كِتَابُ الْحَجِّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَرْعٌ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ صَيْدٍ ذَبَحَهُ الْحَلَالُ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ لَهُ، وَلَا [كَانَ] بِدَلَالَتِهِ أَوْ إِعَانَتِهِ، وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
فَصْلٌ
صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ.
وَبَيَانُ الْمُحْرِمِ مِنْهُ وَمَا يَجِبُ بِهِ الْجَزَاءُ وَقَدْرُ الْجَزَاءِ، يُقَاسُ بِمَا سَبَقَ فِي صَيْدِ الْإِحْرَامِ.
وَلَوْ أَدْخَلَ حَلَالٌ الْحَرَمَ صَيْدًا مَمْلُوكًا، كَانَ لَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ كَالنَّعَمِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدُ حِلٍ.
وَلَوْ رَمَى مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الصُّورَتَيْنِ، أَوْ رَمَى صَيْدًا بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ - وَالِاعْتِبَارُ بِقَوَائِمِهِ لَا بِالرَّأْسِ - أَوْ رَمَى حَلَالٌ إِلَى صَيْدٍ فَأَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ، أَوْ رَمَى مُحْرِمٌ إِلَيْهِ، فَتَحَلَّلَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ، فِيمَا إِذَا كَانَ بَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ، هُوَ الْأَصَحُّ.
وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ حَرَمِيًّا.
وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ فِي الْحِلِّ، فَلَا.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلِّ، ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ عَكْسُهُ، فَلَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ رَمَى مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، فَقَطَعَ السَّهْمُ فِي مُرُورِهِ هَوَاءَ الْحَرَمِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَتَخَطَّى طَرَفَ الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَضْمَنُ، بِخِلَافِ الْكَلْبِ؛ لِأَنَّ لِلْكَلْبِ اخْتِيَارًا، بِخِلَافِ السَّهْمِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَعَدَا الصَّيْدُ، فَدَخَلَ الْحَرَمَ، فَأَصَابَهُ السَّهْمُ، وَجَبَ الضَّمَانُ.
وَبِمِثْلِهِ، لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا، لَا يَجِبُ.
وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَلَمْ يُصِبْهُ، وَأَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، وَجَبَ الضَّمَانُ.
وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا، لَا يَجِبُ.
ثُمَّ فِي مَسْأَلَةِ إِرْسَالِ الْكَلْبِ وَتَخَطِّيهِ طَرَفَ الْحَرَمِ، إِنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ لِلصَّيْدِ مَفَرٌّ آخَرُ.
فَأَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ دُخُولُهُ الْحَرَمَ عِنْدَ الْهَرَبِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ قَطْعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُرْسِلُ عَالِمًا بِالْحَالِ، أَوْ جَاهِلًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ الْجَاهِلُ.
فَرْعٌ
لَوْ أَخَذَ حَمَامَةً فِي الْحِلِّ، أَوْ أَتْلَفَهَا، فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ، وَلَا يَضْمَنُهَا.
وَلَوْ أَخَذَ الْحَمَامَةَ مِنَ الْحَرَمِ، أَوْ قَتَلَهَا، فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الْحِلِّ، ضَمِنَ الْحَمَامَةَ وَالْفَرْخَ جَمِيعًا، كَمَا لَوْ رَمَى مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلِّ.
وَلَوْ نَفَّرَ صَيْدًا حَرَمِيًّا، عَامِدًا، أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ، تَعَرَّضَ لِلضَّمَانِ.
حَتَّى لَوْ مَاتَ بِسَبَبِ التَّنْفِيرِ بِصَدْمَةٍ، أَوْ أَخْذِ سَبْعٍ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ.
وَكَذَا لَوْ دَخَلَ الْحِلَّ فَقَتَلَهُ حَلَالٌ، فَعَلَى الْمُنَفِّرِ الضَّمَانُ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ، تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ دَخَلَ الْكَافِرُ الْحَرَمَ، وَقَتَلَ صَيْدًا، لَزِمَهُ الضَّمَانُ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» : يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ.
فَصْلٌ
قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ حَرَامٌ، كَاصْطِيَادِ صَيْدِهِ.
وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ.
وَالْقَدِيمُ: لَا.
ثُمَّ النَّبَاتُ: شَجَرٌ وَغَيْرُهُ.
أَمَّا الشَّجَرُ، فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ بِالْقَلْعِ وَالْقَطْعِ لِكُلِّ شَجَرٍ رَطْبٍ غَيْرِ مُؤْذٍ حَرَمِيٍّ.
فَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الرَّطْبِ الْيَابِسُ، فَلَا شَيْءَ فِي قَطْعِهِ، كَمَا لَوْ قَدَّ صَيْدًا مَيِّتًا نِصْفَيْنِ.
وَبِقَيْدٍ غَيْرِ مُؤْذٍ: الْعَوْسَجُ، وَكُلُّ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ، فَإِنَّهَا كَالْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِهَا ضَمَانٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَفِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَيُخَالِفُ الْحَيَوَانَ، فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِالْأَذِيَّةِ.
وَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الْحَرَمِيِّ أَشْجَارُ الْحِلِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْلَعَ شَجَرَةً مِنْ أَشْجَارِ الْحَرَمِ، وَيَنْقِلُهَا إِلَى الْحِلِّ، مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا.
وَلَوْ نَقَلَ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَلَ مِنْ بُقْعَةٍ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى أُخْرَى، لَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ.
وَسَوَاءً نَقَلَ أَشْجَارَ الْحَرَمِ، أَوْ أَغْصَانَهَا، إِلَى الْحِلِّ، أَوْ إِلَى الْحَرَمِ، يُنْظَرُ، إِنْ يَبِسَتْ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ.
وَإِنْ نَبَتَتْ فِي الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ.
فَلَوْ قَلَعَهَا قَالِعٌ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ إِبْقَاءً لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ.
وَلَوْ قَلَعَ شَجَرَةً مِنَ الْحِلِّ وَغَرَسَهَا فِي الْحَرَمِ فَنَبَتَتْ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْحَرَمِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ يَدْخُلُ الْحَرَمَ، فَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِالتَّعَرُّضِ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ بِأَصْلٍ ثَابِتٍ، فَاعْتَبَرَ مَكَانَهُ.
وَالشَّجَرُ أَصْلٌ ثَابِتٌ، فَلَهُ حُكْمُ مَنْبَتِهِ.
حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحَرَمِ، وَأَغْصَانُهَا فِي الْحِلِّ، فَقَطَعَ مِنْ أَغْصَانِهَا شَيْئًا، وَجَبَ الضَّمَانُ لِلْغُصْنِ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَأَخْذَهُ، فَلَا ضَمَانَ.
وَعَكْسُهُ: لَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ، وَأَغْصَانُهَا فِي الْحَرَمِ، فَقَطَعَ غُصْنًا مِنْهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَأَخْذَهُ، لَزِمَهُ ضَمَانُهُ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : لَوْ كَانَ بَعْضُ أَصْلِ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ، وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ، فَلِجَمِيعِهَا حُكْمُ الْحَرَمِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوِ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ الْحَرَمِيَّةِ، وَمَنَعَتِ النَّاسَ الطَّرِيقَ، أَوْ آذَتْهُمْ، جَازَ قَطْعُ الْمُؤْذِي مِنْهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا أَخَذَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ، وَلَمْ يُخْلِفْ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ، وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ جَرْحِ الصَّيْدِ.
وَإِنْ أَخْلَفَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِكَوْنِ الْغُصْنِ لَطِيفًا، كَالسِّوَاكِ، وَغَيْرِهِ، فَلَا ضَمَانَ.
وَإِذَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ، فَنَبَتَ وَكَانَ الْمَقْطُوعُ مِثْلَهُ، فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ، كَالْقَوْلَيْنِ فِي السِّنِّ إِذَا نَبَتَ بَعْدَ الْقَلْعِ.
فَرْعٌ
يَجُوزُ أَخْذُ أَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ، لَكِنْ لَا يَخْبِطُهَا، مَخَافَةً مِنْ أَنْ يُصِيبَ قُشُورَهَا.
فَرْعٌ
يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، وَإِنْ شَاءَ بِبَدَنَةٍ، وَمَا دُونَهَا بِشَاةٍ، وَالْمَضْمُونَةُ
بِشَاةٍ مَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ سُبْعِ الْكَبِيرَةِ، فَإِنْ صَغُرَتْ جِدًّا، فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ.
ثُمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّخْيِيرِ كَالصَّيْدِ.
فَرْعٌ
هَلْ يَعُمُّ التَّحْرِيمُ وَالضَّمَانُ مِنَ الْأَشْجَارِ، مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَمَا يَسْتَنْبِتُ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ: التَّعْمِيمُ.
وَالثَّانِي: التَّخْصِيصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالتَّعْمِيمِ.
فَإِذَا قُلْنَا: بِالتَّخْصِيصِ زَادَ قَيْدٌ آخَرُ، وَهُوَ كَوْنُ الشَّجَرِ مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ.
وَعَلَى هَذَا، يَحْرُمُ الْأَرَاكُ وَالطَّرْفَاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَشْجَارِ الْبَوَادِي.
وَأَدْرَجَ الْإِمَامُ فِيهِ الْعَوْسَجَ، لَكِنَّهُ ذُو شَوْكٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَلَا تَحْرُمُ الْمُسْتَنْبَتَاتُ مُثْمِرَةً كَانَتْ، كَالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ، أَوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، كَالْخِلَافِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنْبَتُ أَوْ عَكْسُهُ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْجِنْسِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِالْقَصْدِ، فَيَنْعَكِسُ.
أَمَّا غَيْرُ الْأَشْجَارِ، فَكَلَأُ الْحَرَمِ يَحْرُمُ قَطْعُهُ.
فَإِنْ قَلَعَهُ، لَزِمَهُ الْقِيمَةُ، إِنْ لَمْ يُخْلِفْ.
فَإِنْ أَخْلَفَ، فَلَا قِيمَةَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُنَا الْإِخْلَافُ كَسِنِّ الصَّبِيِّ.
فَلَوْ كَانَ يَابِسًا، فَلَا شَيْءَ فِي قَطْعِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الشَّجَرِ.
فَلَوْ قَلَعَهُ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْلَعْ، لَنَبَتَ ثَانِيًا، ذَكَرَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» .
وَيَجُوزُ تَسْرِيحُ الْبَهَائِمِ فِي حَشِيشِهِ لِتَرْعَى.
وَلَوْ أُخِذَ الْحَشِيشُ لِعَلْفِ الْبَهَائِمِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمَنْعِ، الْإِذْخِرُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِحَاجَةِ السُّقُوفِ وَغَيْرِهَا، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ نَبَاتِ الْحَرَمِ لِلدَّوَاءِ، جَازَ قَطْعُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
يُكْرَهُ نَقْلُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ إِلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ، وَلَا يُكْرَهُ نَقْلُ مَاءِ زَمْزَمِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانٍ: وَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ سِتْرِ الْكَعْبَةِ، وَنَقْلُهُ، وَبَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، خِلَافَ مَا تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ، يَشْتَرُونَهُ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعُوهُ فِي أَوْرَاقِ الْمَصَاحِفِ.
وَمَنْ حَمَلَ مِنْهُ شَيْئًا، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ تُرَابِ الْحَرَمِ، وَلَا أَحْجَارِهِ إِلَى الْحِلِّ.
وَيُكْرَهُ إِدْخَالُ تُرَابِ الْحِلِّ وَأَحْجَارِهِ الْحَرَمَ.
وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَأَمَّا سِتْرُ الْكَعْبَةِ، فَقَدْ قَالَ الْحَلِيمِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَيْضًا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ
[رَحِمَهُ اللَّهُ] بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عَبْدَانَ وَالْحَلِيمِيِّ: الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى الْإِمَامِ، يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا وَعَطَاءً، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «مَكَّةَ» : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَنْزِعُ كُسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ، فَيُقَسِّمُهَا عَلَى الْحَاجِّ.
وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ حَسَنٌ مُتَعَيَّنٌ، لِئَلَّا يُتْلَفَ بِالْبِلَى، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ
[رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ] قَالُوا: وَيُلْبِسُهَا مَنْ صَارَتْ إِلَيْهِ مِنْ جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ طِيبِ الْكَعْبَةِ، فَإِنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ، أَتَى بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَسَحَهَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لَا يَتَعَرَّضُ لِصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَشَجَرِهِ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ
وُوَجْهٌ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
فَإِذَا حَرَّمْنَاهُ، فَفِي الضَّمَانِ قَوْلَانِ.
الْجَدِيدُ: لَا يَضْمَنُ.
وَالْقَدِيمُ: يَضْمَنُ.
وَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: كَحَرَمِ مَكَّةَ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَخْذُ سَلْبِ الصَّائِدِ وَقَاطِعِ الشَّجَرِ.
وَفِي الْمُرَادِ بِالسَّلْبِ: وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: كَسَلْبِ الْقَتِيلِ مِنَ الْكُفَّارِ.
وَالثَّانِي: ثِيَابُهُ فَقَطْ.
وَفِي مَصْرِفِهِ أَوْجُهٌ.
الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لِلسَّالِبِ كَالْقَتِيلِ.
وَالثَّانِي: لِفُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ.
وَالثَّالِثُ: لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ، وَكَلَامَ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ يُسْلَبُ إِذَا اصْطَادَ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِتْلَافُ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا أَدْرِي أَيُسْلَبُ إِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، أَمْ لَا يُسْلَبُ حَتَّى يُتْلِفَهُ؟ قُلْتُ: ذَكَرَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» وَجْهَيْنِ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَتْرُكُ لِلْمَسْلُوبِ مِنْ ثِيَابِهِ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؟ وَاخْتَارَ: أَنَّهُ يَتْرُكُ، وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ «الْحَاوِي» ، وَهُوَ الْأَصْوَبُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَجٌّ: وَادٍ بِصَحْرَاءِ الطَّائِفِ، وَصَيْدُهُ حَرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِي تَحْرِيمِهِ وَكَرَاهَتِهِ خِلَافٌ.
فَعَلَى التَّحْرِيمِ، قِيلَ: حُكْمُهُ فِي الضَّمَانِ كَحَرَمِ الْمَدِينَةِ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» وَالْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ لَا ضَمَّ فِيهِ قَطْعًا.
فَصْلٌ
النَّقِيعُ - بِالنُّونِ وَقِيلَ: بِالْبَاءِ - لَيْسَ بِحَرَمٍ، وَلَكِنْ حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ، فَلَا يَحْرُمُ صَيْدُهُ، لَكِنْ لَا تُمْلَكُ أَشْجَارُهُ وَلَا حَشِيشُهُ.
وَفِي وُجُوبِ ضَمَانِهِمَا عَلَى مُتْلِفِهِمَا، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، كَصَيْدِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ.
فَعَلَى هَذَا، ضَمَانُهُمَا بِالْقِيمَةِ، وَمَصْرِفُهُمَا مَصْرِفُ نَعَمِ الْجِزْيَةِ وَالصَّدَقَةِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ بَيْتَ الْمَالِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
الْمَحْظُورَاتُ، تَنْقَسِمُ إِلَى اسْتِهْلَاكٍ، كَالْحَلْقِ، وَإِلَى اسْتِمْتَاعٍ، كَالطِّيبِ.
وَإِذَا بَاشَرَ مَحْظُورَيْنِ.
فَلَهُ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْتِهْلَاكًا، وَالْآخَرُ اسْتِمْتَاعًا، فَيَنْظُرُ، إِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَلِبْسِ الْقَمِيصِ، تَعَدَّدَتِ الْفِدْيَةُ كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ.
وَإِنِ اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ، كَمَنْ أَصَابَتْ رَأَسَهُ شَجَّةٌ وَاحْتَاجَ إِلَى حَلْقِ جَوَانِبِهَا وَسَتْرِهَا بِضِمَادٍ فِيهِ طِيبٌ، تَعَدَّدَتْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: تَتَدَاخَلُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا اسْتِهْلَاكًا، وَهَذَا ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقَابَلُ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ الصَّيُودُ فَتَعَدُّدُ الْفِدْيَةِ، سَوَاءً فَدَى عَنِ الْأَوَّلِ، أَمْ لَا، اتَّحَدَ الْمَكَانُ، أَوِ اخْتَلَفَ، وَالَى بَيْنَهُمَا أَوْ فَرَّقَ، كَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِمَّا يُقَابَلُ بِمِثْلِهِ، وَالْآخَرُ لَيْسَ مُقَابَلًا، كَالصَّيْدِ وَالْحَلْقِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُقَابَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَيَنْظُرُ، إِنِ اخْتَلَفَ نَوْعُهُمَا، كَالْحَلْقِ وَالْقَلَمِ، تَعَدَّدَتْ، سَوَاءً فَرَّقَ أَوْ وَالَى فِي مَكَانٍ أَوْ مَكَانَيْنِ، بِفِعْلَيْنِ أَمْ بِفِعْلٍ، كَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِدْيَتَانِ.
وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا وَطَلَى رَأْسَهُ بِطِيبٍ سَتَرَهُ بِكَفَّيْهِ،
[فَعَلَيْهِ] فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ، لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ وَتَبَعِيَّةِ الطِّيبِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ، بِأَنْ حَلَقَ فَقَطْ، فَقَدْ سَبَقَ، أَنَّ حَلْقَ ثَلَاثِ شَعْرَاتٍ، فِيهِ فِدْيَةٌ كَامِلَةٌ.
وَلَوْ حَلَقَ جَمِيعَ الرَّأْسِ دُفْعَةً فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَفِدْيَةٌ فَقَطْ.
وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ مُتَوَاصِلًا، فَفِدْيَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْأَنْمَاطِيُّ: فِدْيَتَانِ.
وَلَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي مَكَانَيْنِ أَوْ مَكَانٍ، فِي زَمَانَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ، فَالْمَذْهَبُ: التَّعَدُّدُ.
وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوِ اتَّحَدَ نَوْعُ الِاسْتِمْتَاعِ، وَاخْتَلَفَ الْمَكَانُ أَوِ الزَّمَانُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعْرَاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَمْكِنَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: كُلُّ شَعْرَةٍ تُقَابَلُ بِثُلُثِ دَمٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَلْقِهَا دُفْعَةً أَوْ دُفْعَاتٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: الشَّعْرَةُ بِمُدٍّ أَوْ دِرْهَمٍ، وَالشَّعْرَتَانِ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ الْآنَ.
فَإِنْ لَمْ نُعَدِّدِ الْفِدْيَةَ فِيمَا إِذَا حَلَقَ الرَّأْسَ فِي دُفْعَاتٍ، وَلَمْ نَجْعَلْ لِتُفَرُّقِ الزَّمَانِ أَثَرًا، فَالْوَاجِبُ دَمٌ.
وَإِنْ عَدَّدْنَا وَجَعَلْنَا التَّفْرِيقَ مُؤَثِّرًا، قَطَعْنَا حُكْمَ كُلِّ شَعْرَةٍ عَنِ الْأُخْرَيَيْنِ، وَأَوْجَبْنَا ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ فِي قَوْلٍ، وَثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِي قَوْلٍ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ اسْتِمْتَاعًا.
فَإِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ، بِأَنْ تَطَيَّبَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الطِّيبِ، أَوْ لَبِسَ أَنْوَاعًا، كَالْعِمَامَةِ، وَالْقَمِيصِ، وَالسَّرَاوِيلِ، وَالْخُفِّ، أَوْ نَوْعًا وَاحِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، نُظِرَ، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَكَانٍ عَلَى التَّوَالِي، لَمْ تَتَعَدَّدِ الْفِدْيَةُ، وَلَا يَقْدَحْ فِي التَّوَالِي طُولَ الزَّمَانِ فِي مُضَاعَفَةِ الْقُمُصِ وَتَكْوِيرِ الْعِمَامَةِ.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَكَانَيْنِ، أَوْ مَكَانٍ، وَتَخَلَّلَ زَمَانٌ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَتَخَلَّلِ التَّكْفِيرُ، فَقَوْلَانِ.
الْجَدِيدُ: يَجِبُ لِلثَّانِي فِدْيَةٌ أُخْرَى.
وَالْقَدِيمُ: يَتَدَاخَلُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ فَجَمَعَهُمَا سَبَبٌ وَاحِدٌ، بِأَنْ تَطَيَّبَ، أَوْ لَبِسَ مِرَارًا لِمَرَضٍ وَاحِدٍ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: التَّعَدُّدُ.
وَإِنْ تَحَلَّلَ، وَجَبَتْ فِدْيَةٌ أُخْرَى بِلَا خِلَافٍ.
فَإِنْ
[كَانَ] نَوَى بِمَا أَخْرَجَهُ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ جَمِيعًا، بُنِيَ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَنْثِ الْمَحْظُورِ.
إِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ، فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ النِّيَّةِ.
وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفِدْيَةَ كَالْكَفَّارَةِ فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ، فَلَا يَلْزَمُهُ لِلثَّانِي شَيْءٌ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ.
أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعُ، بِأَنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ، فَالْأَصَحُّ: التَّعَدُّدُ، وَإِنِ اتَّحَدَ الزَّمَانُ، وَالْمَكَانُ، وَالسَّبَبُ.
وَالثَّانِي: التَّدَاخُلُ.
وَالثَّالِثُ: إِنِ اتَّحَدَ السَّبَبُ، تَدَاخَلَ، وَإِلَّا فَلَا.
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ، فَإِنْ تَكَرَّرَ الْجِمَاعُ، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ.
قُلْتُ: لَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ، بِتَعَدُّدِ جِهَةِ التَّحْرِيمِ إِذَا اتَّحَدَ الْفِعْلُ كَمَا سَبَقَ فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا وَأَكَلَهُ، لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَلَوْ بَاشَرَ امْرَأَتَهُ مُبَاشَرَةً تُوجِبُ شَاةً لَوِ انْفَرَدَتْ، ثُمَّ جَامَعَهَا، فَفِي وَجْهٍ: يَكْفِيهِ الْبَدَنَةُ عَنْهُمَا.
وَوَجْهٌ: تَجِبُ شَاةٌ وَبَدَنَةٌ.
وَوَجْهٌ: إِنْ قَصَدَ بِالْمُبَاشِرَةِ الشُّرُوعَ فِي الْجِمَاعِ، فَبَدَنَةٌ، وَإِلَّا فَشَاةٌ وَبَدَنَةٌ.
وَوَجْهٌ: إِنْ طَالَ ال
ْفَصْلُ،
فَشَاةٌ وَبَدَنَةٌ، وَإِلَّا فَبَدَنَةٌ.
وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مَوَانِعِ إِتْمَامِ الْحَجِّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ
هِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ.
الْأَوَّلُ: الْإِحْصَارُ، فَإِذَا أَحْصَرَ الْعَدُوُّ الْمُحْرِمِينَ عَنِ الْمُضِيِّ فِي الْحَجِّ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَلَّلُوا.
فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا، فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُعَجَّلَ التَّحَلُّلُ، فَرُبَّمَا زَالَ الْمَنْعُ فَأُتِمَّ الْحَجُّ.
وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا، فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ التَّحَلُّلِ، لِئَلَّا يَفُوتَ الْحَجُّ.
وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ، التَّحَلُّلُ عِنْدَ الْإِحْصَارِ.
وَلَوْ
مُنِعُوا وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْمُضِيِّ إِلَّا بِبَذْلِ مَالٍ، فَلَهُمُ التَّحَلُّلُ، وَلَا يَبْذِلُونَ الْمَالَ وَإِنْ قَلَّ، بَلْ يُكْرَهُ الْبَذْلُ إِنْ كَانَ الطَّالِبُونَ كُفَّارًا، لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّغَارِ.
وَإِنِ احْتَاجُوا إِلَى قِتَالٍ لِيَسِيرُوا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمَانِعُونَ مُسْلِمِينَ، فَلَهُمُ التَّحَلُّلُ، وَلَا يَلْزَمُهُمُ الْقِتَالُ وَإِنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُمْ قِتَالُهُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الضِّعْفِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ، بَلْ شَرْطُهُ وِجْدَانُهُمُ السِّلَاحَ، وَأُهْبَةَ الْقِتَالِ.
فَإِنْ وَجَدُوا، فَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّحَلُّلِ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِتَالُ، وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ مِنْ كَافِرَيْنَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ، نُصْرَةً لِلْإِسْلَامِ، وَإِتْمَامًا لِلْحَجِّ.
وَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَلَّلُوا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَوْ قَاتَلُوا، فَلَهُمْ لِبْسُ الدُّرُوعِ وَالْمَغَافِرِ، وَعَلَيْهِمِ الْفِدْيَةُ كَمَنْ لَبِسَ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ.
فَرْعٌ
مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِلَا خِلَافٍ، هُوَ فِيمَا إِذَا مَنَعُوا الْمُضِيَّ، دُونَ الرُّجُوعِ.
فَأَمَّا لَوْ أَحَاطَ بِهِمُ الْعَدُوُّ مِنَ الْجَوَانِبِ كُلِّهَا، فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا: جَوَازُ التَّحَلُّلِ أَيْضًا.
وَالثَّانِي: لَا، إِذْ لَا يَحْصُلُ بِهِ أَمْنٌ.
فَصْلٌ
لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَبْرَأَ.
فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ، أَتَمَّهَا.
وَإِنْ كَانَ بِحَجٍّ وَفَاتَهُ، تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ زَوَالَ الْمَرَضِ، بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَشْرِطِ التَّحَلُّلَ بِالْمَرَضِ.
فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ إِذَا مَرِضَ تَحَلَّلَ، فَطَرِيقَانِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: يَصِحُّ الشَّرْطُ
فِي الْقَدِيمِ.
وَفِي الْجَدِيدِ: قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الصِّحَّةُ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ، لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ.
وَلَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ لِغَرَضٍ آخَرَ، كَضَلَالِ الطَّرِيقِ.
وَفَرَاغِ النَّفَقَةِ، وَالْخَطَأِ فِي الْعَدَدِ، فَهُوَ كَالْمَرَضِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ قَطْعًا وَحَيْثُ صَحَّحْنَا الشَّرْطَ، فَتَحَلَّلَ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْيِ، لَزِمَهُ الْهَدْيُ.
وَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلَا هَدْيٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَلْزَمْهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً عِنْدَ الْمَرَضِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ شَرْطِ التَّحَلُّلِ، وَنُصَّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا مَرِضْتُ، فَأَنَا حَلَالٌ، فَيَصِيرُ حَلَالًا بِنَفْسِ الْمَرَضِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنَ التَّحَلُّلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الْمَنْصُوصُ: الْأَوَّلُ.
فَصْلٌ
يَلْزَمُ مَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ، دَمُ شَاةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ مِنْهُ شَرْطٌ.
فَإِنْ كَانَ شَرَطَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إِذَا أُحْصِرَ، فَفِي تَأْثِيرِ هَذَا الشَّرْطِ فِي إِسْقَاطِ الدَّمِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ تَحَلَّلَ بِشَرْطِ الْمَرَضِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ جَائِزٌ بِلَا شَرْطٍ، فَشَرْطُهُ لَاغٍ.
فَرْعٌ
اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ، هَلْ لَهُ بَدَلٌ وَمَا بَدَلُهُ؟ وَهُوَ عَلَى
التَّرْتِيبِ، أَمِ التَّخْيِيرِ؟ وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ هَذَا كُلِّهِ فِي الْبَابِ الْآتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا بَدَلَ، وَكَانَ وَاجِدًا لِدَمٍ، ذَبَحَهُ، وَنَوَى التَّحَلُّلَ عِنْدَهُ.
وَإِنَّمَا اشْتُرِطَتِ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّحَلُّلِ وَلِغَيْرِهِ، فَيَشْتَرِطُ قَصْدَ صَارِفٍ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ لِإِعْسَارِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهَلْ يَتَحَلَّلُ فِي الْحَالِ، أَمْ يَتَوَقَّفُ التَّحَلُّلُ عَلَى وُجُودِهِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: التَّحَلُّلُ فِي الْحَالِ، وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ.
وَهَلْ يَجِبُ الْحَلْقُ؟ إِنْ قُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ، فَنَعَمْ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّا إِنِ اعْتَبَرْنَا الذَّبْحَ وَالْحَلْقَ مَعَ النِّيَّةِ، فَالتَّحَلُّلُ بِالثَّلَاثَةِ.
وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرِ الذَّبْحَ، حَصَلَ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْحَلْقِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: الْحَلْقُ لَيْسَ بِنُسُكٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِدَمِ الْإِحْصَارِ بَدَلٌ، فَإِنْ كَانَ يُطْعَمُ، تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ عَلَيْهِ، كَتَوَقُّفِهِ عَلَى الذَّبْحِ.
وَإِنْ كَانَ يَصُومُ، فَكَذَلِكَ مَعَ تَرَتُّبِ الْخِلَافِ.
وَمَنْعُ التَّوَقُّفِ هُنَا أَوْلَى لِلْمَشَقَّةِ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْإِحْرَامِ، لِطُولِ مُدَّةِ الصَّوْمِ.
فَرْعٌ
لَا يُشْتَرَطُ بَعْثُ دَمِ الْإِحْصَارِ إِلَى الْحَرَمِ، بَلْ يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَيَتَحَلَّلُ، وَكَذَا مَا لَزِمَهُ مِنْ دِمَاءِ الْمَحْظُورَاتِ قَبْلَ الْإِحْصَارِ، وَمَا مَعَهُ مِنْ هَدْيٍ، وَيُفَرِّقُ لُحُومَهَا عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
هَذَا إِنْ صُدَّ عَنِ الْحَرَمِ.
فَإِنْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ دُونَ أَطْرَافِ الْحَرَمِ، فَهَلْ لَهُ الذَّبْحُ فِي الْحِلِّ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ.
الْمَانِعُ الثَّانِي: الْحَصْرُ الْخَاصُّ الَّذِي يَتَّفِقُ لِوَاحِدٍ، أَوْ شِرْذِمَةٍ مِنَ الرُّفْقَةِ.
فَيَنْظُرُ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْرِمُ مَعْذُورًا فِيهِ، كَمَنْ حُبِسَ فِي دَيْنٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَائِهِ، فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ وَيَمْضِيَ فِي حَجِّهِ.
فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي الْحَبْسِ، لَزِمَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ وَيَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ.
وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، كَمَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا، أَوْ بِدَيْنٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَائِهِ، جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَقَالَ الْمَرَاوِزَةُ: فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ.
الْمَانِعُ الثَّالِثُ: الرِّقُّ.
فَإِحْرَامُ الْعَبْدِ يَنْعَقِدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ.
فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ، سَوَاءً بَقِيَ نُسُكُهُ صَحِيحًا أَوْ أَفْسَدَهُ.
وَلَوْ بَاعَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ، وَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ جَهِلَ إِحْرَامَهُ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي إِتْمَامِ نُسُكِهِ.
فَإِنْ حَلَّلَهُ، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ، تَخْرِيجًا مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الزَّوْجَةِ إِذَا أَحْرَمَتْ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا شَاذٌّ مُنْكَرٌ.
قُلْتُ: قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ: وَلَوْ بَاعَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ كَالْبَائِعِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أُذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
فَإِنْ رَجَعَ وَلَمْ يَعْلَمِ الْعَبْدُ، فَأَحْرَمَ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْعُمْرَةِ، فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ.
قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَظَنِّيٌّ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَنِ الْخِلَافِ.
قُلْتُ: ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الصُّورَتَيْنِ وَجْهَيْنِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ قَوْلُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّمَتُّعِ، فَلَهُ مَنْعُهُ مِنَ الْحَجِّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ عَنِ الْعُمْرَةِ، وَلَا عَنِ الْحَجِّ، بَعْدَ الشُّرُوعِ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْحَجِّ أَوِ التَّمَتُّعِ، فَقَرَنَ، لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُ.
وَلَوْ أَذِنَ أَنْ يُحْرِمَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَأَحْرَمَ فِي شَوَّالٍ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ قَبْلَ دُخُولِ ذِي الْقِعْدَةِ، وَبَعْدَ دُخُولِهِ، فَلَا.
وَإِذَا أَفْسَدَ الْعَبْدُ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ.
وَهَلْ يُجْزِئُهُ الْقَضَاءُ فِي الرِّقِّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الصَّبِيِّ: فَإِنْ قُلْنَا: يُجْزِئُ، لَمْ يُلْزَمُ السَّيِّدُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ إِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَكُلُّ دَمٍ لَزِمَهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، كَاللِّبَاسِ، وَالصَّيْدِ، أَوْ بِالْفَوَاتِ، لَمْ يُلْزَمِ السَّيِّدُ بِحَالٍ سَوَاءً أَحَرَمَ بِإِذْنِهِ أَمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ
ثُمَّ الْعَبْدُ، لَا مِلْكَ لَهُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ بِذَبْحٍ.
فَإِنْ مَلَكَهُ السَّيِّدُ، فَعَلَى الْقَدِيمِ: يَمْلِكُ، فَيَلْزَمُ إِخْرَاجُهُ.
وَعَلَى الْجَدِيدِ، لَا يَمْلِكُ، فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ، وَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ فِي حَالِ الرِّقِّ إِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَكَذَا بِإِذْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي مُوجِبِهِ.
وَلَوْ قَرَنَ، أَوْ تَمَتَّعَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَحُكْمُ دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ حُكْمُ دِمَاءِ الْمَحْظُورَاتِ.
وَإِنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ بِإِذْنِهِ، فَهَلْ يَجِبُ الدَّمُ عَلَى السَّيِّدِ؟ الْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ.
وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّ السَّيِّدَ يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ عَلَى الْقَدِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْمَهْرِ، وَلِلدَّمِ بَدَلٌ، وَهُوَ الصَّوْمُ، وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهِ.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، فَأُحْصِرَ وَتَحَلَّلَ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا بَدَلَ لِدَمِ الْإِحْصَارِ، صَارَ السَّيِّدُ ضَامِنًا عَلَى الْقَدِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ بَدَلٌ، فَفِي صَيْرُورَتِهِ ضَامِنًا لَهُ فِي الْقَدِيمِ، قَوْلَانِ.
وَإِذَا لَمْ نُوجِبِ الدَّمَ عَلَى السَّيِّدِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الصَّوْمُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأِذْنِهِ فِي سَبَبِهِ.
وَلَوْ مَلَكَ السَّيِّدُ هَدْيًا، وَقُلْنَا: يَمْلِكُهُ، أَرَاقَهُ، وَإِلَّا، لَمْ تَجُزْ إِرَاقَتُهُ.
وَلَوْ أَرَاقَهُ السَّيِّدُ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
وَلَوْ أَرَاقَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، جَازَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ تَكْفِيرِهِ.
وَالتَّمْلِيكُ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَلِهَذَا، لَوْ تَصَدَّقَ عَنْ مَيِّتٍ جَازَ.
وَلَوْ عَتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ صَوْمِهِ وَوَجَدَ هَدْيًا، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إِنِ اعْتَبَرْنَا فِي الْكَفَّارَةِ حَالَ الْأَدَاءِ أَوِ الْأَغْلَظِ.
وَإِنِ اعْتَبَرْنَا حَالَ الْوُجُوبِ، فَلَهُ الصَّوْمُ.
وَهَلْ لَهُ الْهَدْيُ؟ قَوْلَانِ.
فَرْعٌ
حَيْثُ جَوَّزْنَا لِلسَّيِّدِ تَحْلِيلَهُ، أَرَدْنَا أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالتَّحَلُّلِ، لَا أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِمَا يَحْصُلُ
بِهِ التَّحَلُّلُ، إِذْ غَايَتُهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ وَيَمْنَعَهُ الْمُضِيَّ، وَيَأْمُرَهُ بِفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ، أَوْ يَفْعَلُهَا بِهِ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْإِحْرَامُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا.
وَإِذَا جَازَ لِلْعَبْدِ تَحْلِيلُهُ، جَازَ لِلْعَبْدِ التَّحَلُّلُ.
ثُمَّ إِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا، وَقُلْنَا: يَمْلِكُ، ذَبَحَ وَنَوَى التَّحَلُّلَ، أَوْ حَلَقَ وَنَوَى التَّحَلُّلَ، وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْحُرِّ، فَيَتَوَقَّفُ تَحَلُّلُهُ عَلَى وُجُودِ الْهَدْيِ، إِنْ قُلْنَا: لَا بَدَلَ لِدَمِ الْإِحْصَارِ، أَوْ عَلَى الصَّوْمِ، إِنْ قُلْنَا: لَهُ بَدَلٌ.
كُلُّ هَذَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَعَلَى أَظْهَرِهِمَا: لَا يَتَوَقَّفُ، بَلْ يَكْفِيهِ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ وَالْحَلْقِ إِنْ قُلْنَا: نُسُكٌ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي، الْقَطْعُ بِهَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي.
وَهَذَا الطَّرِيقُ، هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، لِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِي انْتِظَارِ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِسَيِّدِهِ، وَقَدْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ.
فَرْعٌ
أُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبِّرُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، كَالْقِنِّ.
وَلَوْ أَحْرَمَ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَوْلَى، فَقِيلَ: فِي جَوَازِ تَحْلِيلِهِ قَوْلَانِ، كَمَنْعِهِ مِنْ سَفَرِ التِّجَارَةِ.
وَقِيلَ: لَهُ تَحْلِيلُهُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ مَنْفَعَةٌ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ.
فَرْعٌ
يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْحَجِّ مِنَ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ.
فَلَوْ أَتَى بِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ، هَلْ يُجْزِئُهُ؟ وَجْهَانِ.
[قُلْتُ: الْأَصَحُّ.
يُجْزِئُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.]
الْمَانِعُ الرَّابِعُ: الزَّوْجِيَّةُ.
يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تُحْرِمَ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا،
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْحَجُّ بِهَا.
فَلَوْ أَرَادَتْ أَدَاءَ فَرْضِ حَجِّهَا، فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ، بَلْ لَهَا أَنْ تُحْرِمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهَذَا، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا، لَمْ يَمْلُكْ تَحْلِيلَهَا، وَإِلَّا، فَيَمْلُكُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَأَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ.
فَإِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ، فَلَهُ تَحْلِيلُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: يُحَلِّلُهَا.
فَمَعْنَاهُ: يَأْمُرُهَا بِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْعَبْدِ.
وَتَحَلُّلُهَا كَتَحَلُّلِ الْحُرِّ الْمُحْصَرِ سَوَاءٌ.
وَلَوْ لَمْ تَتَحَلَّلْ، فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا، وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا، كَذَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فِيهِ الْإِمَامُ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً، فَعَلَيْهِ حَبْسُهَا لِلْعِدَّةِ، وَلَيْسَ لَهَا التَّحَلُّلُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ رَجْعِيَّةً، فَيُرَاجِعُهَا وَيُحَلِّلُهَا.
فَرْعٌ
الْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ، لَيْسَ لَهَا الْإِحْرَامُ إِلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ جَمِيعًا.
الْمَانِعُ الْخَامِسُ: مَنْعُ الْأَبَوَيْنِ، فَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَحِجَّ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا، أَوْ بِإِذْنِهِ.
وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَنْعُهُ مِنَ الْإِحْرَامِ بِالتَّطَوُّعِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ.
وَهَلْ لَهُمَا تَحْلِيلُهُ؟ قَوْلَانِ سَبَقَ نَظِيرُهُمَا.
وَأَمَّا حَجُّ الْفَرْضِ، فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنَ الْإِحْرَامِ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالزَّوْجَةِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ، فَلَا مَنْعَ بِحَالٍ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ مُنْكَرٌ.
الْمَانِعُ السَّادِسُ: الدَّيْنُ.
فَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَهُوَ مُوسِرٌ، يَجُوزُ لِمُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ مَنْعُهُ مِنَ الْخُرُوجِ وَحَبْسُهُ.
فَإِنْ أَحْرَمَ، فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ كَمَا سَبَقَ، بَلْ عَلَيْهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَالْمُضِيُّ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَلَا مُطَالَبَةَ وَلَا مَنْعَ، وَكَذَا لَا مَنْعَ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْرُجَ حَتَّى يُوَكِّلَ مَنْ يَقْضِي الدَّيْنَ عِنْدَ حُلُولِهِ.
فَصْلٌ
إِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصِرُ، فَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا، فَلَا قَضَاءَ، وَإِلَّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا كَحِجَّةِ الْإِسْلَامِ فِيمَا بَعْدَ السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ سِنِّيِ الْإِمْكَانِ، وَكَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، فَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَفْيِ الْقَضَاءِ، هُوَ فِي الْحَصْرِ الْعَامِّ.
فَأَمَّا الْخَاصُّ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ كَالْعَامِّ.
وَقِيلَ: يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ.
فَرْعٌ
لَوْ صُدَّ عَنْ طَرِيقٍ، وَهُنَاكَ طَرِيقٌ آخَرُ، نُظِرَ، إِنْ تَمَكَّنَ مِنْ سُلُوكِهِ، بِأَنْ وَجَدَ شَرَائِطَ الِاسْتِطَاعَةِ فِيهِ، لَزِمَهُ سُلُوكُهُ، سَوَاءً طَالَ هَذَا الطَّرِيقُ، أَمْ قَصُرَ، سَوَاءً رَجَا الْإِدْرَاكَ، أَمْ خَافَ الْفَوَاتَ، أَمْ تَيَقَّنَهُ، بِأَنْ أُحْصِرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ بِالْعِرَاقِ مَثَلًا، فَيَجِبُ الْمُضِيُّ وَالتَّحَلُّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ بِحَالٍ، وَإِذَا سَلَكَهُ كَمَا أَمَرْنَاهُ، فَفَاتَهُ الْحَجُّ لِطُولِ الطَّرِيقِ الثَّانِي، أَوْ خُشُونَتِهِ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَحْصُلُ الْفَوَاتُ بِسَبَبِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ
مُحْصَرٌ، وَلِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ كَمَا لَوْ سَلَكَهُ ابْتِدَاءً فَفَاتَهُ بِضَلَالِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ.
وَلَوِ اسْتَوَى الطَّرِيقَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَجَبَ الْقَضَاءُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ فَوَاتٌ مَحْضٌ.
وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الْآخَرِ، فَهُوَ كَالصَّدِّ الْمُطْلَقِ.
وَلَوْ أُحْصِرَ، فَصَابَرَ الْإِحْرَامَ مُتَوَقِّعًا زَوَالَهُ، فَفَاتَهُ الْحَجُّ، وَالْإِحْصَارُ دَائِمٌ، تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَفِي الْقَضَاءِ، طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ فَاتَهُ لِطُولِ الطَّرِيقِ الثَّانِي.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ تَسَبَّبَ بِالْمُصَابَرَةِ فِي الْفَوَاتِ.
فَرْعٌ
لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ بَيْنَ أَنْ يَتَّفِقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا بَيْنَ الْإِحْصَارِ عَنِ الْبَيْتِ فَقَطْ، أَوْ عَنِ الْمَوْقِفِ فَقَطْ، أَوْ عَنْهُمَا.
ثُمَّ إِنْ كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى أَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّحَلُّلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، لَزِمَهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ، لِلْفَوَاتِ.
وَإِنْ لَمْ يَزُلِ الْحَصْرُ، تَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ، وَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ هَدْيَانِ.
أَحَدُهُمَا: لِلْفَوَاتِ، وَالْآخَرُ: لِلتَّحَلُّلِ.
وَإِنْ كَانَ الْإِحْصَارُ بَعْدَ الْوُقُوفِ، فَإِنْ تَحَلَّلَ، فَذَاكَ.
وَهَلْ يَجُوزُ الْبِنَاءُ لَوِ انْكَشَفَ الْإِحْصَارُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الْجَدِيدُ: لَا يَجُوزُ، وَالْقَدِيمُ: يَجُوزُ.
وَيُحْرِمُ إِحْرَامًا نَاقِصًا وَيَأْتِي بِبَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ لَمْ يَبِنْ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَجَبَ الْقَضَاءُ.
وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ حَتَّى فَاتَهُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ، فَهُوَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى وُجُوبِ الدَّمِ لِفَوَاتِهِمَا، كَغَيْرِ الْمُحْصَرِ.
وَبِمَاذَا يَتَحَلَّلُ؟ بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ، أَمْ لَا؟ وَأَنَّ فَوَاتَ زَمَنِ الرَّمْيِ كَالرَّمْيِ، أَمْ لَا؟ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا.
فَإِنْ قُلْنَا: فَوَاتُ وَقْتِ الرَّمْيِ كَالرَّمْيِ، وَقُلْنَا: الْحَلْقُ نُسُكٌ، حَلْقٌ وَتَحَلُّلُ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِنُسُكٍ، حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِمُضِيِّ زَمَنِ الرَّمْيِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَالطَّوَافُ بَاقٍ عَلَيْهِ.
فَمَتَى أَمْكَنَهُ طَافَ، فَيَتِمُّ حِجُّهُ.
ثُمَّ إِذَا تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ الْوَاقِعِ بَعْدَ
الْوُقُوفِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ.
وَحَكَى صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ قَوْلَيْنِ، وَطَرَدَهُمَا فِي كُلِّ صُورَةٍ أَتَى فِيهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكٍ لِتَأَكُّدِ الْإِحْرَامِ بِذَلِكَ النُّسُكِ.
وَلَوْ صُدَّ عَنْ عَرَفَاتٍ وَلَمْ يُصَدَّ عَنْ مَكَّةَ، فَيَدْخُلُ مَكَّةَ وَيَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ.
وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ قَوْلَانِ سَبَقَا.
فَصْلٌ
فِي حُكْمِ فَوَاتِ الْحَجِّ
فَوَاتُهُ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ، وَإِذَا فَاتَ تَحَلَّلَ بِالطَّوَافِ وَالَسَّعْيِ وَالْحَلْقِ، وَالطَّوَافُ لَا بُدَّ مِنْهُ قَطْعًا.
وَكَذَا السَّعْيُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى عَقِيبَ طَوَافِ الْقُدُومِ.
وَفِي قَوْلٍ: لَا حَاجَةَ إِلَى السَّعْيِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ.
وَأَمَّا الْحَلْقُ، فَيَجِبُ إِنْ قُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَا يَجِبُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ بِمِنَى وَإِنْ بَقِيَ وَقْتُهُمَا.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَالِاصْطَخْرِيُّ: يَجِبُ.
ثُمَّ إِذَا تَحَلَّلَ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، لَا يَنْقَلِبُ حَجُّهُ عُمْرَةً، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ.
وَفِي وَجْهٍ: يَنْقَلِبُ عُمْرَةً، وَهُوَ شَاذٌّ.
ثُمَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، إِنْ كَانَ حَجُّهُ فَرْضًا، فَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا كَانَ.
وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ.
وَفِي وُجُوبِ الْفَوْرِ فِي الْقَضَاءِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْإِفْسَادِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ عُمْرَةٍ مَعَ الْحَجِّ عِنْدَنَا، وَيَلْزَمُ مَعَ الْقَضَاءِ لِلْفَوَاتِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخْرِجٌ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمَانِ.
أَحَدُهُمَا: لِلْفَوَاتِ، وَالْآخَرُ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُتَمَتِّعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَحَلَّلَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْفَوَاتِ مِمَّا يُعْذَرُ فِيهِ كَالنَّوْمِ، أَمْ فِيهِ تَقْصِيرٌ.
بَابُ
الدِّمَاءِ
الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ فِي الْمَنَاسِكِ، سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِتَرْكٍ وَاجِبٍ، أَوِ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ، إِذَا أَطْلَقْنَاهَا، أَرَدْنَا شَاةً.
فَإِنْ
[كَانَ] الْوَاجِبُ غَيْرَهَا، كَالْبَدَنَةِ فِي الْجِمَاعِ، نَصَصْنَا عَلَيْهَا.
وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا جَمِيعُهَا إِلَّا مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَةِ، إِلَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ، فِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَفِي الْكَبِيرِ كَبِيرٌ.
وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ شَاةٌ، جَازَ لَهُ ذَبْحُ بَقَرَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ مَكَانَهَا، إِلَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ.
وَإِذَا ذَبَحَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً مَكَانَ الشَّاةِ، فَهَلِ الْجَمِيعُ فَرْضٌ حَتَّى لَا يَجُوزُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهَا أَمِ الْفَرْضُ سُبْعُهَا حَتَّى يَجُوزَ لَهُ أَكْلُ الْبَاقِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ سُبْعُهَا، صَحَّحَهُ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» وَغَيْرُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ ذَبَحَ بَدَنَةً وَنَوَى التَّصَدُّقَ بِسُبْعِهَا عَنِ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، وَأَكَلَ الْبَاقِيَ، جَازَ.
وَلَهُ أَنْ يَنْحَرَ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ لَزِمَتْهُ.
وَلَوِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي ذَبْحِ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، وَأَرَادَ بَعْضُهُمُ الْهَدْيَ، وَبَعْضُهُمُ الْأُضْحِيَةَ، وَبَعْضُهُمُ اللَّحْمَ، جَازَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ فِي شَاتَيْنِ، لِإِمْكَانِ الِانْفِرَادِ.
فَصْلٌ
فِي كَيْفِيَّةِ وُجُوبِ الدِّمَاءِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا
وَفِيهِ نَظَرَانِ.
أَحَدُهُمَا: النَّظَرُ فِي أَيِّ دَمٍ يَجِبُ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَيُّ دَمٍ يَجِبُ عَلَى التَّخْيِيرِ؟
وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ مُتَقَابِلَتَانِ، فَمَعْنَى التَّرْتِيبِ: أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الذَّبْحُ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ، إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنْهُ.
وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ.
وَالنَّظَرُ الثَّانِي: فِي أَنَّهُ، أَيُّ دَمٍ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، وَأَيُّ دَمٍ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدِيلِ؟ وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ مُتَقَابِلَتَانِ.
فَمَعْنَى التَّقْدِيرِ: أَنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَ الْبَدَلَ الْمَعْدُولَ إِلَيْهِ تَرْتِيبًا أَوْ تَخْيِيرًا بِقَدْرٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
وَمَعْنَى التَّعْدِيلِ: أَنَّهُ أَمَرَ فِيهِ بِالتَّقْوِيمِ وَالْعُدُولِ إِلَى غَيْرِهِ بِحَسَبِ الْقِيمَةِ.
فَكُلُّ دَمٍ بِحَسَبِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: التَّرْتِيبُ وَالتَّقْدِيرُ.
وَالثَّانِي: التَّرْتِيبُ وَالتَّعْدِيلُ.
وَالثَّالِثُ: التَّخْيِيرُ وَالتَّقْدِيرُ.
وَالرَّابِعُ: التَّخْيِيرُ وَالتَّعْدِيلُ.
وَتَفْصِيلُهَا بِثَمَانِيَةِ أَنْوَاعٍ.
أَحَدُهَا: دَمُ التَّمَتُّعِ، وَهُوَ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ، كَمَا وَرَدَ بِهِ نَصُّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ.
وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ، وَذَكَرْنَا أَنَّ دَمَ الْقِرَانِ فِي مَعْنَاهُ.
وَفِي دَمِ الْفَوَاتِ، طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ كَدَمَ التَّمَتُّعَ فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَدَمِ الْجِمَاعِ فِي الْأَحْكَامِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا شَاةً، وَالْجِمَاعُ بَدَنَةً، لَاشْتِرَاكِ الصُّورَتَيْنِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ.
الثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ، وَهُوَ دَمُ تَخْيِيرٍ وَتَعْدِيلٍ، وَيَخْتَلِفُ بِكَوْنِ الصَّيْدِ مِثْلِيًّا أَوْ غَيْرِهِ، وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ.
وَجَزَاءُ شَجَرِ الْحَرَمِ، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ.
وَسَبَقَ حِكَايَةُ قَوْلٍ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَوْرٍ، أَنَّ دَمَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
الثَّالِثُ: دَمُ الْحَلْقِ وَالْقَلْمِ، وَهُوَ دَمُ تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ.
فَإِذَا حَلَقَ جَمِيعَ شَعْرِهِ، أَوْ ثَلَاثَ شَعْرَاتٍ، يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً، وَبَيْنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ طَعَامٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَإِذَا تَصَدَّقَ بِالْآصُعِ، وَجَبَ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحَكَى فِي «الْعُدَّةِ» وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ مَا يُعْطَى كُلُّ مِسْكِينٍ.
الرَّابِعُ: الدَّمُ الْمَنُوطُ بِتَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ، كَالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَبِمِنَى لَيَالِي التَّشْرِيقِ، وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ.
وَفِي هَذَا الدَّمِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَكَثِيرُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ: أَنَّهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الدَّمِ، صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَرْتِيبٌ وَتَعْدِيلٌ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ هُوَ الْقِيَاسُ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَى التَّقْدِيرِ بِتَوْقِيفٍ.
فَعَلَى هَذَا، يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شَاةٍ.
فَإِنْ عَجَزَ، قَوَّمَهَا دَرَاهِمَ وَاشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ.
فَإِنْ عَجَزَ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَإِذَا تَرَكَ حَصَاةً، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالًا فِي أَنَّ الْوَاجِبَ مُدٌّ، أَوْ دِرْهَمٌ، أَوْ ثُلُثُ شَاةٍ؟ فَإِنْ عَجَزَ، فَالطَّعَامُ، ثُمَّ الصَّوْمُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ دَمُ تَرْتِيبٍ.
فَإِنْ عَجَزَ، لَزِمَهُ صَوْمُ الْحَلْقِ.
وَالرَّابِعُ: دَمُ تَخْيِيرٍ وَتَعْدِيلٍ، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ.
الْخَامِسُ: دَمُ الِاسْتِمْتَاعِ، كَالتَّطَيُّبِ وَالِادِّهَانِ وَاللَّبْسِ وَمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ، فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
الْأَصَحُّ: أَنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ، وَتَقْدِيرٍ، كَالْحَلْقِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّرَفُّهِ.
وَالثَّانِي: تَخْيِيرٌ وَتَعْدِيلٌ، كَالصَّيْدِ.
وَالثَّالِثُ: تَرْتِيبٌ وَتَعْدِيلٌ.
وَالرَّابِعُ: تَرْتِيبٌ وَتَقْدِيرٌ، كَالتَّمَتُّعِ.
السَّادِسُ: دَمُ الْجِمَاعِ،
[وَ] فِيهِ طُرُقٌ لِلْأَصْحَابِ، وَاخْتِلَافُ مُنْتَشِرٍ، الْمَذْهَبُ مِنْهُ: أَنَّهُ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَعْدِيلٍ، فَيَجِبُ بَدَنَةٌ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا، فَبَقَرَةٌ.
فَإِنْ عَجَزَ، فَسَبْعَةٌ مِنَ الْغَنَمِ.
فَإِنْ عَجَزَ، قَوَّمَ الْبَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمُ بِطَعَامٍ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
فَإِنْ عَجَزَ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَقِيلَ: إِذَا عَجَزَ عَنِ الْغَنَمِ، قَوَّمَ الْبَدَنَةَ وَصَامَ.
فَإِنْ عَجَزَ، أَطْعَمَ، فَيُقَدِّمُ الصِّيَامَ عَلَى الْإِطْعَامِ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: لَا مَدْخَلَ لِلْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ هُنَا، بَلْ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْغَنَمِ، ثَبَتَ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَجِدَ تَخْرِيجًا مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي دَمِ الْإِحْصَارِ.
وَلَنَا قَوْلٌ: وَقِيلَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبَدَنَةِ، وَالْبَقَرَةِ، وَالْغَنَمِ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا، فَالْإِطْعَامُ
ثُمَّ الصَّوْمُ.
وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبَدَنَةِ، وَالْبَقَرَةِ، وَالسَّبْعِ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْإِطْعَامِ، وَالصِّيَامِ.
السَّابِعُ: دَمُ الْجِمَاعِ الثَّانِي، أَوِ الْجِمَاعُ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ.
وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ، أَنَّ وَاجِبَهُمَا بَدَنَةٌ، أَمْ شَاةٌ؟ إِنْ قُلْنَا: بَدَنَةٌ، فَهِيَ فِي الْكَيْفِيَّةِ كَالْجِمَاعِ الْأَوَّلِ قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ، وَإِلَّا، فَكَمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ.
الثَّامِنُ: دَمُ الْإِحْصَارِ، فَمَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا عُدُولَ عَنْهَا إِذَا وَجَدَهَا.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا، فَهَلْ لَهُ بَدَلٌ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ، كَسَائِرِ الدِّمَاءِ.
وَالثَّانِي: لَا، إِذْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ بَدَلُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْبَدَلِ، فَفِيهِ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا: بَدَلُهُ الْإِطْعَامُ بِالتَّعْدِيلِ.
فَإِنْ عَجَزَ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ عَلَى هَذَا، بَيْنَ صَوْمِ الْحَلْقِ وَإِطْعَامِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: بَدَلُهُ الْإِطْعَامُ فَقَطْ، وَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: ثَلَاثَةُ آصُعٍ، كَالْحَلْقِ.
وَالثَّانِي: يُطْعِمُ مَا يَقْتَضِيهِ التَّعْدِيلُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: بَدَلُهُ الصَّوْمُ فَقَطْ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: عَشْرَةُ أَيَّامٍ.
وَالثَّانِي: ثَلَاثَةٌ.
وَالثَّالِثُ: بِالتَّعْدِيلِ عَنْ كُلِّ مَدٍّ يَوْمًا.
وَلَا مَدْخَلَ لِلطَّعَامِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ قَدْرُ الصِّيَامِ.
وَالْمَذْهَبُ عَلَى الْجُمْلَةِ: التَّرْتِيبُ وَالتَّعْدِيلُ.
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ زَمَانِ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَمَكَانِهَا
أَمَّا الزَّمَانُ: فَالدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ فِي الْإِحْرَامِ لِارْتِكَابِ مَحْظُورٍ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ، لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ، بَلْ تَجُوزُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَغَيْرِهِ.
وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ الضَّحَايَا، ثُمَّ مَا سِوَى دَمِ الْفَوَاتِ يُرَاقُ فِي النُّسُكِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وَأَمَّا دَمُ الْفَوَاتِ، فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى سُنَّةِ الْقَضَاءِ.
وَهَلْ تَجُوزُ إِرَاقَتُهُ فِي سُنَّةِ الْفَوَاتِ؟ قَوْلَانِ:
أَظْهَرُهُمَا: لَا، بَلْ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ إِلَى سُنَّةِ الْقَضَاءِ.
وَالثَّانِي، نَعَمْ، كَدِمَاءِ الْإِفْسَادِ.
فَعَلَى هَذَا، وَقْتُ الْوُجُوبِ سُنَّةُ الْفَوَاتِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ، فَفِي وَقْتِ الْوُجُوبِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: وَقَتُهُ إِذَا أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ، كَمَا يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ.
وَلِهَذَا نَقُولُ: لَوْ ذَبَحَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْفَائِتِ، لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَوْ ذَبَحَ الْمُتَمَتِّعُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ، هَذَا إِذَا كَفَّرَ بِالدَّمِ، أَمَّا إِذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، فَإِنْ قُلْنَا: وَقْتُ الْوُجُوبِ أَنْ يَحْرُمَ بِالْقَضَاءِ، لَمْ يُقَدَّمْ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَيَصُومُ السَّبْعَةَ إِذَا رَجَعَ، وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ بِالْفَوَاتِ، فَفِي جَوَازِ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ فِي حَجَّةِ الْفَوَاتِ وَجْهَانِ: وَوَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ إِحْرَامٌ نَاقِصٌ.
وَأَمَّا الْمَكَانُ، فَالدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ عَلَى الْمُحْرِمِ ضَرْبَانِ.
وَاجِبٌ عَلَى الْمُحْصَرِ بِالْإِحْصَارِ، أَوْ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ.
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْإِحْصَارِ.
وَوَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ، وَيَجِبُ تَفْرِيقُ لَحْمِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، سَوَاءٌ الْغُرَبَاءُ الطَّارِئُونَ وَالْمُسْتَوْطِنُونَ، لَكِنَّ الصَّرْفَ إِلَى الْمُسْتَوْطِنِينَ أَفْضَلُ.
وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ.
فَلَوْ ذَبَحَ فِي طَرَفِ الْحِلِّ، لَمْ يُجْزِهِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ ذَبْحُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ، بِشَرْطِ أَنْ يُنْقَلَ وَيُفَرَّقَ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ تَغَيُّرِ اللَّحْمِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَسَائِرُ مَا يَجِبُ بِسَبَبٍ فِي الْحِلِّ أَوِ الْحَرَمِ، أَوْ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، كَالْحَلْقِ لِلْأَدْنَى، أَوْ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ.
وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ.
مَا أُنْشِئَ بِسَبَبِهِ فِي الْحِلِّ، يَجُوزُ ذَبْحُهُ وَتَفْرِقَتُهُ فِي الْحِلِّ، كَدَمِ الْإِحْصَارِ.
وَفِي وَجْهٍ: مَا وَجَبَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، لَا يَخْتَصُّ ذَبْحُهُ وَتَفْرِقَتُهُ بِالْحَرَمِ.
وَوَجْهٍ: أَنَّهُ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ وُصُولِهِ الْحَرَمَ وَذَبَحَ وَفَرَّقَ حَيْثُ حَلَقَ، جَازَ.
وَكُلُّ هَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَأَفْضَلُ الْحَرَمِ لِلذَّبْحِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ، مِنَى.
وَفِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ، الْمَرْوَةُ، لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ تَحَلُّلِهِمَا.
وَكَذَا حُكْمُ مَا يَسُوقَانِهِ مِنَ الْهَدْيِ.
قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنُ فِي «الْفَتَاوَى» : وَلَوْ لَمْ يَجِدْ فِي الْحَرَمِ مِسْكِينًا، لَمْ يَجُزْ نَقْلُ الدَّمِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، سَوَاءً جَوَّزْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ، أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، كَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ عَلَى مَسَاكِينِ بَلَدٍ فَلَمْ يَجِدْهُمْ، يَصْبِرُ إِلَى أَنْ يَجِدَهُمْ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا، وَيُخَالِفُ الزَّكَاةَ عَلَى قَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ بِتَخْصِيصِ الْبَلَدِ، بِهَا، بِخِلَافِ هَذَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالْإِطْعَامِ بَدَلًا عَنِ الذَّبْحِ، وَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، يَأْتِي بِهِ حَيْثُ شَاءَ، إِذْ لَا غَرَضَ لِلْمَسَاكِينِ فِيهِ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ أَنْ يَدْفَعَ الْوَاجِبَ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِنْ قَدَرَ.
فَإِنْ دَفَعَ إِلَى اثْنَيْنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ثَالِثٍ، ضَمِنَ.
وَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الثُلُثُ، وَالثَّانِي: أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَتَلْزَمُهُ النِّيَّةُ عِنْدَ التَّفْرِقَةِ، قَالَ: فَإِنْ فَرَّقَ الطَّعَامَ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ كَالْكَفَّارَةِ، أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ: الْأَصَحُّ: لَا يَتَقَيَّدُ، بَلْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مُدٍّ، وَالنَّقْصُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ ذَبَحَ الْهَدْيَ فِي الْحَرَمِ، فَسُرِقَ مِنْهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، وَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الذَّبْحِ، وَلَهُ شِرَاءُ اللَّحْمِ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ بَدَلُ الذَّبْحِ.
وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَكْفِيهِ التَّصَدُّقُ بِالْقِيمَةِ.
فَصْلٌ
الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: هُنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، آخِرُهَا يَوْمُ النَّحْرِ.
وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
بَابُ الْهَدْيِ
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَنْ يَهْدِيَ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ النَّعَمِ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ إِلَّا بِالنَّذْرِ.
وَإِذَا سَاقَ هَدْيًا تَطَوُّعًا أَوْ مَنْذُورًا، فَإِنْ كَانَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً، اسْتَحَبَّ أَنْ يُقَلِّدَهَا نَعْلَيْنِ، وَلِيَكُنْ لَهُمَا قِيمَةٌ لِيَتَصَدَّقَ بِهِمَا، وَأَنْ يُشْعِرَهَا أَيْضًا، وَالْإِشْعَارُ الْإِعْلَامُ.
وَالْمُرَادُ هُنَا: أَنْ يَضْرِبَ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ بِحَدِيدَةٍ وَهِيَ مُسْتَقْبِلَةٌ الْقِبْلَةَ فَيُدْمِيهَا وَيُلَطِّخُهَا بِالدَّمِ، لِيَعْلَمَ مَنْ رَآهَا أَنَّهَا هَدْيٌ، فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا.
وَإِنْ سَاقَ غَنَمًا، اسْتُحِبَّ تَقْلِيدُهَا بِخَرِبِ الْقِرَبِ، وَهِيَ عُرَاهَا وَآذَانُهَا، لَا بِالنَّعْلِ، وَلَا يُشْعِرُهَا.
قُلْتُ: وَفِي الْأَفْضَلِ مِمَّا يُقَدَّمُ مِنَ الْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ الْإِشْعَارُ، وَقَدْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ ". وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ التَّقْلِيدُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
وَصَحَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
قَالَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ ": وَإِنْ قَرَنَ هَدْيَيْنِ فِي حَبْلٍ، أَشْعَرَ أَحَدَهُمَا فِي سَنَامِهِ الْأَيْمَنِ، وَالْآخَرَ فِي الْأَيْسَرِ، لِيُشَاهَدَا، وَفِيمَا قَالَهُ احْتِمَالٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا قَلَّدَ النَّعَمَ وَأَشْعَرَهَا، لَمْ تَصِرْ هَدْيًا وَاجِبًا عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا لَوْ كَتَبَ الْوَقْفَ عَلَى بَابِ دَارِهِ.
وَإِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَعَلَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ أَكْلٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا، لَزِمَهُ ذَبْحُهُ.
فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى هَلَكَ ضَمِنَهُ.
وَإِذَا ذَبَحَهُ، غَمَسَ النَّعْلَ الَّتِي قَلَّدَهُ فِي دَمِهِ، وَضَرَبَ بِهَا سَنَامَهُ، وَتَرَكَهُ لِيَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ، يَأُكَلُ مِنْهُ.
وَهَلْ تَتَوَقَّفُ الْإِبَاحَةُ عَلَى قَوْلِهِ:
أَبَحْتُهُ لِمَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا تَتَوَقَّفُ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّذْرِ زَالَ مِلْكُهُ وَصَارَ لِلْمَسَاكِينِ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمَهْدِيِّ، وَلَا لِأَغْنِيَاءِ الرُّفْقَةِ، الْأَكْلُ مِنْهُ قَطْعًا، وَلَا لِفُقَرَاءِ الرُّفْقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّفْقَةِ: جَمِيعُ الْقَافِلَةِ.
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " وَجْهًا اسْتَحْسَنَهُ: أَنَّهُمُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَهُ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ، دُونَ بَاقِي الْقَافِلَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي وَقْتِ ذَبْحِ الْهَدْيِ، وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ، أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كَالْأُضْحِيَّةِ.
وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ.
وَالثَّانِي: لَا يَخْتَصُّ بِزَمَنٍ، كَدِمَاءِ الْجَبْرَانِ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ أَخَّرَ الذَّبْحَ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا، ذَبَحَهُ قَضَاءً، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَقَدْ فَاتَ.
فَإِنْ ذَبَحَهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ شَاةَ لَحْمٍ.
قُلْتُ: وَإِذَا عَطِبَ هَدْيُ التَّطَوُّعِ، فَذَبَحَهُ، قَالَ صَاحِبُ " " الشَّامِلِ " وَغَيْرُهُ: لَا يَصِيرُ مُبَاحًا لِلْفُقَرَاءِ إِلَّا بِلَفْظِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبَحْتُهُ لِلْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ.
قَالَ: وَيَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَهُ الْأَكْلُ.
وَفِي غَيْرِهِ، قَوْلَانِ.
قَالَ فِي " الْإِمْلَاءِ ": لَا يَحِلُّ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ.
وَقَالَ فِي " الْقَدِيمِ " وَ " الْأُمِّ ": يَحِلُّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.