روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 201-240
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْجِنَايَاتِ

صفحات 201-240
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

هَذَا الْقَوْلِ لَوْ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ أَوَّلًا وَأَخَذَ الْأَرْشَ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ لِلْقَلْعِ الثَّانِي.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اقْتُصَّ لِلْأَوَّلِ وَلَا أُخِذَ الْأَرْشُ، لَزِمَهُ قِصَاصٌ وَأَرْشٌ، أَوْ أَرْشَانِ بِلَا قِصَاصٍ، أَمَّا إِذَا اقْتَصَصْنَا مِنَ الْجَانِي فَعَادَ سِنُّهُ دُونَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْعَائِدُ كَالْأَوَّلِ، فَهَلْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقَلْعُ ثَانِيًا؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ قَابَلَ قَلْعًا بِقَلْعٍ فَلَا تُثَنَّى عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ، لَكِنْ لَهُ الْأَرْشُ لِخُرُوجِ الْقَلْعِ الْأَوَّلِ عَنْ كَوْنِهِ قِصَاصًا، وَكَأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ بِسَبَبٍ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّ الْجَانِيَ أَفْسَدَ مَنْبَتَهُ، فَيُكَرَّرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَفْسُدَ مَنْبَتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: هِبَةٌ، فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ بِمَا سَبَقَ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ.
وَلَوِ اقْتَصَّ، فَعَادَ سِنُّ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعًا، فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ.
فَرْعٌ.
قَلَعَ غَيْرُ مَثْغُورٍ سِنَّ مَثْغُورٍ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ إِنْ شَاءَ، وَيَقْتَصَّ إِنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ شَيْءٌ آخَرُ كَمَا فِي أَخْذِ الشَّلَّاءِ بِالصَّحِيحَةِ، هَذَا إِذَا كَانَ غَيْرُ الْمَثْغُورِ بَالِغًا، وَإِلَّا فَلَا قِصَاصَ.
وَفِي أَمَالِيِّ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إِنْ قَلَعْتَ سِنَّهُ الْآنَ، فَالظَّاهِرُ مِنْهَا الْعَوْدُ، فَاصْبِرْ إِلَى أَنْ يَصِيرَ مَثْغُورًا، فَإِنِ اسْتَعْجَلَ، أُجِيبَ وَشُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا يَعُودُ.
فَرْعٌ.
قَلَعَ غَيْرُ مَثْغُورٍ سِنَّ غَيْرَ مَثْغُورٍ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ نَبَتَتْ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ، وَإِنْ لَمْ تَنْبُتْ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يَأْخُذُ الْأَرْشَ أَوْ يَقْتَصُّ، فَإِنِ اقْتَصَّ وَلَمْ يَعُدْ سِنُّ الْجَانِي فَذَاكَ، وَإِنْ عَادَتْ، فَهَلْ يُقْلَعُ ثَانِيًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، قَالَهُ الْإِمَامُ.

التَّفَاوُتُ الثَّالِثُ فِي الْعَدَدِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: قَطَعَ يَدًا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ، وَيَدُ الْجَانِي نَاقِصَةٌ أُصْبُعًا، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ دِيَةَ الْيَدِ، وَلَهُ أَنْ يَقْطَعَ الْيَدَ النَّاقِصَةَ، وَيَأْخُذَ الْأَرْشَ لِلْأُصْبُعِ.
وَلَوْ كَانَتْ نَاقِصَةٌ أُصْبُعَيْنِ، فَلَهُ قَطْعُ يَدِهِ وَأَرْشُ أُصْبُعَيْنِ، وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعَيْنِ وَلَهُ أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ الْمَوْجُودَةِ، وَأَرْشُ الْمَفْقُودَةِ.
وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا صَحِيحَةً، وَتِلْكَ الْأُصْبُعُ مِنْهُ شَلَّاءُ، فَأَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَطْعَ الشَّلَّاءِ وَأَخْذَ شَيْءٍ لِلشَّلَلِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ النَّقْصُ فِي يَدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، بِأَنْ قَطَعَ السَّلِيمُ نَاقِصَةً بِأُصْبُعٍ، فَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ الْيَدِ الْكَامِلَةِ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَلْتَقِطَ الْأَصَابِعَ الْأَرْبَعَ، وَلَهُ أَخْذُ دِيَتِهَا، فَإِنِ الْتَقَطَهَا فَقَدْ تَرَكَ كَفَّ الْجَانِي مَعَ قَطْعِهِ كَفَّهُ، فَلَهُ حُكُومَةُ خُمُسِ الْكَفِّ، وَهُوَ مَا يُقَابِلُ مَنْبَتَ أُصْبُعِهِ الْبَاقِيَةِ.
وَهَلْ لَهُ حُكُومَةُ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، بَلْ تَدْخُلُ تَحْتَ قِصَاصِ الْأَصَابِعِ، كَمَا تَدْخُلُ تَحْتَ دِيَتِهَا، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا كَانَتْ يَدُ الْجَانِي زَائِدَةً بِأُصْبُعٍ، وَيَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُعْتَدِلَةٌ، فَلَقَطَ الْخُمُسَ لِتَعَذُّرِ الْقَطْعِ مِنَ الْكُوعِ بِسَبَبِ الزَّائِدَةِ.
وَهَلْ تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْكَفِّ تَحْتَ قِصَاصِ الْخُمُسِ وَلَوْ أَخَذَ دِيَةَ الْأَصَابِعِ الْأَرْبَعِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، دَخَلَتْ حُكُومَةُ مَنَابِتِهَا فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَا تَدْخُلُ، بَلْ تَخْتَصُّ قُوَّةُ الِاسْتِتْبَاعِ بِالْكُلِّ، وَأَمَّا حُكُومَةُ الْخُمُسِ الْبَاقِي مِنَ الْكَفِّ، فَتَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّ كُلَّ أُصْبُعٍ تَسْتَتْبِعُ الْكَفَّ كَمَا تَسْتَتْبِعُهَا كُلُّ الْأَصَابِعِ.

الثَّالِثَةُ: إِذَا قَطَعَ كَفًّا لَا أَصَابِعَ لَهَا، فَلَا قِصَاصَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَفُّ الْقَاطِعِ مِثْلَهَا، وَلَوْ قَطَعَ صَاحِبُ هَذِهِ الْكَفِّ يَدَ سَلِيمٍ، فَلَهُ قَطْعُ كَفِّهِ وَدِيَةُ الْأَصَابِعِ، حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ عَنِ النَّصِّ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ عَلَى يَدِ الْجَانِي أُصْبُعَانِ شَلَّاوَانِ، وَيَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ سَلِيمَةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَقَنِعَ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ لَقَطَ الثَّلَاثَ السَّلِيمَةَ وَأَخَذَ دِيَةَ أُصْبُعَيْنِ، وَفِي اسْتِتْبَاعِ الثَّلَاثِ حُكُومَةُ مَنَابِتِهَا وَاسْتِتْبَاعِ دِيَةِ الْأُصْبُعَيْنِ حُكُومَةُ مَنْبَتِهِمَا الْخِلَافَانِ السَّابِقَانِ.
وَلَوْ كَانَتْ يَدُ الْجَانِي سَلِيمَةً، وَيَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِيهَا أُصْبُعَانِ شَلَّاوَانِ، لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ مِنَ الْكُوعِ، وَلَكِنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ الثَّلَاثِ السَّلِيمَةِ وَحُكُومَةُ الشَّلَّاوَيْنِ.
وَيَعُودُ الْخِلَافُ فِي اسْتِتْبَاعِ الْقِصَاصِ فِي الثَّلَاثِ حُكُومَةُ مَنَابِتِهَا، وَفِي اسْتِتْبَاعِ حُكُومَةِ الشَّلَّاوَيْنِ حُكُومَةُ مَنْبَتِهِمَا وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْبَغَوِيِّ: الْمَنْعُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَسْتَتْبِعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ.
الْخَامِسَةُ: قَطَعَ كَفًّا لَهَا أُصْبُعٌ فَقَطْ خَطَأً، وَجَبَتْ دِيَةُ تِلْكَ الْأُصْبُعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَدْخُلُ حُكُومَةُ مَنْبَتِهَا فِيهَا، وَأَنَّهُ يَجِبُ حُكُومَةُ بَاقِي الْكَفِّ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْمَحْكِيِّ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: لَا حُكُومَةَ أَصْلًا.
فَرْعٌ.
فِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ أَصَابِعُ إِحْدَى يَدَيْهِ وَكَفُّهَا أَقْصَرُ مِنَ الْأُخْرَى، فَلَا قِصَاصَ فِي الْقَصِيرَةِ، لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ، وَفِيهَا دِيَةٌ نَاقِصَةٌ بِحُكُومَةٍ.
السَّادِسَةُ: سَبَقَ أَنَّ الزَّائِدَ مِنَ الْأَعْضَاءِ يُقْطَعُ بِالزَّائِدِ إِذَا اتَّحَدَ الْمَحَلُّ، وَذَكَرْنَا خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِ التَّسَاوِي فِي الْحَجْمِ، فَلَوْ فُرِضَ شَخْصَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ، قَطَعَ أَحَدُهُمَا زَائِدَةَ الْآخَرِ، اقْتَصَّ

مِنْهُ إِذَا حَصَلَ شَرْطُهُ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ، وَلَوْ قَطَعَ الْمُعْتَدِلُ يَدًا لَهَا أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ، قُطِعَ، وَأُخِذَ مِنْهُ حُكُومَةٌ لِلزَّائِدَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْلُومَةٌ بِعَيْنِهَا أَمْ لَا.
وَإِنْ شَاءَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَخَذَ دِيَةَ الْيَدِ وَحُكُومَةَ الزَّائِدَةِ، وَلَوْ قَطَعَ صَاحِبُ الْأَصَابِعِ السِّتِّ يَدَ مُعْتَدِلٍ، لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ مِنَ الْكُوعِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الزَّائِدَةُ نَابِتَةً فِي الْأَصَابِعِ وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَقْطُ الْخَمْسِ الْأَصْلِيَّاتِ.
وَيَعُودُ الْوَجْهَانِ فِي اسْتِتْبَاعِ قِصَاصِهَا حُكُومَةَ الْكَفِّ، فَإِنْ كَانَتِ الزَّائِدَةُ بِجَنْبِ أَصْلِيَّةٍ بِحَيْثُ لَوْ قُطِعَتِ الْأَصْلِيَّةُ سَقَطَتِ الزَّائِدَةُ، لَمْ تُقْطَعْ، بَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى قَطْعِ الْأَرْبَعِ وَيَأْخُذُ دِيَةَ الْخَامِسَةِ.
وَلَوْ كَانَتْ نَابِتَةٌ عَلَى أُصْبُعٍ وَأَمْكَنَ قَطْعُ بَعْضِهَا مَعَ الْأَرْبَعِ بِأَنْ كَانَتْ نَابِتَةٌ عَلَى الْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى مِنْ أَنْمُلِهِ، قُطِعَتِ الْأُنْمُلَةُ الْعُلْيَا مَعَ الْأَرْبَعِ، وَأَخَذَ ثُلُثَا دِيَةِ أُصْبُعٍ، هَذَا إِذَا كَانَتْ فِي السِّتِّ زَائِدَةٌ مَعْلُومَةٌ بِعَيْنِهَا.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ السِّتُّ كُلُّهَا أَصْلِيَّةٌ، بِأَنِ انْقَسَمَتِ الْقُوَّةُ فِي السِّتِّ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ فِي الْقُوَّةِ وَالْعَمَلِ بَدَلًا عَنِ الْقِسْمَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَقِطَ مِنْهَا خَمْسًا عَلَى الْوَلَاءِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ، هَكَذَا أُطْلِقَ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ لَمْ تَكُنِ السِّتُّ عَلَى تَقْطِيعِ الْخَمْسِ الْمَعْهُودَةِ فَهَذَا قَرِيبٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى تَقْطِيعِهَا، فَمَعْلُومٌ أَنَّ صُورَةَ الْإِبْهَامِ مِنَ الْخَمْسِ تُبَايِنُ صُورَةَ بَاقِيهَا، فَإِنْ كَانَتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْإِبْهَامَ عَلَى طَرَفٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْقُطَ الْخَمْسَ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَإِنْ وَقَعَتْ ثَانِيَةً وَكَانَتِ الَّتِي تَلِيهَا عَلَى الطَّرَفِ كَالْمُلْحَقَةِ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْقُطَ الْخَمْسَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَخْتَلِجُ فِي النَّفْسِ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لَهُ لَقْطُ الْخَمْسِ لِوُقُوعِ السِّتِّ عَلَى نَظْمٍ يُخَالِفُ نَظْمَ الْخَمْسَةِ الْمُعْتَدِلَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَسْتَكْمِلُ حَقَّهُ بِقَطْعِ الْخَمْسِ لِأَنَّهَا خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْيَدِ، فَلَهُ مَعَ ذَلِكَ سُدُسُ الدِّيَةِ، لَكِنْ يُحَطُّ مِنَ السُّدُسِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْخُمُسَ الْمَلْقُوطَةَ وَإِنْ كَانَتْ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، فَهِيَ فِي الصُّورَةِ كَالْخَمْسِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَتَقْدِيرُ الْمَحْطُوطِ إِلَى

رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ، وَلَوْ بَادَرَ الْمَقْطُوعُ فَقَطَعَ السِّتَّ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يُعَزَّرُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قِيلَ: يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِزِيَادَةِ الصُّورَةِ، لَمْ يَبْعُدْ، وَلَوْ قَطَعَ صَاحِبُ السِّتِّ أُصْبُعًا لِمُعْتَدِلٍ، قُطِعَتْ أُصْبُعُهُ، وَأَخَذَ مَا بَيْنَ خُمُسِ دِيَةِ الْيَدِ وَسُدُسِهَا، وَهُوَ بَعِيرٌ وَثُلُثَا بِعِيرٍ، لِأَنَّ خُمُسُهَا عَشَرَةٌ، وَسُدُسُهَا ثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ.
وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ أَنْ يُقَالَ: يُحَطُّ مِنْ قَدْرِ التَّفَاوُتِ شَيْءٌ، وَلَوْ قَطَعَ مُعْتَدِلُ الْيَدِ الْيَدَ الْمَوْصُوفَةَ، قُطِعَتْ يَدُهُ، وَأُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ لِلزِّيَادَةِ الْمُشَاهَدَةِ.
كَذَا حَكَاهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا، لَمْ يَقْتَصَّ، لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ خُمُسِ سُدُسٍ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْهُ سُدُسَ دِيَةِ الْيَدِ، وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعَيْنِ، قُطِعَ مِنْهُ أُصْبُعٌ، وَأَخَذَ مَا بَيْنَ ثُلُثِ دِيَةِ الْيَدِ وَخُمُسِهَا، وَهُوَ سِتَّةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثَانِ.
وَلَوْ قَطَعَ ثَلَاثًا، قُطِعَ مِنْهُ أُصْبُعَانِ وَأَخَذَ مَا بَيْنَ نِصْفِ دِيَةِ الْيَدِ وَخُمْسَيْهَا، وَهُوَ خَمْسَةُ أَبْعِرَةً، وَلَوْ بَادَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَقَطَعَ بِأُصْبُعِهِ الْمَقْطُوعَةِ أُصْبُعًا مِنْهَا قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ كَمَنْ قَطَعَ يَدًا شَلَّاءَ فَابْتَدَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَقَطَعَ بِهَا الصَّحِيحَةَ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إِذَا قَطَعَ صَاحِبُ السِّتِّ يَدَ مُعْتَدِلٍ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ: نَعْلَمُ أَنَّ وَاحِدَةً مِنَ السِّتِّ زَائِدَةٌ، وَهِيَ مُلْتَبِسَةٌ، فَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ الْخَمْسِ، لِأَنَّ الزَّائِدَةَ لَا تُقْطَعُ بِالْأَصْلِيَّةِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَحَلِّ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تَكُونَ الزَّائِدَةُ هِيَ إِحْدَى الْمُسْتَوْفِيَاتِ.
وَلَوْ بَادَرَ وَقَطَعَ خَمْسًا، عُزِّرَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَقْطُوعَاتِ أَصْلِيَّاتٌ، وَإِنْ بَادَرَ وَقَطَعَ الْكُلَّ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِلزَّائِدَةِ، وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ: لَا نَدْرِي أَهِيَ كُلُّهَا أَصْلِيَّاتٌ، أَمْ خَمْسٌ مِنْهَا أَصْلِيَّةٌ، وَوَاحِدَةٌ زَائِدَةٌ، فَلَا قِصَاصَ أَيْضًا.
فَلَوْ قَطَعَ جَمِيعَهَا أَوْ خَمْسًا مِنْهَا، عُزِّرَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِنْ قَطَعَ الْكُلَّ، احْتَمَلَ أَنَّهُنَّ أَصْلِيَّاتٌ، وَإِنْ قَطَعَ خَمْسًا احْتَمَلَ أَنَّ الْبَاقِيَةَ زَائِدَةٌ.
الثَّامِنَةُ: فِي الزَّائِدَةِ مِنَ الْأَنَامِلِ قَدْ أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَادَةَ

أَنَّ كُلَّ أُصْبُعٍ سِوَى الْإِبْهَامِ مُنْقَسِمَةٌ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ وَهِيَ الْأَنَامِلُ الثَّلَاثُ، فَلَوِ انْقَسَمَتْ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ أُصْبُعٌ بِأَرْبَعِ أَنَامِلٍ، فَلَهَا حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْأَرْبَعُ أَصْلِيَّةً عِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ، وَقَدْ يُسْتَدَّلُّ عَلَيْهِ بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُفْرِطَةِ الطُّولِ، وَتُنَاسِبُ بَاقِيَ الْأَصَابِعِ، فَإِذَا قَطَعَ صَاحِبُهَا أُنْمُلَةً لِمُعْتَدِلٍ، قُطِعَتْ مِنْهُ أُنْمُلَةٌ، لَكِنْ لَا يَتِمُّ بِهَا حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ أُنْمُلَتَهُ ثُلُثُ الْأُصْبُعِ، وَهَذِهِ رُبُعُهَا، فَيُطَالِبُ بِمَا بَيْنَ الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ مِنْ دِيَةِ أُصْبُعٍ، وَهُوَ خَمْسُ أَسْدَاسِ بَعِيرٍ.
وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَتَيْنِ، قَطَعْنَا مِنْهُ أُنْمُلَتَيْنِ، وَطَالَبْنَاهُ بِمَا بَيْنَ نِصْفِ دِيَةِ الْأُصْبُعِ وَثُلُثِهَا، وَهُوَ بَعِيرٌ وَثُلُثَا بِعِيرٍ، وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعَ مُعْتَدِلٍ بِتَمَامِهَا، فَهَلْ يُقْطَعُ أُصْبُعُهُ بِهَا؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: الْمَنْعُ، فَعَلَى هَذَا يُقْطَعُ ثَلَاثُ أَنَامِلٍ هِيَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ حِصَّتِهِ، وَيُطَالَبُ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَ جَمِيعِ الدِّيَةِ، وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا، وَهُوَ بَعِيرَانِ وَنِصْفٌ، وَلَوْ بَادَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَقَطَعَ أُصْبُعَهُ، عُزِّرَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَطَعَ مُعْتَدِلٌ أُنْمُلَةَ مَنْ لَهُ هَذِهِ الْأُصْبُعُ، لَمْ تُقْطَعْ أُنْمُلَتُهُ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ رُبُعُ دِيَةِ أُصْبُعٍ، وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَتَيْنِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُ أُنْمُلَةً وَيَأْخُذَ بَعِيرًا وَثُلُثَيْنِ، وَلَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أَنَامِلَ، فَلَهُ أَنْ يَقْطَعَ أُنْمُلَتَيْنِ وَيَأْخُذَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ بَعِيرٍ، وَلَوْ قَطَعَ الْأُصْبُعَ بِتَمَامِهَا، قُطِعَتْ أُصْبُعُهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَالرُّويَانِيُّ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأُنْمُلَةُ الْعُلْيَا زَائِدَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَإِنَّ قَطَعَ صَاحِبُهَا أُصْبُعَ مُعْتَدِلٍ، لَمْ يُقْطَعْ أُصْبُعُهُ، لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ، وَلَوْ قَطَعَهَا مُعْتَدِلٌ، قُطِعَتْ أُصْبُعُهُ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ حُكُومَةٌ لِلزَّائِدَةِ، وَتَخْتَلِفُ الْحُكُومَةُ بِكَوْنِ الزَّائِدَةِ عَامِلَةٌ أَمْ لَا، وَلَوْ قَطَعَ الْمُعْتَدِلُ أُنْمُلَةً مِنْهَا، فَلَا قِصَاصَ، وَعَلَيْهِ الْحُكُومَةُ، وَلَوْ قَطَعَ

أُنْمُلَتَيْنِ، قُطِعَ مِنْهُ أُنْمُلَةٌ وَأُخِذَتِ الْحُكُومَةُ لِلزَّائِدَةِ، وَلَوْ قَطَعَ ثَلَاثًا، قُطِعَتْ مِنْهُ أُنْمُلَتَانِ وَأُخِذَتِ الْحُكُومَةُ.
فَرْعٌ.
لَوْ كَانَ لِأُنْمُلَةٍ طَرَفَانِ، أَحَدُهُمَا أَصْلِيٌّ عَامِلٌ، وَالْآخَرُ زَائِدٌ غَيْرُ عَامِلٍ، فَفِي الْأَصْلِ الْقِصَاصُ وَالْأَرْشُ الْكَامِلُ، وَفِي الْآخَرِ الْحُكُومَةُ.
وَلَوْ قَطَعَ صَاحِبُهَا أُنْمُلَةَ مُعْتَدِلٍ، قُطِعَ مِنْهُ الْأَصْلِيُّ إِنْ أَمْكَنَ إِفْرَادُهُ، وَإِنْ كَانَا عَامِلَيْنِ مُشْتَدَّيْنِ، قَالَ الْإِمَامُ: الْقَوْلُ فِيهِمَا قَرِيبٌ مِنَ الْقَوْلِ فِي الْأَصَابِعِ السِّتِّ الْأَصْلَيَّاتِ، وَإِنْ قَطَعَ الْمُعْتَدِلُ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ، لَمْ تُقْطَعْ أُنْمُلَتُهُ، وَإِنْ قَطَعَهُمَا مَعًا، قُطِعَتْ أُنْمُلَتُهُ، وَلَزِمَهُ لِزِيَادَةِ الْخِلْقَةِ شَيْءٌ.
وَإِنْ قَطَعَ صَاحِبُهَا أُنْمُلَةَ مُعْتَدِلٍ، لَمْ يُقْطَعْ طَرَفَا أُنْمُلَتِهِ، بَلْ يَخْتَارُ الْمَقْطُوعُ أَحَدَهُمَا فَيَقْطَعُهُ، وَيَأْخُذُ مَعَهُ نِصْفَ الْأَرْشِ، وَيَحُطُّ مِنْهُ شَيْءٌ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا نَبَتَ طَرَفَا تِلْكَ الْأُنْمُلَةِ عَلَى رَأْسِ الْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى.
فَلَوْ لَقِيَ رَأْسَهَا عَظْمٌ، ثُمَّ انْشَعَبَ الطَّرَفَانِ مِنْ ذَلِكَ الْعَظْمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَفْصِلٌ بَيْنَ الْعَظْمِ وَبَيْنَهَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعُ الْقِصَاصِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ طَرَفٍ مَفْصِلٌ هُنَاكَ، فَالْعَظْمُ الْحَائِلُ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ وَالْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى أُنْمُلَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أُصْبُعٌ لَهَا أَرْبَعُ أَنَامِلٍ، وَالْعُلْيَا مِنْهَا ذَاتُ طَرَفَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ عَلَى السَّاعِدِ كَفَّانِ، أَوْ عَلَى السَّاقِ قَدَمَانِ، فَحُكْمُهُ كَالْأُنْمُلَتَيْنِ عَلَى رَأْسِ أُصْبُعٍ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: لَوْ كَانَتْ أُصْبُعٌ لَيْسَ لَهَا إِلَّا أُنْمُلَتَانِ، وَهِيَ تُنَاسِبُ سَائِرُ الْأَصَابِعِ فِي الطُّولِ، فَلِلْإِمَامِ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَيْسَتْ أُصْبُعًا تَامَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ أُنْمُلَتَانِ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا أُصْبُعٌ تَامَّةٌ، لَكِنَّهَا ذَاتُ قِسْمَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهَا أَرْبَعُ أَنَامِلَ كَانَتْ أُصْبُعًا ذَاتَ أَرْبَعِ أَقْسَامٍ.
وَلَوْ وُجِدَتْ أُصْبُعٌ لَا مَفْصِلَ لَهَا، قَالَ الْإِمَامُ: الْأَرْجَحُ

عِنْدِي نُقْصَانُ شَيْءٍ مِنَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ الِانْثِنَاءَ إِذَا زَالَ، سَقَطَ مُعْظَمُ مَنَافِعِ الْأُصْبُعِ، وَقَدْ يَنْجَرُّ هَذَا إِلَى أَنْ لَا تُقْطَعَ أُصْبُعُ السَّلِيمِ بِهَا.
الْعَاشِرَةُ: سَلِيمُ الْيَدِ قَطَعَ الْأُنْمُلَةَ الْوُسْطَى مِنْ فَاقِدِ الْعُلْيَا، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الِاقْتِصَاصِ مَعَ بَقَاءِ الْعُلْيَا، فَإِنْ سَقَطَتْ بِآفَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ، اقْتُصَّ مِنَ الْوُسْطَى.
وَلِلْقَفَّالِ احْتِمَالٌ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَطَعَ السَّلِيمُ كَفًّا لَا أَصَابِعَ لَهَا، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا، فَلَوْ بَادَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَقَطَعَ الْوُسْطَى مَعَ الْعُلْيَا، فَقَدْ تَعَدَّى، وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْعُلْيَا، وَلَوْ أَرَادَ طَلَبَ أَرْشِ الْوُسْطَى فِي الْحَالِ لِلْحَيْلُولَةِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ.
وَلَوْ كَانَتِ الْعُلْيَا مُسْتَحِقَّةٌ الْقَطْعَ قِصَاصًا، فَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا طَلَبُ أَرْشِ الْوُسْطَى مِنْ غَيْرِ عَفْوٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: لَهُ، لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ مُرْتَقَبٌ، وَمِنْ صُوَرِ اسْتِحْقَاقِ الْعُلْيَا بِالْقِصَاصِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَهُوَ أَنْ تُقْطَعَ الْأُنْمُلَةُ الْعُلْيَا مِنْ رَجُلٍ، وَالْوُسْطَى مِنْ آخَرَ فَاقِدٍ لِلْعُلْيَا، فَلِصَاحِبِ الْعُلْيَا الْقِصَاصُ فِيهَا أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ قَطْعُهُ مُتَأَخِّرًا، فَإِنْ طَلَبَ الْقِصَاصَ، اقْتَصَّ، وَيُمَكَّنُ مُسْتَحِقُّ الْوُسْطَى مِنِ اسْتِيفَائِهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّوسِيُّ: وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى وَضْعِ الْحَدِيدَةِ عَلَى مَفْصِلِ الْوُسْطَى وَاسْتَوْفَيَا الْأُنْمُلَتَيْنِ بِقَطْعَةٍ وَاحِدَةٍ، جَازَ، وَقَدْ هَوَّنَّا الْأَمْرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ صَاحِبُ الْعُلْيَا الْقِصَاصَ، صَبَرَ صَاحِبُ الْوُسْطَى أَوْ عَفَا.
فَرْعٌ.
قَطَعَ الْأُنْمُلَةَ الْعُلْيَا لِرَجُلٍ، وَالْعُلْيَا وَالْوُسْطَى لِغَيْرِهِ، نُظِرَ، إِنْ سَبَقَ قَطْعُ الْأُنْمُلَةِ، فَلِصَاحِبِهَا الِاقْتِصَاصُ فِيهَا، وَيَتَخَيَّرُ الْآخَرُ بَيْنَ أَنْ تُقْطَعَ الْوُسْطَى، وَيَأْخُذَ دِيَةَ الْعُلْيَا، وَبَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ وَيَأْخُذَ دِيَتَهُمَا، وَلَوْ بَادَرَ صَاحِبُ الْأُنْمُلَتَيْنِ فَقَطَعَهُمَا، كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ، وَيَأْخُذُ الْآخَرُ دِيَةَ الْعُلْيَا مِنَ الْجَانِي.

الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي وَقْتِ الِاقْتِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ.
الْمُسْتَحَبُّ فِي قِصَاصِ الْجُرُوحِ وَالْأَطْرَافِ التَّأْخِيرُ إِلَى الِانْدِمَالِ، فَلَوْ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ الِاقْتِصَاصَ فِي الْحَالِ، مُكِّنَ مِنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي تِلْكَ الْجِرَاحَةِ ثَابِتٌ وَإِنْ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ، أَوْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْجُرْحِ.
وَأَمَّا الْمَالُ، فَلَا يَتَقَدَّرُ، فَقَدْ تَعُودُ الدِّيَتَانِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرَّجْلَيْنِ إِلَى وَاحِدَةٍ بِالسِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ، وَقَدْ يُشَارِكُهُ جَمَاعَةٌ، فَيَقِلُّ وَاجِبُهُ، وَقِيلَ: فِي التَّعْجِيلِ فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ قَوْلَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يُعَجِّلُ الْمَالَ، فَفِي قَدْرِ الْمُعَجَّلِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَعَجُّلُ أُرُوشِ الْجِرَاحَاتِ وَدِيَاتِ الْأَطْرَافِ وَإِنْ كَثُرَتْ، فَإِنْ حَصَلَتْ سِرَايَةٌ، اسْتَرَدَّ، وَالثَّانِي: لَا يُعَجِّلُ إِلَّا دِيَةَ نَفْسٍ، لِاحْتِمَالِ السِّرَايَةِ.
قُلْتُ: الثَّانِي الْأَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ

اخْتِلَافُ الْجَانِي وَمُسْتَحِقِّ الدَّمِ.
فِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: قَدَّ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ نِصْفَيْنِ وَقَالَ: كَانَ مَيِّتًا، وَقَالَ الْوَلِيُّ: كَانَ حَيًّا، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْوَلِيُّ، وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلْفُوفًا عَلَى هَيْئَةِ التَّكْفِينِ، أَوْ فِي ثِيَابِ الْأَحْيَاءِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ هَدَمَ عَلَيْهِ بَيْتًا وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: الْمُصَدَّقُ الْوَلِيُّ، أَوِ الْجَانِي، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِحَيَاتِهِ وَيَعْمَلَ بِهَا، وَلِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا بِالْحَيَاةِ إِذَا كَانُوا رَأَوْهُ يَتَلَفَّفُ فِي الثَّوْبِ، وَيَدْخُلُ الْبَيْتَ، وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا حَيَاتَهُ حَالَةَ الْقَدِّ وَالِانْهِدَامِ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرُوا عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَدْخُلُ الْبَيْتَ وَيَتَلَفَّفُ فِي الثَّوْبِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.

قُلْتُ: وَإِذَا صَدَّقْنَا الْوَلِيَّ بِلَا بَيِّنَةٍ، فَالْوَاجِبُ الدِّيَةُ دُونَ الْقِصَاصِ، ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الثَّانِيَةُ: قَتَلَ شَخْصًا، وَادَّعَى رِقَّهُ، وَقَالَ قَرِيبُهُ: كَانَ حُرًّا، فَالنَّصُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَرِيبِ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى رِقَّ الْمَقْذُوفِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ فَقِيلَ بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِيهِمَا قَوْلَيْنِ، أَظْهَرُهُمَا: تَصْدِيقُ الْقَرِيبِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ وَالظَّاهِرَ الْحُرَّيَّةَ، وَلِهَذَا حَكَمْنَا بِحُرِّيَّةِ اللَّقِيطِ الْمَجْهُولِ.

الثَّالِثَةُ: قَطَعَ طَرَفَهُ، وَادَّعَى نَقْصَهُ بِشَلَلٍ فِي الْيَدِ أَوِ الرِّجْلِ أَوِ الذَّكَرِ، أَوْ فَقْدِ أُصْبُعٍ أَوْ بِخَرَسٍ أَوْ عَمًى، وَأَنْكَرَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَفِيهِ نُصُوصٌ وَطُرُقٌ مُخْتَصَرُهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: يُصَدَّقُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: الْجَانِي، وَالثَّالِثُ: يُصَدَّقُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إِنِ ادَّعَى السَّلَامَةَ مِنَ الْأَصْلِ، وَإِنِ ادَّعَى زَوَالَ النَّقْصِ بَعْدَ وُجُودِهِ صُدِّقَ الْجَانِي.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ يُصَدَّقُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْعُضْوِ الظَّاهِرِ عِنْدَ إِنْكَارِ أَصْلِ السَّلَامَةِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْعُضْوِ الْبَاطِنِ مَا يُعْتَادُ سَتْرُهُ مُرُوءَةً، وَقِيلَ: مَا يَجِبُ وَهُوَ الْعَوْرَةُ، وَبِالظَّاهِرِ مَا سِوَاهُ، وَإِذَا صَدَّقْنَا الْجَانِيَ، احْتَاجَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إِلَى بَيِّنَةٍ بِالسَّلَامَةِ.
ثُمَّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَكْفِي قَوْلُ الشُّهُودِ: كَانَ صَحِيحًا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعَرُّضُهُمْ لِوَقْتِ الْجِنَايَةِ، وَقِيلَ: إِنْ شَهِدُوا بِالسَّلَامَةِ عِنْدَ الْجِنَايَةِ، كَفَى وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى يَمِينٍ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ سَلِيمًا، احْتَاجَ مَعَهَا إِلَى الْيَمِينِ لِجَوَازِ حُدُوثِ النَّقْصِ.
ثُمَّ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِسَلَامَةِ الْعَيْنِ إِذَا رَأَوْهُ يُتْبِعُ بَصَرَهُ الشَّيْءَ زَمَنًا طَوِيلًا وَيَتَوَقَّى الْمَهَالِكَ، وَلَا يَجُوزُ بِأَنْ يَرَوْهُ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ زَمَنًا يَسِيرًا، لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِنَ الْأَعْمَى.
وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِسَلَامَةِ الْيَدِ وَالذَّكَرِ بِرُؤْيَةِ الِانْقِبَاضِ وَالِانْبِسَاطِ.

فَرْعٌ.
إِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعُضْوِ، فَقِيلَ بِإِطْلَاقِ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمُصَدَّقَ أَيُّهُمَا؟ وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ هَذَا، وَقَالَ: مَنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْعُضْوِ، أَنْكَرَ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ، فَيُقْطَعُ بِتَصْدِيقِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إِذَا اخْتَلَفَا فِي صِحَّتِهِ، وَمِنْهُ مَا إِذَا قَطَعَ كَفَّهُ.
وَاخْتَلَفَا فِي نَقْصِ أُصْبُعٍ، وَلَيْسَ مِنْهُ مَا إِذَا ادَّعَى الْمَقْطُوعُ قَطْعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَقَالَ الْجَانِي: لَمْ أَقْطَعْ إِلَّا أَحَدَهُمَا.

الرَّابِعَةُ: قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَمَاتَ، فَقَالَ الْجَانِي: مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَعَلَيَّ دِيَةٌ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: بَلْ مَاتَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَيْكَ دِيَتَانِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُمْكِنِ الِانْدِمَالُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لِقَصَرِهَا كَيَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي بِلَا يَمِينٍ.
وَقِيلَ: بِيَمِينٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ بِعَارِضٍ، كَحَيَّةٍ وَسُمٍّ مُذَفَّفٍ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الِانْدِمَالِ فَقَطْ، فَلَا يُنْظَرُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ الِانْدِمَالُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ بِيَمِينِهِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَالثَّانِي: إِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَبْقَى الْجِرَاحَةُ فِيهَا غَيْرَ مُنْدَمِلَةٍ، صَدَّقَ الْوَلِيَّ بِلَا يَمِينٍ، وَإِلَّا فَيَمِينٌ، قَطَعَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ احْتِمَالُ الِانْدِمَالِ مَعَ إِمْكَانِهِ بَعِيدًا، صُدِّقَ الْجَانِي بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا فَالْوَلِيُّ، وَادَّعَى الْإِمَامُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ زَمَنِ الِانْدِمَالِ، صُدِّقَ الْجَانِي، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ.
وَلَوْ قَالَ الْجَانِي: مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، أَوْ قَتَلْتُهُ أَنَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: بَلْ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ، بِأَنْ قَالَ: قَتَلَ نَفْسَهُ، أَوْ قَتَلَهُ آخَرُ، أَوْ شَرِبَ سُمًّا مُوحِيًا، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْوَلِيُّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الدِّيَتَيْنِ بِالْجِنَايَتَيْنِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ السَّبَبِ الْآخَرِ، وَلَوِ اقْتَصَرَ الْوَلِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهِ إِنْ قَصُرَ الزَّمَانُ

وَلَمْ يُمْكِنْ فِيهِ الِانْدِمَالُ، فَإِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ صَدَّقْنَاهُ بِيَمِينِهِ وَلَمْ نُحْوِجْهُ إِلَى بَيِّنَةٍ، قَبْلَ قَوْلِهِ، وَحَلَفَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ نُصَدِّقْهُ وَأَحْوَجْنَاهُ إِلَى الْبَيِّنَةِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ لِتَصَوُّرِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَبْعُدُ طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الِانْدِمَالُ، وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْجَانِيَ قَتَلَهُ، لَكِنْ قَالَ: قَتَلْتُهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَيَّ دِيَةٌ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: بَلْ بَعْدَهُ، فَعَلَيْكَ ثَلَاثُ دِيَاتٍ، وَالزَّمَانُ مُحْتَمِلٌ لِلِانْدِمَالِ، صُدِّقَ الْوَلِيُّ فِي بَقَاءِ الدِّيَتَيْنِ، وَالْجَانِي فِي نَفْيِ الثَّالِثَةِ، وَيَجِيءُ وَجْهٌ أَنَّهُ يُصَدَّقُ الْجَانِي مُطْلَقًا.
فَرْعٌ.
لَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ وَمَاتَ، فَقَالَ الْجَانِي: مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَعَلَيَّ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَعَلَيْكَ دِيَةٌ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْوَلِيُّ، وَلَوْ قَالَ الْجَانِي: مَاتَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ فَعَلَيَّ نِصْفُ دِيَةٍ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، وَالزَّمَنُ مُحْتَمِلٌ لِلِانْدِمَالِ، فَالْمُصَدَّقُ الْجَانِي عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، فَالْمُصَدَّقُ الْوَلِيُّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُضِيِّ، وَلَوْ قَتَلَهُ الْجَانِي بَعْدَ الْقَطْعِ، وَقَالَ: قَتَلْتُهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَيَّ دِيَةٌ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: بَعْدَهُ، فَعَلَيْكَ دِيَةٌ وَنِصْفٌ، فَالْمُصَدَّقُ الْجَانِي.
فَرْعٌ.
جَرَحَهُ بِقَطْعِ يَدٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَمَاتَ، فَقَالَ الْجَانِي: حَزَّ آخَرُ رَقَبَتَهُ، فَلَيْسَ عَلَيَّ قِصَاصُ النَّفْسِ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: بَلْ مَاتَ بِسِرَايَةِ جُرْحِكَ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْوَلِيُّ، وَبِهِ قَطَعَ الدَّارَكِيُّ.
وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، وَقَالَ الْجَانِي: مَاتَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، وَكَانَ الظَّاهِرُ الِانْدِمَالُ، صُدِّقَ الْجَانِي بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قَصُرَتِ الْمُدَّةُ، وَبَعُدَ احْتِمَالِ الِانْدِمَالِ، فَالْمُصَدَّقُ الْوَلِيُّ، وَقِيلَ: فِي الْمُصَدَّقِ قَوْلَانِ مُطْلَقًا مَتَى كَانْتِ الْمُدَّةُ مُحْتَمِلَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَحْتَمِلِ الْمُدَّةُ

الِانْدِمَالَ، صُدِّقَ الْوَلِيُّ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ تَحْتَمِلْ بَقَاءَ الْجُرْحِ، صُدِّقَ الْجَانِي بِلَا يَمِينٍ.
فَرْعٌ.
حَيْثُ صَدَّقْنَا مُدَّعِيَ الِانْدِمَالِ، فَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً بِأَنَّ الْمَجْرُوحَ لَمْ يَزَلْ مُتَأَلِّمًا مِنَ الْجِرَاحَةِ حَتَّى مَاتَ، رَجَعْنَا إِلَى تَصْدِيقِهِ.

الْخَامِسَةُ: أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: رَفَعْتُهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَلَيْسَ عَلَيَّ إِلَّا أَرْشٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ بَعْدَهُ، فَعَلَيْكَ أَرْشُ ثَلَاثِ مُوضِحَاتٍ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنْ قَصُرَ الزَّمَانُ، صُدِّقَ الْجَانِي بِيَمِينِهِ، وَإِنْ طَالَ، صُدِّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَلَفَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، ثَبَتَ الْأَرْشَانِ، وَلَا يَثْبُتُ الثَّالِثُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ وَجَدْنَا الْحَاجِزَ مُرْتَفِعًا، وَقَالَ الْجَانِي: رَفَعْتُهُ أَنَا، أَوِ ارْتَفَعَ بِالسِّرَايَةِ، وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ رَفَعَهُ آخَرُ، أَوْ رَفَعْتُهُ أَنَا، فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ مُوضِحَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ الْجَانِي: هَكَذَا أَوْضَحْتُ، وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ أَوْضَحْتَ مُوضِحَتَيْنِ، وَأَنَا رَفَعْتُ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا، صُدِّقَ الْجَانِي.
قُلْتُ: بَابُ الِاخْتِلَافِ وَاسِعٌ وَإِنَّمَا أَشَارَ هُنَا إِلَى مَسَائِلَ مِنْهُ، وَبَاقِيهَا مُفَرَّقٌ فِي مَوَاضِعِهِ، وَمِنْهَا: لَوْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ، فَدَاوَى جُرْحَهُ وَسَقَطَتِ الْكَفُّ، فَقَالَ الْجَانِي: تَآكَلَ بِالدَّوَاءِ، وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ تَآكَلَ بِسَبَبِ الْقَطْعِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: نَسْأَلُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: هَذَا الدَّوَاءُ يَأْكُلُ اللَّحْمَ الْحَيَّ وَالْمَيِّتَ، صُدِّقَ الْجَانِي، وَإِنْ قَالُوا: لَا يَأْكُلُ الْحَيَّ، صُدِّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَإِنِ اشْتَبَهَ الْحَالُ، صُدِّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِهِ، وَلَا يَتَدَاوَى فِي الْعَادَةِ بِمَا يَأْكُلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ.

اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ.
فِيهِ أَطْرَافٌ: الْأَوَّلُ: فِيمَنْ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ، أَمَّا الْقِصَاصُ، فَيَسْتَحِقُّهُ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي وَجْهٍ تَسْتَحِقُّهُ الْعَصَبَةُ خَاصَّةً، وَفِي وَجْهٍ يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُونَ بِالنَّسَبِ دُونَ السَّبَبِ، حَكَاهُمَا ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَهُمَا شَاذَّانِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَلَوْ قِيلَ: مَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ، فَهَلْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ قَاتِلِهِ، أَمْ يَتَعَيَّنُ أَخْذُ الدِّيَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ سَبَقَا فِي كِتَابِ اللَّقِيطِ.
وَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا، أَوْ جَدَّةً، أَوْ أَخًا لِأُمٍّ، فَإِنْ قُلْنَا: لِلسُّلْطَانِ الِاسْتِيفَاءُ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، اسْتَوْفَاهُ مَعَ صَاحِبِ الْفَرْضِ، وَإِلَّا فَالرُّجُوعُ إِلَى الدِّيَةِ.
فَرْعٌ.
لَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ غَائِبٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَجْنُونٌ، انْتُظِرَ حُضُورُ الْغَائِبِ أَوْ إِذْنُهُ، وَبُلُوغُ الصَّبِيِّ، وَإِفَاقَةُ الْمَجْنُونِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرَيْنِ الِانْفِرَادُ بِالِاسْتِيفَاءِ.
فَرْعٌ.
إِذَا انْفَرَدَ صَبِيٌّ، أَوْ مَجْنُونٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْقِصَاصِ، لَمْ يَسْتَوْفِهِ وَلِيُّهُ سَوَاءٌ فِيهِ قِصَاصُ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ، وَأَمَّا أَخْذُ الْوَلِيِّ لَهُ الدِّيَةَ، وَجَوَازُ رَدِّ الْمُسْتَحِقِّ لَهَا إِذَا كَمُلَ وَاقْتِصَاصِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابَيِ الْحَجْرِ وَاللَّقِيطِ، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيَفِيقَ الْمَجْنُونُ، وَلَا يُخَلَّى بِالْكَفِيلِ، فَقَدْ يَهْرُبُ، وَيَفُوتُ الْحَقُّ.
وَكَذَلِكَ يُحْبَسُ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْحَاكِمُ مَالَ مَيِّتٍ مَغْصُوبًا، وَالْوَارِثُ غَائِبٌ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ حِفْظًا لِحَقِّ الْمَيِّتِ، وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِي قِصَاصِ الطَّرَفِ إِلَى قُدُومِ الْغَائِبِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ

الْمُكَلَّفِ، كَمَا لَا يَأْخُذُ مَالَهُ الْمَغْصُوبَ، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ مَا يُنَازَعُ فِيهِ وَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالَ الْغَائِبِ وَيَحْفَظُهُ لَهُ، وَأَنَّهُ يُحْبَسُ لِقِصَاصِ الطَّرَفِ.
وَفِي أَمَالِي السَّرَخْسِيِّ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ قَالَ: لَا يُحْبَسُ الْقَاتِلُ، لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ زَائِدَةٌ، وَحَمَلَ الْحَبْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى التَّوَقُّفِ لِلِانْتِظَارِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَحَبْسُهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْقَتْلِ، وَلَا طَرِيقَ إِلَى حِفْظِ الْحَقِّ سِوَاهُ.

فَصْلٌ

إِذَا كَانَ الْقِصَاصُ لِجَمَاعَةٍ حُضُورٍ كَامِلِينَ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى مُبَاشَرَةِ قَتْلِهِ، لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا، وَلَكِنْ يَتَّفِقُونَ عَلَى وَاحِدٍ يَسْتَوْفِيهِ، أَوْ يُوَكِّلُونَ أَجْنَبِيًّا، فَإِنْ طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ، أَقْرَعَ.
فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، تَوَلَّاهُ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ، فَلَوْ أَخَّرُوا لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَنَازَعُوا فِي التَّزْوِيجِ، فَخَرَجَتْ قُرْعَةُ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يُزَوَّجُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْبَاقِينَ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِسْقَاطِ وَلِجَمِيعِهِمْ وَلِبَعْضِهِمْ تَأْخِيرُهُ كَإِسْقَاطِهِ.
وَالنِّكَاحُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنِ الْقَفَّالِ تَفْرِيعًا أَنَّهُ لَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ بِخِلَافِ الْقُرْعَةِ فِي الْقِسْمَةِ وَبَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ إِلَى إِذْنِ الْبَاقِينَ، لِتَظْهَرَ فَائِدَةُ الْقُرْعَةِ، وَإِلَّا فَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى وَاحِدٍ مُغْنٍ عَنِ الْقُرْعَةِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ مَنَعَ بَعْضُهُمْ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْقُرْعَةِ الْعَاجِزُ عَنِ الِاسْتِيفَاءِ، كَالشَّيْخِ وَالْمَرْأَةِ؟ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: لَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاسْتِيفَاءِ، وَالْقُرْعَةُ إِنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ الْمُسْتَوِينَ فِي الْأَهْلِيَّةِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ، وَكَّلَ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَدْخُلُ، فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِقَادِرٍ، فَعَجَزَ، أُعِيدَتْ بَيْنَ الْبَاقِينَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَدْخُلُ، لَا تُعَادُ، لَكِنْ يَسْتَنِيبُ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ

الْمُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ لِحَزِّ الرَّقَبَةِ، فَأَمَّا قِصَاصُ الطَّرَفِ، وَقِصَاصُ النَّفْسِ الْمُسْتَحَقُّ بِقَطْعِ الطَّرَفِ وَنَحْوِهِ، فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَصْلٌ

مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ إِذَا قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ كَمَا سَبَقَ، وَيَكُونُ هَذَا الْقِصَاصُ لِوَرَثَتِهِ، لَا لِمَنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ عَلَيْهِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: فَلَوْ عَفَا وَرَثَتُهُ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ، فَالدِّيَةُ لِلْوَرَثَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لِمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ، كَمَا إِذَا قُتِلَ الْمَرْهُونُ تَكُونُ قِيمَتُهُ مَرْهُونَةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا إِذَا بَادَرَ أَحَدُ ابْنَيِ الْمَقْتُولِ الْحَائِزَيْنِ، فَقَتَلَ الْجَانِيَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ، فَيَنْظُرُ أَوَقَعَ ذَلِكَ قَبْلَ عَفْوِ أَخِيهِ أَمْ بَعْدَهُ؟ الْحَالَةُ الْأُولَى: إِذَا قَتَلَهُ قَبْلَ الْعَفْوِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ، قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجِبُ، لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي قَتْلِهِ، فَصَارَ شُبْهَةً، وَالْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا قَتَلَهُ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَإِنْ جَهِلَ، فَلَا قِصَاصَ بِلَا خِلَافٍ، الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْدَ الْعَفْوِ، فَإِنْ عَلِمَ الْعَفْوَ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنِ الْجَانِي، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ، لَزِمَهُ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: لَا، لِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ جَهِلَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا قِصَاصَ إِذَا عَلِمَهُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَلَوْ قَتَلَهُ الْعَافِي، أَوْ عَفْوًا، ثُمَّ قَتَلَهُ أَحَدُهُمَا، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ قَطْعًا.
التَّفْرِيعُ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى، فَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ عَلَى الِابْنِ الْمُبَادِرِ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْأَبِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ عَفَا مَجَّانًا، أَوْ أَطْلَقَ الْعَفْوَ، وَقُلْنَا: الْعَفْوُ الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ الدِّيَةَ، أَخَذَهَا الْأَخَوَانِ.
وَإِنْ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ، أَوْ أَطْلَقَ وَجَعَلْنَا الْمُطْلَقَ مُوجِبًا لِلدِّيَةِ، فَلِلْأَخِ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، وَلِلْمُبَادِرِ النِّصْفُ وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْجَانِي بِتَمَامِهَا، وَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي الْتَّقَاصِّ، وَقَدْ يَصِيرُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ قِصَاصًا، وَيَأْخُذُ وَارِثُ الْجَانِي النِّصْفَ الْآخَرَ،

وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْقَدْرُ بِأَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ أَوَّلًا رَجُلًا، وَالْجَانِي امْرَأَةٌ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ، وَلَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ عَلَى الْمُبَادِرِ، فَلِأَخِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَمِمَّنْ يَأْخُذُهَا؟ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: مِنْ أَخِيهِ الْمُبَادِرِ، وَأَظْهَرُهُمَا: مِنْ تَرِكَةِ الْجَانِي.
فَإِذَا قُلْنَا: يَأْخُذُ مِنْ أَخِيهِ، فَأَبْرَأَ أَخَاهُ، بَرِئَ، وَإِنْ أَبْرَأَ وَارِثَ الْجَانِي، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَبْرَأَ وَارِثَ الْجَانِي الْمُبَادِرُ عَنِ الدِّيَةِ، لَمْ يَسْقُطِ النِّصْفُ الثَّابِتُ عَلَيْهِ لِأَخِيهِ.
وَأَمَّا النِّصْفُ الثَّابِتُ لِلْوَارِثِ، فَيُبْنَى عَلَى الْتَّقَاصِّ فِي الدِّيتَيْنِ، هَلْ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْوُجُوبِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَالْعَفْوُ لَغْوٌ، وَبِمُجَرَّدِ وُجُوبِهِمَا، سَقَطَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْصُلُ حَتَّى يَتَرَاضَيَا، صَحَّ الْإِبْرَاءُ، وَسَقَطَ مَا ثَبَتَ لِلْوَارِثِ عَلَى الْمُبَادِرِ.
وَيَبْقَى لِلْمُبَادِرِ النِّصْفُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، وَإِنْ قُلْنَا: حَقُّ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي لَا عَلَى أَخِيهِ، فَلِوَارِثِ الْجَانِي عَلَى الْمُبَادِرِ دِيَةٌ تَامَّةٌ، وَلِلْمُبَادِرِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، فَيَقَعُ النِّصْفُ تَقَاصًّا، وَيَأْخُذُ وَارِثُ الْجَانِي مِنْهُ النِّصْفَ الْآخَرَ، فَلَوْ أَبْرَأَ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ أَخَاهُ، فَإِبْرَاؤُهُ لَغْوٌ إِذْ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَبْرَأَ وَارِثَ الْجَانِي، صَحَّ، وَلَوْ أَسْقَطَ وَارِثُ الْجَانِي الدِّيَةَ عَنِ الْمُبَادِرِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَقَعُ الْتَّقَاصُّ بِنَفْسِ الْوُجُوبِ، فَقَدْ سَقَطَ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ، وَيُؤَثِّرُ الْإِسْقَاطُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ شَيْءٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَقَعُ الْتَّقَاصُّ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، سَقَطَ حَقُّ الْوَارِثِ بِإِسْقَاطِهِ، وَبَقِيَ لِلْمُبَادِرِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي.
وَإِذَا كَانَ الْمُبَادِرُ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ بِقَتْلِهِ، وَهَلْ يَكُونُ فِي مَالِهِ لِقَصْدِهِ الْقَتْلَ، أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّ الْجَهْلَ كَالْخَطَأِ؟ قَوْلَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: فِي مَالِهِ، فَالِابْنُ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ يَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ أَخِيهِ، أَوْ مِنْ تَرِكَةِ الْجَانِي، فِيهِ الْقَوْلَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَخَذَ الِابْنَانِ الدِّيَةَ مِنْ تَرِكَةِ الْجَانِي فِي الْحَالِ، وَوَارِثُ الْجَانِي يَأْخُذُ دِيَتَهُ مِنْ عَاقِلَةِ الْمُبَادِرِ، كَمَا تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنَ الْعَوَاقِلِ، هَذَا تَفْرِيعُ الْحَالَةِ الْأُولَى.
أَمَّا إِذَا قَتَلَهُ بَعْدَ عَفْوِ أَخِيهِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، وَاقْتَصَّ وَارِثٌ

الْجَانِي، فَلِوَرَثَةِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، وَأَمَّا الْعَافِي، فَلَا شَيْءَ لَهُ إِنْ عَفَا مَجَّانًا، وَإِنْ عَفَا عَلَى نِصْفِ الدِّيَةِ، عَادَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ مِمَّنْ يَأْخُذُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ الْوَارِثُ، بَلْ عَفَا، نُظِرَ فِي حَالِ الْعَفْوَيْنِ وَمَا يَقْتَضِيَانِهِ مِنْ وُجُوبِ الْمَالِ وَعَدَمِهِ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ، فَإِنْ كَانَ الْآخَرُ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَقُلْنَا: الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي الدِّيَةَ، فَلِلِابْنَيْنِ دِيَةُ أَبِيهِمَا، وَعَلَى الْمُبَادِرِ دِيَةُ الْجَانِي، فَيَقَعُ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ فِي الْتَّقَاصِّ، وَيَأْخُذُ الْآخَرُ النِّصْفَ مِنْ أَخِيهِ، أَوْ مِنْ تَرِكَةِ الْجَانِي عَلَى الْخِلَافِ.
وَإِنْ عَفَا مَجَّانًا أَوْ مُطْلَقًا وَقُلْنَا: لَا يُوجِبُ الْمَالَ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَافِي، وَلِلْمُبَادِرِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ دِيَةِ الْجَانِي، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ صُوَرِ مَجِيءِ الْخِلَافِ فِي الْتَّقَاصِّ كَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
لِأَنَّ شَرْطَ الْتَّقَاصِّ اسْتِوَاءُ الدِّيَتَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ حَتَّى لَا يَجْرِيَ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُؤَجَّلًا وَالْآخَرُ حَالًّا وَاخْتَلَفَ أَجَلُهُمَا، وَهُنَا أَحَدُ الدِّيَتَيْنِ فِي ذِمَّةِ الِابْنِ الْمُبَادِرِ لِوَرَثَةِ الْجَانِي، وَالْآخَرُ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَةِ الْجَانِي وَلَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ أَحَدٍ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ أَشَدُّ مِنِ اخْتِلَافِ قَدْرِ الْأَجَلِ.

فَصْلٌ

الْوَاحِدُ إِذَا قَتَلَ جَمَاعَةً، قُتِلَ بِأَحَدِهِمْ وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ أَطْرَافَ جَمَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ، وَفِي الْبَيَانِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْجَمِيعِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَلَوْ رَضِيَ الْأَوْلِيَاءُ بِأَنْ يُقْتَلَ بِهِمْ جَمِيعًا وَيَرْجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَبْقَى لَهُ مِنَ الدِّيَةِ عِنْدَ تَوْزِيعِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُجَابُوا إِلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ الْإِمَامُ.
ثُمَّ يَنْظُرُ إِنْ قَتَلَهُمْ مُرَتِّبًا، قُتِلَ بِالْأَوَّلِ، فَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْأَوَّلِ، قُتِلَ بِالثَّانِي وَهَكَذَا يُرَاعَى التَّرْتِيبُ، وَإِنْ لَمْ يَعْفُ وَلِيُّ الْأَوَّلِ وَلَا اقْتَصَّ، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الثَّانِي الْمُبَادَرَةُ بِقَتْلِهِ، فَلَوْ فَعَلَ، عُزِّرَ وَلَا غُرْمَ، بَلْ يَقَعُ قَتْلُهُ عَنِ الْقِصَاصِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ، وَيَنْتَقِلُ الْأَوَّلُ إِلَى الدِّيَةِ.
وَفِي وَجْهٍ يَغْرَمُ لِلْأَوَّلِ دِيَةَ قَتْلِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ تَرِكَةِ الْجَانِي دِيَةَ قَتِيلِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ غَائِبًا

أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، حُبِسَ الْقَاتِلُ حَتَّى يَحْضُرَ الْوَلِيُّ، أَوْ تَكْمُلَ حَالُهُ، وَحَكَى الْفُورَانِيُّ قَوْلًا عَنْ رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ أَنَّ لِلثَّانِي الِاقْتِصَاصَ، وَيَصِيرُ الْحُضُورُ وَالْكَمَالُ مُرَجِّحًا، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا إِذَا قَتَلَهُمْ مَعًا، بِأَنْ هَدَمَ عَلَيْهِمْ جِدَارًا أَوْ جَرَحَهُمْ وَمَاتُوا مَعًا، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، قُتِلَ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِوَاحِدٍ، فَعَفَا وَلَيُّهُ، أُعِيدَتِ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْبَاقِينَ.
وَكَذَا لَوْ عَفَا، بِأَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَهَذَا الْإِقْرَاعُ وَاجِبٌ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ، وَحَكَى أَبُو الْفَيَّاضِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ، وَحَكَوْا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ رَضُوا بِتَقْدِيمِ وَاحِدٍ بِلَا قُرْعَةٍ، جَازَ.
فَإِنْ بَدَا لَهُمْ، رُدُّوا إِلَى الْقُرْعَةِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ بَعْضِ الْقَتْلَى غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، فَالْمَذْهَبُ الِانْتِظَارُ إِذَا أَوْجَبْنَا الْإِقْرَاعَ، وَفِي «الْوَسِيطِ» عَنْ رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ أَنَّ لِلْحَاضِرِ وَالْكَامِلِ الِاقْتِصَاصَ، وَإِذَا أَشْكَلَ الْحَالُ، فَلَمْ يَدْرِ أَقَتَلَهُمْ دُفْعَةً أَوْ مُرَتِّبًا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ أَقَرَّ بِسَبْقِ قَتْلِ بَعْضِهِمُ، اقْتَصَّ مِنْهُ وَلَيُّهُ، وَلِوَلِيِّ غَيْرِهِ تَحْلِيفُهُ إِنْ كَذَّبَهُ.
فَرْعٌ.
إِذَا قَتَلَ مُرَتِّبًا، فَجَاءَ وَلِيُّ الثَّانِي يَطْلُبُ الْقِصَاصَ، وَلَمْ يَجِئِ الْأَوَّلُ، فَعَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ إِلَى وَلِيِّ الْأَوَّلِ، لِيَعْرِفَ أَهُوَ طَالِبٌ أَوْ عَافٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْعَثْ وَقَتَلَهُ بِالثَّانِي، كَرِهْتُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ لِكُلِّهِمْ عَلَيْهِ حَقُّ الْقَوَدِ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ فِي «الْأُمِّ» : فَقَدْ أَسَاءَ.
فَرْعٌ.
قَتَلَ جَمَاعَةٌ جَمَاعَةً، فَالْقَاتِلُونَ كَشَخْصٍ، فَإِنْ قَتَلُوهُمْ مُرَتَّبًا، قُتِلُوا بِالْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَيُقْرَعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، قُتِلُوا بِهِ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ فِي تَرِكَاتِ الْقَاتِلِينَ.

فَرْعٌ.
إِذَا قَتَلَ عَبْدٌ جَمَاعَةً أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُقْتَلُ بِجَمِيعِهِمْ، لِأَنَّ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ تَضْيِيعُ حَقِّ الْآخَرِينَ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ قَتَلَهُمْ خَطَأً، تُضَارَبُوا فِي رَقَبَتِهِ، فَكَذَا فِي قِصَاصِهِ بِخِلَافِ الْحُرِّ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: لَا يُقْتَلُ بِجَمِيعِهِمْ، بَلْ يَكُونُ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ، يُقْتَلُ بِوَاحِدٍ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ فِي ذِمَّتِهِ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِهَا.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قَتَلَهُمْ مُرَتِّبًا، قُتِلَ بِالْأَوَّلِ، وَإِنْ قَتَلَهُمْ مَعًا، أَقْرَعَ، وَقُتِلَ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَلَوْ عَفَا وَلِيُّ الْأَوَّلِ، أَوْ وَلِيُّ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ عَلَى مَالٍ، تَعَلَّقَ الْمَالُ بِرَقَبَتِهِ.
وَلِلثَّانِي قَتْلُهُ وَإِنْ بَطَلَ حَقُّ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَالِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَجِنَايَةِ الْمَرْهُونِ، وَإِنْ عَفَا الثَّانِي أَيْضًا عَلَى مَالٍ، تَعَلَّقَ الْمَالَانِ بِرَقَبَتِهِ وَلَا يُرَجَّحُ بِالتَّقَدُّمِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ أَمْوَالًا لِجَمَاعَةٍ فِي أَزْمِنَةٍ.
فَرْعٌ.
إِذَا تَمَالَأَ عَلَى الْجَانِي أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ، فَقَتَلُوهُ جَمِيعًا، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: يَقَعُ الْقَتْلُ مُوَزَّعًا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ مِنْ دِيَتِهِ.
وَالثَّانِي: يُقْرَعُ وَيُجْعَلُ الْقَتْلُ وَاقِعًا عَمَّنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ، وَالثَّالِثُ قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ: يُكْتَفَى بِهِ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَلَا رُجُوعَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّيَةِ.
فَرْعٌ.
قَتَلَ رَجُلًا، وَقَطَعَ طَرَفَ آخَرَ، وَحَضَرَ الْمُسْتَحِقَّانِ، يُقْطَعُ طَرَفُهُ، ثُمَّ يُقْتَلُ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ قَتْلُهُ، أَمْ قَطْعُهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَإِنْ قَطَعَ يَمِينَ زَيْدٍ، ثُمَّ أُصْبُعًا مِنْ يَمِينِ عَمْرٍو، وَحَضَرَا، قُطِعَتْ يَمِينُهُ لِزَيْدٍ وَيَأْخُذُ عَمْرٌو دِيَةَ الْأُصْبُعِ.
فَإِنْ عَفَا زَيْدٌ، قُطِعَتْ أُصْبُعُهُ لِعَمْرٍو، وَإِنْ كَانَ قَطَعَ الْأُصْبُعَ

أَوَّلًا، قُطِعَتْ أُصْبُعُهُ لِلْأَوَّلِ، وَيَأْخُذُ الثَّانِي دِيَةَ الْيَدِ، وَإِنْ شَاءَ، قَطَعَ مَا بَقِيَ مِنْ يَدِ الْجَانِي، وَأَخَذَ دِيَةَ الْأُصْبُعُ، وَإِنْ وَقَعَ الْقَطْعَانِ مَعًا، أُقْرِعَ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ مَكَانَهُ يُقَدَّمُ قَطْعُهُ.

فَصْلٌ

لَيْسَ لِمُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ اسْتِيفَاؤُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَمَنْصُورٍ التَّمِيمِيِّ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ يَسْتَقِلُّ بِالِاسْتِيفَاءِ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْأَوَّلُ، وَسَوَاءٌ فِيهِ قِصَاصُ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ، وَإِذَا اسْتَقَلَّ بِهِ عُزِّرَ، لَكِنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَيَقَعُ عَنِ الْقِصَاصِ، وَلَوِ اسْتَقَلَّ الْمَقْذُوفُ بِاسْتِيفَاءِ حَدِّ الْقَذْفِ بِإِذْنِ الْقَاذِفِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَجْهَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُعْتَدُّ بِهِ، تُرِكَ حَتَّى يَبْرَأَ ثُمَّ يُحَدُّ، وَلَوْ مَاتَ مِنْهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ إِنْ جَلَدَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، فَلَا قِصَاصَ.
وَفِي الدِّيَةِ خِلَافٌ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِإِذْنِهِ، ثُمَّ إِذَا طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَرَهُ أَهْلًا لَهُ كَالشَّيْخِ وَالزَّمِنِ وَالْمَرْأَةِ، لَمْ يُجِبْهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ، وَإِنْ رَآهُ أَهْلًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قِصَاصَ النَّفْسِ، وَالطَّالِبُ الْوَلِيَّ، فَوَّضَهُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ الْجَلْدِ فِي الْقَذْفِ لَا يُفَوَّضُ إِلَى الْمَقْذُوفِ، لِأَنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ مَضْبُوطٌ، وَالْجَلَدَاتُ يَخْتَلِفُ مَوْقِعُهَا.
وَالتَّعْزِيرُ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قِصَاصَ الطَّرَفِ، وَالطَّالِبُ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُفَوِّضُهُ إِلَيْهِ كَالنَّفْسِ، لِأَنَّ إِبَانَةَ الطَّرَفِ مَضْبُوطَةٌ، وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُرَدِّدَ الْحَدِيدَةَ، وَيَزِيدَ فِي الْإِيلَامِ.
فَرْعٌ.
يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحْضِرَ الِاقْتِصَاصَ عَدْلَيْنِ مُتَيَقِّظَيْنِ، لِيَشْهَدَا إِنْ أَنْكَرَ الْمُقْتَصُّ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ إِنْ كَانَ التَّرَافُعُ إِلَيْهِ.

فَرْعٌ.
يَتَفَقَّدُ الْإِمَامُ السَّيْفَ، وَيَقْتَصُّ بِصَارِمٍ لَا كَالٍّ، فَلَوْ كَانَ الْجَانِي قَتَلَ بِكَالٍّ، فَهَلْ يَقْتَصُّ بِكَالٍّ أَمْ يَتَعَيَّنُ الصَّارِمُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَإِذَا لَمْ نُجَوِّزْ بِالْكَالِّ، فَبَانَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَلَالُهُ، عُزِّرَ الْمُسْتَوْفِي.
فَرْعٌ.
يَضْبِطُ الْجَانِي فِي قِصَاصِ الطَّرَفِ، لِئَلَّا يَضْطَرِبَ، فَيُؤَدِّيَ إِلَى اسْتِيفَاءِ زِيَادَةٍ.
فَرْعٌ.
إِذَا أُذِنَ لِلْوَلِيِّ فِي ضَرْبِ الرَّقَبَةِ، فَأَصَابَ غَيْرَهَا، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ تَعَمَّدَ، عُزِّرَ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى الْخَطَأَ فِيمَا لَا يَقَعُ الْخَطَأُ بِمِثْلِهِ، بِأَنْ ضَرَبَ رِجْلَهُ أَوْ وَسَطَهُ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يُعْزَلُ، لِأَنَّهُ أَهْلٌ لَهُ، وَإِنْ تَعَدَّى بِفِعْلِهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ قَبْلَ الِارْتِفَاعِ إِلَى الْحَاكِمِ، لَا يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، أَوْ قَوْلٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ يُعْزَلُ، وَيُؤْمَرُ بِالِاسْتِنَابَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَعَدَّى ثَانِيًا، وَلَوِ ادَّعَى الْخَطَأَ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْخَطَأُ، بِأَنْ ضَرَبَ كَتِفَهُ، أَوْ رَأْسَهُ مِمَّا يَلِي الرَّقَبَةَ، حَلَفَ، وَلَا يُعَزَّرُ إِذَا حَلَفَ، لَكِنْ يُعْزَلُ، لِأَنَّ حَالَهُ يُشْعِرُ بِعَجْزِهِ وَخَرْقِهِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ، أَوْ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُعَذَّرُ بِالْخَطَأِ وَلَا يُعْزَلُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا الْوَجْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَا إِذَا لَمْ يَتَكَرَّرِ الْخَطَأُ مِنْهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ خَرْقُهُ.
فَإِنْ ظَهَرَ فَلْيُمْنَعْ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ: وَعَزْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ لَمْ تُعْرَفْ مَهَارَتُهُ فِي ضَرْبِ الرِّقَابِ، فَأَمَّا الْمَاهِرُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْزَلَ بِخَطَأٍ اتَّفَقَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ.

فَرْعٌ.
هَلْ يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ بِالسَّيْفِ الْمَسْمُومِ، وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ، هَكَذَا أَطْلَقَهُمَا مُطْلِقُونُ، وَخَصَّهُمَا الْإِمَامُ بِمَا إِذَا كَانَ تَأْثِيرُ السُّمِّ

فِي التَّقَطُّعِ، وَاكْتُفِيَتْ بِتَأَخُّرٍ عَنِ الدَّفْنِ، فَإِنْ كَانَ يُؤَثِّرُ قَبْلَ الدَّفْنِ، مُنِعَ بِلَا خِلَافٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الْحُرْمَةِ وَعُسْرِ الْغَسْلِ وَالدَّفْنِ، وَحَيْثُ يُمْنَعُ، فَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْقَطْعِ أَنَّهُ كَانَ مَسْمُومًا، عُزِّرَ.
وَأَمَّا فِي قِصَاصِ الطَّرَفِ، فَيُمْنَعُ مِنَ الْمَسْمُومِ بِلَا خِلَافٍ، فَلَوِ اسْتَوْفَاهُ بِمَسْمُومٍ، فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ، فَلَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ مُسْتَحَقٍّ وَغَيْرِهِ، وَتَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَهَلْ تَكُونُ عَلَى الْمُسْتَوْفِي، أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا غَرِيبًا أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ السُّمُّ مُوحِيًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ.
لِيُنَصِّبَ الْإِمَامُ مَنْ يُقِيمُ الْحُدُودَ وَيَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ بِإِذْنِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ، وَيَرْزُقُهُ مِنْ خُمُسِ خُمُسِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ شَيْءٌ، أَوْ كَانَ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِأَهَمَّ مِنْهُ، فَأُجْرَةُ الِاقْتِصَاصِ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، لِأَنَّهَا مُؤْنَةُ حَقٍّ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ.
وَقِيلَ: عَلَى الْمُقْتَصِّ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَفِي أُجْرَةِ الْجَلَّادِ فِي الْحُدُودِ، وَالْقَاطِعِ فِي السَّرِقَةِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى الْمَجْلُودِ وَالسَّارِقِ، لِأَنَّهَا تَتِمَّةُ الْحَدِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْإِيجَابَ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي مَالٌ، وَأُجْرَةُ الْجَلَّادِ فِي الْقَذْفِ كَأُجْرَةِ الِاقْتِصَاصِ، وَإِذَا قُلْنَا: تَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إِلَيْهِ، اقْتَرَضَ الْإِمَامُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إِلَى أَنْ يَجِدَ سِعَةً.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: أَوْ يَسْتَأْجِرُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، أَوْ يَسَّخِرُ مَنْ يَقُومُ بِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَالِاسْتِئْجَارُ قَرِيبٌ وَالتَّسْخِيرُ بَعِيدٌ، وَبِتَقْدِيرِ جَوَازِهِ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ مِمَّنْ يَرَاهُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَيَسْتَأْجِرَ بِهَا.
وَلَوْ قَالَ الْجَانِي: أَنَا أَقْتَصُّ مِنْ نَفْسِي، وَلَا أُؤَدِّي الْأُجْرَةَ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الدَّارَكِيُّ: نَعَمْ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، فَعَلَى هَذَا

لَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ، أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ بِإِذْنِ الْمُسْتَحِقِّ، فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ عَنِ الْقِصَاصِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَوْ جَلَدَ نَفْسَهُ فِي الزِّنَى بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَفِي الْقَذْفِ بِإِذْنِ الْمَقْذُوفِ، لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ، وَكَمَا لَوْ قَبَضَ الْمَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي، لَا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِحُصُولِ الزُّهُوقِ، وَإِزَالَةِ الطَّرَفِ، بِخِلَافِ الْجَلْدِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُؤْلِمُ نَفْسَهُ، وَيُوهِمُ الْإِيلَامَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ، وَفِي الْبَيْعِ الْمَقْصُودُ إِزَالَةُ يَدِ الْبَائِعِ، وَلَمْ تَزُلْ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ السَّارِقُ يَدَ نَفْسِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ اعْتُدَّ بِهِ عَنِ الْحَدِّ، وَهَلْ يُمْكِنُهُ إِذَا قَالَ: أَقْطَعُ بِنَفْسِي؟ وَجْهَانِ.
أَقْرَبُهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّنْكِيلُ، وَيَحْصُلُ بِذَلِكَ.

الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي وَقْتِ الِاقْتِصَاصِ.
لِمُسْتَحَقِّ الْقِصَاصِ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا أَمْكَنَ، فَلَوِ الْتَجَأَ الْجَانِي إِلَى الْحَرَمِ، جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ فِي الْحَرَمِ، سَوَاءٌ فِيهِ قِصَاصُ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ، وَلَوِ الْتَجَأَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قَالَ الْإِمَامُ: أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، أُخْرِجَ مِنْهُ وَقُتِلَ، لِأَنَّ هَذَا تَأْخِيرٌ يَسِيرٌ، وَفِيهِ صِيَانَةٌ لِلْمَسْجِدِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ تُبْسَطُ الْأَنْطَاعُ، وَيُقْتَلُ فِي الْمَسْجِدِ تَعْجِيلًا لِتَوْفِيَةِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ الْهَيْبَةِ.
قُلْتُ: وَلَوِ الْتَجَأَ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَوْ إِلَى مِلْكِ إِنْسَانٍ، أُخْرِجَ قَطْعًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ، فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْقِصَاصَ يُسْتَوْفَى بِمِثْلِهِ، فَإِذَا قُطِعَ طَرَفُ الْجَانِي، فَلَهُ أَنْ يَحُزَّ رَقَبَتَهُ فِي الْحَالِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ، فَإِنْ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا حَزَّ رَقَبَتَهُ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إِزْهَاقَ رُوحِهِ، فَإِنْ شَاءَ عَجَّلَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ.

فَصْلٌ

لَا يُؤَخَّرُ قِصَاصُ الطَّرَفِ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَلَا بِسَبَبِ الْمَرَضِ وَإِنْ كَانَ مُخْطِرًا، وَكَذَا لَا يُؤَخَّرُ الْجَلْدُ فِي الْقَذْفِ بِخِلَافِ قَطْعِ السَّرِقَةِ وَالْجَلْدِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ.
هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَفِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» لِلرُّويَانِيِّ أَنَّهُ نَصَّ فِي «الْأُمِّ» عَلَى أَنَّهُ يُؤَخِّرُ قِصَاصَ الطَّرَفِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَلَوْ قَطَعَ أَطْرَافَ رَجُلٍ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ فِي الْجَمِيعِ مُتَوَالِيًا سَوَاءٌ قَطَعَهَا الْجَانِي مُتَوَالِيَةً أَمْ مُتَفَرِّقَةً.
وَقِيلَ: يُفَرَّقُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُفَرَّقُ إِنْ فَرَّقَ، وَيُوَالِي إِنْ وَالَى، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهَا حُقُوقٌ وَاجِبَةٌ فِي الْحَالِ.

فَصْلٌ

الْمَرْأَةُ الْحَامِلُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي نَفْسٍ وَلَا طَرَفٍ، وَلَا تُحَدُّ لِلْقَذْفِ، وَلَا فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ الْوَضْعِ، سَوَاءٌ الْحَامِلُ مِنْ زِنًى أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ وَجَبَتِ الْعُقُوبَةُ قَبْلَ الْحَمْلِ أَمْ بَعْدَهُ، حَتَّى إِنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَوْ حَبَلَتْ مِنْ زِنًى بَعْدَ الرِّدَّةِ، لَا تُقْتَلُ حَتَّى تَضَعَ.
وَإِذَا وَضَعَتْ لَا تُسْتَوْفَى الْعُقُوبَةَ حَتَّى تَسْقِيَ الْوَلَدَ اللَّبَنَ، وَمَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إِلَى أَنَّهَا لَا تُمْهَلُ لِإِرْضَاعِهِ اللَّبَنَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعِيشُ دُونَهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ بِدُونِهِ مَعَ أَنَّهُ تَأْخِيرٌ يَسِيرٌ، ثُمَّ إِذَا أَرْضَعَتْهُ اللَّبَنَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُرْضِعُهُ، وَلَا مَا يَعِيشُ بِهِ الْوَلَدُ مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ وَغَيْرِهِ، فَوَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: يُقْتَصُّ مِنْهَا، وَلَا يُبَالَى بِالطِّفْلِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ يَجِبُ التَّأْخِيرُ إِلَى أَنْ تُوجَدَ مُرْضِعَةٌ أَوْ مَا يَعِيشُ بِهِ، أَوْ تُرْضِعُهُ هِيَ حَوْلَيْنِ وَتَفْطِمُهُ، لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ تَأْخِيرُ الْعُقُوبَةِ احْتِيَاطًا لِلْحَمْلِ، فَوُجُوبُهُ بَعْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ، وَتَيَقُّنُ

حَيَاتِهِ أَوْلَى، فَلَوْ بَادَرَ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَقَتَلَهَا، فَمَاتَ الطِّفْلُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَاتِلٌ لِلطِّفْلِ عَمْدًا، فَيَلْزَمُهُ قَوَدُهُ.
كَمَا لَوْ حَبَسَ رَجُلًا فِي بَيْتٍ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ، وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنِ النَّصِّ، وَعَنِ الْمَاسَرْجِسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَلَيْهِ دِيَةُ الْوَلَدِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَيْسَ لَوْ غَصَبَ طَعَامَ رَجُلٍ فِي الْبَادِيَةِ أَوْ كِسْوَتُهُ، فَمَاتَ جُوعًا أَوْ بَرْدًا، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَتَوَقَّفَ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى الدَّرْسِ قَالَ: لَا ضَمَانَ فِيهِمَا.
أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ تَرْبِيَةُ الْوَلَدِ بِمَرَاضِعَ يَتَنَاوَبْنَ عَلَيْهِ، أَوْ بِلَبَنِ شَاةٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ تُوجَدْ مُرْضِعَةٌ رَاتِبَةٌ، فَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَصْبِرَ لِتُرْضِعَهُ هِيَ لِئَلَّا يَفْسُدَ خُلُقُهُ وَنُشُوؤُهُ بِالْأَلْبَانِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلَبَنِ الْبَهِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ وَطَلَبَ الْقِصَاصَ، أُجِيبَ إِلَيْهِ، وَلَوْ وُجِدَتْ مُرْضِعَةٌ رَاتِبَةٌ، فَلَهُ الِاقْتِصَاصُ فِي الْحَالِ، وَلَوْ وَجَدَ مَرَاضِعَ وَامْتَنَعْنَ، أَجْبَرَ الْحَاكِمُ مَنْ يَرَى مِنْهُنَّ بِالْأُجْرَةِ.
وَالْجَلْدُ فِي الْقَذْفِ كَالْقِصَاصِ، وَأَمَّا الرَّجْمُ وَسَائِرُ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تُسْتَوْفَى وَإِنْ وُجِدَتْ مُرْضِعَةٌ، بَلْ تُرْضِعُهُ هِيَ، وَإِذَا انْقَضَى الْإِرْضَاعُ لَمْ يُسْتَوْفَ أَيْضًا حَتَّى يُوجَدَ لِلطِّفْلِ كَافِلٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَنَّهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ كَمَا سَبَقَ.

فَرْعٌ.
تُحْبَسُ الْحَامِلُ فِي الْقِصَاصِ إِلَى أَنْ يُمْكِنَ الِاسْتِيفَاءُ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا كَانَ فِي الْمُسْتَحِقِّينَ صَبِيٌّ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا رَجْمٌ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ تُحْبَسْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَقِيلَ: تُحْبَسُ، كَالْقِصَاصِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَإِطْلَاقُ هَذَا الْوَجْهِ بَعِيدٌ.
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، فَلَا مَعْنًى لِلْحَبْسِ مَعَ أَنَّهُ بِعَرْضِ السُّقُوطِ بِالرُّجُوعِ.

فَرْعٌ.
جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا ثَبَتَ الْحَمْلُ بِإِقْرَارِ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ شَهَادَةِ النِّسْوَةِ، فَلَوِ ادَّعَتِ الْجَانِيَةُ الْحَمْلَ، هَلْ يَمْتَنِعُ عَنْهَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: نَعَمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا أَدْرِي أَيَقُولُ هَؤُلَاءِ بِالصَّبْرِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَمْلِ أَمْ إِلَى ظُهُورِ الْمَخَايِلِ، وَالْأَرْجَحُ الثَّانِي، فَإِنَّ التَّأْخِيرَ أَرْبَعُ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ بَعِيدٌ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَعَلَى قَوْلِ الْإِصْطَخْرِيِّ: لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْ مَنْكُوحَةٍ يُخَالِطُهَا زَوْجُهَا، وَهَذَا إِنْ أَرَادَ بِهِ إِذَا ادَّعَتِ الْحَمْلَ، فَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ الِامْتِنَاعَ بِمُجَرَّدِ الْمُخَالَطَةِ وَالْوَطْءِ بِغَيْرِ دَعْوَاهَا، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ.
فَرْعٌ.
إِذَا قُتِلَتِ الْحَامِلُ عَلَى خِلَافِ مَا أَمَرْنَا بِهِ، نُظِرَ، إِنْ بَادَرَ إِلَيْهِ الْوَلِيُّ مُسْتَقِلًّا، أَثِمَ وَوَجَبَتْ غِرَّةُ الْجَنِينِ إِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، وَتَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَلِيِّ، وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا مُتَأَلِّمًا فَمَاتَ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي قَتْلِهَا، فَقَتَلَهَا، فَنَتَكَلَّمُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ.
أَحَدُهَا: الْإِثْمُ وَهُوَ تَبَعٌ لِلْعِلْمِ فَإِنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ وَالْإِمَامُ بِالْحَمْلِ، أَثِمَا، وَإِنْ جَهِلَا، فَلَا، وَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا، اخْتَصَّ بِالْإِثْمِ.
الثَّانِي: الضَّمَانُ، فَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلِ الْجَنِينُ، فَلَا ضَمَانَ، وَإِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، فَفِيهِ الْغُرَّةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا مُتَأَلِّمًا فَمَاتَ بِهِ، فَفِيهِ دِيَةٌ وَكَفَّارَةٌ.
وَإِنِ انْفَصَلَ سَلِيمًا، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ.
الثَّالِثُ: فِيمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ وَالْوَلِيُّ عَالِمَيْنِ أَوْ جَاهِلَيْنِ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْإِمَامِ، لِأَنَّ الْبَحْثَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْوَلِيِّ، لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ، وَقِيلَ:

عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَالِمًا، وَالْوَلِيُّ جَاهِلًا، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ إِذَا عَلِمَا عَلَى الْإِمَامِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ عَالِمًا وَالْإِمَامُ جَاهِلًا، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْوَلِيِّ، وَقِيلَ: عَلَى الْإِمَامِ لِتَقْصِيرِهِ.
وَحَيْثُ ضَمَّنَّا الْوَلِيَّ، فَالْغُرَّةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ، وَحَيْثُ ضَمَّنَّا الْإِمَامَ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَفِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ مَا يَجِبُ بِخَطَأِ الْإِمَامِ فِي الِاجْتِهَادِ، هَلْ هُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ هُنَا: أَنَّهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ سَلِمَةَ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرَيُّ، وَإِذَا قُلْنَا: الدِّيَةُ وَالْغُرَّةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، لِقُرْبِهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ، وَبُعْدِهَا مِنَ التَّحَمُّلِ.
وَلَوْ بَاشَرَ الْقَتْلَ نَائِبُ الْإِمَامِ، أَوْ جَلَّادُهُ دُونَ الْوَلِيِّ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِحَالٍ، لِأَنَّهُ سَيْفُ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَخِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى مَا إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ لِلْوَلِيِّ وَعَلِمَ الْوَلِيُّ، وَأَوْلَى بِأَنْ لَا ضَمَانَ، لِأَنَّهُ آلَةُ الْإِمَامِ، وَلِهَذَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِذَا جَرَى عَلَى يَدِهِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَهَلْ يُؤَثِّرُ عِلْمُ الْوَلِيِّ مَعَ الْجَلَّادِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، حَتَّى إِذَا كَانُوا عَالِمِينَ، ضَمِنُوا أَثْلَاثًا، هَذَا كُلُّهُ فِي ضَمَانِ الْجَنِينِ، أَمَّا الْأُمُّ فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهَا، لِأَنَّهَا تَلِفَتْ فِي حَدٍّ أَوْ عُقُوبَةٍ عَلَيْهَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: هَذَا إِذَا مَاتَتْ بِأَلَمِ الضَّرْبِ.
فَإِنْ مَاتَتْ بِأَلَمِ الْوِلَادَةِ، وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَإِنْ مَاتَتْ مِنْهُمَا، وَجَبَ نِصْفُ دِيَتِهَا وَالْمُرَادُ إِذَا ضَرَبَهَا فِي الْحَدِّ، فَأَفْضَى إِلَى الْإِجْهَاضِ وَمَاتَتْ.
فَرْعٌ.
إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْإِمَامُ الْحَمْلَ فَأَذِنَ لِلْوَلِيِّ فِي الْقَتْلِ، ثُمَّ عَلِمَ، فَرَجَعَ عَنِ الْإِذْنِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَلِيُّ رُجُوعَهُ، فَقَتَلَ، فَعَلَى مَنِ الضَّمَانُ؟ . يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا عَفَا الْمُوَكِّلُ عَنِ الْقِصَاصِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَرْعٌ.
لَيْسَ الْمُرَادُ مِمَّا أَطْلَقْنَاهُ مِنَ الْعِلْمِ بِالْحَمْلِ وَعَدَمِهِ، حَقِيقَةَ الْعِلْمِ، بَلِ الْمُرَادُ ظَنٌّ مُؤَكَّدٌ بِمَخَايِلِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ الْمُمَاثَلَةِ: وَهِيَ مُشْتَرَطَةٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَإِذَا قَتَلَهُ قَتْلًا مُوحِيًا بِمُحَدَّدٍ، كَسَيْفٍ وَغَيْرِهِ، أَوْ بِمُثَقَّلٍ، أَوْ خَنَقَهُ، أَوْ غَرَّقَهُ فِي مَاءٍ، أَوْ أَلْقَاهُ فِي نَارٍ، أَوْ جَوَّعَهُ حَتَّى مَاتَ، أَوْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ بِهِ.
وَيُسْتَثْنَى عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ثَلَاثُ صُوَرٍ.
إِحْدَاهَا: إِذَا قَتَلَهُ بِسِحْرٍ، اقْتُصَّ مِنْهُ بِالسَّيْفِ، لِأَنَّ عَمَلَ السِّحْرِ حَرَامٌ وَلَا يَنْضَبِطُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا قَتَلَهُ بِاللِّوَاطِ، وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، بِأَنْ لَاطَ بِصَغِيرٍ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ كَمَسْأَلَةِ السِّحْرِ.
وَالثَّانِي: تُدَسُّ فِي دُبُرِهِ خَشَبَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ آلَتِهِ وَيُقْتَلُ بِهَا، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: هَذَا إِنْ تُوُقِّعَ مَوْتُهُ بِالْخَشَبَةِ، وَإِلَّا فَالسَّيْفُ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْإِهْلَاكَ، فَيَكُونُ الْقَتْلُ بِهِ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَوْجَرَهُ خَمْرًا حَتَّى مَاتَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، وَالثَّانِي: يُوجَرُ مَائِعًا، كَخَلٍّ أَوْ مَاءٍ أَوْ شَيْءٍ مُرٍّ، وَالثَّالِثُ: لَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقَتْلَ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ.
وَلَوْ سَقَاهُ بَوْلًا، فَكَالْخَمْرِ، وَقِيلَ: يُسْقَى بَوْلًا، لِأَنَّهُ يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ، وَلَوْ أَوْجَرَهُ مَاءً نَجِسًا، أُوجِرَ مَاءً طَاهِرًا.
فَرْعٌ.
كَمَا تُرَاعَى الْمُمَاثَلَةُ فِي طَرِيقِ الْقَتْلِ، تُرَاعَى فِي الْكَيْفِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ، فَفِي التَّجْوِيعِ يُحْبَسُ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَيُمْنَعُ الطَّعَامَ، وَفِي الْإِلْقَاءِ فِي الْمَاءِ وَالنَّارِ يُلْقَى فِي مَاءٍ وَنَارٍ مِثْلِهِمَا، وَيُتْرَكُ تِلْكَ الْمَدَّةَ، وَتُشَدُّ قَوَائِمُهُ عِنْدَ الْإِلْقَاءِ

فِي الْمَاءِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ، وَفِي التَّخْنِيقِ يُخْنَقُ بِمِثْلِ مَا خَنَقَ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَفِي الْإِلْقَاءِ مِنَ الشَّاهِقِ يُلْقَى مِنْ مِثْلِهِ وَتُرَاعَى صَلَابَةُ الْمَوْضِعِ، وَفِي الضَّرْبِ بِالْمُثَقَّلِ يُرَاعَى الْحَجْمُ وَعَدَدُ الضَّرَبَاتِ.
وَإِذَا تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى قَدْرِ الْحَجَرِ، أَوْ قَدْرِ النَّارِ، أَوْ عَدَدِ الضَّرَبَاتِ فَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ يُؤْخَذُ بِالْيَقِينِ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ.
مَتَى عَدَلَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ غَيْرِ السَّيْفِ إِلَى السَّيْفِ، مُكِّنَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَوْحَى وَأَسْهَلُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَهُوَ الْأَوْلَى، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى وَجْهِ أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ مِنَ الْخَنْقِ إِلَى السَّيْفِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ.
إِذَا جُوِّعَ الْجَانِي مُدَّةَ تَجْوِيعِهِ، أَوْ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مِثْلَ مُدَّتِهِ، أَوْ ضُرِبَ بِالسَّوْطِ وَالْحَجَرِ كَضَرْبِهِ، فَلَمْ يَمُتْ، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ حَتَّى يَمُوتَ، وَالثَّانِي: يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا: يُفْعَلُ الْأَهْوَنُ مِنْهُمَا، وَهَذَا أَقْرَبُ، وَالْأَوَّلُ: أَظْهَرُ عِنْدَ الْبَغَوِيُّ.
وَقِيلَ: يَعْدِلُ فِي السَّوْطِ وَالْحَجَرِ إِلَى السَّيْفِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ قَتَلَ نَحِيفًا بِضَرَبَاتٍ تَقْتُلُ مَثْلَهُ غَالِبًا، وَعَلِمْنَا أَوْ ظَنَنَّا ظَنًّا مُؤَكَّدًا أَنَّ الْجَانِيَ لَا يَمُوتُ بِتِلْكَ الضَّرَبَاتِ لِقُوَّةِ جُثَّتِهِ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ.

فَرْعٌ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الِاقْتِصَاصِ بِالْقَتْلِ الْمُوحِي، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُوحِي مِنَ الْقَتْلِ، كَالْجُرُوحِ وَقَطْعِ الْأَطْرَافِ إِذَا سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ، فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ بِحَيْثُ يُقْتَصُّ فِيهَا لَوْ وَقَفَتْ، كَالْمُوضِحَةِ وَقَطْعِ الْكَفِّ، فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَحُزَّ رَقَبَتَهُ، وَلَهُ أَنْ يُوضِحَهُ أَوْ يَقْطَعَ كَفَّهُ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ حَزَّ رَقَبَتَهُ فِي الْحَالِ، وَلَيْسَ لِلْجَانِي أَنْ يَقُولَ: أَمْهِلُونِي مُدَّةَ بَقَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ جِنَايَتِي، لِأَنَّ الْقِصَاصَ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ.
وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْهَلَهُ إِلَى السِّرَايَةِ كَمَا سَبَقَ، وَلَيْسَ لِلْجَانِي أَنْ يَقُولَ: أَرِيحُونِي بِالْقَتْلِ أَوِ الْعَفْوِ، بَلِ الْخِيَرَةُ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَإِذَا اقْتَصَّ فِي مُوضِحَةِ الْجِنَايَةِ، أَوْ قَطْعِ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ مِثْلِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوضِحَ مَوْضِعًا آخَرَ، وَلَا أَنْ يَقْطَعَ عُضْوًا آخَرَ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا حَزُّ الرَّقَبَةِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ بِحَيْثُ لَا يُقْتَصُّ فِيهَا لَوْ وَقَفَتْ، كَالْجَائِفَةِ وَقَطْعِ الْيَدِ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ، فَهَلْ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ بِهَذَا الطَّرِيقِ تَحْقِيقًا لِلْمُمَاثَلَةِ، أَمْ يَجِبُ الْعُدُولُ إِلَى حَزِّ الرَّقَبَةِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الْأَوَّلُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَجَافَهُ كَجَائِفَتِهِ، فَلَمْ يَمُتْ، فَهَلْ يُزَادُ فِي الْجَوَائِفِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَإِذَا قُلْنَا: يَجُوزُ الِاقْتِصَاصُ بِطَرِيقِ الْجَائِفَةِ، فَقَالَ: أُجِيفُهُ، ثُمَّ أَعْفُو عَنْهُ إِنْ لَمْ يَمُتْ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ، إِنَّمَا يُمَكَّنُ إِذَا قَالَ: أُجِيفُهُ ثُمَّ أَحُزُّ رَقَبَتَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَرْمِيهِ مِنَ الشَّاهِقِ ثُمَّ أَعْفُو، قَالَ: وَلَوْ أَجَافَهُ ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، عُزِّرَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَتْلِهِ، فَإِنْ مَاتَ، بَانَ بُطْلَانُ الْعَفْوِ.
وَالْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ بِالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا؟ يَجْرِيَانِ فِيمَا قَطَعَ يَدًا شَلَّاءَ، وَيَدُ الْقَاطِعِ صَحِيحَةٌ، أَوْ سَاعِدًا مِمَّنْ لَا كَفَّ لَهُ، وَالْقَاطِعُ سَلِيمٌ، هَلْ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ بِقَطْعِ الْيَدِ وَالسَّاعِدِ؟ .

فَرْعٌ.
الْمُمَاثَلَةُ مَرْعِيَّةٌ فِي قِصَاصِ الطَّرَفِ، كَمَا هِيَ مَرْعِيَّةٌ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ بِشَرْطِ إِمْكَانِ رِعَايَتِهَا، فَلَوْ أَبَانَ طَرَفًا مِنْ أَطْرَافِهِ بِمُثَقَّلٍ، لَمْ يُقْتَصَّ إِلَّا بِالسَّيْفِ.
وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، لَمْ يُوضَحْ بِالسَّيْفِ، بَلْ يُوضَحُ بِحَدِيدَةٍ خَفِيفَةٍ، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَوْثُوقًا بِهِ مَضْبُوطًا، قُوبِلَ بِمِثْلِهِ، كَفَقْءِ الْعَيْنِ بِالْأُصْبُعِ.
فَرْعٌ.
قَطَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ سَاعِدَهُ مِنَ الْمِرْفَقِ قَبْلَ انْدِمَالِ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ، فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا، وَطَرِيقُ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الْأَوَّلِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ مِنَ الْكُوعِ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ، حُزَّتْ رَقَبَتُهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ لَهُ سَاعِدٌ بِلَا كَفٍّ، اقْتُصَّ مِنْهُ بِقَطْعِ مِرْفَقِهِ، ثُمَّ يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ سَلِيمَةً، فَهَلْ تُقْطَعُ مِنَ الْمِرْفَقِ ثُمَّ تُحَزُّ رَقَبَتُهُ، أَمْ يُقْتَصَرُ عَلَى الْحَزِّ؟ قَوْلَانِ وَيُقَالُ: وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» لِتَرِدَ الْحَدِيدَةُ عَلَى مَوْرِدِهَا فِي الْجِنَايَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِزِيَادَةِ الْكَفِّ الْهَالِكَةِ بِهَلَاكِ النَّفْسِ، وَلَوْ أَرَادَ الْوَلِيُّ الْعَفْوَ عَنِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ أَقْطَعَهُ مِنَ الْكُوعِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى مَالٍ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الْقَاتِلِينَ، وَقَدِ اسْتَوْفَى النِّصْفَ بِالْيَدِ الَّتِي قَطَعَهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الثَّانِي عَلَى مَالٍ، فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ إِلَّا قَدْرَ أَرْشِ السَّاعِدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ إِلَّا السَّاعِدَ.
فَرْعٌ.
إِذَا اقْتُصَّ مَنْ قَاطِعِ الْيَدِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَحُزَّ رَقَبَتَهُ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ وَيَأْخُذَ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَالْيَدُ الْمُسْتَوْفَاةُ مُقَابِلَةٌ

بِالنِّصْفِ، فَإِنْ مَاتَ الْجَانِي، أَوْ قُتِلَ ظُلْمًا، أَوْ فِي قِصَاصٍ آخَرَ، تَعَيَّنَ أَخْذُ نِصْفِ الدِّيَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ، فَقُطِعَتْ يَدَاهُ قِصَاصًا، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ، فَلِلْوَلِيِّ حَزُّ رَقَبَةِ الْجَانِي، فَلَوْ عَفَا، فَلَا مَالَ لَهُ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا يُقَابِلُ الدِّيَةَ، وَهَذِهِ صُورَةٌ يُسْتَحَقُّ فِيهَا الْقِصَاصَ وَلَا تُسْتَحَقُّ الدِّيَةُ بِالْعَفْوِ عَلَيْهَا، وَلَوِ اقْتَصَّ مِنْ قَاطِعِ الْيَدِ، فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ.
وَلَوْ مَاتَا جَمِيعًا بِالسِّرَايَةِ بَعْدَ الِاقْتِصَاصِ فِي الْيَدِ، نُظِرَ، إِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوَّلًا، أَوْ مَاتَا مَعًا، فَوَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي تَرِكَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ مَاتَ الْجَانِي أَوَّلًا، فَهَلْ يَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، أَمْ لَا شَيْءَ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمُوضِحَةِ، وَجَبَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا، وَقَدْ أَخَذَ بِقِصَاصِ الْمُوضِحَةِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
فَرْعٌ.
قَطَعَهُ، فَحَزَّ الْمَقْطُوعُ رَقَبَةَ الْجَانِي، فَإِنْ مَاتَ الْمَقْطُوعُ بِالسِّرَايَةِ، صَارَ قِصَاصًا، وَإِنِ انْدَمَلَ، قُتِلَ قِصَاصًا، وَفِي تَرِكَةِ الْجَانِي نِصْفُ الدِّيَةِ لِقَطْعِهِ الْيَدَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
فَرْعٌ.
قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَقَتَلَ آخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْمَقْطُوعُ بِالسِّرَايَةِ فَقَدْ قَتَلَ شَخْصَيْنِ، نَقَلَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْمَقْتُولِ دُونَ الْمَقْطُوعِ، لِأَنَّ قِصَاصَ الْمَقْطُوعِ وَجَبَ بِالسِّرَايَةِ وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ وُجُوبِهِ لِلْمَقْتُولِ، لَكِنْ لِوَلِيِّ الْمَقْطُوعِ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ، فَإِذَا قَتَلَهُ الْآخَرُ، أَخَذَ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَتَوَقَّفَ فِي تَخْصِيصِ الِاقْتِصَاصِ فِي النَّفْسِ

بِالْمَقْتُولِ، وَلَوْ أَنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ وَاحِدًا، وَقَتَلَ آخَرَ قُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ قُطِعَ قِصَاصًا ثُمَّ قُتِلَ قِصَاصًا، ثُمَّ مَاتَ الْمَقْطُوعُ الْأَوَّلُ، فَلِوَلِيِّهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي.

فَصْلٌ

سَبَقَ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي يَمِينٍ وَاتَّفَقَا عَلَى قَطْعِ يَسَارٍ بَدَلَهَا، لَمْ يَكُنْ بَدَلًا، كَمَا لَوْ قَتَلَ غَيْرَ الْقَاتِلِ بِرِضَاهُ بَدَلًا، لَا يَقَعُ بَدَلًا، وَلَكِنْ لَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ لِشُبْهَةِ الْبَذْلِ وَتَجِبُ دِيَتُهَا، وَمَنْ عَلِمِ مِنْهُمَا فَسَادَ هَذِهِ الْمُصَالَحَةِ، أَثِمَ بِقَطْعِ الْيَسَارِ، وَهَلْ يَسْقُطُ قِصَاصُ الْيَمِينِ بِمَا جَرَى؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ قِصَاصِ الْيَمِينِ لِلْجَانِي: أَخْرِجْ يَمِينَكَ، فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ، فَقَطَعَهَا الْمُسْتَحِقُّ، فَلِلْمُخْرِجِ أَحْوَالٌ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْيَسَارَ لَا تُجْزِئُ عَنِ الْيَمِينِ، وَأَنَّهُ يُخْرِجُ الْيَسَارَ وَيَقْصِدُ بِإِخْرَاجِهَا الْإِبَاحَةَ لِلْمُقْتَصِّ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ وَلَا دِيَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالُوا: قَدْ بَذَلَهَا صَاحِبُهَا مَجَّانًا، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظ

ْ بِإِبَ

احَةٍ قَالُوا: وَالْفِعْلُ بَعْدَ السُّؤَالِ كَالْإِذْنِ فِي الْمَسْئُولِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: أَخْرِجْ يَدَكَ لِأَقْطَعَهَا، أَوْ قَالَ: مَلِّكْنِي قَطْعَهَا، فَأَخْرَجَهَا، كَانَ ذَلِكَ إِبَاحَةً.
وَلَوْ قَالَ: نَاوِلْنِي مَتَاعَكَ لِأُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ، فَنَاوَلَهُ كَانَ كَمَا لَوْ نَطَقَ بِالْإِذْنِ فِيهِ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ إِذَا أَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ، وَلَوْ قَدَّمَ طَعَامًا إِلَى مَنِ اسْتَدْعَاهُ، كَانَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: كُلْ، وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُ الْيَسَارِ إِذَا لَمْ يَتَلَفَّظِ الْمُخْرِجُ بِالْإِذْنِ فِي الْقَطْعِ، وَحُمِلَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا إِذَا أَذِنَ لَفْظًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ.
وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْقَاطِعُ أَنَّهَا الْيَسَارُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ أَمْ لَا، لَكِنْ إِذَا عَلِمَ، عُزِّرَ، وَعَنِ ابْنِ سَلِمَةَ احْتِمَالٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ إِذَا كَانَ عَالِمًا، وَلَوْ

قَصَدَ شَخْصٌ قَطْعَ يَدِ رَجُلٍ ظُلْمًا، فَلَمْ يَدْفَعْهُ الْمَقْصُودُ وَسَكَتَ حَتَّى قَطَعَ، فَهَلْ يَكُونُ سُكُوتُهُ إِهْدَارًا؟ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ: لَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ لَفْظٌ وَلَا فِعْلٌ، فَصَارَ كَسُكُوتِهِ عَنْ إِتْلَافِ مَالِهِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّهُ سُكُوتٌ مُحَرَّمٌ، فَدَلَّ عَلَى الرِّضَى، وَلَوْ سَرَى قَطْعُ الْيَسَارِ إِلَى نَفْسِ الْمُخْرِجِ، فَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا إِذَا قَالَ: اقْتُلْنِي، فَقَتَلَهُ، وَبُنِيَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَقْطُوعِ يَسَارُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ هَلْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؟ . هَذَا حُكْمُ قَطْعِ الْيَسَارِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَأَمَّا قِصَاصُ الْيَمِينِ، فَيَبْقَى كَمَا كَانَ، لَكِنْ إِذَا سَرَى قَطْعُ الْيَسَارِ إِلَى النَّفْسِ، فَاتَ الْقِصَاصُ، فَيَعْدِلُ إِلَى دِيَةِ الْيَدِ، فَلَوْ قَالَ الْقَاطِعُ: قَطَعْتُ الْيَسَارَ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنِ الْيَمِينِ فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَسْقُطُ قِصَاصُهُ فِي الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْهُ وَلَا اعْتَاضَ عَنْهُ، وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَسْقُطُ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِسُقُوطِهِ اكْتِفَاءً بِالْيَسَارِ، فَعَلَى هَذَا يَعْدِلُ إِلَى دِيَةِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الْيَسَارَ وَقَعَتْ هَدَرًا.
وَطُرِدَ الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ جَاءَ الْجَانِي بِالدِّيَةِ وَطَلَبَ مِنْ مُسْتَحِقِّ الْقَطْعِ مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَتْرُكَ الْقِصَاصَ، فَأَخَذَهَا، فَهَلْ يُجْعَلُ الْأَخْذُ عَفْوًا، وَلَوْ قَالَ الْقَاطِعُ: عَلِمْتُ أَنَّ الْيَسَارَ لَا تُجْزِئُ عَنِ الْيَمِينِ شَرْعًا، لَكِنْ جَعَلْتُهَا عِوَضًا عَنْهَا، اطَّرَدَ الْخِلَافُ، وَجَعَلَ الْإِمَامُ هَذِهِ الصُّورَةَ أَوْلَى بِالسُّقُوطِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: قَصَدْتُ بِإِخْرَاجِ الْيَسَارِ إِيقَاعُهَا عَنِ الْيَمِينِ لِظَنِّي أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهَا، فَنَسْأَلُ الْمُقْتَصَّ لِمَ قَطَعَ؟ وَلَهُ فِي جَوَابِهِ أَلْفَاظٌ أَحَدُهَا أَنْ يَقُولَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ أَبَاحَهَا بِالْإِخْرَاجِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي الْيَسَارِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَيَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ كَمَا كَانَ قَطْعًا.
الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا الْيَسَارُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَلَا تُجْعَلُ بَدَلًا، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ، لَكِنْ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ:

قَطَعْتُهَا عِوَضًا عَنِ الْيَمِينِ، وَظَنَنْتُهَا تُجْزِئُ كَمَا ظَنَّهُ الْمُخْرِجُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ، وَأَنَّهُ يَسْقُطُ قِصَاصُ الْيَمِينِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ مَا قَطَعَهُ الْآخَرُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ: ظَنَنْتُ الْمُخْرَجَةَ الْيَمِينَ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» فِيهِ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا وَقَالَ: ظَنَنْتُهُ قَاتِلَ أَبِي فَلَمْ يَكُنْ.
فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْهَا مَجَّانًا وَيَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ الْمُخْرِجُ: دُهِشْتُ فَأَخْرَجْتُ الْيَسَارَ، وَظَنِّي أَنِّي أُخْرِجُ الْيَمِينَ، فَيَسْأَلُ الْمُقْتَصُّ عَنْ قَصْدِهِ فِي قَطْعِهِ الْيَسَارَ، وَلَهُ فِي جَوَابِهِ صِيَغٌ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يَقُولَ: ظَنَنْتُ أَنَّ الْمُخْرِجَ قَصَدَ الْإِبَاحَةَ، فَقِيَاسُ مِثْلِهِ فِي الْحَالِ الثَّانِي أَنْ لَا يَجِبَ الْقِصَاصُ فِي الْيَسَارِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ كَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ أَذِنَ لِي فِي الْقَتْلِ، وَهَذَا يُوَافِقُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ وَهُوَ الْمُتَوَجِّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمُخْرِجِ بَذْلٌ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ: ظَنَنْتُ الْيَسَارَ تُجْزِئُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُولَ: ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الصِّيَغِ يَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ إِلَّا إِذَا قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ الْيَسَارَ تُجْزِئُ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ سُقُوطُهُ، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الدِّيَةُ عَلَى الْآخَرِ.
وَلَوْ قَالَ الْقَاطِعُ: دُهِشْتُ فَلَمْ أَدْرِ مَا قَطَعْتُ، قَالَ الْإِمَامُ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ فِي الْيَسَارِ، لِأَنَّ الدَّهْشَةَ لَا تَلِيقُ بِحَالِ الْقَاطِعِ، وَفِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ لَا سِيَّمَا الْعِرَاقِيِّينَ، أَنَّ الْمُخْرِجَ لَوْ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنَ الْمُقْتَصِّ: أَخْرِجْ يَمِينِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي سَمْعِي: أَخْرِجْ يَسَارَكَ، فَأَخْرَجْتُهَا، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: دُهِشْتُ، فَأَخْرَجْتُ وَأَنَا أَظُنُّهَا الْيَمِينَ.

لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا سَبَقَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُطَابِقَ لِلسُّؤَالِ كَالْإِذْنِ لَفْظًا أَنْ يَلْحَقَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الْإِبَاحَةِ.
فَرْعٌ.
جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقِصَاصِ، فَأَمَّا إِذَا وَجَبَ قَطْعُ يَمِينِهِ فِي السَّرِقَةِ، فَقَالَ الْجَلَّادُ لِلسَّارِقِ: أَخْرِجْ يَمِينِكِ، فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ، فَقَطَعَهَا، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا وَيُقَالُ: إِنَّهُ قَدِيمٌ، وَيُقَالُ: مُخْرَجٌ: إِنَّ الْحُكْمَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِصَاصِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يَقَعُ قَطْعُ الْيَسَارِ عَنِ الْحَدِّ، فَيَسْقُطُ قَطْعُ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْكِيلُ وَقَدْ حَصَلَ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَاسْتَدْرَكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، فَحَمَلَ مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى الْحَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْإِخْرَاجُ بِقَصْدِ الْإِبَاحَةِ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ قَطْعُ الْيَمِينِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ السَّارِقُ يَسَارَ نَفْسِهِ، أَوْ قَطَعَهَا غَيْرُهُ بَعْدَ وُجُوبِ قَطْعِ الْيَمِينِ.
فَرْعٌ.
لَوْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ مَجْنُونًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْيَسَارَ مَدْهُوشًا، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْبَدَلُ، وَلَوْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ عَاقِلًا، وَالْمُسْتَحِقُّ مَجْنُونًا، فَقَطَعَ يَمِينَ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ مُكْرِهًا لَهُ، فَهَلْ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا وَهُوَ الصَّحِيحُ، انْتَقَلَ حَقُّهُ إِلَى الدِّيَةِ، وَيَجِبُ لِلْجَانِي دِيَةُ يَدِهِ، فَإِنْ جَعَلْنَا عَمْدَهُ عَمْدًا، فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَالصُّورَةُ مِنْ صُوَرِ الْتَّقَاصِّ.
وَإِنْ جَعَلْنَاهُ خَطَأً، فِدْيَةُ الْيَسَارِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا تَقَاصَّ، وَلَوْ قَالَ لِمَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ: أَخْرِجْ يَمِينَكَ، فَأَخْرَجَهَا، فَقَطَعَهَا الْمَجْنُونُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُهُ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّهُ إِلَى الدِّيَةِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِبَذْلِهِ وَتَسْلِيطِهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ يَسَارَهُ، فَقَطَعَهَا، فَهِيَ مُهْدَرَةٌ وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي قِصَاصِ الْيَمِينِ.

فَرْعٌ.
حَيْثُ أَوْجَبْنَا دِيَةَ الْيَسَارِ فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ، فَهِيَ فِي مَالِهِ، لِأَنَّهُ قَطَعَ مُتَعَمَّدًا، وَعَنْ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
فَرْعٌ.
حَيْثُ قُلْنَا: يَبْقَى الْقِصَاصُ فِي الْيَمِينِ، لَا يُسْتَوْفَى حَتَّى يَنْدَمِلَ قَطْعُ الْيَسَارِ لِمَا فِي تَوَالِي الْقَطْعَيْنِ مِنْ خَطَرِ الْهَلَاكِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَيْ رَجُلٍ مَعًا، اقْتَصَّ فِيهِمَا مَعًا، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّفْرِيقُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ، وَالْمَذْهَبُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ خَطَرَ الْمُوَالَاةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَحْصُلُ مِنْ قَطْعِ مُسْتَحِقٍّ وَغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ.
فَرْعٌ.
قَالَ الْمُخْرِجُ: قَصَدْتُ بِالْإِخْرَاجِ إِيقَاعُهَا عَنِ الْيَمِينِ، وَقَالَ الْقَاطِعُ: أَخْرَجْتُهَا بِقَصْدِ الْإِبَاحَةِ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُخْرِجُ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِقَصْدِهِ.
فَرْعٌ.
ثَبَتَ لَهُ الْقِصَاصُ فِي أُنْمُلَةٍ، فَقَطَعَ مِنَ الْجَانِي أُنْمُلَتَيْنِ، سُئِلَ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِالتَّعَمُّدِ، قُطِعَتْ مِنْهُ الْأُنْمُلَةُ الثَّانِيَةُ.
وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْتُ وَتَوَهَّمْتُ أَنِّي أَقْطَعُ أُنْمُلَةً وَاحِدَةً، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَوَجَبَ أَرْشُ الْأُنْمُلَةِ الزَّائِدَةِ، وَهَلْ هِيَ فِي مَالِهِ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: فِي مَالِهِ.

بَابٌ

الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ.
هُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَإِنْ عَفَا بَعْضُ الْمُسْتَحِقِّينَ، سَقَطَ الْقِصَاصُ وَإِنْ كَرِهَ الْبَاقُونَ، وَلَوْ عَفَا عَنْ عُضْوٍ مِنَ الْجَانِي، سَقَطَ الْقِصَاصُ كُلُّهُ، وَلَوْ أَقَّتَ الْعَفْوَ، تَأَبَّدَ، وَيَشْتَمِلُ الْبَابُ عَلَى طَرَفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي حُكْمِ الْعَفْوِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُوجَبَ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ مَاذَا؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّهُ الْقَوَدُ الْمَحْضُ، وَإِنَّمَا الدِّيَةُ بَدَلٌ مِنْهُ عِنْدَ سُقُوطِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ، أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ بِغَيْرِ رِضَى الْجَانِي، وَلَوْ مَاتَ أَوْ سَقَطَ الطَّرَفُ الْمُسْتَحَقُّ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ، وَحُكِيَ قَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ إِلَى الْمَالِ إِلَّا بِرِضَى الْجَانِي، وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْجَانِي، سَقَطَتِ الدِّيَةُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
فَإِذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، فَعَفَا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جَمِيعًا، فَلَا مُطَالَبَةَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَمَّا وَجَبَ لِي بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ، أَوْ عَنْ حَقِّي الثَّابِتِ عَلَيْكَ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَلَا مُطَالَبَةَ أَيْضًا بِشَيْءٍ، نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنِ النَّصِّ.
وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَلَى أَنْ لَا مَالَ لِي، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَعَفْوِهِ عَنْهُمَا.
وَالثَّانِي: لَا تَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِالْمَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْهُ، وَإِنَّمَا شَرَطَ انْتِفَاءَهُ، وَإِلَى هَذَا مَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ، تَعَيَّنَتِ الدِّيَةُ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ، فَلَوْ مَاتَ الْجَانِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَهُ الدِّيَةُ لِفَوَاتِ الْقِصَاصِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ هَذَا عَنِ الْقِصَاصِ وَيَرْجِعَ إِلَى الدِّيَةِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحَّهُمَا وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ النَّصِّ: لَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ عَفَا مُطْلَقًا، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ

الْعَفْوَ عَنِ الدِّيَةِ لَغْوٌ، وَالْوَلِيُّ عَلَى خِيرَتِهِ كَمَا كَانَ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، فَلَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا رُجُوعَ إِلَى الدِّيَةِ اسْتِقْلَالًا، فَلَوْ تَرَاضَيَا بِمَالٍ مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ أَوْ غَيْرِهِ بِقَدْرِهَا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَمَا لَا تَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى عِوَضٍ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ، لِأَنَّ الدَّمَ مُتَقَوَّمٌ شَرْعًا، كَالْبُضْعِ بِخِلَافِ الْعِرْضِ، وَلَوْ جَرَى الصُّلْحُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ، جَازَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، كَاخْتِلَاعِ الْأَجْنَبِيِّ وَأَوْلَى، لِأَنَّ حَقْنَ الدَّمِ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَلَوْ عَفَا، أَوْ صَالَحَ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ قَبْلَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الدِّيَةِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدِّيَةِ، جَازَ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ الدِّيَةِ، أَمْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ بِلَا دِيَةٍ، وَصُورَتُهُ مَا إِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَقُطِعَتْ يَدُ الْجَانِي قِصَاصًا، أَوْ قُطِعَتْ يَدَاهُ قِصَاصًا، ثُمَّ سَرَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ حَزُّ رَقَبَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ كَمَا سَبَقَ.
وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْكَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَاصَ وَلَا الدِّيَةَ، أَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُحْمَلُ عَلَى الْقِصَاصِ وَيُحْكَمُ بِسُقُوطِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: يُقَالُ لَهُ: اصْرِفِ الْآنَ إِلَى مَا شِئْتَ مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ: اخْتَرْتُ الدِّيَةَ، سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ، وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: عَفَوْتُ عَنِ الْقِصَاصِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّ اخْتِيَارَهُ أَحَدَهُمَا لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنَ الثَّانِي، بَلْ يَبْقَى خِيَارُهُ كَمَا كَانَ، وَلَوْ قَالَ: اخْتَرْتُ الْقِصَاصَ، فَقِيَاسُ الْقَفَّالِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى الدِّيَةِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ، أَمْ لَا كَعَكْسِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ،

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل