كِتَابِ «الرَّهْنِ» .
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَتَجُوزُ هِبَةُ الْمُسْتَعَارِ لِغَيْرِ الْمُسْتَعِيرِ، ثُمَّ إِذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْإِذْنِ، بَرِئَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنَ الضَّمَانِ، وَتَجُوزُ هِبَةُ الْمُسْتَأْجِرَةِ إِذَا جَوَّزْنَا بَيْعَهَا، وَإِلَّا، فَفِيهَا الْوَجْهَانِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ: وَلَوْ وَكَلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْغَاصِبَ، أَوِ الْمُسْتَعِيرَ، أَوِ الْمُسْتَأْجِرَ فِي قَبْضِ مَا فِي يَدِهِ فِي نَفْسِهِ، وَقَبِلَ، صَحَّ.
وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَأَنَّى فِيهَا الْقَبْضُ، بَرِئَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنَ الضَّمَانِ، وَهَذَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ الْمَشْهُورَ فِي أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ قَابِضًا مُقْبِضًا، وَفِي هِبَةِ الْمَرْهُونِ وَجْهَانِ.
إِنْ صَحَّحْنَاهَا، انْتَظَرْنَا، فَإِنْ بِيعَ فِي الرَّهْنِ، بَانَ بُطْلَانُ الْهِبَةِ.
وَإِنْ فُكَّ الرَّهْنُ، فَلِلْوَاهِبِ الْخِيَارُ مِنَ الْإِقْبَاضِ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي هِبَةِ الْكَلْبِ، وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَالْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ.
وَالْأَصَحُّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا الْبُطْلَانُ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ مِنَ الْبَيْعِ.
قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ صَحَّحَ فِيهَا، فَحَقُّهُ تَصْحِيحُهَا فِي الْمَجْهُولِ وَالْآبِقِ كَالْوَصِيَّةِ.
فَرْعٌ
إِذَا وَهَبَ الدَّيْنَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَهُوَ إِبْرَاءٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يَحْتَاجُ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ.
وَإِنْ وَهَبَهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، كَرَهْنِ الدَّيْنِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَفِي افْتِقَارِ لُزُومِهَا إِلَى قَبْضِ الدَّيْنِ، وَجْهَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَفْتَقِرُ، فَهَلْ يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَالْحَوَالَةِ؟ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنٍ جَدِيدٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالتَّخْلِيَةِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
رَجُلٌ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مِسْكِينٍ، فَوَهَبَ لَهُ الدَّيْنَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ، لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ بِتَمْلِيكٍ، وَإِقَامَةُ الْإِبْرَاءِ مَقَامَ التَّمْلِيكِ إِبْدَالٌ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ
فِي الزَّكَاةِ، هَكَذَا قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ [الدَّيْنُ] تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّمْلِيكِ، أَمْ هُوَ مَحْضُ إِسْقَاطٍ؟ وَعَلَى هَذَا خَرَجَ اعْتِبَارُ الْقَبُولِ فِيهَا.
فَإِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، وَجَبَ أَنْ يَقَعَ الْمَوْقِعَ.
وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى غَيْرِ الْمِسْكِينِ، فَوَهَبَهُ لِلْمِسْكِينِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، وَقُلْنَا: تَصِحُّ الْهِبَةُ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ، أَجْزَأَهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَيُطَالِبُ الْمِسْكِينَ وَالْمَدْيُونَ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا شَرْطُ لُزُومِ الْهِبَةِ، فَهُوَ الْقَبْضُ، فَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ وَالْهَدِيَّةِ إِلَّا بِقَبْضِهِمَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ: يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ كَالْوَقْفِ.
وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ: الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ قَبَضَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكٌ بِالْعَقْدِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَقْوَالِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، لِمَنْ تَكُونُ؟ وَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ، فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، لِجَوَازِهِ، كَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَنْفَسِخُ، لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ.
كَالْبَيْعِ الْجَائِزِ، بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ فِي الْإِقْبَاضِ.
وَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبَضَ وَارِثُهُ إِنْ أَقْبَضَهُ الْوَاهِبُ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي جُنُونِ أَحَدِهِمَا وَإِغْمَائِهِ.
قُلْتُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَقْبِضُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ مِنْهُمَا، وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ فِي حَالِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الْقَبْضُ الْمُحَصِّلُ لِلْمِلْكِ، هُوَ الْوَاقِعُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، فَلَوْ قَبَضَ بِلَا إِذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْهُ،
وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، سَوَاءٌ قَبَضَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، صَحَّ رُجُوعُهُ، فَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ بَعْدَهُ.
وَكَذَا لَوْ أَذِنَ، ثُمَّ مَاتَ الْآذِنُ أَوِ الْمَأْذُونُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الْإِذْنُ.
فَرْعٌ
بَعَثَ هَدِيَّةً إِلَى إِنْسَانٍ، فَمَاتَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ، بَقِيَتِ الْهَدِيَّةُ لِلْمُهْدِي.
وَلَوْ مَاتَ الْمُهْدِي، لَمْ يَكُنْ لِلرَّسُولِ حَمْلُهَا إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَكَذَا الْمُسَافِرُ إِذَا اشْتَرَى لِأَصْدِقَائِهِ هَدَايَا، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِمْ، فَهِيَ لَهُ تَرِكَةٌ.
فَرْعٌ
كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ.
وَحَكَيْنَا هُنَا قَوْلًا، أَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الْمَنْقُولِ قَبْضٌ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا جَرَيَانَ لَهُ هُنَا، لِأَنَّ الْقَبْضَ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ، وَلِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِهِ، فَجُعِلَ التَّمْكِينُ قَبْضًا، وَفِي الْهِبَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ وَلَمْ يَكْتَفَ بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مَشَاعًا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ، فَقَبَضَهُ بِالتَّخْلِيَةِ، وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا، فَقَبَضَهُ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَآخَرُونَ: فَيُقَالُ لِلشَّرِيكِ لِيَرْضَى بِتَسْلِيمِ نَصِيبِهِ أَيْضًا إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، لِيَكُونَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً حَتَّى يَتَأَتَّى الْقَبْضُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ.
فَإِنْ فَعَلَ [فَقَبَضَ الْمَوْهُوبُ الْجَمِيعَ، مَلَكَ.
وَإِنِ
امْتَنَعَ، قِيلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ: وَكِّلِ الشَّرِيكَ فِي الْقَبْضِ لَكَ.
فَإِنْ فَعَلَ] نَقَلَهُ الشَّرِيكُ وَقَبَضَهُ لَهُ.
فَإِنِ امْتَنَعَا، نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ لِيَحْصُلَ الْقَبْضُ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمَا.
[وَاللَّهُ أَعْلَمُ]
فَرْعٌ
لَوْ أَتْلَفَ الْمُتَّهِبُ الْمَوْهُوبَ، لَمْ يَصِرْ قَابِضًا، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إِذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ، وَالْفَرْقُ مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ.
وَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي أَكْلِ طَعَامِ الْمَوْهُوبِ، فَأَكَلَهُ، أَوْ فِي إِعْتَاقِ الْمَوْهُوبِ، فَأَعْتَقَهُ، أَوْ أَمَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ بِإِعْتَاقِهِ، فَأَعْتَقَهُ، كَانَ قَابِضًا.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ، حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ، صَحَّ بَيْعُهُ وَبَطَلَتِ الْهِبَةُ.
وَإِنِ اعْتَقَدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ قَوْلَانِ، كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ أَنَّهُ حَيٌّ، فَبَانَ مَيِّتًا.
فَرْعٌ
فِي مَسَائِلَ مَحْكِيَّةٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
لَوْ قَالَ: وَهَبْتُهُ لَهُ وَمَلَّكَهُ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِلُزُومِ الْهِبَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ، وَالْإِقْرَارُ يُحْمَلُ عَلَى الْيَقِينِ.
وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُهُ لَهُ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْوَاهِبِ، فَلَا.
وَلَوْ قِيلَ لَهُ: وَهَبْتُ دَارَكَ لِفُلَانٍ وَأَقْبَضْتُهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْهِبَةِ وَالْإِقْبَاضِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْهِبَةِ فِي الرُّجُوعِ وَالثَّوَابِ
فِيهِ طَرَفَانِ.
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي الرُّجُوعِ، فَالْهِبَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى مُقَيَّدَةٍ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، وَمُقَيَّدَةٍ بِإِثْبَاتِهِ، وَمُطْلَقَةٍ.
أَمَّا الْمُقَيَّدَةُ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، فَتَلْزَمُ بِنَفْسِ الْقَبْضِ، وَلَا رُجُوعَ فِيهَا إِلَّا لِلْوَالِدِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
فَصْلٌ
يَنْبَغِي لِلْوَالِدِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا، لَكِنْ تَصِحُّ الْهِبَةُ.
وَالْأَوْلَى فِي هَذَا الْحَالِ، أَنْ يُعْطِيَ الْآخَرِينَ مَا يُحِبُّهُ الْعَدْلُ.
وَلَوْ رَجَعَ، جَازَ.
وَإِذَا أَعْطَى وَعَدَلَ، كُرِهَ لَهُ الرُّجُوعُ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ وَلَدًا وَاحِدًا، فَوَهَبَ لَهُ، كُرِهَ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ عَفِيفًا بَارًّا، فَإِنْ كَانَ عَاقًّا أَوْ يَسْتَعِينُ بِمَا أَعْطَاهُ فِي مَعْصِيَةٍ، فَلْيُنْذِرْهُ بِالرُّجُوعِ.
فَإِنْ أَصَرَّ، لَمْ يُكْرَهُ الرُّجُوعُ.
فَرْعٌ
فِي كَيْفِيَّةِ الْعَدْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَالثَّانِي: يُعْطِي الذَّكَرَ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
قُلْتُ: وَإِذَا وَهَبَتِ الْأُمُّ لِأَوْلَادِهَا، فَهِيَ كَالْأَبِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، وَكَذَا الِابْنُ إِذَا وَهَبَ لِوَالِدَيْهِ.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَإِنْ فَضَّلَ فَلْيُفَضِّلِ الْأُمَّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِذَا قَصَدَ بِهِبَتِهِ اسْتِجْلَابَ بِرٍّ أَوْ دَفْعَ عُقُوقٍ فَلَمْ يَحْصُلْ، فَإِنْ أَطْلَقَ الْهِبَةَ، وَلَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، فَلَا رُجُوعَ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْأُمُّ وَالْأَجْدَادُ، وَالْجَدَّاتُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ كَالْأَبِ.
وَفِي قَوْلٍ: لَا رُجُوعَ لَهُمْ.
وَقِيلَ: تَرْجِعُ الْأُمُّ.
وَفِي غَيْرِهَا، قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: يَرْجِعُ آبَاءُ الْأَبِ، وَفِي غَيْرِهِمْ قَوْلَانِ.
وَلَا رُجُوعَ لِغَيْرِ الْأُصُولِ كَالْإِخْوَةِ، وَالْأَعْمَامِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَقَارِبِ قَطْعًا.
وَسَوَاءٌ فِي ثُبُوتِ الرُّجُوعِ لِلْوَالِدِ كَانَا مُتَّفِقَيْنِ فِي الدِّينِ، أَمْ لَا.
وَلَوْ وَهَبَ لِعَبْدٍ وَلَدَهُ، رَجَعَ.
وَلَوْ وَهَبَ لِمُكَاتَبٍ وَلَدَهُ، فَلَا.
وَهِبَتُهُ لِمُكَاتَبِ نَفْسِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَلَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ مَوْلُودًا، وَوَهَبَا لَهُ، فَلَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَإِنْ أُلْحِقَ بِأَحَدِهِمَا، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا ابْتِدَاءً.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الرُّجُوعُ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ، لِثُبُوتِ بُنُوَّتِهِ فِي الْأَحْكَامِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي الْهَدِيَّةِ حُكْمُهُ فِي الْهِبَةِ.
وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دِينٍ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْإِبْرَاءَ إِسْقَاطٌ، أَوْ تَمْلِيكٌ؟ إِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، رَجَعَ، وَإِلَّا، فَلَا.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
وَهَبَ لِوَلَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ، وَوَارِثُهُ أَبُوهُ لِكَوْنِ الْوَلَدِ مُخَالِفًا فِي الدِّينِ، فَلَا رُجُوعَ لِلْجَدِّ.
فَرْعٌ
الْمَوْهُوبُ، إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ بَاقِيًا فِي سَلْطَنَةِ الْمُتَّهِبِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ بِأَنْ أُتْلِفَ، أَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِبَيْعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ وَقَفَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوِ اسْتَوْلَدَهَا، أَوْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ، أَوْ رَهَنَهُ وَأَقْبَضَهُ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَلَا قِيمَةَ أَيْضًا.
وَحَكَى الْإِمَامُ خِلَافًا، فِي أَنَّ الرَّهْنَ هَلْ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، مَبْنِيًّا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ صِحَّةِ هِبَةِ الْمَرْهُونِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ، لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ، وَإِلَّا، تَوَقَّفْنَا.
فَإِنْ فَكَّ الرَّهْنَ، بَانَ صِحَّةُ الرُّجُوعِ، وَذَكَرَ أَيْضًا تَرَدُّدًا فِي كِتَابَةِ الْعَبْدِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهِ.
وَلَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ بِالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ إِذَا لَمْ يُقْبَضَا، وَلَا بِالتَّدْبِيرِ وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ، وَلَا بِزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَتَزْوِيجِ الْأَمَةِ قَطْعًا،
وَلَا بِالْإِيجَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَتَبْقَى الْإِجَارَةُ بِحَالِهَا كَالتَّزْوِيجِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْمُسْتَأْجِرِ، رَجَعَ، وَإِلَّا، فَإِنْ جَوَّزْنَا الرُّجُوعَ فِي الْمَرْهُونِ وَتَوَقَّفْنَا، صَحَّ الرُّجُوعُ هُنَا وَلَا تُوقُّفَ، بَلِ الرَّقَبَةُ لِلرَّاجِعِ، وَيَسْتَوْفِي الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ مَنَعْنَا الرُّجُوعَ فِي الْمَرْهُونِ، فَفِي الْمُسْتَأْجِرِ تَرَدُّدٌ، وَخَرَجَ عَلَى هَذَا تَرَدُّدًا فِيمَا إِذَا أَبِقَ الْعَبْدُ الْمَوْهُوبُ مِنْ يَدِ الْمُتَّهِبِ، هَلْ يَصِحُّ رُجُوعُ الْوَاهِبِ، مَعَ قَوْلِنَا: لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْآبِقِ، لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ مُبْتَدَأٌ، وَالرُّجُوعَ بِنَاءٌ فَيُسَامَحُ فِيهِ؟ وَلَوْ جَنَى وَتَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ، فَهُوَ كَالْمَرْهُونِ فِي امْتِنَاعِ الرُّجُوعِ.
لَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنَا أَفْدِيهِ وَأَرْجِعُ، مُكِّنَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مَرْهُونًا، فَأَرَادَ أَنْ يَبْذُلَ قِيمَتَهُ وَيَرْجِعَ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ تَصَرُّفِ الْمُتَّهِبِ.
وَلَوْ زَالَ مِلْكُ الْمُتَّهِبِ، ثُمَّ عَادَ بِإِرْثٍ، أَوْ شِرَاءٍ، فَفِي عَوْدِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ.
وَاحْتَجَّ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ لِهَذَا الْوَجْهِ، بِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ، فَوَهَبَهُ الِابْنُ لِجَدِّهِ، فَوَهَبَهُ الْجَدُّ لِابْنِ ابْنِهِ الَّذِي وَهَبَهُ، فَإِنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ لِلْجَدِّ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ هَذَا الْمِلْكُ، لَا لِلْأَبِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِلُ الْأَوَّلُ الرُّجُوعَ لَهُمَا جَمِيعًا.
وَلَوْ وَهَبَ لَهُ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا، ثُمَّ صَارَ خَلًّا، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحَكَى بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ بِالتَّخَمُّرِ، وَوَجْهَيْنِ فِي عَوْدِ الرُّجُوعِ تَفْرِيعًا عَلَى الزَّوَالِ.
وَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ أَوِ الْكِتَابَةُ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ حُجِرَ عَلَى الْمُتَّهِبِ بِالْفَلَسِ، فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْأَصَحِّ كَالرَّهْنِ.
وَقِيلَ: يَرْجِعُ، لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ حِينِ الْهِبَةِ.
قُلْتُ: وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ ارْتَدَّ وَقُلْنَا: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ، فَلَا.
فَإِنْ
عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ زَالَ مِلْكُهُ ثُمَّ عَادَ.
وَلَوْ وَهَبَ الِابْنُ الْمُتَّهِبُ الْمَوْهُوبَ لِابْنِهِ، أَوْ بَاعَهُ لَهُ، أَوْ وَرِثَهُ مِنْهُ، فَلَا رُجُوعَ لِلْجَدِّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قُلْتُ: وَلَوْ وَهَبَهُ الْمُتَّهِبُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ، قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْوَاهِبَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ، فَالْأَبُ أَوْلَى.
وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا الرُّجُوعَ بِأَنَّهُ هِبَةٌ لِمَنْ لِلْجَدِّ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ هُنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا فِي سَلْطَنَةِ الْمُتَّهِبِ، فَإِنْ كَانَ بِحَالِهِ، أَوْ نَاقِصًا، فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَّهِبِ أَرْشُ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً، كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، رَجَعَ فِيهِ مَعَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ، وَالْكَسْبِ، رَجَعَ فِي الْأَصْلِ وَبَقِيَتِ الزِّيَادَةُ لِلْمُتَّهِبِ.
وَإِنْ وَهَبَ جَارِيَةً أَوْ بَهِيمَةً حَامِلًا، فَرَجَعَ قَبْلَ الْوَضْعِ، رَجَعَ فِيهَا حَامِلًا.
وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْوَضْعِ، فَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ حُكْمٌ، رَجَعَ فِي الْوَلَدِ مَعَ الْأُمِّ، وَإِلَّا، فَفِي الْأُمِّ فَقَطْ.
وَإِنْ وَهَبَهَا حَائِلًا وَرَجَعَ وَهِيَ حَامِلٌ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ، رَجَعَ فِيهَا حَامِلًا، وَإِلَّا، فَلَا يَرْجِعُ إِلَّا فِي الْأُمِّ، وَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْحَالِ، أَمْ عَلَيْهِ الصَّبْرُ إِلَى الْوَضْعِ؟ وَجْهَانِ.
وَلَوْ وَهَبَهُ حَبًّا فَبَذَرَهُ وَنَبَتَ، أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فَرْخًا، فَلَا رُجُوعَ، لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَهْلَكٌ قَالَ الْبَغَوِيُّ: هَذَا إِذَا ضَمَّنَّا الْغَاصِبَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا، فَقَدْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَيَرْجِعُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ الِابْنُ، رَجَعَ فِي الثَّوْبِ، وَالِابْنُ شَرِيكٌ بِالصَّبْغِ.
وَلَوْ قَصَّرَهُ، أَوْ كَانَتْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ، رَجَعَ وَلَا شَيْءَ لِلِابْنِ.
وَإِنْ زَادَتْ، فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَارَةُ عَيْنٌ، فَالِابْنُ شَرِيكٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ،
رَجَعَ الْأَبُ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ مَجَّانًا، لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْإِبْقَاءِ بِأُجْرَةٍ، أَوِ التَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ، أَوِ الْقِلْعِ.
وَغَرَامَةُ النَّقْصِ كَالْعَارِيَّةِ.
وَلَوْ وَطِئَ الِابْنُ الْمَوْهُوبَةَ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا رُجُوعَ وَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ، لِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَى الْأَبِ، وَالصَّحِيحُ: ثُبُوتُ الرُّجُوعِ.
فَرْعٌ
فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الرُّجُوعُ
يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ، أَوِ ارْتَجَعْتُ، أَوِ اسْتَرْدَدْتُ الْمَالَ، أَوْ رَدَدْتُهُ إِلَى مِلْكِي، أَوْ أَبْطَلْتُ الْهِبَةَ، أَوْ نَقَضْتُهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ.
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي «الْجُرْجَانِيَّاتِ» وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الرُّجُوعَ نَقْضٌ، وَإِبْطَالٌ لِلْهِبَةِ، أَمْ لَا؟ فَعَلَى الثَّانِي: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ لَفْظُ النَّقْضِ، وَالْإِبْطَالِ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ كِنَايَةً عَنِ الْمَقْصُودِ.
وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ هَذَا، أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الرُّجُوعُ، صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ: رَجَعْتُ.
وَالْكِنَايَةُ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، كَأَبْطَلْتُ الْهِبَةَ، وَفَسَخْتُهَا.
فَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظٍ، لَكِنْ بَاعَ الْمَوْهُوبَ، أَوْ وَهَبَهُ لِآخَرَ، أَوْ وَقَفَهُ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: لَا يَكُونُ رُجُوعًا.
وَالثَّانِي: رُجُوعٌ وَيُنَفَّذُ التَّصَرُّفُ.
وَالثَّالِثُ: رُجُوعٌ فَلَا يُنَفَّذُ التَّصَرُّفُ.
وَلَوْ أَتْلَفَ الطَّعَامَ الْمَوْهُوبَ، أَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ، أَوْ وَطِئَ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: رُجُوعٌ.
وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ: أَنَّهُ إِنْ أَحْبَلَهَا بِالْوَطْءِ وَحَصَلَ الِاسْتِيلَادُ، كَانَ رُجُوعًا، وَإِلَّا، فَلَا.
فَعَلَى الْأَصَحِّ: يَلْزَمُهُ بِالْإِتْلَافِ الْقِيمَةُ وَيَلْغُو الْإِعْتَاقُ، وَعَلَيْهِ بِالْوَطْءِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَبِاسْتِيلَادٍ الْقِيمَةُ.
قُلْتُ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرُّجُوعَ، كَذَا
قَالَهُ الْإِمَامُ، لِاسْتِحَالَةِ إِبَاحَةِ الْوَطْءِ لِشَخْصَيْنِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُتَّهِبَ يَسْتَبِيحُ الْوَطْءَ قَبْلَ الرُّجُوعِ.
لَكِنْ إِذَا جَرَى وَطْءُ الْأَبِ الْحَرَامُ، هَلْ يَتَضَمَّنُ الرَّجْوعَ؟ فِيهِ الْخِلَافُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ الْمَوْهُوبَ، أَوْ خَلَطَ الطَّعَامَ بِطَعَامِ نَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، بَلْ هُوَ كَمَا لَوْ فَعَلَ الْغَاصِبُ ذَلِكَ.
فَرْعٌ
الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ حَيْثُ يَثْبُتُ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَضَاءِ الْقَاضِي.
وَإِذَا رَجَعَ وَلَمْ يَسْتَرِدَّ الْمَالَ، فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَلَدِ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَخَذَهُ عَلَى حُكْمِ الضَّمَانِ.
فَرْعٌ
لَوِ اتَّفَقَ الْوَاهِبُ وَالْمُتَّهِبُ عَلَى فَسْخِ الْهِبَةِ حَيْثُ لَا رُجُوعَ، فَهَلْ يَنْفَسِخُ كَمَا لَوْ تَقَايَلَا، أَمْ لَا كَالْخَلْعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ عَنِ «الْجُرْجَانِيَّاتِ» .
قُلْتُ: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إِلَّا مُنْجَزًا.
فَلَوْ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَقَدْ رَجَعْتُ، لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لِأَنَّ الفُسُوخَ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الثَّوَابِ، قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْهِبَةَ مُقَيَّدَةٌ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، وَإِثْبَاتِهِ، وَمُطْلَقَةٌ، وَمَضَى الْكَلَامُ فِي الْمُقَيَّدَةِ، وَفَرَّعْنَاهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ صِحَّتُهَا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ إِذَا أَوْجَبْنَا الثَّوَابَ فِي الْمُطْلَقَةِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهِيَ الْمُطْلَقَةُ، فَيَنْظُرُ، إِنْ وَهَبَ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى، فَلَا ثَوَابَ، وَفِي عَكْسِهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا ثَوَابَ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ الثَّوَابُ، فَعَلَى هَذَا، هَلْ [هُوَ] قَدْرُ قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ، أَمْ مَا يَرْضَى بِهِ الْوَاهِبُ، أَمْ مَا يُعَدُّ ثَوَابًا لِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، أَمْ يَكْفِي مَا يَتَمَوَّلُ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
وَقِيلَ: أَقْوَالٍ.
أَصَحُّهَا: أَوَّلُهَا، وَالْخِيَارُ فِي جِنْسِهِ إِلَى الْمُتَّهِبِ.
فَعَلَى الْأَصَحِّ، لَوِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الْقِيمَةِ، فَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ يَوْمِ الْقَبْضِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: بِيَوْمِ بَذْلِ الثَّوَابِ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَثِبْ مَا يَصْلُحُ ثَوَابًا، فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ بِحَالِهِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُجْبَرُ الْمُتَّهِبُ عَلَى الثَّوَابِ قَطْعًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ زَادَ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً، رَجَعَ فِيهِ دُونَهَا.
وَإِنْ زَادَ مُتَّصِلَةً، رَجَعَ فِيهِ مَعَهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لِلْمُتَّهِبِ إِمْسَاكُهُ وَبَذْلُ قِيمَتِهِ بِلَا زِيَادَةٍ.
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ فِي الْقَدِيمِ.
أَصَحُّهُمَا: يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ.
وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ لَهُ كَالْأَبِ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ.
وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، رَجَعَ فِيهِ.
وَفِي تَغْرِيمِهِ الْمُتَّهِبَ أَرْشَ النُّقْصَانِ الْوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: لَهُ تَرْكُ الْعَيْنِ وَالْمُطَالَبَةُ بِكَمَالِ الْقِيمَةِ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً قَدْ وَطِئَهَا الْمُتَّهِبُ، رَجَعَ الْوَاهِبُ فِيهَا، وَلَا مَهْرَ عَلَى الْمُتَّهِبِ، لِأَنَّهُ وَطِئَ مِلْكَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا وَهَبَ لِنَظِيرِهِ، فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنْ لَا ثَوَابَ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي هِبَةِ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى، وَهُوَ شَاذٌّ.
قُلْتُ: وَحَكَى صَاحِبُ «الْإِبَانَةِ» ، وَ «الْبَيَانِ» وَجْهًا أَنَّهُ إِذَا وَهَبَ لِنَظِيرِهِ وَنَوَى الثَّوَابَ،
اسْتَحَقَّهُ، وَإِلَّا، فَقَوْلَانِ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ، فَأَيُّهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الثَّوَابُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِذَا لَمْ يَجِبْ فَأَعْطَاهُ الْمُتَّهِبُ ثَوْبًا، كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ هِبَةٍ.
حَتَّى لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ فَأَعْطَاهُ الِابْنُ ثَوَابًا، لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الرُّجُوعِ، وَلَا يَجِبُ فِي الصَّدَقَةِ ثَوَابٌ بِكُلِّ حَالٍ قَطْعًا، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَالْهِبَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَالْمُقَيَّدَةُ بِالثَّوَابِ، وَهُوَ إِمَّا مَعْلُومٌ، وَإِمَّا مَجْهُولٌ.
فَالْحَالَةُ الْأُولَى: الْمَعْلُومُ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَيَبْطُلُ عَلَى قَوْلٍ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَهُوَ بَيْعٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: هِبَةٌ.
فَإِنْ قُلْنَا: هِبَةٌ، لَمْ يَثْبُتِ الْخِيَارُ، وَالشُّفْعَةُ، وَلَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ، ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ.
وَهَلْ تَثْبُتُ عَقِبَ الْعَقْدِ، أَمْ عَقِبَ الْقَبْضِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ وَهَبَهُ حُلِيًّا بِشَرْطِ الثَّوَابِ، أَوْ مُطْلَقًا وَقُلْنَا: الْهِبَةُ تَقْتَضِي الثَّوَابَ، فَنَصَّ فِي «حَرْمَلَةَ» أَنَّهُ إِنْ أَثَابَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِجِنْسِهِ، اعْتُبِرَتِ الْمُمَاثَلَةُ.
وَإِنْ أَثَابَهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ بِعَرَضٍ، صَحَّ، وَبِالنَّقْدِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ صَرْفٌ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ.
وَفِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّا لَمْ نُلْحِقْهُ بِالْمُعَاوَضَاتِ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْعِوَضِ، وَكَذَا سَائِرُ الشُّرُوطِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ هِبَةٌ.
وَحَكَى الْإِمَامُ الْأَوَّلُ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَأَبْدَى الثَّانِي احْتِمَالًا.
وَخَرَجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَا إِذَا وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ بِثَوَابٍ مَعْلُومٍ.
فَإِنْ جَعَلْنَا الْعَقْدَ بَيْعًا، فَلَا رُجُوعَ، وَإِلَّا، فَلَهُ الرُّجُوعُ.
وَإِذَا وَجَدَ بِالثَّوَابِ عَيْبًا، وَهُوَ فِي الذِّمَّةِ، طَالَبَ بِسَلِيمٍ.
وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، رَجَعَ إِلَى عَيْنِ الْمَوْهُوبِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِلَّا، طَالَبَ بِبَدَلِهِ.
وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ مَجِيءَ الْخِلَافِ أَنَّهُ بَيْعٌ أَمْ هِبَةٌ هُنَا، حَتَّى لَا يَرْجِعَ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي وَإِنْ طَرَدَهُ بَعْضُهُمْ.
وَإِذَا جَعَلْنَاهُ هِبَةً، فَكَافَأَهُ بِدُونِ الْمَشْرُوطِ إِلَّا أَنَّهُ قَرِيبٌ، فَفِي
«شَرْحِ ابْنِ كَجٍّ» وَجْهَانِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ مُسَامَحَةٌ؟ قُلْتُ: وَالْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ: لَا يُجْبَرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الثَّوَابُ مَجْهُولًا، فَإِنْ قُلْنَا: الْهِبَةُ لَا تَقْتَضِي ثَوَابًا، بَطَلَ الْعَقْدُ، لِتَعَذُّرِ تَصْحِيحِهِ بَيْعًا وَهِبَةً، وَإِنْ قُلْنَا: تَقْتَضِيهِ، صَحَّ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ يَلْحَقُهُ بِالْبَيْعِ.
فَرْعٌ
نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِاثْنَيْنِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، فَأَثَابَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، لَمْ يَرْجِعْ فِي حِصَّةِ الْمُثِيبِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَثَابَ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ صَاحِبِهِ وَرَضِيَ بِهِ الْوَاهِبُ، لَمْ يَرْجِعِ الْوَاهِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ثُمَّ إِنْ أَثَابَ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَثَابَ بِإِذْنِهِ، رَجَعَ بِالنِّصْفِ إِنْ أَثَابَ مَا يَعْتَادُ ثَوَابًا لِمِثْلِهِ.
فَإِنْ زَادَ، فَمُتَطَوِّعٌ بِالزِّيَادَةِ.
فَرْعٌ
خَرَجَ الْمَوْهُوبُ مُسْتَحِقًّا بَعْدَ الثَّوَابِ، رَجَعَ بِمَا أَثَابَ عَلَى الْوَاهِبِ.
وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ مُسْتَحِقًّا، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَاهِبِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ وَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّوَابِ.
وَقِيلَ: تَبْطُلُ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ.
وَقِيلَ: لَا يَجِيءُ قَوْلُ الْإِبْطَالِ هُنَا.
فَرْعٌ
قَالَ: وَهَبْتُكَ بِبَدَلٍ، فَقَالَ: بِلَا بَدَلٍ، وَقُلْنَا: مُطْلَقُ الْهِبَةِ لَا يَقْتَضِي ثَوَابًا، فَهَلِ الْمُصَدِّقُ الْوَاهِبُ، أَمِ الْمُتَّهِبُ؟ وَجْهَانِ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ.
قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ
هِبَةُ مَنَافِعِ الدَّارِ، هَلْ هِيَ إِعَارَةٌ؟ لَهَا وَجْهَانِ فِي «الْجُرْجَانِيَّاتِ» ، وَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ.
وَهَلِ الْمَقْبُوضُ بِهَا مَضْمُونٌ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ أَمْ لَا، كَالْهِبَةِ الصَّحِيحَةِ؟ وَجْهَانِ.
وَيُقَالُ: قَوْلَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا ضَمَانَ، وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي «النِّهَايَةِ» ، وَ «الْعُدَّةِ» ، وَ «الْبَحْرِ» وَ «الْبَيَانِ» ، ذَكَرُوهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِذَا حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْهِبَةِ، فَسَلَّمَ الْمَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هِبَةٌ، فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ فَسَادَ الْأُولَى، صَحَّتِ الثَّانِيَةُ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ فَكَانَ مَيِّتًا.
وَهَذِهِ مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْكِتَابِ.
إِحْدَاهَا: قَالَ لِرَجُلٍ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُرِدِ الْهِبَةَ، قَالَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» : يُقْبَلُ قَوْلُهُ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْعَارِيَّةِ، فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْهِبَةِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ: مَنَحْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوِ الثَّوْبَ، فَقَالَ: قَبِلْتُ، وَأَقْبِضُهُ، فَهُوَ هِبَةٌ، قَالَهُ فِي «الْعُدَّةِ» .
الثَّالِثَةُ: فِي «فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ» : لَوْ كَانَ فِي يَدِ ابْنِ الْمَيِّتِ عَيْنٌ، فَقَالَ: وَهَبَنِيهَا أَبِي وَأَقْبَضَنِيهَا فِي الصِّحَّةِ، فَأَقَامَ بَاقِي الْوَرَثَةِ بَيِّنَةً بِأَنَّ الْأَبَ رَجَعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ، وَلَمْ تَذْكُرِ الْبَيِّنَةُ مَا رَجَعَ فِيهِ، لَا تَنْتَزِعُ مِنْ يَدِهِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مِنَ الْمَرْجُوعِ فِيهِ.
وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا، لَوْ وَهَبَ وَأَقْبَضَ وَمَاتَ، فَادَّعَى الْوَارِثُ كَوْنَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ، وَادَّعَى الْمُتَّهِبُ كَوْنَهُ فِي الصِّحَّةِ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُتَّهِبِ.
الرَّابِعَةُ: دَفَعَ إِلَيْهِ ثَوْبًا بِنِيَّةِ الصَّدَقَةِ، فَأَخَذَهُ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ ظَانًّا أَنَّهُ وَدِيعَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ، فَرَدَّهُ عَلَى الدَّافِعِ، لَا يَحِلُّ لِلدَّافِعِ قَبْضُهُ، لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِنِيَّةِ الدَّافِعِ.
فَإِنْ قَبَضَهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
الْخَامِسَةُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَعُقُوقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَرَّمٌ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ مَأْمُورٌ بِهَا، فَأَمَّا بِرُّهُمَا، فَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا، وَفِعْلُ الْجَمِيلِ مَعَهُمَا، وَفِعْلُ مَا يَسُرُّهُمَا مِنَ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِحْسَانُ إِلَى صَدِيقِهِمَا، فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ.
وَأَمَّا الْعُقُوقُ، فَهُوَ كُلُّ مَا أَتَى بِهِ الْوَلَدُ مِمَّا يَتَأَذَّى [بِهِ] الْوَالِدُ، أَوْ نَحْوُهُ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَقِيلَ: تَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِي كُلِّ مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ، فَتَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِي الشُّبُهَاتِ.
وَقَدْ حَكَى الْغَزَالِيُّ هَذَا فِي «الْإِحْيَاءِ» عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ.
وَأَمَّا صِلَةُ الرَّحِمِ، فَفِعْلُكَ مَعَ قَرِيبِكَ مَا تُعَدُّ بِهِ وَاصِلًا غَيْرَ مُنَافِرٍ وَمُقَاطِعٍ لَهُ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ تَارَةً بِالْمَالِ، وَتَارَةً بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ أَوْ خِدْمَتِهِ أَوْ زِيَارَتِهِ.
وَفِي حَقِّ الْغَائِبِ بِنَحْوِ هَذَا، وَبِالْمُكَاتَبَةِ وَإِرْسَالِ السَّلَامِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
السَّادِسَةُ: الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكِّدًا، وَيُكْرَهُ إِخْلَافُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَدَلَائِلُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعْلُومَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» فِيهِ بَابًا، وَبَيَّنْتُ فِيهِ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.