كِتَابُ الشُّفْعَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تَمَلَّكْتُ الشِّقْصَ؟ وَجْهَانِ سَبَقَ نَظِيرُهُمَا هُنَاكَ.
وَلَوْ تَلَاقَيَا فِي غَيْرِ بَلَدِ الشِّقْصِ، فَأَخَّرَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ إِلَى الْعَوْدِ إِلَيْهِ بَطَلَ حَقُّهُ، لِاسْتِغْنَاءِ الْآخِذِ عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَ الشِّقْصِ.
فَصْلٌ
إِذَا أَخَّرَ الطَّلَبَ ثُمَّ قَالَ: أَخَّرْتُ لِأَنِّي لَمْ أُصَدِّقِ الْمُخْبِرَ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ، أَوْ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، كَكَافِرٍ، وَفَاسِقٍ، وَصَبِيٍّ، لَمْ يَبْطُلْ.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ، حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، بَطَلَ حَقُّهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْمَرْأَةُ كَالْعَبْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: كَالْفَاسِقِ.
وَعَلَى هَذَا، فِي النِّسْوَةِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ هَلْ يُقْضَى لَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ امْرَأَتَيْنِ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَهُوَ كَالْمَرْأَةِ، وَإِلَّا فَكَالْعَدْلِ الْوَاحِدِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَبْلُغْ عَدَدُ الْمُخْبِرِينَ حَدًّا لَا يُمْكِنُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ.
فَإِنْ بَلَغَهُ، بَطَلَ حَقُّهُ، [وَ] إِنْ كَانُوا فُسَّاقًا.
فَرْعٌ
لَوْ كَذَبَهُ الْمُخْبِرُ فَزَادَ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، بِأَنْ قَالَ: بَاعَ الشَّرِيكُ الشِّقْصَ بِأَلْفٍ، فَعَفَا أَوْ تَوَانَى، ثُمَّ بَانَ بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ.
وَلَوْ كَذَبَ بِالنَّقْصِ، فَقَالَ: بَاعَ بِأَلْفٍ فَعَفَا، فَبَانَ بِأَلْفَيْنِ، بَطَلَ حَقُّهُ.
وَلَوْ كَذَبَ فِي تَعْيِينِ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ بَاعَ زَيْدًا، فَعَفَا، فَبَانَ عَمْرًا، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ لِنَفْسِي، فَبَانَ وَكِيلًا، أَوْ كَذَبَ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ، فَقَالَ: بَاعَ بِدَرَاهِمَ، فَبَانَ دَنَانِيرَ، وَفِي نَوْعِهِ، فَقَالَ: بَاعَ بِنَيْسَابُورِيَّةَ، فَبَانَ بِـ «هَرَوِيَّةَ» ، أَوْ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ، فَقَالَ: بَاعَ كُلَّ نَصِيبِهِ، فَبَانَ بَعْضَهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ،
أَوْ بَاعَ حَالًا، فَبَانَ مُؤَجَّلًا، أَوْ إِلَى شَهْرٍ، فَبَانَ إِلَى شَهْرَيْنِ، أَوْ بَاعَ رَجُلَيْنِ، فَبَانَ رَجُلًا، أَوْ عَكْسُهُ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ، لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ.
وَشَذَّ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ فَقَالَ: إِذَا أَخْبَرَ بِالدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ، فَعَفَا، فَبَانَ عَكْسُهُ وَلَمْ يَتَفَاوَتِ الْقَدْرُ عِنْدَ التَّقْوِيمِ، بَطَلَ حَقُّهُ.
وَلَوْ قِيلَ: بَاعَ بِكَذَا مُؤَجَّلًا فَعَفَا، فَبَاعَ حَالًا، أَوْ بَاعَ كُلَّهُ بِأَلْفٍ [فَبَانَ بَعْضَهُ بِأَلْفٍ] ، بَطَلَ حَقُّهُ قَطْعًا.
فَرْعٌ
لَقِيَ الْمُشْتَرِيَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَمَنْ غَلَا فِي اشْتِرَاطِ قَطْعِ مَا هُوَ مَشْغُولٌ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، لَا يَبْعُدُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ تَرْكُ الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ.
وَلَوْ قَالَ عِنْدَ لِقَائِهِ: بِكَمِ اشْتَرَيْتَ؟ فَوَجْهَانِ، قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِالْبُطْلَانِ، وَقَالُوا: حَقُّهُ أَنْ يُظْهِرَ الطَّلَبَ ثُمَّ يَبْحَثُ.
وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِافْتِقَارِهِ إِلَى تَحْقِيقِ مَا يَأْخُذُهُ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَتِكَ، لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتَ رَخِيصًا وَمَا أَشْبَهَهُ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، لِأَنَّهُ فُضُولٌ.
فَرْعٌ
أَخَّرَ الطَّلَبَ ثُمَّ اعْتَذَرَ بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غَيْبَةٍ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ إِنْ عُلِمَ بِهِ الْعَارِضُ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَإِلَّا فَالْمُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي.
وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ ثُبُوتَ حَقِّ الشُّفْعَةِ، أَوْ كَوْنَهَا عَلَى الْفَوْرِ، فَهُوَ كَمَا سَبَقَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
فَصْلٌ
إِذَا بَاعَ الشَّفِيعُ نَصِيبَهُ، أَوْ وَهَبَهُ عَالِمًا بِثُبُوتِ شُفْعَتِهِ، بَطَلَتْ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الشُّفْعَةُ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي لِزَوَالِ ضَرَرِ الْمُشَارِكَةِ.
وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ، بَطَلَتْ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ جَاهِلًا بِالشُّفْعَةِ، بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِزَوَالِ الضَّرَرِ.
وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ جَاهِلًا، أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ.
وَالْوَجْهُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ بَيْعَ الْجَمِيعِ جَاهِلًا يُبْطِلُهَا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ هُنَا عَلَى الْجُمْلَةِ: أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ لِعُذْرِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ لِلْمُشَارَكَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا صَالَحَ مِنْ حَقِّ الشُّفْعَةِ عَلَى مَالٍ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصُّلْحِ عَنِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَاخْتَارَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ صِحَّتَهُ.
وَلَوْ تَصَالَحَا عَلَى أَخْذِ بَعْضِ الشِّقْصِ، فَهَلْ يَصِحُّ لِرِضَا الْمُشْتَرِي بِالتَّبْعِيضِ، أَمْ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ، أَمْ يَبْطُلُ الصُّلْحُ وَيَبْقَى خِيَارُهُ بَيْنَ أَخْذِ الْجَمِيعِ وَتَرْكِهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ
إِحْدَاهَا: لِلْمُفْلِسِ الْعَفْوُ عَنِ الشُّفْعَةِ وَالْأَخْذُ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ لِلْغُرَمَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ فِي أَخْذِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي شِرَائِهِ فِي الذِّمَّةِ.
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ يُؤَدِّي الثَّمَنَ؟ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْلِيسِ.
الثَّانِيَةُ: وَهَبَ شِقْصًا لِعَبْدِهِ وَقُلْنَا: يَمْلِكُ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ، ثَبَتَ لِلْعَبْدِ الشُّفْعَةُ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَفِي افْتِقَارِهِ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ، وَجْهَانِ:
الثَّالِثَةُ: لِعَامِلِ الْقِرَاضِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ فَلِلْمَالِكِ الْأَخْذُ وَلَوِ اشْتَرَى بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا مِنْ شَرِيكِ رَبِّ الْمَالِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ شَرِيكًا فِيهِ، فَلَهُ الْأَخْذُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَوْ كَانَ وَقُلْنَا: لَا يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِهِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَالِكِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ الشِّقْصُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا أَقْبِضُهُ إِلَّا مِنَ الْمُشْتَرِي، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، وَيُكَلِّفُ الْحَاكِمُ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَتَسَلَّمَهُ وَيُسَلَّمَ إِلَى الشَّفِيعِ.
فَإِنْ كَانَ غَائِبًا نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الطَّرَفَيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ، بَلْ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ مِنَ الْبَائِعِ.
وَسَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعِ فَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إِلَيْهِ مِنْهُ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» وَآخَرُونَ، هَكَذَا ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَآخَرُونَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَآخَرُونَ فِي جَوَازِ أَخْذِ الشَّفِيعِ مِنَ الْبَائِعِ وَجْهَيْنِ، وَقَطَعَ صَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» بِالْمَنْعِ.
وَصَحَّحَ الْمُتَوَلِّي الْجَوَازَ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ حُكْمِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: اشْتَرَى شِقْصًا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا الْبَيْعَ، فَذَاكَ، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ وَأَبْطَلْنَا الشَّرْطَ، فَكَالشِّرَاءِ مُطْلَقًا.
وَإِنْ صَحَّحْنَا الشَّرْطَ، فَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ.
السَّادِسَةُ: لَوْ عَلِمَ الشَّفِيعُ الْعَيْبَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمُشْتَرِي، فَلَا رَدَّ لِلشَّفِيعِ، وَلَيْسَ
لِلْمُشْتَرِي طَلَبُ الْأَرْشِ، لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ الظُّلَامَةَ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الرَّدِّ.
فَلَوْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ، لَمْ يَرُدَّ عَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى، وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِيَةِ.
السَّابِعَةُ: قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ: بِعْ نَصِيبَكَ فَقَدْ عَفَوْتُ عَنِ الشُّفْعَةِ، فَبَاعَ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ، وَلَغَا الْعَفْوَ.
قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرِ فَلَا أُطَالِبُكَ بِشُفْعَةٍ، لَغَا عَفْوَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ: بَاعَ شِقْصًا، فَضِمَنَ الشَّفِيعُ الْعُهْدَةَ لِلْمُشْتَرِي، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ.
وَكَذَا إِذَا شَرَطْنَا الْخِيَارَ لِلشَّفِيعِ، وَصَحَّحْنَا شَرْطَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ.
التَّاسِعَةُ: أَرْبَعَةٌ بَيْنَهُمْ دَارٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ وَاسْتَحَقَّ الشُّرَكَاءُ الشُّفْعَةَ، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الثَّالِثِ بِالْعَفْوِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا إِنْ شَهِدَا بَعْدَ عَفْوِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا قَبْلَهُ، لَمْ تُقْبَلْ.
فَلَوْ عَفَوَا ثُمَّ أَعَادَا تِلْكَ الشَّهَادَةَ، لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا لِلتُّهْمَةِ.
وَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ عَفْوِ أَحَدِهِمَا، قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْعَافِي دُونَ الْآخَرِ، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَعَ الْعَافِي، وَيَثْبُتُ الْعَفْوُ.
وَلَوْ شَهِدَ الْبَائِعُ عَلَى عَفْوِ الشَّفِيعِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، لَمْ تُقْبَلْ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الرُّجُوعَ بِتَقْدِيرِ الْإِفْلَاسِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَوَقَّعَ الْعَوْدَ بِسَبَبٍ مَا.
الْعَاشِرَةُ: أَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً بِعَفْوِ الشَّفِيعِ، وَأَقَامَ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً بِأَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ، وَالشِّقْصُ فِي يَدِهِ، فَهَلْ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ أَوْلَى لِقُوَّتِهَا بِالْيَدِ، أَمْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِزِيَادَةِ عِلْمِهَا بِالْعَفْوِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: شَهِدَ السَّيِّدُ بِشِرَاءِ شِقْصٍ فِيهِ شُفْعَةٌ لِمُكَاتَبِهِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ:
تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُشْتَرِي إِذَا ادَّعَى الشِّرَاءَ، ثُمَّ ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا.
فَأَمَّا شَهَادَتُهُ لِلْمُكَاتَبِ، فَلَا تُقْبَلُ بِحَالٍ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الشَّفِيعُ صَبِيٌّ، فَعَلَى وَلِيِّهِ الْأَخْذُ إِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ الْأَخْذُ.
وَإِذَا تَرَكَ بِالْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ بَلَغَ، فَهَلْ لَهُ الْأَخْذُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْحَجْرِ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بَيْنَهُمَا دَارٌ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ حَمْلٍ، فَبَاعَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ، فَلَا شُفْعَةَ لِلْحَمْلِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْحَمْلِ، فَلَهُ الشُّفْعَةُ.
وَإِذَا انْفَصَلَ حَيًّا، فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنَ الْوَارِثِ.
وَلَوْ وَرِثَ الْحَمْلُ شُفْعَةً عَنْ مُوَرِّثِهِ، فَهَلْ لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ الْأَخْذُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ؟ وَجْهَانِ، وَبِالْمَنْعِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إِذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، وَبَنَى فِيهِ، أَوْ غَرَسَ، فَخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، وَقَلَعَ الْمُسْتَحِقُّ بِنَاءَهُ وَغِرَاسَهُ، فَالْقَوْلُ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَالْقَوْلِ فِي رُجُوعِ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مَاتَ وَلَهُ شِقْصٌ مِنْ دَارٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، فَبَاعَ الشَّرِيكُ حِصَّتَهُ قَبْلَ بَيْعِ الشِّقْصِ فِي الدَّيْنِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لِلْوَرَثَةِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الصَّحِيحِ: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِي التَّرِكَةِ إِلَى الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُمْ.
وَلَوْ خَلَّفَ دَارًا كَامِلَةً وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَسْتَغْرِقُهَا، فَبِيعَ بَعْضُهَا فِي الدَّيْنِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا شُفْعَةَ لِلْوَرَثَةِ فِيمَا بِيعَ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ مِنَ الْمِلْكِ، وَهَذَا مُسْتَمِرٌّ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا مَلَكُوا الدَّارَ، كَانَ الْمَبِيعُ جُزْءًا مِنْ مِلْكِهِمْ.
وَمَنْ يَبِعْ مِنْ مِلْكِهِ جُزْءًا بِحَقٍّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ بِالْبَاقِي.
وَإِنْ قُلْنَا: يُمْنَعُ، فَهَلْ يُمْنَعُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، أَمْ فِي الْجَمِيعِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنْ
قُلْنَا بِالثَّانِي، فَلَا شُفْعَةَ لَهُمْ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَهُمْ.
وَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمَيِّتِ وَوَرَثَتِهِ، فَبِيعَ نَصِيبُهُ أَوْ بَعْضُهُ فِي دَيْنِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا شُفْعَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَهُمُ الشُّفْعَةُ، لِأَنَّ مَا بِيعَ فِي دَيْنِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا مَلَكُوا التَّرِكَةَ صَارَ جَمِيعُ الدَّارِ لَهُمْ، فَيَكُونُ الْمَبِيعُ جُزْءًا مِنْ مِلْكِهِمْ.
فَصْلٌ
فِي الْحِيَلِ الدَّافِعَةِ لِلشُّفْعَةِ
مِنْهَا: أَنْ يَبِيعَ الشِّقْصَ بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ دَرَاهِمَ، وَيَأْخُذَ عَرَضًا قِيمَتُهُ مِثْلُ الثَّمَنِ الَّذِي تَرَاضَيَا عَلَيْهِ عِوَضًا عَنِ الدَّرَاهِمِ، أَوْ يَحُطَّ عَنِ الْمُشْتَرِي مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ.
وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَشْتَرِي أَوَّلًا بَائِعُ الشِّقْصِ عَرَضًا يُسَاوِي ثَمَنَ الشِّقْصِ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ الثَّمَنِ، ثُمَّ يُجْعَلُ الشِّقْصُ عِوَضًا عَمَّا لَزِمَهُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنَ الشِّقْصِ بِثَمَنِ كُلِّهِ، وَيَهَبَ لَهُ الْبَاقِيَ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ فِيهَا غَرَرٌ، فَقَدْ لَا يَفِي صَاحِبُهُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُجْعَلَ الثَّمَنُ حَاضِرًا مَجْهُولَ الْقَدْرِ، وَيَقْبِضَهُ الْبَائِعُ وَلَا يَزِنَهُ، بَلْ يُنْفِقُهُ أَوْ يَخْلِطُهُ فَتَنْدَفِعُ الشُّفْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِيهَا خِلَافُ ابْنِ سُرَيْجٍ السَّابِقُ.
وَمِنْهَا: إِذَا وَقَفَ الشِّقْصُ، أَوْ وَهَبَهُ، بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ عَلَى رَأْيِ أَبِي إِسْحَاقَ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ بَعْضَ الشِّقْصِ، ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِيَ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ ثَانِيًا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَيَنْدَفِعُ أَخْذُ جَمِيعِ الْمَبِيعِ.
وَمِنْهَا: لَوْ وَكَّلَ الْبَائِعُ شَرِيكَهُ بِالْبَيْعِ، فَبَاعَ، لَمْ تَكُنْ لَهُ الشُّفْعَةُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
قُلْتُ: وَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَ لَهُ الشِّقْصَ بِلَا ثَوَابٍ، ثُمَّ يَهَبَ لَهُ صَاحِبُهُ قَدْرَ قِيمَتِهِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا لَا غَرَرَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ أَنْ لَا يَفِيَ صَاحِبُهُ، بِأَنْ يَهَبَهُ وَيَجْعَلَهُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِيُقْبِضَهُ إِيَّاهُ، وَيَهَبَهُ صَاحِبُهُ قَدْرَ قِيمَتِهِ، وَيَجْعَلَهُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِيُقْبِضَهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ يَتَقَابَضَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ دَفْعُ الشُّفْعَةِ بِالْحِيلَةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا دَفْعُ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْبَيْعِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: يُكْرَهُ دَفْعُ الشُّفْعَةِ بِالْحِيلَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِبْقَاءِ الضَّرَرِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا فِي الْحِيلَةِ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
قُلْتُ: عَجَبٌ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَيْفَ قَالَ مَا قَالَ، مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَسْطُورَةٌ، وَفِيهَا وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: تُكْرَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ.
وَالثَّانِي: لَا، قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِ الْحِيَلِ.
أَمَّا الْحِيَلُ فِي دَفْعِ شُفْعَةِ الْجَارِ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا قَطْعًا، وَفِيهَا مِنَ الْحِيَلِ غَيْرُ مَا سَبَقَ [مَا] ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَشْتَرِي عُشْرَ الدَّارِ مَثَلًا بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الثَّمَنِ، فَلَا يَرْغَبُ الشَّفِيعُ لِكَثْرَةِ الثَّمَنِ، ثُمَّ يَشْتَرِي تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْجَارُ مِنَ الشُّفْعَةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ حَالَةَ الشِّرَاءِ شَرِيكٌ فِي الدَّارِ، وَالشَّرِيكُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ، أَوْ يَخُطُّ الْبَائِعُ عَلَى طَرَفِ مِلْكِهِ خَطًّا مِمَّا يَلِي دَارَ جَارِهِ، وَيَبِيعُ مَا وَرَاءَ الْخَطِّ فَتَمْتَنِعُ شُفْعَةُ الْجَارِ، لِأَنَّ بَيْنَ مِلْكِهِ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ فَاصِلًا، ثُمَّ يَهَبُهُ الْفَاصِلَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.