كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ بِعَيْنِهِ، فَلَوْ عَفَا عَنْهُ عَلَى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ عَلَى مَالٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ، فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ عَفَا، أَوْ صَالَحَ عَلَى غَيْرِ جِنْسِهَا، وَقَبِلَ الْجَانِي، ثَبَتَ الْمَالُ، وَسَقَطَ الْقَوَدُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْجَانِي، لَمْ يَثْبُتِ الْمَالُ قَطْعًا، وَلَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ الْقِصَاصُ، فَهَلْ تَثْبُتُ الدِّيَةُ؟ قَالَ الْبَغَوِيُّ: هُوَ كَمَا لَوْ عَفَا مُطْلَقًا، وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ عَلَى نِصْفِ الدِّيَةِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: هَذِهِ مُعْضِلَةٌ أَسَهَرَتِ الْجِلَّةَ، قَالَ غَيْرُهُ: هُوَ كَعَفْوِهِ عَنِ الْقَوَدِ وَنِصْفِ الدِّيَةِ، فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ، وَنِصْفُ الدِّيَةِ.
وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلدِّيَةِ، لَمْ تَجِبْ دِيَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يُوجِبْهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَالْعَفْوُ إِسْقَاطٌ ثَابِتٌ لَا إِثْبَاتُ مَعْدُومٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ بِنَفْسِ الْعَفْوِ، فَاخْتَارَهَا بَعْدَ الْعَفْوِ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: تَثْبُتُ الدِّيَةُ، وَيَكُونُ اخْتِيَارُهَا بَعْدَ الْعَفْوِ كَالْعَفْوِ عَلَيْهَا، وَحُكِيَ عَنِ النَّصِّ أَنَّ هَذَا الِاخْتِيَارَ يَكُونُ عَقِبَ الْعَفْوِ، وَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّرَاخِي، وَلَوْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ، فَهُوَ لَغْوٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَفْوُ عَنِ الْقَوَدِ عَلَى الدِّيَةِ، فَلَوْ عَفَا مُطْلَقًا، عَادَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ.
فَصْلٌ
لَوْ كَانَ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مَسْلُوبَ الْعِبَارَةِ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَعَفْوُهُ لَغْوٌ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِحِقَ غَيْرَهُ، كَالْحَجْرِ بِالْفَلَسِ.
فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ، سَقَطَ، وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُ الْقَتْلِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، فَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ عَنِ الْمَالِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ الْمَالُ بِالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، دُفِعَ إِلَى غُرَمَائِهِ، وَلَا يُكَلِّفُهُ تَعْجِيلَ الْقِصَاصِ، أَوِ الْعَفْوَ لِيَصْرِفَ الْمَالَ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ قُلْنَا:
مُوجَبُ الْقَتْلِ الْقِصَاصُ، فَعَفَا عَلَى مَالٍ، ثَبَتَ الْمَالُ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، ثَبَتَتِ الدِّيَةُ إِنْ قُلْنَا: الْمُطْلَقُ يُوجِبُ الدِّيَةَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُوجِبُهَا، لَمْ تَثْبُتْ، وَإِنْ قَالَ: عَفَوْتُ عَلَى أَنْ لَا مَالَ، فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ مُطْلَقُ عَفْوِهِ الْمَالَ، فَالْمُعْتَدُّ بِالنَّفْيِ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يُوجِبُهُ، لِئَلَّا يُكَلِّفَ الْمُفْلِسَ الِاكْتِسَابَ، وَعَفْوُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَعَفْوُ الْوَرَثَةِ عَنِ الْقِصَاصِ مَعَ نَفْيِ الْمَالِ إِذَا كَانَ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنٌ أَوْ وَصِيَّةٌ، كَعَفْوِ الْمُفْلِسِ، وَأَمَّا الْحُجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، فَيَصِحُّ مِنْهُ إِسْقَاطُ الْقِصَاصِ وَاسْتِيفَاؤُهُ.
وَفِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الدِّيَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُفْلِسِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ عَفْوُهُ عَنِ الْمَالِ بِحَالٍ، كَالصَّبِيِّ، وَعَفْوُ الْمُكَاتَبِ عَنِ الدِّيَةِ تَبَرُّعٌ، فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذَنِ سَيِّدِهِ، وَبِإِذْنِهِ قَوْلَانِ.
فَصْلٌ
لَوْ صَالَحَ مِنَ الْقِصَاصِ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الدِّيَةِ مِنْ جِنْسِهَا، بِأَنْ صَالَحَ عَلَى مِائَتَيْنِ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ، كَالصُّلْحِ مِنْ أَلْفٍ عَلَى أَلْفَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقَوَدُ بِعَيْنِهِ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَثَبَتَ الْمَالُ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ إِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ بِعَفْوِ بَعْضِ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَلِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ بِالْحِصَّةِ، وَأَمَّا الْعَافِي، فَإِنْ عَفَا عَلَى حِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَةِ، ثَبَتَتْ، وَإِنْ نَفَى الْمَالَ، لَمْ تَثْبُتْ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُ الْقَتْلِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: ثَبَتَتْ، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ مُطْلَقَ الْعَفْوِ، هَلْ يُوجِبُ الدِّيَةَ؟ .
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْعَفْوِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَأَلْفَاظِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: اقْطَعْ يَدِيَ، وَالْقَاتِلُ مَالِكٌ لِأَمْرِهِ، فَقَطَعَ الْمَأْذُونُ لَهُ يَدَهُ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي إِتْلَافِ مَالِهِ، فَلَا ضَمَانَ بِإِتْلَافِهِ، فَلَوْ سَرَى الْقَطْعُ، أَوْ قَالَ: اقْتُلْنِي، فَقَتَلَهُ، فَقَدْ
سَبَقَ فِي فَصْلِ الْإِكْرَاهِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا دِيَةَ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا دِيَةَ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ تَبَعًا.
الثَّانِيَةُ: قَطَعَ عُضْوَ زَيْدٍ، كَيَدِهِ أَوْ أُصْبُعِهِ، فَعَفَا عَنْ مُوجِبِ الْجِنَايَةِ قَوَدًا أَوْ أَرْشًا، فَلِلْجِنَايَةِ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَنْدَمِلَ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا أَرْشَ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَجِبُ أَرْشُهُ، وَسَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: عَفَوْتُ عَنْ مُوجِبِهَا، أَوْ قَالَ: وَعَمَّا يَحْدُثُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ.
وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَلَمْ يَزِدْ، نَصَّ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ عَفْوٌ عَنِ الْقِصَاصِ، وَعَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِنَا: مُوجَبُ الْعَمْدِ الْقَوَدُ فَإِنْ قُلْنَا: أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، فَفِي بَقَاءِ الدِّيَةِ احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ.
الثَّانِي: أَنْ يَسْرِيَ الْقَطْعُ إِلَى النَّفْسِ، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ، كَمَا لَا قِصَاصَ فِي الطَّرَفِ، وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ سَلِمَةَ وُجُوبُ قِصَاصِ النَّفْسِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَفْوِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ، فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ فَقَطْ، لِسُقُوطِ نَصِفِهَا بِالْعَفْوِ عَنِ الْيَدِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا الْمَالُ، فَهُوَ قَسْمَانِ، أَرْشُ الْيَدِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ إِلَى تَمَامِ الدِّيَةِ، فَأَمَّا أَرْشُ الْيَدِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ جَرَى لَفْظُ الْوَصِيَّةِ بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِأَرْشِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ، وَفِيهَا الْقَوْلَانِ، فَإِنْ أَبْطَلْنَاهَا، لَزِمَهُ أَرَشُ الْيَدِ، وَإِنْ صَحَّحْنَاهَا، سَقَطَ الْأَرْشُ إِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِلَّا سَقَطَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ.
وَإِنْ جَرَى لَفْظُ الْعَفْوِ أَوِ الْإِبْرَاءِ أَوِ الْإِسْقَاطِ، بِأَنْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْ أَرْشِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، أَوْ أَبْرَأْتُهُ، أَوْ أَسْقَطْتُهُ، فَقِيلَ: هُوَ كَالْوَصِيَّةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَسْقُطُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ نَاجِزٌ.
وَالْوَصِيَّةُ مَا تَعَلَّقَ بِالْمَوْتِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ إِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ مُوجِبِ الْجِنَايَةِ وَلَمْ يَقُلْ: وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، فَإِنْ قَالَ: وَمَا يَحْدُثُ، نُظِرَ، إِنْ قَالَهُ بِلَفْظِ الْوَصِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِأَرْشِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ وَأَرْشِ مَا يَحْدُثُ مِنْهَا، أَوْ يَتَوَلَّدُ،
أَوْ يَسْرِي إِلَيْهِ، بُنِيَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ، وَيَجِيءُ فِي جَمِيعِ الدِّيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَرْشِ الْيَدِ، وَإِنْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْهُ، أَوْ أَبْرَأْتُهُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَحْدُثُ، أَوْ أَسْقَطْتُهُ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِيمَا يَحْدُثُ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ، لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ قَبْلَ الثُّبُوتِ.
وَالثَّانِي: يُؤَثِّرُ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْأَرْشُ دُونَ الدِّيَةِ، فَأَمَّا إِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ، فَعَفَا عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ نُصَحِّحِ الْوَصِيَّةَ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ بِكَمَالِهَا، وَإِنْ صَحَّحْنَاهَا، سَقَطَتْ بِكَمَالِهَا إِنْ وَفَّى بِهَا الثُّلُثُ، سَوَاءٌ صَحَّحْنَا الْإِبْرَاءَ عَمَّا لَمْ يَجِبْ، أَمْ لَمْ نُصَحِّحْهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَسْرِيَ إِلَى عُضْوٍ آخَرَ، بِأَنْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَتَآكَلَ بَاقِي الْكَفِّ بِهَا، ثُمَّ انْدَمَلَ، فَلَا قِصَاصَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ، وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَتَسْقُطُ دِيَةُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ بِالْعَفْوِ، وَلَا يَسْقُطُ ضَمَانُ السِّرَايَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الضَّمَانَ إِذَا أَطْلَقَ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِلَافِ فِي الْإِبْرَاءِ عَمَّا لَمْ يَجِبْ وَجَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: جَنَى عَبْدٌ جِنَايَةً تُوجِبُ الْمَالَ، وَعَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْ أَرْشِهَا، ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، أَوِ انْدَمَلَ الْجُرْحُ، وَعَفَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَإِمَّا أَنْ يُطْلِقَ الْعَفْوَ، وَإِمَّا أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى السَّيِّدِ، أَوْ إِلَى الْعَبْدِ، فَإِنْ أَطْلَقَهُ، انْبَنَتْ صِحَّتُهُ عَلَى أَنَّ أَرْشَ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَقَطْ أَمْ بِهَا وَبِالذِّمَّةِ حَتَّى يُطَالِبَ بِمَا فَضَلَ بَعْدَ الْعِتْقِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي الدِّيَاتِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ فَقَطْ، صَحَّ الْعَفْوُ، لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ عَلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ وَهُوَ السَّيِّدُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ أَيْضًا، فَفَائِدَةُ الْعَفْوِ تَعُودُ إِلَى الْعَبْدِ، فَيُبْنَى عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ، إِنْ صَحَّحْنَاهَا، صَحَّ الْعَفْوُ، وَإِلَّا فَلَا، وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهَيْنِ إِذَا قُلْنَا بِالتَّعَلُّقِ بِالذِّمَّةِ فِي أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ هَلْ يَمْلِكُ فَكَّ الرَّقَبَةِ عَنِ التَّعَلُّقِ، وَجَعْلَ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ خَاصَّةً كَمَا يَمْلِكُ فَكَّ الْمَرْهُونِ؟ .
قَالَ: وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَبْقَى تَعَلُّقُ الْأَرْشِ بِالرَّقَبَةِ إِذَا أَبْطَلْنَا
الْعَفْوَ، وَأَمَّا إِذَا أَضَافَ الْعَفْوَ إِلَى السَّيِّدِ، فَقَالَ: عَفَوْتُ عَنْكَ، فَيَصِحُّ إِنْ عَلَّقْنَا الْأَرْشَ بِالرَّقَبَةِ فَقَطْ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الْعَبْدِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ فَقَطْ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ، فَالْعَفْوُ عَنِ الْعَبْدِ صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: جَرَحَ حُرٌّ رَجُلًا خَطَأً، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ سَرَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى النَّفْسِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً، أَمْ عَلَى الْقَاتِلِ، ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ، وَفِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ.
فَإِنْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنِ الْعَاقِلَةِ، أَوْ أَسْقَطْتُ الدِّيَةَ عَنْهُمْ، أَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنِ الدِّيَةِ، فَهَذَا تَبَرُّعٌ عَلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ، فَيَنْفُذُ إِذَا وَفَّى الثُّلُثُ بِهِ، وَيَبْرَءُونَ، سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُمْ مُتَأَصِّلِينَ أَمْ مُتَحَمِّلِينَ، وَإِنْ قَالَ لِلْجَانِي: عَفَوْتُ عَنْكَ، لَمْ يَصِحَّ.
وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: يُلَاقِيهِ الْوُجُوبُ ثُمَّ يَحْمِلُ عَنْهُ، صَحَّ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْوُجُوبِ يَنْتَقِلُ عَنْهُ، فَيُصَادِفُهُ الْعَفْوُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، هَذَا إِذَا ثَبَتَتِ الْجِنَايَةُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِاعْتِرَافِ الْعَاقِلَةِ، فَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ الْقَاتِلُ، وَأَنْكَرَتِ الْعَاقِلَةُ، فَالدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَيَكُونُ الْعَفْوُ تَبَرُّعًا عَلَى الْقَاتِلِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ.
وَلَوْ عَفَا الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَنِ الْعَاقِلَةِ، أَوْ مُطْلَقًا، صَحَّ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الْجَانِي، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ، صَحَّ.
فَرْعٌ.
لَوْ كَانَ الْجَانِي ذِمِّيًّا وَعَاقِلَتُهُ مُسْلِمِينَ أَوْ حَرْبِيِّينَ، فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ عَفَا عَنْهَا، فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ، وَفِيهَا الْقَوْلَانِ.
الْخَامِسَةُ: جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ لَوِ انْدَمَلَتْ، كَقَطْعِ يَدٍ، فَعَفَا عَلَى الدِّيَةِ، ثُمَّ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ، لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ
وَفِيهِ الْوَجْهُ الْمَنْسُوبُ إِلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ سَلِمَةَ، وَلَوْ جَنَى بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، كَالْجَائِفَةِ وَكَسْرِ الذِّرَاعِ، فَأَخَذَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْأَرْشَ، ثُمَّ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَلَوْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَدْ قَالَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ: عَفَوْتُ عَنِ الْقِصَاصِ، فَهُوَ لَغْوٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَا قِصَاصَ فِيهَا.
وَلَوْ عَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْ قَطْعِ الْيَدِ وَنَحْوِهَا عَلَى الدِّيَةِ، ثُمَّ عَادَ الْجَانِي فَحَزَّ رَقَبَتَهُ، نُظِرَ، إِنْ حَزَّ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وِدِيَةُ الْيَدِ، وَإِنْ حَزَّ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ عَفَا عَنْ بَعْضِ النَّفْسِ، لَكِنْ لَهُ الْبَاقِي مِنَ الدِّيَةِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ الْقِصَاصُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ، فَهَلْ لَهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، أَمِ الْبَاقِي مِنَ الدِّيَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
السَّادِسَةُ: عَفَا الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، صَحَّ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْجَانِي قِصَاصُ طَرَفِ إِنْسَانٍ وَنَفْسِهِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّ هَذَا غَيْرَ مُسْتَحِقِّ ذَاكَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ عَفْوَ أَحَدِهِمَا لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْآخَرِ، وَمِنْ صُوَرِهِ أَنْ يَقْطَعَ عَبْدٌ يَدَ عَبْدٍ، فَيَعْتِقُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسْرِي إِلَى نَفْسِهِ، فَالْقِصَاصُ فِي الْيَدِ لِلسَّيِّدِ، وَفِي النَّفْسِ لِوَرَثَةِ الْعَتِيقِ.
وَإِنِ اسْتَحَقَّهُمَا وَاحِدٌ، فَعَفَا عَنِ النَّفْسِ، وَأَرَادَ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ، فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَانْفَرَدَ الْغَزَالِيُّ بِحِكَايَةِ وَجْهٍ فِيهِ، وَإِنْ عَفَا عَنِ الطَّرَفِ، لَمْ يَسْقُطْ قِصَاصُ النَّفْسِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوِ اسْتَحَقَّ قِصَاصَ النَّفْسِ بِقَطْعِ الطَّرَفِ، بِأَنْ كَانَ الْجَانِي قَدْ قَطَعَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، ثُمَّ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ قِصَاصِ النَّفْسِ، فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ الطَّرَفِ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ الْقَتْلُ، وَالْقَطْعُ طَرِيقُهُ، وَقَدْ عَفَا عَنِ الْمُسْتَحَقِّ، وَإِنْ عَفَا عَنِ الْقَطْعِ، فَلَهُ حَزُّ رَقَبَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ،
فَعَفْوُ الْوَلِيِّ عَنِ الْقَطْعِ لَا يُسْقِطُ حَزَّ الرَّقَبَةِ، وَكَذَا عَفْوُهُ عَنِ النَّفْسِ لَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ.
السَّابِعَةُ: إِذَا قَتَلَ رَجُلًا بِالْقَطْعِ السَّارِي، فَقَطَعَهُ الْوَلِيُّ، ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ مَجَّانًا، فَإِنْ سَرَى الْقَطْعُ، بَانَ بُطْلَانُ الْعَفْوِ، وَإِنْ وَقَفَ، صَحَّ الْعَفْوُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ لِقِطَعِ الْيَدِ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ قَتْلُهُ بِغَيْرِ الْقَطْعِ، وَقَطَعَ الْوَلِيُّ يَدَهُ مُتَعَدِّيًا، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ رَمَى الْوَلِيُّ إِلَى الْجَانِي ثُمَّ عَفَا عَنْهُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، فَفِي نُفُوذِهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْفُذُ لِخُرُوجِ الْأَمْرِ عَنِ اخْتِيَارِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَقَطْعِ الْيَدِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبِ السَّهْمَ، فَالْعَفْوُ صَحِيحٌ مُفِيدٌ، وَإِنْ أَصَابَهُ وَقَتَلَهُ، تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ الْعَفْوِ، وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَافِي وَجْهَانِ سَبَقَا فِي بَابِ تَغَيُّرِ الْحَالِ بَيْنَ الْجَرْحِ وَالْمَوْتِ، أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ، لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ عِنْدَ الْإِصَابَةِ.
الثَّامِنَةُ: قَطَعَ ذِمِّيٌّ يَدَ مُسْلِمٍ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، أَوْ يَدَ ذِمِّيٍّ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَقْطُوعُ، ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلِلْوَلِيِّ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، فَهَلْ لَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، أَمْ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ دِيَةِ مُسْلِمٍ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ دِيَةَ مُسْلِمٍ سَقَطَ مِنْهَا مَا اسْتَوْفَاهُ وَهُوَ يَدُ ذِمِّيٍّ بِسُدُسِ دِيَةِ مُسْلِمٍ، وَلَوْ قَطَعَ ذِمِّيٌّ يَدَ مُسْلِمٍ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، وَمَاتَ الْمُسْلِمُ بِالسِّرَايَةِ، فَعَفَا الْوَلِيُّ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا شَيْءَ لَهُ، وَعَلَى الْأَصَحِّ لَهُ ثُلُثَا دِيَةِ الْمُسْلِمِ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا يُقَابِلُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَلَوْ قَطَعَتِ امْرَأَةٌ يَدَ رَجُلٍ، فَاقْتُصَّ مِنْهَا، ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ بِالسِّرَايَةِ، وَعَفَا الْوَلِيُّ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ، ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَلَوْ قَطَعَتِ الْمَرْأَةُ يَدَيْ رَجُلٍ، فَاقْتُصَّ مِنْهَا، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ، وَعَفَا الْوَلِيُّ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ، لَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ،
وَلَوْ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ، وَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ، فَفِي وَجْهٍ يَسْقُطُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى السَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ دِيَةِ الْحُرِّ وَكَمَالِ قِيمَةِ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَفِي وَجْهٍ يَسْقُطُ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ بِقَدْرِ نِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَعَلَى السَّيِّدِ الْأَقَلُّ مِنْ بَاقِي الدِّيَةِ، وَكَمَالُ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
التَّاسِعَةُ: سَبَقَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ التَّوْكِيلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ جَائِزٌ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكَّلِ، وَكَذَا فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ كَالْقِصَاصِ، وَسَوَاءٌ جَوَّزْنَاهُ أَمْ لَا، فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ الْوَكِيلُ، صَارَ حَقُّ الْمُوَكِّلِ مُسْتَوْفًى، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ تَوْكِيلًا فَاسِدًا، فَبَاعَ الْوَكِيلُ، صَحَّ الْبَيْعُ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَإِذَا وَكَّلَ وَغَابَ، أَوْ تَنَحَّى الْوَكِيلُ بِالْجَانِي لِيَقْتَصَّ مِنْهُ، فَعَفَا الْمُوَكِّلُ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَكَانَ الْعَفْوُ قَبْلَ الْقَتْلِ أَمْ بَعْدَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِنْ عَفَا بَعْدَ قَتْلِهِ، فَهُوَ لَغْوٌ، وَإِنْ عَفَا، ثُمَّ قُتِلَ الْوَكِيلُ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْعَفْوِ، فَعَلَى الْوَكِيلِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي «السِّلْسِلَةِ» قَوْلًا مُخْرِجًا: أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنِ ادَّعَى عَلَى الْوَكِيلِ الْعِلْمَ بِالْعَفْوِ، فَأَنْكَرَ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَّلَ، حَلَفَ الْوَارِثُ وَاسْتَحَقَّ الْقِصَاصَ، وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ إِذَا قَتَلَهُ جَاهِلًا قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: تَجِبُ، لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ عَزَلَهُ، فَقَتَلَهُ الْوَكِيلُ جَاهِلًا الْعَزْلَ، فَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ الْقَوْلَانِ.
فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الدِّيَةَ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا الدِّيَةَ، فَهِيَ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي قَوْلٍ: مُخَفَّفَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: مُخَفَّفَةٌ، فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: مُغَلَّظَةٌ، فَهِيَ عَلَى الْوَكِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ مُتَعَمَّدٌ،
وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعَاقِلَةِ، لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِالْحَالِ، فَأَشْبَهَ الْمُخْطِئَ، فَإِنْ قُلْنَا: عَلَى الْوَكِيلِ، فَهَلْ هِيَ حَالَّةٌ أَمْ مُؤَجَّلَةٌ؟ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْإِمَامُ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: حَالَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ الدِّيَةُ هُنَا تَكُونُ لِوَرَثَةِ الْجَانِي لَا تَعَلُّقَ لِلْمُوكِّلِ بِهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا ثَبَتَ الْقِصَاصَ لِابْنَيْنِ، وَبَادَرَ أَحَدُهُمَا، وَقَتَلَ الْجَانِيَ، يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِلْآخَرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَاتِلَ هُنَاكَ أَتْلَفَ حَقَّ أَخِيهِ، فَتَعَلَّقَ الْأَخُ بِبَدَلِهِ، وَالْوَكِيلُ هُنَا قُتِلَ بَعْدَ سُقُوطِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ، وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنْ بَعْضِهِمْ جَعْلَهُ عَلَى الْخِلَافِ، ثُمَّ إِذَا غَرِمَ الْوَكِيلُ، أَوْ عَاقِلَتُهُ الدِّيَةَ، فَهَلْ يَرْجِعُ الْغَارِمُ عَلَى الْعَافِي؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: لَا، لِأَنَّ الْعَافِيَ مُحْسِنٌ بِالْعَفْوِ غَيْرُ مُغَرَّرٍ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ إِذَا قَدَّمَ الطَّعَامَ الْمَغْصُوبَ إِلَى الضَّيْفِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَالثَّالِثُ: يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْعَاقِلَةِ، فَهَلْ لِوَلِيِّ الْجَانِي أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ ابْتِدَاءً مِنَ الْعَافِي؟ وَجْهَانِ.
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَا تُضْرَبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَهَلْ لِلْمُوَكِّلِ الْعَافِي دِيَةَ قَتِيلِهِ؟ يُنْظَرُ، إِنْ عَفَا مَجَّانًا أَوْ مُطْلَقًا، وَقُلْنَا: الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ الدِّيَةَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ مُطْلَقًا، وَقُلْنَا: يُوجِبُ الْمَالَ، فَلَهُ الدِّيَةُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي مُغَلَّظَةً إِنْ أَوْجَبْنَا بِقَتْلِ الْوَكِيلِ الدِّيَةَ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا بِهِ، فَلَا دِيَةَ لِلْمُوَكِّلِ لِخُرُوجِ الْعَفْوِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ عَنِ الْفَائِدَةِ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
بَابٌ.
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ.
إِذَا جَنَى عَبْدٌ عَلَى حَرٍّ جِنَايَةً، تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ، فَاشْتَرَاهُ بِالْأَرْشِ، فَإِنْ جَهِلَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَدَدَ الْإِبِلِ الْوَاجِبَةِ أَوْ سِنَّهَا، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ
وَإِنْ عَلِمَا ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْجَهْلُ بِأَوْصَافِهَا، فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ الْوَجْهَانِ، أَوِ الْقَوْلَانِ فِي صِحَّةِ الصُّلْحِ مِنْ إِبِلِ الدِّيَةِ عَلَى مَالٍ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ، فَاشْتَرَاهُ بِالْأَرْشِ، فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِلْمَالِ، وَإِسْقَاطٌ لِلْقِصَاصِ.
وَحَيْثُ صَحَّحْنَا الْبَيْعَ، فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ عَيْبًا، فَلَهُ الرَّدُّ، فَإِذَا رَدَّ، بَقِيَ الْأَرْشُ مُتَعَلِّقًا بِالرَّقَبَةِ، وَلَا يَكُونُ السَّيِّدُ مُلْتَزِمًا لِلْفِدَاءِ، بَلْ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفِدَاءِ، وَتَسْلِيمُهُ لِلْبَيْعِ، وَلَوِ اشْتَرَاهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِمَالٍ غَيْرِ الْأَرْشِ، صَحَّ وَلَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ، فَلَوْ صَالَحَ عَنِ الْقَوَدِ عَلَى مَالٍ، جَازَ وَإِنْ كَانَتِ الدِّيَةُ مَجْهُولَةً.
فَإِنْ تَلِفَتْ عَيْنُ الْمَالِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ، أَوِ اسْتُحِقَّتْ، أَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ، فَلَا رُجُوعَ إِلَى الْقِصَاصِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ، أَمْ بِضَمَانِ الْجِنَايَةِ؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَدَلَ الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْعَقْدِ أَمْ ضَمَانَ الْيَدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ بِضَمَانِ الْجِنَايَةِ، فَهُوَ عَلَى السَّيِّدِ لِاخْتِيَارِهِ الْفِدَاءَ بِبَذْلِ الْمَالِ، وَهَلْ عَلَيْهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، أَمِ الْأَقَلُّ مِنَ الْأَرْشِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ؟ قَوْلَانِ يُذْكَرَانِ فِي مَوْضِعِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ لِلْمَالِ، وَصَالَحَ مِنَ الْإِبِلِ عَلَى مَالٍ، فَفِي صِحَّتِهِ الْخِلَافُ، فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، فَهَلَكَ الْمُصَالِحُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ خَرَجَ مُسْتَحِقًّا، أَوْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ، فَالرُّجُوعُ إِلَى الْأَرْشِ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ الصُّلْحَ هُنَا عَنِ الْمَالِ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْأَرْشُ أَمِ الْأَقَلُّ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
فَرْعٌ.
جَنَى حُرٌّ عَلَى حَرٍّ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَصَالَحَهُ عَلَى عَيْنٍ، كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ، جَازَ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الدِّيَةُ مَعْلُومَةً لَهُمَا، فَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، أَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ، فَلَا رُجُوعَ إِلَى الْقِصَاصِ، فَهَلْ يَرْجِعُ
بِقِيمَةِ الْعَيْنِ أَمْ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ بَدَلَ الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْعَقْدِ أَمْ ضَمَانَ الْيَدِ؟ .
وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ لِلدِّيَةِ، فَصَالَحَ عَنْهَا عَلَى عَيْنٍ، أَوِ اشْتَرَى بِهَا عَيْنًا، إِمَّا مِنَ الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ، وَإِمَّا مِنَ الْجَانِي فِي الْعَمْدِ، نُظِرَ، أَعَلِمَا عَدَدَ الْإِبِلِ وَأَسْنَانَهَا أَمْ لَا، وَحُكْمُهُ مَا بَيَّنَّا، وَإِذَا صَحَّ، فَتَلِفَ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ، أَوْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ، رَجَعَ إِلَى الْأَرْشِ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إِلَى الْمُصَالَحِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ مَالٌ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ.
فَرْعٌ.
جَنَتْ حُرَّةٌ عَلَى رَجُلٍ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى الْقِصَاصِ، أَوْ تَزَوَّجَهَا وَارِثُهُ عَلَى الْقِصَاصِ، جَازَ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِنِصْفِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، أَمْ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلدِّيَةِ، فَنَكَحَهَا عَلَيْهَا، صَحَّ النِّكَاحُ، وَفِي صِحَّةِ الصَّدَاقِ مَا سَبَقَ فِي الِاعْتِيَاضِ عَنْ إِبِلِ الدِّيَةِ.
فَرْعٌ.
إِذَا أَوْجَبَتِ الْجِنَايَةُ مَالًا مَعْلُومَ الْقَدْرِ وَالْوَصْفِ، بِأَنْ أَتْلَفَ مَالًا أَوْ قَتَلَ عَبْدًا، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ، فَصَالَحَهُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى عَيْنٍ وَهُمَا يَعْلَمَانِ، صَحَّ الصُّلْحُ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ، فَالرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ بِلَا خِلَافٍ.
وَإِنْ كَانَ الْجَانِي وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَبْدًا، كَانَ السَّيِّدُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، فَإِنْ صَالَحَ عَلَى رَقَبَتِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ بِعَيْبٍ، لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا، بَلِ الْأَرْشُ فِي رَقَبَتِهِ كَمَا كَانَ حَتَّى لَوْ مَاتَ سَقَطَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ، فَمَاتَ، فَقَطَعَ الْوَلِيُّ يَدَيِ الْجَانِي وَعَفَا عَنِ الْبَاقِي عَلَى الدِّيَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ الدِّيَةُ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا يُقَابِلُهَا، وَلَوْ
عَفَا عَلَى غَيْرِ جِنْسِهَا، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ كَالدِّيَةِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ وَيَكُونُ عِوَضًا عَنِ الْقِصَاصِ الَّذِي تَرَكَهُ، وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ، وَعَفَا عَنِ الْبَاقِي عَلَى الدِّيَةِ، فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ فَقَطْ.
فَصْلٌ
قَتَلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، فَقَتَلَ وَلِيُّ الذِّمِّيِّ الْقَاتِلَ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ.
فَصْلٌ
أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا، فَرَمَاهُ، فَأَصَابَ آدَمِيًّا فَقَتَلَهُ، فَهُمَا قَاتِلَانِ خَطَأً، فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهَلْ لِعَاقِلَةِ الْمُكْرَهِ الرُّجُوعُ بِمَا يَغْرَمُونَ عَلَى الْمُكْرِهِ؟ . نَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَرْجِعُوا وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا، كَمَا لَا يَرْجِعُونَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْقَاتِلِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ عَلَى الْمُكْرِهِ وَعَاقِلَتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ مَا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
قَطَعَ يَدَيْهِ عَمْدًا، فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَقَطَعَ الْوَارِثُ إِحْدَى يَدَيِ الْجَانِي، فَمَاتَ قَبْلَ قَطْعِهِ الْأُخْرَى، فَلَا شَيْءَ لِلْوَارِثِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، لِأَنَّهُ إِذَا سَرَتِ الْجِرَاحَةُ إِلَى النَّفْسِ سَقَطَ حُكْمُ الْأَطْرَافِ وَصَارَتِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَقَدْ قَتَلَهُ فَصَارَ كَحَزِّ الرَّقَبَةِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ، فَانْدَمَلَتَا، فَقَطَعَ إِحْدَى يَدَيِ الْجَانِي، فَمَاتَ، فَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ الْأُخْرَى مِنْ تَرِكَتِهِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ قِصَاصَهَا وَقَدْ فَاتَ بِمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ سُقُوطَهَا بِآفَةٍ.
وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيِ الْجَانِي، وَعَفَا عَنِ الْأُخْرَى عَلَى دِيَتِهَا وَقَبَضَهَا،
ثُمَّ انْتَقَضَتْ جِرَاحَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَمَاتَ بِهَا، فَلَا قِصَاصَ لِوَرَثَتِهِ، لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِنَ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى نِصْفَ الدِّيَةِ، وَالْيَدَ الْمُقَابِلَةَ بِالنِّصْفِ.
فَصْلٌ
فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ أَحَدٌ عَبْدَيِ الرَّجُلِ الْآخَرِ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ مَالٌ عَلَى عَبْدِهِ، فَلَوْ أَعْتَقَهُ، لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ، وَلَوْ عَفَا بَعْدَ الْعِتْقِ مُطْلَقًا، لَمْ يَثْبُتِ الْمَالُ، لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَقْتَضِهِ، وَإِنْ عَفَا بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، ثَبَتَ الْمَالُ.
وَأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ، إِحْدَاهُمَا عَمْدًا، وَالْأُخْرَى خَطَأً، فَمَاتَ مِنْهُمَا، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، نِصْفُهَا فِي مَالِ الْجَانِي وَنِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَإِنِ اسْتَوْفَى الْوَلِيُّ قِصَاصَ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ عَمْدًا، فَمَاتَ الْجَانِي مِنْهُ، كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ وَلَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ خَطَأً، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ.
وَأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى مُرْتَدٍّ، فَقَتَلَهُ الْوَلِيُّ عَنْ جِهَةِ الرِّدَّةِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ وَلِيُّ الْقِصَاصِ هُوَ الْإِمَامُ، فَلَهُ الدِّيَةُ فِي تَرِكَةِ الْمُرْتَدِّ، لِأَنَّ لِلْإِمَامِ قَتْلَهُ عَنِ الْجِهَتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَقَعَ قَتْلُهُ عَنِ الْقِصَاصِ وَلَا دِيَةَ لَهُ، لِأَنَّ غَيْرَ الْإِمَامِ لَا يَمْلِكُ قَتْلَهُ عَنِ الرِّدَّةِ، قَالَ: وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا مُرْتَدًّا، وَقَتَلَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ عَنْ جِهَةِ الرِّدَّةِ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْإِمَامُ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ صَارَ قَابِضًا، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ظُلْمًا مَحْضًا، وَأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ زَوْجَتَهُ بِالسَّوْطِ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ فَصَاعِدًا مُتَوَالِيَةً، فَمَاتَتْ، فَإِنْ قَصَدَ فِي الِابْتِدَاءِ الْعَدَدَ الْمُهْلِكَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَصَدَ تَأْدِيبَهَا بِسَوْطَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَجَاوَزَ، لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ الْعَمْدُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ، وَأَنَّ الْوَكِيلَ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إِذَا قَالَ: قَتَلْتُهُ بِشَهْوَةِ نَفْسِي لَا عَنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمُوَكِّلِ إِلَى
التَّرِكَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ سِنَّهُ، فَزَلْزَلَهَا، ثُمَّ سَقَطَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ، فَاضْطَرَبَتْ أَوْ تَوَرَّمَتْ، ثُمَّ سَقَطَتْ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُ لَوْ أَشْكَلَتِ الْحَادِثَةُ عَلَى الْقَاضِي، فَتَوَقَّفَ، فَرَوَى شَخْصٌ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا، وَقَتَلَ الْقَاضِي بِهَا رَجُلًا، ثُمَّ رَجَعَ الرَّاوِي وَقَالَ: كَذَبْتَ وَتَعَمَّدْتَ، يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ كَالشَّاهِدِ إِذَا رَجَعَ وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي الْفَتَاوَى، وَالْإِمَامُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْحَادِثَةِ، وَالْخَبَرُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا.
فَصْلٌ
فِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: لَوِ افْتَصَدَ فَمَنَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَنْ يَعْصِبَ الْعِرْقَ حَتَّى مَاتَ، أَوْ عَصَبَهُ فَحَلَّهُ رَجُلٌ وَمَنَعَهُ مِنْ إِعَادَةِ الْعِصَابَةِ حَتَّى مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ.
فَصْلٌ
فِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ بِالدُّخَانِ، بِأَنْ حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ وَسَدَّ مَنَافِذَ الْبَيْتِ، فَاجْتَمَعَ فِيهِ الدُّخَانُ وَضَاقَ نَفَسُهُ، فَمَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَأَنَّهُ لَوْ رَمَى إِلَى شَخْصَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ وَقَصَدَ إِصَابَةَ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ، فَأَصَابَ وَاحِدًا، فَفِي الْقِصَاصِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ عَيْنَهُ.
قُلْتُ: الْأَرْجَحُ وُجُوبُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّ حَلَمَةَ الرَّجُلِ تُقْطَعُ بِحَلَمَةِ الرَّجُلِ، وَحَلَمَةَ الْمَرْأَةِ تُقْطَعُ بِحَلَمَةِ الْمَرْأَةِ، وَالثَّدْيُ بِالثَّدْيِ، وَفِيمَا إِذَا لَمْ يَتَدَلَّ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ لَحْمِ الصَّدْرِ، وَفِي قَطْعِ حَلَمَةِ الْمَرْأَةِ بِحَلَمَةِ الرَّجُلِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي حَلَمَةِ الرَّجُلِ، وَتُقْطَعُ حَلَمَةُ الرَّجُلِ بِحَلَمَةِ الْمَرْأَةِ بِلَا خِلَافٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.