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَتَلَفَتْ، لَزِمَ الْمُؤَجِّرَ قِيمَتُهَا، وَالْمُسْتَأْجِرَ الْأُجْرَةُ.
وَفِي الْأُجْرَةِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: الْأَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى.
ثُمَّ هَلْ يَكُونُ مَصْرِفُهَا مَصْرِفَ الضَّحَايَا، أَمِ الْفُقَرَاءَ فَقَطْ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الْبَدَنَةَ، أَوْ [هَذِهِ] الشَّاةَ، ضَحِيَّةً، أَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ بِبَدَنَةٍ أَوْ شَاةٍ عَيَّنَهَا، فَمَاتَتْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، أَوْ سُرِقَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَبْحِهَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَكَذَا الْهَدْيُ الْمُعَيَّنُ، إِذَا تَلِفَ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَنْسَكِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَبْحِهِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ دَمٌ عَنْ تَمَتُّعٍ، أَوْ قِرَانٍ.
أَوْ أُضْحِيَّةٌ، أَوْ هَدْيٌ عَنْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ، ثُمَّ عَيَّنَ بَدَنَةً أَوْ شَاةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَقَدْ سَبَقَ خِلَافٌ فِي تَعْيِينِهِ، وَالْأَصَحُّ التَّعْيِينُ.
وَحِينَئِذٍ الْمَذْهَبُ: زَوَالُ الْمِلْكِ عَنْهَا كَالْمُعَيَّنَةِ ابْتِدَاءً،

لَكِنْ لَوْ تَلَفَتْ، فَفِي وُجُوبِ الْإِبْدَالِ طَرِيقَانِ.
قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمُعَيَّنُ وَإِنْ زَالَ الْمِلْكُ عَنْهُ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ، فَاشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً بِذَلِكَ الدَّيْنِ، فَتَلِفَتِ السِّلْعَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي يَدِ بَائِعِهَا، فَإِنْهُ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَيَعُودُ الدَّيْنُ كَمَا كَانَ، فَكَذَا هُنَا يَبْطُلُ التَّعْيِينُ، وَيَعُودُ مَا فِي ذِمَّتِهِ كَمَا كَانَ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: فِيهِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الْإِمَامُ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ الْإِبْدَالُ، لِأَنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ، فَهِيَ كَمَا لَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ أُضْحِيَّةً.
الْخَامِسَةُ: إِذَا أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ، لَزِمَهُ الْقِيمَةُ، يَأْخُذُهَا الْمُضَحِّي، وَيَشْتَرِي بِهَا مِثْلَ الْأُولَى، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِهَا مِثْلَهَا، اشْتَرَى دُونَهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ إِعْتَاقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَقُتِلَ، فَإِنْهُ يَأْخُذُ الْقِيمَةَ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عَبْدًا يُعْتِقُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ هُنَا لَمْ يُزَلْ عَنْهُ وَمُسْتَحِقُّ الْعِتْقِ هُوَ الْعَبْدُ، وَقَدْ هَلَكَ، وَمُسْتَحِقُّو الْأُضْحِيَةِ بَاقُونَ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِالْقِيمَةِ مَا يَصْلُحُ لِلْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ، فَفِي «الْحَاوِي» : أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُضَحِّي أَنْ يَضُمَّ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى الْقِيمَةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ أُضْحِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا.
وَمَنْ قَالَ بِهَذَا، يُمْكِنُ أَنْ يَطْرُدَهُ فِي اللَّفِّ.
وَهَذَا الَّذِي فِي «الْحَاوِي» شَاذٌّ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا شِقْصَ هَدْيٍ، أَوْ أُضْحِيَّةٍ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ وَالذَّبْحُ مَعَ الشَّرِيكِ، وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ، كَأَصْلِ الْأُضْحِيَّةِ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ دَرَاهِمَ.
فَعَلَى هَذَا أَطْلَقَ مُطْلِقُونَ: أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ: يَصْرِفُهَا مَصْرِفَ الضَّحَايَا، حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْهُ خَاتَمًا يَقْتَنِيهِ وَلَا يَبِيعُهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا أَوْجَهُ.
وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ مُحَقَّقٌ، بَلِ الْمُرَادُ: أَنْ لَا يَجِبَ شِقْصٌ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ، وَقَدْ يَتَسَاهَلُ فِي ذِكْرِ الْمَصْرِفِ فِي مِثْلِ هَذَا.

قُلْتُ: هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنِ الْإِمَامِ، مِنْ جَوَازِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ، تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَشْتَرِي بِهَا لَحْمًا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ [أَنْ يَشْتَرِيَ] بِهَا شِقْصًا، لِقِلَّتِهَا، فَفِيهِ الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ.
وَرَتَّبَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» هَذِهِ الصُّوَرَ تَرْتِيبًا حَسَنًا، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْمُتْلَفُ ثَنِيَّةَ ضَأْنٍ مَثَلًا، وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْقِيمَةِ مِثْلَهَا، وَأَمْكَنَ شِرَاءُ جَذَعَةِ ضَأْنٍ وَثَنِيِّةِ مَعْزٍ، تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ رِعَايَةً لِلنَّوْعِ، وَإِنْ أَمْكَنَ ثَنِيَّةُ مَعْزِ وَدُونَ جَذَعَةِ ضَأْنٍ، تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الثَّانِي لَا يَصْلُحُ لِلضَّحِيَّةِ، وَإِنْ أَمْكَنَ دُونَ الْجَذَعَةِ، وَشِرَاءِ سَهْمٍ فِي ضَحِيَّةٍ، تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ التَّضْحِيَةَ لَا تَحْصُلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَفِي الْأَوَّلِ إِرَاقَةُ دَمٍ كَامِلٍ.
وَإِنْ أَمْكَنَ شِرَاءُ لَحْمٍ، وَشِرَاءُ سَهْمٍ، تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَرِكَةً فِي إِرَاقَةِ دَمٍ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا شِرَاءُ اللَّحْمِ وَتَفْرِقَةُ الدَّرَاهِمِ، تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْأُضْحِيَّةِ.
السَّادِسَةُ: إِذَا أَتْلَفَهَا الْمُضَحِّي فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْإِتْلَافِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا وَتَحْصِيلُ مِثْلِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَ الْأُضْحِيَّةَ الْمُعَيَّنَةَ وَتَلَفَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْإِتْلَافِ أَكْثَرَ، وَأَمْكَنَ شِرَاءُ مِثْلِ الْأُولَى بِبَعْضِهَا، اشْتَرَى بِهَا كَرِيمَةً أَوْ شَاتَيْنِ فَصَاعِدًا.
فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ كَرِيمَةٌ، وَفَضَلَ مَا لَا يَفِي بِأُخْرَى، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ وَلَمْ تَفِ الْقِيمَةُ بِشَاةٍ.
وَهُنَا وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ لَهُ صَرْفَ مَا فَضَلَ عَنْ شَاةٍ إِلَى غَيْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ حُصُولِ الْمِثْلِ كَابْتِدَاءِ تَضْحِيَةٍ.
وَوَجْهٌ: أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا فَضَلَ.
السَّابِعَةُ: إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِ الْهَدْيِ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْمَنْسَكَ، أَوْ مِنْ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَمْ يَذْبَحْ حَتَّى هَلَكَ، فَهُوَ كَالْإِتْلَافِ لِتَقْصِيرِهِ بِتَأْخِيرِهِ.
الثَّامِنَةُ: اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَاضِلِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ شَاةً

أُخْرَى، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَفِي مَعْنَاهُ: الْبَدَلُ الَّذِي يَذْبَحُهُ.
وَفِي وَجْهٍ لِأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ: لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِنْهُ، لِتَعَدِّيهِ بِالْإِتْلَافِ.
التَّاسِعَةُ: إِذَا جَعَلَ شَاتَهُ أُضْحِيَّةً، أَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ بِمُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ ذَبَحَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِلَحْمِهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَيَلْزَمُهُ ذَبْحُ مِثْلِهَا يَوْمَ النَّحْرِ بَدَلًا عَنْهَا.
وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ الْهَدْيَ الْمُعَيَّنَ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَنْسَكِ، تَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، وَعَلَيْهِ الْبَدَلُ.
وَلَوْ بَاعَ الْهَدْيَ أَوِ الْأُضْحِيَّةَ الْمُعَيَّنَيْنِ، فَذَبَحَهَا الْمُشْتَرِي، وَاللَّحْمُ بَاقٍ، أَخْذَهُ الْبَائِعُ وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ، وَيَضُمُّ الْبَائِعُ إِلَيْهِ مَا يَشْتَرِي بِهِ الْبَدَلَ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَغْرَمُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ ذَبَحَ أَجْنَبِيٌّ الْأُضْحِيَّةَ الْمُعَيَّنَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَزِمَهُ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ بِسَبَبِ الذَّبْحِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ خِلَافٌ فِي أَنَّ اللَّحْمَ يُصْرَفُ إِلَى مَصَارِفِ الضَّحَايَا، أَمْ يَنْفَكُّ عَنْ حُكْمِ الْأُضْحِيَّةِ وَيَعُودُ مِلْكُهُ، كَمَا سَنَذْكُرُ مِثْلَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فِيمَا لَوْ ذَبَحَ الْأَجْنَبِيُّ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقُلْنَا: لَا يَقَعُ ضَحِيَّةً؟ ثُمَّ مَا حَصَلَ مِنَ الْأَرْشِ مِنَ اللَّحْمِ، إِنْ عَادَ مِلْكًا لَهُ، اشْتَرَى بِهِ أُضْحِيَّةً يَذْبَحُهَا يَوْمَ النَّحْرِ.
وَلَوْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً، ثُمَّ عَيَّنَ شَاةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَذَبَحَهَا أَجْنَبِيٌّ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، أَخَذَ اللَّحْمَ وَنُقْصَانَ الذَّبْحِ، وَمَلَكَ الْجَمِيعَ، وَبَقِيَ الْأَصْلُ فِي ذِمَّتِهِ.
الْعَاشِرَةُ: لَوْ ذَبَحَ أَجْنَبِيٌّ أُضْحِيَّةً مُعَيَّنَةً ابْتِدَاءً فِي وَقْتِ التَّضْحِيَةِ، أَوْ هَدْيًا مُعَيَّنًا بَعْدَ بُلُوغِهِ الْمَنْسَكَ، فَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يَقَعُ الْمَوْقِعَ، فَيَأْخُذُ صَاحِبُ الْأُضْحِيَّةِ لَحْمَهَا وَيُفَرِّقُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ إِلَى هَذِهِ الْجِهَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِعْلُهُ كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ، وَلِأَنَّ ذَبْحَهَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ.
فَإِذَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ، أَجْزَأَ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ عَنِ الْقَدِيمِ: أَنَّ لِصَاحِبِ الْأُضْحِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنِ الذَّابِحِ، وَيُغَرِّمَهُ الْقِيمَةَ بِكَمَالِهَا بِنَاءً عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ، فَهَلْ عَلَى الذَّابِحِ أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَقِيلَ: وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ مَقْصُودًا، بَلْ خَفَّفَ مُؤْنَةَ الذَّبْحِ.
وَأَصَحُّهُمَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَهُوَ

الطَّرِيقُ الثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ إِرَاقَةَ الدَّمِ مَقْصُودَةٌ وَقَدْ فَوَّتَهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ شَدَّ قَوَائِمَ شَاتِهِ لِيَذْبَحَهَا، فَجَاءَ آخَرُ فَذَبَحَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عِنْدِي أَنَّهُ إِذَا ذَبَحَهَا وَفِي الْوَقْتِ سِعَةٌ، لَزِمَهُ الْأَرْشُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا يَسَعُ ذَبْحَهَا فَذَبَحَهَا، فَلَا أَرْشَ، لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ.
وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْأَرْشَ، فَهَلْ هُوَ لِلْمُضَحِّي لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَيْنِ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا حَقَّ لِلْمَسَاكِينِ فِي غَيْرِهَا؟ أَمْ لِلْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُ بَدَلُ نَقْصِهَا وَلَيْسَ لِلْمُضَحِّي إِلَّا الْأَكْلَ؟ أَمْ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ الضَّحَايَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ.
فَعَلَى هَذَا، يَشْتَرِي بِهِ شَاةً.
فَإِنْ لَمْ تَتَيَسَّرْ، عَادَ الْخِلَافُ السَّابِقُ أَنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ جُزْءَ ضَحِيَّةٍ أَوْ لَحْمٍ، أَوْ يُفَرِّقُ نَفْسَهُ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا ذَبَحَ الْأَجْنَبِيُّ وَاللَّحْمُ بَاقٍ، فَإِنْ أَكَلَهُ أَوْ فَرَّقَهُ [فِي] مَصَارِفِ الضَّحِيَّةِ، وَتَعَذَّرَ اسْتِرْدَادُهُ، فَهُوَ كَالْإِتْلَافِ بِغَيْرِ ذَبْحٍ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمَصْرُوفِ إِلَيْهِ، إِلَى الْمُضَحِّي، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَالْمَالِكُ يَشْتَرِي بِمَا يَأْخُذُهُ أُضْحِيَّةً.
وَفِي وَجْهٍ: تَقَعُ التَّفْرِقَةُ عَنِ الْمَالِكِ، كَالذَّبْحِ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَفِي الضَّمَانِ الْوَاجِبِ قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ، وَاخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا عِنْدَ الذَّبْحِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا بِلَا ذَبْحٍ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ اللَّحْمِ [لِأَنَّهُ فَرَّقَ اللَّحْمَ مُتَعَدِّيًا.
وَقِيلَ: يَغْرَمُ أَرْشَ الذَّبْحِ وَقِيمَةَ اللَّحْمِ] وَقَدْ يَزِيدُ الْأَرْشُ مَعَ قِيمَةِ اللَّحْمِ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ، وَقَدْ يَنْقُصُ، وَقَدْ يَتَسَاوَيَانِ.
وَلَا اخْتِصَاصَ لِهَذَا الْخِلَافِ بِصُورَةِ الضَّحِيَّةِ، بَلْ يَطَّرِدُ فِي كُلِّ مَنْ ذَبَحَ شَاةَ إِنْسَانٍ ثُمَّ أَتْلَفَ لَحْمَهَا.
هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي ذَبَحَهَا الْأَجْنَبِيُّ تَقَعُ ضَحِيَّةً.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَقَعُ، فَلَيْسَ عَلَى الذَّابِحِ إِلَّا أَرْشُ النَّقْصِ.
وَفِي حُكْمِ اللَّحْمِ، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِجِهَةِ الْأُضْحِيَّةِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ مَلِكًا لَهُ.
وَلَوِ الْتَزَمَ ضَحِيَّةً أَوْ هَدْيًا بِالنَّذْرِ، ثُمَّ عَيَّنَ شَاةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَذَبَحَهَا أَجْنَبِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ، أَوْ فِي الْحَرَمِ، فَالْقَوْلُ فِي وُقُوعِهَا عَنْ صَاحِبِهَا وَفِي أَخْذِهِ اللَّحْمَ وَتَصَدُّقِهِ بِهِ، وَفِي غَرَامَةِ الذَّابِحِ أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا إِذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً فِي الِابْتِدَاءِ.
فَإِنْ كَانَ اللَّحْمُ تَالِفًا، قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ: يَأْخُذُ الْقِيمَةَ

وَيَمْلِكُهَا، وَيَبْقَى الْأَصْلُ فِي ذِمَّتِهِ.
وَفِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَنَا فِي صُورَةِ الْإِتْلَافِ: يَأْخُذُ الْقِيمَةَ وَيَشْتَرِي بِهَا مِثْلَ الْأَوَّلِ، يُرِيدُ بِهِ: أَنْ يَشْتَرِيَ بِقَدْرِهَا، فَإِنَّ نَفْسَ الْمَأْخُوذِ مِلْكُهُ، فَلَهُ إِمْسَاكُهُ.

النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ: فِي عَيْبِهَا.
وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: لَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةً، أَوْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِشَاةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَحَدَثَ بِهَا قَبْلَ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ عَيْبٌ يُمْنَعُ ابْتِدَاءُ التَّضْحِيَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِسَبَبِهِ كَتَلَفِهَا.
وَلَا تَنْفَكُّ هِيَ عَنْ حُكْمِ الْأُضْحِيَّةِ، بَلْ تُجْزِئُهُ عَنِ التَّضْحِيَةِ، وَيَذْبَحُهَا فِي وَقْتِهَا.
وَفِي وَجْهٍ: لَا تُجْزِئُهُ، بَلْ عَلَيْهِ التَّضْحِيَةُ بِسَلِيمَةٍ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ خَالَفَ فَذَبَحَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا التَّصَدُّقُ بِقِيمَتِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا ضَحِيَّةً أُخْرَى، لِأَنَّهَا بَدَلُ حَيَوَانٍ لَا يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِهِ ابْتِدَاءً.
وَلَوْ تَعَيَّبَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الذَّبْحِ، ذَبَحَهَا وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَإِنْ تَعَيَّبَتْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، ذَبَحَهَا وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَعَلَيْهِ ذَبْحُ بَدَلِهَا، وَتَقْصِيرُهُ بِالتَّأْخِيرِ كَالتَّعْيِيبِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ لَزِمَ ذِمَّتَهُ ضَحِيَّةٌ بِنَذْرٍ، أَوْ هَدْيٍ عَنْ قِرَانٍ، أَوْ تَمَتُّعٍ، أَوْ نَذْرٍ، فَعَيَّنَ شَاةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَحَدَثَ بِهَا عَيْبٌ قَبْلَ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ، أَوْ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَنْسَكِ، جَرَى الْخِلَافُ السَّابِقُ، فِي أَنَّهَا هَلْ تَتَعَيَّنُ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَلَا أَثَرَ لِتَعْيِينِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: تَتَعَيَّنُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَهَلْ عَلَيْهِ ذَبْحُ سَلِيمَةٍ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّتِهِ سَلِيمٌ، فَلَا يَتَأَدَّى بِمَعِيبٍ.
وَهَلْ تَنْفَكُّ تِلْكَ الْمُعَيَّنَةُ عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ ذَبْحُهَا وَالتَّصَدُّقُ بِلَحْمِهَا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالتَّعْيِينِ.
وَأَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: لَا تَلْزَمُهُ، بَلْ لَهُ تَمَلُّكُهَا وَبَيْعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمِ التَّصَدُّقَ بِهَا ابْتِدَاءً، إِنَّمَا عَيَّنَهَا لِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَتَأَدَّى بِهَا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ.
وَيَقْرُبُ الْوَجْهَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ فِيمَنْ عَيَّنَ أَفْضَلَ مِمَّا عَلَيْهِ ثُمَّ تَعَيَّبَ، هَلْ يَلْزَمُهُ رِعَايَةُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ فِي الْبَدَلِ؟ فَفِي وَجْهٌ: يَلْزَمُ، لِالْتِزَامِهِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ بِالتَّعْيِينِ.
وَالْأَصَحُّ: لَا يَلْزَمُ، كَمَا لَوِ الْتَزَمَ مَعِيبَةً ابْتِدَاءً، فَهَلَكَتْ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ.

الثَّالِثَةُ: إِذَا تَعَيَّبَ الْهَدْيُ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَنْسَكِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ ذَبْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ مَوْضِعَ الذَّبْحِ، صَارَ كَالْحَاصِلِ فِي يَدِ الْمَسَاكِينِ، وَيَكُونُ كَمَنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى الْإِمَامِ، فَتَلَفَتْ فِي يَدِهِ، فَإِنْهُ يَقَعُ زَكَاةً.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ مَا لَمْ يُذْبَحْ.
وَقَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : إِنْ تَعَيَّبَ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَنْسَكِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الذَّبْحِ، فَالْأَصْلُ فِي ذِمَّتِهِ وَهَلْ يَتَمَلَّكُ الْمُعَيَّنَ، أَمْ يَلْزَمُهُ ذَبْحُهُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ.
وَإِنْ تَعَيَّبَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي: يَكْفِيهِ ذَبْحُ الْمَعِيبِ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ.
وَيَقْرُبُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِيمَنْ شَدَّ قَوَائِمَ الشَّاةِ لِلتَّضْحِيَةِ، فَاضْطَرَبَتْ وَانْكَسَرَتْ رِجْلُهَا.
وَرَأَى الْإِمَامُ تَخْصِيصَهُمَا بِمَنْ عَيَّنَ عَنْ نَذْرٍ فِي الذِّمَّةِ، وَالْقَطْعُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ إِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : لَوْ مَاتَ، أَوْ سُرِقَ بَعْدَ وُصُولِهِ الْحَرَمَ، أَجْزَأَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ قَالَ لِمَعِيبَةٍ بِعَوَرٍ وَنَحْوِهِ: جَعَلْتُ هَذِهِ ضَحِيَّةً، أَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا ابْتِدَاءً، وَجَبَ ذَبْحُهَا، لِالْتِزَامِهِ، كَمَنْ أَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ مَعِيبًا، يُعْتَقُ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَيَكُونُ ذَبْحُهَا قُرْبَةً، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهَا صَدَقَةً وَلَا تُجْزِئُ عَنِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهَا.
وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَبْحُهَا بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَتَجْرِي مَجْرَى الضَّحَايَا فِي الْمَصْرِفِ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أُضْحِيَّةً، بَلْ شَاةَ لَحْمٍ.
وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا بَاسِمِ الْأُضْحِيَّةِ، وَلَا مَحْمَلَ لِكَلَامِهِ إِلَّا هَذَا.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ ذَبَحَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، تَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَلَا يَشْتَرِي أُخْرَى لِأَنَّ الْمَعِيبَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَلَوْ أَشَارَ إِلَى ظَبْيَةٍ وَقَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ ضَحِيَّةً، فَهُوَ لَاغٍ.
وَلَوْ أَشَارَ إِلَى فَصِيلٍ أَوْ سَخْلَةٍ وَقَالَ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ، فَهَلْ هُوَ كَالظَّبْيَةِ، أَمْ كَالْمَعِيبِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَإِذَا أَوْجَبَهُ مَعِيبًا ثُمَّ زَالَ الْعَيْبُ،

فَهَلْ يُجْزِئُ ذَبْحُهُ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ وَهُوَ نَاقِصٌ، فَلَا يُؤْثِرُ الْكَمَالَ بَعْدَهُ، كَمَنْ أَعْتَقَ أَعْمَى عَنْ كَفَّارَتِهِ، ثُمَّ عَادَ بَصَرُهُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ، لِكَمَالِهِ وَقْتَ الذَّبْحِ، وَحَكَى هَذَا قَوْلًا قَدِيمًا.
الْخَامِسَةُ: لَوْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ أُضْحِيَّةٌ، أَوْ هَدْيٌ، بِنَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَيَّنَ مُعَيَّنَةً عَمَّا عَلَيْهِ، لَمْ تَتَعَيَّنْ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِذَبْحِهَا.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِالتَّعْيِينِ ذَبْحُ الْمُعَيَّنَةِ؟ نُظِرَ، إِنْ قَالَ: عَيَّنْتُ هَذِهِ عَمَّا فِي ذِمَّتِي، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ عَمَّا فِي ذِمَّتِي، أَوْ أُهْدِيَ هَذِهِ، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ ذَبَحُهَا عَنِ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِي، لَزِمَهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَالْتِزَامِهِ ابْتِدَاءً ذَبْحَ مَعِيبَةٍ، وَيَكُونُ كَإِعْتَاقِهِ الْأَعْمَى عَنِ الْكَفَّارَةِ، يُنَفَّذُ وَلَا يُجْزِئُ.
فَعَلَى هَذَا، هَلْ يَخْتَصُّ ذَبْحُهَا بِوَقْتِ التَّضْحِيَةِ إِنْ كَانَتْ ضَحِيَّةً؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ.
وَلَوْ زَالَ عَيْبُ الْمُعَيَّنَةِ الْمَعِيبَةِ قَبْلَ ذَبْحِهَا، فَهَلْ تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ.
السَّادِسَةُ: هَذَا الَّذِي سَبَقَ، كُلُّهُ فِيمَا إِذَا تَعَيَّبَتْ لَا بِفِعْلِهِ.
فَلَوْ تَعَيَّبَتِ الْمُعَيَّنَةُ ابْتِدَاءً، أَوْ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ بِفِعْلِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ صَحِيحَةٍ.
وَفِي انْفِكَاكِ الْمَعِيبَةِ عَنْ حُكْمِ الِالْتِزَامِ، الْخِلَافُ السَّابِقُ.
السَّابِعَةُ: لَوْ ذَبَحَ الْأُضْحِيَّةَ الْمَنْذُورَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، أَوِ الْهَدْيَ الْمَنْذُورَ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَنْسَكِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ لَحْمَهُ حَتَّى فَسَدَ، لَزِمَهُ قِيمَةُ اللَّحْمِ، وَيَتَصَدَّقُ بِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ حَصَلَتْ إِرَاقَةُ الدَّمِ.
وَكَذَا لَوْ غَصَبَ اللَّحْمَ غَاصِبٌ وَتَلِفَ عِنْدَهُ، أَوْ أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ، يَأْخُذُ الْقِيمَةَ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا.
الثَّامِنَةُ: لَوْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِمَعِيبَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِشَاةٍ عَرْجَاءَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا فِيمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ: يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ صَحِيحَةٌ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي لُزُومِ ذَبْحِهَا، وَالتَّصَدُّقِ بِلَحْمِهَا، وَفِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الضَّحَايَا وَفِي أَنَّ

مَصْرِفَهَا، هَلْ هُوَ مَصْرِفُ الضَّحَايَا، عَلَى مَا سَبَقَ فِيمَنْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الْمَعِيبَةَ ضَحِيَّةً.
وَلَوِ الْتَزَمَ التَّضْحِيَةَ بِظَبْيَةٍ، أَوْ فَصِيلٍ، فَفِيهِ التَّرْتِيبُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْمُعَيَّنَةِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ الْخِلَافُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِظَبْيَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ خِلَافٌ فِي قَوْلِهِ: جَعَلْتُ هَذِهِ الظَّبْيَةَ ضَحِيَّةً.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي ضَلَالِهَا، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: إِذَا ضَلَّ هَدْيَهُ، أَوْ ضَحِيَّتَهُ الْمُتَطَوِّعُ بِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
قُلْتُ: لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَبْحُهَا إِذَا وَجَدَهَا، وَالتَّصَدُّقُ بِهَا.
مِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ.
فَإِنْ ذَبَحَهَا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كَانَتْ شَاةُ لَحْمٍ يَتَصَدَّقُ بِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: الْهَدْيُ الْمُلْتَزَمُ مُعَيَّنًا، يَتَعَيَّنُ ابْتِدَاءً، إِذَا ضَلَّ بِغَيْرِ تَقْصِيرِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ، فَإِنْ وَجَدَهُ، ذَبَحَهُ.
وَالْأُضْحِيَّةُ، إِنْ وَجَدَهَا فِي وَقْتِ التَّضْحِيَةِ، ذَبَحَهَا، وَإِنْ وَجَدَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، فَلَهُ ذَبْحُهَا قَضَاءً، وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إِلَى قَابِلٍ.
وَإِذَا ذَبَحَهَا، صَرَفَ لَحْمَهَا مَصَارِفَ الضَّحَايَا.
وَفِي وَجْهٍ لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَصْرِفُهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ فَقَطْ، وَلَا يَأْكُلُ، وَلَا يَدَّخِرُ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
الثَّالِثَةُ: مَهْمَا كَانَ الضَّلَالُ بِغَيْرِ تَقْصِيرِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ فِيهِ مُؤْنَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ، لَزِمَهُ.
وَإِنْ كَانَ بِتَقْصِيرِهِ، لَزِمَهُ الطَّلَبُ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ.
فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ بَدَلِهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَتَأْخِيرُ الذَّبْحِ إِلَى مُضِيِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِلَا عُذْرٍ، تَقْصِيرٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَإِنْ مَضَى بَعْضُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ ضَلَّتْ، فَهَلْ هُوَ تَقْصِيرٌ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الَأَرْجَحُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِتَقْصِيرٍ، كَمَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمُوَسَّعِ، لَا يَأْثَمُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا عَيَّنَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فُضِّلَتِ الْمُعَيَّنَةُ، قَالَ الْإِمَامُ:

هُوَ كَمَا لَوْ تَلَفَتْ هَذِهِ الْمُعَيَّنَةُ.
وَفِي وُجُوبِ الْبَدَلِ، وَجْهَانِ.
وَذَكَرْنَا هُنَاكَ حَالَ هَذَا الْخِلَافِ، وَمَا فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْبَدَلِ مِنَ التَّوَسُّعِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَلْزَمُ إِخْرَاجُ الْبَدَلِ الْمُلْتَزَمِ.
فَإِنْ ذَبَحَ وَاحِدَةً عَمَّا عَلَيْهِ، ثُمَّ وَجَدَ الضَّالَّةَ، فَهَلْ يَلْزَمُ ذَبْحُهَا؟ وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا فِي «التَّهْذِيبِ» : لَا يَلْزَمُهُ، بَلْ يَتَمَلَّكُهَا كَمَا سَبَقَ فِيمَا لَوْ تَعَيَّبَتْ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ، وَقُطِعَ بِهِ فِي «الشَّامِلِ» ، لِإِزَالَةِ مِلْكِهِ بِالتَّعْيِينِ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ صِفَةِ الْإِجْزَاءِ، بِخِلَافِ الْمَعِيبَةِ.
فَلَوْ عَيَّنَ عَنِ الضَّالَّةِ وَاحِدَةً، ثُمَّ وَجَدَهَا قَبْلَ ذَبْحِ الْبَدَلِ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: يَلْزَمُهُ ذَبْحُهُمَا مَعًا.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ ذَبْحُ الْبَدَلِ فَقَطْ.
وَالثَّالِثُ: ذَبْحُ الْأَوَّلِ فَقَطْ.
وَالرَّابِعُ: يَتَخَيَّرُ فِيهِمَا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الثَّالِثُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لَوْ عَيَّنَ شَاةً عَنْ أُضْحِيَّةٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَقُلْنَا: تَتَعَيَّنُ، فَضَحَّى بِأُخْرَى عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، قَالَ الْإِمَامُ: يَخْرُجُ عَلَى أَنَّ الْمُعَيَّنَةَ لَوْ تَلِفَتْ، هَلْ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ عَمَّا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ أُضْحِيَّةً، ثُمَّ ذَبَحَ بَدَلَهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَفِي وُقُوعِ الثَّانِيَةِ عَمَّا عَلَيْهِ تَرَدُّدٌ.
فَإِنْ قُلْنَا: تَقَعُ عَنْهُ، فَهَلْ تَنْفَكُّ الْأُولَى عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
فَرْعٌ لَوْ عَيَّنَ مَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ عَبْدًا عَنْهَا، فَفِي تَعْيِينِهِ خِلَافٌ، وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِالتَّعْيِينِ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ: التَّعْيِينُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ تَعَيَّبَ الْمُعَيَّنُ، لَزِمَهُ إِعْتَاقُ سَلِيمٍ.
وَلَوْ مَاتَ الْمُعَيَّنُ، بَقِيَتْ ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِالْكَفَّارَةِ.
وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَجْزَأَ عَنْ كَفَّارَتِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إِعْتَاقِ الْمُعَيَّنِ، فَالظَّاهِرُ: بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ، أَيْ: مِنَ الْوَجْهَيْنِ.

النَّوْعُ الرَّابِعُ: فِي الْأَكْلِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَفِيهِ فَصْلَانِ.
الْأَوَّلُ: فِي الْأَكْلِ مِنَ الْوَاجِبِ، فَكُلُّ هَدْيٍ وَجَبَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ، كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ.
فَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ، غَرِمَ، وَلَا تَجِبُ إِرَاقَةُ الدَّمِ ثَانِيًا.
وَفِيمَا يَغْرَمُهُ، أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ: يَغْرَمُ قِيمَةَ اللَّحْمِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ اللَّحْمِ.
وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ شِرَاءُ شِقْصٍ مِنْ حَيَوَانٍ مِثْلِهِ، وَيُشَارِكُ فِي ذَبْحِهِ؛ لِأَنَّ مَا أَكَلَهُ بَطَلَ حُكْمُ إِرَاقَةِ الدَّمِ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ وَأَكَلَ الْجَمِيعَ، فَإِنْهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ.
وَأَمَّا الْمُلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ مِنَ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا، فَإِنْ عَيَّنَ بِالنَّذْرِ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ دَمٍ حَلَقَ وَتَطَيَّبَ أَوْ غَيْرَهُمَا شَاةً، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا، كَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً بِهَذِهِ النِّيَّةِ بِغَيْرِ نَذْرٍ، وَكَالزَّكَاةِ.
وَإِنْ نَذَرَ نَذْرَ مُجَازَاةٍ، كَتَعْلِيقِهِ الْتِزَامَ الْهَدْيِ، أَوِ الْأُضْحِيَّةِ بِشِفَاءِ الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَجُزِ الْأَكْلُ أَيْضًا، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُلْتَزِمِ مُعَيَّنًا، أَوْ مُرْسَلًا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ يَذْبَحُ عَنْهُ.
فَإِنْ أَطْلَقَ الِالْتِزَامَ، فَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ، وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ، فَإِنْ كَانَ الْمُلْتَزِمُ مُعَيَّنًا، بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ، أَوْ أُهْدِيَ هَذِهِ، فَفِي جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْهَا قَوْلَانِ وَوَجْهٌ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ دُونَ الْهَدْيِ، حَمْلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، مَا إِذَا قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ الْتِزَامٍ.
أَمَّا إِذَا الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ عَيَّنَ شَاةً عَمَّا عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزِ الْأَكْلَ فِي الْمُعَيَّنَةِ ابْتِدَاءً، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَقَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ.

هَكَذَا فَصَّلَ حُكْمَ الْأَكْلِ فِي الْمُلْتَزِمِ كَثِيرُونَ مِنَ الْمُعْتَبِرِينَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ وَجْهَيْنِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْمُلْتَزِمِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُرْسَلِ، وَبِالْمَنْعِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقٍ.
قَالَ الْمُحَامِلِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَالْجَوَازُ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ، وَالْإِمَامِ.
قَالَ فِي «الْعُدَّةِ» : وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَتَوَسَّطَ فَيُرَجَّحُ فِي الْمُعَيَّنِ: الْجَوَازُ، وَفِي الْمُرْسَلِ: الْمَنْعُ، سَوَاءً عَيَّنَهُ عَنْهُ ثُمَّ ذَبَحَ، أَوْ ذَبَحَ بِلَا تَعْيِينٍ؛ لِأَنَّهُ عَنْ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ، فَأَشْبَهَ الْجُبْرَانَاتِ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» ، وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاقِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ.
وَحَيْثُ مَنَعْنَا الْأَكْلَ فِي الْمَنْذُورِ فَأَكَلَ، فَفِيمَا يَغْرَمُهُ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ فِي الْجُبْرَانَاتِ.
وَحَيْثُ جَوَّزْنَا، فَفِي قَدْرِ مَا يَأْكُلُهُ الْقَوْلَانِ فِي أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ.
هَكَذَا قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ ذَاكَ الْخِلَافَ فِي قَدْرِ الْمُسْتَحَبِّ أَكْلُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ، وَأَقَلُّ مَا فِي تَرْكِهِ: الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ.

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْأَكْلِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِمَا.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ مِنْهُمَا شَيْئًا، بَلْ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَلَا أَنْ يُعْطِيَ الْجَزَّارَ شَيْئًا مِنْهُمَا أُجْرَةً لَهُ، بَلْ مُؤْنَةُ الذَّبْحِ عَلَى الْمُضَحِّي وَالْمَهْدِيِّ كَمُؤْنَةِ الْحَصَادِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُمَا شَيْئًا لِفَقْرِهِ، أَوْ يُطْعِمَهُ إِنْ كَانَ غَنِيًّا.
وَلَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمَا، وَإِنْ جَازَ إِطْعَامُهُمْ.
وَيَجُوزُ تَمْلِيكُ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمَا، لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
بَلْ لَوْ أَصْلَحَ الطَّعَامَ وَدَعَا إِلَيْهِ الْفُقَرَاءَ، قَالَ الْإِمَامُ: الَّذِي يَنْقَدِحُ عِنْدِي إِذَا أَوْجَبْنَا التَّصَدُّقَ بِشَيْءٍ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّمْلِيكِ كَمَا فِي الْكَفَّارَاتِ، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ الْفُقَرَاءَ لِيَأْكُلُوهُ مَطْبُوخًا؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي تَمَلُّكِهِ فَإِنْ دُفِعَ مَطْبُوخًا، لَمْ يَجُزْ، بَلْ يُفَرِّقُهُ نَيِّئًا، فَإِنَّ الْمَطْبُوخَ، كَالْخُبْزِ فِي الْفِطْرَةِ.
وَهَلْ يَشْتَرِطُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا، أَمْ يَجُوزُ أَكْلُ الْجَمِيعِ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَكْلُ الْجَمِيعِ، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَابْنُ الْقَاصِّ، وَالِاصْطَخْرِيُّ، وَابْنُ الْوَكِيلِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْقَاصِّ عَنْ نَصِّهِ.
قَالُوا: وَيَحْصُلُ

الثَّوَابُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِقَدْرٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِرْفَاقُ الْمَسَاكِينِ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ أَكَلَ الْجَمِيعَ لَزِمَهُ ضَمَانُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَفِي قَوْلٍ، أَوْ وَجْهٍ: يَضْمَنُ الْقَدْرَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي التَّصَدُّقِ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِيهِ قَوْلَانِ، هَلْ هُوَ النِّصْفُ، أَمِ الثُلُثُ؟ وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ بِأَكْلِهِ الْكُلَّ، عَدَلَ عَنْ حُكْمِ الضَّحِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ أَتْلَفَهَا.
وَيُنْسَبُ هَذَا إِلَى أَبِي إِسْحَاقٍ، وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَعَلَى هَذَا، يَذْبَحُ الْبَدَلَ فِي وَقْتِ التَّضْحِيَةِ.
فَإِنْ أَخَّرَهُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَفِي إِجْزَائِهِ وَجْهَانِ.
وَفِي جَوَازِ الْأَكْلِ مِنَ الْبَدَلِ وَجْهَانِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ عَنِ ابْنِ كَجٍّ، وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ، شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَالْمَعْرُوفُ، مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ.
ثُمَّ مَا يَضْمَنُهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ وَرَقًا.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ إِلَى شِقْصِ أُضْحِيَّةٍ، أَمْ يَكْفِي صَرْفُهُ إِلَى اللَّحْمِ وَتَفْرِقَتِهِ؟ وَجْهَانِ: وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: يَجُوزُ تَأْخِيرُ الذَّبْحِ وَالتَّفْرِيقُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ لَيْسَ بِأُضْحِيَّةٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ وَقْتُهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.
فَرْعٌ الْأَفْضَلُ وَالْأَحْسَنُ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَأُضْحِيَّتِهِ، التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ إِلَّا لُقْمَةً، أَوْ لُقَمًا يُتَبَرَّكُ بِأَكْلِهَا، فَإِنْهَا مَسْنُونَةٌ.
وَحَكَى فِي «الْحَاوِي» عَنْ أَبِي الطِّيبِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ، بَلْ يَجِبُ أَكْلُ شَيْءٍ.
وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ التَّصَدُّقُ عَنْهُ قَوْلَانِ: الْقَدِيمُ: يَأْكُلُ النِّصْفَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعْيِينِ عَنِ الْجَدِيدِ.
فَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْهُ: أَنَّهُ يَأْكُلُ الثُلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُلُثَيْنِ.
وَنَقَلَ آخَرُونَ عَنْهُ: أَنَّهُ يَأْكُلُ الثُلُثَ، وَيَهْدِي إِلَى الْأَغْنِيَاءِ الثُلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُلُثِ.
وَكَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالثُلُثَيْنِ كَانَ أَحَبَّ.
وَيُشْبِهُ أَنْ

لَا يَكُونَ اخْتِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ، لَكِنْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى التَّصَدُّقِ بِالثُّلُثَيْنِ، ذَكَرَ الْأَفْضَلَ، أَوْ تَوَسَّعَ فَعَدَّ الْهَدِيَّةَ صَدَقَةً.
وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْهَدِيَّةَ لَا تُغْنِي عَنِ التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ إِذَا أَوْجَبْنَاهُ، وَأَنَّهَا لَا تُحْسَبُ مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وَيَجُوزُ صَرْفُ الْقَدْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ.
فَرْعٌ يَجُوزُ أَنْ يَدَّخِرَ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ، وَكَانَ ادِّخَارُهَا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَدْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَذِنَ فِيهِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: كَانَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ.
وَذَكَرُوا عَلَى الْأَوَّلِ وَجْهَيْنِ، فِي أَنَّ النَّهْيَ كَانَ عَامًّا، ثُمَّ نُسِخَ، أَمْ كَانَ مَخْصُوصًا بِحَالَةِ الضِّيقِ الْوَاقِعِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، فَلَمَّا زَالَتِ انْتَهَى التَّحْرِيمُ؟ وَوَجْهَيْنِ عَلَى الثَّانِي: فِي أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا وَبِلَادِنَا، هَلْ يُحْكَمُ بِهِ؟ وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْيَوْمَ بِحَالٍ.
وَإِذَا أَرَادَ الِادِّخَارَ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَصِيبِ الْأَكْلِ، لَا مِنْ نَصِيبِ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَجِيزِ: يَتَصَدَّقُ بِالثُلُثِ، وَيَأْكُلُ الثُلُثَ، وَيَدَّخِرُ الثُلُثَ، فَبَعِيدٌ مُنْكَرٌ نَقْلًا وَمَعْنًى، فَإِنْهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي كِتَابٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ، وَالْمَعْرُوفُ الصَّوَابُ: مَا قَدَّمْنَاهُ.
قُلْتُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «الْمَبْسُوطِ» : أُحِبُّ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِالْأَكْلِ وَالِادِّخَارِ الثُلُثَ، أَنْ يَهْدِيَ الثُلُثَ، وَيَتَصَدَّقَ بِالثُلُثِ، هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالصَّوَابِ، وَرَدٌّ لِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

النَّوْعُ الْخَامِسُ: الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَوْ يُخَالِفُهُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:

إِحْدَاهَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ، وَلَا جَعْلُهُ أُجْرَةً لِلْجَزَّارِ وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهِ الْمُضَحِّي، أَوْ يَتَّخِذُ مِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ مِنْ خُفٍّ [أَوْ نَعْلٍ] أَوْ دَلْوٍ، أَوْ فَرْوٍ، أَوْ يُعِيرُهُ لِغَيْرِهِ وَلَا يُؤَجِّرُهُ.
وَحَكَى صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» قَوْلًا غَرِيبًا: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ، وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ مَصْرِفَ الْأُضْحِيَّةِ، وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالِانْتِفَاعِ بِالْجِلْدِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ يُخَالِفُ الِانْتِفَاعَ بِاللَّحْمِ، فَيَجِبُ التَّشْرِيكُ فِيهِ، كَالِانْتِفَاعِ بِاللَّحْمِ.
وَالْمَشْهُورُ: الْأَوَّلُ.
وَلَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ الْبَيْعِ، بَيْنَ بَيْعِهِ بِشَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ.
الثَّانِيَةُ: التَّصَدُّقُ بِالْجِلْدِ لَا يَكْفِي إِذَا أَوْجَبْنَا التَّصَدُّقَ بِشَيْءٍ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ، وَالْقَرْنِ كَالْجِلْدِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَجُزُّ صُوفَهَا إِنْ كَانَ فِي بَقَائِهِ مَصْلَحَةً، لِدَفْعِ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ كَانَ وَقْتُ الذَّبْحِ قَرِيبًا وَلَمْ يَضُرَّ بَقَاؤُهُ، وَإِلَّا فَيَجُزُّهُ، وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
وَالْأَفْضَلُ: التَّصَدُّقُ.
وَفِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّ صُوفَ الْهَدْيِ يَسْتَصْحِبُهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ كَالْوَلَدِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا وَلَدَتِ الْأُضْحِيَّةُ أَوِ الْهَدْيُ الْمُتَطَوَّعُ بِهِمَا، فَهُوَ مِلْكُهُ كَالْأُمِّ.
وَلَوْ وَلَدَتِ الْمُعَيَّنَةُ بِالنَّذْرِ ابْتِدَاءً، تَبِعَهَا الْوَلَدُ، سَوَاءً كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ التَّعْيِينِ، أَمْ حَمَلَتْ بَعْدَهُ.
فَإِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ، بَقِيَ الْوَلَدُ أُضْحِيَّةً، كَوَلَدِ الْمُدَبِّرَةِ لَا يَرْتَفِعُ تَدْبِيرُهُ بِمَوْتِهَا.
وَلَوْ عَيَّنَهَا بِالنَّذْرِ عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّ حُكْمَ وَلَدِهَا كَوَلَدِ الْمُعَيَّنَةِ بِالنَّذْرِ ابْتِدَاءً.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَتْبَعُهَا، بَلْ هُوَ مِلْكٌ لِلْمُضَحِّي أَوِ الْمَهْدِيِّ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْفُقَرَاءِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي هَذِهِ، فَإِنْهَا لَوْ عَابَتْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ.
وَفِي وَجْهٍ: يَتْبَعُهَا مَا دَامَتْ حَيَّةً.
فَإِنْ مَاتَتْ، لَمْ يَبْقَ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ فِي الْوَلَدِ.
وَالصَّحِيحُ: بَقَاؤُهُ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ إِذَا مَاتَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ.
وَإِذَا لَمْ يَطِقْ وَلَدُ الْهَدْيِ الْمَشْيَ، يُحْمَلُ عَلَى أُمِّهِ أَوْ غَيْرِهَا لِيَبْلُغَ الْحَرَمَ.
ثُمَّ إِذَا ذَبَحَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ، فَفِي تَفْرِقَةِ لَحْمِهِمَا أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ ضَحِيَّةٍ، فَيَتَصَدَّقُ مِنْ كُلِّ

وَاحِدٍ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُمَا ضَحِيَّتَانِ.
وَالثَّانِي: يَكْفِي التَّصَدُّقُ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهَا.
وَالثَّالِثُ: لَا بُدَّ مِنَ التَّصَدُّقِ مِنْ لَحْمِ الْأُمِّ، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: الْأَوَّلُ: أَصَحُّ وَيَشْتَرِكُ الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ فِي جَوَازِ أَكْلِ جَمِيعِ الْوَلَدِ.
وَلَوْ ذَبَحَهَا، فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُطْرَدَ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، وَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ بَعْضُهَا.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ، فِي أَنَّ الْحَمْلَ لَهُ حُكْمٌ، وَقِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ، أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَهُوَ بَعْضٌ كَيَدِهَا، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ: طَرْدُ الْخِلَافِ، وَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ بَعْضٌ.
وَالْأَصَحُّ عَلَى الْجُمْلَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُ جَمِيعِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: لَبَنُ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ، لَا يُحْلَبُ إِنْ كَانَ قَدْرَ كِفَايَةِ وَلَدِهَا.
فَإِنْ حَلْبَهُ فَنَقَصَ الْوَلَدُ، ضَمِنَ النَّقْصَ.
وَإِنْ فَضَلَ عَنْ رِيِّ الْوَلَدِ، حُلِبَ.
ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَهُ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَقْلُهُ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ، بِخِلَافِ الْوَلَدِ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ.
وَقَالَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : إِنْ لَمْ نُجَوِّزْ أَكْلَ لَحْمِهَا، لَمْ يَشْرَبْهُ، وَيَنْقِلُ لَبَنَ الْهَدْيِ إِلَى مَكَّةَ إِنْ تَيَسَّرَ أَوْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ، وَإِلَّا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ هُنَاكَ.
وَإِنْ جَوَّزْنَا اللَّحْمَ شَرِبَهُ.
السَّادِسَةُ: يَجُوزُ رُكُوبُهُمَا وَإِرْكَابُهُمَا بِالْعَارِيَةِ، وَالْحَمْلُ عَلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ إِجْحَافٍ.
فَإِنْ نَقَصَا بِذَلِكَ ضَمِنَ، وَلَا تَجُوزُ إِجَارَتُهُمَا.
السَّابِعَةُ: لَوِ اشْتَرَى شَاةً فَجَعَلَهَا ضَحِيَّةً، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا قَدِيمًا، لَمْ يَجُزْ رَدُّهَا لِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنْهَا، كَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا، لَكِنْ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالْأَرْشِ.
وَفِيمَا يَفْعَلُ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْأُضْحِيَّةِ، فَيَنْظُرُ، أَيُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ ضَحِيَّةً أَوْ جُزْءًا، أَمْ لَا؟ وَيَعُودُ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْشِ الْعَيْبِ بَعْدَ إِعْتَاقِ

الْعَبْدِ، فَإِنْهُ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ، بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَالْعَيْبُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ اللَّحْمُ، وَلَحْمُ الْمَعِيبِ نَاقِصٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لِلْمُضَحِّي، لَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ لِلْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ بِسَبَبٍ سَابِقٍ لِلتَّعْيِينِ.
وَبِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى، وَنَسَبَهُ الْإِمَامُ إِلَى الْمُرَاوِزَةِ وَقَالَ لَا: يَصِحُّ غَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
قُلْتُ: قَدْ نَقَلَ فِي الشَّامِلِ هَذَا الثَّانِي عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، فَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ إِحْدَاهَا: قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ: مَنْ أَكَلَ بَعْضَ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ، وَتَصَدَّقَ بِبَعْضِهَا، هَلْ يُثَابُ عَلَى الْكُلِّ، أَوْ عَلَى مَا تَصَدَّقَ بِهِ؟ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ نَوَى صَوْمَ التَّطَوُّعِ ضَحْوَةً، هَلْ يُثَابُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَمْ مِنْ وَقْتِهِ؟ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَهُ ثَوَابُ التَّضْحِيَةِ بِالْكُلِّ، وَالتَّصَدُّقِ بِالْبَعْضِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَالْقَوَاعِدُ.
وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ تَصْرِيحًا الشَّيْخُ الصَّالِحُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: فِي جَوَازِ الصَّرْفِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ إِلَى الْمُكَاتَبِ وَجْهَانِ: فِي وَجْهٍ: يَجُوزُ كَالزَّكَاةِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ ابْنُ كَجٍّ: مَنْ ذَبَحَ شَاةً، وَقَالَ: أَذْبَحُ لِرِضَى فُلَانٍ، حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ تَقَرَّبَ بِالذَّبْحِ إِلَى الصَّنَمِ.
وَذَكَرَ

الرُّويَانِيُّ: أَنَّ مَنْ ذَبَحَ لِلْجِنِّ وَقَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَصْرِفَ شَرَّهُمْ عَنْهُ، فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِنْ قَصَدَ الذَّبْحَ لَهُمْ فَحَرَامٌ.
الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي «الْبَحْرِ» : قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: مَنْ نَذَرَ الْأُضْحِيَّةَ فِي عَامٍ، فَأَخَّرَ عَصَى، وَيَقْضِي كَمَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ الرُّويَانِيُّ: مَنْ ضَحَّى بِعَدَدٍ، فَرَّقَهَ عَلَى أَيَّامِ الذَّبْحِ، فَإِنْ كَانَ شَاتَيْنِ، ذَبَحَ شَاةً فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَالْأُخْرَى فِي آخِرِ الْأَيَّامِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ، وَإِنْ كَانَ أَرْفَقَ بِالْمَسَاكِينِ، إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، فَقَدْ نَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِائَةَ بَدَنَةٍ أَهْدَاهَا، فَالسُّنَّةُ: التَّعْجِيلُ وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَالْمُبَادَرَةُ بِالصَّالِحَاتِ، إِلَّا مَا ثَبَتَ خِلَافُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَةُ: مَحَلُّ التَّضْحِيَةِ، بَلَدُ الْمُضَحِّي، بِخِلَافِ الْهَدْيِ.
وَفِي نَقْلِ الْأُضْحِيَّةِ، وَجْهَانِ، تَخْرِيجًا مِنْ نَقْلِ الزَّكَاةِ.
السَّابِعَةُ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُضَحِّيَ فِي بَيْتِهِ بِمَشْهَدِ أَهْلِهِ.
وَفِي «الْحَاوِي» : أَنَّهُ يَخْتَارُ الْإِمَامُ أَنْ يُضَحِّيَ لِلْمُسْلِمِينَ كَافَّةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِبَدَنَةٍ، يَنْحَرُهَا فِي الْمُصَلَّى.
فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ، فَشَاةٌ، وَأَنَّهُ يَتَوَلَّى النَّحْرَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ ضَحَّى مِنْ مَالِهِ، ضَحَّى حَيْثُ شَاءَ.
قُلْتُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «الْبُوَيْطِيِّ» : الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى، وَالْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، وَالْحَاجِّ مِنْ أَهْلِ مِنَى وَغَيْرِهِمْ، مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ.
هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ.
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا حَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْكِفَايَةُ» : أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ سُنَّةٌ، إِلَّا فِي حَقِّ الْحَاجِّ بِمِنَى، فَإِنَّهُ لَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَا يُنْحَرُ بِمِنَى هَدْيٌ، وَكَمَا لَا يُخَاطَبُ الْحَاجُّ فِي مِنَى بِصَلَاةِ الْعِيدِ، فَكَذَا الْأُضْحِيَّةُ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ.

وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي «جَامِعِهِ» وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا: بِأَنَّ أَهْلَ مِنَى كَغَيْرِهِمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ضَحَّى فِي مِنَى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الْعَقِيقَةِ

هِيَ سُنَّةٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ ذَبْحُهَا يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ يَوْمِ الْوِلَادَةِ، وَيُحْسَبُ مِنَ السَّبْعَةِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: وَإِنْ وُلِدَ لَيْلًا، حُسِبَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَطْعًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْبُوَيْطِيِّ» ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِي أَثْنَائِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُجْزِئُ ذَبْحُهَا قَبْلَ فَرَاغِ السَّبْعَةِ، وَلَا يُحْسَبُ قَبَلَ الْوِلَادَةِ، بَلْ تَكُونُ شَاةَ لَحْمٍ.
وَلَا تَفُوتُ بِتَأْخِيرِهَا عَنِ السَّبْعَةِ، لَكِنَّ الِاخْتِيَارَ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ إِلَى الْبُلُوغِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ لَمْ تُذْبَحْ فِي السَّابِعِ، ذُبِحَتْ فِي الرَّابِعِ عَشَرٍ، وَإِلَّا فَفِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ.
وَقِيلَ: إِذَا تَكَرَّرَتِ السَّبْعَةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَاتَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ.
فَإِنْ أُخِّرَتْ حَتَّى بَلَغَ، سَقَطَ حُكْمُهَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَوْلُودِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْعَقِيقَةِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَاسْتَحْسَنَ الْقَفَّالُ وَالشَّاشِيُّ: أَنْ يَفْعَلَهَا.
وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
وَنَقَلُوا عَنْ نَصِّهِ فِي «الْبُوَيْطِيِّ» : أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَاسْتَغْرَبُوهُ.
قُلْتُ: قَدْ رَأَيْتُ نَصَّهُ فِي نَفْسِ كِتَابِ «الْبُوَيْطِيِّ» قَالَ: وَلَا يَعُقُّ عَنْ كَبِيرٍ.
هَذَا لَفْظُهُ، وَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: لَا يَعَقُّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَقِّهِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

إِنَّمَا يَعُقُّ عَنِ الْمَوْلُودِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
وَأَمَّا عَقُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَمُئَوَّلٌ.
قُلْتُ: تَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَاهُمَا بِذَلِكَ، أَوْ أَعْطَى أَبَوَيْهِمَا مَا عَقَّ بِهِ أَوْ: أَنَّ أَبَوَيْهِمَا كَانَا عِنْدَ ذَلِكَ مُعْسِرَيْنِ، فَيَكُونَانِ فِي نَفَقَةِ جَدِّهِمَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يُعَقُّ عَنِ الْمَوْلُودِ مِنْ مَالِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُنْفِقُ عَاجِزًا عَنِ الْعَقِيقَةِ، فَأَيْسَرَ فِي السَّبْعَةِ اسْتَحَبَّ لَهُ الْعَقُّ.
وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَهَا، أَوْ بَعْدَ مُدَّةِ النِّفَاسِ، فَهِيَ سَاقِطَةٌ عَنْهُ وَإِنْ أَيْسَرَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْأَصْحَابِ، لِبَقَاءِ أَثَرِ الْوِلَادَةِ.

فَصْلٌ

الْعَقِيقَةُ جَذَعَةُ ضَأْنٍ، أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ، كَالْأُضْحِيَّةِ.
وَفِي «الْحَاوِي» : أَنَّهُ يُجْزِئُ مَا دُونِهِمَا، وَيُشْتَرَطُ سَلَامَتُهُمَا مِنَ الْعَيْبِ الْمَانِعِ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
وَفِي «الْعُدَّةِ» : إِشَارَةٌ إِلَى وَجْهٍ مُسَامِحٍ، قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْغَنَمُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ، كَالْأُضْحِيَّةِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِسُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ.
فَصْلٌ حُكْمُ الْعَقِيقَةِ فِي التَّصَدُّقِ مِنْهَا، وَالْأَكْلِ وَالْهَدِيَّةِ، وَالِادِّخَارِ، وَقَدْرُ الْمَأْكُولِ، وَامْتِنَاعِ الْبَيْعِ، وَتَعْيِينِ الشَّاةِ إِذَا عُيِّنَتْ لِلْعَقِيقَةِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ.

وَقِيلَ: إِنْ جَوَّزْنَا دُونَ الْجَذَعَةِ، لَمْ يَجِبِ التَّصَدُّقُ مِنْهَا، وَجَازَ تَخْصِيصُ الْأَغْنِيَاءِ بِهَا.

فَصْلٌ

يَنْوِي عِنْدَ ذَبْحِهَا، أَنَّهَا عَقِيقَةٌ.
لَكِنْ إِنْ جَعَلَهَا عَقِيقَةً مِنْ قَبْلُ، فَفِي الْحَاجَةِ إِلَى النِّيَّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ، مَا ذَكَرْنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ.

فَصْلٌ

يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا نَيِّئًا، بَلْ يَطْبُخُهُ.
وَفِي «الْحَاوِي» : أَنَّا إِذَا لَمْ نُجَوِّزْ مَا دُونَ الْجَذَعَةِ وَالثَّنِيَّةِ، وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِلَحْمِهَا نَيِّئًا.
وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ أَوْجَبْنَا التَّصَدُّقَ بِمِقْدَارٍ، وَجَبَ تَمْلِيكُهُ وَهُوَ نَيِّءٌ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
وَفِيمَا يَطْبُخُهُ بِهِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بِحُمُوضَةٍ، وَنَقَلَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» عَنِ النَّصِّ.
وَأَصَحُّهُمَا: بِحُلْوٍ تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةِ أَخْلَاقِ الْمَوْلُودِ.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ طُبِخَ بِحَامِضٍ، فَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يُكْرَهُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُكَسِّرَ عِظَامَ الْعَقِيقَةِ مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ كَسَرَ، لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالتَّصَدُّقُ بِلَحْمِهَا وَمَرَقِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، بِالْبَعْثِ إِلَيْهِمْ، أَفْضَلُ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَيْهَا.
وَلَوْ دَعَا إِلَيْهَا قَوْمًا فَلَا بَأْسَ.

فَصْلٌ يُعَقُّ عَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَعَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِوَاحِدَةٍ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل