كِتَابُ السَّرِقَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْمَقْطُوعِ، وَلَوْ تَرَكَهُ السُّلْطَانُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ لِلسَّارِقِ أَنْ يُحْسَمَ وَلَا يَجَبَ، لِأَنَّ فِي الْحَسْمِ أَلَمًا شَدِيدًا وَقَدْ يَهْلَكُ الضَّعِيفُ، وَالْمُدَاوَاةُ بِمِثْلِ هَذَا لَا تَجِبُ بِحَالٍ، وَقِيلَ: لِلْإِمَامِ إِجْبَارُهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْحَسْمِ عَقِبَ الْقَطْعِ، وَلَا يَفْعَلْهُ إِلَّا بِإِذْنِ السَّارِقِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجْبَرَهُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تُعَلَّقَ الْيَدُ الْمَقْطُوعَةُ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ الَّذِي يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا تُعَلَّقُ سَاعَةً، وَأَطْلَقُوا وَلَمْ يُفَوِّضُوهُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا أَنَّهَا لَا تُعَلَّقُ، وَوَجْهًا تُعَلَّقُ ثَلَاثًا، وَوَجْهًا الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ غَرِيبَةٌ ضَعِيفَةٌ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ عَلَى يَمِينِهِ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا تُقْطَعُ، بَلْ تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَأَصَحُّهُمَا: تُقْطَعُ وَلَا يُبَالَى بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّنْكِيلُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ الْمُسَاوَاةُ، وَلَوْ كَانَتِ الْيَمِينُ شَلَّاءً، فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إِنْ قُطِعَتْ لَا يَنْقَطِعُ الدَّمُ، لَمْ تُقْطَعْ، وَيَكُونُ كَمَنْ لَا يَمِينَ لَهُ، وَإِنْ قَالُوا: يَنْقَطِعُ، قُطِعَتْ وَاكْتُفِيَ بِهَا، وَلَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً أَرْبَعَ أَصَابِعٍ، اكْتَفَيْنَا بِهَا لِحُصُولِ الْإِيلَامِ وَالتَّنْكِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْكَفُّ، أَوْ بَعْضُ الْكَفِّ بِلَا أَصَابِعٍ، فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ، أَوْ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: الِاكْتِفَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَطَرَدَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِلَا إِبْهَامٍ.
فَرْعٌ
مَنْ لَا يَمِينَ لَهُ، تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ سَرَقَ وَيَمِينُهُ سَلِيمَةٌ، فَسَقَطَتْ بِآفَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ، وَقِيلَ: يُعْدَلُ إِلَى الرِّجْلِ، كَمَا لَوْ فَاتَ مَحَلُّ الْقِصَاصِ يُعْدَلُ إِلَى بَدَلِهِ، وَهُوَ الدِّيَةُ، وَالصَّحِيحُ
الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ تَعَلَّقَ بِهَا، وَلَوْ سَرَقَ مِرَارًا وَلَمْ يُقْطَعْ، اكْتُفِيَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ عَنِ الْجَمِيعِ، كَمَنْ زَنَى، أَوْ شَرِبَ مَرَّاتٍ يَلْزَمُهُ حَدٌّ وَاحِدٌ.
فَرْعٌ
بَدَّرَ أَجْنَبِيٌّ، فَقَطَعَ يَمِينَ السَّارِقِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةُ الْقَطْعِ، فَلَوْ سَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ مُسْتَحِقٍّ، لَكِنْ يُعَزَّرُ الْمُبَادِرُ لِافْتِئَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُجْعَلَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَتْلِ الزَّانِي الْمُحَصَّنِ وَلَوْ قَطَعَ يَسَارَهُ جَانٍ، أَوْ قَطَعَهَا الْجَلَّادُ عَمْدًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنِ السَّارِقِ قَطْعُ الْيَمِينِ، فَلَوْ قَالَ الْقَاطِعُ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا يَسَارُهُ، حَلَفَ وَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ، وَلَوْ قَالَ الْجَلَّادُ لِلسَّارِقِ: أَخْرِجْ يَمِينَكَ، فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ، فَقَطَعَهَا، فَطَرِيقَانِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ: إِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ: ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ، أَوْ أَنَّ الْيَسَارَ تُجْزِئُ سَقَطَ بِهَا الْقَطْعُ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْقُطُ، فَقَالَ الْقَاطِعُ: عَلِمْتُ أَنَّهَا الْيَسَارُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ، أَوْ أَنَّهَا تُجْزِئُ، لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يُرَاجَعُ الْقَاطِعُ أَوَّلًا، فَإِنْ قَالَ: عَلِمْتُهَا الْيَسَارَ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ وَبَقِيَ الْقَطْعُ وَاجِبًا فِي الْيَمِينِ، وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ، أَوْ أَنَّ الْيَسَارَ تُجْزِئُ، لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَفِي سُقُوطِ قَطْعِ الْيَمِينِ الْقَوْلَانِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ يُوَافِقُ هَذَا الطَّرِيقَ، إِلَّا أَنَّ الْقِصَاصَ إِنَّمَا يَلْزَمُ الْقَاطِعَ، وَإِنْ عَلِمَ الْحَالَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمُخْرِجِ قَصْدُ بَذْلٍ وَإِبَاحَةٍ، وَلَوْ سَقَطَتْ يَسَارُ السَّارِقِ بِآفَةٍ بَعْدَ وُجُوبِ قَطْعِ الْيَمِينِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَسْقُطُ قَطْعُ الْيَمِينِ فِي قَوْلٍ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ غَلَطِ الْجَلَّادِ.
وَغَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ وَقَالُوا: لَا يَسْقُطُ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ لِمِعْصَمِهِ كَفَّانِ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمَا تُقْطَعَانِ، وَلَا يُبَالَى بِالزِّيَادَةِ، كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَاخْتَارَ هُوَ أَنْ يَفْصِلَ، فَإِنْ تَمَيَّزَتِ الْأَصْلِيَّةُ، وَأَمْكَنَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَطْعِهَا، لَمْ تُقْطَعِ الزَّائِدَةُ، وَإِلَّا فَتُقْطَعُ، فَلَوْ أَشْكَلَ الْحَالُ، قَالَ الْإِمَامُ: فَالَّذِي رَأَيْتُهُ لِلْأَصْحَابِ أَنَّهُمَا يُقْطَعَانِ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ الْكَفَّيْنِ الْبَاطِشَتَيْنِ تُقْطَعَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ يَدٍ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ فِيهِمَا دِيَتَانِ، لَكِنْ فِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ تُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ إِحْدَاهُمَا، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا، قُطِعَتِ الْأُخْرَى، وَلَا تُقْطَعَانِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ يَدٍ وَهَذَا أَحْسَنُ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ يَبْطِشُ بِأَحَدِهِمَا، قُطِعَتِ الْبَاطِشَةُ دُونَ الْأُخْرَى، وَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا، قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَلَوْ صَارَتِ الْأُخْرَى بَاطِشَةً، فَسَرَقَ ثَانِيًا، قُطِعَتْ هِيَ لَا الرِّجْلُ، فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا، قُطِعَتِ الرِّجْلُ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إِلَّا إِحْدَاهُمَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ «الْبَحْرِ» وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي وَالْمُقَدِّسِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ، إِذَا كَانَ ثَوْبُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: احْفَظْ ثَوْبِي، فَقَالَ: نَعَمْ أَحْفَظَهُ، فَرَقَدَ صَاحِبُ الثَّوْبِ، وَذَهَبَ الرَّجُلُ، وَتَرَكَ الثَّوْبَ، فَسُرِقَ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَلَوْ سَرَقَهُ الْمُسْتَحْفِظُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَغْلَقَ بَابَ دَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ، وَقَالَ لِلْحَارِسِ: انْظُرْ إِلَيْهِ أَوِ
احْفَظْهُ، فَأَهْمَلَهُ الْحَارِسُ، فَسُرِقَ مَا فِيهِ، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ يَدِهِ، وَلَوْ سَرَقَهُ الْحَارِسُ، قُطِعَ، وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: إِذَا تَغَفَّلَ السَّارِقُ الْحَمَّامِيَّ وَسَرَقَ الثِّيَابَ، اعْتُبِرَ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنَ الْحَمَّامِ، وَأَنَّ الْمَوْضُوعَ فِي الصَّحْرَاءِ لَا يَكْفِي لِوُجُوبِ الْقَطْعِ أَخَذُهُ، وَلَا النَّقْلُ بِخُطْوَةٍ وَنَحْوِهَا، بَلْ ضَبْطُ مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِحْرَازُ مِثْلِهِ بِالْمُعَايَنَةِ، فَإِذَا غَيَّبَهُ عَنْ عَيْنِهِ بِحَيْثُ لَوْ تَنَبَّهَ لَهُ لَمْ يَرَهُ، بِأَنْ دَفَنَهُ فِي تُرَابٍ، أَوْ وَارَاهُ تَحْتَ ثَوْبِهِ، أَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَلَّمَ قِرْدًا النُّزُولَ إِلَى الدَّارِ، وَإِخْرَاجَ الْمَتَاعِ، فَنَقَّبَ، وَأَرْسَلَ الْقِرْدَ وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ؛ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ الْأَخْذِ بِالْمِحْجَنِ، وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ: لَوْ وُضِعَ مَيِّتٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَنُضِدَتِ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ، كَانَ ذَلِكَ كَالدَّفْنِ، حَتَّى يَجِبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ الْكَفَنِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُمُ الْحَفْرُ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ إِلَّا إِنْ تَعَذَّرَ الْحَفْرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَفْنٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا فِي بَحْرٍ، فَطُرِحَ الْمَيِّتُ فِي الْمَاءِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ كَفَنَهُ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَأُخِذَ، وَلَوْ غَيَّبَهُ الْمَاءُ، فَغَاصَ سَارِقٌ، وَأَخَذَ الْكَفَنَ، لَمْ يُقْطَعْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ طَرْحَهُ لَا يُعَدُّ إِحْرَازًا، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
بَابُ قُطَّاعِ الطُّرُقِ
فِيهِ أَطْرَافٌ: الْأَوَّلُ: فِي صِفَتِهِمْ، وَتُعْتَبَرُ فِيهِمُ الشَّوْكَةُ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْغَوْثِ، وَأَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ مُكَلَّفِينَ، فَالْكُفَّارُ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْقُطَّاعِ وَإِنْ أَخَافُوا السَّبِيلَ، وَقِيلَ: وَالْمُرَاهِقُونَ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ، وَيَضْمَنُونَ الْمَالَ وَالنَّفْسَ، كَمَا لَوْ أَتْلَفُوا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ، وَأَمَّا الشَّوْكَةُ، فَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ طَائِفَةٌ يَتَرَصَّدُونَ فِي الْمَكَامِنِ لِلرُّفْقَةِ، فَإِذَا رَأَوْهُمْ، بَرَزُوا قَاصِدِينَ الْأَمْوَالَ مُعْتَمِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ يَتَغَلَّبُونَ بِهَا، وَفِيهِمْ شُرِّعَتِ الْعُقُوبَاتُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي سَنَصِفُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الَّذِينَ لَا يَعْتَمِدُونَ قُوَّةً، وَلَكِنْ يَنْتَهِزُونَ وَيَخْتَلِسُونَ، وَيُوَلُّونَ مُعْتَمِدِينَ عَلَى رَكْضِ الْخَيْلِ، أَوِ الْعَدْوِ عَلَى الْأَقْدَامِ، كَمَا يَتَعَرَّضُ الْوَاحِدُ وَالنَّفَرُ الْيَسِيرُ لِأَخْذِ الْقَافِلَةِ فَيَسْلِبُونَ شَيْئًا، فَلَيْسُوا بِقُطَّاعٍ، وَحُكْمُهُمْ فِي الضَّمَانِ وَالْقِصَاصِ حُكْمُ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ خَرَجَ وَاحِدٌ أَوْ شِرْذِمَةٌ يَسِيرَةٌ، فَقَصَدَهُمْ جَمَاعَةٌ يَغْلِبُونَهُمْ بِقُوَّتِهِمْ، فَهُمْ قُطَّاعٌ وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ عَدَدُهُمْ، لِاعْتِمَادِهِمْ عَلَى الشَّوْكَةِ وَالنَّجْدَةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْوَاحِدِ وَالشِّرْذِمَةِ، كَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ طُرُقِ الْأَصْحَابِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ خَمْسَةٌ أَوْ عَشَرَةٌ فِي كَهْفٍ، أَوْ شَاهِقِ جَبَلٍ، فَإِنْ مَرَّ بِهِمْ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَعُدَّةٌ، لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، وَإِنْ مَرَّ قَوْمٌ قَلِيلُو الْعَدَدِ، قَصَدُوهُمْ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ، فَحُكْمُهُمْ حَكَمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي حَقِّ الطَّائِفَةِ الْيَسِيرَةِ، وَإِنْ تَعَرَّضُوا لِلْأَقْوِيَاءِ وَأَخَذُوا شَيْئًا، فَهُمْ مُخْتَلِسُونَ، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ ي
ُفَصِّلَ
الْقَوْلَ فِي الرُّفْقَةِ الْيَسِيرَةِ وَالْوَاحِدِ، فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ يُعَدُّ تَضْيِيعًا وَتَغْرِيرًا بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ، فَالْمُتَعَرِّضُونَ لَهُمْ لَيْسُوا بِقُطَّاعٍ، وَيَنْزِلُ خُرُوجُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَتَرْكِ الْمَالِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعَدُّ حِرْزَا، وَأَقَامَ الْإِمَامُ
مَا رَآهُ وَجْهًا، وَلَوْ كَانَتِ الرُّفْقَةُ يَتَأَتَّى مِنْهُمْ دَفْعُ الْقَاصِدِينَ وَمُقَاوَمَتُهُمْ، فَاسْتَسْلَمُوا حَتَّى قُتِلُوا وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ، فَالْقَاصِدُونَ لَهُمْ لَيْسُوا بِقُطَّاعٍ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلُوهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ شَوْكَتِهِمْ، بَلِ الرُّفْقَةُ ضَيَّعُوا، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَتِ الشَّوْكَةُ مُجَرَّدَ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، بَلْ تَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى اتِّفَاقِ كَلِمَةٍ وَمَتْبُوعٍ مُطَاعٍ وَعَزِيمَةٍ عَلَى الْقِتَالِ، وَالْقَاصِدُونَ لِلرُّفْقَةِ هَكَذَا يَكُونُونَ فِي الْغَالِبِ، وَالرُّفْقَةُ لَا تَجْتَمِعُ كَلِمَتُهُمْ، وَلَا يَضْبُطُهُمْ مُطَاعٌ، وَلَا عَزْمَ لَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَخُلُوُّهُمْ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يُوقِعُهُمْ فِي التَّخَاذُلِ لَا عَنْ قَصْدٍ مِنْهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْعَلُوا مُضَيِّعِينَ، وَلَا يَخْرُجُ قَاصِدُوهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ قُطَّاعًا، وَلَوْ أَنَّ الرُّفْقَةَ قَاتَلُوهُمْ، وَنَالَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُخْرَى، فَهَلْ هُمْ قُطَّاعٌ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ، وَأَمَّا الْبُعْدُ عَنِ الْغَوْثِ، فَإِنَّمَا اشْتُرِطَ لِيُمْكِنَهُمُ الِاسْتِيلَاءُ وَالْقَهْرُ مُجَاهَرَةً؛ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ غَالِبًا فِي الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْعِمَارَةِ، وَلَوْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ فِي الْمِصْرِ فَحَارَبُوا، أَوْ أَغَارَ عَسْكَرٌ عَلَى بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ، أَوْ خَرَجَ أَهْلُ أَحَدِ طَرَفَيِ الْبَلَدِ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَكَانَ لَا يَلْحَقُ الْمَقْصُودِينَ غَوْثٌ لَوِ اسْتَغَاثُوا، فَهُمْ قُطَّاعُ طَرِيقٍ، وَإِنْ كَانَ يَلْحَقُهُمْ غَوْثٌ، فَهُمْ مُنْتَهِبُونَ لَيْسُوا قُطَّاعًا، وَامْتِنَاعُ لَحَاقِ الْغَوْثِ لِضَعْفِ السُّلْطَانِ أَوْ لِبُعْدِهِ وَبُعْدِ أَعْوَانِهِ، وَقَدْ يَغْلِبُ أَهْلُ الْفَسَادِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَلَا يُقَاوِمُهُمْ أَهْلُ الْعِفَّةِ، وَتَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِغَاثَةُ، وَلَوْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ بِاللَّيْلِ دَارًا وَكَابَرُوا، وَمَنَعُوا أَصْحَابَ الدَّارِ مِنَ الِاسْتِغَاثَةِ مَعَ قُوَّةِ السُّلْطَانِ وَحُضُورِهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ قُطَّاعٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَفَّالُ وَالْبَغَوِيُّ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ سُرَّاقٌ، وَالثَّالِثُ: مُخْتَلِسُونَ.
فَرْعٌ
لَا يُشْتَرَطُ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الذُّكُورَةُ، بَلْ لَوِ اجْتَمَعَ نِسْوَةٌ لَهُنَّ شَوْكَةٌ وَقُوَّةٌ، فَهُنَّ قَاطِعَاتُ طَرِيقٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا شَهْرُ السِّلَاحِ، بَلْ
الْخَارِجُونَ بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَةِ قُطَّاعٌ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ يَكْفِي الْقَهْرُ وَأَخْذُ الْمَالِ بِاللَّكْزِ، وَالضَّرْبِ بِجَمْعِ الْكَفِّ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» نَحْوُهُ، وَكَلَامُ جَمَاعَةٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ آلَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ، بَلِ الْوَاحِدُ إِذَا كَانَ لَهُ فَضْلُ قُوَّةٍ يَغْلِبُ بِهَا الْجَمَاعَةَ، وَتَعَرَّضَ لِلنُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ مُجَاهِرًا، فَهُوَ قَاطِعُ طَرِيقٍ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي عُقُوبَتِهِمْ: فَإِذَا عَلِمَ الْإِمَامُ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ يَتَرَصَّدُونَ لِلرُّفْقَةِ، وَيُخِيفُونَ السَّبِيلَ، وَلَمْ يَأْخُذُوا بَعْدُ مَالًا، وَلَا قَتَلُوا نَفْسًا، طَلَبَهُمْ، وَعَزَّرَهُمْ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: وَالْحَبْسُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَالْإِيحَاشِ، وَإِنْ أَخَذَ قَاطِعٌ مِنَ الْمَالِ قَدْرَ نِصَابِ السَّرِقَةِ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ مَرَّةً أُخْرَى، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ مِنْ خِلَافٍ لِئَلَّا يَفُوتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النِّصَابُ لِوَاحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةِ الرُّفْقَةِ كَمَا سَبَقَ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ دُونَ نِصَابٍ، فَلَا قَطْعَ، وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: فِيهِ قَوْلَانِ، كَالْقَوْلَيْنِ فِي قَتْلِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، هَلْ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَفَاءَةُ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَ السَّرِقَةَ فِي اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ فَكَذَا فِي النِّصَابِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَمَا ادَّعَاهُ فِي الْحِرْزِ مَمْنُوعٌ، بَلِ الَّذِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَالُ ضَائِعًا تَسِيرُ بِهِ الدَّوَابُّ بِلَا حَافِظٍ، فَلَا قَطْعَ، وَلَوْ كَانَتِ الْجِمَالُ مَقْطُورَةً وَلَمْ تُتَعَهَّدْ كَمَا شَرَطْنَا فِيهَا، لَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ، وَإِنْ قَتَلَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ، قُتِلَ، وَهُوَ قَتْلٌ مُتَحَتِّمٌ لَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الْقِصَاصِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ، قُتِلَ وَصُلِبَ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَالِ كَوْنُهُ نِصَابًا، وَيَجِيءُ فِيهِ خِلَافُ ابْنِ خَيْرَانَ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَخَرَّجَ ابْنُ سَلَمَةَ قَوْلًا: أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ وَيُقْتَلُ وَيُصْلَبُ، وَحَكَى صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ»
قَوْلًا: أَنَّهُ إِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ نِصَابًا، قُطِعَ وَقُتِلَ، وَلَمْ يُصْلَبْ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ دُونَ نِصَابٍ، لَمْ يُقْطَعْ بَلْ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ، وَفِي كَيْفِيَّةِ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ إِذَا اجْتَمَعَا قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ، وَعَلَى هَذَا كَمْ يُتْرَكُ مَصْلُوبًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَهُوَ نَصُّهُ: ثَلَاثًا، فَإِذَا مَضَى الثَّلَاثُ، وَسَالَ صَلِيبُهُ، وَهُوَ الْوَدَكُ، أُنْزِلَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يُنْزَلُ بَلْ يُتْرَكُ حَتَّى يَسِيلَ صَلِيبُهُ، وَأَصَحُّهُمَا: يُنْزَلُ، وَيَكْفِي مَا حَصَلَ مِنَ النِّكَالِ، وَلَوْ خِيفَ التَّغَيُّرُ قَبْلَ الثَّلَاثِ هَلْ يُنْزَلُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ الْمَاسَرْجِسِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْأَصْلِ: يُتْرَكُ مَصْلُوبًا حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ وَيَتَهَرَّأَ، وَلَا يُنْزَلْ بِحَالٍ، وَالْوَجْهَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنْ يُصْلَبَ عَلَى خَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُطْرَحُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، قَالَ الْإِمَامُ وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ: أَنَّهُ يُتْرَكُ حَتَّى يَتَسَاقَطَ، وَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا قُلْنَا: يُنْتَظَرُ سَيَلَانُ الصَّلِيبِ، لَمْ نُبَالِ نَتْنَهُ، وَلَفْظُ الْبَغَوِيِّ فِي حِكَايَةِ وَجْهِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُتْرَكُ حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ إِلَّا أَنْ يَتَأَذَّى بِهِ الْأَحْيَاءُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَقْرَبُ إِلَى سِيَاقِ ذَلِكَ الْوَجْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْقَتْلِ: أَنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا، ثُمَّ يُقْتَلُ، وَعَلَى هَذَا كَيْفَ يُقْتَلُ، أَيُتْرَكُ بِلَا طَعَامٍ وَشَرَابٍ حَتَّى يَمُوتَ، أَمْ يُجْرَحُ حَتَّى يَمُوتَ، أَمْ يُتْرَكُ مَصْلُوبًا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُنْزَلُ وَيُقْتَلُ، فِيهِ أَوْجُهٌ، وَيُعْرَفُ بِهَذَا أَنَّ الصَّلْبَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُرَادُ بِهِ صَلْبٌ لَا يَمُوتُ مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ السَّابِقَ فِي إِنْزَالِهِ عَنِ الْخَشَبَةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَتَرْكِهِ جَارٍ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، أَمَّا إِذَا لَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَلَا قَتَلَ، وَلَكِنْ كَثَّرَ جَمْعَ الْقَاطِعِينَ، وَكَانَ رَدْءًا لَهُمْ، وَأَرْغَبَ الرُّفْقَةَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا حَدَّ فِي مُقَدِّمَاتِ الزِّنَى، وَلَوْ أَخَذَ بَعْضُهُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا شَرَطْنَا النِّصَابَ، وَلَا يَكْمُلُ نِصَابُهُ بِمَا أَخَذَهُ غَيْرُهُ، وَفِيمَا يُعَاقَبُ بِهِ الرَّدْءُ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يُعَزِّرُهُ الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ بِالْحَبْسِ
أَوِ التَّغْرِيبِ أَوْ سَائِرِ وُجُوهِ التَّأْدِيبِ، كَسَائِرِ الْمَعَاصِي.
وَالثَّانِي: يُغَرِّبُهُ بِنَفْيِهِ إِلَى حَيْثُ يَرَى، وَلْيَخْتَرْ جِهَةً يَحِفُّ بِهَا أَهْلُ النَّجْدَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ، وَإِذَا عَيَّنَ صُوَبًا، مَنَعَهُ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يُعَزَّرُ فِي الْبَلَدِ الْمَنْفِيِّ إِلَيْهِ بِضَرْبٍ وَحَبْسٍ وَغَيْرِهِمَا، أَمْ يَكْفِي النَّفْيُ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَمَا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَتْلٌ وَصَلْبٌ، فَمَاتَ، فَهَلْ يَجِبُ صَلْبُهُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَالصَّلْبَ مَشْرُوعَانِ، تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا فَوَجَبَ الْآخَرُ.
وَالثَّانِي: لَا، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَيُنْسَبُ إِلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْقَتْلِ، فَسَقَطَ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ وَهُوَ أَمْرَانِ
الْأَوَّلُ: السُّقُوطُ بِالتَّوْبَةِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إِذَا هَرَبَ، يُطْلَبُ وَيُقَامُ مَا يَسْتَوْجِبُهُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، فَلَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَ مَا يَخْتَصُّ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَإِنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، لَمْ يَسْقُطْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَهَلْ تُؤَثِّرُ التَّوْبَةُ فِي إِسْقَاطِ حَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ فِي حَقِّ غَيْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَفِي حَقِّهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ وَبَعْدَهَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ سَبَقَا، الْأَظْهَرُ: لَا يَسْقُطُ، صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْجَدِيدِ لِإِطْلَاقِ آيَةِ الزِّنَى، وَقِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ السُّقُوطَ.
قُلْتُ: رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» مَنْعَ السُّقُوطِ، وَهُوَ أَقْوَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ مَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فِي حَقِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ يَسْقُطُ بِنَفْسِ التَّوْبَةِ، وَأَمَّا تَوْبَتُهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، وَتَوْبَةُ الزَّانِي وَالسَّارِقِ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ، وَيَكُونُ إِظْهَارُ التَّوْبَةِ كَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ تَحْتَ السَّيْفِ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ مَعَ التَّوْبَةِ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ لِيَظْهَرَ صِدْقُهُ فِيهَا، وَنَسَبَ الْإِمَامُ هَذَا الْوَجْهَ إِلَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَالْأَوَّلَ إِلَى سَائِرِ الْأَصْحَابِ.
وَالَّذِي ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ هُوَ مَا نَسَبَهُ إِلَى الْقَاضِي، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)
[الْمَائِدَةِ: 34] لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ التَّوْبَةِ، وَقَالَ فِي الزِّنَى: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا)
[النِّسَاءِ: 16] ، وَفِي السَّرِقَةِ: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ)
[الْمَائِدَةِ: 36] قَالَ الْإِمَامُ: مَعْرِفَةُ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ بِأَنْ يُمْتَحَنَ سِرًّا وَعَلَنًا، فَإِنْ بَدَا الصَّلَاحُ، أَسْقَطْنَا الْحَدَّ عَنْهُ، وَإِلَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ، قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ خُلِّيَ فَكَيْفَ يُعَرَفُ صَلَاحُهُ؟ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا: إِذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ، امْتَنَعْنَا مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَإِنْ لَمْ يُظْهَرْ مَا يُخَالِفُ الصَّلَاحَ، فَذَاكَ، وَإِنْ ظَهَرَ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَى فِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ طَرِيقَيْنِ، أَحَدُهُمَا: تَخْصِيصُهُمَا بِمَنْ تَابَ قَبْلَ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنْ تَابَ بَعْدَ الرَّفْعِ، لَمْ يَسْقُطْ قَطْعًا.
وَالثَّانِي: طَرْدُهُمَا فِي الْحَالَيْنِ، وَقَدْ يَرْجِعُ هَذَا الْخِلَافُ إِلَى أَنَّ التَّوْبَةَ بِمُجَرَّدِهَا تُسْقِطُ الْحَدَّ، أَمْ يُعْتَبَرُ الْإِصْلَاحُ؟ إِنِ اعْتَبَرْنَاهُ اشْتُرِطَ مُضِيُّ زَمَنٍ يَظْهَرُ بِهِ الصِّدْقُ، فَلَا تَكْفِي التَّوْبَةُ بَعْدَ الرَّفْعِ.
فَرْعٌ
إِذَا تَابَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ، سَقَطَ عَنْهُ انْحِتَامُ الْقَتْلِ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتَصَّ، وَلَهُ الْعَفْوُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ يُسْقِطُ الْقِصَاصَ، فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ أَصْلًا، وَحُكِيَ وَجْهٌ
أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالشُّبْهَةِ، كَحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْقَذْفِ قَوْلًا قَدِيمًا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، سَقَطَ الصَّلْبُ وَانْحِتَامُ الْقَتْلِ، وَبَقِيَ الْقِصَاصُ وَضَمَانُ الْمَالِ، وَفِي الْقِصَاصِ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ الْمَالَ، سَقَطَ قَطْعُ الرِّجْلِ، وَكَذَا قَطْعُ الْيَدِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي فِي حُكْمِ قَتْلِهِ، فَإِذَا قَتَلَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ خَطَأً، بِأَنْ رَمَى شَخْصًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَتْلُ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَتْلِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ: هَذَا قَتْلٌ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ وَمَعْنَى الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ قَتْلٍ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ وَيَتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ بِالسُّلْطَانِ، وَمَا الْمُغَلَّبُ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هَلْ يَتَمَحَّضُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ فِيهِ أَيْضًا حَقُّ آدَمِيٍّ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي، وَيُقَالُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: أَصْلُ الْقَتْلِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَتْلِ، وَالتَّحَتُّمُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ صُوَرٌ.
مِنْهَا: لَوْ قَتَلَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ، كَابْنِهِ وَعَبْدٍ وَذِمِّيٍّ، فَإِنْ لَمْ يُرَاعِ مَعْنَى الْقِصَاصِ وَحَقَّ الْآدَمِيِّ، قَتَلْنَاهُ حَدًّا وَلَمْ نُبَالِ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَإِنْ رَاعَيْنَاهُ، لَمْ نَقْتُلْهُ بِهِ وَأَوْجَبْنَا الدِّيَةَ أَوِ الْقِيمَةَ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ نَفْسَهُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يُقْتَلُ قَطْعًا، كَمَا لَا يُقْطَعُ إِذَا أَخَذَ مَالَ نَفْسِهِ، وَاخْتَارَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ، فَإِنْ رَاعَيْنَا الْقِصَاصَ أَخَذْنَا الدِّيَةَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا.
وَمِنْهَا: لَوْ قَتَلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ جَمَاعَةً، فَإِنْ رَاعَيْنَا الْقِصَاصَ، قُتِلَ بِوَاحِدٍ وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ، فَإِنْ قَتْلَهُمْ مُرَتَّبًا، قُتِلَ بِالْأَوَّلِ، وَلَوْ عَفَا وَلِي الْأَوَّلِ، لَمْ يَسْقُطْ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَإِنْ لَمْ نُرَاعِ الْقِصَاصَ، قُتِلَ بِهِمْ، وَلَا دِيَةَ.
وَمِنْهَا: لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَلَى مَالٍ إِنْ رَاعَيْنَا الْقِصَاصَ، سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ الْمَالُ، وَقُتِلَ حَدًّا كَمُرْتَدٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، وَعُفِيَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ نُرَاعِهِ، فَالْعَفْوُ لَغْوٌ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ، لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ إِنْ رَاعَيْنَا مَعْنَاهُ وَيَسْقُطُ الْحَدُّ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَتَلَ بِمُثْقِلٍ، أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ، فَإِنْ رَاعَيْنَا الْقِصَاصَ، قَتَلْنَاهُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ، وَإِلَّا فَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، كَالْمُرْتَدِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَتَلَهُ شَخْصٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ إِنْ رَاعَيْنَا الْقِصَاصَ، لَزِمَهُ الدِّيَةُ لِوَرَثَتِهِ وَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ مُتَحَتِّمٌ، وَيَجِيءُ فِيهِ وَجْهٌ، وَإِنْ لَمْ نُرَاعِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّعْزِيرُ لِافْتِئَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ.
فَرْعٌ
إِذَا جَرَحَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ جُرْحًا سَارِيًا، فَهُوَ قَاتِلٌ، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ، وَإِنْ جَرَحَ جُرْحًا وَاقِفًا، نُظِرَ إِنْ كَانَ مِمَّا لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ، فَوَاجِبُهُ الْمَالُ وَلَا قَتْلَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ قِصَاصٌ، كَقَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ، قُوبِلَتْ بِمِثْلِهِ، وَهَلْ يَتَحَتَّمُ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحَةِ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا: لَا، كَمَا لَا كَفَّارَةَ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ.
وَالثَّالِثُ: يَتَحَتَّمُ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ دُونَ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَغَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْجِرَاحَةُ لَا تَتَحَتَّمُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ ثُمَّ قَتَلَهُ فِيهَا،
وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ قُلْنَا: يَتَحَتَّمُ، قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ.
وَلَوْ قَطَعَ فِي الْمُحَارَبَةِ وَأَخْذَ الْمَالَ، نُظِرَ إِنْ قَطَعَ يَمِينَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَحَتَّمُ وَعَفَا، أَخَذَ دِيَةَ الْيَدِ، وَقَطَعْنَا يَمِينَ الْمُحَارِبِ وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى حَدًّا، وَإِنْ لَمْ يَعْفُ، أَوْ قُلْنَا: يَتَحَتَّمُ، قُطِعَتْ يَمِينُهُ بِالْقِصَاصِ وَقُطِعَتْ رِجْلُهُ حَدًّا، كَمَا لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ وَلَا يَمِينَ لَهُ، وَإِنْ قَطَعَ يَسَارَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَحَتَّمُ وَعَفَا، أَخَذَ الدِّيَةَ، وَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ لَمْ يَعْفُ، أَوْ قُلْنَا: بِالتَّحَتُّمِ، قُطِعَتْ يَسَارُهُ، وَتُؤَخَّرُ قَطْعُ الْيَمِينِ وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى حَتَّى تَنْدَمِلَ الْيَسَارُ، وَلَا يُوَالَى بَيْنَ عُقُوبَتَيْنِ.
فَصْلٌ
يُوَالَى عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ بَيْنَ قَطْعِ يَدِهِ وَرَجْلِهِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُمَا عُقُوبَةٌ وَاحِدَةٌ، كَالْجَلَدَاتِ فِي الْحَدِّ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَمِينِ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَلَا تُجْعَلْ الْيَدُ الْيُسْرَى بَدَلًا عَنِ الْيُمْنَى، فَإِنْ كَانَ مَفْقُودَ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَلَوْ قَطَعَ يَسَارَ إِنْسَانٍ وَسَرَقَ، قُطِعَتْ يَسَارُهُ قِصَاصًا وَأُمْهِلَ إِلَى الِانْدِمَالِ ثُمَّ تُقْطَعُ يَمِينُهُ عَنِ السَّرِقَةِ وَلَا يُوَالَى؛ لِأَنَّهُمَا عُقُوبَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، وَقُدِّمَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي هِيَ حَقُّ آدَمِيٍّ آكِدٌ مِنَ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا تُسْقَطُ بِمَا لَا تَسْقُطُ بِهِ عُقُوبَةُ الْآدَمِيِّ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، فَإِنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي أَنَّهُ يُقَدِّمُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَمِ الْآدَمِيِّ، أَمْ يَسْتَوِيَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّأَكُّدِ وَعَدَمِ السُّقُوطِ بِالشُّبْهَةِ، وَلَوْ وَجَبَ قَطْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقَطْعُ الْيَدِ الْيُسْرَى بِقِصَاصٍ، قُدِّمَ قَطْعُ الْيُسْرَى قِصَاصًا، ثُمَّ يُمْهَلُ إِلَى الِانْدِمَالِ، ثُمَّ يُقْطَعُ الْعُضْوَانِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَلَوِ اسْتَحَقَّتْ يَمِينُهُ بِقِصَاصٍ وَقَطْعٍ لِلطَّرِيقِ، فَإِنْ عَفَا
مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ، قُطِعَتْ يَمِينُهُ مَعَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى حَدًّا، وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْقِصَاصُ، وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ الْيُسْرَى عَنِ الْحَدِّ، وَتُقْطَعُ عُقَيْبَ الْقِصَاصِ، وَقِيلَ: يُمْهَلُ بِهَا إِلَى الِانْدِمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَلَوِ اسْتَحَقَّتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى بِقِصَاصٍ وَقَطْعِ طَرِيقٍ، نُظِرَ إِنْ عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ، قُطِعَ الْعُضْوَانِ عَنِ الْحَدِّ، وَإِنِ اقْتَصَّ فِيهِمَا، سَقَطَ الْحَدُّ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ، وَلَوْ قَطَعَ الْعُضْوَيْنِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَأَخَذَ الْمَالَ، فَإِنْ قُلْنَا: الْجِرَاحَةُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ لَا تَتَحَتَّمُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْعُضْوَيْنِ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ وَقَطَعَ أَيْضًا الطَّرِيقَ، وَإِنْ قُلْنَا: تَتَحَتَّمُ، قَطَعْنَاهُمَا قِصَاصًا، وَسَقَطَ الْحَدُّ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا، وَسَوَّوْا بَيْنَ قَطْعِ الْعُضْوَيْنِ قَبْلَ أَخْذِ الْمَالِ وَبَعْدَهُ، قَالَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» : إِنْ قُلْنَا بِالتَّحَتُّمِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ أَخْذُ الْمَالِ، وَاقْتُصَّ فِي الْعُضْوَيْنِ، سَقَطَ الْحَدُّ، وَإِنْ تَقَدَّمَ قَطْعُ الْعُضْوَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ الْمَالَ، لَمْ يَسْقُطْ بِالْقِصَاصِ حَدُّ قَطْعِ الطَّرِيقِ، بَلْ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى.
فَصْلٌ
اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عُقُوبَاتُ آدَمِيِّينَ، كَحَدِّ قَذْفٍ وَقِصَاصِ عُضْوٍ وَقِصَاصِ نَفْسٍ، فَإِنْ حَضَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ وَطَلَبُوا حُقُوقَهُمْ جَمِيعًا، جُلِدَ، ثُمَّ قُطِعَ، ثُمَّ قُتِلَ، وَيُبَادَرُ بِالْقَتْلِ بَعْدَ الْقَطْعِ، وَلَا يُبَادَرُ بِالْقَطْعِ بَعْدَ الْجِلْدِ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقَّ الْقَتْلِ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ بِالْمُوَالَاةِ فَيَفُوتُ قِصَاصُهُ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا وَقَالَ: عَجِّلُوا الْقَطْعَ وَأَنَا أُبَادِرُ بِالْقَتْلِ بَعْدَ الْقَطْعِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُبَادَرُ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ كَانَ حَقَّهُ وَقَدْ رَضِيَ بِالتَّقْدِيمِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ خَوْفًا مِنْ هَلَاكِهِ بِالْمُوَالَاةِ، وَرَأَى الْإِمَامُ تَخْصِيصَ الْوَجْهَيْنِ بِمَنْ خِيفَ مَوْتُهُ بِالْمُوَالَاةِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ قِصَاصُ النَّفْسِ لِانْتِهَائِهِ إِلَى حَرَكَةِ
الْمَذْبُوحِ، وَرَأَى الْجَزْمَ بِالْمُبَادَرَةِ إِذَا أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ بَعْدَ الْقَطْعِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الطَّلَبِ، فَإِنْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ حَقَّهُ، جُلِدَ، فَإِذَا بَرِأَ، قُطِعَ، وَإِنْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الطَّرْفِ حَقَّهُ، جُلِدَ، وَيَتَعَذَّرُ الْقَتْلُ لِحَقِّ مُسْتَحِقِّ الطَّرْفِ، وَعَلَى مُسْتَحِقِّ النَّفْسِ الصَّبْرُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مُسْتَحِقُّ الطَّرْفِ حَقَّهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ مُكِّنَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ مِنَ الْقَتْلِ، وَقِيلَ لِمُسْتَحِقِّ الطَّرْفِ: بَادِرْ وَإِلَّا ضَاعَ حَقُّكَ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَلَوْ بَادَرَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ فَقَتَلَهُ، كَانَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَرَجَعَ مُسْتَحِقُّ الطَّرْفِ إِلَى الدِّيَةِ، وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الْجَلْدِ حَقَّهُ، فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ أَنْ يَصْبِرَ الْآخَرَانِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حُدُودُ قَذْفٍ لِجَمَاعَةٍ، حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا، وَلَا يُوَالَى بَلْ يُمْهَلُ بَعْدَ كُلِّ حَدٍّ حَتَّى يَبْرَأَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّهُ سَبَقَ فِي الْقِصَاصِ أَنَّهُ يُوَالَى بَيْنَ قَطْعِ الْأَطْرَافِ قِصَاصًا، وَقِيَاسُهُ أَنْ يُوَالَى بَيْنَ الْحُدُودِ، وَذَكَرُوا تَفْرِيعًا عَلَى الْأَوَّلِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ وَجَبَ عَلَى عَبْدٍ حَدَّانِ لَقَذْفِ شَخْصَيْنِ، هَلْ يُوَالَى؟ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: لَا؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُمَا كَحَدِّ حُرٍّ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: هَذَا أَقْرَبُ إِلَى الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا تَرْتِيبُ حُدُودِ الْقَذْفِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ قَذَفَهُمْ مُرَتِّبًا، حُدَّ لِلْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَإِنْ قَذْفَهُمْ بِكَلِمَةٍ وَقُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: إِنَّهُ يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ، أُقْرِعَ.
فَرْعٌ
اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى، بِأَنْ شَرِبَ وَزَنَى وَهُوَ بِكْرٌ، وَسَرَقَ، وَلَزِمَهُ قَتْلٌ بِرِدَّةٍ، قُدِّمَ الْأَخَفُّ فَالْأَخَفَّ، وَتَجِبُ رِعَايَةُ هَذَا التَّرْتِيبِ وَالْإِمْهَالِ سَعَيَا فِي إِقَامَةِ الْجَمِيعِ، وَأَخَفُّهَا حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ يُمْهَلُ حَتَّى يَبْرَأَ، ثُمَّ يُجْلَدُ لِلزِّنَى، وَيُمْهَلُ، ثُمَّ يُقْطَعُ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَتْلُ، قُتِلَ وَلَمْ يُمْهَلْ، وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ الطُّوسِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِيهَا قَتْلٌ يُوَالَى
بِلَا إِمْهَالٍ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَلَوِ اجْتَمَعَ مَعَهَا أَخْذُ مَالٍ فِي مُحَارَبَةٍ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ بَعْدَ جِلْدِ الزِّنَى، وَهَلْ يُوَالَى بَيْنَ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ أَمْ يُؤَخَّرُ قَطْعُ الرِّجْلِ حَتَّى تَنْدَمِلَ الْيَدُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مَقْطُوعَةٌ عَنِ السَّرِقَةِ، وَالرِّجْلَ عَنِ الْمُحَارَبَةِ وَلَا يُوَالَى بَيْنَ حَدَّيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يُوَالَى؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَقَعُ عَنِ الْمُحَارَبَةِ وَالسَّرِقَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوِ انْفَرَدَتِ الْمُحَارَبَةُ، وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عُقُوبَاتٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِآدَمِيٍّ، بِأَنِ انْضَمَّ إِلَى هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ حَدُّ قَذْفٍ، قُدِّمَ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى حَدِّ الزِّنَى، نُصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا لِمَ قُدِّمَ؟ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ: لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لِأَنَّهُ أَخَفُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَفِيمَا يُقَدَّمُ مِنْ حَدِّ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، وَيَجْرِيَانِ فِي حَدِّ الزِّنَى وَقِصَاصِ الطَّرْفِ وَالْإِمْهَالِ بَعْدَ كُلِّ عُقُوبَةٍ إِلَى الِانْدِمَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ بَدَلَ قَتْلِ الرِّدَّةِ قَتْلُ قِصَاصٍ، فَالْقَوْلُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْإِمْهَالِ كَذَلِكَ، وَلَوِ اجْتَمَعَ الرَّجْمُ لِلزِّنَى وَقَتْلُ قِصَاصٍ، فَهَلْ يُقْتَلُ رَجْمًا بِإِذْنِ الْوَلِيِ لِيَتَأَدَّى الْحَقَّانِ، أَمْ يُسَلَّمَ إِلَى الْوَلِيِ لِيَقْتُلَهُ قِصَاصًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ قَتْلَ مُحَارَبَةٍ، فَهَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْحُدُودِ الْمُقَامَةِ قَبْلَ الْقَتْلِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ مُتَحَتِّمُ الْقَتْلِ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِمْهَالِ بِخِلَافِ قَتْلِ الرِّدَّةِ وَالْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يُتَوَقَّعُ الْإِسْلَامُ وَالْعَفْوُ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ بِالْمُوَالَاةِ، فَتَفُوتُ سَائِرُ الْحُدُودِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ قَتْلُ مُحَارَبَةٍ مَعَ قِصَاصٍ فِي غَيْرِ مُحَارِبَةٍ، نُظِرَ إِنْ سَبَقَ قَتْلُ الْمُحَارَبَةِ، قُتِلَ حَدًّا، وَيَعْدِلُ صَاحِبُ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ، وَإِنْ سَبَقَ قَتْلُ الْقِصَاصِ، خُيِّرَ الْوَلِيُّ فِيهِ، فَإِنْ عَفَا، قُتِلَ وَصُلِبَ لِلْمُحَارِبَةِ، وَإِنِ اقْتَصَّ، عَدَلَ لِقَتْلِ الْمُحَارَبَةِ إِلَى الدِّيَةِ، وَهَلْ يُصْلَبُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا إِذَا مَاتَ الْمُحَارَبُ قَبْلَ قَتْلِهِ، وَلَوْ
سَرَقَ ثُمَّ قَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَهَلْ يُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ وَيُقْتَلُ لِلْمُحَارَبَةِ، أَمْ يُقْتَصَرُ عَلَى الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ، وَيَنْدَرِجُ حَدُّ السَّرِقَةِ فِي حَدِّ الْمُحَارَبَةِ؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
مَنْ زَنَى مِرَارًا وَهُوَ بِكْرٌ، حُدَّ لَهَا حَدًّا وَاحِدًا، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ، أَوْ شَرِبَ مِرَارًا، وَهَلْ يُقَالُ: تَجِبُ حُدُودٌ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى حَدٍّ وَاحِدٍ أَمْ لَا يَجُبْ إِلَّا حَدٌّ، وَتُجْعَلُ الزَّنْيَاتُ كَالْحَرَكَاتِ فِي زَنْيَةٍ وَاحِدَةٍ؟ ذَكَرُوا فِيهِ احْتِمَالَيْنِ، وَلَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ زَنَى أَوْ شَرِبَ، أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ آخَرُ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الْأَوَّلِ، أُمْهِلُ حَتَّى يَبْرَأَ، وَلَوْ أُقِيمُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدِّ فَارْتَكَبَ الْجَرِيمَةَ ثَانِيًا، دَخَلَ الْبَاقِي فِي الْحَدِّ الثَّانِي، وَإِذَا زَنَى فَجُلِدَ، ثُمَّ زَنَى قَبْلَ التَّغْرِيبِ جُلِدَ ثَانِيًا وَكَفَاهُ تَغْرِيبٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ جُلِدَ خَمْسِينَ، فَزَنَى ثَانِيًا، جُلِدَ مِائَةً وَغُرِّبَ وَدَخَلَ فِي الْمِائَةِ الْخَمْسُونَ الْبَاقِيَةُ، وَلَوْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ، ثُمَّ زَنَى قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ وَقَدْ أَحْصَنَ، فَهَلْ يُكْتَفَى بِالرَّجْمِ وَيَدْخَلُ فِيهِ الْجَلْدُ أَمْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ: الْأَوَّلُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ: الثَّانِي، لِاخْتِلَافِ الْعُقُوبَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُغَرَّبُ عَامًا ثُمَّ يُرْجَمُ، أَمْ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ، وَيَدْخُلُ التَّغْرِيبُ فِي الرَّجْمِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَلَوْ زَنَى عَبْدٌ، فَعَتَقَ قَبْلَ الْحَدِّ، وَزَنَى ثَانِيًا، فَإِنْ كَانَ بِكْرًا، جُلِدَ مِائَةً وَغُرِّبَ عَامًا، وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا، جُلِدَ خَمْسِينَ، ثُمَّ رُجِمَ، هَكَذَا أُطْلَقَهُ الْبَغَوِيُّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ، ثُمَّ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ.
وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ مُحْصَنٌ، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ وَاسْتَرَقَ، فَزَنَى ثَانِيًا، فَفِي دُخُولِ الْجَلْدِ فِي الرَّجْمِ الْوَجْهَانِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، فَيُجْلَدُ خَمْسِينَ ثُمَّ يُرْجَمُ، وَإِنْ قُلْنَا: بِتَغْرِيبِ الْعَبْدِ، فَفِي انْدِرَاجِ التَّغْرِيبِ فِي الرَّجْمِ الْوَجْهَانِ.
فَصْلٌ
لَا يَثْبُتُ قَطْعُ الطَّرِيقِ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ التَّفْصِيلُ وَتَعْيِينُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَمَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَخَذَ مَالَهُ، وَتُقَاسُ صُوَرُهُ بِمَا سَبَقَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى السَّرِقَةِ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ مِنَ الرُّفْقَةِ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَتَعَرَضَا لِقَصْدِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ نَفْسًا وَمَالًا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُمَا هَلْ هُمَا مِنَ الرُّفْقَةِ أَمْ لَا، فَإِنْ بَحَثَ، فَلَهُمَا أَنْ لَا يُجِيبَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنْ قَالَا: قَطَعَ هَذَا وَهَؤُلَاءِ عَلَيْنَا الطَّرِيقَ، فَأَخَذُوا مَالَنَا وَمَالَ رُفْقَتِنَا، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا قَوْلَانِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا عَدُوَّيْنِ، قَالَ الْمَاسَرْجَسِيُّ وَغَيْرُهُ: لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِوَصِيَّةٍ لَهُمَا فِيهَا نَصِيبٌ أَوْ إِشْرَافٌ، لَمْ تُقْبَلْ فِي شَيْءٍ، وَإِنْ قَالَا: نَشْهَدُ بِهَا سِوَى مَا يَتَعَلَّقُ بِنَا مِنَ الْمَالِ وَالْإِشْرَافِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.
فَصْلٌ
يُحْسَمُ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ قَاطِعِ الطَّرِيقِ كَمَا سَبَقَ فِي السَّارِقِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُحْسَمَ الْيَدُ، ثُمَّ تُقْطَعُ الرِّجْلُ، وَأَنْ تَقَطَّعَا جَمِيعًا، ثُمَّ تَحْسَمَا، قَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي «الرَّقْمِ» : إِنْ قُلْنَا: إِنَّ قَتْلَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ يُرَاعَى فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ، لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ قُلْنَا: حَدٌّ مَحْضٌ، فَلَا كَفَّارَةَ.
بَابُ حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ
شُرْبُ الْخَمْرِ مِنْ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ وَقُذِفَ بِالزُّبْدِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَوَاءً قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَيَفْسُقُ شَارِبُهُ وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَمَنِ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ، وَعَصِيرُ الرُّطْبِ النَّيْءِ، كَعَصِيرِ الْعِنَبِ النَّيْءِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَطَائِفَةٌ، وَحَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَاخْتَارَ كَوْنَهُ كَسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ، أَمَّا سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ، فَهِيَ فِي التَّحْرِيمِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ عِنْدَنَا كَعَصِيرِ الْعِنَبِ، لَكِنْ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا؛ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ خِلَافًا فِي أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ هَلْ يَتَنَاوَلُهَا؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْمَنْعِ، وَكُلُّ شَرَابٍ حَكَمْنَا بِتَحْرِيمِهِ، فَهُوَ نَجِسٌ، وَبَيْعُهُ بَاطِلٌ، وَمَا لَا يُسْكِرُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ لَا يَحْرُمُ، لَكِنْ يُكْرَهُ شُرْبُ الْمُنَّصَفِ وَالْخَلِيطَيْنِ لِلْحَدِيثِ النَّاهِي عَنْهُمَا، وَالْمُنَّصَفُ: مَا عُمِلَ مِنْ تَمْرٍ وَرُطَبٍ، وَشَرَابُ الْخَلِيطَيْنِ مَا عُمِلَ مِنْ بُسْرٍ وَرُطَبٍ، وَقِيلَ: مَا عُمِلَ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ، وَسَبَبُ النَّهْيِ أَنَّ الْإِسْكَارَ يُسْرِعُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ، فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ وَيَكُونُ مُسْكِرًا، وَهَذَا كَالنَّهْيِ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَنْبِذُونَ فِيهَا، كَالدُّبَّاءِ وَهُوَ الْقَرْعُ، وَالْحَنْتَمُ وَهُوَ جِرَارٌ خَضْرٌ، وَالنَّقِيرُ وَهُوَ جِذْعٌ يُنْقَرُ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ إِنَاءٌ، وَالْمُزَفَّتُ وَهُوَ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ وَهُوَ الْقَارُ، وَيُقَالُ لَهُ: الْمُقَيَّرُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْعِيَةَ يَشْتَدُّ فِيهَا وَلَا يُعْلَمُ بِهِ بِخِلَافِ الْأَسْقِيَةِ مِنَ الْأُدْمِ.
قُلْتُ: وَالنَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ مَنْسُوخٌ، ثَبَتَ نَسْخُهُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْبَابِ طَرَفَانِ: الْأَوَّلُ: فِي الشَّرَابِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ، فَكُلُّ مُلْتَزِمٍ لِتَحْرِيمِ الْمَشْرُوبِ شَرِبَ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ مُخْتَارًا بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ، لَزِمَهُ الْحَدُّ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ قُيُودٍ.
الْأَوَّلُ: الْمُلْتَزِمُ، فَلَا حَدَّ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَحَرْبِيٍّ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُحَدُّ بِالْخَمْرِ، وَأَنَّ الْحَنَفِيَّ يُحَدُّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمُهُ، وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَةِ إِنْ شَرِبَ الْحَنَفِيُّ النَّبِيذَ هَلْ يَفْسُقُ بِهِ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ؟ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّانِي: قَوْلُنَا: شَرِبَ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ يَخْرُجُ بِلَفْظِ الشُّرْبِ مَا لَوِ احْتَقَنَ، أَوِ اسْتَعَطَ بِالْخَمْرِ، فَلَا حَدَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ، وَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الزَّجْرِ، وَقِيلَ: يُحَدُّ، وَقِيلَ: يُحَدُّ فِي السَّعُوطِ دُونَ الْحُقْنَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ الْمَشْرُوبِ مُسْكِرًا فِي جِنْسِهِ صُوَرٌ: مِنْهَا: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيذُ وَدِرْدِيُّ الْخَمْرِ وَالثَّخِينُ مِنْهَا إِذَا أَكَلَهُ بِخُبْزٍ، أَوْ ثَرَدَ فِيهَا وَأَكَلَ الثَّرِيدَ، أَوْ طَبَخَ بِهَا، وَأَكَلَ الْمَرَقَ، فَيُحَدُّ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَلَا يُحَدُّ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِهَا، وَلَا بِأَكْلِ خُبْزٍ أَوْ مَعْجُونٍ عُجِنَ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا، وَعَلَى هَذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ شَرِبَ كُوزَ مَاءٍ فِيهِ قَطَرَاتُ خَمْرٍ وَالْمَاءُ غَالِبٌ، لَمْ يُحَدُّ لِاسْتِهْلَاكِ الْخَمْرِ.
الثَّالِثُ: كَوْنُ الشَّارِبِ مُخْتَارًا، فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ أُوجِرَ قَهْرًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ مَنْ أُكْرِهَ حَتَّى شَرِبَ، وَذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُضْطَرًّا، فَلَوْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا غَيْرَ الْخَمْرِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِسَاغَتُهَا بِالْخَمْرِ وَلَا حَدَّ، وَحَكَى إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَذِيُّ فِي تَحْرِيمِ الْإِسَاغَةِ وَجْهَيْنِ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا شُرْبُهَا لِلتَّدَاوِي وَالْعَطَشِ وَالْجُوعِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا فَفِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا وَالْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَلِأَنَّ بَعْضَهَا يَدْعُو إِلَى بَعْضٍ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ شُرْبُ الْبَوْلِ وَالدَّمِ لِذَلِكَ، وَكَمَا يُتَدَاوَى بِالنَّجَاسَاتِ، كَلَحْمِ الْحَيَّةِ وَالسَّرَطَانِ وَالْمَعْجُونِ فِيهِ خَمْرٌ.
وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي دُونَ الْعَطَشِ وَالْجُوعِ، وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ.
وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْعَطَشِ مَوْثُوقٌ بِهِ فِي الْحَالِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَنَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّدَاوِي، قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ
آحَادٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْلَ بِجَوَازِهِ مِنْ غَيْرِ تَدْوِينٍ فِي كِتَابٍ.
وَالْخَامِسُ: يَجُوزُ لِلْعَطَشِ دُونَ الْجُوعِ؛ لِأَنَّهَا تَحْرِقُ كَبِدَ الْجَائِعِ، ثُمَّ الْخِلَافُ فِي التَّدَاوِي مَخْصُوصٌ بِالْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ، وَيُشْتَرَطُ خَبَرُ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ، أَوْ مَعْرِفَةُ الْمُتَدَاوِي إِنْ عَرَفَ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَجِدَ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَيُعْتَبَرُ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فِي تَنَاوُلِ سَائِرِ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ، وَلَوْ قَالَ الطَّبِيبُ: يُتَعَجَّلُ بِهَا الشِّفَاءُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَرَجَاءِ الشِّفَاءِ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ: لَا حَدَّ عَلَى الْمُتَدَاوِي وَإِنْ حَكَمْنَا بِالتَّحْرِيمِ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ الْمُعْتَبِرُونَ أَقْوَالَهُمْ فِي طُرُقِهِمْ أَنَّ التَّدَاوِيَ حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، وَإِذَا جَوَّزْنَا الشُّرْبَ لِلْعَطَشِ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ، كَتَنَاوُلِ الْمَيِّتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَلَا حَدَّ، وَإِذَا لَمْ نُجَوِّزْهُ، فَفِي الْحَدِّ الْخِلَافُ كَالتَّدَاوِي.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي الشُّرْبِ، فَلَوْ شَرِبَ قَرِيبُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَادَّعَى جَهْلَ التَّحْرِيمِ، لَمْ يُحَدْ، فَلَوْ قَالَ: عَلِمَتُ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَتُ الْحَدَّ، وَجَبَ الْحَدُّ، وَلَوْ شَرِبَ خَمْرًا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَشْرَبُ غَيْرَ مُسْكِرٍ فِي جِنْسِهِ، فَلَا حَدَّ، وَإِنْ سَكِرَ مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْكِرِ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُسْكِرُ، حُدَّ، وَلَزِمَهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ فِي السُّكْرِ.
فَرْعٌ إِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ إِذَا ثَبَتَ الشُّرْبُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يَجِبُ أَيْضًا إِذَا عَلِمْنَا شُرْبَهُ الْمُسْكِرَ، بِأَنْ رَأَيْنَاهُ شَرِبَ مِنْ شَرَابِ إِنَاءٍ شَرِبَ مِنْهُ غَيْرُهُ فَسَكِرَ، وَلِيَكُنْ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى النَّكْهَةِ وَظُهُورِ الرَّائِحَةِ مِنْهَا، وَلَا عَلَى مُشَاهَدَةِ سُكْرِهِ وَتَقَيُّئِهِ الْخَمْرَ؛ لِاحْتِمَالِ غَلَطٍ أَوْ إِكْرَاهٍ، ثُمَّ صِيغَةُ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ إِنْ كَانَتْ مُفَصَّلَةً بِأَنْ قَالَ: شَرِبَتُ الْخَمْرَ، أَوْ شَرِبَتُ مَا شَرِبَ مِنْهُ غَيْرِي، فَسَكِرَ مِنْهُ، وَأَنَا بِهِ عَالِمٌ مُخْتَارٌ، وَفَصَّلَ الشَّاهِدِ
كَذَلِكَ، فَذَاكَ، وَإِنْ قَالَ: شَرِبْتُ الْخَمْرَ، أَوْ مَا شَرِبَهُ غَيْرِي فَشَرِبَ مِنْهُ فَسَكِرَ مِنْهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْعِلْمِ وَالِاخْتِيَارِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا حَدَّ، لِاحْتِمَالِ الْجَهْلِ وَالْإِكْرَاهِ، كَمَا لَا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ فِي الزِّنَى، وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ، وَأَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَظَاهِرُ النَّصِّ وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ إِضَافَةَ الشُّرْبِ إِلَيْهِ حَاصِلَةٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ الْعِلْمُ بِمَا يَشْرَبُهُ، وَصَارَ كَالْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا، وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِلِاخْتِيَارِ وَالْعِلْمِ بِخِلَافِ الزِّنَى فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مُقَدِّمَاتِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ» .
فَرَوْعٌ
مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ، كَالْبَنْجِ، حَرَامٌ لَكِنْ لَا حَدَّ فِي تَنَاوُلِهِ، وَلَوِ احْتِيجَ فِي قَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ إِلَى زَوَالِ عَقْلِهِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي مَسَائِلِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ مَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِهِ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى دَوَاءٍ يُزِيلُ الْعَقْلَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ جَازَ تَنَاوُلُهُ قَطْعًا كَمَا سَبَقَ هُنَاكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
النِّدُّ الْمَعْجُونُ بِالْخَمْرِ نَجِسٌ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، لِإِمْكَانِ تَطْهِيرِهِ بِنَقْعِهِ فِي الْمَاءِ، وَمَنْ يَتَبَخَّرُ بِهِ هَلْ يَتَنَجَّسُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، كَدُخَانِ النَّجَاسَةِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْحَدِّ الْوَاجِبِ فِي الشُّرْبِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً عَلَى الْحُرِّ، وَعِشْرُونَ عَلَى الرَّقِيقِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ ثَمَانُونَ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُضْرَبَ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالسَّوْطِ، أَمْ يَتَعَيَّنُ مَا عَدَا السَّوْطَ، أَمْ يَتَعَيَّنُ السَّوْطُ؟ فِيهِ
ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ جَوَازُ الْجَمِيعِ، وَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ ثَمَانِينَ أَوْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْبَعِينَ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَعَلَى هَذَا هَلِ الزِّيَادَةُ تَعْزِيرٌ أَمْ حَدٌّ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: تَعْزِيرٌ؛ لِأَنَّهُا لَوْ كَانَتْ حَدًّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُهَا، وَتَرْكُهَا جَائِزٌ، فَعَلَى هَذَا هُوَ تَعْزِيرَاتٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ هَذَيَانٍ يَصْدُرُ مِنْهُ وَنَحْوِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الزِّيَادَةَ حَدٌّ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى جِنَايَةٍ مُخَفَّفَةٍ، ثُمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْحَصِرَ فِي ثَمَانِينَ وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَعَلَى هَذَا حَدُّ الشُّرْبِ مَخْصُوصٌ بِأَنْ يَتَحَتَّمَ بَعْضُهُ، وَيَتَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
فَصْلٌ
فِي كَيْفِيَّةِ الْجَلْدِ فِي الزِّنَى وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَهُوَ بِسَوْطٍ مُعْتَدِلِ الْحَجْمِ بَيْنَ الْقَضِيبِ وَالْعَصَا، وَبِهِ تُعْتَبَرُ الْخَشَبَاتُ، وَلَا يَكُونُ رَطْبًا وَلَا شَدِيدَ الْيُبُوسَةِ، خَفِيفًا لَا يُؤْلِمُ، وَيُضْرَبُ ضَرْبًا بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، فَلَا يَرْفَعُ الضَّارِبُ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِحَيْثُ يَبْدُو بَيَاضُ إِبِطِهِ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَدُّ أَلَمُهُ، وَلَا يَضَعُ السَّوْطَ عَلَيْهِ وَضْعًا، فَإِنَّهُ لَا يُؤْلِمُ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ ذِرَاعَهُ لِيُكْسِبَ السَّوْطَ ثِقْلًا، فَإِنْ كَانَ الْمَجْلُودُ رَقِيقَ الْجِلْدِ يُدْمَى بِالضَّرْبِ الْخَفِيفِ، لَمْ يُبَالِ بِهِ وَيُفَرِّقُ السِّيَاطَ عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَيَتَّقِي الْوَجْهَ وَالْمَقَاتِلَ، كَثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْفَرْجِ وَنَحْوِهِمَا، وَهَلْ يَجْتَنِبُ الرَّأْسَ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا؛ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِالشَّعْرِ بِخِلَافِ الْوَجْهِ، وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ بَلْ تَتْرُكُ يَدَاهُ لِيَتَّقِيَ بِهِمَا، وَلَا يُلْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُجَرَّدُ عَنِ الثِّيَابِ بَلْ يُتْرَكُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ قَمِيصَانِ، وَلَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ الْأَلَمَ مِنْ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ وَفَرْوَةٍ، وَيُجْلَدُ الرَّجُلُ قَائِمًا، وَالْمَرْأَةُ
جَالِسَةً وَتُلَفُّ، أَوْ تُرْبَطُ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَيَتَوَلَّى لَفَّ ثِيَابِهَا امْرَأَةٌ، وَأَمَّا الضَّرْبُ، فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ، فَيَتَوَلَّاهُ رَجُلٌ، وَيُوَالِي بَيْنَ الضَّرَبَاتِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ، فَيَضْرِبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ إِيلَامٌ وَتَنْكِيلٌ وَزَجْرٌ، وَلَوْ جُلِدَ فِي الزِّنَى فِي يَوْمٍ خَمْسِينَ مُتَوَالِيَةً، وَفِي يَوْمٍ يَلِيهِ خَمْسِينَ كَذَلِكَ، أَجْزَأَ، قَالَ الْإِمَامُ فِي ضَبْطِ التَّفْرِيقِ: إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ مِنْ كُلِّ دَفْعَةِ أَلَمٌ لَهُ وَقْعٌ، كَسَوْطٍ أَوْ سَوْطَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ يُؤْلِمُ وَيُؤَثِّرُ بِمَا لَهُ وَقْعٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ زَمَنٌ يَزُولُ فِيهِ الْأَلَمُ الْأَوَّلُ، كَفَى وَإِنْ تَخَلَّلَ، لَمْ يَكْفِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
لَا يُقَامُ حَدُّ الشُّرْبِ فِي السُّكْرِ، بَلْ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَضِيقَ.
فَرْعٌ
لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا التَّعْزِيرُ، فَإِنْ فُعِلَ، وَقَعَ الْمَوْقِعُ، كَالصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ.
بَابُ التَّعْزِيرِ
هُوَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ وَلَا كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ مُقَدِّمَاتِ مَا فِيهِ حَدٌّ، كَمُبَاشَرَةِ أَجْنَبِيَّةٍ بِغَيْرِ الْوَطْءِ، وَسَرِقَةِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ، وَالسَّبِّ وَالْإِيذَاءِ بِغَيْرِ قَذْفٍ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، كَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالضَّرْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالتَّزْوِيرِ، وَسَائِرِ الْمَعَاصِي، وَسَوَاءٌ تَعَلَّقَتِ الْمَعْصِيَةُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، ثُمَّ جِنْسُ التَّعْزِيرِ مِنَ الْحَبْسِ أَوِ الضَّرْبِ جَلْدًا أَوْ صَفْعًا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، فَيَجْتَهِدُ وَيَعْمَلُ مَا يَرَاهُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَالِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّوْبِيخِ بِاللِّسَانِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ التَّرْتِيبَ وَالتَّدْرِيجَ، كَمَا يُرَاعِيهِ دَافِعُ الصَّائِلِ، فَلَا يَرْقَى إِلَى مَرْتَبَةٍ وَهُوَ يَرَى مَا دُونَهَا مُؤَثِّرًا كَافِيًا، وَأَمَّا قَدْرُ التَّعْزِيرِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَدِّ، كَالْحَبْسِ، تَعَلَّقَ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَإِنْ رَأَى الْجَلْدَ فَيَجِبُ أَنْ يَنْقُصَ عَنِ الْحَدِّ، وَفِي ضَبْطِهِ أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَعَاصِي وَتُقَاسُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ بِمَا يُنَاسِبُهَا مِنَ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ، فَيُعَزَّرُ فِي الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يُوجِبُ حَدًّا، وَفِي مُقَدِّمَاتِ الزِّنَى دُونَ حَدِّ الزِّنَى، وَفِي الْإِيذَاءِ وَالسَّبِّ بِغَيْرِ قَذْفٍ دُونَ حَدِّ الْقَذْفِ، وَفِي إِدَارَةِ كَأْسِ الْمَاءِ عَلَى الشُّرْبِ تَشْبِيهًا بِشَارِبِي الْخَمْرِ دُونَ حَدِّ الْخَمْرِ، وَفِي مُقَدِّمَاتِ السَّرِقَةِ دُونَ حَدِّ الزِّنَى، وَعَلَى هَذَا فَتَعْزِيرُ الْحُرِّ يُعْتَبَرُ بِحَدِّهِ، وَالْعَبْدِ بِحَدِّهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي سَوَاءٌ وَلَا يُزَادُ تَعْزِيرٌ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ» ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَظَاهِرُ النَّصِّ: أَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى عَشَرَةٍ بِحَيْثُ يَنْقُصُ عَنْ أَدْنَى حُدُودِ الْمُعَزَّرِ، فَلَا يُزَادُ تَعْزِيرُ حُرٍّ عَلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ جَلْدَةً، وَلَا الْعَبْدِ عَلَى تِسْعَ عَشَرَةَ،
وَالْحَدِيثُ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَاسْتَدَلَّ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِخِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَالرَّابِعُ: يُعْتَبَرُ أَدْنَى الْحُدُودِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا يُزَادُ حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ عَلَى تِسْعَ عَشَرَةَ.
وَالْخَامِسُ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ: الِاعْتِبَارُ بِحَدِّ الْحُرِّ، فَيَبْلُغُ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدِ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ.
فَصْلٌ
مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَخُصُّ لَفَظَ التَّعْزِيرِ بِضَرْبِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِلتَّأْدِيبِ فِي غَيْرِ حَدٍّ، وَيُسَمِّي ضَرْبَ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ، وَالْمُعَلِّمِ الصَّبِيَّ، وَالْأَبِ وَلَدَهُ تَأْدِيبًا لَا تَعْزِيرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ التَّعْزِيرَ عَلَى النَّوْعَيْنِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، فَعَلَى هَذَا مُسْتَوْفِي التَّعْزِيرِ الْإِمَامُ وَالزَّوْجُ وَالْأَبُ وَالْمُعَلِّمُ وَالسَّيِّدُ، أَمَّا الْإِمَامُ فَيَتَوَلَّى بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ إِقَامَةَ الْعُقُوبَاتِ حَدًّا وَتَعْزِيرًا، وَالْأَبُ يُؤَدِّبُ الصَّغِيرَ تَعْلِيمًا وَزَجْرًا عَنْ سَيْءِ الْأَخْلَاقِ، وَكَذَا يُؤَدَّبُ الْمَعْتُوهُ بِمَا يَضْبُطُهُ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ فِي زَمَنِ الصَّبِيِّ فِي كَفَالَتِهِ كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي تَعْلِيمِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا وَالضَّرْبِ عَلَيْهَا أَنِ الْأُمَّهَاتِ كَالْآبَاءِ، وَالْمُعَلِّمُ يُؤَدِّبُ الصَّبِيَّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَنِيَابَةً عَنْهُ، وَالزَّوْجُ يُعَزِّرُ زَوْجَتَهُ فِي النُّشُوزِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَا يُعَزِّرُهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالسَّيِّدُ يُعَزَّرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَكَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِذَا أَفْضَى تَعْزِيرٌ إِلَى هَلَاكٍ، وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُعَزِّرِ، وَيَكُونُ قَتْلُهُ شِبْهَ عَمْدٍ، فَإِنْ كَانَ الْإِسْرَافُ فِي الضَّرْبِ ظَاهِرًا وَضَرَبَهُ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ تَفْرِيعًا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْمُعَزِّرَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ التَّأْدِيبَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ وَلَا غَيْرُهُ، أَمَّا الْمُبَرِّحُ؛ فَلِأَنَّهُ مُهْلِكٌ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِهْلَاكُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ؛ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ.
فَصْلٌ
الْجِنَايَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً، يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي تَعْزِيرِهَا بِمَا يَرَاهُ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوِ اقْتِصَارٍ عَلَى التَّوْبِيخِ بِالْكَلَامِ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الْعَفْوِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ تَعَلَّقَتِ الْجِنَايَةُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَهَلْ يَجِبُ التَّعْزِيرُ إِذَا طَلَبَ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ صَاحِبِ «الْمُهَذَّبِ» كَالْقِصَاصِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ، كَالتَّعْزِيرِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْبَغَوِيِّ تَرْجِيحُهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ: قَدْرُ التَّعْزِيرِ وَمَا بِهِ التَّعْزِيرُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَلَا تَكَادُ تَظْهَرُ جِنَايَتُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ إِلَّا وَيُوَبِّخُهُ، وَيُغْلِظُ لَهُ الْقَوْلَ، فَيُؤَوَّلُ الْخِلَافُ إِلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّوْبِيخِ؟ وَلَوْ عَفَا مُسْتَحَقُّ الْعُقُوبَةِ عَنِ الْقِصَاصِ أَوِ الْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ، فَهَلْ لِلْإِمَامِ التَّعْزِيرُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: لَا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَهَا.
وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَيُحْتَاجُ إِلَى زَجْرِهِ وَزَجَرِ غَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وَأَصَحُّهَا: إِنْ عَفَا عَنِ الْحَدِّ، فَلَا تَعْزِيرَ، وَإِنْ عَفَا عَنْ تَعْزِيرٍ، عُزِّرَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مُقَدَّرٌ لَا نَظَرَ لِلْإِمَامِ فِيهِ، فَإِذَا سَقَطَ، لَمْ يَعْدِلْ إِلَى غَيْرِهِ، وَالتَّعْزِيرُ يَتَعَلَّقُ أَصْلُهُ بِنَظَرِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إِسْقَاطُ غَيْرِهِ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.