كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْحَيَوَانُ الْمَأْكُولُ، إِنْمَا يَصِيرُ مُذَكَّى بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الذَّبْحُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: الْعَقْرُ الْمُزْهِقُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ الذَّبْحُ وَالْعَقْرُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ:
الْأَوَّلُ: الذَّابِحُ، وَالْعَاقِرُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا.
وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ، سَوَاءً فِيهِ مَا يَسْتَحِلُّهُ الْكِتَابِيُّ، وَمَا لَا.
وَحَقِيقَةُ الْكِتَابِيِّ تَأْتِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
تَعَالَى.
وَفِي ذَبِيحَةِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَالْمَجُوسِيَّةِ، قَوْلَانِ، كَمُنَاكَحَتِهِ، وَالْمُنَاكَحَةُ وَالذَّبِيحَةُ، لَا يَفْتَرِقَانِ، إِلَّا أَنَّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ، تَحِلُّ ذَبِيحَتُهَا دُونَ مُنَاكَحَتِهَا.
وَلَوْ صَادَ مَجُوسِيٌّ سَمَكَةً، حَلَّتْ؛ لِأَنَّ مِيتَتَهَا حَلَالٌ.
وَكَمَا تَحْرُمُ ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ، وَالْوَثَنِيِّ، وَالْمُرْتَدِّ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ، يَحْرُمُ صَيْدُهُ بِسَهْمٍ، أَوْ كَلْبٍ.
وَيَحْرُمُ مَا يُشَارِكُ فِيهِ مُسْلِمًا.
فَلَوْ أَمَرَّا سِكِّينًا عَلَى حَلْقِ شَاةٍ، أَوْ قَطَعَ هَذَا بَعْضَ الْحُلْقُومِ، وَهَذَا بَعْضَهُ، أَوْ قَتَلَا صَيْدًا بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ، فَهُوَ حَرَامٌ.
وَلَوْ رَمَيَا سَهْمَيْنِ، أَوْ أَرْسَلَا كَلْبَيْنِ، فَإِنْ سَبْقَ سَهْمُ الْمُسْلِمِ أَوْ كَلْبُهُ، فَقَتَلَ الصَّيْدَ، أَوْ أَنْهَاهُ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، حَلَّ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ مُسْلِمٌ شَاةً، ثُمَّ قَدَّهَا الْمَجُوسِيُّ.
وَإِنْ سَبَقَ مَا أَرْسَلَهُ الْمَجُوسِيُّ، أَوْ جَرَحَاهُ مَعًا، أَوْ مُرَتَّبًا، وَلَمْ يَذْفُفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَهَلَكَ بِهِمَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، فَحَرَامٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : مَتَى اشْتَرَكَا فِي إِمْسَاكِهِ وَعَقْرِهِ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ، أَوِ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِأَحَدِهِمَا، فَحَرَامٌ.
وَلَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ كَلْبَانِ مُعَلَّمٌ وَغَيْرُهُ،
أَوْ مُعَلَّمَانِ، ذَهَبَ أَحَدُهُمَا بِلَا إِرْسَالٍ، فَقَتَلَا صَيْدًا، فَكَاشْتِرَاكِ كَلْبَيِ الْمُسْلِمِ وَالْمَجُوسِيِّ.
وَلَوْ هَرَبَ الصَّيْدُ مِنْ كَلْبِ الْمُسْلِمِ، فَعَارَضَهُ كَلْبُ مَجُوسِيٍّ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ كَلْبُ الْمُسْلِمِ، حَلَّ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ الْمُسْلِمُ شَاةً أَمْسَكَهَا مَجُوسِيٌّ.
وَلَوْ جَرَحَهُ مُسْلِمٌ أَوَّلًا، ثُمَّ قَتَلَهُ مَجُوسِيٌّ، أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا غَيْرَ مُذَفَّفٍ، وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ، فَحَرَامٌ.
فَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ أَثْخَنَهُ بِجِرَاحَتِهِ، فَقَدْ مَلَكَهُ.
وَيُلْزِمُ الْمَجُوسِيَّ قِيمَتَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَهُ بِجَعْلِهِ مَيْتَةً.
وَيَحِلُّ مَا اصْطَادَهُ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ، كَالذَّبْحِ بِسِكِّينِهِ.
قُلْتُ: لَوْ أَكْرَهَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا عَلَى ذَبْحِ شَاةٍ، أَوْ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى ذَبْحِ صَيْدٍ، فَذَبَحَ، حَلَّ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
تَحِلُّ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيَّزِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي غَيْرِ الْمُمَيَّزِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ، قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْحِلُّ، كَمَنْ قَطَعَ حَلْقَ شَاةٍ يَظُنُّهُ خَشَبَةً.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، كَنَائِمٍ بِيَدِهِ سِكِّينٌ وَقَعَتْ عَلَى حُلْقُومِ شَاةٍ.
وَصَحَّحَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَةٌ الثَّانِي.
وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» بِالْحِلِّ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: الْحِلُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : فَإِنْ كَانَ لِلْمَجْنُونِ أَدْنَى تَمْيِيزٍ، وَلِلسَّكْرَانِ قَصْدٌ، حَلَّ قَطْعًا.
وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْأَعْمَى قَطْعًا لَكِنْ تُكْرَهُ.
وَفِي صَيْدِهِ بِالْكَلْبِ وَالرَّمْيِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَحِلُّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ.
وَقِيلَ: عَكْسُهُ.
وَالْأَشْبَهُ: أَنَّ الْخِلَافَ مُخَصَّصٌ بِمَا إِذَا أَخْبَرَهُ بَصِيرُ الصَّيْدِ، فَأَرْسَلَ السَّهْمَ أَوِ الْكَلْبَ.
وَكَذَا
صَوَّرَهَا فِي «التَّهْذِيبِ» ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ جَمَاعَةٌ، وَيَجْرِيَانِ فِي اصْطِيَادِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِالْكَلْبِ وَالسَّهْمِ.
وَقِيلَ: يَخْتَصَّانِ بِالْكَلْبِ، وَقَطَعَ بِالْحِلِّ فِي السَّهْمِ كَالذَّبْحِ.
فَرْعٌ
الْأَخْرَسُ، إِنْ كَانَ لَهُ إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ، حَلَّتْ ذَبِيحَتُهُ، وَإِلَّا، فَكَالْمَجْنُونِ، قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» : وَلْتَكُنْ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَزْمُ بِحِلِّ ذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ الَّذِي لَا يَفْهَمُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الذَّبِيحُ.
الْحَيَوَانُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: مَا لَا يُؤْكَلُ.
وَالثَّانِي: مَأْكُولٌ يَحِلُّ مَيِّتُهُ.
وَالثَّالِثُ: مَأْكُولٌ لَا يَحِلُّ مَيِّتُهُ.
فَالْأَوَّلُ: ذَبْحُهُ كَمَوْتِهِ.
وَالثَّانِي: كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَبْحِهِ.
وَهَلْ يَحِلُّ أَكْلُ السَّمَكِ الصِّغَارِ إِذَا شُوَيَتْ وَلَمْ يُشَقَّ جَوْفُهَا وَيُخْرَجْ مَا فِيهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَجْهُ الْجَوَازِ: عُسْرُ تَتَبُّعِهَا، وَعَلَى الْمُسَامَحَةِ بِهَا جَرَى الْأَوَّلُونَ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: بِهَذَا أُفْتِيَ، وَرَجِيعُهَا طَاهِرٌ عِنْدِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ.
وَلَوْ وُجِدَتْ سَمَكَةٌ فِي جَوْفِ سَمَكَةٍ، فَهِيَ حَلَالٌ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوِ ابْتَلَعَتْ طَائِرًا فَوُجِدَ مَيِّتًا فِي جَوْفِهَا، لَا يَحِلُّ.
وَلَوْ تَقَطَّعَتِ السَّمَكَةُ فِي جَوْفِ سَمَكَةٍ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهَا، لَمْ تَحِلَّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهَا كَالرَّوْثِ وَالْقَيْءِ.
وَيُكْرَهُ ذَبْحُ السَّمَكِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يَطُولُ بَقَاؤُهُ، فَيُسْتَحَبُّ ذَبْحُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، إِرَاحَةً لَهُ.
وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ لِيَمُوتَ بِنَفْسِهِ.
وَلَوِ ابْتَلَعَ سَمَكَةً حَيَّةً، أَوْ قَطَعَ فَلْقَةً مِنْهَا، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْأَصَحِّ، لَكِنْ يُكْرَهُ.
قُلْتُ: وَطَرَدُوا الْوَجْهَيْنِ فِي الْجَرَادِ.
وَلَوْ ذَبَحَ مَجُوسِيٌّ سَمَكَةً، حَلَّتْ.
وَلَوْ
قَلَى السَّمَكَ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَطَرْحَهُ فِي الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ وَهُوَ يَضْطَرِبٌ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ.
وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ فِي ابْتِلَاعِ السَّمَكَةِ حَيَّةً: أَنَّهُ حَرَامٌ.
وَعَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ، يُبَاحُ هَذَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَضَرْبَانِ، مَقْدُورٌ عَلَى ذَبْحِهِ، وَمُتَوَحِّشٌ.
فَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ: لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَةِ، كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةِ، وَسَوَاءٌ الْإِنْسِيُّ وَالْوَحْشِيُّ إِذَا ظَفِرَ بِهِ.
وَأَمَّا الْمُتَوَحِّشُ، كَالصَّيْدِ، فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ مَذْبَحٌ مَا دَامَ مُتَوَحِّشًا.
فَلَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ، حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلَوْ تَوَحَّشَ إِنْسِيٌّ، بِأَنْ نَدَّ بَعِيرٌ، أَوْ شَرَدَتْ شَاةٌ، فَهُوَ كَالصَّيْدِ، يَحِلُّ بِالرَّمْيِ إِلَى غَيْرِ مَذْبَحِهِ، وَبِإِرْسَالِ الْكَلْبِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيرِ فِي بِئْرٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ، فَهُوَ كَالْبَعِيرِ النَّادِّ فِي حِلِّهِ بِالرَّمْيِ.
وَهَلْ يَحِلُّ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ «الْبَحْرِ» : التَّحْرِيمُ، وَاخْتَارَ الْبَصْرِيُّونَ الْحِلَّ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: تَحْرِيمُهُ.
وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الشَّاشِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوَحُّشِ مُجَرَّدَ الْإِفْلَاتِ، بَلْ مَتَى تَيَسَّرَ اللُّحُوقُ بِعَدْوٍ، أَوِ اسْتِعَانَةٍ بِمَنْ مَسَكَ الدَّابَّةَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ تُوحُّشَا، وَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْمَذْبَحِ.
وَلَوْ تَحَقَّقَ الشُّرُودُ، وَحَصَلَ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ: أَنَّ الْبَعِيرَ كَالصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ الذَّبْحَ فِي الْحَالِ، فَتَكْلِيفُهُ الصَّبْرُ إِلَى الْقُدْرَةِ، يَشُقُّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالظَّاهِرُ عِنْدِي: أَنَّهُ لَا يُلْحَقَ بِالصَّيْدِ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا حَالَةٌ عَارِضَةٌ قَرِيبَةُ الزَّوَالِ، لَكِنْ لَوْ كَانَ الصَّبْرُ وَالطَّلَبُ يُؤَدِّي إِلَى مَهْلَكَةٍ أَوْ مَسْبَعَةٍ، فَهُوَ حِينَئِذٍ كَالصَّيْدِ.
وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى مَوْضِعِ لُصُوصٍ وَغُصَّابٍ مُتَرَصِّدِينَ، فَوَجْهَانِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ تَصَرُّفَهُمْ وَإِتْلَافَهُمْ مُتَدَارَكٌ بِالضَّمَانِ.
وَالْمَذْهَبُ: مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْأَصْحَابِ.
ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ الْجُرْحِ الْمُفِيدِ لِلْحِلِّ فِي النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ أَجَابَ الْأَكْثَرُونَ:
يَكْفِي جَرْحٌ يُفْضِي إِلَى الزَّهُوقِ كَيْفَ كَانَ.
وَالثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ جُرْحٍ مُذَفَّفٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ، وَالْإِمَامُ.
فَصْلٌ
إِذَا أَرْسَلَ سِلَاحًا، كَسَهْمٍ، وَسَيْفٍ، وَغَيْرِهِمَا، أَوْ كَلْبًا مُعَلَّمًا عَلَى صَيْدٍ، فَأَصَابَهُ، ثُمَّ أَدْرَكَ الصَّيْدَ حَيًّا، نَظَرَ، إِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بِأَنْ كَانَ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَمَرِّيئَهُ، أَوْ أَجَافَهُ، أَوْ خَرَقَ أَمْعَاءَهُ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ لِيُرِيحَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَتَرْكَهُ حَتَّى مَاتَ، فَهُوَ حَلَالٌ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً فَاضْطَرَبَتْ أَوْ عَدَتْ.
وَإِنْ بَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْ صَائِدِهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَهُوَ حَلَالٌ أَيْضًا، لِلْعُذْرِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ، فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ، أَوْ تَعَذَّرَ بِتَقْصِيرِهِ فَمَاتَ، فَهُوَ حَرَامٌ، كَمَا تَرَدَّى بَعِيرٌ فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَتَّى مَاتَ.
فَمِنْ صُوَرِ الْحَالِ الْأَوَّلِ أَنْ يَشْغَلَ بِأَخْذِ الْآلَةِ وَسَلِّ السِّكِّينَ، فَيَمُوتُ قَبْلَ إِمْكَانِ ذَبْحِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَمْتَنِعَ بِمَا فِيهِ مِنْ بَقِيَّةِ قُوَّةٍ، وَيَمُوتُ قَبْلَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَجِدَ مِنَ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ الذَّبْحُ فِيهِ.
وَمِنْ صُوَرِ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونُ مَعَهُ آلَةُ ذَبْحٍ، أَوْ تَضِيعُ آلَتُهُ مِنْهُ، فَلَوْ نَشِبَتْ فِي الْغِمْدِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِخْرَاجِهَا حَتَّى مَاتَ، فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ غِمْدًا يُوَاتِيهِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرِيُّ: يَحِلُّ.
وَلَوْ غُصِبَتِ الْآلَةُ، فَالصَّيْدُ حَرَامٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: تَحِلُّ كَمَا لَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الصَّيْدِ لَسَبْعٍ حَائِلٍ حَتَّى مَاتَ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَوِ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَذْبَحِ فَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى مَاتَ، فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوِ اشْتَغَلَ بِتَحْدِيدِ السِّكِّينِ،
لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ.
وَلَوْ كَانَ يُمِرُّ ظَهْرَ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِهِ غَلَطًا، فَمَاتَ، فَحَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَقْصِيرٌ.
وَلَوْ وَقَعَ الصَّيْدُ مُنَكَّسًا، وَاحْتَاجَ إِلَى قَلْبِهِ لِيَقْدِرَ عَلَى الذَّبْحِ، فَمَاتَ، أَوِ اشْتَغَلَ بِتَوْجِيهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَمَاتَ، فَحَلَالٌ.
وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ مَوْتِ الصَّيْدِ، هَلْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ فَيَحْرُمُ، أَمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَيَحِلُّ؟ فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَحِلُّ.
وَهَلْ يَشْتَرِطُ الْعَدْوَ إِلَى الصَّيْدِ إِذَا أَصَابَهُ السَّهْمُ أَوِ الْكَلْبُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لَكِنْ لَا يُكَلَّفُ الْمُبَالَغَةَ بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى ضَرَرٍ ظَاهِرٍ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا، بَلْ يَكْفِي الْمَشْيُ.
وَعَلَى هَذَا، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَصَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَمْشِي عَلَى هَيِّنَتِهِ، فَأَدْرَكَهُ مَيِّتًا، حَلَّ، وَإِنْ كَانَ لَوْ أَسْرَعَ لَأَدْرَكَهُ حَيًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ: عِنْدِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِسْرَاعِ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَ عَلَى هَيِّنَتِهِ، خَارِجٌ عَنْ عَادَةِ الطَّلَبِ.
فَإِنْ شَرَطْنَا الْعَدْوَ، فَتَرَكَهُ، فَصَادَفَ الصَّيْدَ مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ أَمَاتَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَسَعُ الْعَدْوَ، أَمْ بَعْدَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فِيمَا إِذَا شَكَّ فِي التَّمَكُّنِ مِنَ الذَّكَاةِ.
فَرْعٌ
لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَدَّهُ قِطْعَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ أَوْ مُتَفَاوِتَتَيْنِ، فَهُمَا حَلَالٌ.
وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ - بِسَيْفٍ أَوْ غَيْرِهِ - عُضْوًا، كَيَدٍ وَرِجْلٍ، نُظِرَ، إِنْ أَبَانَهُ بِجِرَاحَةٍ مُذَفَّفَةٍ وَمَاتَ فِي الْحَالِ، حَلَّ الْعُضْوُ وَبَاقِي الْبَدَنِ.
وَإِنْ لَمْ يُذَفِّفْهُ فَأَدْرَكَهُ وَذَبَحَهُ، أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ مُذَفَّفًا، فَالْعُضْوُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ مِنْ حَيٍّ، وَبَاقِي الْبَدَنِ حَلَالٌ.
وَإِنْ أَثْبَتَهُ بِالْجِرَاحَةِ الْأُولَى، فَقَدْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ ذَبْحُهُ، وَلَا تُجْزِئُ سَائِرُ الْجِرَاحَاتِ.
وَلَوْ مَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ، حَلَّ بَاقِي الْبَدَنِ، وَلَمْ يَحِلَّ الْعُضْوُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَبْيَنٌ مِنْ حَيٍّ، فَهُوَ كَمَنْ قَطَعَ أَلْيَةَ شَاةٍ ثُمَّ ذَبَحَهَا، لَا تَحِلُّ الْأَلْيَةُ قَطْعًا.
وَالثَّانِي: تَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْجَرْحَ كَالذَّبْحِ
لِلْجُمْلَةِ، فَتَبِعَهَا الْعُضْوُ.
وَإِنْ جَرَحَهُ جِرَاحَةً أُخْرَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُذَفَّفَةٌ، فَالصَّيْدُ حَلَالٌ، وَالْعُضْوُ حَرَامٌ، وَإِلَّا، فَالصَّيْدُ حَلَالٌ أَيْضًا، وَالْعُضْوُ حَرَامٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ لَمْ تَتَجَرَّدْ ذَكَاةً لِلصَّيْدِ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: آلَةُ الذَّبْحِ وَالِاصْطِيَادِ، هِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: الْمُحَدَّدَاتُ الْجَارِحَةُ بِحَدِّهَا مِنَ الْحَدِيدِ، كَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ، وَالسَّهْمِ، وَالرُّمْحِ، أَوْ مِنَ الرَّصَاصِ أَوْ مِنَ النُّحَاسِ أَوِ الذَّهَبِ أَوِ الْخَشَبِ الْمُحَدَّدِ، أَوِ الْقَصَبِ أَوِ الزُّجَاجِ أَوِ الْحَجَرِ، فَيَحْصُلُ الذَّبْحُ بِجَمِيعِهَا، وَيَحِلُّ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ بِهَا، إِلَّا الظُّفْرَ وَالسِّنَّ وَسَائِرَ الْعِظَامِ، فَإِنْهُ لَا يَحِلُّ بِهَا، سَوَاءٌ عَظْمُ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ، الْمُتَّصِلُ
[وَالْمُنْفَصِلُ] .
وَفِي وَجْهٍ: أَنَّ عَظْمَ الْمَأْكُولِ تَحْصُلُ الذَّكَاةُ بِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ رَكَّبَ عَظْمًا عَلَى سَهْمٍ، وَجَعَلَهُ نَصْلًا لَهُ، فَقَتَلَ بِهِ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْآلَاتُ الْمُثْقَلَاتُ، إِذَا أَثَّرَتْ بِثِقْلِهَا دَقًّا أَوْ خَنْقًا، لَمْ يَحِلَّ الْحَيَوَانُ، وَكَذَا الْمُحَدَّدُ إِذَا قَتَلَ بِثِقْلِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْجُرْحِ.
فَيَحْرُمُ الطَّيْرُ إِذَا مَاتَ بِبُنْدُقَةٍ رُمِيَ بِهَا، خَدَشَتْهُ، أَمْ لَا، قَطَعَتْ رَأْسَهُ، أَمْ لَا.
وَلَوْ وَقَعَ صَيْدٌ فِي بِئْرٍ مَحْفُورَةٍ لَهُ، فَمَاتَ بِالِانْصِدَامِ، أَوِ الْخَنْقِ بِأُحْبُولَةٍ مَنْصُوبَةٍ لَهُ، أَوْ كَانَ رَأْسُ الْحَبْلِ بِيَدِهِ، فَجَّرَهُ وَمَاتَ الصَّيْدُ، أَوْ مَاتَ بِسَهْمٍ لَا نَصْلَ فِيهِ وَلَا حَدَّ لَهُ، أَوْ بِثِقَلِ السَّيْفِ، أَوْ مَاتَ الطَّيْرُ الضَّعِيفُ بِإِصَابَةِ عَرْضِ السَّهْمِ، أَوْ قُتِلَ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَكُلُّهُ حَرَامٌ.
وَلَوْ ذُبِحَ بِحَدِيدَةٍ لَا تَقْطَعُ، لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ هُنَا بِقُوَّةِ الذَّابِحِ وَشِدَّةِ الِاعْتِمَادِ، لَا بِالْآلَةِ.
وَلَوْ خَسَقَ فِيهِ الْعَصَا وَنَحْوَهُ، حَكَى الرُّويَانِيُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُحَدَّدًا يَمُورُ مَوْرَ السِّلَاحِ، فَهُوَ حَلَالٌ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَمُورُ إِلَّا مُسْتَكْرَهًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْعُودُ خَفِيفًا قَرِيبًا مِنَ السَّهْمِ، حَلَّ.
وَإِنْ كَانَ ثَقِيلًا، لَمْ يَحِلَّ.
فَرْعٌ
إِذَا لَمْ يَجْرَحِ الْكَلْبُ الصَّيْدَ، لَكِنْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ بِضَغْطَتِهِ، حَلَّ عَلَى الْأَظْهَرِ.
فَرْعٌ
إِذَا مَاتَ الصَّيْدُ بِشَيْئَيْنِ: مُحَرَّمٍ، وَمُبِيحٍ، بِأَنْ مَاتَ بِسَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ أَصَابَاهُ مِنْ رَامٍ أَوْ رَامِيَيْنِ، أَوْ يُصِيبُ الصَّيْدَ طَرَفٌ مِنَ النَّصْلِ، فَيَجْرَحُهُ وَيُؤَثِّرُ فِيهِ عَرْضُ السَّهْمِ فِي مُرُورِهِ فَيَمُوتُ مِنْهُمَا، أَوْ يَرْمِي إِلَى صَيْدٍ سَهْمًا فَيَقَعُ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ، ثُمَّ يَسْقُطُ مِنْهُ، أَوْ عَلَى جَبَلٍ فَيَتَدَهْوَرُ مِنْهُ، أَوْ يَقَعُ فِي مَاءٍ، أَوْ عَلَى شَجَرٍ فَيَنْصَدِمُ بِأَغْصَانِهِ، أَوْ يَقَعُ عَلَى مُحَدَّدٍ مِنْ سِكِّينِ وَغَيْرِهِ، فَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ.
وَلَوْ تَدَحْرَجَ الْمَجْرُوحُ مِنَ الْجَبَلِ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ، حَلَّ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّلَفِ.
وَإِنْ أَصَابَ السَّهْمُ الطَّائِرَ فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَاتَ، حَلَّ، سَوَاءً مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ الْأَرْضَ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْوُقُوعِ، فَعُفِيَ عَنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ
[الصَّيْدُ] قَائِمًا فَأَصَابَهُ السَّهْمُ وَوَقَعَ عَلَى جَنْبِهِ وَانْصَدَمَ بِالْأَرْضِ وَمَاتَ، فَإِنْهُ يَحِلُّ.
وَلَوْ زَحَفَ قَلِيلًا بَعْدَ إِصَابَةِ السَّهْمِ، فَهُوَ كَالْوُقُوعِ عَلَى الْأَرْضِ، فَيَحِلُّ.
وَلَوْ لَمْ يَجْرَحْهُ السَّهْمُ فِي الْهَوَاءِ، لَكِنْ كَسَرَ جَنَاحَهُ فَوَقَعَ وَمَاتَ، فَحَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ جُرْحٌ يُحَالُ الْمَوْتُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ خَفِيفًا لَا يُؤَثِّرُ مِثْلُهُ، لَكِنْ عَطَّلَ جَنَاحَهُ فَسَقَطَ وَمَاتَ، فَحَرَامٌ.
وَلَوْ جَرَحَهُ السَّهْمُ فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ، إِنْ كَانَ فِيهَا مَاءٌ، فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ، وَإِلَّا، فَهُوَ حَلَالٌ، وَقَعْرُ الْبِئْرِ كَالْأَرْضِ.
وَالْمُرَادُ: إِذَا لَمْ تُصَادِمْهُ جُدْرَانُ الْبِئْرِ.
وَلَوْ كَانَ الطَّائِرُ عَلَى شَجَرَةٍ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَاتَ،
حَلَّ.
وَإِنْ وَقَعَ عَلَى غُصْنٍ ثُمَّ عَلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَحِلَّ.
وَلَيْسَ الِانْصِدَامُ بِالْأَغْصَانِ، أَوْ بِأَحْرُفِ الْجَبَلِ عِنْدَ التَّدَهْوُرِ مِنْ أَعْلَاهُ، كَالِانْصِدَامِ بِالْأَرْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الِانْصِدَامَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَا غَالِبٍ، وَالِانْصِدَامُ بِالْأَرْضِ، لَازِمٌ.
وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الطَّيْرِ عَلَى الشَّجَرِ، وَالِانْصِدَامُ بِطَرَفِ الْجَبَلِ إِذَا كَانَ الصَّيْدُ فِيهِ.
فَرْعٌ
إِذَا رُمِيَ طَيْرُ الْمَاءَ، إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَأَصَابَهُ وَمَاتَ، حَلَّ، وَالْمَاءُ لَهُ كَالْأَرْضِ.
وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَاءِ، وَوَقَعَ فِيهِ بَعْدَ إِصَابَةِ السَّهْمِ، فَفِي حِلِّهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا فِي «الْحَاوِي» . وَقَطَعَ فِي «التَّهْذِيبِ» : بِالتَّحْرِيمِ.
وَفِي شَرْحِ «مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ» : بِالْحِلِّ.
فَلَوْ كَانَ الطَّائِرُ فِي هَوَاءِ الْبَحْرِ، قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : إِنْ كَانَ الرَّامِي فِي الْبَرِّ، لَمْ يَحِلَّ.
وَإِنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ فِي الْبَحْرِ، حَلَّ.
فَرْعٌ
جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْدُ بِتِلْكَ الْجِرَاحَةِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ.
فَإِنِ انْتَهَى إِلَيْهَا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، أَوْ غَيْرِهِ، فَقَدْ تَمَّتْ ذَكَاتُهُ، وَلَا أَثَرَ لِمَا يَعْرِضُ بَعْدَهُ.
فَرْعٌ
لَوْ أُرْسِلَ كَلْبٌ فِي عُنُقِهِ قِلَادَةٌ مُحَدَّدَةٌ، فَجَرَحَ الصَّيْدَ بِهَا، حَلَّ كَمَا لَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا، قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَقَدْ يَفْرِقُ بِأَنَّهُ قَصَدَ بِالسَّهْمِ الصَّيْدَ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ بِالْقِلَادَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْجَوَارِحُ، فَيَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ، كَالْكَلْبِ، وَالْفَهْدِ، وَالنَّمِرِ، وَغَيْرِهَا.
وَبِجَوَارِحِ الطَّيْرِ، كَالْبَازِيِّ، وَالشَّاهِينِ، وَالصَّقْرِ.
وَفِي وَجْهٍ يُحْكَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ: لَا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَالْمُرَادُ بِجَوَازِ الِاصْطِيَادِ بِهَا: أَنَّ مَا أَخَذَتْهُ وَجَرَحَتْهُ وَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهَا مَيِّتًا، أَوْ فِي حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، حَلَّ أَكْلُهُ.
وَيَقُومُ إِرْسَالُ الصَّائِدِ وَجَرْحُ الْجَارِحِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، مَقَامَ الذَّبْحِ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الِاصْطِيَادُ بِمَعْنَى إِثْبَاتِ الْمِلْكِ، فَلَا يَخْتَصُّ، بَلْ يَحْصُلُ بِأَيِّ طَرِيقٍ تَيَسَّرَ.
ثُمَّ يُشْتَرَطُ لِحِلٍّ مَا قَتَلَهُ الْجَوَارِحُ، كَوْنُ الْجَارِحِ مُعَلَّمًا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا، لَمْ يَحِلَّ مَا قَتَلَهُ.
فَإِنْ أُدْرِكَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، ذَكَّاهُ كَغَيْرِهِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا، أَرْبَعَةُ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْزَجِرَ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ، كَذَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ.
فَأَمَّا إِذَا انْطَلَقَ وَاشْتَدَّ عَدْوُهُ، فَفِي اشْتِرَاطِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا يُشْتَرَطُ.
الثَّانِي: أَنْ يَسْتَرْسِلَ بِإِرْسَالِهِ.
وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا أُغْرِيَ بِالصَّيْدِ هَاجَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَمْسِكَ الصَّيْدَ فَيَحْبِسَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُخَلِّيهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ: لَا يَضُرُّ الْأَكْلُ.
هَذَا حُكْمُ الْكَلْبِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ جَوَارِحِ السِّبَاعِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ: أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَنْطَلِقَ بِإِطْلَاقِ صَاحِبِهِ، وَأَنَّهُ لَوِ انْطَلَقَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا.
وَرَآهُ الْإِمَامُ مُشْكِلًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْكَلْبَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، إِذَا رَأَى صَيْدًا بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى كَلَبِ الْجُوعِ، يُبْعِدُ انْكِفَافَهُ.
وَأَمَّا جَوَارِحُ الطَّيْرِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَهِيجَ عِنْدَ الْإِغْرَاءِ أَيْضًا.
وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ أَكْلِهَا مِنَ الصَّيْدِ أَيْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَطْمَعُ فِي انْزِجَارِهَا بَعْدَ الطَّيَرَانِ، وَيَبْعُدُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ انْكِفَافِهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ.
ثُمَّ فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا: الْأُمُورُ الْمُشْتَرِطَةُ فِي التَّعْلِيمِ، يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُهَا لِيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ تَأَدُّبُ الْجَارِحَةِ.
وَالرُّجُوعُ فِي عَدَدِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِالْجَوَارِحِ، عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعَلَّمٌ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ قَبْلَ قَتْلِهِ أَوْ بَعْدَهُ، فَفِي حِلِّ ذَلِكَ الصَّيْدِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَحُلُّ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَدِدْتُ لَوْ فَصَلَ فَاصِلٌ بَيْنَ أَنْ يَنْكَفَّ زَمَانًا ثُمَّ يَأْكُلُ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْكُلَ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ.
قُلْتُ: فَصَلَ الْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: إِنْ أَكَلَ عَقِيبَ الْقَتْلِ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ، وَإِلَّا، فَيَحِلُّ قَطْعًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ، فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِئْنَافِ التَّعْلِيمِ، وَلَا يَنْعَطِفُ التَّحْرِيمُ عَلَى مَا اصْطَادَهُ مِنْ قَبْلُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْحِلِّ، فَتَكَرَّرَ أَكْلُهُ وَصَارَ عَادَةً لَهُ، حَرُمَ الصَّيْدُ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي تَحْرِيمِ الصَّيُودِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا مِنْ قَبْلُ، وَجْهَانِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ مِنْهُمَا التَّحْرِيمُ.
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : إِذَا أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ الثَّانِي، حَرُمَ، وَفِي الْأَوَّلِ، الْوَجْهَانِ.
وَإِذَا أَكَلَ مِنَ الثَّالِثِ، حَرُمَ، وَفِيمَا قَبْلَهُ، الْوَجْهَانِ.
وَهَذَا ذَهَابٌ إِلَى أَنَّ الْأَكْلَ مَرَّتَيْنِ، يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِي تَكَرُّرِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا مُعَلَّمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَثَرَ التَّعْلِيمِ فِي الْحِلِّ، وَأَثَرَ الْأَكْلِ فِي التَّحْرِيمِ، فَعَمِلْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ عَرِفْنَا كَوْنَهُ مُعَلَّمًا، لَمْ يَنْعَطِفِ الْحِلُّ عَلَى مَا سَبَقَ بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي انْعِطَافِ التَّحْرِيمِ، الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ.
وَلَوْ لَعِقَ الْكَلْبُ الدَّمَ، لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ.
وَلَوْ أَكَلَ حَشْوَةَ الصَّيْدِ، فَطَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلِي اللَّحْمُ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْحِلِّ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ كَالدَّمِ.
وَلَوْ لَمْ يَسْتَرْسِلْ عِنْدَ الْإِرْسَالِ، أَوْ لَمْ يَنْزَجِرْ عِنْدَ الزَّجْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي تَحْرِيمِ الصَّيْدِ وَخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا،
الْخِلَافُ فِي الْأَكْلِ قَالَ الْقَفَّالُ: لَوْ أَرَادَ الصَّائِدُ أَخْذَ الصَّيْدِ مِنْهُ فَامْتَنَعَ، وَصَارَ يُقَاتِلُ دُونَهُ، فَهُوَ كَالْأَكْلِ.
وَجَوَارِحُ الطَّيْرِ إِذَا أَكَلَتْ مِنْهُ، وَقُلْنَا: يُشْتَرَطُ فِي التَّعْلِيمِ تَرْكُهَا الْأَكْلَ، فَطَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ كَالْكَلْبِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْحِلِّ.
الثَّالِثَةُ: مَعَضُّ الْكَلْبِ مِنَ الصَّيْدِ نَجِسٌ، يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعًا مَعَ التَّعْفِيرِ كَغَيْرِهِ.
فَإِذَا غَسَلَ، حَلَّ أَكْلُهُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ: إِنْهُ طَاهِرٌ.
وَقِيلَ: نَجِسٌ يُعْفَى عَنْهُ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ بِلَا غُسْلٍ.
وَقِيلَ: نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، بَلْ يَجِبُ تَقْوِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَطَرْحُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَشَرَّبُ لُعَابَهُ، فَلَا يَتَخَلَّلُهُ الْمَاءُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا الْقَائِلُ، يَطْرُدُ مَا ذَكَرَهُ فِي كُلِّ لَحْمٍ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِعَضَّةِ الْكَلْبِ، بِخِلَافِ مَوْضِعٍ يَنَالُهُ لُعَابُهُ بِغَيْرِ عَضٍّ.
وَقِيلَ: إِنْ أَصَابَ نَابُ الْكَلْبِ عِرْقًا نَضَّاخًا بِالدَّمِ، سَرَى حُكْمُ النَّجَاسَةِ إِلَى جَمِيعِ الصَّيْدِ، وَلَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ وَإِنِ اتَّصَلَتْ بِالدَّمِ، فَالْعِرْقُ وِعَاءٌ حَاجِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ، ثُمَّ الدَّمُ إِذَا كَانَ يَفُورُ، امْتَنَعَ غَوْصُ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَالْمَاءِ الْمُتَصَعِّدِ مِنْ فَوَّارَةٍ، إِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ عَلَى أَعْلَاهُ، لَمْ يَنْجُسْ مَا تَحْتَهُ.
فَرْعٌ
ذَكَرْنَا أَنَّ النَّمِرَ وَالْفَهْدَ، كَالْكَلْبِ فِي حِلِّ مَا قَتَلَاهُ.
وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ: أَنَّ الْفَهْدَ يَبْعُدُ فِيهِ التَّعَلُّمُ، لِأَنْفَتِهِ وَعَدَمِ انْقِيَادِهِ.
فَإِنْ تُصُوِّرَ تَعَلُّمُهُ عَلَى نُدُورٍ، فَهُوَ كَالْكَلْبِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ، لَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ.
وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ مَا يُوهِمُ خِلَافَ هَذَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: نَفْسُ الذَّبْحِ، وَعَقْرُ الصَّيْدِ.
أَمَّا نَفْسُ الذَّبْحِ، فَسَبَقَ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ.
وَأَمَّا الْعَقْرُ الَّذِي يُبِيحُ الصَّيْدَ بِلَا ذَكَاةٍ، فَهُوَ الْجُرْحُ الْمَقْصُودُ الْمُزْهِقُ الْوَارِدُ عَلَى حَيَوَانٍ وَحْشِيٍّ.
أَمَّا الْجُرْحُ، فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْخَنْقُ وَالْوَقْذُ وَنَحْوَهُمَا.
وَأَمَّا الْقَصْدُ، فَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ:
الْأُولَى: قَصْدُ أَصْلِ الْفِعْلِ الْجَارِحِ.
فَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ سِكِّينٌ، فَسَقَطَ فَانْجَرَحَ بِهِ صَيْدٌ وَمَاتَ، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا أَوْ مِنْجَلًا أَوْ حَدِيدَةً فَانْعَقَرَ بِهِ صَيْدٌ وَمَاتَ أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ سِكِّينٌ فَاحْتَكَّتْ بِهَا شَاةٌ، فَانْقَطَعَ حُلْقُومُهَا، أَوْ وَقَعَتْ عَلَى حَلَقِهَا فَقَطَعَتْهُ، فَهِيَ حَرَامٌ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ تَحِلُّ الشَّاةُ فِي صُورَةِ وُقُوعِ السِّكِّينِ مِنْ يَدِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّيْدَ فِي مَعْنَاهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ حَدِيدَةٌ فَحَرَّكَهَا، وَحَكَّتِ الشَّاةُ أَيْضًا حَلْقَهَا بِالْحَدِيدَةِ فَحَصَلَ انْقِطَاعُ حَلْقِهَا بِالْحَرَكَتَيْنِ، فَهِيَ حَرَامٌ.
فَرْعٌ
إِذَا اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ بِنَفْسِهِ، فَقَتَلَ صَيْدًا، فَهُوَ حَرَامٌ.
فَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ، لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ مُعَلَّمًا، بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْمَا يُعْتَبَرُ الْإِمْسَاكُ إِذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ.
وَلَوْ زَجَرَهُ صَاحِبُهُ لِمَا اسْتَرْسَلَ، فَانْزَجَرَ وَوَقَفَ، ثُمَّ أَغْرَاهُ فَاسْتَرْسَلَ وَقَتَلَ الصَّيْدَ، حَلَّ بِلَا خِلَافٍ.
وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ وَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ، لَمْ يَحِلَّ، سَوَاءٌ زَادَ عَدْوُهُ وَحِدَّتُهُ أَمْ لَا.
فَلَوْ لَمْ يَزْجُرْهُ، بَلْ أَغْرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَدْوُهُ فَحَرَامٌ.
وَكَذَا إِذَا زَادَ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ كَانَ الْإِغْرَاءُ وَزِيَادَةُ الْعَدْوِ بَعْدَمَا زَجَرَهُ، فَلَمْ يَنْزَجِرْ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ.
وَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبًا، فَأَغْرَاهُ مَجُوسِيٌّ فَازْدَادَ عَدْوُهُ، فَإِنْ قُلْنَا فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ: لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ
الِاسْتِرْسَالِ، وَلَا يُؤَثِّرُ الْإِغْرَاءُ، حَلَّ هُنَا.
وَلَا يُؤَثِّرُ إِغْرَاءُ الْمَجُوسِيِّ.
وَإِنْ قَطَعْنَاهُ، وَأَحَلْنَا عَلَى الْإِغْرَاءِ، لَمْ يَحِلَّ هُنَا، كَذَا ذَكَرَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْبِنَاءَ.
وَقَطَعَ فِي «التَّهْذِيبِ» : بِالتَّحْرِيمِ.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِلْأَوَّلِ أَوْ مُشَارَكَةٌ، وَكِلَاهُمَا يُحَرِّمُهُ.
وَلَوْ أَرْسَلَ مَجُوسِيٌّ كَلْبًا فَأَغْرَاهُ مُسْلِمٌ، فَازْدَادَ عَدْوُهُ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى عَكْسِ مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالتَّحْرِيمِ.
وَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ، فَزَجَرَهُ فُضُولِيٌّ فَانْزَجَرَ، ثُمَّ أَغْرَاهُ فَاسْتَرْسَلَ، فَأَخَذَ صَيْدًا، فَلِمَنْ يَكُونُ الصَّيْدُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لِلْغَاصِبِ.
وَلَوْ زَجَرَهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، فَأَغْرَاهُ، أَوْ لَمْ يَزْجُرْهُ، بَلْ أَغْرَاهُ وَزَادَ عَدْوُهُ، وَقُلْنَا: الصَّيْدُ لِلْغَاصِبِ، خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْإِغْرَاءَ يَقْطَعُ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ، أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَالصَّيْدُ لِصَاحِبِ الْكَلْبِ، وَإِلَّا فَلِلْغَاصِبِ الْفُضُولِيِّ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَمْتَنِعُ تَخْرِيجُ وَجْهٍ بِاشْتِرَاكِهِمَا.
فَرْعٌ
لَوْ أَصَابَ السَّهْمُ الصَّيْدَ بِإِعَانَةِ الرِّيحِ، وَكَانَ يَقْصُرُ عَنْهُ لَوْلَا الرِّيحُ، حَلَّ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ هُبُوبِهَا، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ كُلُّهُمْ، وَأَبْدَى الْإِمَامُ فِيهِ تَرَدُّدًا.
وَلَوْ أَصَابَ الْأَرْضَ أَوِ انْصَدَمَ بِحَائِطٍ ثُمَّ ازْدَلَفَ وَأَصَابَ الصَّيْدَ، أَوْ أَصَابَ حَجَرًا فَنَبَا عَنْهُ وَأَصَابَ الصَّيْدَ أَوْ نَفَذَ فِيهِ إِلَى الصَّيْدِ، أَوْ كَانَ الرَّامِي فِي نَزْعِ الْقَوْسِ فَانْقَطَعَ الْوَتَرُ وَصَدَمَ الْفُوقَ فَارْتَمَى السَّهْمُ وَأَصَابَ الصَّيْدَ، حَلَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: قَصْدُ جِنْسِ الْحَيَوَانِ، فَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا فِي الْهَوَاءِ، أَوْ فَضَاءٍ مِنَ الْأَرْضِ، لِاخْتِبَارِ قُوَّتِهِ، أَوْ رَمَى إِلَى هَدَفٍ، فَاعْتَرَضَ صَيْدًا فَأَصَابَهُ وَقَتَلَهُ، وَكَانَ لَا يَخْطُرُ لَهُ الصَّيْدُ، أَوْ كَانَ يَرَاهُ، وَلَكِنْ رَمَى إِلَى الْهَدَفِ.
أَوْ ذِئْبٍ،
وَلَا يَقْصِدُ الصَّيْدَ فَأَصَابَهُ، لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، لِعَدَمِ قَصْدِهِ.
وَلَوْ كَانَ يُجِيلُ سَيْفَهُ فَأَصَابَ عُنُقَ شَاةٍ وَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِّيءَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالْحَالِ، فَقَطَعَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: بِأَنَّهَا مَيْتَةٌ قَدْ يَجِيءُ فِي هَذَا الْخِلَافِ وَأَيْضًا الْوَجْهُ الْمَنْقُولُ فِيمَا لَوْ وَقَعَ السِّكِّينُ مِنْ يَدِهِ.
وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا حَيْثُ لَا صَيْدَ، فَاعْتَرَضَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي «الْكَافِي» لِلرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ: فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ رَمَى مَا ظَنَّهُ حَجَرًا، أَوْ جُرْثُومَةً، أَوْ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، أَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ، أَوْ خِنْزِيرًا، أَوْ حَيَوَانًا آخَرَ مُحَرَّمًا، فَكَانَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ، أَوْ ظَنَّهُ صَيْدًا غَيْرَ مَأْكُولٍ فَكَانَ مَأْكُولًا، أَوْ قَطَعَ فِي ظُلْمَةٍ مَا ظَنَّهُ ثَوْبًا، فَكَانَ حَلْقَ شَاةٍ، فَانْقَطَعَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِّيءُ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا إِلَى شَاخِصٍ يَظُنْهُ حَجَرًا، فَكَانَ صَيْدًا، أَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ ذَبَحَ فِي ظُلْمَةٍ حَيَوَانًا يَظُنُّهُ مُحَرَّمًا، فَبَانَ أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً، حَلَّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ رَمَى إِلَى شَاتِهِ الرَّبِيطَةِ سَهْمًا جَارِحًا، فَأَصَابَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِّيءَ وِفَاقًا، وَقَطَعَهُمَا، فَفِي حِلِّ الشَّاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَبْحِهَا احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَقَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الْمَذْبَحَ بِسَهْمِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الشَّاةَ فَيُصِيبُ الْمَذْبَحَ.
قُلْتُ: الْأَرْجَحُ: الْحِلُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: قَصْدُ عَيْنِ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا رَمَى صَيْدًا يَرَاهُ، أَوْ لَا يَرَاهُ، لَكِنْ يَحِسُّ بِهِ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، بِأَنْ كَانَ بَيْنَ أَشْجَارٍ مُلْتَفَّةٍ وَقَصَدَهُ، حَلَّ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، بِأَنْ رَمَى وَهُوَ لَا يَرْجُو صَيْدًا فَأَصَابَ صَيْدًا، فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِنْ كَانَ يَتَوَقَّعُ صَيْدًا فَبَنَى الرَّمْيَ عَلَيْهِ، بِأَنْ رَمَى فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَقَالَ: رُبَّمَا أَصَبْتُ صَيْدًا فَأَصَابَهُ؛ فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: التَّحْرِيمُ.
وَالثَّانِي: يَحِلُّ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ تَوَقَّعَهُ بِظَنٍّ غَالِبٍ، حَلَّ، وَإِنْ كَانَ مُجَرَّدَ تَجْوِيزٍ، حَرُمَ.
وَلَوْ رَمَى إِلَى سِرْبٍ مِنَ الظِّبَاءِ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فَأَصَابَ وَاحِدَةً مِنْهَا، فَهِيَ حَلَالٌ
قَطْعًا.
وَلَوْ قَصَدَ مِنْهَا ظَبْيَةً بِالرَّمْيِ، فَأَصَابَ غَيْرَهَا؛ فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: الْحِلُّ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: التَّحْرِيمُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ حَالَةَ الرَّمْيِ يَرَى الْمُصَابَ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ الْمُصَابُ مِنَ السِّرْبِ الَّذِي رَآهُ وَرَمَاهُ، حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْحِلِّ، وَسَوَاءً عَدَلَ السَّهْمَ عَنِ الْجِهَةِ الَّتِي قَصَدَهَا إِلَى غَيْرِهَا، أَمْ لَا.
وَلَوْ رَمَى شَاخِصًا يَعْتَقِدُهُ حَجَرًا، وَكَانَ حَجَرًا، فَأَصَابَ ظَبْيَةً، لَمْ تَحِلَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَإِنْ كَانَ الشَّاخِصُ صَيْدًا، وَمَالَ السَّهْمُ عَنْهُ وَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، وَأَوْلَى بِالْحِلِّ.
وَلَوْ رَمَى شَاخِصًا ظَنَّهُ خِنْزِيرًا، وَكَانَ خِنْزِيرًا، أَوْ صَيْدًا فَلَمْ يُصِبْهُ، وَأَصَابَ ظَبْيَةً، لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مُحَرَّمًا.
وَالْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ خِنْزِيرًا أَضْعَفُ.
وَلَوْ رَمَى شَاخِصًا ظَنَّهُ صَيْدًا، فَبَانَ حَجَرًا أَوْ خِنْزِيرًا، أَوْ أَصَابَ السَّهْمُ صَيْدًا، قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : إِنِ اعْتَبَرْنَا ظَنَّهُ فِيمَا إِذَا رَمَى مَا ظَنَّهُ حَجَرًا، فَكَانَ صَيْدًا، وَأَصَابَ السَّهْمُ صَيْدًا آخَرَ، وَقُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ، فَهُنَا يَحِلُّ الصَّيْدُ الَّذِي أَصَابَهُ.
وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْحَقِيقَةَ، وَقُلْنَا بِالْحِلِّ هُنَاكَ، حَرُمَ هُنَا.
وَأَمَّا إِذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ، فَقَتَلَ صَيْدًا آخَرَ، فَيُنْظَرُ، إِنْ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ جِهَةِ الْإِرْسَالِ، بَلْ كَانَ فِيهَا صُيُودًا، فَأَخَذَ غَيْرَ مَا أَغْرَاهُ عَلَيْهِ، حَلَّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي السَّهْمِ، وَإِنْ عَدَلَ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: الْحِلُّ؛ لِأَنَّهُ تَعَسَّرَ تَكْلِيفُهُ تَرْكَ الْعُدُولِ، وَلِأَنَّ الصَّيْدَ لَوْ عَدَلَ فَتَبِعَهُ، حَلَّ قَطْعًا.
وَالثَّانِي: يَحْرُمُ.
وَالثَّالِثُ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ «الْحَاوِي» : إِنْ خَرَجَ عَادِلًا عَنِ الْجِهَةِ، حَرُمَ، وَإِنْ خَرَجَ إِلَيْهَا فَفَاتَهُ الصَّيْدُ، فَعَدَلَ إِلَى غَيْرِهَا وَصَادَ، حَلَّ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حَذَقِهُ حَيْثُ لَمْ يَرْجِعْ خَائِبًا.
وَقَطَعَ الْإِمَامُ بِالتَّحْرِيمِ إِذَا عَدَلَ وَظَهَرَ مِنْ عُدُولِهِ وَاخْتِيَارِهِ بِأَنِ امْتَدَّ فِي جِهَةِ الْإِرْسَالِ زَمَانًا ثُمَّ ثَارَ صَيْدٌ آخَرُ فَاسْتَدْبَرَ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَصَدَ الْآخَرَ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْجُرْحِ مُزْهِقًا، فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا لَوْ مَاتَ بِصَدْمَةٍ أَوِ افْتِرَاسِ سَبْعٍ، أَوْ أَعَانَ ذَلِكَ الْجُرْحَ غَيْرُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي نَظَائِرِهِ، فَلَا يَحِلُّ.
وَلَوْ غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا، لَمْ يَحِلَّ عَلَى الصَّحِيحِ، لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَلَا أَثَّرَ لِتَضَمُّخِهِ بِدَمِهِ، فَرُبَّمَا جَرَحَهُ الْكَلْبُ وَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ أُخْرَى.
وَإِنْ جَرَحَهُ
فَغَابَ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا، فَإِنِ انْتَهَى إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ بِالْجُرْحِ، حَلَّ، وَلَا أَثَرَ لِغَيْبَتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي مَاءٍ، أَوْ وُجِدَ عَلَيْهِ أَثَرُ صَدْمَةٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أُخْرَى، لَمْ يَحِلَّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَرٌ آخَرُ، فَثَلَاثُ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: يَحِلُّ قَطْعًا.
وَالثَّانِي: يَحْرُمُ قَطْعًا.
وَأَصَحُّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ: التَّحْرِيمُ.
وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» : التَّحْلِيلُ، وَتُسَمَّى هَذِهِ: مَسْأَلَةُ الْإِنْمَاءِ.
قُلْتُ: الْحِلُّ أَصَحُّ دَلِيلًا.
وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» : وَثَبَتَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي التَّحْرِيمِ شَيْءٌ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْحِلَّ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَ [عِنْدَ] إِرْسَالِ الْكَلْبِ وَالسَّهْمِ.
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ.
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ مَا يُمْلَكُ بِهِ الصَّيْدُ
يُمْلَكُ بِطُرُقٍ
مِنْهَا: أَنْ يَضْبُطَهُ بِيَدِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَصْدُ التَّمَلُّكِ فِي أَخْذِهِ بِيَدِهِ، حَتَّى لَوْ أَخَذَ صَيْدًا لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ، مَلَكَهُ.
وَلَوْ سَعَى خَلْفَ صَيْدٍ فَوَقَفَ الصَّيْدُ لِلْإِعْيَاءِ، لَمْ يَمْلِكْهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ بِيَدِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَجْرَحَهُ جِرَاحَةً مُذَفِّفَةً، أَوْ يَرْمِيَهُ فَيُثْخِنَهُ وَيُزْمِنَهُ، فَيَمْلِكَهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَ طَائِرًا فَكَسَرَ جَنَاحَهُ، فَعَجَزَ عَنِ الطَّيَرَانِ وَالْعَدْوِ جَمِيعًا.
وَيَكْفِي لِلتَّمَلُّكِ إِبْطَالُ شِدَّةِ الْعَدْوِ وَصَيْرُورَتِهِ بِحَيْثُ يَسْهُلُ لَحَاقُهُ.
وَلَوْ جَرَحَهُ فَعَطِشَ فَثَبَتَ، لَمْ يَمْلِكْهُ إِنْ كَانَ الْعَطَشُ لِعَدَمِ الْمَاءِ.
وَإِنْ كَانَ لِعَجْزِهِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَاءِ، مَلَكَهُ؛ لِأَنَّ عَجَزَهُ بِالْجِرَاحَةِ.
وَمِنْهَا: وُقُوعُهُ فِي شَبَكَةٍ مَنْصُوبَةٍ لَهُ.
فَلَوْ طَرَدَهُ طَارِدٌ فَوَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ، لَا لِلطَّارِدِ.
وَفِي «الْحَاوِي» : أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَةٍ ثُمَّ تَقَطَّعَتْ فَأَفْلَتَ الصَّيْدُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَطْعِ الصَّيْدِ الْوَاقِعِ، عَادَ مُبَاحًا، فَيَمْلِكُهُ مَنْ صَادَهُ، وَإِلَّا، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الشَّبَكَةِ، فَلَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ» فِي بَابِ النَّثْرِ: لَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ فَأَفْلَتَ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمِنْهَا: إِذَا أَرْسَلَ كَلْبًا فَأَثْبَتَ صَيْدًا، مَلَكَهُ، فَلَوْ أَرْسَلَ سَبْعًا آخَرَ فَعَقَرَهُ وَأَثْبَتَهُ، قَالَ فِي «الْحَاوِي» : إِنْ كَانَ لَهُ يَدٌ عَلَى السَّبْعِ، مَلَكَهُ كَإِرْسَالِ الْكَلْبِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ أَفْلَتَ الصَّيْدُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْكَلْبُ، فَفِي «الْبَحْرِ» : أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ قَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ صَاحِبُهُ، لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلَا زَالَ امْتِنَاعُهُ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَمْلِكُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: إِذَا أَلْجَأَهُ إِلَى مَضِيقٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْفِلَاتِ مِنْهُ، مَلَكَهُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ يُدْخِلَهُ بَيْتًا وَنَحْوَهُ.
وَقَدْ يَرْجِعُ جَمِيعُ هَذَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَيُقَالُ: سَبَبُ مِلْكِ الصَّيْدِ إِبْطَالُ امْتِنَاعِهِ وَحُصُولُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ تَوَحَّلَ صَيْدٌ بِمَزْرَعَتِهِ وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُهُ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِسَقْيِ الْأَرْضِ الِاصْطِيَادَ.
قَالَ الْإِمَامُ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ سَقْيُ الْأَرْضِ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ تَوَحُّلُ الصَّيُودِ، فَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ، فَهُوَ كَنَصْبِ الشَّبَكَةِ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الرُّويَانِيُّ لِمَزْرَعَةِ الشَّخْصِ، بَلْ قَالَ: لَوْ تَوَحَّلَ وَهُوَ فِي طَلَبِهِ، لَمْ يَمْلِكْهُ، لَأَنَّ الطِّينَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ.
فَلَوْ كَانَ هُوَ أَرْسَلَ الْمَاءَ فِي الْأَرْضِ، مَلَكَهُ؛ لِأَنَّ الْوَحْلَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ كَالشَّبَكَةِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَرْجِعَ
[هَذَا] إِلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ قَصْدِ الِاصْطِيَادِ بِالسَّقْيِ.
وَلَوْ وَقَعَ صَيْدٌ فِي أَرْضِهِ وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، أَوْ عَشَّشَ طَائِرٌ فِيهَا وَبَاضَ وَفَرَّخَ، وَحَصَلَتِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْبَيْضِ وَالْفَرْخِ، لَمْ يَمْلِكْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قُطِعَ فِي «التَّهْذِيبِ» وَقَالَ: لَوْ حَفَرَ حُفْرَةً لَا لِلصَّيْدِ، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ، لَمْ يَمْلِكْهُ.
وَإِنْ حَفَرَ لِلصَّيْدِ، مَلَكَ مَا وَقَعَ فِيهِ.
وَلَوْ أَغْلَقَ بَابَ الدَّارِ لِئَلَّا يَخْرُجَ، مَلَكَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: إِذَا قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الدَّارِ، فَهُوَ أَوْلَى بِتَمَلُّكِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْخُلَ مِلْكَهُ وَيَأْخُذَهُ.
فَإِنْ فَعَلَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ وَجْهَانِ كَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا وَأَحْيَاهُ غَيْرُهُ، هَلْ يَمْلِكُهُ؟ وَهَذِهِ الصُّورَةُ أَوْلَى بِثُبُوتِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ التَّحَجُّرَ لِلْإِحْيَاءِ، وَلَا يُقْصَدُ بِبَنَاءِ الدَّارِ تَمَلُّكُ الصَّيْدِ الْوَاقِعِ فِيهَا.
وَلَوْ قَصَدَ بِبِنَاءِ الدَّارِ تَعْشِيشَ الطَّائِرِ، فَعَشَّشَ فِيهَا طَيْرٌ، أَوْ وَقَعَتِ الشَّبَكَةُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ، فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ، فَوَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي الْأُولَى قَصْدٌ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ.
وَفِي الثَّانِيَةِ: حَصَلَ اسْتِيلَاءٌ بِمِلْكِهِ، لَكِنْ بِلَا قَصْدٍ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَمْلِكُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ.
فَرْعٌ
لَوِ اضْطَرَّ سَمَكَةً إِلَى بِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ حَوْضٍ صَغِيرٍ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ، مَلَكَهَا كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ أَلْجَأَ صَيْدًا إِلَى مَضِيقٍ.
وَالصَّغِيرُ مَا يَسْهُلُ أَخْذُهَا مِنْهُ.
فَلَوْ دَخَلَتْ بِنَفْسِهَا، عَادَ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا دَخَلَ الصَّيْدُ مِلْكَهُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنْهُ لَا يَمْلِكُ بِالدُّخُولِ، فَسَدَّ مَنَافِذَ الْبِرْكَةِ، مَلَكَهَا؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى ضَبْطِهَا.
وَلَوِ اضْطَرَّهَا إِلَى بِرْكَةٍ وَاسِعَةٍ يَعْسُرُ أَخْذُ السَّمَكَةِ مِنْهَا، أَوْ دَخَلَتْهَا السَّمَكَةُ فَسَدَّ مَنَافِذَهَا، لَمْ يَمْلِكْهَا، لَكِنْ يَثْبُتُ لَهُ اخْتِصَاصٌ كَالْمُتَحَجِّرِ.
فَرْعٌ
لَوْ دَخَلَ بُسْتَانَ غَيْرِهِ وَصَادَ فِيهِ طَائِرًا، مَلَكَهُ الصَّائِدُ بِلَا خِلَافٍ.
فَصْلٌ
مَنْ مَلَكَ صَيْدًا، ثُمَّ أَفْلَتَ مِنْهُ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ.
وَمَنْ أَخَذَهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَيْهِ، وَسَوَاءً كَانَ يَدُورُ فِي الْبَلَدِ وَحَوْلَهُ، أَوِ الْتَحَقَ بِالْوُحُوشِ.
وَلَوْ أَرْسَلَهُ مَالِكُهُ، لَمْ يَزُلْ عَنْهُ مِلْكُهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ كَمَا لَوْ سَيَّبَ دَابَّتَهُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سَوَائِبَ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِطُ بِالْمُبَاحِ فَيُصَادُ، وَقِيلَ: يَزُولُ.
وَقِيلَ: إِنْ قَصَدَ بِإِرْسَالِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، زَالَ، وَإِلَّا فَلَا.
فَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ، عَادَ مُبَاحًا، فَمَنْ صَادَهُ مَلَكَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَزُولُ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَصِيدَهُ إِذَا عَرَفَهُ.
فَإِنْ قَالَ عِنْدَ الْإِرْسَالِ: أَبَحْتُهُ لِمَنْ أَخَذَهُ، حَصَلَتِ الْإِبَاحَةُ،
وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَكَلَهُ، لَكِنْ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفَهُ فِيهِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ، فَأَرْسَلَهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهَلْ يَحِلُّ اصْطِيَادُهُ لِرُجُوعِهِ إِلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ لَا، كَالْعَبْدِ الْمُعْتَقِ؟ وَجْهَانِ:
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْحَلُّ، لِئَلَّا يَصِيرَ فِي مَعْنَى سَوَائِبِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَلْقَى كِسْرَةَ خُبْزٍ مُعْرِضًا، فَهَلْ يَمْلِكُهَا مَنْ أَخَذَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى إِرْسَالِ الصَّيْدِ.
وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يَمْلِكَ، بَلْ تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمُلْقِي؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ فِي الصَّيْدِ الْيَدُ، وَقَدْ أَزَالَهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا الْخِلَافُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ، وَمَا فَعَلَهُ إِبَاحَةٌ لِلطَّاعِمِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الظَّاهِرَةَ تَكْفِي الْإِبَاحَةَ.
هَذَا لَفْظُ الْإِمَامِ، وَيُوَضِّحُهُ مَا نُقِلَ عَنِ الصَّالِحِينَ مِنَ الْتِقَاطِ السَّنَابِلِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَمْلِكُ الْكِسْرَةَ وَالسَّنَابِلَ وَنَحْوَهَا، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ أَحْوَالِ السَّلَفِ، وَلَمْ يُحْكَ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ أَعْرَضَ عَنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ وَدَبَغَهُ، مَلَكَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لِلْأَوَّلِ، وَإِنْمَا كَانَ لَهُ اخْتِصَاصٌ ضَعِيفٌ زَالَ بِالْإِعْرَاضِ.
فَرْعٌ
مَنْ صَادَ صَيْدًا عَلَيْهِ أَثَرُ مِلْكٍ، بِأَنْ كَانَ مَوْسُومًا أَوْ مُقَرَّطًا أَوْ مَخْضُوبًا،
أَوْ مَقْصُوصَ الْجَنَاحِ، لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا فَأَفْلَتَ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ صَادَهُ مُحْرِمٌ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ، فَإِنْهُ تَقْدِيرٌ بَعِيدٌ.
فَرْعٌ
لَوْ صَادَ سَمَكَةً فِي جَوْفِهَا دُرَّةٌ مَثْقُوبَةٌ، لَمْ يَمْلِكِ الدُّرَّةَ، بَلْ تَكُونُ لُقَطَةً.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ، فَهِيَ لَهُ مَعَ السَّمَكَةِ.
وَلَوِ اشْتَرَى سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي جَوْفِهَا دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي.
وَإِنْ كَانَتْ مَثْقُوبَةً، فَهِيَ لِلْبَائِعِ إِنِ ادَّعَاهَا، كَذَا قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: الدُّرَّةُ لِصَائِدِ السَّمَكَةِ، كَالْكَنْزِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ لِمُحْيِيهَا.
فَصْلٌ
إِذَا تَحَوَّلَ بَعْضُ حَمَامِ بُرْجِهِ إِلَى بُرْجِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُتَحَوِّلُ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَيَلْزَمُ الثَّانِي رَدُّهُ.
فَإِنْ حَصَلَ بَيْنَهُمَا بَيْضٌ أَوْ فَرْخٌ، فَهُوَ تَبَعٌ لِلْأُنْثَى دُونَ الذَّكَرِ.
وَلَوِ ادَّعَى تَحَوُّلَ حَمَامِهِ إِلَى بُرْجٍ غَيْرِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْوَرَعُ أَنْ يُصِدِّقَهُ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ كَذِبَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُتَحَوِّلُ مُبَاحًا دَخَلَ بُرْجَ الْأَوَّلِ، فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي دُخُولِ الصَّيْدِ مِلْكَهُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنْهُ لَا يَمْلِكُهُ، فَلِلثَّانِي أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، وَمَنْ دَخَلَ بُرْجَهُ حَمَامٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَمْ مَمْلُوكٌ؟ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُبَاحٌ.
وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ اخْتَلَطَ بِمِلْكِهِ مِلْكُ غَيْرِهِ، وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ، فَفِي «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ لَوِ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ وَاحِدَةٌ بِحَمَامَاتِهِ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِالِاجْتِهَادِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً حَتَّى تَبْقَى وَاحِدَةٌ.
كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتْ ثَمَرَةُ الْغَيْرِ بِثَمَرِهِ.
وَالَّذِي حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَاحِدَةً مِنْهَا حَتَّى يُصَالِحَ
ذَلِكَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِي أَنْ يَجْتَنِبَ طَيْرَ الْبُرُوجِ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ بِنَاءَهَا.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لِثَالِثٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْمِلْكُ.
وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا أَوْ وَهَبَ لِلْآخَرِ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَتُحْتَمَلُ الْجَهَالَةُ لِلضَّرُورَةِ.
وَلَوْ بَاعَا الْحَمَامَ الْمُخْتَلِطَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لِثَالِثٍ، وَلَا يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنَ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَعْدَادُ مَعْلُومَةً كَمِائَتَيْنِ وَمِائَةٍ، وَالْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةٌ، وَوَزَّعَا الثَّمَنَ عَلَى أَعْدَادِهِمَا، صَحَّ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ جَهِلَا الْعَدَدَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَنِ.
فَالطَّرِيقُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: بِعْتُكَ الْحَمَامَ الَّذِي لِي فِي هَذَا الْبُرْجِ بِكَذَا، فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا.
وَيُحْتَمَلُ الْجَهْلُ فِي الْمَبِيعِ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَوْ تَصَالَحَا عَلَى شَيْءٍ، صَحَّ الْبَيْعُ وَاحْتُمِلَ الْجَهْلُ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا، مَا أَطْلَقَ فِي مُقَاسَمَتِهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تُجَوِّزُ الْمُسَامَحَةَ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْعُقُودِ، كَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، يَصِحُّ اصْطِلَاحُهُنَّ عَلَى الْقِسْمَةِ بِالتَّسَاوِي أَوْ بِالتَّفَاوُتِ مَعَ الْجَهْلِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ هُنَا أَيْضًا بِحَسَبِ تَرَاضِيهِمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: بِعْتُ مَا لِي مِنْ حَمَامِ هَذَا الْبُرْجِ بِكَذَا، وَالْأَعْدَادُ مَجْهُولَةٌ، يَصِحُّ أَيْضًا مَعَ الْجَهْلِ بِمَا يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَنْفَصِلَ الْأَمْرُ بِحَسَبِ مَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ حَمَامِ الْبُرْجِ بِإِذْنِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ أَصِيلًا فِي الْبَعْضِ وَوَكِيلًا فِي الْبَعْضِ، جَازَ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الثَّمَنَ.
فَرْعٌ
لَوِ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ مَمْلُوكَةٌ، أَوْ حَمَامَاتٌ بِحَمَامَاتٍ مُبَاحَةٍ مَحْصُورَةٍ، لَمْ يَجُزِ الِاصْطِيَادُ مِنْهَا.
وَلَوِ اخْتَلَطَتْ بِحَمَامِ نَاحِيَةٍ، جَازَ الِاصْطِيَادُ فِي النَّاحِيَةِ.
وَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ مَا لَا يُحْصَرُ فِي الْعَادَةِ بِاخْتِلَاطِ مَا يُحْصَرُ بِهِ.
وَإِنِ اخْتَلَطَ حَمَامُ أَبْرَاجٍ مَمْلُوكَةٍ لَا يَكَادُ يُحْصَرُ بِحَمَامِ بَلْدَةٍ أُخْرَى مُبَاحَةٍ، فَفِي جَوَازِ الِاصْطِيَادِ مِنْهَا وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَجُوزُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ.
قُلْتُ: مِنْ أَهَمِّ مَا يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ، ضَبْطُ الْعَدَدِ الْمَحْصُورِ، فَإِنْهُ يَتَكَرَّرُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَقَلَّ مَنْ بَيَّنَهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: تَحْدِيدُ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِنْمَا يُضْبَطُ بِالتَّقْرِيبِ.
قَالَ: فَكُلُّ عَدَدٍ لَوِ اجْتَمَعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يَعْسُرُ عَلَى النَّاظِرِ عَدُّهُمْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ، كَالْأَلْفِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ.
وَمَا سَهَلَ كَالْعَشْرَةِ وَالْعِشْرِينَ، فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ تَلْحَقُ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالظَّنِّ.
وَمَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ، اسْتُفْتِيَ فِيهِ الْقَلْبُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا انْثَالَتْ حِنْطَتُهُ عَلَى حِنْطَةِ غَيْرِهِ، أَوِ انْصَبَّ مَائِعُهُ فِي مَائِعِهِ، وَجَهِلَا قَدْرَهُمَا، فَلْيَكُنِ الْحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَمَامِ الْمُخْتَلِطِ.
فَرْعٌ
لَوْ مَلَكَ الْمَاءَ بِالِاسْتِقَاءِ، ثُمَّ انْصَبَّ فِي نَهْرٍ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ مِنْهُ، وَلَا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الِاسْتِقَاءِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ اخْتِلَاطِ الْمَحْصُورِ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ.
قُلْتُ: وَلَوِ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَرَامٌ، أَوْ دِرْهَمٌ بِدَرَاهِمِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، أَوْ دَهَنَ بِدُهْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: طَرِيقُهُ أَنْ يَفْصِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ فَيَصْرِفَهُ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي يُحِبُّ صَرْفَهُ إِلَيْهَا، وَيَبْقَى الْبَاقِي لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا أَرَادَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي الِاشْتِرَاكِ وَالِازْدِحَامِ عَلَى الصَّيْدِ
وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَعَاقَبَ جُرْحَانِ مِنِ اثْنَيْنِ.
فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَفَّفًا وَلَا مُزْمِنًا، بَلْ بَقِيَ عَلَى امْتِنَاعِهِ، وَكَانَ الثَّانِي مُذَفَّفًا أَوْ مُزْمِنًا، فَالصَّيْدُ لِلثَّانِي، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ بِجِرَاحَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ مُذَفَّفًا، فَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ.
وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ مُزْمِنًا، فَلَهُ الصَّيْدُ بِهِ، وَيَنْظُرُ فِي الثَّانِي، فَإِنْ ذَفَّفَ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، فَهُوَ حَلَالٌ لِلْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَذْبُوحًا وَمُزْمِنًا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ إِذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَإِنْ كَانَ مُتَأَلِّمًا، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُذْبَحْ لَهَلَكَ، فَمَا عِنْدِي أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْهُ بِالذَّبْحِ شَيْءٌ.
وَإِنْ ذَفَّفَ الثَّانِي لَا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، أَوْ لَمْ يُذَفَّفْ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ،
فَهُوَ مَيْتَةٌ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ فَأَزْمَنَهُ، ثُمَّ رَمَى إِلَيْهِ ثَانِيًا وَذَفَّفَ لَا بِقَطْعِ الْمَذْبَحِ، وَيَجِبُ عَلَى الثَّانِي كَمَالُ قِيمَةِ الصَّيْدِ مَجْرُوحًا إِنْ ذَفَّفَ.
فَإِنْ جُرِحَ بِلَا تَذْفِيفٍ، وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ، فَفِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَلَامٌ لَهُ مُقَدِّمَةٌ نَذْكُرُهَا أَوَّلًا، وَهِيَ: إِذَا جَنَى رَجُلٌ عَلَى عَبْدٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، أَوْ صَيْدٍ مَمْلُوكٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، جِرَاحَةً أَرْشُهَا دِينَارٌ، ثُمَّ جَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً أَرْشُهَا دِينَارٌ أَيْضًا، فَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ، فَفِيمَا يَلْزَمُ الْجَارِحِينَ، أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَيْنِ سَرَيَا وَصَارَا قَتْلًا، فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَيَاعَ نِصْفِ دِينَارٍ عَلَى الْمَالِكِ.
وَالثَّانِي، قَالَهُ الْمُزَنِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَالْقَفَّالُ: يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَصَتْ جِنَايَةُ الْأَوَّلِ دِينَارًا، وَالثَّانِي دِينَارَيْنِ، لَزِمَ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ، وَالثَّانِي خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ، وَلَوْ نَقَصَتْ جِنَايَةُ الْأَوَّلِ دِينَارَيْنِ، وَالثَّانِي دِينَارًا، انْعَكَسَ، فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ، وَالثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ.
وَضَعَّفُوا هَذَا الْوَجْهَ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ قِيمَتِهِ حَالَ جِنَايَتِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ، حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الْقَفَّالِ أَيْضًا: يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ، وَالثَّانِي خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ نَقَصَتْ دِينَارًا، ثُمَّ سُرَّتَا، وَالْأَرْشُ يَسْقُطُ إِذَا صَارَتِ الْجِنَايَةُ نَفْسًا، فَيَسْقُطُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ نِصْفُ الْقَتْلِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ، بِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُتْلِفِ.
وَأَجَابَ الْقَفَّالُ، بِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَنْجَرُّ إِلَى إِيجَابِ زِيَادَةٍ، كَمَنْ قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ فَقَتَلَهُ آخَرُ، وَأُجِيبَ عَنْهُ، بِأَنَّ قَاطِعَ الْيَدَيْنِ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ يَقْطَعُ أَثَرَ الْقَتْلِ، وَيَقَعُ مَوْقِعَ الِانْدِمَالِ، وَهُنَا بِخِلَافِهِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ، قَالَ أَبُو الطِّيبِ بْنُ سَلَمَةَ: يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ، وَنِصْفُ الْأَرْشِ، لَكِنْ لَا يَزِيدُ الْوَاجِبُ عَلَى الْقِيمَةِ، فَيَجْمَعُ مَا لَزِمَهُمَا تَقْدِيرًا، وَهُوَ عَشْرَةٌ وَنِصْفٌ، وَيُقَسِّمُ الْقَيِّمَةَ وَهِيَ عَشْرَةٌ عَلَى الْعَشْرَةِ وَالنِّصْفِ، لِيُرَاعِيَ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا، فَتُبْسَطُ أَنْصَافًا، فَتَكُونُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ، فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ
أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشْرَةٍ، وَيَلْزَمُ الثَّانِي عَشْرَةٌ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ مِنْ عَشْرَةٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، لِإِفْرَادِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَنْ بَدَلِ النَّفْسِ.
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ، عَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ: يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ، وَالثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوِ انْفَرَدَ بِالْجُرْحِ وَالسِّرَايَةِ، لَزِمَهُ الْعَشْرَةُ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إِلَّا مَا يَلْزَمُ الثَّانِي، وَالثَّانِي إِنْمَا جَنَى عَلَى نِصْفِ مَا يُسَاوِي تِسْعَةً، وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا.
وَالْوَجْهُ السَّادِسُ، قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ «الْإِفْصَاحِ» ، وَأَطْبَقَ الْعِرَاقِيُّونَ عَلَى تَرْجِيحِهِ: أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَيَكُونُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَيَقْسِمُ عَلَيْهِ مَا فَوَّتَا وَهُوَ عَشْرَةٌ، فَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عَشْرَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عَشْرَةٍ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْجُنَاةُ ثَلَاثَةً، وَأَرْشُ كُلِّ جِنَايَةٍ دِينَارٌ وَالْقِيمَةُ عَشْرَةٌ، فَعَلَى طَرِيقَةِ الْمُزَنِيِّ: يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ: يَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ، مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ هِيَ ثُلْثُ الْقِيمَةِ، وَثُلُثَانِ وَهُمَا ثُلُثَا الْأَرْشِ.
وَيَلْزَمُ الثَّانِي ثَلَاثَةٌ وَثُلُثَانِ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا ثُلُثُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ، وَثُلُثَانِ هُمَا ثُلُثُ الْأَرْشِ، وَيَلْزَمُ الثَّالِثَ ثَلَاثَةٌ، مِنْهَا دِينَارَانِ وَثُلُثُ هِيَ ثُلُثُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ، وَثُلُثَانِ هُمَا ثُلُثَا الْأَرْشِ، فَالْجُمْلَةُ عَشْرَةٌ وَثُلُثَانِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ: تُوَزَّعُ الْعَشْرَةُ عَلَى عَشْرَةٍ وَثُلُثَيْنِ.
وَعَلَى الْخَامِسِ: يَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ وَثُلُثٌ، وَالثَّانِي ثَلَاثَةٌ، وَالثَّالِثَ دِينَارَانِ وَثُلُثَانِ.
وَعَلَى السَّادِسِ: تُجْمَعُ الْقِيَمُ، فَتَكُونُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، فَتُقَسَّمُ الْعَشْرَةُ عَلَيْهَا.
أَمَّا إِذَا جَرَحَ مَالِكُ الْعَبْدِ أَوِ الصَّيْدِ جِرَاحَةً، وَأَجْنَبِيٌّ أُخْرَى، فَيُنْظَرُ فِي جِنَايَةِ الْمَالِكِ، أَهِيَ الْأُولَى أَمِ الثَّانِيَةُ؟ وَتَخْرُجُ عَلَى الْأَوْجُهِ، فَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ وَتَجِبُ حِصَّةُ الْأَجْنَبِيِّ.
وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ: أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْجِنَايَتَيْنِ عَلَى الْعَبْدِ، هُوَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْجِنَايَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَإِنْ كَانَ، فَلَيْسَ الْعَبْدُ فِيهَا كَالْبَهِيمَةِ وَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ، حَتَّى لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ غَيْرِهِ جِنَايَةً لَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَنَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ عَشْرَةً، ثُمَّ جَنَى آخَرُ جِنَايَةً لَا أَرْشَ لَهَا، فَنَقَصَتْ عَشْرَةً أَيْضًا، وَمَاتَ الْعَبْدُ
مِنْهُمَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ يُدْفَعُ مِنْهَا خَمْسَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ.
قَالَ: فَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى، لَزِمَ الْأَوَّلَ نِصْفُ أَرْشِ الْيَدِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَنِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَهُوَ خَمْسُونَ، وَلَزِمَ الثَّانِي نِصْفُ أَرْشِ الْيَدِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ، فَالْجُمْلَةُ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ جَمِيعُهَا لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ وَاجِبُهَا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ فَقَتَلَهُ آخَرُ.
هَذَا بَيَانُ الْمُقَدِّمَةِ.
وَنَعُودُ إِلَى مَسْأَلَةِ الصَّيْدِ فَنَقُولُ: إِذَا جَرَحَ الثَّانِي جِرَاحَةً غَيْرَ مُذَفَّفَةٍ، وَمَاتَ الصَّيْدُ بِالْجُرْحَيْنِ، نُظِرَ، إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْأَوَّلُ مِنْ ذَبْحِهِ، لَزِمَ الثَّانِي تَمَامُ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَيْتَةً بِفِعْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَحَ شَاةَ نَفْسِهِ، وَجَرَحَهَا آخَرُ وَمَاتَتْ، فَإِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي إِلَّا نِصْفُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْجُرْحَيْنِ هُنَاكَ حَرَامٌ، وَالْهَلَاكُ حَصَلَ بِهِمَا، وَهُنَا فِعْلُ الْأَوَّلِ اكْتِسَابٌ وَذَكَاةٌ.
ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَ الصَّيْدُ يُسَاوِي عَشْرَةً غَيْرَ مُزْمِنٍ، وَتِسْعَةً مُزْمِنًا، لَزِمَ الثَّانِي تِسْعَةٌ.
وَاسْتَدْرَكَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» فَقَالَ: فِعْلُ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِفْسَادًا، فَيُؤَثِّرُ فِي الذَّبْحِ وَحُصُولِ الزَّهُوقِ قَطْعًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فَيُقَالُ: إِذَا كَانَ غَيْرَ مُزْمِنٍ يُسَاوِي عَشْرَةً، وَمُزْمِنًا تِسْعَةً، وَمَذْبُوحًا ثَمَانِيَةً، لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ، فَإِنَّ الدِّرْهَمَ أَثَّرَ فِي فَوَاتِهِ الْفِعْلَانِ، فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلِلنَّظَرِ فِي هَذَا مَجَالٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْمُفْسِدُ يَقْطَعُ أَثَرَ فِعْلَيِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَالْأَصَحُّ: مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» . وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ فَذَبَحَهُ، لَزِمَ الثَّانِي أَرْشُ جِرَاحَتِهِ إِنْ نَقَصَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْبَحْهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي سِوَى أَرْشُ النَّقْصِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الذَّبْحِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَضْمَنُ زِيَادَةً عَلَى الْأَرْشِ، وَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ الذَّبْحَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ، كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ شَاتَهُ فَلَمْ يَذْبَحْهَا مَعَ التَّمَكُّنِ، لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ.
فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَضْمَنُ وَجْهَانِ، قَالَ الِاصْطَخْرِيُّ: كَمَالُ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا، كَمَا لَوْ ذَفَّفَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَرَحَ
عَبَدَهُ أَوْ شَاتَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفِعْلِ هُنَاكَ إِفْسَادٌ، وَالتَّحْرِيمُ حَصَلَ بِهِمَا، وَهُنَا الْأَوَّلُ إِصْلَاحٌ.
وَالْأَصَحُّ وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ: لَا يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ، بَلْ هُوَ كَمَنْ جَرَحَ عَبَدَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِهِمَا، وَكِلَاهُمَا إِفْسَادٌ.
أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ تَرْكَ الذَّبْحِ مَعَ التَّمَكُّنِ، يَجْعَلُ الْجُرْحَ وَسَرَايَتَهُ إِفْسَادًا.
وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يُوجَدِ الْجُرْحُ الثَّانِي فَتُرِكَ الذَّبْحُ، كَانَ الصَّيْدُ مَيْتَةً.
فَعَلَى هَذَا تَجِيءُ الْأَوْجُهُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّوْزِيعِ عَلَى الْجُرْحَيْنِ، فَحِصَّةُ الْأَوَّلِ تَسْقُطُ، وَحِصَّةُ الثَّانِي تَجِبُ.
الْحَالُ الثَّانِي: إِذَا وَقَعَ الْجُرْحَانِ مَعًا، نَظَرَ إِنْ تَسَاوِيَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ، فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُذَفَّفًا، أَوْ مُزْمِنًا لَوِ انْفَرَدَ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُزْمِنًا، وَالْآخَرُ مُذَفَّفًا، وَسَوَاءً تَفَاوَتَ الْجُرْحَانِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا، أَوْ تَسَاوَيَا، أَوْ كَانَا فِي الْمَذْبَحِ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَحَدُهُمَا فِيهِ وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُذَفَّفًا، أَوْ مُزْمِنًا لَوِ انْفَرَدَ وَالْآخَرُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، فَالصَّيْدُ لِمَنْ ذَفَّفَ أَوْ أَزْمَنَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرَحْ مِلْكَ الْغَيْرِ.
وَلَوِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْإِزْمَانُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا، فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَحِلَّ كُلُّ وَاحِدٍ الْآخَرَ تَوَرُّعًا.
وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُذَفَّفٌ، وَشَكَكْنَا هَلْ لِلْآخَرِ أَثَرٌ فِي الْإِزْمَانِ وَالتَّذْفِيفِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْقَفَّالُ: هُوَ بَيْنَهُمَا.
فَقِيلَ لَهُ: لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً مُذَفَّفَةً، وَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً لَا نَدْرِي أَهِيَ مُذَفَّفَةٌ أَمْ لَا؟ فَمَاتَ، فَقَالَ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا بَعِيدٌ، وَالْوَجْهُ تَخْصِيصُ الْقِصَاصِ بِصَاحِبِ الْمُذَفَّفَةِ.
وَفِي الصَّيْدِ، يُسَلِّمُ نِصْفَهُ لِمَنْ جَرَحَهُ مُذَفَّفًا، وَيُوقِفُ نِصْفَهُ بَيْنَهُمَا إِلَى التَّصَالُحِ أَوْ تَبَيُّنِ الْحَالِ.
فَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ بَيَانٌ، جَعَلَ النِّصْفَ الْآخَرَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: إِذَا تَرَتَّبَ الْجُرْحَانِ، وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ لَوِ انْفَرَدَ، وَالْآخَرُ مُذَفَّفٌ وَارِدٌ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَلَمْ يَعْرِفِ السَّابِقَ، فَالصَّيْدُ حَلَالٌ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوَّلًا وَأَزْمَنَهُ، وَأَنَّهُ لَهُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ.
فَإِنْ حَلَفَا،
فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا، وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، فَالصَّيْدُ لَهُ، وَلَهُ عَلَى النَّاكِلِ أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ.
وَلَوْ تَرَتَّبَا، وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ، وَالْآخَرُ مُذَفَّفٌ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ، وَلَمْ يُعْرَفِ السَّابِقُ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ، لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ الْإِزْمَانِ، فَلَا يَحِلُّ بَعْدَهُ إِلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ.
وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ، كَمَسْأَلَةِ الْإِنْمَاءِ السَّابِقَةِ.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ: اجْتِمَاعُ الْمُبِيحِ وَالْمُحَرِّمِ.
وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ هُنَاكَ جُرْحٌ يُحَالُ عَلَيْهِ.
فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ أَزْمَنَهُ أَوَّلًا، وَأَنَّ الْآخَرَ أَفْسَدَهُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ.
فَإِنْ حَلِفَا فَذَاكَ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، لَزِمَ النَّاكِلَ قِيمَتُهُ مُزْمِنًا.
وَلَوْ قَالَ الْجَارِحُ أَوَّلًا: أَزْمَنْتُهُ أَنَا، ثُمَّ أَفْسَدْتَهُ بِقَتْلِكَ، فَعَلَيْكَ الْقِيمَةُ.
وَقَالَ الثَّانِي: لَمْ تُزْمِنْهُ، بَلْ كَانَ عَلَى امْتِنَاعِهِ إِلَى أَنْ رَمْيَتُهُ فَأَزْمَنْتُهُ أَوْ ذَفَّفْتُهُ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى عَيْنِ جِرَاحَةِ الْأَوَّلِ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَبْقَى امْتِنَاعٌ مَعَهَا، كَكَسْرِ جَنَاحِهِ، وَكَسْرِ رِجْلِ الْمُمْتَنِعِ بَعَدْوِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ بِلَا يَمِينٍ، وَإِلَّا، فَقَوْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الِامْتِنَاعِ.
فَإِنْ حَلَفَ، فَالصَّيْدُ لَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْأَوَّلُ، وَاسْتَحَقَّ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا بِالْجِرَاحَةِ الْأُوْلَى، وَلَا يَحِلُّ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ بِزَعْمِهِ.
وَهَلْ لِلثَّانِي أَكْلُهُ؟ وَجْهَانِ: قَالَ الْقَاضِي الطَّبَرِيُّ: لَا؛ لِأَنَّ إِلْزَامَهُ الْقِيمَةَ حُكْمٌ بِأَنَّهُ مَيْتَةٌ.
وَقِيلَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ فِي خُصُومَةِ الْآدَمِيِّ لَا تُغَيِّرُ الْحُكْمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ الْجِرَاحَةَ الْمُذَفَّفَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الَّتِي لَوِ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ مُزْمِنَةً، فَالصَّيْدُ حَلَالٌ.
فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: أَنَا ذَفَّفْتُهُ، فَلِكُلٍّ تَحْلِيفُ الْآخَرِ.
فَإِنْ حَلَفَا، كَانَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، فَالصَّيْدُ لَهُ، وَعَلَى الْآخَرِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ.
فَرْعٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : لَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَلَمْ
يَدْرِ أَجَعَلَهُ الْأَوَّلُ مُمْتَنِعًا أَمْ لَا، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّمَ هَذَا الصَّيْدُ؛ لِاجْتِمَاعِ مَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَالتَّحْرِيمَ.
وَبِتَقْدِيرِ الْحِلِّ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا، بَلْ لِمَنْ أَثْبَتَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْجَوَابِ، فَقِيلَ: النَّصُّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَصَابَ الْمَذْبَحَ، فَيَحِلُّ، سَوَاءً أَصَابَهُ الْأَوَّلُ أَوِ الثَّانِي، أَوْ عَلَى مَا إِذَا رَمَيَاهُ وَلَمْ يَمُتْ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ أَحَدُهُمَا، فَذَكَّاهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيهِ.
وَإِنْمَا كَانَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمَا.
وَقَدْ يُجْعَلُ الشَّيْءُ لِاثْنَيْنِ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُهُ فِي الْبَاطِنِ لِأَحَدِهِمَا، كَمَنْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ، مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ.
وَحَمَلَ أَبُو إِسْحَاقَ النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: إِذَا رَمَيَاهُ مَاتَ، وَلَمْ يَدْرِ أَثَبَتَهُ الْأَوَّلُ، أَمِ الثَّانِي، كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَهُ عَلَى امْتِنَاعِهِ إِلَى أَنْ عَقَرَهُ الثَّانِي، فَيَكُونُ عَقْرُهُ ذَكَاةً، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ الْإِثْبَاتِ مِنْ كِلَيْهِمَا وَلَا مِزْيَةَ.
وَقِيلَ: فِي حِلِّهِ قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْإِنْمَاءِ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: إِذَا تَرَتَّبَ الْجُرْحَانِ وَحَصَلَ الْإِزْمَانُ بِمَجْمُوعِهِمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ لَوِ انْفَرَدَ لَمْ يُزْمِنْ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الصَّيْدَ لِلثَّانِي.
وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنْهُ لِلثَّانِي، أَوْ كَانَ الْجُرْحُ الثَّانِي مُزْمِنًا لَوِ انْفَرَدَ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ بِسَبَبِ جُرْحِهِ.
فَلَوْ عَادَ بَعْدَ إِزْمَانِ الثَّانِي، وَجَرْحَهُ جِرَاحَةً أُخْرَى، نَظَرَ، إِنْ أَصَابَ الْمَذْبَحَ، فَهُوَ حَلَالٌ، وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالذَّبْحِ، وَإِلَّا حُرِّمَ، وَعَلَيْهِ إِنْ ذَفَّفَ، قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتِهِ الْأُولَى، وَجِرَاحَةِ الثَّانِي، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُذَفِّفْ وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الثَّانِي مِنْ ذَبْحِهِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ وَتَرَكَ الذَّبْحَ، عَادَ الْخِلَافُ السَّابِقُ، فَعَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَلَى الْأَوَّلِ إِلَّا أَرْشُ الْجِرَاحَةِ الثَّانِيَةِ، لِتَقْصِيرِ الْمَالِكِ، وَعَلَى أَصَحِّهِمَا: لَا يُقْصَرُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا، فَفِي وَجْهٍ: عَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ.
وَخَرَّجَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ جَرَحَ عَبْدًا مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ فَجَرَحَهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ وَجَرَحَهُ ثَانِيَةً وَمَاتَ مِنْهُمَا وَفِيمَا يَلْزَمُهُ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: ثُلُثُ الْقِيمَةِ.
وَالثَّانِي: رَبُعُهَا، قَالَهُ الْقَفَّالُ.
فَعَلَى هَذَا، يَجِبُ هُنَا رُبْعُ الْقِيمَةِ.
وَعَنْ
صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» : أَنَّهُ تَعَوَّدَ فِي التَّوْزِيعِ الْأَوْجُهَ السَّابِقَةَ.
وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ وُجُوبَ تَمَامِ الْقِيمَةِ.
وَالْمَذْهَبُ: التَّوْزِيعُ، كَمَا سَبَقَ.
فَرْعٌ
الِاعْتِبَارُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ بِالْإِصَابَةِ، لَا بِابْتِدَاءِ الرَّمْيِ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ
إِحْدَاهَا: وَقَعَ بَعِيرَانِ فِي بِئْرٍ، أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ، فَطُعِنَ الْأَعْلَى، فَمَاتَ الْأَسْفَلُ بِثِقْلِهِ، حَرُمَ الْأَسْفَلُ.
فَإِنْ نَفَذَتِ الطَّعْنَةُ فَأَصَابَتْهُ أَيْضًا، حَلَّا جَمِيعًا.
فَإِنْ شُكَّ، هَلْ مَاتَ بِالثِّقْلِ، أَوِ الطَّعْنَةِ النَّافِذَةِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا أَصَابَتْهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ؟ حَلَّ.
وَإِنْ شُكَّ، هَلْ أَصَابَتْهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ، أَمْ بَعْدَهَا؟ قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» فِي «الْفَتَاوَى» : يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُنْقَطِعِ خَبَرُهُ، هَلْ يُجْزِئُ إِعْتَاقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ.
الثَّانِيَةُ: رَمَى غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَصَابَ غَيْرَ الْمَذْبَحِ، لَمْ يَحِلَّ.
وَلَوْ رَمَى مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَصَارَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَأَصَابَ مَذْبَحَهُ حَلَّ.
الثَّالِثَةُ: أَرْسَلَ سَهْمَيْنِ فَأَصَابَا مَعًا حَلَّ.
وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ.
فَإِنْ أَزْمَنَهُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُصِبِ الثَّانِي الْمَذْبَحَ، لَمْ يَحِلَّ.
وَإِنْ أَصَابَهُ، حَلَّ وَإِنْ لَمْ يُزْمِنْهُ الْأَوَّلُ، وَقَتَلَهُ الثَّانِي حَلَّ.
وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَيْنِ، فَأَزْمَنَهُ الْأَوَّلُ، وَقَتَلَهُ الثَّانِي، لَمْ يَحِلَّ، قَطَعَ الْمَذْبَحَ أَمْ لَا.
وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا وَكَلْبًا، إِنْ أَزْمَنَهُ السَّهْمُ
ثُمَّ أَصَابَهُ الْكَلْبُ، لَمْ يَحِلَّ.
وَإِنْ أَزْمَنَهُ الْكَلْبُ، ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمُ الْمَذْبَحَ حَلَّ.
الرَّابِعَةُ: صَيْدٌ دَخَلَ دَارَ إِنْسَانٍ وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: إِنْهُ لَا يَمْلِكُهُ، فَأَغْلَقَ أَجْنَبِيٌّ الْبَابَ، لَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الدَّارِ وَلَا الْأَجْنَبِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لَمْ يَحْصُلِ الصَّيْدُ فِي يَدِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَصَبَ شَبَكَةً وَاصْطَادَ بِهَا.
الْخَامِسَةُ: لَوْ أَخَذَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ صَيْدًا بِغَيْرِ إِرْسَالٍ، ثُمَّ أَخَذَهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ فِيهِ، مَلَكَهُ الْآخِذُ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ فَرْخَ طَائِرٍ مِنْ شَجَرَتِهِ.
وَغَيْرُ الْمُعَلَّمِ إِذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ فَأَخَذَ صَيْدًا، فَأَخْذَهُ غَيْرُهُ مِنْ فِيهِ وَهُوَ حَيٌّ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُرْسِلِ، وَيَكُونَ إِرْسَالُهُ كَنَصْبِ شَبَكَةٍ تَعَقَّلَ بِهَا الصَّيْدُ.
وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ لِلْكَلْبِ اخْتِيَارًا.
السَّادِسَةُ: تَعَقَّلَ الصَّيْدُ بِالشَّبَكَةِ، ثُمَّ قَلَعَهَا وَذَهَبَ بِهَا، فَأَخَذَهُ إِنْسَانٌ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ يَعْدُو وَيَمْتَنِعُ مَعَ الشَّبَكَةِ، مَلَكَهُ الْآخِذُ، وَإِنْ كَانَ ثِقَلُ الشَّبَكَةِ يُبْطِلُ امْتِنَاعَهُ، بِحَيْثُ يَتَيَسَّرُ أَخْذُهُ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ لَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ.
السَّابِعَةُ: إِذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ فَحَبَسَ صَيْدًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ، أَفْلَتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ، أَمْ هُوَ مِلْكُ الْأَوَّلِ بِالْحَبْسِ؟ وَجْهَانِ:
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: يَمْلِكُهُ الْآخِذُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ: رَجُلَانِ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اصْطَادَ هَذَا الصَّيْدَ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
التَّاسِعَةُ: رَجُلٌ فِي يَدِهِ صَيْدٌ، فَقَالَ آخَرُ: أَنَا اصْطَدْتُهُ، فَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ: لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَا يُقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ، بَلْ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ يُسَلِّمُهُ إِلَى مُدَّعِيهِ.
قُلْتُ: لَوْ أَخْبَرَ فَاسِقٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَنَّهُ ذَكَّى هَذِهِ الشَّاةَ، قَبِلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . وَلَوْ وَجَدَ شَاةً مَذْبُوحَةً، وَلَمْ يَدْرِ أَذَبَحَهَا مُسْلِمٌ، أَوْ كِتَابِيٌّ، أَمْ مَجُوسِيٌّ.
فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَمُسْلِمُونَ، لَمْ يَحِلَّ، لِلشَّكِّ فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.