روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يَتَسَلْسَلَ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَقَامَهَا وَتَخَلَّصَ عَنِ الْخُصُومَةِ، وَإِنِ اسْتَمْهَلَ لِيُقِيمَ، فَقِيَاسُ الْبَيِّنَاتِ الدَّوَافِعِ أَنْ يُمْهَلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ مَا حَلَّفَهُ، ثُمَّ يَطْلُبُ الْمَالَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَقَطَتِ الدَّعْوَى.
فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الْأَصْلِ لَا يَمِينَ التَّحْلِيفِ الْمَرْدُودَةَ عَلَيْهِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْنَافِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهَا الْآنَ فِي دَعْوَى أُخْرَى.
وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي فِي جَوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: حَلَّفَنِي مَرَّةً عَلَى أَنِّي مَا حَلَّفْتُهُ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ، لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَلَوِ ادَّعَى مَالًا عَلَى رَجُلٍ، فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ، ثُمَّ قَالَ الْمُدَّعِي بَعْدَ أَيَّامٍ: حَلَفْتَ يَوْمَئِذٍ؛ لِأَنَّكَ كُنْتَ مُعْسِرًا لَا يَلْزَمُكَ تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيَّ وَقَدْ أَيْسَرْتَ الْآنَ فَهَلْ يُسْمَعُ لِإِمْكَانِهِ، أَمْ لَا لِئَلَّا يَتَسَلْسَلَ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُسْمَعُ إِلَّا إِذَا تَكَرَّرَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ إِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ، وَلَمْ يُقْلِعْ عَنِ الْمُخَاصَمَةِ، لَمْ يُحَلِّفْهُ الْقَاضِي، وَلَوْ حَلَفَ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الْيَمِينِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: لَا يَتَوَقَّفُ التَّحْلِيفُ عَلَى طَلَبِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَوِ امْتَنَعَ مِنْ تَحْلِيفِهِ بِالدَّعْوَى السَّابِقَةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنَ الْيَمِينِ، فَإِنْ قَالَ: أَبْرَأْتُكَ عَنِ الْيَمِينِ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْيَمِينِ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَلَهُ اسْتِئْنَافُ الدَّعْوَى وَتَحْلِيفُهُ.

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي النُّكُولِ إِذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَاسْتُحْلِفَ، فَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، بَلْ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ قُضِيَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمُدَّعِي، تَحَوَّلَ الْيَمِينُ إِلَيْهِ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، عَرَّفَ الْقَاضِي، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ النُّكُولُ بِأَنْ

يَعْرِضَ الْقَاضِي الْيَمِينَ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعَ، وَفَسَّرَ الْعَرْضَ بِأَنْ يَقُولَ: قُلْ وَاللَّهِ، وَالِامْتِنَاعُ بِأَنْ يَقُولَ: لَا أَحْلِفُ، أَوْ أَنَا نَاكِلٌ، قَالَ الْإِمَامُ: قَوْلُهُ: قُلْ: وَاللَّهِ لَيْسَ أَمْرًا جَازِمًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَيَانُ وَقْتِ الْيَمِينِ الْمُعْتَمَدِ بِهَا عَلَى الْمُدَّعِي، وَلَوْ قَالَ: أَتَحْلِفُ بِاللَّهِ، وَقَالَ: لَا، فَلَيْسَ بِنُكُولٍ، وَلَوْ بَدَرَ حِينَ سَمِعَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَحَلَفَ، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِنْجَازٌ لَا اسْتِحْلَافٌ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: احْلِفْ، فَقَالَ: لَا أَحْلِفُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَيْسَ بِنُكُولٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ: نُكُولٌ وَهُوَ أَوْضَحُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: قُلْ: بِاللَّهِ، وَقَوْلِهِ: احْلِفْ بِاللَّهِ، وَلَوِ اسْتُحْلِفَ فَلَمْ يَحْلِفْ، وَلَا تَلَفَّظَ بِأَنَّهُ نَاكِلٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ، فَسُكُوتُهُ نُكُولٌ، كَمَا أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْجَوَابِ فِي الِابْتِدَاءِ يُجْعَلُ كَالْإِنْكَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ إِنْ صَرَّحَ بِالنُّكُولِ، لَمْ يُشْتَرَطْ حُكْمُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ نَاكِلٌ، وَإِنْ سَكَتَ حَكَمَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ نَاكِلٌ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ رَدَّ الْيَمِينِ، وَقَوْلُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: احْلِفْ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: حَكَمْتُ بِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَاكِلٌ، وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ نَاكِلٌ بِالسُّكُوتِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُ السُّكُوتِ لِدَهْشَةٍ وَغَبَاوَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْرِضَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا إِذَا سَكَتَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَا إِذَا صَرَّحَ بِالنُّكُولِ، وَلَوْ تَفَرَّسَ فِيهِ سَلَامَةَ جَانِبٍ، شَرَحَ لَهُ حُكْمَ النُّكُولِ، وَإِنْ لَمْ يَشْرَحْ، وَحَكَمَ بِأَنَّهُ نَاكِلٌ، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَمْ أَعْرِفِ النُّكُولَ، فَفِي نُفُوذِ الْحُكْمِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ أَصَحُّهُمَا النُّفُوذُ.
وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْأَلَ وَيَعْرِفَ قَبْلَ أَنْ يَنْكِلَ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ أَنْ يَعُودَ فَيَحْلِفَ، نُظِرَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ نَاكِلٌ، أَوْ قَالَ لِلْمُدَّعِي: احْلِفْ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحَلِفُ، وَإِنْ أَقْبَلْ عَلَيْهِ لِيُحَلِّفَهُ، وَلَمْ يُقْبِلْ بَعْدَ مَا حَلَفَ، فَهَلْ هُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: احْلِفْ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَهُ

الْحَلِفُ حَتَّى لَوْ هَرَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ نَاكِلٌ، وَقَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ، وَكَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ إِذَا عَادَ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمُقْتَضَاهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ التَّصْرِيحِ بِالنُّكُولِ، وَبَيْنَ السُّكُوتِ حَتَّى لَا يَمْتَنِعَ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الْيَمِينِ فِي الْحَالَيْنِ إِلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ، أَوْ بَعْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَفِي التَّصْرِيحِ احْتِمَالٌ، وَحَيْثُ مَنَعْنَاهُ الْعَوْدَ إِلَى الْحَلِفِ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُدَّعِي، فَإِنْ رَضِيَ، فَلَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعَدُوهُمَا، فَلَوْ رَضِيَ بِأَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَمْ يَحْلِفْ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَعُودَ إِلَى يَمِينِ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِرِضَاهُ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَرْعٌ نَقَلَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: أَتَحْلِفُ أَنْتَ؟ كَقَوْلِهِ: احْلِفْ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْحَلِفِ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ.

فَصْلٌ

الْمُدَّعِي إِذَا رُدِّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ قَدْ يَحْلِفُ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ، فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ الْمُدَّعَى، وَهَلْ يَمِينُهُ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ، أَمْ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالْأَدَاءِ أَوِ الْإِبْرَاءِ بَعْدَ مَا حَلَفَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ قُلْنَا: يَمِينُهُ كَالْبَيِّنَةِ، سُمِعَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: كَالْإِقْرَارِ، فَلَا، لِكَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ بِالْإِقْرَارِ،

وَهَلْ يَجِبُ الْحَقُّ بِفَرَاغِ الْمُدَّعِي مِنَ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْحَقِّ؟ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْهَرَوِيُّ، الْأَرْجَحُ الْأَوَّلُ، أَمَّا إِذَا امْتَنَعَ الْمُدَّعِي مِنَ الْحَلِفِ، فَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي عَنِ امْتِنَاعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّلْ بِشَيْءٍ أَوْ قَالَ: لَا أُرِيدُ الْحَلِفَ، فَهَذَا نُكُولٌ يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنَ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْخَصْمِ وَمُلَازَمَتُهُ، وَهَلْ يَتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِئْنَافِ الدَّعْوَى، وَتَحْلِيفِهِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي، أَمْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَنْفَعُهُ بَعْدَهُ إِلَّا الْبَيِّنَةُ؟ وَجْهَانِ، الَّذِي ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالْهَرَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الْأَوَّلُ، وَبِالثَّانِي قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، وَهُوَ أَحْسَنُ وَأَصَحُّ، لِئَلَّا تَتَكَرَّرَ دَعْوَاهُ فِي الْقَضِيَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي لِامْتِنَاعِهِ سَبَبًا، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ آتِيَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ أَسْأَلَ الْفُقَهَاءَ، أَوْ أَنْظُرَ فِي الْحِسَابِ، تُرِكَ وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنَ الْيَمِينِ وَهَلْ تُقَدَّرُ مُدَّةُ الْإِمْهَالِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِئَلَّا تَطُولَ مُدَافَعَتُهُ، وَالثَّانِي: لَا تَقْدِيرَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ يَشَاءَ كَالْبَيِّنَةِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا إِذَا امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْيَمِينِ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ سَبَبِ امْتِنَاعِهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: قِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ فِي امْتِنَاعِ الْمُدَّعِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ سَبَبِ امْتِنَاعِهِ أَيْضًا، وَامْتَنَعَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ مِنْ هَذَا الْإِلْحَاقِ فَارِقِينَ بِأَنَّ امْتِنَاعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَثْبَتَ لِلْمُدَّعِي حَقَّ الْحَلِفِ، وَالْحُكْمَ بِيَمِينِهِ، فَلَا يُؤَخِّرُ حَقَّهُ بِالسُّؤَالِ، وَامْتِنَاعُ الْمُدَّعِي لَا يُثْبِتُ حَقًّا لِغَيْرِهِ، فَلَا يَضُرُّ السُّؤَالُ.
وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ اسْتُحْلِفَ: أَمْهِلُونِي لِأَنْظُرَ فِي الْحِسَابِ، أَوْ أَسْأَلَ الْفُقَهَاءَ، فَهَلْ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَمْ لَا يُمْهَلُ شَيْئًا إِلَّا بِرِضَا الْمُدَّعِي؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، أَوِ الْيَمِينِ بِخِلَافِ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهُ مُخْتَارٌ فِي طَلَبِ حَقِّهِ وَتَأْخِيرِهِ، وَلَوِ اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ

فِي ابْتِدَاءِ الْجَوَابِ لِيَنْظُرَ فِي الْحِسَابِ، وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى آخَرِ الْمَجْلِسِ إِنْ شَاءَ.
وَلَوْ عَلَّلَ الْمُدَّعِي امْتِنَاعَهُ بِعُذْرٍ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ مُدَّةٍ لِيَحْلِفَ، مُكِّنَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الْقَاضِي نُكُولَ خَصْمِهِ، أَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَكَذَا لَوْ أَثْبَتَ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ نُكُولَ خَصْمِهِ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ، وَكَذَا لَوْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَوَابِ وَكِيلِ الْمُدَّعِي، ثُمَّ حَضَرَ الْمُوَكَّلُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ دَعْوَى، وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا لِيَحْلِفَ مَعَهُ، فَلَمْ يَحْلِفْ، فَهُوَ كَمَا لَوِ ارْتَدَّتِ الْيَمِينُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَحْلِفْ، فَإِنْ عَلَّلَ امْتِنَاعَهُ بِعُذْرٍ، عَادَ الْوَجْهَانِ فِي أَنَّهُ عَلَى خِيَرَتِهِ أَبَدًا، أَمْ لَا يُزَادُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ وَإِنْ لَمْ يُعَلِّلْ بِشَيْءٍ، أَوْ صَرَّحَ بِالنُّكُولِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالَيُّ وَالْبَغَوِيُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ حَقُّهُ مِنَ الْحَلِفِ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهِ، وَاسْتَمَرَّ الْعِرَاقِيُّونَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ هُنَاكَ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْحَلِفِ مَعَ شَاهِدِهِ، وَاسْتُحْلِفَ الْخَصْمُ، انْقَلَبَتِ الْيَمِينُ مِنْ جَانِبِهِ إِلَى جَانِبِ صَاحِبِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ وَيَحْلِفَ إِلَّا إِذَا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، وَأَقَامَ الشَّاهِدَ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَنْفَعُهُ إِلَّا بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ.

فَصْلٌ

مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَلَا يُقْضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ هُوَ الْأَصْلُ الْمُقَرَّرُ فِي الْمَذْهَبِ، لَكِنْ قَدْ يَتَعَذَّرُ رَدُّ الْيَمِينِ، وَحِينَئِذٍ مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ بِالْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ، وَبَيَانُهُ بِصُوَرٍ، إِحْدَاهَا طُولِبَ صَاحِبُ الْمَالِ بِالزَّكَاةِ، فَقَالَ: بَادَلْتُ بِالنِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، أَوْ دَفَعْتُ الزَّكَاةَ إِلَى سَاعٍ آخَرَ، أَوْ غَلِطَ الْخَارِصُ فِي الْخَرْصِ، أَوْ أَصَابَ الثَّمَرَ جَائِحَةٌ، وَاتَّهَمَهُ السَّاعِي، فَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ إِيجَابًا أَوِ اسْتِحْبَابًا عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يُطَالَبْ

بِشَيْءٍ إِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْإِيجَابِ، فَإِنِ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ، وَقُلْنَا بِامْتِنَاعِ النَّقْلِ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَيَتَعَذَّرُ الرَّدُّ عَلَى السَّاعِي وَالسُّلْطَانِ، وَفِيمَا يَفْعَلُ أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ إِذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ، وَالثَّانِي: يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ، أَوْ يَحْلِفُ فَيُتْرَكُ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى صُورَةِ الْمُدَّعِي بِأَنْ قَالَ: أَدَّيْتُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، أَوْ إِلَى سَاعٍ آخَرَ، أُخِذْتَ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ: مَا تَمَّ حَوْلِي أَوِ الَّذِي فِي يَدِي لِفُلَانٍ الْمَكَاتَبِ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ - يُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَكَيْفَ سَبِيلُهُ؟ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: هُوَ حُكْمٌ بِالنُّكُولِ، وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَسَبَبُهُ الضَّرُورَةُ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَيْسَ حُكْمًا بِالنُّكُولِ، لَكِنْ مُقْتَضَى مِلْكِ النِّصَابِ وَمُقْتَضَى الْحَوْلِ الْوُجُوبُ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ دَافِعٌ، أَخَذْنَا الزَّكَاةَ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا مَاتَ ذِمِّيٌّ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ، فَهَلْ عَلَيْهِ قِسْطُ مَا مَضَى، أَمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؟ قَوْلَانِ سَبَقَا، فَلَوْ غَابَ ذِمِّيٌّ، ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ، فَلَيْسَ عَلَيَّ جِزْيَةٌ، أَوْ لَيْسَ تَمَامُهَا، وَقَالَ عَامِلُ الْجِزْيَةِ: بَلْ أَسْلَمْتُ بَعْدَهَا، فَعَلَيْكَ تَمَامُ الْجِزْيَةِ، حَلَفَ الَّذِي أَسْلَمَ اسْتِحْبَابًا فِي وَجْهٍ، وَإِيجَابًا فِي وَجْهٍ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْإِيجَابِ فَنَكَلَ، فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، أَمْ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ، أَمْ يُحْبَسُ لِيُقِرَّ، فَيُؤْخَذَ مِنْهُ، أَوْ يَحْلِفُ فَيُتْرَكُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَقَيَّدَ ابْنُ الْقَاصِّ بِمَا إِذَا غَابَ، ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا، وَصَادَفْنَاهُ مُسْلِمًا بَعْدَ السَّنَةِ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكْتُمْهُ.

الثَّالِثَةُ: وَلَدُ الْمُرْتَزِقَةِ إِذَا ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ، وَطَلَبَ إِثْبَاتَ اسْمِهِ فِي الدِّيوَانِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُصَدِّقُهُ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَكَيْفَ نُحَلِّفُهُ وَهُوَ صَبِيٌّ؟ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا وَجَبَ تَصْدِيقُهُ، وَأَصَحُّهُمَا: يَحْلِفُ عِنْدَ التُّهْمَةِ، فَإِنْ نَكَلَ، لَمْ يَثْبُتِ اسْمُهُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ بُلُوغُهُ، وَيَقْرُبَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنَ الْمُرَاهِقِينَ إِذَا ادَّعَى الِاحْتِلَامَ، وَطَلَبَ سَهْمَ الْمُقَاتِلَةِ، أُعْطِيَ إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُعْطَى، ثُمَّ قِيلَ: هُوَ إِعْطَاءٌ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّ احْتِلَامَهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْهُ، فَصُدِّقَ فِيهِ، كَمَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَيْضِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ شُهُودَ الْوَقْعَةِ تَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَهُمُ السَّهْمَ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يُعْطَى، قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: وَهُوَ قَضَاءٌ بِالنُّكُولِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا لَمْ يُعْطَ؛ لِأَنَّ حُجَّتَهُ فِي الْإِعْطَاءِ الْيَمِينُ وَلَمْ تُوجَدْ.
الرَّابِعَةُ: مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَادَّعَى الْقَاضِي، أَوْ مَنْصُوبُهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ وَجَدَهُ فِي تَذْكِرَتِهِ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَكَلَ، فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمَالُ، أَمْ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ، أَوْ يَحْلِفَ، أَمْ يُتْرَكُ لَكِنْ يَأْثَمُ إِنْ كَانَ مُعَانِدًا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَيَجْرِي فِيمَا لَوِ ادَّعَى وَلِيُّ صَبِيٍّ مَيِّتٍ عَلَى وَارِثِهِ أَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِلْفُقَرَاءِ، وَأَنْكَرَ الْوَارِثُ، وَنَكَلَ.
وَلَوِ ادَّعَى وَلِيُّ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ، فَفِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْوَلِيِّ أَوْجُهٌ، أَحَدُهُمَا: تُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَوْفِي، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْحَقِّ لِغَيْرِ الْحَالِفِ بِعِيدٌ.
وَالثَّالِثُ: إِنِ ادَّعَى ثُبُوتَهُ بِسَبَبٍ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ رُدَّتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَأُجْرِيَ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا هَلْ يَحْلِفُ مَعَهُ، وَفِيمَا لَوِ ادُّعِيَ عَلَى الْوَلِيِّ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ

الصَّبِيِّ هَلْ يَحْلِفُ الْوَلِيُّ إِذَا أَنْكَرَ.
وَالْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ فِي ذَلِكَ كَالْوَلِيِّ، وَيَجْرِي فِي قَيِّمِ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفِ إِذَا ادَّعَى لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِلْوَقْفِ، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَنَكَلَ.
وَتَحْلِيفُ الْوَلِيِّ وَالصَّبِيِّ سَبَقَ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّدَاقِ، ثُمَّ مَيْلُ الْأَكْثَرِينَ إِلَى تَرْجِيحِ الْمَنْعِ مِنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا بَأْسَ بِوَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَقَدْ رَجَّحَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ، وَبِهِ أَجَابَ السَّرَخْسِيُّ فِي «الْأَمَالِي» ، فَإِنْ مَنَعْنَا رَدَّ الْيَمِينِ إِلَى الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ، انْتَظَرْنَا بُلُوغَ الصَّبِيِّ، وَإِفَاقَةَ الْمَجْنُونِ، وَكَتَبَ الْقَاضِي الْمَحْضَرَ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَتَصِيرُ الْيَمِينُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْبُلُوغِ، وَالْإِفَاقَةِ، وَيَعُودُ فِي قَيِّمِ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفِ الْوَجْهَانِ فِي أَنَّهُ يُقْضَى بِالنُّكُولِ، أَمْ يُحْبَسُ لِيَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَالْأَصَحُّ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَنْ لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ، بَلْ يُحْبَسُ لِيَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا فِيمَا قَبْلَهَا مِنَ الصُّوَرِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ أَصْلٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَمْ يَظْهَرْ دَافِعٌ.
وَلَوِ ادَّعَى قَيِّمُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَلَفَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ هَذَا الْمَالِ، وَلَكِنْ لَا يَقُولُ إِلَيَّ، وَقَيِّمُهُ يَقُولُ فِي الدَّعْوَى: يَلْزَمُكَ تَسْلِيمُهُ إِلَيَّ.
الْخَامِسَةُ: لِلْقَاذِفِ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَقْذُوفَ أَنَّهُ لَمْ يَزْنِ كَمَا سَبَقَ، فَإِنْ نَكَلَ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْقَاذِفِ، فَإِنْ حَلَفَ انْدَفَعَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِنُكُولِهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَلَا يُرَدُّ الْيَمِينُ، حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ.

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْبَيِّنَةِ أَمَّا صِفَةُ الشُّهُودِ، فَسَبَقَ بَيَانُهَا فِي الشَّهَادَاتِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ حُكْمِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَتَعَارُضُهُمَا قَدْ يَقَعُ فِي الْأَمْلَاكِ، وَقَدْ يَقَعُ فِي غَيْرِهَا، كَالْعُقُودِ، وَالْمَوْتِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَيَشْتَمِلُ الْبَابُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ:

الْأَوَّلُ فِي الْأَمْلَاكِ، فَإِذَا تَعَارَضَتَا فِيهِ، فَإِمَّا أَنْ يَفْقِدَ أَسْبَابَ الرُّجْحَانِ، وَإِمَّا لَا، الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَفْقِدَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَإِمَّا فِي أَيْدِيهِمَا، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَا إِذَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الرُّجْحَانِ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: إِذَا ادَّعَى اثْنَانِ عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا إِنِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَنَّهُ لَوِ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، قُضِيَ لَهُ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، تَعَارَضَتَا، وَفِيهِمَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا: يَسْقُطَانِ، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ فَيُصَارُ إِلَى التَّحْلِيفِ، وَالثَّانِي: يُسْتَعْمَلَانِ، فَيَنْتَزِعُ الْعَيْنَ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ.
ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: تُقَسَّمُ الْعَيْنُ الْمُدَّعَاةُ بَيْنَهُمَا، وَالثَّانِي: تُوقَفُ إِلَى تَبَيُّنِ الْأَمْرِ أَوْ يَصْطَلِحَا، وَالثَّالِثُ: يُقْرَعُ، فَيَأْخُذُهَا مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَهَلْ يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى يَمِينٍ؟ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَا، وَالْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةٌ لِبَيِّنَتِهِ، وَالثَّانِي نَعَمْ، وَالْقُرْعَةُ تَجْعَلُ أَحَدَهُمَا أَحَقَّ بِالْيَمِينِ، فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ أَنَّ شُهُودَهُ شَهِدُوا بِالْحَقِّ، ثُمَّ يُقْضَى لَهُ، ثُمَّ قِيلَ الْقَوْلَانِ فِي الْأَصْلِ فِيمَا إِذَا لَمْ تَتَكَاذَبِ الْبَيِّنَتَانِ صَرِيحًا، فَإِنْ تَكَاذَبَتَا سَقَطَتَا قَطْعًا، وَالْأَشْهَرُ طَرْدُهُمَا فِي الْحَالَيْنِ، وَصَرِيحُ التَّكَاذُبِ أَنْ لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ بِتَأْوِيلٍ، بِأَنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِقَتْلِهِ فِي وَقْتٍ، وَالْأُخْرَى بِجِنَايَةٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِتَأْوِيلٍ، فَلَيْسَ تَكَاذُبًا بِأَنْ شَهِدَتْ هَذِهِ أَنَّهُ مِلْكُ زَيْدٍ، وَهَذِهِ أَنَّهُ مِلْكُ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ عَلِمَتْ سَبَبًا، كَشِرَاءٍ وَوَصِيَّةٍ، وَاسْتَصْحَبَ حُكْمُهُ، أَوْ شَهِدَتْ هَذِهِ بِأَنَّهُ أَوْصَى بِهِ لِزَيْدٍ، وَهَذِهِ أَنَّهُ

أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْإِيصَاءَ مَرَّتَيْنِ، وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ، فَإِنْ أَمْكَنَ قُسِّمَ قَطْعًا، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَقْطَتَا قَطْعًا وَإِلَّا اسْتُعْمِلَتَا قَطْعًا، كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَقِيلَ: يَبْقَى قَوْلُ التَّوْقِيفِ، وَقِيلَ: لَا تَجْتَمِعُ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ بَلْ مَوْضِعُ الْقِسْمَةِ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ، وَالْقُرْعَةُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ، وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ، فَلَوْ تَنَازَعَا فِي زَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ، أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، وَتَعَارَضَتَا، فَقَوْلُ السُّقُوطِ بِحَالِهِ، وَلَا مَجَالَ لِلْقِسْمَةِ، وَلَا لِلْقُرْعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَجِيءُ الْوَقْفُ عَلَى الصَّحِيحِ لَوْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَمَا أَقَامَا الْبَيِّنَتَيْنِ، إِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، قَبْلَ إِقْرَارِهِ، وَحُكِمَ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ الْمُقِرُّ لَهُ كَصَاحِبِ يَدٍ، فَتُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ يَدَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ مُسْتَحَقَّةُ الْإِزَالَةِ، وَإِنْ أَقَرَّ قَبْلَ تَمَامِ الْبَيِّنَتَيْنِ قَبْلَ إِقْرَارِهِ قَطْعًا، وَصَارَ الْمُقِرُّ لَهُ صَاحِبَ يَدٍ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي يَدِهِمَا وَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَقَامَتَا بَيِّنَتَيْنِ، فَطَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا - وَبِهِ قَالَ الْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ - يَجِيءُ الْقَوْلَانِ فِي السُّقُوطِ وَالِاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ أَسْقَطْنَا بَقِيَ الْمَالُ فِي أَيْدِيهِمَا كَمَا كَانَ، وَإِنِ اسْتَعْمَلْنَا فَعَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجِيءُ الْوَقْفُ، وَفِي الْقُرْعَةِ وَجْهَانِ، وَالثَّانِي - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ - يُجْعَلُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ تَرَجَّحَتْ فِي النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَالْحَاصِلُ لِلْفَتْوَى مِنَ الطَّرِيقَيْنِ بَقَاءُ الْمَالِ فِي يَدِهِمَا كَمَا كَانَ، وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لَهُ بِالنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، حَكَمَ الْقَاضِي لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ الْمَالُ فِي يَدِهِمَا أَيْضًا، كَمَا كَانَ، لَكِنْ لَا لِجِهَةِ السُّقُوطِ، وَلَا بِالتَّرْجِيحِ بِالْيَدِ، ثُمَّ قَالَ الْأَئِمَّةُ:

مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا، وَتَعَرَّضَ شُهُودُهُ لِلْكُلِّ، لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ يَدٍ فِي النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَقُلْنَا: بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ لَا تُسْمَعُ ابْتِدَاءً كَمَا سَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ هُنَا غَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْبَيِّنَةِ لِلنِّصْفِ الَّذِي يَدَّعِيهِ، ثُمَّ إِذَا أَقَامَ الثَّانِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكُلِّ سُمِعَتْ، وَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَتُهُ فِي النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، فَيَحْتَاجُ الْأَوَّلُ إِلَى إِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ لِلنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَقَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي الْإِعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ دُونَ الْآخَرِ، قُضِيَ لَهُ بِالْكُلِّ، سَوَاءٌ شَهِدَ شُهُودُهُ بِالْكُلِّ، أَمْ بِالنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مُدَّعٍ فِي نِصْفٍ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فِي نِصْفٍ، فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ مَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي يَمِينِهِ، لِإِثْبَاتِ مَا فِي يَدِهِ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لِصَاحِبِهِ فِيمَا فِي يَدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَمِنْهُ خِلَافٌ سَبَقَ فِي بَابِ التَّحَالُفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا تُرِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِمَا كَمَا كَانَ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، قَضَى لِلْحَالِفِ بِالْكُلِّ، ثُمَّ إِنْ حَلَفَ الَّذِي بَدَأَ الْقَاضِي بِتَحْلِيفِهِ، وَنَكَلَ الْآخَرُ بَعْدَهُ، حَلَفَ الْأَوَّلُ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ.
وَإِنْ نَكَلَ الْأَوَّلُ، وَرَغِبَ الثَّانِي فِي الْيَمِينِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ يَمِينُ النَّفْيِ لِلنِّصْفِ الَّذِي ادَّعَاهُ صَاحِبُهُ، وَيَمِينُ الْإِثْبَاتِ لِلنِّصْفِ الَّذِي ادَّعَاهُ هُوَ، فَهَلْ يَكْفِيهِ الْآنَ يَمِينٌ وَاحِدٌ يَجْمَعُ فِيهَا النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ لِلنَّفْيِ، وَأُخْرَى لِلْإِثْبَاتِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، فَيَحْلِفُ أَنَّ الْجَمِيعَ لَهُ، وَلَا حَقَّ لِصَاحِبِهِ فِيهِ، أَوْ يَقُولُ: لَا حَقَّ لَهُ فِي النِّصْفِ الَّذِي يَدَّعِيهِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِي.

فَرْعٌ ادَّعَى نِصْفَ دَارٍ، وَادَّعَى آخَرُ كُلَّهَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، وَالدَّارُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، تَعَارَضَتَا فِي النِّصْفِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، سَقَطَتَا فِي النِّصْفِ الَّذِي فِيهِ التَّعَارُضُ، وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ، فَفِيهِ طَرِيقَانِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا: فِيهِ قَوْلَا تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ بَعَّضْنَاهَا سُلِّمَ ذَلِكَ النِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ، وَإِلَّا بَطَلَتْ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ أَيْضًا، وَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَالثَّانِي - وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ -: يُسَلَّمُ إِلَيْهِ النِّصْفُ قَطْعًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، سُلِّمَ النِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ، وَيُقَسَّمُ النِّصْفُ الْآخَرُ إِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ أَوْ بِالْوَقْفِ، أُقْرِعَ فِي النِّصْفِ أَوْ وُقِفَ، وَلَوْ تَدَاعَيَا كَذَلِكَ، وَالدَّارُ فِي يَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي النِّصْفِ فِي النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، فَإِنْ أَقَامَ مُدَّعِي الْكُلِّ بَيِّنَةً، قُضِيَ لَهُ الْكُلُّ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِمَا يَدَّعِيهِ، بَقِيَتِ الدَّارُ فِي يَدِهِمَا كَمَا كَانَتْ.
وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْكُلَّ، وَالْآخَرُ الثُّلُثَ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَعَلَى قَوْلِ السُّقُوطِ تَسْقُطَانِ فِي الثُّلُثِ.
وَهَلْ تَبْطُلُ بَيِّنَةُ الْكُلِّ فِي الثُّلُثَيْنِ؟ فِيهِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ، وَعَلَى الِاسْتِعْمَالِ تَجْرِي الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِمَا يَدَّعِي، فَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لِمُدَّعِي الْكُلِّ.
دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَى زَيْدٌ نِصْفَهَا، فَصَدَّقَهُ، وَعَمْرٌو نِصْفَهَا، فَكَذَّبَهُ صَاحِبُ الْيَدِ وَزَيْدٌ مَعًا، وَلَمْ يَدَّعِهِ أَحَدٌ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، فَالنِّصْفُ

الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُكَذِّبُ هَلْ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ أَمْ يُوقَفُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ، أَمْ يَنْتَزِعُهُ وَيُحْفَظُ إِلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، حَكَاهَا الْفُورَانِيُّ.
قُلْتُ: أَقْوَاهَا الثَّالِثُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا وَآخَرُ ثُلُثَيْهَا، وَآخَرُ نِصْفَهَا، وَرَابِعٌ ثُلُثَهَا، وَهِيَ فِي يَدِ خَامِسٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، فَلَا تَعَارُضَ فِي الثُّلُثِ الَّذِي يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بِدَعْوَاهُ، وَفِي الْبَاقِي يَقَعُ التَّعَارُضُ، فَالسُّدُسُ الزَّائِدُ عَلَى النِّصْفِ يَتَعَارَضُ فِيهِ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الْكُلِّ، وَمُدَّعِي الثُّلْثَيْنِ، وَفِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ يَتَعَارَضُ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ.
وَفِي الثُّلُثِ الْبَاقِي تَتَعَارَضُ بَيِّنَاتُ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، سَقَطَتِ الْبَيِّنَاتُ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَأَمَّا الثُّلُثُ، فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ فِي تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسَلَّمُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ قَسَمْنَا، فَالسُّدُسُ الزَّائِدُ عَلَى النِّصْفِ بَيْنَ مُدَّعِي الْكُلِّ، وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَالسُّدُسُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ لَهُمَا وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ أَثْلَاثًا، وَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِلْأَرْبَعَةِ أَرْبَاعًا، فَيُجْعَلُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ سَهْمًا لِحَاجَتِنَا إِلَى عَدَدٍ يَنْقَسِمُ سُدُسُهُ عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى ثَلَاثَةٍ، فَيُضْرَبُ اثْنَيْنِ فِي سِتَّةٍ، ثُمَّ فِي ثَلَاثَةٍ، فَلِمُدَّعِي الْكُلِّ ثُلُثُهَا وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ، وَنِصْفُ السُّدْسِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ هُوَ ثَلَاثَةٌ، وَثُلُثُ السُّدُسِ الزَّائِدِ وَهُوَ اثْنَانِ، وَرُبُعُ الثُّلُثِ الْبَاقِي وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، فَالْجُمْلَةُ عِشْرُونَ وَهِيَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ الدَّارِ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ثَلَاثَةٌ مِنَ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ، وَسَهْمَانِ مِنَ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ، وَسَهْمَانِ مِنَ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الثُّلُثِ الْبَاقِي، فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ هِيَ تُسْعَا الدَّارِ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ سَهْمَانِ مِنَ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الثُّلُثِ الْبَاقِي، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ ثَلَاثَةٌ

مِنَ الثُّلُثِ الْبَاقِي، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ، أَقْرَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مَرَّةً فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ بَيْنَ مُدَّعِي الْكُلِّ، وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، وَأُخْرَى فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ مُدَّعِي الْكُلِّ، وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، وَأُجْرِيَ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ، وَأُجْرِيَ فِي الثُّلُثِ بَيْنِ الْأَرْبَعَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَقْفِ تَوَقَّفْنَا، وَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، جُعِلَتْ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ تُرَجِّحُ فِي الرُّبُعِ الَّذِي فِي يَدِهِ الْيَدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الرُّبُعِ الَّذِي فِي يَدِهِ، فَإِذَا حَلَفُوا كَانَتْ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا أَيْضًا.
فَرْعٌ دَارٌ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ، ادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا، وَآخَرُ ثُلُثَهَا، وَثَالِثٌ سُدُسَهَا، وَلَا بَيِّنَةَ، جُعِلَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مُدَّعِيَ السُّدُسِ لَا يَدَّعِي غَيْرَهُ، فَكَيْفَ يُعْطَى الثُّلُثَ، فَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ صُورَةَ النَّصِّ فِيمَا إِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ فِي جَمِيعِهَا إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يَقُولُ: النِّصْفُ مِلْكِي، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، وَهُوَ فِي يَدِي عَارِيَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ، وَالْآخَرَانِ يَقُولَانِ نَحْوَ ذَلِكَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْيَدِ فِي الثُّلُثِ، وَتَبْقَى الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمْ كَمَا كَانَتْ، ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَ الثُّلُثِ الَّذِي فِي يَدِ مُدَّعِي السُّدُسِ لِذَلِكَ الْغَائِبِ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ، فَأَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ لِي مِنْهَا كَذَا، فَلَا يُعْطَى لِمُدَّعِي السُّدُسِ إِلَّا السُّدُسُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ نِزَاعٌ، وَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً عَلَى مَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ، حُكِمَ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ بَيِّنَةً وَيَدًا، وَلِمُدَّعِي السُّدُسِ بِالسُّدُسِ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وَفِيمَا يُحْكَمُ بِهِ لِمُدَّعِي النِّصْفِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الثُّلُثِ يَدًا وَبَيِّنَةً، وَفِي السُّدُسِ الْبَاقِي بَيِّنَةً،

وَالْآخَرَانِ لَا يَدَّعِيَانِهِ، وَالثَّانِي بِالثُّلُثِ وَنِصْفِ السُّدُسِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ أَجَابَ ابْنُ كَجٍّ وَالْقَفَّالُ، ثُمَّ مُدَّعِي الثُّلُثِ، وَمُدَّعِي السُّدِسِ لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَكِنْ مُدَّعِي النِّصْفِ يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَتِهَا لِلسُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَيُتَصَوَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ مِنْ جِهَتِهِمْ فِيمَا إِذَا أَقَامَ مُدَّعِي النِّصْفِ، ثُمَّ أَقَامَ الْآخَرَانِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفْرَضَ مِنْ مُدَّعِي السُّدُسِ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ السُّدُسَ لِلْغَائِبِ مَعَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ السُّدُسَ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا أَقَرَّ بِمَا فِي يَدِهِ لِلْغَائِبِ يَجُوزُ لَهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ لِلْغَائِبِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
فَرْعٌ دَارٌ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ ادَّعَى أَحَدُهُمْ كُلَّهَا، وَآخَرُ نِصْفَهَا، وَالثَّالِثُ ثُلُثَهَا، وَأَقَامَ وَاحِدٌ مِنَ الْأَوَّلَيْنِ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ دُونَ الثَّالِثِ، فَلِمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثُ بِالْبَيِّنَةِ وَبِالْيَدِ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ كَذَلِكَ، ثُمَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ أَيْضًا نِصْفُ مَا فِي يَدِ الثَّالِثِ بِبَيِّنَتِهِ السَّلِيمَةِ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ تَتَعَارَضُ بَيِّنَتُهُ وَبَيِّنَةُ مُدَّعِي النِّصْفِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّالِثِ فِي هَذَا السُّدُسِ، وَفِي بُطْلَانِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيمَا سِوَى هَذَا السُّدُسِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ فِي تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، لَمْ يَجِبِ الْإِقْرَاعُ وَالتَّوَقُّفُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَسْمِ، قُسِّمَ بَيْنَهُمَا هَذَا السُّدُسُ بِالسَّوِيَّةِ، فَيَصِيرُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ وَنِصْفُ سُدُسٍ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ الْبَاقِي هَكَذَا أَوْرَدَ الْمَسْأَلَةَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَتَعَارَضَ الْبَيِّنَتَانِ، وَهُنَاكَ مَا يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا، فَيُعْمَلُ بِالرَّاجِحَةِ، وَلِلرُّجْحَانِ أَسْبَابٌ: أَحَدُهَا أَنْ تَخْتَصَّ إِحْدَاهُمَا

بِزِيَادَةِ قُوَّةٍ، وَفِيهِ صُوَرٌ إِحْدَاهَا: لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ، وَالْآخَرُ شَاهِدًا، وَحَلَفَ مَعَهُ، فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَتَعَادَلَانِ، وَأَظْهَرُهُمَا: يُرَجَّحُ الشَّاهِدَانِ؛ لِأَنَّهَا حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَبْعَدُ عَنْ تُهْمَتِهِ بِالْكَذِبِ فِي يَمِينِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَعَ صَاحِبِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ يَدٌ، فَهَلْ يُرَجَّحُ صَاحِبُ الْيَدِ، أَمْ صَاحِبُ الشَّاهِدَيْنِ، أَمْ يَتَعَادَلَانِ؟ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ الْأَوَّلَيْنِ قَوْلَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ زَادَ عَدَدُ الشُّهُودِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ زَادَ وَرَعُهُمْ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ، وَقِيلَ قَوْلَانِ، وَفِي الرِّوَايَةِ يَثْبُتُ التَّرْجِيحُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: هِيَ كَالشَّهَادَةِ، وَالْمَذْهَبُ الْفَرْقُ؛ لِأَنَّ لِلشَّهَادَةِ نِصَابًا فَيُتَّبَعُ وَلَا ضَبْطَ لِلرِّوَايَةِ، فَيُعْمَلُ بِأَرْجَحِ الظَّنَّيْنِ.
الثَّالِثَةُ: أَقَامَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَالْآخَرُ رَجُلَيْنِ، فَلَا يُرَجَّحُ الرَّجُلَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، السَّبَبُ الثَّانِي: الْيَدُ، فَإِذَا ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَقَامَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، رَجَحَتْ بَيِّنَةُ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي سَمَاعِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ الْمِلْكِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ إِرْثٍ وَغَيْرِهِمَا؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ لِأَنَّهُمَا رُبَّمَا اعْتَمَدَا ظَاهِرَ الْيَدِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، كَبَيِّنَةِ الْخَارِجِ، فَإِنَّهَا تُسْمَعُ مُطْلَقَةً مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُمُ اعْتَمَدُوا يَدًا سَابِقَةً، وَلَا فَرْقَ فِي تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ بَيْنَ أَنْ يُبَيِّنَ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ سَبَبَ الْمِلْكِ أَوْ يُطْلِقَا، وَلَا بَيْنَ إِسْنَادِ الْبَيِّنَتَيْنِ،

وَإِطْلَاقِهِمَا إِذَا سَمِعْنَا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ مُطْلَقَةً.
وَلَوْ تَعَرَّضْنَا لِلسَّبَبِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَّفِقَ السَّبَبَانِ أَوْ يَخْتَلِفَا، وَلَا بَيْنَ أَنْ يُسْنَدَ الْمِلْكُ إِلَى شَخْصٍ، بِأَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ زَيْدٍ، أَوْ يُسْنَدَ إِلَى شَخْصَيْنِ وَفِيمَا إِذَا أُسْنِدَ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِثَالِثٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَدَّعِي الِانْتِقَالَ مِنْهُ.
فَرْعٌ مَتَّى تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، لَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يُقِيمَهَا قَبْلَ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إِنَّمَا تُقَامُ عَلَى خَصْمٍ، وَقِيلَ: تُسْمَعُ لِغَرَضِ التَّسْجِيلِ.
الثَّانِي: يُقِيمُهَا بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَقَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي جَانِبِهِ الْيَمِينُ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهَا مَا دَامَتْ كَافِيَةً، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ لِدَفْعِ الْيَمِينِ كَالْمُودِعِ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَى الرَّدِّ وَالتَّلَفِ، وَإِنْ كَفَتْهُ الْيَمِينُ.
الثَّالِثُ: يُقِيمُهَا بَعْدَ أَنْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ، لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَعْدِلَهَا، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا بَعْدُ، وَأَصَحُّهُمَا تُسْمَعُ، وَيُحْكَمُ بِهَا؛ لِأَنَّ يَدَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ مُعَرَّضَةٌ لِلزَّوَالِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدِهَا.
الرَّابِعُ: يُقِيمُهَا بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَتَعْدِيلِهَا، فَقَدْ أَقَامَهَا فِي أَوَانِ إِقَامَتِهَا، فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا حَتَّى قَضَى الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي، وَسَلَّمَ الْمَالَ إِلَيْهِ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يُسْنَدِ الْمِلْكَ إِلَى مَا قَبْلَ إِزَالَةِ الْيَدِ، فَهُوَ الْآنَ مُدَّعٍ خَارِجٌ، وَإِنْ أَسْنَدَهُ، وَاعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ الشُّهُودِ وَنَحْوِهَا، فَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَهَلْ تُقَدَّمُ بِالْيَدِ الْمُزَالَةِ بِالْقَضَاءِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَيُنْقَضُ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا أُزِيلَتْ، لِعَدَمِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ ظَهَرَتِ الْحُجَّةُ، فَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ لِلْمُدَّعِي، وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، وَقُدِّمَتْ عَلَى الصَّحِيحِ لِبَقَاءِ الْيَدِ حِسًّا.

فَرْعٌ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْلِفَ الدَّاخِلُ مَعَ بَيِّنَتِهِ، لِيُقْضَى لَهُ؟ وَجْهَانِ، أَوْ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، كَمَا لَا يَحْلِفُ الْخَارِجُ مَعَ بَيِّنَتِهِ، وَبَنَوُا الْخِلَافَ عَلَى خِلَافٍ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ لِلدَّاخِلِ بِالْيَدِ، أَمْ بِالْبَيِّنَةِ الْمُرَجَّحَةِ بِالْيَدِ، إِنْ قُلْنَا بِالْيَدِ، حَلَفَ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ إِذَا أَطْلَقَ الْخَارِجُ دَعْوَى الْمِلْكِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، وَقَالَ الدَّاخِلُ: هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، فَالدَّاخِلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَعَ بَيِّنَتِهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ، وَهُوَ الِانْتِقَالُ، وَلِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُقَدَّمٌ، فَهُنَا أَوْلَى، وَلَوْ قَالَ الْخَارِجُ: هُوَ مِلْكِي وَرِثْتُهُ مِنْ أَبِي، وَقَالَ الدَّاخِلُ: مِلْكِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْ أَبِيكَ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَلَوِ انْعَكَسَتِ الصُّورَةُ، فَقَالَ الْخَارِجُ: هُوَ مِلْكِي، اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، وَأَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مِلْكُهُ، فَالْخَارِجُ أَوْلَى لِزِيَادَةِ عِلْمِ بَيِّنَتِهِ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَخُفِيَ التَّارِيخُ، فَالدَّاخِلُ أَوْلَى، ثُمَّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَهِيَ أَنْ يُطْلِقَ الْخَارِجُ، وَيَقُولُ الدَّاخِلُ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ، لَا تُزَالُ يَدُ الدَّاخِلِ قَبْلَ إِقَامَتِهِ الْبَيِّنَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: تُزَالُ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْمُدَّعِي؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ كَانَ لَهُ، ثُمَّ يُثْبِتُ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الشِّرَاءِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إِذَا كَانَتْ حَاضِرَةً، فَالتَّأْخِيرُ إِلَى إِقَامَتِهَا سَهْلٌ، فَلَا مَعْنَى لِلِانْتِزَاعِ وَالرَّدِّ، فَلَوْ زَعَمَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ غَائِبَةٌ لَمْ يَتَوَقَّفْ، بَلْ يُؤْمَرُ فِي الْحَالِ بِالتَّسْلِيمِ، ثُمَّ إِنْ أَثْبَتَ مَا يَدَّعِيهِ اسْتَرَدَّ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى دَيْنًا، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَبْرَأَنِي، وَأَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ، لَا يُكَلَّفُ تَوْفِيَةَ الدَّيْنِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يُكَلَّفُ، ثُمَّ إِنْ أَثْبَتَ مَا يَقُولُ اسْتَرَدَّ.

فَصْلٌ

مَنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِرَجُلٍ، ثُمَّ ادَّعَاهَا، لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ تَلَقِّيَ الْمِلْكَ مِنْهُ، وَلَوْ أُخِذَتْ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهَا هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ التَّلَقِّي؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤَاخَذًا بِالْبَيِّنَةِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ وَأَطْلَقَ، سُمِعَتْ.
فُرُوعٌ أَكْثَرُهَا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ مِلْكِي غَصَبَهَا مِنِّي الدَّاخِلُ، أَوْ قَالَ: أَجَّرْتُهَا لَهُ، أَوْ أَوْدَعَهَا عِنْدَهُ، وَأَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكَهُ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْخَارِجُ أَمِ الدَّاخِلُ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: الْخَارِجُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَصَحَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَبِهِ أَجَابَ الْهَرَوِيُّ، وَخَالَفَهُمُ الْبَغَوِيُّ، فَصَحَّحَ تَقْدِيمَ الدَّاخِلِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَنَكَلَ الدَّاخِلُ عَنِ الْيَمِينِ، فَحَلَفَ الْخَارِجُ، وَحُكِمَ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ الدَّاخِلُ بِبَيِّنَةٍ، سُمِعَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ أَقَامَهَا بَعْدَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَقِيلَ: لَا تُسْمَعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ، وَلَوْ تَنَازَعَا شَاةً مَذْبُوحَةً فِي يَدِ أَحَدِهِمَا رَأْسُهَا وَجِلْدُهَا وَسَوَاقِطُهَا، وَفِي يَدِ الْآخَرِ بَاقِيهَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً أَنَّ الشَّاةَ لَهُ، قُضِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ الشَّاتَيْنِ لَهُ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ الَّتِي فِي يَدِهِ، لِاعْتِقَادِ بَيِّنَتِهِ بِالْيَدِ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً أَنَّ الَّتِي فِي يَدِ الْآخَرِ مِلْكُهُ قُضِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمَا فِي يَدِ الْآخَرِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: اشْتِمَالُ أَحَدِهِمَا عَلَى زِيَادَةِ تَارِيخٍ، فَإِذَا أُرِّخَتَا، نُظِرَ إِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، فَلَا تَرْجِيحَ، وَإِنِ اخْتَلَفَ، بِأَنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ

زَيْدٍ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَبَيِّنَةُ عَمْرٍو أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَهَلْ تَتَعَارَضَانِ، أَمْ يُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا؟ طَرِيقَانِ، الْمَذْهَبُ التَّقْدِيمُ، وَيَطَّرِدُ الْخِلَافُ فِي بَيِّنَتَيْ شَخْصَيْنِ تَنَازَعَا نِكَاحَ امْرَأَةٍ إِذَا اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا، وَفِيمَا إِذَا تَعَارَضَتَا مَعَ اخْتِلَافِ التَّارِيخِ لِسَبَبِ الْمِلْكِ، بِأَنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَةٍ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَمْرٍو مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَلَوْ نَسَبَا الْعَقْدَيْنِ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَةٍ، وَذَاكَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِلَا خِلَافٍ، وَطَرَدُوا الْخِلَافَ أَيْضًا فِيمَا إِذَا تَنَازَعَا أَرْضًا مَزْرُوعَةً، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا أَرْضُهُ زَرَعَهَا، وَالْآخَرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزَّرْعِ تُثْبِتُ الْمِلْكَ مِنْ وَقْتِ الزِّرَاعَةِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ سَبْقَ التَّارِيخِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِزَمَانٍ مَعْلُومٍ حَتَّى لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ سُنَّةٍ، وَبَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ كَانَ فِيهِ الْخِلَافُ، فَإِنْ رَجَّحْنَا بِسَبْقِ التَّارِيخِ، حَكَمْنَا بِهَا لِصَاحِبِ السَّبْقِ، وَلَهُ الْأُجْرَةُ وَالزِّيَادَاتُ الْحَادِثَةُ مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَإِنْ لَمْ نُرَجِّحْ بِهِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَصْلِ التَّعَارُضِ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهَا مُؤَرَّخَةً، وَالْأُخْرَى مُطْلَقَةً، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فَتَتَعَارَضَانِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْمُؤَرَّخَةُ.
وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَالْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَهُوَ الَّذِي نَتَجَهَا، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي سَبْقِ التَّارِيخِ، وَطَرَدُوهُ فِي كُلِّ بَيِّنَتَيْنِ أَطْلَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْمِلْكَ، وَنَصَّتِ الْأُخْرَى عَلَى سَبَبِهِ مِنْ إِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ لَهُ، وَالَّتِي سَبَقَ تَارِيخُهَا لَا تُثْبِتُ ابْتِدَاءَ مِلْكِهِ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ يَقْتَضِي اطِّرَادَ الطَّرِيقَيْنِ فِيمَا لَوْ تَنَازَعَا ثَمَرَةً وَحِنْطَةً،

فَشَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَنَّهَا حَدَّثَتْ مَنْ شَجَرَتِهِ، أَوْ بَذْرَتِهِ، وَلَا يَقْتَضِي جَرَيَانُ الْقَطْعِ فِيمَا لَوْ تَعَرَّضَتْ إِحْدَاهُمَا لِلشِّرَاءِ وَسَائِرِ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ ابْتِدَاءَ مِلْكِهِ، ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَصْلِهَا مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَلَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَقَامَتْ بَيِّنَتَانِ مُخْتَلِفَتَا التَّارِيخِ، فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ أَسْبَقَ تَارِيخًا، قُدِّمَتْ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَسْبَقَ، فَإِنْ لَمْ نَجْعَلْ سَبْقَ التَّارِيخِ مُرَجِّحًا، قُدِّمَ الدَّاخِلُ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مُرَجِّحًا، فَهَلْ يُقَدَّمُ الدَّاخِلُ أَمِ الْخَارِجُ، أَمْ يَتَسَاوَيَانِ؟ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ.

فَصْلٌ

ادَّعَى دَارًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ نَحْوَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَشَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي، أَوْ بِالْأَمْسِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَالِ، نَقَلَ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ، وَلَا يُحْكَمُ بِهَا، وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيُّ أَنَّهَا تُسْمَعُ، وَيُحْكَمُ بِهَا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُمَا قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى الْيَدَ، وَشَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ أَمْسِ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمِلْكِ فِي الْحَالِ، أَوْ يَقُولَ: كَانَ مِلْكَهُ وَلَمْ يَزَلْ، أَوْ لَا أَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ مَا عَرَفَهُ مِنْ قَبْلُ، كَشِرَاءٍ وَإِرْثٍ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنِ احْتَمَلَ زَوَالَهُ، فَلَوْ صَرَّحَ فِي شَهَادَتِهِ أَنَّهُ يَعْتَمِدُ الِاسْتِصْحَابَ، فَوَجْهَانِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُقْبَلُ، كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرِّضَاعِ عَلَى امْتِصَاصِ الثَّدْيِ، وَحَرَكَةِ الْحُلْقُومِ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، تُقْبَلُ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ سِوَاهُ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي أَزَالَ مُلْكَهُ، أَمْ لَا، لَمْ يُقْبَلْ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا صِيغَةُ مُرْتَابٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ أَقَرَّ أَمْسِ لِلْمُدَّعِي بِالْمِلْكِ، قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ، وَاسْتُدِيمَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بِالْمِلْكِ

فِي الْحَالِ وَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِئَلَّا تَبْطُلَ فَائِدَةُ الْأَقَارِيرِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: كَانَ مِلْكُكَ أَمْسِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ مِلْكُهُ أَمْسِ، وَأَصَحُّهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: يُؤَاخَذُ، فَيُنْتَزَعُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَمْسِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ، وَالشَّاهِدُ قَدْ يَتَسَاهَلُ وَيُخَمِّنُ، فَلَوْ أَسْنَدَ الشَّهَادَةَ إِلَى تَحْقِيقٍ، بِأَنْ قَالَ الشَّاهِدُ: هُوَ مِلْكُهُ بِالْأَمْسِ، اشْتَرَاهُ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ، أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ، قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ، وَلَوْ قَالَ: كَانَ فِي يَدِكَ أَمْسِ، فَهَلْ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ؟ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ الصَّبَّاغِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِذَا عَرَفْتَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الشَّاهِدُ إِلَى التَّعَرُّضِ لَهُ عَلَى قَوْلِنَا: لَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمِلْكِ السَّابِقِ، فَكَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: الشَّهَادَةُ عَلَى الْيَدِ السَّابِقَةِ لَا تُسْمَعُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّضَ الشَّاهِدُ لِزِيَادَةٍ، فَيَقُولُ: كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي، وَأَخَذَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْهُ، أَوْ غَصَبَهُ، أَوْ قَهَرَهُ عَلَيْهِ، أَوْ بَعَثَ الْعَبْدَ فِي شُغْلٍ، فَأَبَقَ مِنْهُ، فَاعْتَرَضَهُ هَذَا، وَأَخَذَهُ، فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَيُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي، وَيُجْعَلُ صَاحِبَ يَدٍ.
فَرْعٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشُّهُودَ لَوْ قَالُوا: وَلَا نَعْلَمُ زَوَالَ مِلْكِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: يَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ غَاصِبٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْيَمِينِ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: هَذَا غَرِيبٌ.
فَرْعٌ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَاهَا آخَرَانِ، وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ،

غَصَبَهَا مِنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ أَقَرَّ بِهَا لَهُ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَثَبَتَ الْمِلْكُ وَالْغَصْبُ بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى، وَيَلْغُو إِقْرَارُ الْغَاصِبِ لِغَيْرِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.

فَصْلٌ

بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي لَا تُوجِبُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ، وَلَكِنَّهَا تُظْهِرُهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ سَابِقًا عَلَى إِقَامَتِهَا، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ السَّبْقُ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ، يَكْفِي لِصِدْقِ الشُّهُودِ لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ، وَلَا يُقَدَّرُ مَا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِ دَابَّةٍ أَوْ شَجَرَةٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّ النِّتَاجَ وَالثَّمَرَةَ الْحَاصِلَيْنِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ تَبْقَى لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَفِي الْحَمْلِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ إِقَامَتِهَا وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَسْتَحِقُّهُ الْمُدَّعِي تَبَعًا لِلْأُمِّ، كَمَا فِي الْعُقُودِ، وَالثَّانِي: لَا، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لِغَيْرِ مَالِكِ الْأُمِّ بِوَصِيَّةٍ.
وَمُقْتَضَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا، فَادَّعَاهُ مُدَّعٍ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ، لِاحْتِمَالِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنَ الْمُشْتَرِي إِلَى الْمُدَّعِي، وَتَكُونُ الْمُبَايَعَةُ صَحِيحَةً مُصَادِفَةً مَحَلَّهَا، لَكِنِ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ثُبُوتُ الرُّجُوعِ، بَلْ لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَهَبَ، وَانْتَزَعَ الْمَالَ مِنَ الْمُتَّهِبِ أَوِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ، كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الرُّجُوعُ أَيْضًا، وَسَبَبُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي عُهْدَةِ الْعُقُودِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا مُعَامَلَةَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْمُدَّعِي، وَلَا انْتِقَالَ مِنْهُ، فَيُسْتَدَامُ الْمِلْكُ الْمَشْهُودُ بِهِ إِلَى مَا قَبْلَ الشِّرَاءِ، وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ إِذَا كَانَ دَعْوَى الْمُدَّعِي مِلْكًا سَابِقًا وَفَاءً بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَحُمِلَ مَا أَطْلَقَهُ

الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، وَحَكَى الْهَرَوِيُّ وَجْهًا أَنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ يَقْتَضِي سَبْقَ الْمِلْكِ حَتَّى يَكُونَ النِّتَاجُ لِلْمُدَّعِي.
فَرْعٌ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمُشْتَرِي إِذَا اسْتَحَقَّ الْمَالَ فِي يَدِهِ، وَانْتَزَعَ مِنْهُ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِبَائِعِهِ، هَلْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْأَوَّلَ بِالثَّمَنِ؟ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ.

فَصْلٌ

ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا، فَشَهِدَ الشُّهُودُ بِالْمِلْكِ، وَذَكَرُوا سَبَبَهُ، لَمْ يَضُرَّ، فَلَوْ أَرَادَ الْمُدَّعِي تَقْدِيمَ بَيِّنَتِهِ بِذِكْرِ السَّبَبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ مُرَجِّحٌ، لَمْ يَكْفِ لِلتَّرْجِيحِ تَعَرُّضُهُمْ لِلسَّبَبِ أَوَّلًا، لِوُقُوعِهِ قَبْلَ الدَّعْوَى وَالِاسْتِشْهَادِ، بَلْ يَدَّعِي الْمِلْكَ وَسَبَبَهُ، ثُمَّ يُعِيدُونَ الشَّهَادَةَ، فَحِينَئِذٍ تُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ، وَقِيلَ: لَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَتَكْفِي الشَّهَادَةُ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَاقِعَةً بَعْدَ الدَّعْوَى وَالِاسْتِشْهَادِ، وَلَوِ ادَّعَى الْمِلْكَ، وَذَكَرَ سَبَبَهُ، وَشَهِدُوا بِالْمِلْكِ، وَلَمْ يُذْكُرُوا السَّبَبَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْمَقْصُودِ، وَلَا تَنَاقُضَ، وَلَوِ ادَّعَى الْمِلْكَ وَسَبَبُهُ، وَذَكَرَ الشُّهُودُ سَبَبًا آخَرَ، فَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ شَهَادَتِهِمْ، لِلتَّنَاقُضِ، وَقِيلَ: تُقْبَلُ عَلَى أَصْلِ الْمِلْكِ، وَيَلْغُو السَّبَبُ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ عَنْ ثَمَنٍ، وَآخَرُ بِأَلْفٍ عَنْ قَرْضِ، وَالدَّعْوَى مُطْلَقَةٌ، فَقَدْ سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا شَيْءٌ، وَقِيَاسُ الْوَجْهِ الثَّانِي عَلَى ضَعْفِهِ ثُبُوتُ الْأَلْفِ.

فَرْعٌ فِي يَدِهِ دَارٌ حَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ بِمِلْكِهَا، فَادَّعَى خَارِجٌ انْتِقَالَ الْمِلْكِ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَشَهِدُوا بِانْتِقَالِهِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، فَأَفْتَى فِيهَا فُقَهَاءُ هَمْدَانَ بِسَمَاعِ الدَّعْوَى، وَالْحُكْمِ بِهَا لِلْخَارِجِ، كَمَا لَوْ عَيَّنُوا السَّبَبَ، وَكَذَا أَفْتَى الْمَاوَرْدِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ: وَمَيْلِي إِلَى أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ مَا لَمْ يُبَيِّنُوا، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الِانْتِقَالِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ بِأَنَّ فُلَانًا وَارِثٌ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الْإِرْثِ.

الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْعُقُودِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: إِذَا قَالَ الْمُكْرِي: أَكَرَيْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ شَهْرَ كَذَا بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ: اكْتَرَيْتُ جَمِيعَ الدَّارِ بِالْعَشَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا، ثُمَّ يُفْسَخُ الْعَقْدُ أَوْ يَنْفَسِخُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَابِ التَّحَالُفِ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا سَكَنَ فِي الدَّارِ أَوِ الْبَيْتِ، فَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً دُونَ الْآخَرِ، قُضِيَ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَقَوْلَانِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ، لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى زِيَادَةٍ وَهِيَ اكْتِرَاءُ جَمِيعِ الدَّارِ، وَأَظْهَرُهُمَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يَتَعَارَضَانِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيِ التَّعَارُضِ، وَإِنْ قُلْنَا: بِالسُّقُوطِ، تَحَالَفَا، وَإِنْ قُلْنَا: بِالِاسْتِعْمَالِ، جَازَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي الْيَمِينِ مَعَهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: لَا يُقْرَعُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ عِنْدَ تَسَاوِي الْجَانِبَيْنِ، وَلَا تُسَاوِي؛ لِأَنَّ جَانِبَ الْمُكْرِي أَقْوَى لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ وَالْقِسْمَةُ، فَلَا يَجِبَانِ هَكَذَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَنَقَلَ الْمَاسَرْجِسِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ تَجِيءُ الْقِسْمَةُ فِي الْمِلْكِ، وَالْوَقْفِ فِي الْأُجْرَةِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا وَالزِّيَادَةُ فِي جَانِبِ الْمُكْرِي، بِأَنْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ بِعِشْرِينَ،

قَالَ: بَلْ بِعَشَرَةٍ، فَقَوْلُ التَّعَارُضِ بِحَالِهِ، وَعَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ: بَيِّنَةُ الْمُكْرِي رَاجِحَةٌ لِلزِّيَادَةِ.
وَيَطَّرِدُ مَا ذَكَرَهُ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا كَانَ فِي بَيِّنَةِ أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ، وَلَوْ وُجِدَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْجَانِبَيْنِ بِأَنْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ بِعِشْرِينَ، فَقَالَ: بَلْ جَمِيعَ الدَّارِ بِعَشَرَةٍ، فَلِابْنِ سُرَيْجٍ رَأْيَانِ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا: الرُّجُوعُ إِلَى التَّعَارُضِ، وَالثَّانِي: الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَيُجْعَلُ جَمِيعُ مَكْرِيٍّ بِعِشْرِينَ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَالشُّهُودِ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ: هَذَا إِذَا كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، أَوِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، فَإِنِ اخْتَلَفَ بِأَنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا أَنَّ كَذَا مَكْرِيٌّ مِنْ سَنَةٍ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَالْأُخْرَى مَنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ، فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ تُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ السَّابِقَ صَحِيحٌ، وَلَا مُخَالَفَةَ، وَالثَّانِي تُقَدَّمُ الْمُتَأَخِّرَةُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ نَاسِخٌ، وَرُبَّمَا تَخَلَّلَتْ إِقَالَةً، قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَغَيْرُهُ: مَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُجْرَ إِلَّا عَقْدٌ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، تَعَارَضَتَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي يَدِهِ دَارٌ جَاءَ رَجُلَانِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنِّي اشْتَرَيْتُهَا مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ بِكَذَا، وَسَلَّمْتُ الثَّمَنَ، وَطَالَبَهُ بِتَسْلِيمِ الدَّارِ، فَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، سُلِّمَتِ الدَّارُ إِلَيْهِ، وَهَلْ يَحْلِفُ الْآخَرُ؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ: إِنْ قُلْنَا: إِتْلَافُ الْبَائِعِ كَآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَلَا، وَإِنْ قُلْنَا: كَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَأَثْبَتْنَا الْخِيَارَ، فَأَجَازَ، وَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ الْبَائِعِ قِيمَتَهَا، بُنِيَ التَّحْلِيفُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِلثَّانِي بَعْدَ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ هَلْ يُغَرَّمُ فَيَحْلِفُ أَمْ لَا؟ فَلَا وَقَدْ سَبَقَ نَظَائِرُهُ، وَلِلْآخَرِ أَنْ يَدَّعِيَ الثَّمَنَ فَإِنَّهُ كَهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي زَعْمِهِ، وَإِنْ

أَنْكَرَ مَا ادَّعَيَا وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا، وَبَقِيَتِ الدَّارُ فِي يَدِهِ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً، سُلِّمَتِ الدَّارُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ تَحْلِيفُهُ لِتَغْرِيمِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْهَا عَلَيْهِ، إِنَّمَا أُخِذَتْ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَهُ دَعْوَى الثَّمَنِ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتَا مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ مُخْتَلِفٍ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا، وَإِنْ لَمْ تَكُونَا كَذَلِكَ، فَلَهُ حَالَانِ، الْأُولَى أَنْ يَسْتَمِرَّ صَاحِبُ الْيَدِ عَلَى التَّكْذِيبِ، فَيَتَعَارَضَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ سَقَطَتَا، وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَهَلْ لَهُمَا اسْتِرْدَادُ الثَّمَنِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، هَذَا إِذَا لَمْ تَتَعَرَّضِ الْبَيِّنَةُ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ تَعَرَّضَتْ، فَلَا رُجُوعَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ، وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ عُهْدَةُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجِيءُ الْوَقْفُ، وَالْأَصَحُّ مَجِيئُهُ، فَتُنْزَعُ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ وَالثَّمَنَانِ، وَيُوقَفُ الْجَمِيعُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ الدَّارُ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَاسْتَرَدَّ الْآخَرُ الثَّمَنَ الَّذِي أَدَّاهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدَّارِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَلَهُمَا خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ جَمِيعَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَسَخَا اسْتَرَدَّا جَمِيعَ الثَّمَنِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَإِنْ أَجَازَ اسْتَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ الثَّمَنِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِجَازَةَ بِالْقِسْطِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجِيزَ أَحَدُهُمَا، وَيَفْسَخَ الْآخَرُ، وَيَسْتَرِدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ.
ثُمَّ إِنْ سَبَقَتِ الْإِجَازَةُ الْفَسْخَ، رَجَعَ الْمُجِيزُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الْمَرْدُودَ، وَيَضُمَّهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَجَازَ، رَضِيَ بِالنِّصْفِ، وَإِنْ سَبَقَ الْفَسْخُ الْإِجَازَةَ، فَهَلْ لِلْمُجِيزِ أَخْذُ الْجَمِيعِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّا نُفَرِّعُ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ، فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا مَا اقْتَضَتْهُ، وَالْمَرْدُودُ يَعُودُ إِلَى الْبَائِعِ، وَأَصَحُّهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ

بَيِّنَتَهُ قَامَتْ بِالْجَمْعِ، وَقَدْ زَالَ الْمُزَاحِمُ، وَنَقَلَ الرَّبِيعُ قَوْلًا: أَنَّ الْبَيِّعَيْنِ مَفْسُوخَانِ، وَرُوِيَ بَاطِلَانِ، وَهُوَ مَعْنَى مَفْسُوخَانِ هُنَا، وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَامْتَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ جَعْلِهِ قَوْلًا، مِنْهُمْ مَنْ غَلَّظَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ تَخْرِيجٌ لَهُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُصَدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ أَحَدَهُمَا، فَعَلَى قَوْلِ السُّقُوطِ تُسَلَّمُ الدَّارُ لِلْمُصَدَّقِ، وَكَأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ وَلَا بَيِّنَةَ، وَعَلَى قَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُقَدَّمُ الْمُصَدَّقُ، وَكَأَنَّهُ نَقَلَ إِلَيْهِ يَدَهُ، فَصَارَ مَعَهُ يَدٌ وَبَيِّنَةٌ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِاتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى إِسْقَاطِ يَدِهِ، وَانْتِزَاعِ الْمَالِ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْأَقْوَالِ، وَالْيَدُ الْمُزَالَةُ لَا يُرَجَّحُ بِهَا، فَعَلَى هَذَا هُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُصَدَّقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْبَيِّنَتَانِ مُخْتَلِفَتَيِ التَّارِيخِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مُطْلَقَتَيْنِ أَوْ مُتَّحِدَتَيِ التَّارِيخِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، بَلْ صَرَّحُوا بِالتَّسْوِيَةِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا الْفَرَجِ الزَّازَ اسْتَدْرَكَ، فَقَالَ: هَذَا إِذَا لَمْ يُقَدَّمِ الْمُؤَرَّخَةَ عَلَى الْمُطْلَقَةِ، فَإِنْ قَدَّمْنَاهَا قَضَيْنَا لِصَاحِبِهَا وَلَا تَجِيءُ الْأَقْوَالُ.
عَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَاصِمٍ: لَوْ تَعَرَّضَتْ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ، لِكَوْنِ الدَّارِ مِلْكَ الْبَائِعِ وَقْتَ الْبَيْعِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مِلْكَ الْمُشْتَرِي الْآنَ كَانَتْ مُقَدَّمَةً، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا.
وَلَوْ ذَكَرَتْ إِحْدَاهُمَا، نَقْدَ الثَّمَنِ دُونَ الْأُخْرَى كَانَتْ مُقَدَّمَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ سَابِقَةً، أَمْ مَسْبُوقَةً؛ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلنَّقْدِ

يُوجِبُ التَّسْلِيمَ، وَالْأُخْرَى لَا تُوجِبُ لِبَقَاءِ حَقِّ الْحَبْسِ لِلْبَائِعِ، فَلَا تَكْفِي الْمُطَالَبَةُ بِالتَّسْلِيمِ.
فَرْعٌ فِي يَدِهِ دَارٌ جَاءَ اثْنَانِ يَدَّعِيَانِهَا، قَالَ أَحَدُهُمَا: اشْتَرَيْتُهَا مِنْ زَيْدٍ وَهِيَ مِلْكُهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: اشْتَرَيْتُهَا مِنْ عَمْرٍو وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِمَا يَقُولُهُ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، وَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْيَدِ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ فَفِي مَجِيءِ قَوْلِ الْوَقْفِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَيَجِيءُ قَوْلَا الْقُرْعَةِ وَالْقِسْمَةِ وَالتَّفْرِيعِ كَمَا سَبَقَ، إِلَّا أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ إِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا فَسْخَ الْعَقْدِ، وَالْآخَرُ إِجَازَتَهُ لَا يَكُونُ لِلْمُجِيزِ أَخْذُ النِّصْفِ الْآخَرِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْفَسْخُ أَوِ الْإِجَازَةُ إِذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ يَعُودُ إِلَى غَيْرِ مَنْ يَدَّعِي الْمُجِيزُ الشِّرَاءَ مِنْهُ، فَكَيْفَ يَأْخُذُهُ، وَحَيْثُ أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَتَعَرَّضِ الْبَيِّنَةُ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ، وَلَا اعْتَرَفَ بِهِ الْمُدَّعِي، وَإِلَّا فَإِذَا جَرَى الْقَبْضُ، اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ، وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ لَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ عُهْدَتُهُ، وَإِنَّمَا شَرْطُنَا فِي صُورَةِ الْفَرْعِ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: وَهِيَ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ مَنِ ادَّعَى مَالًا فِي يَدِ شَخْصٍ، وَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ فُلَانٍ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَقُولَ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ وَهُوَ مِلْكُهُ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ أَنْ يَقُولَ: وَتَسَلَّمْتُهُ مِنْهُ، أَوْ سَلَّمَهُ إِلَيَّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُسَلِّمُ مَا يَمْلِكُهُ، وَفِي دَعْوَى الشِّرَاءِ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ وَأَنْتَ تَمْلِكُهُ، وَيُكْتَفَى بِأَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ فِي الشَّهَادَةِ: اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، أَوِ اشْتَرَاهُ وَتَسَلَّمَهُ مِنْهُ، أَوْ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ شُهُودًا عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ فُلَانٍ وَآخَرَيْنِ

أَنَّ فُلَانًا كَانَ يَمْلِكُهُ إِلَى أَنْ بَاعَهُ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ شَهِدُوا بِالْمِلْكِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ إِذَا أَقَامَ شُهُودًا بِالشِّرَاءِ وَقْتَ كَذَا، وَآخِرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ.
فَرْعٌ أَقَامَ أَحَدُ الْمُدَّعَيَيْنِ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَى الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ، وَكَانَ يَمْلِكُهَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مُقِيمِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى، حُكِمَ بِبَيِّنَةِ الثَّانِي، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ الْمُقِيمُ الْبَيِّنَةَ: وَأَنْتَ تَمْلِكُهَا، كَمَا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: لِصَاحِبِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ كَمَا أَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَيْهِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: دَارٌ فِي يَدِهِ جَاءَ اثْنَانِ، قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، وَكَانَتْ مِلْكِي بِكَذَا، فَأَدِّ الثَّمَنَ، فَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا، طُولِبَ بِالثَّمَنَيْنِ، وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، طُولِبَ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَا ادَّعَيَاهُ، وَلَا بَيِّنَةَ حَلَفَ لَهُمَا يَمِينَيْنِ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قُضِيَ لَهُ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، نُظِرَ إِنْ أُرِّخَتَا تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ، لِإِمْكَانِ الْجَمِيعِ، وَإِنِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا بِأَنْ أُرِّخَتَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ زَوَالِهَا، تَعَارَضَتَا، لِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ مِلْكًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِهَذَا وَحْدَهُ، وَلِذَاكَ وَحْدَهُ، فَعَلَى قَوْلِ السُّقُوطِ كَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، وَعَلَى الْقُرْعَةِ يُقْرَعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، قُضِيَ لَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلِلْآخَرِ تَحْلِيفُهُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَكَأَنَّ الدَّارَ لَهُمَا وَبَاعَاهُ بِثَمَنَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَفِي مَجِيءِ الْوَقْفِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَالْمَذْهَبُ مَجِيئُهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةٌ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُمَا كَمُخْتَلِفَتَيِ التَّارِيخِ، فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنَانِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا كَمُتَّحِدَتَيِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ

بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْيَقِينُ، وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَابْنُ الْقَطَّانِ، فَعَلَى هَذَا يَعُودُ خِلَافُ التَّعَارُضِ وَفِيهِ طَرِيقٌ ثَانٍ وَهُوَ الْقَطْعُ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: إِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى الْإِقْبَاضِ مَعَ الْبَيْعِ، وَجَبَ الثَّمَنَانِ قَطْعًا، وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَيَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكْمَ كَمَا لَوْ قَامَتَا عَلَى الْبَيِّعَيْنِ، فَيُنْظَرُ أَقَامَتَا عَلَى الْإِقْرَارِ مُطْلَقًا، أَمْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالشِّرَاءِ مِنْ زَيْدٍ فِي وَقْتٍ، وَمِنْ عَمْرٍو كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِبُ الثَّمَنَانِ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارَيْنِ مُطْلَقًا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُمَا إِذَا أُرِّخَتَا تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَلْزَمُهُ الثَّمَنَانِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ الِانْتِقَالُ مِنَ الْمُشْتَرِي إِلَى الْبَائِعِ الثَّانِي، ثُمَّ الْعَقْدُ الثَّانِي، فَإِنْ عَيَّنَ الشُّهُودُ زَمَنًا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبِ الثَّمَنَانِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ بَاعَ فَلَانًا فِي سَاعَةِ كَذَا، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا تِلْكَ الْحَالَةَ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَبِلَ فَلَانًا سَاعَةَ كَذَا، وَآخَرُ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا تِلْكَ الْحَالَةَ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَعْمَلُ شَيْئًا، فَفِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النَّفْيِ فِي الْمَضَايِقِ، وَأَحْوَالِ الضَّرُورَاتِ، فَإِنْ قَبِلْنَاهَا، جَازَ التَّعَارُضُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْصُورَ كَالْإِثْبَاتِ فِي إِمْكَانِ الْإِحَاطَةِ بِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: بِعْتُكَ كَذَا

وَهُوَ مِلْكِي وَهَكَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَقَالَ أَبُو الْفَيَّاضِ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَإِذَا قُلْنَا: بِالْقِسْمَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَقَسَّمَ الثَّمَنَ بِلَا خِيَارٍ لِصَاحِبِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ تَمَامُ الْبَيْعِ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْبَائِعِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَهُ الْخِيَارُ، فَقَدْ يَرْضَى بِمُعَامَلَةِ وَاحِدٍ دُونَ اثْنَيْنِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، ادَّعَى أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهُ بِكَذَا، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ مَا ادَّعَيَاهُ، وَلَا بَيِّنَةَ حَلَفَ لَهُمَا يَمِينَيْنِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ، ثَبَتَ الْعِتْقُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيفُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِتْلَافُ الْبَائِعِ كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ مُتْلَفٌ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، لَكِنْ لَوِ ادَّعَى تَسْلِيمَ الثَّمَنِ، حَلَفَ لَهُ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ، قُضِيَ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ تَحْلِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يُقِرُّ لِأَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ، وَلَا يَحْلِفُ لِلْآخَرِ قَوْلًا وَاحِدًا إِلَّا هَذَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، نُظِرَ إِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا، قُضِيَ بِأَسْبَقِهِمَا، وَإِنِ اتَّحَدَ تَعَارَضَتَا، وَفِيهِمَا الْقَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَفِي مَجِيءُ قَوْلِ الْوَقْفِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ قُضِيَ لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، عَتَقَ نِصْفُ الْعَبْدِ، وَنَصِفُهُ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعْتِقُ النِّصْفُ الْآخَرُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِإِعْتَاقِهِ الْجَمِيعَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ بِمُوجِبِهَا لِزَحْمَةِ مُدَّعِي الشِّرَاءِ وَقَدْ زَالَتْ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ وَإِنْ أَجَازَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا،

فَقَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لَا يَسْرِي؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ قَهْرًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَرِثَ بَعْضَ قَرِيبِهِ، وَأَظْهَرُهُمَا يَسْرِي، لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَعْتَقَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجْرِي قَوْلُ الْقِسْمَةِ هُنَا تَحَرُّزًا مِنْ تَبْغِيضِ الْحُرِّيَّةِ، وَصَرَّحَ الْمُزَنِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَبَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ مُقَدَّمَةٌ وَضَعَّفَ الْأَصْحَابُ هَذَا، وَامْتَنَعُوا مِنْ إِثْبَاتِهِ قَوْلًا قَالُوا: وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي يَدِ نَفْسِهِ لَوْ ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ، وَلَوْ كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، فَهُوَ كَمَا لَوِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: لَا يَجْرِي هُنَا قَوْلُ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُمَا مُمْكِنٌ، بِأَنْ بَاعَهُ صَاحِبُ الْيَدِ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، وَتَصْدِيقُ صَاحِبِ الْيَدِ بَعْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَتَيْنِ لَا يُوجِبُ الرُّجْحَانَ إِلَّا عِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ كَمَا سَبَقَ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي التَّدَاعِي وَالتَّعَارُضِ فِي الْمَوْتِ وَالْإِرْثِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: مَاتَ رَجُلٌ عَنِ اثْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ، فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: مَاتَ عَلَى دِينِي فَأَرِثُهُ، فَلِلْأَبِ حَالَانِ، الْأُولَى أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالتَّنَصُّرِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَاتَ عَلَى مَا كَانَ، فَيُصَدَّقُ النَّصْرَانِيُّ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، نُظِرَ إِنْ أُطْلِقَتَا، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: مَاتَ مُسْلِمًا، وَالْأُخْرَى مَاتَ نَصْرَانِيًّا، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَهُوَ انْتِقَالُهُ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، فُقِدِّمَتِ النَّاقِلَةُ عَلَى الْمُسْتَصْحِبَةِ، كَمَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ

عَلَى التَّعْدِيلِ، وَكَمَا لَوْ مَاتَ عَنِ ابْنٍ وَزَوْجَةٍ، فَقَالَ الِابْنُ: دَارُهُ هَذِهِ مِيرَاثٌ، وَقَالَتْ: أَصْدَقْنِيهَا أَوْ بَاعَنِيهَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَبَيَّنَتُهَا أَوْلَى، وَكَمَا لَوِ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولٍ أَنَّكَ عَبْدِي، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِفُلَانٍ، وَأَعْتَقَهُ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِعِلْمِهَا بِالِانْتِقَالِ مِنَ الرِّقِّ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْمَسَائِلِ، وَإِنْ قَيَّدْنَا بِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ كَلِمَةً، وَأَقَامَ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أَنَّهَا كَانَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً بِأَنَّهَا كَانَتِ النَّصْرَانِيَّةَ، تَعَارَضَتَا، فَعَلَى قَوْلِ السُّقُوطِ يَسْقُطَانِ، وَيَصِيرُ كَأَنْ لَا بَيِّنَةَ، فَيُصَدَّقُ النَّصْرَانِيُّ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَعَلَى الْوَقْفِ يُوقَفُ، وَعَلَى الْقُرْعَةِ يُقْرَعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ، فَلَهُ التَّرِكَةُ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ تُقَسَّمُ، فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَغَيْرِ الْإِرْثِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا تَجِيءُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ حَتْمًا بِالْخَطَأِ يَقِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمُوتُ مُسْلِمًا كَافِرًا، وَفِي غَيْرِ صُورَةِ الْإِرْثِ لَا يَتَحَقَّقُ الْخَطَأُ فِي الْقِسْمَةِ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمُدَّعَى مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَيْسَتِ الْقِسْمَةُ حُكْمًا بِأَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا كَافِرًا، بَلْ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ اقْتَضَتْ كَوْنَ جَمِيعِ الْمَالِ لَهُ، وَمُزَاحَمَتِهَا الْأُخْرَى، فَعَمِلْنَا بِكُلِّ وَاحِدَةٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: وَلَيْسَتِ الْقِسْمَةُ خَطَأً يَقِينًا، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، فَوَرِثَاهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا.
وَلَوْ قُيِّدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ النَّصْرَانِيَّةُ، فَهُوَ كَتَقْيِيدِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْأَبُ مَعْرُوفَ الدِّينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، نُظِرَ إِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِمَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا - وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجَمَاعَتُهُ -: الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا، وَلَا أَثَرَ لِلْيَدِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ كَانَ لِلْمَيِّتِ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا، سَوَاءٌ أَطْلَقْنَا

أَوْ قَيَّدْنَا.
وَيَجِيءُ فِي الْقِسْمَةِ خِلَافُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَيُصَلِّي عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ، وَيَدْفِنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقُولُ: أُصَلِّي عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا.
فَرْعٌ يُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ النَّصْرَانِيِّ أَنْ يُفَسِّرَ كَلِمَةَ التَّنَصُّرِ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ النَّصَارَى، كَقَوْلِهِمْ: (ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) هَلْ يَجِبُ فِي بَيِّنَةِ الْإِسْلَامِ تَفْسِيرُ كَلِمَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَوَهَّمُونَ مَا لَيْسَ بِإِسْلَامٍ إِسْلَامًا؟ وَجْهَانِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، هَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: لَا.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ: فَمَاتَ عَنِ ابْنٍ وَبِنْتٍ، فَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: يُقَسَّمُ مُنَاصَفَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: مُثَالَثَةً، وَالصَّوَابُ: أَنَّهُمَا كَرَجُلَيْنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا جَمِيعَ دَارٍ، وَالْآخَرُ نِصْفَهَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَلِلْآخَرِ رُبُعُهَا.
ثُمَّ الْمَوْتُ عَلَى كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ يُوجِبُ إِرْثَ الِابْنِ الْمُسْلِمِ، لَكِنَّ الْمَوْتَ عَلَى التَّنَصُّرِ لَا يُوجِبُ بِمَجْرَدَهِ إِرْثَ النَّصْرَانِيِّ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ تَنَصَّرَ، وَكَانَ التَّصْوِيرُ فِيمَا إِذَا تَعَرَّضَ الشُّهُودُ لِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ حَتَّى مَاتَ، أَوِ اكْتَفَوْا بِاسْتِصْحَابِ مَا عُرِفَ مِنْ دِينِهِ مَضْمُومًا إِلَى الْمَوْتِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشُّهُودُ.
فَرْعٌ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ وَأَخٍ مُسْلِمَيْنِ وَأَوْلَادٍ كَفَرَةٍ، فَقَالَ الْمُسْلِمَانِ: مَاتَ

مُسْلِمًا، وَقَالَ الْأَوْلَادُ: مَاتَ كَافِرًا، فَإِنْ كَانَ أَصْلُ دِينِهِ الْكُفْرَ، صُدِّقَ الْأَوْلَادُ.
وَإِنْ أَقَامُوا بَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ أَطْلَقْنَا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمَيْنِ، وَإِنْ قَيَّدْنَا فَعَلَى الْخِلَافِ فِي التَّعَارُضِ.
وَيَعُودُ خِلَافُ أَبِي إِسْحَاقَ فِي جَرَيَانِ الْقِسْمَةِ، فَإِذَا رَجَّحْنَا طَائِفَةً، قُسِّمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ، كَمَا يُقَسَّمُ لَوِ انْفَرَدُوا.
وَإِنْ جَعَلْنَا الْمَالَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقِسْمَةِ، فَالنِّصْفُ لِلزَّوْجَةِ وَلِلْأَخِ، وَالنِّصْفُ لِلْأَوْلَادِ، وَفِيمَا تَأْخُذُ الزَّوْجَةُ مِنَ النِّصْفِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: رُبْعُهُ وَكَأَنَّهُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ، وَبِهِ قَطَعَ السَّرَخْسِيُّ.
وَالثَّانِي: نَصِفُهُ، لِيَكُونَ لَهَا رُبُعُ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْأَخَ مُعْتَرِفٌ بِهِ، وَالْأَوْلَادُ لَا يَحْجُبُونَهَا بِاتِّفَاقِهِمَا، وَبِهِ قَطَعُ الْإِمَامُ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَرِفَةٌ أَيْضًا بِاسْتِحْقَاقِ الْأَخِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ التَّرِكَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَاتَ نَصْرَانِيٌّ وَلَهُ ابْنَانِ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِينَا، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَنَا.
وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: قَبْلَهُ، فَلَا تَرِثُهُ، فَلَهُمَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ، إِحْدَاهَا: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَلَا يَتَعَرَّضَا لِتَارِيخِ مَوْتِ الْأَبِ، وَلَا لِتَارِيخِ إِسْلَامِ الْمُسْلِمِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ الْأَبِ كَرَمَضَانَ.
وَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَسْلَمْتُ فِي شَوَّالٍ، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: بَلْ أَسْلَمْتَ فِي شَعْبَانَ، فَفِي الْحَالَتَيْنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِهِ، يَحْلِفُ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمَالِ.
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قُضِيَ بِهَا.
وَإِنْ أَقَامَا

بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي شَعْبَانَ، وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحِبَةٌ لِدِينِهِ فِي شَوَّالٍ، فَمَعَ الْأُولَى زِيَادَةُ عِلْمٍ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَارِيخِ إِسْلَامِ الْمُسْلِمِ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي رَمَضَانَ، وَلَكِنِ ادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ الْأَبَ مَاتَ فِي شَعْبَانَ.
وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَاتَ فِي شَوَّالٍ، صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقِلُ مِنَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْتِ فِي شَعْبَانَ، وَالْأُخْرَى تَسْتَصْحِبُ الْحَيَاةَ إِلَى شَوَّالٍ.
وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُمْ عَايَنُوهُ حَيًّا فِي شَوَّالٍ، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُ كَلِمَةَ التَّنَصُّرِ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ مَثَلًا تَعَارَضَتَا.
فَرْعٌ مَاتَ مُسْلِمٌ وَلَهُ ابْنَانِ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْأَبِ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَسْلَمْتُ أَيْضًا قَبْلَهُ.
وَقَالَ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِسْلَامِهِ: بَلْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَعَلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ أَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْأَبَ مَاتَ فِي رَمَضَانَ.
وَقَالَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ لِحَادِثِ الْإِسْلَامِ: أَسْلَمْتَ فِي شَوَّالٍ.
وَقَالَ الْحَادِثُ: بَلْ أَسْلَمْتُ فِي شَعْبَانَ، صُدِّقَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْحَادِثِ.
وَإِنِ اتَّفَقَا أَنَّ الْحَادِثَ أَسْلَمَ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ: مَاتَ الْأَبُ فِي شَعْبَانَ.
وَقَالَ الْحَادِثُ: بَلْ فِي شَوَّالٍ، فَالْمُصَدَّقُ الْحَادِثُ، وَالْمُقَدَّمُ بَيِّنَةُ قَدِيمِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ نَظَائِرُ الصُّورَةِ الْأُولَى، وَصُورَةُ الْفَرْعِ بِأَنْ مَاتَ الْأَبُ حُرًّا، وَأَحَدُ ابْنَيْهِ حُرًّا بِالِاتِّفَاقِ، وَاخْتَلَفَا هَلْ عَتَقَ الْآخَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَمْ بَعْدَهُ.
وَلَوِ اتَّفَقَا فِي صُورَةِ الْفَرْعِ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا.
وَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ أَزَلْ مُسْلِمًا أَيْضًا، وَنَازَعَهُ الْأَوَّلُ، فَقَالَ: كُنْتَ نَصْرَانِيًّا، وَإِنَّمَا أَسْلَمْتَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الدَّارِ يَشْهَدُ

لَهُ.
وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: لَمْ أَزَلْ مُسْلِمًا، وَكَانَ صَاحِبِي نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، فَوَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَفَّالُ.
أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَحْلِفَانِ، وَيُجْعَلُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْيَدِ يَشْهَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِيمَا يَقُولُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
فَرْعٌ مَاتَ عَنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَقَالَ الْأَبَوَانِ: مَاتَ كَافِرًا، وَقَالَ الِابْنَانِ: مَاتَ مُسْلِمًا، قَالَ ابْنَ سُرَيْجٍ: فِيهِ قَوْلَانِ، أَشْبَهَهُمَا بِقَوْلِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ فِي الِابْتِدَاءِ تَبَعًا لَهُمَا، فَيُسْتَصْحَبُ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُهُ.
وَالثَّانِي: يُوقَفُ الْمَالُ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْأَمْرُ أَوْ يَصْطَلِحَا، وَالتَّبَعِيَّةُ تَزُولُ بِالْبُلُوغِ وَحُصُولِ الِاسْتِقْلَالِ.
وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنَيْنِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الدَّارِ الْإِسْلَامُ.
قُلْتُ: الْوَقْفُ أَرْجَحُ دَلِيلًا، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ، وَأَنْكَرُوا عَلَى صَاحِبِ «التَّنْبِيهِ» تَرْجِيحَهُ قَوْلَ الِابْنَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لَهُ زَوْجَةٌ وَابْنٌ مَاتَا، فَاخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَأَخُو الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الزَّوْجُ: مَاتَتْ أَوَّلًا، فَوَرِثْتُهَا أَنَا وَابْنِي، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ، فَوَرِثْتُهُ.
وَقَالَ الْأَخُ: مَاتَ الِابْنُ أَوَّلًا، فَوَرِثَتْ مِنْهُ أُخْتِي، ثُمَّ مَاتَتْ، فَأَرِثُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَخِ فِي مَالِ أُخْتِهِ، وَقَوْلُ الزَّوْجِ فِي مَالِ ابْنِهِ.
فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا فَهِيَ مِنْ صُوَرِ اسْتِبْهَامِ الْمَوْتِ، فَلَا يُوَرَّثُ مَيِّتٌ مِنْ مَيِّتٍ، بَلْ مَالُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَمَالُهَا لِلزَّوْجِ وَالْأَخِ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ،

تَعَارَضَتَا، وَجَرَتْ أَقْوَالُ التَّعَارُضِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَاخْتَلَفَا فِي أَنَّ الْآخَرَ مَاتَ قَبْلَهُ أَمْ بَعْدَهُ، صُدِّقَ مَنْ قَالَ: بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ الْحَيَاةِ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَنْ قَالَ: قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ.
فَرْعٌ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ وَأَوْلَادٍ فَقَالُوا لَهَا: كُنْتِ أَمَةً، فَعَتَقَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ ذِمِّيَّةً، فَأَسْلَمْتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَتْ: بَلْ عَتَقْتُ وَأَسْلَمْتُ قَبْلَهُ، فَهُمُ الْمُصَدَّقُونَ.
وَإِنْ قَالَتْ: لَمْ أَزَلْ حُرَّةً مَسْلِمَةً، فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا.
وَفِي قَوْلٍ: تُصَدَّقُ فِي الْحُرِّيَّةِ دُونَ الْإِسْلَامِ.
وَخُرِّجَ قَوْلٌ: أَنَّ الْأَوْلَادَ يُصَدَّقُونَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وِرَاثَتِهَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: سَيِّدٌ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ قُتِلْتُ، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَتَنَازَعَ بَعْدَهُ الْعَبْدُ وَالْوَارِثُ، وَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً أَنَّهُ قُتِلَ، وَالْوَارِثُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ بِالْقَتْلِ.
وَالثَّانِي: يَتَعَارَضَانِ، لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، فَيَحْلِفُ الْوَارِثُ، وَيَسْتَمِرُّ الرِّقُّ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَسْمِ عَتَقَ نَصْفُهُ، أَوْ بِالْقُرْعَةِ إِنْ خَرَجَتْ لَهُ، وَرَقَّ إِنْ خَرَجَتْ لِلْوَارِثِ، وَلَا يَخْفَى الْوَقْفُ.
وَإِذَا قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الْقَتْلِ فَلَا قَصَاصَ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يُنْكِرُهُ.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِي رَمَضَانَ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ فِي رَمَضَانَ، وَالْوَارِثُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ فِي شَوَّالٍ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: التَّعَارُضُ، وَأَظْهَرُهُمَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ بِحُدُوثِ الْمَوْتِ فِي رَمَضَانَ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ، وَهِيَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ إِلَى شَوَّالٍ.
وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَطَّرِدَ فِي نَظَائِرِهِ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ.
وَلَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ فِي شَعْبَانَ، فَالْقِيَاسُ مَجِيءُ الْخِلَافِ وَانْعِكَاسُ الْقَوْلِ الثَّانِي

وَقَوْلُ الْمُزَنِيِّ.
وَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ رَمَضَانَ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ مَاتَ فِي شَوَّالٍ، فَهَلْ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَيُجْعَلُ كَمَا لَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَتَانِ مَعًا؟ خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا لَوْ بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ.
فَرْعٌ قَالَ لِسَالِمٍ: إِنْ مِتُّ فِي رَمَضَانَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِغَانِمٍ: إِنْ مِتُّ فِي شَوَّالٍ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً تَقْتَضِي حُرِّيَّتَهُ، فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا لِلتَّعَارُضِ، وَالثَّانِي: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ وَهِيَ حُدُوثُ الْمَوْتِ فِي رَمَضَانَ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَابْنُ سُرَيْجٍ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ غَانِمٍ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعَارُضِ، فَعَلَى السُّقُوطِ يَرِقُّ الْعَبْدَانِ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ نِصْفَهُ، وَلَوْ قَالَ لِسَالِمٍ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي فَأَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ لِغَانِمٍ: إِنْ بَرِئْتُ مِنْهُ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَأَقَامَ سَالِمٌ بَيِّنَةً بِمَوْتِهِ، وَغَانِمٌ بَيِّنَةً بِبُرْئِهِ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ أَمْ غَانِمٍ، أَمْ يَتَعَارَضَانِ؟ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهُمَا: الثَّالِثُ، فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي التَّعَارُضِ.
وَقِيلَ: إِذَا وُجِدَ التَّعَارُضُ فِي مِثْلِ هَذَا غَلَبَتِ الْحُرِّيَّةُ.
قُلْتُ: مَعْنَى تَغْلِيبِهَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِسُقُوطِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

مَنِ ادَّعَى وِرَاثَةَ شَخْصٍ، وَطَلَبَ تَرِكَتَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنْهَا، فَلْيُبَيِّنْ جِهَةَ الْوِرَاثَةِ مِنْ بُنُوَّةٍ أَوْ أُخُوَّةٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِطَلَبِ التَّرِكَةِ ذِكْرُ الْجِهَةِ، بَلْ يُذْكَرُ مَعَهَا الْوِرَاثَةُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَخُوهُ وَوَارِثُهُ، وَإِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِبَاطِنِ حَالِ الْمَيِّتِ أَنَّ هَذَا ابْنُهُ، لَا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، دُفِعَتْ إِلَيْهِ التَّرِكَةُ.
وَإِنْ شَهِدَا لِصَاحِبِ فَرْضٍ دُفِعَ إِلَيْهِ فَرْضُهُ، وَلَا يُطَالَبَانِ بِضَمِينٍ.
وَذَكَرَ الْفُورَانِيُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل