روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْحَجِّ

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لَا يَجِبُ الْحَجُّ بِأَصْلِ الشَّرْعِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَقَدْ يَجِبُ زِيَادَةً لِعَارِضٍ كَالنَّذْرِ أَوِ الْقَضَاءِ، أَوْ لِدُخُولِ مَكَّةَ عَلَى قَوْلٍ.
وَمَنْ حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ إِنَّمَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إِذَا اتَّصَلَ بِهَا الْمَوْتُ.

فَصْلٌ

يَنْقَسِمُ النَّاسُ فِي الْحَجِّ إِلَى مَنْ يَصِحُّ لَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَمَنْ يَقَعُ لَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الصِّحَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَشَرْطُهَا: الْإِسْلَامُ فَقَطْ.
فَلَا يَصِحُّ حَجُّ كَافِرٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّكْلِيفُ.
فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَعَنِ الْمَجْنُونِ.
وَأَمَّا صِحَّةُ الْمُبَاشَرَةِ، فَشَرْطُهَا: الْإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ.
فَلَا تَصِحُّ مُبَاشَرَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَتَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْعَبْدِ.
وَسَيَأْتِي هَذَا كُلُّهُ فِي بَابِ حَجِّ الصَّبِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا وُقُوعُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَهُ شَرْطَانِ زَائِدَانِ: الْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ.
وَلَوْ تَكَلَّفَ الْفَقِيرُ الْحَجَّ وَقَعَ عَنِ الْفَرْضِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَشُرُوطُهُ خَمْسَةٌ: الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ.

فَرْعٌ الِاسْتِطَاعَةُ نَوْعَانِ: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ بِغَيْرِهِ.
فَالْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ: الرَّاحِلَةُ، وَالزَّادُ، وَالطَّرِيقُ، وَالْبَدَنُ، وَإِمْكَانُ السَّيْرِ.
فَالْأَوَّلُ: الرَّاحِلَةُ.
وَالنَّاسُ فِيهَا قِسْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إِلَّا إِذَا وَجَدَ رَاحِلَةً، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ أَمْ لَا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْقَادِرِ الْحَجُّ.
وَهَلِ الْحَجُّ رَاكِبًا أَفْضَلُ أَمْ مَاشِيًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ سَنُوَضِّحُهُمَا فِي كِتَابِ النَّذْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى مُهِمَّاتِ الْعِبَادَةِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. ثُمَّ إِنْ كَانَ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْمِلٍ، وَلَا يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، لَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَقِّهِ إِلَّا وِجْدَانُ الرَّاحِلَةِ، وَإِلَّا فَيُعْتَبَرُ مَعَهَا وِجْدَانُ الْمَحْمِلِ.
قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي رُكُوبِ الْمَحْمِلِ، اعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ الْكَنِيسَةُ.
وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهَا الْمَحْمِلُ وَأَطْلَقُوا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا.
ثُمَّ الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِرُكُوبِ اثْنَيْنِ فِي الْمَحْمِلِ، فَإِذَا وَجَدَ مُؤْنَةَ مَحْمِلٍ، أَوْ شِقِّ مَحْمِلٍ، وَوَجَدَ شَرِيكًا يَرْكَبُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ، لَزِمَهُ الْحَجُّ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الشَّرِيكَ فَلَا يَلْزَمُهُ، سَوَاءٌ وَجَدَ مُؤْنَةَ الْمَحْمِلِ أَوِ الشِّقِّ، كَذَا قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ وَكَانَ لَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي لُزُومِ أُجْرَةِ الْبَذْرَقَةِ.
وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ.
فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ لَزِمَهُ الْحَجُّ، وَلَا تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يَقْوَى لِلْمَشْيِ، أَوْ يَنَالُهُ بِهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ، اشْتُرِطَتِ الرَّاحِلَةُ وَالْمَحْمِلُ أَيْضًا إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّكُوبُ بِدُونِهِ.
وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ الْقَرِيبَ كَالْبَعِيدِ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالزَّحْفِ بِحَالٍ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ.
قُلْتُ: وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَجْهًا ضَعِيفًا عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْقَطَّانِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَبْوُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَحَيْثُ اعْتَبَرْنَا وُجُودَ الرَّاحِلَةِ وَالْمَحْمِلِ فَالْمُرَادُ أَنْ يَمْلِكَهُمَا أَوْ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَمَلُّكِهِمَا أَوِ اسْتِئْجَارِهِمَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يَصْرِفُهُ فِيهِمَا مِنَ الْمَالِ فَاضِلًا عَمَّا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ فَاضِلًا عَنْهُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْأَمْرُ الثَّانِي: الزَّادُ.
فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَأَوْعِيَتَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي السَّفَرِ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ، أَوْ عَشِيرَةٌ، اشْتُرِطَ ذَلِكَ لِذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ لِلرُّجُوعِ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي اشْتِرَاطِ الرَّاحِلَةِ لِلرُّجُوعِ، وَهَلْ يُخَصُّ الْوَجْهَانِ بِمَا إِذَا لَمْ يَمْلِكْ بِبَلَدِهِ مَسْكَنًا، أَمْ لَا؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ: التَّخْصِيصُ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلرُّجُوعِ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ عَشِيرَةٌ وَأَهْلٌ.
وَهَذَا شَاذٌّ مُنْكَرٌ، وَلَيْسَ الْمَعَارِفُ وَالْأَصْدِقَاءُ كَالْعَشِيرَةِ، لِأَنَّ الِاسْتِبْدَالَ بِهِمْ مُتَيَسِّرٌ.

فَرْعٌ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَتُهُمْ، وَكُسْوَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ.
وَفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِهِمَا فَاضِلَيْنِ عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ، لِزَمَانَتِهِ أَوْ مَنْصِبِهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: يُشْتَرَطُ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَكَدِسْتِ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ نَقْدٌ جَازَ صَرْفُهُ إِلَيْهِمَا.
وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَتِ الدَّارُ مُسْتَغْرِقَةً بِحَاجَتِهِ، وَكَانَتْ سُكْنَى مِثْلِهِ، وَالْعَبْدُ عَبْدٌ مِثْلُهُ.
فَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ بَيْعُ بَعْضِ الدَّارِ وَوَفَّى ثَمَنُهُ بِمُؤْنَةِ الْحَجِّ، أَوْ كَانَا نَفِيسَيْنِ لَا يَلِيقَانِ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ أَبْدَلَهُمَا لَوَفَّى التَّفَاوُتُ بِمُؤْنَةِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.
هَكَذَا أَطْلَقُوهُ هُنَا.
لَكِنْ فِي بَيْعِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ النَّفِيسَيْنِ الْمَأْلُوفَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ جَرَيَانِهِمَا هُنَا.
قُلْتُ: لَيْسَ جَرَيَانُهُمَا بِلَازِمٍ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ لِلْكَفَّارَةِ بَدَلًا؛ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ الْخَادِمِ وَالْمَسْكَنِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا هُنَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ لَوْ كَانَ لَهُ رَأْسُ مَالٍ يَتَّجِرُ فِيهِ وَيُنْفِقُ مِنْ رِبْحِهِ وَلَوْ نَقَصَ بَطَلَتْ تِجَارَتُهُ، أَوْ كَانَتْ لَهُ مُسْتَغَلَّاتٌ يُحَصِّلُ مِنْهَا نَفَقَتَهُ، فَهَلْ يُكَلَّفُ بَيْعَهَا؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: يُكَلَّفُ، كَمَا يُكَلَّفُ بَيْعَهَا فِي الدَّيْنِ، وَيُخَالِفُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا فِي الْحَالِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ يَتَّخِذُهُ ذَخِيرَةً.

فَرْعٌ لَوْ مَلَكَ فَاضِلًا عَنِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ، وَاحْتَاجَ إِلَى النِّكَاحِ لِخَوْفِهِ الْعَنَتَ، فَصَرْفُ الْمَالِ إِلَى النِّكَاحِ أَهَمُّ مِنْ صَرْفِهِ إِلَى الْحَجِّ.
هَذِهِ عِبَارَةُ الْجُمْهُورِ.
وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ حَاجَةَ النِّكَاحِ نَاجِزَةٌ، وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي.
وَالسَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَيَصْرِفُ مَا مَعَهُ فِي النِّكَاحِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِهَذَا، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ أَرَادَ التَّزَوُّجَ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِوُجُوبِهِ عَلَى التَّرَاخِي.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَخَفِ الْعَنَتَ، فَتَقْدِيمُ الْحَجِّ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي شَرْحِ «الْمُهَذَّبِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَصْرِفُهُ إِلَى الزَّادِ، لَكِنَّهُ كَسُوبٌ يَكْسِبُ مَا يَكْفِيهِ، وَوَجَدَ نَفَقَةَ أَهْلِهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ تَعْوِيلًا عَلَى الْكَسْبِ؟ حَكَى الْإِمَامُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا، وَلَا يَكْسِبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَّا كِفَايَةَ يَوْمِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنِ الْكَسْبِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ.
وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا، وَيَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَسْبِ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ لَا تُجْعَلُ كَمِلْكِ الصَّاعِ.

فَرْعٌ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ مَعَ مَا ذَكَرْنَا فَاضِلًا عَنْ قَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ، مُؤَجَّلًا كَانَ أَمْ حَالًّا.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَجَلُ بِحَيْثُ يَنْقَضِي بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَجِّ لَزِمَهُ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ كَانَ مَالُهُ دَيْنًا يَتَيَسَّرُ تَحْصِيلُهُ فِي الْحَالِ، بِأَنْ كَانَ حَالًّا عَلَى مَلِئِ مُقِرٍّ، أَوْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَهُوَ كَالْحَاصِلِ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ بِأَنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ جَاحِدٍ لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ، فَكَالْمَعْدُومِ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الطَّرِيقُ.
فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمْنُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: النَّفْسُ، وَالْبِضْعُ، وَالْمَالُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ الْأَمْنُ الْمَطْلُوبُ قَطْعِيًّا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ الْغَالِبُ فِي الْحَضَرِ بَلِ الْأَمْنُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ.
فَأَحَدُ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، النَّفْسُ.
فَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ، أَوْ عَدُوٍّ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ، إِنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آخَرَ آمِنًا.
فَإِنْ وَجَدَهُ لَزِمَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلَ مَسَافَةِ طَرِيقِهِ أَوْ أَبْعَدَ، إِذَا وَجَدَ مَا يَقْطَعُهُ بِهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ.
وَلَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ بَحْرٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَرِّ طَرِيقٌ أَيْضًا، لَزِمَهُ الْحَجُّ قَطْعًا، وَإِلَّا فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكَ إِمَّا لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْبَحْرِ، وَإِمَّا لِهَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ لَمْ يَجِبْ.
وَإِنْ غَلَبَتِ السَّلَامَةُ وَجَبَ.
وَإِنِ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَقِيلَ: يَجِبُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ رُكُوبَهُ وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ اسْتُحِبَّ عَلَى الْأَصَحِّ

إِنْ غَلَبَتِ السَّلَامَةُ.
وَإِنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ حَرُمَ.
وَإِنِ اسْتَوَيَا، فَفِي التَّحْرِيمِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ تَوَسَّطَ الْبَحْرَ وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ رُكُوبُهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّمَادِي أَمْ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ؟ نُظِرَ إِنْ كَانَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَكْثَرَ، فَلَهُ الرُّجُوعُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَزِمَهُ التَّمَادِي قَطْعًا.
وَإِنِ اسْتَوَيَا، فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ التَّمَادِي.
وَالْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ لَهُ فِي الرُّجُوعِ طَرِيقٌ غَيْرُ الْبَحْرِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَهُ الرُّجُوعُ قَطْعًا؛ لِئَلَّا يَتَحَمَّلَ زِيَادَةَ الْأَخْطَارِ.
هَذَا كُلُّهُ فِي الرَّجُلِ.
فَأَمَّا الْمَرْأَةُ، فَفِيهَا خِلَافٌ مُرَتَّبٌ وَأَوْلَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لِضَعْفِهَا عَنِ احْتِمَالِ الْأَهْوَالِ، وَلِكَوْنِهَا عَوْرَةً مُعَرَّضَةً لِلِانْكِشَافِ وَغَيْرِهِ لِضِيقِ الْمَكَانِ.
فَإِنْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهَا، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهَا.
وَقِيلَ بِطَرْدِ الْخِلَافِ.
وَلَيْسَتِ الْأَنْهَارُ الْعَظِيمَةُ كَجَيْحُونَ فِي حُكْمِ الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ فِيهَا لَا يَطُولُ، وَالْخَطَرَ فِيهَا لَا يَعْظُمُ.
وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: أَنَّهَا كَالْبَحْرِ.
وَأَمَّا الْبِضْعُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَجُّ حَتَّى تَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهَا بِزَوْجٍ، أَوْ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ أَوْ بِغَيْرِ نَسَبٍ، أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعَ إِحْدَاهُنَّ مَحْرَمٌ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الْأَطْمَاعَ تَنْقَطِعُ بِجَمَاعَتِهِنَّ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْحَجُّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَلْزَمُهَا إِذَا وَجَدَتِ امْرَأَةً وَاحِدَةً.
وَفِي قَوْلٍ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَنْ تَخْرُجَ وَحْدَهَا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مَسْلُوكًا، كَمَا يَلْزَمُهَا الْخُرُوجُ إِذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهَا.
وَجَوَابُ الْمَذْهَبِ عَنْ هَذَا أَنَّ الْخَوْفَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَكْثَرُ مِنَ الطَّرِيقِ.
هَذَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ، وَهَلْ لَهَا الْخُرُوجُ إِلَى سَائِرِ الْأَسْفَارِ مَعَ النِّسَاءِ الْخُلَّصِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: لَا يَجُوزُ.
أَمَّا الْمَالُ، فَلَوْ خَافَ عَلَى مَالِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ رَصَدِيٍّ، لَمْ يَجِبِ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ الرَّصَدِيُّ يَرْضَى بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ الطَّرِيقُ، وَسَوَاءٌ

كَانَ الَّذِي يَخَافُهُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا.
لَكِنْ إِذَا كَانُوا كُفَّارًا وَأَطَاقُوا مُقَاوَمَتَهُمْ، يُسْتَحَبُّ لَهُمُ الْخُرُوجُ لِلْحَجِّ، وَيُقَاتِلُونَهُمْ لِيَنَالُوا الْحَجَّ وَالْجِهَادَ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ وَالْقِتَالُ.
وَيُكْرَهُ بَذْلُ الْمَالِ لِلرَّصْدِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْرِصُونَ عَلَى التَّعَرُّضِ لِلنَّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَلَوْ بَعَثُوا بِأَمَانِ الْحَجِيجِ، وَكَانَ أَمَانُهُمْ مَوْثُوقًا، أَوْ ضُمِنَ لَهُمْ مَا يَطْلُبُونَهُ، وَأَمِنَ الْحَجِيجُ لَزِمَهُمُ الْحَجُّ.
وَلَوْ وَجَدُوا مَنْ يَخْفُرُهُمْ بِأُجْرَةٍ وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَمْنُهُمْ بِهِ فَفِي لُزُومِ اسْتِئْجَارِهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ: أَصَحُّهُمَا: لُزُومُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُهَبِ الطَّرِيقِ كَالرَّاحِلَةِ.
وَلَوِ امْتَنَعَ مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهَا إِلَّا بِأُجْرَةٍ، قَالَ الْإِمَامُ: فَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَى أُجْرَةِ الْخَفِيرِ، وَاللُّزُومُ فِي الْمَحْرِمِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْأُجْرَةِ مَعْنِيٌّ فِي الْمَرْأَةِ، فَأَشْبَهَ مُؤْنَةَ الْمَحْمِلِ فِي حَقِّ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ.
فَرْعٌ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ وُجُودُ الزَّادِ وَالْمَاءِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِحَمْلِ الزَّادِ وَالْمَاءِ مِنْهَا.
فَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ جَدْبٍ، وَخَلَا بَعْضُ تِلْكَ الْمَنَازِلِ مِنْ أَهْلِهَا، أَوِ انْقَطَعَتِ الْمِيَاهُ، لَمْ يَجِبِ الْحَجُّ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ يَجِدُ فِيهَا الزَّادَ وَالْمَاءَ، لَكِنْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.
وَإِنْ وَجَدَهُمَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَزِمَ التَّحْصِيلُ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْأَسْعَارُ رَخِيصَةً أَوْ غَالِيَةً إِذَا وَفَّى مَالُهُ بِهِ.
وَيَجِبُ حَمْلُهَا بِقَدْرِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا، كَحَمْلِ الزَّادِ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَحَمْلِ الْمَاءِ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ، وَوُجِدَ آلَاتُ الْحَمْلِ.
أَمَّا عَلَفُ الدَّابَّةِ، فَيُشْتَرَطُ وَجُودُهُ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَعْظُمُ بِحَمْلِهِ لِكَثْرَتِهِ.
ذَكَرَهُ صَاحِبَا «التَّهْذِيبِ» وَ «التَّتِمَّةِ» وَغَيْرُهُمَا.
قُلْتُ: إِذَا ظَنَّ كَوْنَ الطَّرِيقَ فِيهِ مَانِعٌ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ عَدَمِ مَاءٍ، أَوْ عَلَفٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَتَرَكَ الْحَجَّ، ثُمَّ بَانَ أَنْ لَا مَانِعَ، فَقَدْ لَزِمَهُ الْحَجُّ.
صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ.

وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَ الْمَانِعِ وَلَا عَدَمَهُ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: إِنْ كَانَ هُنَاكَ أَصْلٌ عَمِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا وَجَبَ الْحَجُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَجِدَ رُفْقَةً يَخْرُجُ مَعَهُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِالْخُرُوجِ فِيهِ.
فَإِنْ خَرَجُوا قَبْلَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ مَعَهُمْ.
وَإِنْ أَخَّرُوا الْخُرُوجَ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُونَ إِلَّا بِأَنْ يَقْطَعُوا فِي كُلِّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا.
فَإِنْ كَانَتِ الطَّرِيقُ بِحَيْثُ لَا يَخَافُ الْوَاحِدُ فِيهَا، لَزِمَهُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الرُّفْقَةِ.
الْأَمْرُ الرَّابِعُ: الْبَدَنُ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ لِاسْتِطَاعَةِ الْمُبَاشَرَةِ قُوَّةٌ يَسْتَمْسِكُ بِهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ.
وَالْمُرَادُ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، فَإِنْ وَجَدَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ مُسْتَطِيعًا.
وَالْأَعْمَى إِذَا وَجَدَ مَعَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ قَائِدًا لَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ.
وَالْقَائِدُ لَهُ كَالْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ.
وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِ، بَلْ يَصْحَبُهُ الْوَلِيُّ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُنَصِّبَ قَيِّمًا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ.
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : وَإِذَا شَرَعَ السَّفِيهُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ، أَوْ حَجٍّ نَذَرَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ بِغَيْرِ إِذَنِ الْوَلِيِّ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ تَحْلِيلُهُ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ إِلَى فَرَاغِهِ.
وَلَوْ شَرَعَ فِي حَجِّ تَطَوُّعٍ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ.
وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ بَعْدَ الْحَجْرِ، فَلِلْوَلِيِّ تَحْلِيلُهُ إِنْ كَانَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْحَجِّ يَزِيدُ عَلَى نَفَقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ.
فَإِنْ لَمْ يَزِدْ، أَوْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ يَفِي مَعَ قَدْرِ النَّفَقَةِ الْمَعْهُودَةِ وَجَبَ إِتْمَامُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ تَحْلِيلُهُ.

الْأَمْرُ الْخَامِسُ: إِمْكَانُ السَّيْرِ وَهُوَ أَنْ يَبْقَى مِنَ الزَّمَانِ عِنْدَ وُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، مَا يُمْكِنُ السَّيْرُ فِيهِ إِلَى الْحَجِّ السَّيْرَ الْمَعْهُودَ.
فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقْطَعَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ.
وَهَذَا الْأَمْرُ شَرَطَهُ الْأَئِمَّةُ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ، وَقَدْ أَهْمَلَهُ الْغَزَالِيُّ.
قُلْتُ: أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ عَلَى الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - اعْتِرَاضَهُ عَلَى الْغَزَالِيِّ، وَجَعْلَهُ إِمْكَانَ السَّيْرِ رُكْنًا لِوُجُوبِ الْحَجِّ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ شَرْطُ اسْتِقْرَارِ الْحَجِّ فِي ذِمَّتِهِ، لِيَجِبَ قَضَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ، وَلَيْسَ شَرْطًا لَأَصْلِ وُجُوبِ الْحَجِّ.
بَلْ مَتَى وُجِدَتِ الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ حُرٍّ، لَزِمَهُ الْحَجُّ فِي الْحَالِ، كَالصَّلَاةِ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُهَا.
ثُمَّ اسْتِقْرَارُهَا فِي الذِّمَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ الزَّمَانِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهِمَا.
وَالصَّوَابُ: مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ كَمَا نُقِلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آلِ عِمْرَانَ: 97] وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ.
وَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَطِيعًا وَهُوَ عَاجِزٌ حِسًّا؟ ! وَأَمَّا الصَّلَاةُ، فَإِنَّمَا تَجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِإِمْكَانِ تَتْمِيمِهَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

النَّوْعُ الثَّانِي: الِاسْتِطَاعَةُ بِغَيْرِهِ.
يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الشَّخْصِ غَيْرُهُ، إِذَا عَجَزَ عَنِ الْحَجِّ، بِمَوْتٍ، أَوْ كَسْرٍ، أَوْ زَمَانَةٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، أَوْ كَانَ كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَصْلًا، أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ.
فَمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ، إِذَا أَمْكَنَهُ الثُّبُوتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، لَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا لِمَنْ لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِمَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ.
وَكَذَا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ثُمَّ جُنَّ، لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَسْتَنِيبَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفِيقُ فَيَحُجُّ

بِنَفْسِهِ.
فَلَوِ اسْتَنَابَ عَنْهُ فَمَاتَ قَبْلَ الْإِفَاقَةِ، فَفِي إِجْزَائِهِ الْقَوْلَانِ فِي اسْتِنَابَةِ الْمَرِيضِ الَّذِي يُرْجَى بُرْؤُهُ إِذَا مَاتَ.
هَذَا كُلُّهُ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ.
أَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ عَنِ الْقَادِرِ قَطْعًا.
وَفِي اسْتِنَابَةِ الْمَعْضُوبِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْوَارِثِ عَنِ الْمَيِّتِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَيِّتُ حَجَّ، وَلَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ فَفِي جَوَازِ الْإِحْجَاجِ عَنْهُ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ.
لِوُقُوعِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَ لِلتَّطَوُّعِ وَجَوَّزْنَاهُ فَلِلْأَجِيرِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ عَبْدًا، أَوْ صَبِيًّا، بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا.
وَفِي الْمَنْذُورَةِ، الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ، فِي أَنَّهُ يَسْلُكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ الْوَاجِبَاتِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ الِاسْتِئْجَارَ لِلتَّطَوُّعِ وَقَعَ الْحَجُّ عَنِ الْأَجِيرِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُسَمَّى.
وَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: يَسْتَحِقُّ.
قُلْتُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: هَذَا الْخِلَافُ إِذَا جَهِلَ الْأَجِيرُ فَسَادَ الْإِجَارَةِ.
فَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ: وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْمَعْضُوبِ، فَإِنْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِحَجَّةِ تَطَوُّعٍ، وَقُلْنَا: لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَحَجَّ الْأَجِيرُ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ، لَا عَلَى الْوَصِيِّ وَلَا عَلَى الْوَارِثِ، وَلَا فِي التَّرِكَةِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ مَنْ بِهِ عِلَّةٌ يُرْجَى زَوَالُهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.
فَإِنِ اسْتَنَابَ فَحَجَّ النَّائِبُ فَشُفِيَ لَمْ يُجْزِئْهُ قَطْعًا.
وَإِنْ مَاتَ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، فَأُحِجَّ عَنْهُ ثُمَّ شُفِيَ، فَطَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ

الْقَوْلَيْنِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ.
فَإِنْ قُلْنَا فِي الصُّورَتَيْنِ: يُجْزِئُهُ، اسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ، وَإِلَّا فَهَلْ يَقَعُ عَنْ تَطَوُّعِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا فِي جَوَازِ وُقُوعِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الْفَرْضِ، كَالرِّقِّ، وَالصِّبَا، أَمْ لَا يَقَعُ عَنْهُ أَصْلًا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الثَّانِي، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ الْأَوَّلَ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَقَعُ عَنْهُ أَصْلًا، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ أُجْرَةً؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا.
وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ لَهُ فِي اعْتِقَادِهِ فَعَلَى هَذَا، هَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى، أَمْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ؟ وَجْهَانِ.
وَإِذَا قُلْنَا: يَقَعُ عَنْ تَطَوُّعِهِ اسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ الْأُجْرَةَ.
وَهَلْ هِيَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَمِ الْمُسَمَّاةُ؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ هُنَا: الْمُسَمَّى.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ لَا يُجْزِئُ الْحَجُّ عَنِ الْمَعْضُوبِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، بِخِلَافِ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْإِذْنِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَيَجُوزُ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَيَجِبُ عِنْدَ اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ، أَمْ لَا.
وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَارِثُ وَالْأَجْنَبِيُّ كَالدَّيْنِ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْمَعْضُوبُ، فَتَلْزَمُهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْجُمْلَةِ، سَوَاءٌ طَرَأَ الْعَضَبُ بَعْدَ الْوُجُوبِ أَوْ بَلَغَ مَعْضُوبًا وَاجِدًا لِلْمَالِ.
ثُمَّ لِوُجُوبِ الِاسْتِنَابَةِ عَلَيْهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجِدَ مَالًا يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.
وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنِ الْحَاجَاتِ

الْمَذْكُورَةِ فِيمَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّا اعْتَبَرْنَا هُنَاكَ، أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ إِلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلَى الرُّجُوعِ.
وَهُنَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ يَوْمَ الِاسْتِئْجَارِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَجِيرِ مِنَ الْحَجِّ.
وَهَلْ تُعْتَبَرُ مُدَّةُ الذَّهَابَ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، كَمَا فِي الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُفَارِقْ أَهْلَهُ، أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ نَفَقَتِهِمْ.
ثُمَّ إِنْ وَفَّى مَا يَجِدُهُ بِأُجْرَةِ رَاكِبٍ، فَذَاكَ.
وَإِنْ لَمْ يَفِ إِلَّا بِأُجْرَةِ مَاشٍ، فَفِي وُجُوبِ الِاسْتِئْجَارِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ، إِذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مَشْيِ الْأَجِيرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَجَّ بِنَفْسِهِ.
وَلَوْ طَلَبَ الْأَجِيرُ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، لَمْ يَجِبِ الِاسْتِئْجَارُ، وَلَوْ رَضِيَ بِأَقَلَّ مِنْهَا وَجَبَ.
وَلَوِ امْتَنَعَ مِنَ الِاسْتِئْجَارِ، فَهَلْ يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ الْحَاكِمُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَجِدَ الْمَالَ، لَكِنْ يَجِدُ مَنْ يُحَصِّلُ لَهُ الْحَجَّ، وَفِيهِ صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يَبْذُلَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِيَسْتَأْجِرَ لَهُ، فَفِي لُزُومِ قَبُولِهِ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ: لَا يَلْزَمُ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبْذُلَ وَاحِدٌ مِنْ بَنِيهِ أَوْ بَنَاتِهِ أَوْ أَوْلَادِهِمُ الطَّاعَةَ فِي الْحَجِّ، فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَالْحَجُّ قَطْعًا، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُطِيعُ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَوْثُوقًا بِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعْضُوبًا.
قُلْتُ: وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ فِي «الْأَمَالِي» وَجْهًا وَاهِيًا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ تَوَسَّمَ أَثَرَ الطَّاعَةِ [فِيهِ] ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ؟ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: يَلْزَمُهُ، لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ.
وَلَوْ بَذَلَ الْمُطِيعُ الطَّاعَةَ، فَلَمْ يَأْذَنِ الْمُطَاعُ، فَهَلْ يَنُوبُ الْحَاكِمُ عَنْهُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي

، وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الشَّرَائِطُ، فَمَاتَ الْمُطِيعُ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَإِنْ مَضَى وَقْتُ إِمْكَانِ الْحَجِّ، اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُطِيعُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِطَاعَتِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَوْرُوثٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ.
وَشَبَّهَهُ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» بِمَنْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ، لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَشَبَّهَهُ صَاحِبُ «الْمُعْتَمَدِ» بِالْمَالِ الضَّالِّ فِي الزَّكَاةِ.
وَالْمَذْهَبُ: وَجُوبُهَا فِيهِ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: لَا يَجِبُ الْحَجُّ بِحَالٍ، فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا اسْتِطَاعَةَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَالِ وَالطَّاعَةِ.
وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: وَإِذَا كَانَ رُجُوعُهُ الْجَائِزُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ أَهْلُ بَلَدِهِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَبِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ «الرَّهْنِ» هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَسَائِلِ بَيْعِ الْعَدْلِ الرَّهْنَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبْذُلَ الْأَجْنَبِيُّ الطَّاعَةَ، فَيَلْزَمُ قَبُولُهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْأَخُ كَالْأَجْنَبِيِّ قَطْعًا؛ لِأَنَّ اسْتِخْدَامَهُ يَثْقُلُ.
وَكَذَا الْأَبُ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَحُكِيَ فِي بَعْضِ التَّعَالِيقِ وَجْهٌ: أَنَّهُ كَالِابْنِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي النَّفَقَةِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَبْذُلَ الْوَلَدُ الْمَالَ، فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِعِظَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ.
وَبَذْلُ الْأَبِ الْمَالَ كَبَذْلِ الِابْنِ، أَوْ كَبَذْلِ الْأَجْنَبِيِّ، فِيهِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الْإِمَامُ، أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ جَمِيعُ الْمَذْكُورِ فِي بَذْلِ الطَّاعَةِ، هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَاذِلُ رَاكِبًا.
فَلَوْ بَذَلَ الِابْنُ الطَّاعَةَ لِيَحُجَّ مَاشِيًا، فَفِي لُزُومِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: هُمَا مُرَتَّبَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي لُزُومِ اسْتِئْجَارِ الْمَاشِي، وَهُنَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ

مَشْيُ وَلَدِهِ.
وَفِي مَعْنَاهُ الْوَالِدُ إِذَا أَطَاعَ وَأَوْجَبْنَا قَبُولَهُ.
وَلَا يَجِئُ التَّرْتِيبُ إِذَا كَانَ الْمُطِيعُ الْأَجْنَبِيَّ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَبُولُ إِذَا كَانَ الْوَلَدُ، أَوِ الْوَالِدُ مَاشِيًا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقَبُولَ وَالْمُطِيعُ مَاشٍ، فَهُوَ فِيمَا إِذَا مَلَكَ الزَّادَ.
فَإِنْ عَوَّلَ عَلَى الْكَسْبِ فِي الطَّرِيقِ، فَفِي وُجُوبِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ قَدْ يَنْقَطِعُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا، وَعَوَّلَ عَلَى السُّؤَالِ، فَأَوْلَى بِالْمَنْعِ.
فَإِنْ كَانَ يَرْكَبُ مَفَازَةً لَيْسَ بِهَا كَسْبٌ وَلَا سُؤَالٌ، لَمْ يَجِبِ الْقَبُولُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ التَّغْرِيرُ بِالنَّفْسِ.
قُلْتُ: إِذَا أَفْسَدَ الْبَاذِلُ حَجَّهُ، انْقَلَبَ إِلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَجِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَلَوْ بَذَلَ لِأَبَوَيْهِ فَقَبِلَا لَزِمَهُ وَيَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، قَالَ: وَإِذَا قَبِلَ الْأَبُ الْبَذْلَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ.
وَإِذَا كَانَ عَلَى الْمَعْضُوبِ حَجَّةُ نَذْرٍ، فَهِيَ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

[فِي الْعُمْرَةِ] فِي الْعُمْرَةِ قَوْلَانِ، الْأَظْهَرُ الْجَدِيدُ: أَنَّهَا فَرْضٌ كَالْحَجِّ.
وَالْقَدِيمُ: سُنَّةٌ.
وَإِذَا أَوْجَبْنَاهَا، فَهِيَ فِي شَرْطِ مُطَلَقِ الصِّحَّةِ.
وَصِحَّةُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْوُجُوبِ وَالْإِجْزَاءِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَجِّ، وَالِاسْتِطَاعَةُ الْوَاحِدَةُ كَافِيَةٌ لَهُمَا جَمِيعًا.

فَصْلٌ

فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْحَجِّ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، لِدُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِ كَالزَّكَاةِ.
وَيَجُوزُ بِالرِّزْقِ، كَمَا يَجُوزُ بِالْإِجَارَةِ.
وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: حُجَّ عَنِّي وَأُعْطِيكَ نَفَقَتَكَ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ بِالنَّفَقَةِ، لَمْ تَصِحَّ، لِجَهَالَتِهَا.
فَرْعٌ الِاسْتِئْجَارُ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ ضَرْبَانِ.
اسْتِئْجَارُ عَيْنِ الشَّخْصِ، وَإِلْزَامُ ذِمَّتِهِ الْعَمَلَ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَجِّ، أَنْ يَقُولَ الْمَعْضُوبُ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنِّي، أَوْ يَقُولَ الْوَارِثُ: لِتَحُجَّ عَنْ مَيِّتِي.
وَلَوْ قَالَ: لِتَحُجَّ بِنَفْسِكَ، كَانَ تَأْكِيدًا.
وَمِثَالُ الثَّانِي: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ تَحْصِيلَ الْحَجِّ.
وَيَفْتَرِقُ الضَّرْبَانِ، فِي أُمُورٍ سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ تَعَالَى.
ثُمَّ لِصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ شُرُوطٌ.
وَلَهُ آثَارٌ وَأَحْكَامٌ، مَوْضِعُهَا كِتَابُ الْإِجَارَةِ وَالَّذِي نَذْكُرُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ الْحَجِّ.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ضَرْبَيِ الْإِجَارَةِ، قَدْ يُعَيَّنُ فِيهِ زَمَنُ الْعَمَلِ، وَقَدْ لَا يُعَيَّنُ.
وَإِذَا عُيِّنَ، فَقَدْ يُعَيَّنُ السَّنَةُ الْأُولَى، وَقَدْ يُعَيَّنُ غَيْرُهَا، فَأَمَّا فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ، فَإِنْ عَيَّنَا السَّنَةَ الْأُولَى، جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ وَالْحَجُّ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا مَقْدُورًا لِلْأَجِيرِ.
فَلَوْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ، أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مُخَوِّفًا، أَوْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ بِحَيْثُ لَا تَنْقَطِعُ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، لِلْعَجْزِ عَنِ الْمَنْفَعَةِ.
وَإِنْ عَيَّنَا غَيْرَ السَّنَةِ الْأُولَى

لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ - كَاسْتِئْجَارِ الدَّارِ لِلشَّهْرِ الْمُسْقَبَلِ - لَكِنْ لَوْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ بَعِيدَةً لَا يُمْكِنُ قَطْعُهَا فِي سَنَةٍ، لَمْ يَضُرَّ التَّأْخِيرُ.
وَالْمُعْتَبَرُ السَّنَةُ الْأُولَى مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ.
وَإِنْ أَطْلَقَا وَلَمْ يُعَيِّنَا زَمَنًا حُمِلَ عَلَى السَّنَةِ الْأُولَى.
فَيُعْتَبَرُ فِيهَا مَا سَبَقَ.
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ فِيهَا تَعْيِينُ السَّنَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا.
فَإِنْ أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى الْأُولَى، وَلَا يَقْدَحُ فِيهَا مَرَضُ الْأَجِيرِ لِإِمْكَانِ الِاسْتِنَابَةِ، وَلَا خَوْفُ الطَّرِيقِ، وَلَا ضِيقُ الْوَقْتِ، إِنْ عُيِّنَ غَيْرُ السَّنَةِ الْأُولَى.
وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ بِحَالٍ.
وَأَمَّا إِجَارَةُ الذِّمَّةِ فَفِي «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ إِنْ قَالَ: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ تَحْصِيلَ حَجَّةٍ لِي، جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ، وَإِنْ قَالَ: لِتَحُجَّ بِنَفْسِكَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَعْيَانِ الْأُجَرَاءِ.
وَهَذَا قَدْ حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ وَخَطَّأَهُ فِيهِ، وَقَالَ بِبُطْلَانِ الْإِجَارَةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنِيَّةَ مَعَ الرَّبْطِ بِمُعَيَّنٍ تَتَنَاقَضَانِ.
كَمَنْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ مُعَيَّنٍ [بِعَيْنِهِ] . وَهَذَا إِشْكَالٌ قَوِيٌّ.
فَرْعٌ أَعْمَالُ الْحَجِّ مَعْرُوفَةٌ، فَإِنْ عَلِمَهَا الْمُتَعَاقِدَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَذَاكَ.
وَإِنْ جَهِلَهَا أَحَدُهُمَا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمِيقَاتِ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ الْأَجِيرُ؟ فِيهِ طُرُقٌ.
أَصَحُّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ، وَيُحْمَلُ عَلَى مِيقَاتِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: إِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ طَرِيقَانِ مُخْتَلِفَا الْمِيقَاتِ، أَوْ طَرِيقٌ يُفْضِي إِلَى مِيقَاتَيْنِ كَالْعَقِيقِ، وَذَاتِ عِرْقٍ، اشْتُرِطَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ [لَهُ] إِلَّا مِيقَاتٌ وَاحِدٌ، لَمْ يُشْتَرَطْ.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ

عَنْ حَيٍّ اشْتُرِطَ وَإِلَّا فَلَا.
فَإِنْ شَرَطْنَا التَّعْيِينَ فَسَدَتِ الْإِجَارَةُ بِإِهْمَالِهِ.
لَكِنْ يَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ لِوُجُودِ الْإِذْنِ، وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَنَّهُ يُفْرِدُ، أَوْ يُقْرِنُ، أَوْ يَتَمَتَّعُ، لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهَا.
فَرْعٌ نَقَلَ الْمُزَنِيُّ [عَنْ] نَصِّهِ فِي «الْمَنْثُورِ» : أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمَعْضُوبُ: مَنْ حَجَّ عَنِّي، فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَحَجَّ عَنْهُ إِنْسَانٌ، اسْتَحَقَّ الْمِائَةَ.
وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ هَذَا النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَتَصِحُّ الْجَعَالَةُ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ تَجُوزُ عَلَى الْعَمَلِ الْمَجْهُولِ، فَعَلَى الْمَعْلُومِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّصَّ مُخَالِفٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ، وَلَا تَجُوزُ الْجَعَالَةَ عَلَى مَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ، إِذْ لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهَا لِإِمْكَانِ الْإِجَارَةِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ حَجَّ عَنْهُ إِنْسَانٌ، وَقَعَ الْحَجُّ عَنِ الْمَعْضُوبِ لِلْإِذْنِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَفْسُدُ الْإِذْنُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَجَّهٍ إِلَى إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ.
فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُ مَنْ أَرَادَ بِيعَ دَارِي، فَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
قُلْتُ: لَوْ قَالَ: مَنْ حَجَّ عَنِّي، أَوْ أَوَّلُ مَنْ يَحُجُّ عَنِّي، فَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَسَمِعَهُ رَجُلَانِ فَأَحْرَمَا عَنْهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَقَعَ الْأَوَّلُ عَنِ الْقَائِلِ، وَلَهُ الْأَلْفُ، وَوَقَعَ حَجُّ الثَّانِي عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَإِنْ وَقَعَا مَعًا وَشُكَّ فِي وُقُوعِهِمَا مَعًا، وَقَعَ حَجُّهُمَا عَنْهُمَا وَلَا شَيْءَ لَهُمَا عَلَى الْقَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْأَصْحَابُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ مُقْتَضَى كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ تَجْوِيزُ تَقْدِيمِ الْإِجَارَةِ عَلَى خُرُوجِ النَّاسِ لِلْحَجِّ، وَأَنَّ لِلْأَجِيرِ انْتِظَارَ خُرُوجِهِمْ، وَيَخْرُجُ مَعَ أَوَّلِ رُفْقَةٍ.
وَالَّذِي ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ يُنَازَعُ فِيهِ.
وَيَقْتَضِي اشْتِرَاطَ وُقُوعِ الْعَقْدِ فِي زَمَنِ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ.
حَتَّى قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الْعَيْنِ، إِلَّا فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ، بِحَيْثُ يَشْتَغِلُ عَقِيبَ الْعَقْدِ بِالْخُرُوجِ أَوْ بِأَسْبَابِهِ مِنْ شِرَاءِ الزَّادِ وَنَحْوِهِ.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ يَصِحَّ.
وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ بِمَكَّةَ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِيُمْكِنَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْعَمَلِ عَقِيبَ الْعَقْدِ.
وَعَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: لَوْ جَرَى الْعَقْدُ فِي وَقْتِ تَرَاكُمِ الْإِنْدَاءِ وَالثُّلُوجِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْوَجِيزِ» ، وَصَحَّحَهُ فِي «الْوَسِيطِ» لِأَنَّ تَوَقُّعَ زَوَالِهَا مَضْبُوطٌ.
وَالثَّانِي: لَا لِتَعَذُّرِ الِاشْتِغَالِ بِالْعَمَلِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ انْتِظَارِ خُرُوجِ الرُّفْقَةِ فَإِنَّ خُرُوجَهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ.
أَمَّا إِجَارَةُ الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْخُرُوجِ بِلَا شَكٍّ.
قُلْتُ: أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ هَذَا النَّقْلَ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامِ، أَوْ هُوَ شُذُوذٌ مِنْ صَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إِلَى جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، فَإِنَّ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي «التَّتِمَّةِ» وَ «الشَّامِلِ» وَ «الْبَحْرِ» وَغَيْرِهَا، مُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْخُرُوجُ وَالسَّيْرُ عَلَى الْعَادَةِ، أَوِ الِاشْتِغَالُ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ.
قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : أَمَّا عَقْدُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَيَجُوزُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، لِإِمْكَانِ الْإِحْرَامِ فِي الْحَالِ، هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

إِذَا لَمْ يَشْرَعِ الْأَجِيرُ فِي الْحَجِّ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ، انْفَسَخَتْ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ نُظِرَ إِنْ لَمْ يُعَيِّنَا سَنَةً، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ كَتَعْيِينِ السَّنَةِ الْأُولَى.
وَذُكِرَ فِي «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَنِ السَّنَةِ الْأُولَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لَكِنْ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ.
وَإِنْ عَيَّنَا الْأُولَى أَوْ غَيْرَهَا، فَأَخَّرَ عَنْهَا، فَطَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا لَوِ انْقَطَعَ الْمُسْلِمُ فِيهِ فِي مَحَلِّهِ.
أَظْهَرُهَا: لَا تَنْفَسِخُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ الْمَعْضُوبُ، فَلَهُ الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ لِيَحُجَّ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى.
وَإِنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ عَنْ مَيِّتٍ مِنْ مَالِهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ: لَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ.
وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي هَذَا.
وَذَكَرَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ: أَنَّ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُرَاعِيَ النَّظَرَ لِلْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ لِخَوْفِ إِفْلَاسِ الْأَجِيرِ أَوْ هَرَبِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ضُمِّنَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْعِرَاقِيِّينَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ رَأَيْتُهُمَا لِلْأَئِمَّةِ.
أَحَدُهُمَا: صَوَّرَ بَعْضُهُمُ الْمَنْعَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ إِنْسَانٌ بِمِائَةٍ مَثَلًا، وَوَجْهُهُ: بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُسْتَحَقَّةُ الصَّرْفِ إِلَيْهِ.
الثَّانِي: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الشَّرْحِ: لِلْمُسْتَأْجِرِ لِمَيِّتٍ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ الْعَقْدَ إِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، فَإِذَا نَزَلَ مَنْ ذَكَرُوهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ.
وَإِنْ نَزَلَ عَلَى الثَّانِي هَانَ أَمْرُهُ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُوبُ لِنَفْسِهِ، فَمَاتَ وَأَخَّرَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ عَنِ السَّنَةِ، فَلَمْ نَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ

مَسْطُورَةً، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَارِثِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ.
وَالْقِيَاسُ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْوَارِثِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ، إِذْ لَا مِيرَاثَ فِي هَذِهِ الْأُجْرَةِ، بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ لَوِ اسْتَأْجَرَ إِنْسَاإنٌ عَنِ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ تَبَرُّعًا، فَهُوَ كَاسْتِئْجَارِ الْمَعْضُوبِ لِنَفْسِهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ.
فَرْعٌ لَوْ قَدَّمَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ عَلَى السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ جَازَ، وَقَدْ زَادَ خَيْرًا

فَرْعٌ إِذَا انْتَهَى الْأَجِيرُ إِلَى الْمِيقَاتِ الْمُتَعَيَّنِ إِمَّا بِشَرْطِهِمَا إِنِ اعْتَبَرْنَاهُ، وَإِمَّا بِتَعْيِينِ الشَّرْعِ، فَلَمْ يُحْرِمْ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، بَلْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا، أَحْرَمَ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْحَجِّ، فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَيَصِحَّ الْحَجُّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْأَذَانِ، وَيُحَطَّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ لِإِخْلَالِهِ بِالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ الْمُلْتَزَمِ.
وَفِي قَدْرِ الْمَحْطُوطِ خِلَافٌ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا سَارَ الْأَجِيرُ مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ وَحَجَّ، فَالْأُجْرَةُ تَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَحْدَهَا، أَمْ تَتَوَزَّعُ عَلَى الْيَسِيرِ وَالْأَعْمَالِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ

إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ خَصَّصْنَاهَا بِالْأَعْمَالِ، وُزِّعَتِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ عَلَى حَجَّةٍ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَحَجَّةٍ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْمُقَابِلَ بِالْأُجْرَةِ عَلَى هَذَا، هُوَ الْحَجُّ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ الْحَجَّةِ الْمُنْشَأَةِ مِنْ مَكَّةَ دِينَارَيْنِ، وَالْمُنْشَأَةُ مِنَ الْمِيقَاتِ خَمْسَةً، فَالتَّفَاوُتُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ، فَتُحَطُّ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْمُسَمَّى.
فَإِنْ وَزَّعْنَا الْأُجْرَةَ عَلَى السَّيْرِ وَالْأَعْمَالِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا تُحْسَبُ لَهُ الْمَسَافَةُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ صَرَفَهَا إِلَى غَرَضِ نَفْسِهِ لِإِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ.
فَعَلَى هَذَا يُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى حَجَّةٍ تَنْشَأُ مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ وَيَقَعُ الْإِحْرَامُ بِهَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَعَلَى حَجَّةٍ تَنْشَأُ مِنْ مَكَّةَ، فَيُحَطُّ مِنَ الْمُسَمَّى بِنِسْبَتِهِ.
فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ الْمُنْشَأَةِ مِنَ الْبَلَدِ مِائَةً، وَالْمُنْشَأَةُ مِنْ مَكَّةَ عَشَرَةً، حُطَّ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْمُسَمَّى.
وَأَظْهَرُهُمَا: يُحْتَسَبُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ إِلَى الْمِيقَاتِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ الْحَجَّ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ الْعُمْرَةُ.
فَعَلَى هَذَا يُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى مُنْشَأَةٍ مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ إِحْرَامُهَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَعَلَى مُنْشَأَةٍ مِنَ الْبَلَدِ إِحْرَامُهَا مِنْ مَكَّةَ، فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ الْأُولَى: مِائَةً، وَالثَّانِيَةِ: تِسْعِينَ، حُطَّ عُشْرُ الْمُسَمَّى، فَحَصَلَ فِي الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
الْمَذْهَبُ مِنْهَا، هَذَا الْأَخِيرُ.
ثُمَّ الْأَجِيرُ فِي مَسْأَلَتِنَا: يَلْزَمُهُ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بَعْدَ تَجَاوُزِهِ الْمِيقَاتِ، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا فِي غَيْرِ صُورَةِ الِاعْتِمَارِ أَنَّ إِسَاءَةَ الْمُجَاوَزَةِ، هَلْ تَنْجَبِرُ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ حَتَّى لَا يُحَطَّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ، أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ الْخِلَافُ يَجِئُ هُنَا، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدَانَ وَغَيْرُهُ، فَإِذًا الْخِلَافُ فِي قَدْرِ الْمَحْطُوطِ.
فَرْعٌ لِلْقَوْلِ بِإِثْبَاتِ أَصْلِ الْحَطِّ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَيُقْطَعَ بِعَدَمِ الِانْجِبَارِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَقَ بِالْمُجَاوَزَةِ حَيْثُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ فَيُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْهُ، فَهَلْ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ؟ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ.
إِنْ قُلْنَا: الْأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الْعَمَلِ وَالسَّيْرِ، وَلَمْ يُحْسَبِ السَّيْرُ لِانْصِرَافِهِ إِلَى عُمْرَتِهِ وُزِّعَتِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ عَلَى حَجَّةٍ مُنْشَأَةٍ مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ إِحْرَامُهَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَعَلَى مُنْشَأَةٍ مِنَ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ قَطْعِ مَسَافَةٍ، وَيُحَطُّ بِالنِّسْبَةِ مِنَ الْمُسَمَّى.
وَإِنْ قُلْنَا: الْأُجْرَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ فَقَطْ، أَوْ وَزَّعْنَاهَا عَلَيْهِ وَعَلَى السَّيْرِ، وَاحْتَسَبْنَا الْمَسَافَةَ، فَلَا حَطَّ، فَتَجِبُ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرُونَ غَيْرَهُ.
فَرْعٌ إِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ الْمُتَعَيَّنَ بِالشَّرْطِ أَوِ الشَّرْعِ غَيْرَ مُحَرِمٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، نُظِرَ، إِنْ عَادَ إِلَيْهِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحَطُّ مِنَ الْأُجْرَةِ شَيْءٌ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، أَوْ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ وَلَمْ يَعُدْ، لَزِمَ دَمُ الْإِسَاءَةِ بِالْمُجَاوَزَةِ، وَهَلْ يَنْجَبِرُ بِهِ الْخَلَلُ حَتَّى لَا يُحَطَّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: يَنْجَبِرُ، وَيَصِيرُ كَأَنْ لَا مُخَالَفَةَ، فَتَجِبُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ.
وَأَظْهَرُهُمَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : يُحَطُّ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْحَطِّ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالِانْجِبَارِ [فَهَلْ] نَعْتَبِرُ قِيمَةَ الدَّمِ، وَنُقَابِلُهَا بِالتَّفَاوُتِ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، فَلَا يَنْجَبِرُ مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الدَّمِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي هَذَا الْقَوْلِ عَلَى جَبْرِ الْخَلَلِ، وَالشَّرْعُ قَدْ حَكَمَ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْقِيمَةِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ الْحَطُّ، فَفِي قَدْرِهِ الْوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ، وَهُوَ أَنَّ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ مَاذَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ فَقَطْ، وَزَّعْنَا الْمُسَمَّى عَلَى حَجَّةٍ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَحَجَّةٍ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ.
وَإِنْ وَزَّعْنَا عَلَى الْعَمَلِ

وَالسَّيْرِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَزَّعْنَا الْمُسَمَّى عَلَى حَجَّةٍ مِنْ بَلْدَةٍ إِحْرَامُهَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَعَلَى حَجَّةٍ مِنْ بَلْدَةٍ إِحْرَامُهَا مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ.
وَعَلَى هَذَا يَقِلُّ الْمَحْطُوطُ.
ثُمَّ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْفَرَاسِخِ وَحْدَهَا، أَمْ يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ السُّهُولَةُ وَالْخُشُونَةُ؟ وَالْأَصَحُّ: الثَّانِي.
وَلَوْ عَدَلَ الْأَجِيرُ عَنْ طَرِيقِ الْمِيقَاتِ الْمُعْتَبَرِ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ مِيقَاتُهُ مِثْلُ الْمُعْتَبَرِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ.
أَمَّا إِذَا عَيَّنَا مَوْضِعًا آخَرَ، فَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الشَّرْعِيِّ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ مُفْسِدُ الْإِجَارَةِ، إِذَ لَا يَجُوزُ لِمُرِيدِ النُّسُكِ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحَرِمٍ.
وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ، بِأَنْ عَيَّنَا الْكُوفَةَ فَهَلْ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ الدَّمُ لِمُجَاوَزَتِهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ؟ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: نَعَمْ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ الدَّمُ، حُطَّ قِسْطُ الْأُجْرَةِ قَطْعًا، وَإِلَّا، فَفِي حُصُولِ الِانْجِبَارِ بِهِ الطَّرِيقَانِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَزِمَهُ الدَّمُ لَتَرْكِ مَأْمُورٍ، كَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ.
فَإِنْ لَزِمَهُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ كَاللَّبْسِ وَالْقَلْمِ، لَمْ يُحَطَّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصِ الْعَمَلَ.
وَلَوْ شُرِطَ الْإِحْرَامُ فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ، فَأَخَّرَهُ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَفِي الِانْجِبَارِ الْخِلَافُ.
وَكَذَا لَوْ شُرِطَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَحَجَّ رَاكِبًا، لِأَنَّهُ تَرَكَ مَقْصُودًا.
هَكَذَا نُقِلَتِ الْمَسْأَلَتَانِ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَا مُفَرَّعَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمِيقَاتَ الْمَشْرُوطَ كَالشَّرْعِيِّ، وَإِلَّا فَلَا [يَلْزَمُ] الدَّمُ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَعْيِينِ الْكُوفَةِ.

فَرْعٌ إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِرَانِ، فَتَارَةً يَمْتَثِلُ، وَتَارَةً يَعْدِلُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنِ امْتَثَلَ فَقَرَنَ وَجَبَ دَمُ الْقِرَانِ.
وَعَلَى مَنْ يَجِبُ؟ وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْأَجِيرِ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ شُرِطَ أَنْ يَكُونَ

عَلَى الْأَجِيرِ، فَسَدَتِ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إِجَارَةٍ وَبَيْعٍ مَجْهُولٍ، فَإِنَّ الدَّمَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ، فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مُعْسِرًا، فَالصَّوْمُ عَلَى الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّوْمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْحَجِّ.
وَالَّذِي مِنْهُمَا فِي الْحَجِّ، هُوَ الْأَجِيرُ.
كَذَا ذَكَرَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَقَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : هُوَ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ جَمِيعًا.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِكَمَالِهَا.
فَأَمَّا إِذَا عَدَلَ، فَيُنْظَرُ، إِنْ عَدَلَ إِلَى الْإِفْرَادِ فَحَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ، لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ مِنَ الْأُجْرَةِ حِصَّةَ الْعُمْرَةِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمَنَاسِكِ الْكَبِيرِ» لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ عَنِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ نُظِرَ إِنْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا، وَلَا شَيْءَ (عَلَيْهِ) وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْرِنْ.
وَإِنْ لَمْ يَعُدْ، فَعَلَى الْأَجِيرِ دَمٌ، لِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ لِلْعُمْرَةِ.
وَهَلْ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ، أَمْ تَنْجَبِرُ الْإِسَاءَةُ بِالدَّمِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَإِنْ عَدَلَ إِلَى التَّمَتُّعِ، فَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ عَيْنٍ، لَمْ يَقَعِ الْحَجُّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ نُظِرَ إِنْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْحَجِّ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْعَلُ مُخَالِفًا لِتَقَارُبِ الْجِهَتَيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَمَا لَوِ امْتَثَلَ.
وَفِي كَوْنِ الدَّمِ عَلَى الْأَجِيرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ الْوَجْهَانِ.
وَأَصَحُّهُمَا.
يُجْعَلُ مُخَالِفًا، فَيَجِبُ الدَّمُ عَلَى الْأَجِيرِ، لِإِسَاءَتِهِ.
وَفِي حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ الْخِلَافُ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَجِيرِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَمٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، يَتَضَمَّنُهُ.
وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ.

فَرْعٌ إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلتَّمَتُّعِ فَامْتَثَلَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْقِرَانِ فَامْتَثَلَ.
وَإِنْ أَفْرَدَ نُظِرَ إِنْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ وَعَادَ لِلْحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا.
وَإِنْ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ، فَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ فِي الْعُمْرَةِ، لِفَوَاتِ وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ، فَيَرُدُّ حِصَّتَهَا مِنَ الْمُسَمَّى.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ وَعَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَفِي حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ الْخِلَافُ، وَإِنْ قَرَنَ، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَكَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ.
ثُمَّ إِنْ عَدَّدَ الْأَفْعَالَ لِلنُّسُكَيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ لِاخْتِصَارِهِ فِي الْأَفْعَالِ؟ وَجْهَانِ.
وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي أَنَّ الدَّمَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَمِ الْأَجِيرِ؟ .

فَرْعٌ لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِلْإِفْرَادِ فَامْتَثَلَ، فَذَاكَ.
فَلَوْ قَرَنَ نُظِرَ إِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ، فَالْعُمْرَةُ وَاقِعَةٌ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِلْحَجِّ وَحْدَهُ فَقَرَنَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنَ الْفَصْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ وَقَعَا عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَى الْأَجِيرِ الدَّمُ، وَهَلْ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ لِلْخَلَلِ، أَمْ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ.
وَإِنْ تَمَتَّعَ فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ وَقَدْ أَمَرَهُ بِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ، فَقَدْ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، فَيَرُدُّ مَا يَخُصُّهَا مِنَ الْأُجْرَةِ.
وَإِنْ أَمَرَهُ بِتَقْدِيمِهَا، أَوْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ، وَقَعَا عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَزِمَ الْأَجِيرَ دَمٌ إِنْ لَمْ يُعِدِ الْحَجَّ إِلَى الْمِيقَاتِ، وَفِي حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ الْخِلَافُ.

فَرْعٌ إِذَا جَامَعَ الْأَجِيرُ فَسَدَ حَجُّهُ وَانْقَلَبَ لَهُ، فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِةِ، وَالْقَضَاءُ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ، وَلَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَلَا يَفْسُدُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
وَحُكِيَ هَذَا عَنِ الْمُزَنِيِّ أَيْضًا.
فَعَلَى الْمَشْهُورِ، إِنْ كَانَ إِجَارَةَ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ، وَالْقَضَاءُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْأَجِيرُ يَقَعُ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ، لَمْ تَنْفَسِخْ.
وَعَمَّنْ يَقَعُ الْقَضَاءُ؟ وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءُ الْأَوَّلِ.
وَأَصَحُّهُمَا: عَنِ الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ وَقَعَ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ سِوَى الْقَضَاءِ حَجَّةٌ أُخْرَى لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَيَقْضِي عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَحُجُّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى، أَوْ يَسْتَنِيبُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
وَإِذَا لَمْ تَنْفَسِخِ الْإِجَارَةُ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ، لِتَأْخِيرِ الْمَقْصُودِ.
وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْمَعْضُوبُ، أَوْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ لِمَيِّتٍ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ.
وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ.
فَرْعٌ إِذَا أَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، ثُمَّ صَرَفَ الْإِحْرَامَ إِلَى نَفْسِهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ، وَأَتَمَّ الْحَجَّ عَلَى هَذَا الظَّنِّ، فَالْحَجُّ لِلْمُسْتَأْجِرِ.
وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأَجِيرِ الْأُجْرَةَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا، لِإِعْرَاضِهِ عَنْهَا.
وَأَظْهَرُهُمَا: يَسْتَحِقُّ، لِحُصُولِ الْغَرَضِ فَيَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: أُجْرَةُ الْمِثْلِ.

فَرْعٌ إِذَا مَاتَ الْحَاجُّ عَنْ نَفْسِهِ فِي أَثْنَائِهِ فَهَلْ يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى حَجِّهِ؟ قَوْلَانِ.
الْأَظْهَرُ الْجَدِيدُ: لَا يَجُوزُ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَالْقَدِيمُ: يَجُوزُ.
فَعَلَى الْجَدِيدِ: يَبْطُلُ الْمَأْتِيُّ بِهِ إِلَّا فِي الثَّوَابِ، وَيَجِبُ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ إِنْ كَانَ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ.
وَعَلَى الْقَدِيمِ: تَارَةً يَمُوتُ وَقَدْ بَقِيَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ، وَتَارَةً لَا يَبْقَى، فَإِنْ بَقِيَ أَحْرَمَ النَّائِبُ بِالْحَجِّ، وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ إِنْ لَمْ يَقِفِ الْمَيِّتُ، وَلَا يَقِفُ إِنْ كَانَ وَقَفَ وَيَأْتِي بِبَاقِي الْأَعْمَالِ، وَلَا بَأْسَ بِوُقُوعِ إِحْرَامِ النَّائِبِ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى إِحْرَامِ الشَّيْءِ مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَبْقَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ، فَفِيمَا يُحْرِمُ بِهِ النَّائِبُ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى، فَيُجْزِئَانِهِ عَنْ طَوَافِ الْحَجِّ وَسَعْيِهِ.
وَلَا يَبِيتُ، وَلَا يَرْمِي، فَإِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، وَلَكِنْ يُجْبَرَانِ بِالدَّمِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يُحْرِمُ بِالْحَجِّ، وَيَأْتِي بِبَقِىةِ الْأَعْمَالِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إِنْشَاءُ الْإِحْرَامِ بَعْدَ أَشْهُرِ الْحَجِّ إِذَا ابْتَدَأَهُ، وَهَذَا يُبْنَى عَلَى مَا سَبَقَ.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ مَاتَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ، أَحْرَمَ النَّائِبُ إِحْرَامًا لَا يُحَرِّمُ اللَّبْسَ وَالْقَلْمَ، وَإِنَّمَا يُحَرِّمُ النِّسَاءَ كَمَا لَوْ بَقِيَ الْمَيِّتُ.
هَذَا كُلُّهُ، إِذَا مَاتَ قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُمَا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ جَبْرُ مَا بَقِيَ بِالدَّمِ.
وَأَوْهَمَ بَعْضُهُمْ إِجْرَاءَ الْخِلَافِ [فِيهِ] .

فَرْعٌ إِذَا مَاتَ الْأَجِيرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ، فَلَهُ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأَرْكَانِ، وَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَسْتَحِقُّ، وَسَوَاءٌ مَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، أَوْ قَبْلَهُ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّ بَعْدَهُ قَطْعًا، وَهُوَ شَاذٌّ.
فَإِذَا قُلْنَا: يَسْتَحِقُّ، فَهَلْ يُقَسِّطُ الْأُجْرَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ فَقَطْ، أَمْ عَلَيْهَا مَعَ السَّيْرِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إِنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنِّي، قَسَّطَ عَلَى الْعَمَلِ فَقَطْ.
وَإِنْ قَالَ: لِتَحُجَّ مِنْ بَلَدِ كَذَا، قَسَّطَ عَلَيْهِمَا، وَحَمَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْحَالَيْنِ.
ثُمَّ هَلْ يُبْنَى عَلَى مَا فَعَلَهُ الْأَجِيرُ؟ يُنْظَرُ، إِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ، انْفَسَخَتْ وَلَا بِنَاءَ لِوَرَثَةِ الْأَجِيرِ، كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْتَسِبَ، وَهَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَبْنِي؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ، فَلِوَرَثَةِ الْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَأْجِرُوا مَنْ يَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ عَنِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ.
فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِبَقَاءِ الْوَقْتِ، فَذَاكَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ إِلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، ثَبَتَ الْخِيَارُ كَمَا سَبَقَ.
وَإِنْ جَوَّزْنَا الْبِنَاءَ فَلِوَرَثَةِ الْأَجِيرِ أَنْ يَبْنُوا.
ثُمَّ الْقَوْلُ فِيمَا يُحْرِمُ بِهِ النَّائِبُ، وَفِي حُكْمِ إِحْرَامِهِ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ، عَلَى مَا سَبَقَ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ الْأَخْذِ فِي السَّيْرِ، وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ: لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَالصَّيْرَفِيُّ: يَسْتَحِقُّ بِقِسْطِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدَانَ: [إِنْ] قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنِّي، لَمْ يَسْتَحِقَّ.
وَإِنْ قَالَ: لِتَحُجَّ مِنْ بَلَدِ كَذَا، اسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ.

الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَرْكَانِ، وَقَبْلَ فَرَاغِ بَاقِي الْأَعْمَالِ، فَيُنْظَرُ إِنْ فَاتَ وَقْتُهَا، أَوْ لَمْ يَفُتْ، وَلَكِنْ لَمْ نُجَوِّزِ الْبِنَاءَ، جُبِرَ بِالدَّمِ مِنْ مَالِ الْأَجِيرِ، وَهَلْ يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَإِنْ جَوَّزْنَا الْبِنَاءَ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ، انْفَسَخَتْ فِي الْأَعْمَالِ الْبَاقِيَةِ، وَوَجَبَ رَدُّ قِسْطِهَا مِنَ الْأُجْرَةِ، وَيَسْتَأْجِرُ الْمُسْتَأْجِرُ مَنْ يَرْمِي وَيَبِيتُ، وَلَا دَمَ عَلَى الْأَجِيرِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ، اسْتَأْجَرَ وَارِثُ الْأَجِيرِ مَنْ يَرْمِي وَيَبِيتُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُمَا عَمَلَانِ يُؤْتَى بِهِمَا بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ الدَّمُ، وَلَا رَدُّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ، ذَكَرَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . فَرْعٌ إِذَا أُحْصِرَ الْأَجِيرُ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ.
فَإِنْ تَحَلَّلَ، فَعَمَّنْ يَقَعُ مَا أَتَى بِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، كَمَا لَوْ مَاتَ، إِذْ لَا تَقْصِيرَ.
وَالثَّانِي: عَنِ الْأَجِيرِ كَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ.
فَعَلَى هَذَا، دَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْأَجِيرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: هُوَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ، الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَوْتِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ وَأَقَامَ عَلَى الْإِحْرَامِ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ، انْقَلَبَ إِلَيْهِ، كَمَا فِي الْإِفْسَادِ، ثُمَّ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْفَوَاتِ.
وَلَوْ حَصَلَ الْفَوَاتُ بِنَوْمٍ، أَوْ تَأَخُّرٍ عَنِ الْقَافِلَةِ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ غَيْرِ إِحْصَارٍ، انْقَلَبَ الْمَأْتِيُّ بِهِ إِلَى الْأَجِيرِ أَيْضًا، كَمَا فِي الْإِفْسَادِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَجِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَوْتِ.

فَصْلٌ

إِذَا اجْتَمَعَتْ شَرَائِطُ وُجُوبِ الْحَجِّ، وَجَبَ عَلَى التَّرَاخِي.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُزَنِيُّ: عَلَى الْفَوْرِ.
ثُمَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ سَنَةِ الْإِمْكَانِ.
فَلَوْ خَشِيَ الْعَضَبَ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَجُزِ التَّأْخِيرُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِذَا تَأَخَّرَ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَمَاتَ قَبْلَ حَجِّ النَّاسِ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْوُجُوبِ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ حَجِّ النَّاسِ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ وَلَزِمَ الْإِحْجَاجُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : وَرُجُوعُ الْقَافِلَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى لَوْ مَاتَ بَعْدَ انْتِصَافِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَمُضِيِّ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَى مِنًى وَالرَّمْيِ بِهَا، وَإِلَى مَكَّةَ وَالطَّوَافِ بِهَا، اسْتَقَرَّ الْفَرْضُ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ، أَوْ جُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ هَلَكَ مَالُهُ بَعْدَ رُجُوعِ النَّاسِ، أَوْ مُضِيِّ إِمْكَانِ الرُّجُوعِ، اسْتَقَرَّ الْحَجُّ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ حَجِّهِمْ، وَقَبْلَ الرُّجُوعِ وَإِمْكَانِهِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَسْتَقِرُّ.
هَذَا حَيْثُ نَشْرُطُ أَنْ يَمْلِكَ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ.
فَإِنْ لَمْ نَشْرُطْهَا، اسْتَقَرَّ قَطْعًا.
وَلَوْ أُحْصِرَ الَّذِينَ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مَعَهُمْ، فَتَحَلَّلُوا، لَمْ يَسْتَقِرَّ الْحَجُّ عَلَيْهِ.
فَلَوْ سَلَكُوا طَرِيقًا آخَرَ فَحَجُّوا، اسْتَقَرَّ، وَكَذَا لَوْ حَجُّوا فِي السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا إِذَا عَاشَ وَبَقِيَ مَالُهُ.
وَإِذَا دَامَتِ الِاسْتِطَاعَةُ وَتَحَقَّقَ الْإِمْكَانُ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ، فَهَلْ يَمُوتُ عَاصِيًا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: يَعْصِي الشَّيْخُ دُونَ الشَّابِّ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا لَوْ كَانَ صَحِيحَ الْبَدَنِ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى صَارَ زَمِنًا.
وَالْأَصَحُّ: الْعِصْيَانُ أَيْضًا.
فَإِذَا زَمِنَ وَقُلْنَا بِالْعِصْيَانِ، فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْفَوْرِ لِخُرُوجِهِ بِالتَّقْصِيرِ عَنِ اسْتِحْقَاقِ الْبِرِّ فِيهِ، أَمْ لَهُ تَأْخِيرُ الِاسْتِنَابَةِ كَمَا لَوْ بَلَغَ مَعْضُوبًا؟ فَإِنَّ اسْتِنَابَتَهُ عَلَى التَّرَاخِي فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَعَلَى هَذَا لَوِ امْتَنَعَ وَأَخَّرَ، فَهَلْ يُجِيزُهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِنَابَةِ، أَوْ يَسْتَأْجِرُ

عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ كَزَكَاةِ الْمُمْتَنِعِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا.
وَإِذَا قُلْنَا: يَمُوتُ عَاصِيًا، فَمِنْ أَيِّ وَقْتٍ يَعْصِي؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: مِنَ السَّنَةِ الْآخِرَةِ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إِلَيْهَا.
وَالثَّانِي: مِنَ السَّنَةِ الْأُولَى، لِاسْتِقْرَارِ الْفَرْضِ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: يَمُوتُ عَاصِيًا، وَلَا يُسْنَدُ الْعِصْيَانُ إِلَى سَنَةٍ بِعَيْنِهَا.
وَمِنْ فَوَائِدِ مَوْتِهِ عَاصِيًا أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَهَادَةً وَلَمْ يُحْكَمْ بِهَا حَتَّى مَاتَ لَمْ يُحْكَمْ لِبَيَانِ فِسْقِهِ.
وَلَوْ قُضِيَ بِشَهَادَتِهِ بَيْنَ السَّنَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ، فَإِنْ عَصَيْنَاهُ مِنَ الْأَخِيرَةِ، لَمْ يُنْقَضْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِحَالٍ.
وَإِنْ عَصَيْنَاهُ مِنَ الْأَوَّلِ، فَفِي نَقْضِهِ الْقَوْلَانِ، فِيمَا إِذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ.

فَصْلٌ

حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَأَهَّلُ لَهَا تُقَدَّمُ عَلَى حَجَّةِ الْقَضَاءِ.
وَصُورَةُ اجْتِمَاعِهِمَا أَنْ يُفْسِدَ الْعَبْدُ حَجَّهُ، ثُمَّ يُعْتَقَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَتَقَدَّمَ أَيْضًا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ عَلَى النَّذْرِ.
فَلَوِ اجْتَمَعَتْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَالْقَضَاءُ، وَالنَّذْرُ، قُدِّمَتْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ الْقَضَاءُ، ثُمَّ النَّذْرُ.
وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى تَرَدُّدٍ فِي تَقْدِيمِ الْقَضَاءِ عَلَى النَّذْرِ.
وَالْمَذْهَبُ: مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، أَوْ قَضَاءٌ، أَوْ نَذْرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ.
فَلَوْ قُدِّمَ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ لَغَتْ نِيَّتُهُ، وَوَقَعَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ.
وَالْعُمْرَةُ، إِذَا أَوْجَبْنَاهَا، كَالْحَجِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُوبُ مَنْ يَحُجُّ عَنْ نَذْرِهِ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَنَوَى الْأَجِيرُ النَّذْرَ، وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَنَوَى الْحَجَّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، لَغَتْ نِيَّتُهُ، وَوَقَعَ الْحَجُّ عَنِ الْأَجِيرِ.
وَلَوْ نَذَرَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ أَنْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَفَعَلَ، وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَخَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ، وَلَيْسَ فِي نَذْرِهِ إِلَّا تَعْجِيلُ مَا كَانَ لَهُ

تَأْخِيرُهُ.
وَلَوِ اسْتُؤْجِرَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ لِلْحَجِّ فِي الذِّمَّةِ جَازَ، وَطَرِيقُهُ: أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَإِجَارَةُ الْعَيْنِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ لِلسَّنَةِ الْأُولَى.
فَإِذَا بَطَلَتْ نُظِرَ إِنْ ظَنَّهُ حَجَّ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ، لَمْ يَسْتَحِقَّ أَجْرَهُ، لِتَغْرِيرِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ وَقَالَ: يَجُوزُ فِي اعْتِقَادِي أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ، فَحَجَّ الْأَجِيرُ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ تَقَدَّمَتْ نَظَائِرُهُمَا.
أَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ لِلْحَجِّ مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ، أَوْ لِلْعُمْرَةِ مَنِ اعْتَمَرَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَقَرَنَ الْأَجِيرُ وَأَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوْ أَحْرَمَ بِمَا اسْتُؤْجِرَ لَهُ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَبِالْآخَرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَوْلَانِ.
الْجَدِيدُ: أَنَّهُمَا يَقَعَانِ عَنِ الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ نُسُكَيِ الْقِرَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ لِاتِّحَادِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا اسْتُؤْجِرَ لَهُ يَقَعُ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْآخَرُ عَنِ الْأَجِيرِ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ رَجُلَانِ شَخْصًا، أَحَدُهُمَا: لِيَحُجَّ عَنْهُ، وَالْآخَرُ لِيَعْتَمِرَ عَنْهُ، فَقَرَنَ عَنْهُمَا، فَعَلَى الْجَدِيدِ: يَقَعَانِ عَنِ الْأَجِيرِ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَقَعُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَا اسْتَأْجَرَ لَهُ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُأحروبُ رَجُلَيْنِ لِيَحُجَّا عَنْهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، أَحَدُهُمَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَالْآخَرُ حَجَّةَ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَجُوزُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْأُمِّ» ؛ لِأَنَّ غَيْرَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ.
فَعَلَى الثَّانِي: إِنْ أَحْرَمَ الْأَجِيرَانِ مَعًا، انْصَرَفَ إِحْرَامُهُمَا إِلَى أَنْفُسِهِمَا.
وَإِنْ سَبَقَ إِحْرَامُ أَحَدِهِمَا وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَانْصَرَفَ إِحْرَامُ الْآخَرِ إِلَى نَفْسِهِ.

فَرْعٌ لَوْ أَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ، ثُمَّ نَذَرَ حَجًّا، نُظِرَ إِنْ نَذَرَهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ، لَمْ يَنْصَرِفْ حَجُّهُ إِلَيْهِ، بَلْ يَقَعُ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَإِنْ نَذَرَ قَبْلَهُ فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: انْصِرَافُهُ إِلَى الْأَجِيرِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ الرَّجُلُ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ، ثُمَّ نَذَرَ حَجًّا بَعْدَ الْوُقُوفِ، لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَيْهِ.
وَقَبْلَ الْوُقُوفِ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
فَرْعٌ لَوِ اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُوبُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَأَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنْ نَفْسِهِ تَطَوُّعًا، فَوَجْهَانِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَنْصَرِفُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
وَقَالَ سَائِرُ الْأَصْحَابِ: يَقَعُ تَطَوُّعًا لِلْأَجِيرِ.
قُلْتُ: لَوْ حَجَّ بِمَالٍ مَغْصُوبٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَجْزَأَهُ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِالْغَصْبِ.
وَلَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيَفِيقُ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ إِفَاقَتِهِ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنَ الْحَجِّ، وَوُجِدَتِ الشَّرَائِطُ الْبَاقِيَةُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ مَا يَحُجُّ بِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، أَمْهَلْتُكَ بِهِ إِلَى مَا بَعْدَ الْحَجِّ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

بَابٌ

مَوَاقِيتُ الْحَجِّ مِيقَاتُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، زَمَانِيٌّ وَمَكَانِيٌّ.
أَمَّا الزَّمَانِيُّ، فَوَقْتُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، آخِرُهَا آخَرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَفِي وَجْهٍ: لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ.
وَحَكَى الْمُحَامِلِيُّ قَوْلًا عَنْ «الْإِمْلَاءِ» أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِحْرَامُ [بِهِ] فِي جَمِيعِ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا أَشَذُّ وَأَبْعَدُ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ، فَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِلْإِحْرَامِ بِهَا، وَلَا تُكْرَهُ فِي وَقْتٍ مِنْهَا، وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا فِي الْعُمْرِ، وَفِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ لَا بِسَبَبِ الْوَقْتِ، بَلْ لِعَارِضٍ، كَالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، لَا يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُهُ.
وَإِذَا تَحَلَّلَ عَنِ الْحَجِّ التَّحَلُّلَيْنِ، وَعَكَفَ بِمِنًى لِلْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ، لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ، لِعَجْزِهِ عَنِ التَّشَاغُلِ بِعَمَلِهَا، نُصَّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ فَلَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا، لِسُقُوطِ بَقِيَّةِ الرَّمْيِ، وَالْمَبِيتِ عَنْهُ.
فَرْعٌ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، لَمْ يَنْعَقِدْ حَجًّا.
وَهَلْ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً؟ فِيهِ طُرُقٌ.
الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ.
وَعَلَى قَوْلٍ: يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَلَا تُحْسَبُ عُمْرَةً.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ مُبْهَمًا، فَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى عُمْرَةٍ، كَانَ عُمْرَةً صَحِيحَةً، وَإِلَّا تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ.
وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ

الْحَجِّ إِحْرَامًا مُطْلَقًا، فَالْمَذْهَبُ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ [لَا] يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ.
وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْخُضَرِيِّ: يَنْعَقِدُ مُبْهَمًا.
فَإِذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ، صَرَفَهُ إِلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ قِرَانٍ.

فَصْلٌ

فِي الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ أَمَّا الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ مَكِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، فَفِي مِيقَاتِهِ لِلْحَجِّ وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَفْسُ مَكَّةَ.
وَالثَّانِي: مَكَّةُ وَسَائِرُ الْحَرَمِ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ فَارَقَ بُنْيَانَ مَكَّةَ وَأَحْرَمَ فِي الْحَرَمِ، فَهُوَ مُسِيءٌ يَلْزَمُهُ الدَّمُ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ كَمُجَاوَزَةِ سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ.
وَعَلَى الثَّانِي: حَيْثُ أَحْرَمَ فِي الْحَرَمِ، فَلَا إِسَاءَةَ.
أَمَّا إِذَا أَحْرَمَ خَارِجَ الْحَرَمِ، فَمُسِيءٌ قَطْعًا، فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ، إِلَّا أَنْ يَعُودَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى مَكَّةَ عَلَى الْأَصَحِّ أَوِ الْحَرَمِ عَلَى الثَّانِي.
ثُمَّ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، جَازَ.
وَفِي الْأَفْضَلِ: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَهَيَّأَ لِلْإِحْرَامِ، وَيُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنَ الْبَيْتِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ بَابِ دَارِهِ، وَيَأْتِيَ الْمَسْجِدَ مُحْرِمًا.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ، فَتَارَةً يَكُونُ مَسْكَنُهُ فَوْقَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ، وَيُسَمَّى هَذَا الْأُفُقِيَّ، وَتَارَةً يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ.
وَالْمَوَاقِيتُ الشَّرْعِيَّةُ خَمْسَةٌ.
أَحَدُهَا: ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَهُوَ مِيقَاتُ مَنْ تَوَجَّهَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ عَلَى نَحْوِ عَشْرِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ.
الثَّانِي: الْجُحْفَةُ، مِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِينَ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ.
الثَّالِثُ: يَلَمْلَمُ، وَقِيلَ: أَلَمْلَمُ، مِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِينَ مِنَ الْيَمَنِ.
الرَّابِعُ: قَرْنٌ، وَهُوَ مِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِينَ مِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ، وَنَجِدِ الْحِجَازَ.

وَالْخَامِسُ: ذَاتُ عِرْقٍ، مِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِينَ مِنَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: يَلَمْلَمُ مِيقَاتُ الْيَمَنِ، أَيْ: مِيقَاتُ تِهَامَتِهِ، فَإِنَّ الْيَمَنَ يَشْمَلُ نَجْدًا وَتِهَامَةَ.
وَالْأَرْبَعَةُ الْأُولَى نَصَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي ذَاتِ عِرْقٍ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا وَإِلَيْهِ مَالَ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ مَنْصُوصٌ كَالْأَرْبَعَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعِرَاقِ: أَنْ يُحْرِمُوا مِنَ الْعَقِيقِ وَهُوَ وَادٍ وَرَاءَ ذَاتِ عِرْقٍ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ.
فَرْعٌ إِذَا انْتَهَى الْأُفُقِيُّ إِلَى الْمِيقَاتِ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ أَوِ الْقِرَانَ، حَرُمَ عَلَيْهِ مُجَاوَزَتُهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ.
فَإِنْ جَاوَزَهُ، فَهُوَ مُسِيءٌ وَيَأْتِي حُكْمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، أَمْ مِنْ غَيْرِهَا كَالشَّامِيِّ يَمُرُّ بِمِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
فَرْعٌ إِذَا مَرَّ الْأُفُقِيُّ بِالْمِيقَاتِ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَصْدِ التَّوَجُّهِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ قَصْدُ النُّسُكِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، فَمِيقَاتُهُ حَيْثُ عَنَّ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى قَصْدِ التَّوَجُّهِ إِلَى مَكَّةَ لِحَاجَةٍ، فَعَنَّ لَهُ النُّسُكُ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: مَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ لِحَاجَةٍ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ، فَهَذَا يَأْثَمُ بِمُجَاوَزَتِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ كَمَنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ عَلَى قَصْدِ النُّسُكِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ، فَهَذَا كَمَنْ جَاوَزَ غَيْرَ قَاصِدٍ دُخُولَ مَكَّةَ.

فَرْعٌ مَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ، فَمِيقَاتُهُ الْقَرْيَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا، أَوِ الْحِلَّةُ الَّتِي يَنْزِلُهَا الْبَدَوِيُّ.
فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُحْرِمُ مِنْ مِيقَاتٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ مِنْ قَرْيَتِهِ، أَوْ حِلَّتِهِ، أَنْ يُحْرِمَ مِنْ طَرَفِهِ الْأَبْعَدِ مِنْ مَكَّةَ.
فَلَوْ أَحْرَمَ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ جَازَ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ.
وَالِاعْتِبَارُ بِالْمَوَاقِيتِ الشَّرْعِيَّةِ، بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ، لَا بِالْقُرَى وَالْأَبْنِيَةِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ لَوْ خَرِبَ بَعْضُهَا، وَنُقِلَتِ الْعِمَارَةُ إِلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْهُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ الِاسْمِ.
فَرْعٌ لَوْ سَلَكَ الْبَحْرَ أَوْ طَرِيقًا فِي الْبَرِّ لَا يَنْتَهِي إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَوَاقِيتِ الْمُعَيَّنَةِ، فَمِيقَاتُهُ مُحَاذَاةُ الْمُعَيَّنِ.
فَإِنِ اشْتَبَهَ تَحَرَّى.
وَطَرِيقُ الِاحْتِيَاطِ لَا يَخْفَى.
وَلَوْ حَاذَى مِيقَاتَيْنِ طَرِيقُهُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْمَسَافَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَمِيقَاتُهُ مَا يُحَاذِيهِمَا.
وَإِنْ تَفَاوَتَا فِيهَا، وَتَسَاوَيَا فِي الْمَسَافَةِ إِلَى طَرِيقِهِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ أَحْرَمَ مِنَ الْمُحَاذِي لِأَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ لِأَقْرَبِهِمَا.
وَأَصَحُّهُمَا: يَتَعَيَّنُ مُحَاذَاةُ أَبْعَدِهِمَا.
وَقَدْ يُتَصَوَّرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مُحَاذَاةُ مِيقَاتَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِانْحِرَافِ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ وَالْتِوَائِهِ، أَوْ لَوْ عَوْرَةً وَغَيْرَهَا، فَيُحْرِمُ مِنَ الْمُحَاذَاةِ.
وَهَلْ هُوَ مَنْسُوبٌ

إِلَى أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، أَمْ إِلَى أَقْرَبِهِمَا؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ، قَالَ: وَفَائِدَتُهُمَا، أَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ مَوْضِعَ الْمُحَاذَاةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَانْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ يُفْضِي إِلَيْهِ طَرِيقَا الْمِيقَاتَيْنِ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ لِرَفْعِ الْإِسَاءَةِ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ الْمُحَاذَاةِ، هَلْ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا الْمِيقَاتِ أَمْ إِلَى ذَاكَ؟ وَلَوْ تَفَاوَتَ الْمِيقَاتَانِ فِي الْمَسَافَةِ إِلَى مَكَّةَ وَإِلَى طَرِيقِهِ، فَالِاعْتِبَارُ بِالْقُرْبِ إِلَيْهِ، أَمْ إِلَى مَكَّةَ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ لَوْ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةٍ لَا يُحَاذِي فِي طَرِيقِهَا مِيقَاتًا لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ إِلَّا مَرْحَلَتَانِ.

فَصْلٌ

إِذَا جَاوَزَ مَوْضِعًا - وَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ - غَيْرَ مُحْرِمٍ أَثِمَ، وَعَلَيْهِ الْعَوْدُ إِلَيْهِ، وَالْإِحْرَامُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، كَخَوْفِ الطَّرِيقِ أَوْ الِانْقِطَاعِ عَنِ الرُّفْقَةِ، أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ، أَحْرَمَ وَمَضَى وَعَلَيْهِ دَمٌ إِذَا لَمْ يَعُدْ.
فَإِنْ عَادَ، فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَعُودُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ.
فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ دَخَلَ مَكَّةَ، أَمْ لَا.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ، إِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ الْمِيقَاتِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ، سَقَطَ الدَّمُ.
وَإِنْ عَادَ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ وَجَبَ الدَّمُ.
وَإِنْ عَادَ بَعْدَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَسْقُطُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ شَاذٌّ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا.
فَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ فِي

سُقُوطِ الدَّمِ وَجْهَيْنِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ يَفْصِلُ.
فَإِنْ عَادَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكٍ، سَقَطَ الدَّمُ، وَإِلَّا فَلَا، سَوَاءٌ كَانَ النُّسُكُ رُكْنًا، كَالْوُقُوفِ، أَوْ سُنَّةً، كَطَوَافِ الْقُدُومِ.
وَقِيلَ: لَا أَثَرَ لِلتَّلَبُّسِ بِالسُّنَّةِ.
وَلَا فَرْقَ فِي لُزُومِ الدَّمِ فِي كُلِّ هَذَا بَيْنَ الْمُجَاوِزِ عَامِدًا عَالِمًا، وَالْجَاهِلِ وَالنَّاسِي.
لَكِنْ يَفْتَرِقُونَ فِي الْإِثْمِ، فَلَا إِثْمَ عَلَى النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.

فَصْلٌ

هَلِ الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، أَمْ مِنْ فَوْقِهِ؟ نُصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْمُزَنِيِّ أَنَّهُ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، وَقَالَ فِي «الْإِمْلَاءِ» : الْأَفْضَلُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
وَلِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ.
أَصَحُّهَا: عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْأَفْضَلُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
وَالثَّانِي: مِنَ الْمِيقَاتِ.
بَلْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ الْكَرَاهَةَ عَلَى تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِدُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، فَدُوَيْرَةُ أَهْلِهِ وَإِلَّا فَالْمِيقَاتُ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ: أَنَّهُ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ أَوِ الصَّوَابُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا مُعَارِضٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل