كِتَابُ الْبَيْعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَرْعٌ
يَجْرِي التَّحَالُفُ فِي جَمِيعِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، كَالسَّلَمِ، وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ، وَالْكِتَابَةِ.
ثُمَّ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بَعْدَ التَّحَالُفِ، أَوْ يَنْفَسِخُ وَيَتَرَادَّانِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ، لَا يَعُودُ اسْتِحْقَاقُهُ، بَلْ أَثَرُ التَّحَالُفِ الرُّجُوعُ إِلَى الدِّيَةِ، وَكَذَا لَا يَرْجِعُ الْبِضْعُ، بَلْ فِي النِّكَاحِ تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَفِي الْخُلْعِ يَرْجِعُ إِلَيْهِ الزَّوْجُ.
قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ قِيلَ: أَيُّ مَعْنَى لِلتَّحَالُفِ فِي الْقِرَاضِ، مَعَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَسْخَهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَدْ مَنَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، لِإِمْكَانِ الْفَسْخِ بِالْخِيَارِ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّحَالُفَ مَا وُضِعَ لِلْفَسْخِ، بَلْ عُرِضَتِ الْأَيْمَانُ رَجَاءَ أَنْ يَنْكِلَ الْكَاذِبُ، فَيُقَرَّرُ الْعَقْدُ بِيَمِينِ الصَّادِقِ.
فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ وَأَصَرَّا، فُسِخَ الْعَقْدُ لِلضَّرُورَةِ.
وَنَازَعَ الْقَاضِيَ فِيمَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ مَالَ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، وَرَأَى فِي الْقِرَاضِ أَنْ يُفَصَّلَ فَيُقَالَ: التَّحَالُفُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ لَا مَعْنًى لَهُ، وَبَعْدَهُ يَؤُولُ النِّزَاعُ إِلَى مَقْصُودٍ مِنْ رِبْحٍ أَوْ أُجْرَةِ مِثْلٍ، فَيَتَحَالَفَانِ وَالْجِعَالَةُ كَالْقِرَاضِ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ وَهَبْتَنِيهِ، فَلَا تَحَالُفَ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى عَقْدٍ، بَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَإِذَا حَلَفَا، لَزِمَ مُدَّعِيَ الْهِبَةِ رَدُّهُ بِزَوَائِدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِي قَوْلٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْهِبَةِ.
وَشَذَّ صَاحِبُ
«التَّتِمَّةِ» فَحَكَى وَجْهًا: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: وَهَبْتَنِيهِ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ، وَرَدَّ الْأَلْفَ، وَاسْتَرَدَّ الْعَيْنَ.
وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتَكَهُ بِأَلْفٍ اسْتَقْرَضْتَهُ، فَقَالَ: بَلْ بِعْتَنِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَرُدُّ الْأَلْفَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ.
فَصْلٌ
وَإِنِ اخْتَلَفَا مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ، بِأَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَالْآخَرُ فَسَادَهُ.
مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، أَوْ قَالَ: شَرَطْنَا شَرْطًا مُفْسِدًا، فَأَنْكَرَ، فَلَا تَحَالُفَ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ.
كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا الَّذِي بِعْتَنِيهِ حُرُّ الْأَصْلِ، فَقَالَ: بَلْ هُوَ مَمْلُوكٌ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ.
وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ بِخَمْرٍ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَقِيلَ: يُقْطَعُ بِالْفَسَادِ، فَإِذَا قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، فَقَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، وَحَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى نَفْيِ سَبَبِ الْفَسَادِ، صُدِّقَ، وَبَقِيَ النِّزَاعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَيَتَحَالَفَانِ.
فَصْلٌ
لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا، فَقَبَضَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِمَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ.
فَلَوْ كَانَ
ذَلِكَ فِي السَّلَمِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي سَلَّمْتُ إِلَيْكَ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ ; لِأَنَّ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ بِمَالِ السَّلَمِ مَعْلُومٌ، وَالْبَرَاءَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى قَبْضِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ، وَتَنَازَعَا فِي سَبَبِ الْفَسْخِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعَقْدِ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الدَّافِعِ أَمِ الْقَابِضِ؟ وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَجْهٌ ثَالِثٌ، يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ وَمَا لَا يَمْنَعُ.
فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ دَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ، وَكَانَ مَا أَرَادَ الْبَائِعُ رَدَّهُ زُيُوفًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، لِإِنْكَارِهِ أَصْلَ الْقَبْضِ الصَّحِيحِ.
وَإِنْ كَانَتْ وَرِقًا رَدِيئَةَ النَّوْعِ، لِخُشُونَةٍ، أَوِ اضْطِرَابِ سَكَّةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
وَلَا يَخْفَى مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، فَهُوَ كَالْمَبِيعِ، فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمُعَيَّنُ نُحَاسًا لَا قِيمَةَ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّادِّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَالْآخَرُ فَسَادَهُ.
فَرْعٌ
اشْتَرَى طَعَامًا كَيْلًا، وَقَبَضَهُ بِالْكَيْلِ، أَوْ وَزْنًا، وَقَبَضَهُ بِالْوَزْنِ، أَوْ أَسْلَمَ فِيهِ وَقَبَضَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَادَّعَى نَقْصًا، فَإِنْ كَانَ قَدْرًا يَنْفَعُ مِثْلُهُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ قُبِلَ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
فَرْعٌ اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
فَرْعٌ
بَاعَ عَصِيرًا وَأَقْبَضَهُ، وَوُجِدَ خَمْرًا، فَقَالَ الْبَائِعُ: تَخَمَّرَ فِي يَدِكَ، فَقَالَ: بَلْ سَلَّمْتَهُ خَمْرًا، فَيَكُونُ الْقَبْضُ فَاسِدًا، وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمَا، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ قَوْلَانِ.
قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا تَصْدِيقُ الْبَائِعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ خَمْرًا عِنْدَ الْبَيْعِ، فَهَذَا يَدَّعِي فَسَادَ الْعَقْدِ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي صِحَّتَهُ، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ.
وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ مَا لَوِ اشْتَرَى لَبَنًا، فَأَخَذَهُ الْمُشْتَرِي فِي ظَرْفٍ، ثُمَّ وُجِدَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ، وَتَنَازَعَا فِي نَجَاسَتِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ، أَوْ عِنْدَ الْقَبْضِ.
فَرْعٌ
قَالَ بِعْتَنِيهِ بِشَرْطِ أَنَّهُ كَاتِبٌ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ الشَّرْطَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَتَحَالَفَانِ، كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْأَجَلِ.
وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْعَيْبِ.
وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا، فَاخْتَلَفَا فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ.
فَصْلٌ
فِي كَيْفِيَّةِ التَّحَالُفِ
قَاعِدَتُهُ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى إِثْبَاتِ قَوْلِهِ وَنَفْيِ قَوْلِ صَاحِبِهِ.
وَفِيمَنْ يُبْدَأُ بِيَمِينِهِ؟ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْبَائِعُ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: الْبَائِعُ.
وَالثَّانِي: الْمُشْتَرِي.
وَالثَّالِثُ: يَتَسَاوَيَانِ.
وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا:
يَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ فَيَبْدَأُ بِمَنِ اتَّفَقَ.
وَالثَّانِي: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ تَحَالَفَ الزَّوْجَانِ فِي الصَّدَاقِ، فَعَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ يَبْدَأُ بِالزَّوْجِ.
وَعَلَى الثَّانِي: إِنْ قَدَّمْنَا الْبَائِعَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَأَقْرَبُهُمَا إِلَى النَّصِّ: يَبْدَأُ بِالزَّوْجِ.
وَالثَّانِي: بِالْمَرْأَةِ.
وَإِنْ قَدَّمْنَا الْمُشْتَرِيَ، فَالْقِيَاسُ انْعِكَاسُ الْوَجْهَيْنِ.
وَلَا يَخْفَى مَنْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ.
ثُمَّ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الِاشْتِرَاطِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَصَاحِبَا «التَّتِمَّةِ» وَ «التَّهْذِيبِ» . وَتَقْدِيمُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا بَاعَ عَرَضًا بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ.
فَأَمَّا إِذَا تَبَادَلَا عَرَضًا بِعَرَضٍ، فَلَا يَتَّجِهُ إِلَّا التَّسْوِيَةُ.
قَالَهُ الْإِمَامُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ مَاذَا؟
فَرْعٌ
الْمَذْهَبُ وَظَاهِرُ النَّصِّ: الِاكْتِفَاءُ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ - مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ - تَجْمَعُ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ، فَيَقُولُ الْبَائِعُ: مَا بِعْتُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنَّمَا بِعْتُ بِأَلْفٍ.
وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: مَا اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُخَرَّجٌ: أَنَّهُ يَحْلِفُ أَوَّلًا عَلَى مُجَرَّدِ النَّفْيِ.
فَإِنِ اكْتَفَيْنَا بِيَمِينٍ تَجْمَعُ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، قُضِيَ لِلْحَالِفِ، سَوَاءٌ نَكَلَ عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ النَّفْيُ عَلَى الْإِثْبَاتِ ; لِأَنَّ النَّفْيَ هُوَ الْأَصْلُ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُقَدَّمُ الْإِثْبَاتُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْمُخَرَّجِ: إِنَّهُ يَحْلِفُ أَوَّلًا عَلَى مُجَرَّدِ النَّفْيِ، فَأَضَافَ إِلَيْهِ الْإِثْبَاتَ كَانَ لَغْوًا.
فَإِذَا حَلَفَ مَنِ ابْتُدِئَ بِهِ، عَرَضْنَا الْيَمِينَ عَلَى الْآخَرِ.
فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْأَوَّلُ يَمِينًا ثَانِيَةً عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَقُضِيَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْإِثْبَاتِ، لَمْ يُقْضَ لَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيَكُونُ كَمَا لَوْ تَحَالَفَا ; لَأَنَّ نُكُولَ الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ عَنْ يَمِينِ الرَّدِّ، نَازِلٌ فِي الدَّعَاوَى
مَنْزِلَةَ حَلِفِ النَّاكِلِ أَوَّلًا.
وَلَوْ نَكَلَ الْأَوَّلُ عَنْ يَمِينِ النَّفْيِ أَوَّلًا، حَلَفَ الْآخَرُ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَقُضِيَ لَهُ.
وَلَوْ حَلَفَا عَلَى النَّفْيِ فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَكْفِي ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ بَعْدَهُ إِلَى يَمِينِ الْإِثْبَاتِ ; لِأَنَّ الْمُحْوِجَ إِلَى الْفَسْخِ جَهَالَةُ الثَّمَنِ وَقَدْ حَصَلَتْ.
وَالثَّانِي: تُعْرَضُ يَمِينُ الْإِثْبَاتِ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ حَلَفَا تَمَّ التَّحَالُفُ.
وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا، قُضِيَ لِلْحَالِفِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ فِي تَقْدِيمِ النَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
فَلَوْ نَكَلَا جَمِيعًا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَتَحَالُفِهِمَا.
وَالثَّانِي: يُوقَفُ الْأَمْرُ وَكَأَنَّهُمَا تَرَكَا الْخُصُومَةَ.
قُلْتُ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالَيْنِ لِنَفْسِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْمَذْهَبِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ رَأَى التَّوَقُّفَ لِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» : لَهُ حُكْمُ التَّحَالُفِ عَلَى الظَّاهِرِ.
وَالْأَصَحُّ: اخْتِيَارُ التَّوَقُّفِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا تَحَالَفَا، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ.
وَفِي وَجْهٍ: يَنْفَسِخُ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ، فَتَصَادَقَا بَعْدَهُ، لَمْ يَعُدِ الْبَيْعُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ عَقْدٍ.
وَهَلْ يَنْفَسِخُ فِي الْحَالِ، أَوْ نَتَبَيَّنُ ارْتِفَاعَهُ مَنْ أَصْلِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ لِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الِاخْتِلَافِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ دَعَاهُمَا الْحَاكِمُ بَعْدَ التَّحَالُفِ إِلَى الْمُوَافَقَةِ، فَإِنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي مَا طَلَبَهُ الْبَائِعُ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَإِلَّا فَإِنْ قَنَعَ بِمَا قَالَهُ الْمُشْتَرِي فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيُفْسَخُ الْعَقْدُ.
وَفِي مَنْ يَفْسَخُ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْحَاكِمُ.
وَأَصَحُّهُمَا لِلْعَاقِدَيْنِ أَيْضًا أَنْ يَفْسَخَا، وَلِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ كَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا قُلْنَا: الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يَفْسَخُ، فَذَاكَ إِذَا اسْتَمَرَّا عَلَى النِّزَاعِ وَلَمْ يَفْسَخَا،
أَوِ الْتَمَسَا الْفَسْخَ.
أَمَّا إِذَا أَعْرَضَا عَنِ الْخُصُومَةِ، وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ، وَلَا فَسَخَا، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
ثُمَّ إِذَا فُسِخَ الْعَقْدُ ارْتَفَعَ فِي الظَّاهِرِ.
وَفِي ارْتِفَاعِهِ فِي الْبَاطِنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْبَائِعُ صَادِقًا ارْتَفَعَ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إِلَى حَقِّهِ.
كَمَا لَوْ فُسِخَ بِإِفْلَاسِهِ.
وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا؛ لِتَمَكُّنِهِ بِالصِّدْقِ مِنْ حَقِّهِ.
وَهَلْ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ إِذَا قُلْنَا: يَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ، أَمْ يُقْطَعُ بِالِارْتِفَاعِ بَاطِنًا؟ وَجْهَانِ.
فَإِذَا قُلْنَا: يَرْتَفِعُ بَاطِنًا، تَرَادَّا، وَتَصَرَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيمَا عَادَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ مَنَعْنَاهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُمَا التَّصَرُّفُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ صَادِقًا، فَقَدْ ظَفَرَ بِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُ، وَهُوَ الْمَبِيعُ الَّذِي اسْتَرَدَّهُ، فَلَهُ بَيْعُهُ بِالْحَاكِمِ عَلَى وَجْهٍ، وَبِنَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ صَدَرَ الْفَسْخُ مِنَ الْمُحِقِّ، فَالْوَجْهُ تَنْفِيذُهُ بَاطِنًا.
وَإِنْ صَدَرَ مِنَ الْمُبْطِلِ، فَالْوَجْهُ مَنْعُهُ.
وَإِنْ صَدَرَ مِنْهُمَا، فَلَا شَكَّ فِي الِانْفِسَاخِ بَاطِنًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ تَقَابَلَا.
وَإِذَا صَدَرَ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَلَمْ يُنْفِذْهُ بَاطِنًا فَطَرِيقُ الصَّادِقِ إِنْشَاءُ الْفَسْخِ إِنْ أَرَادَ الْمِلْكَ فِيمَا عَادَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ صَدَرَ مِنَ الْقَاضِي فَالظَّاهِرُ: الِانْفِسَاخُ بَاطِنًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُحِقُّ.
فَرْعٌ
إِذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ بِالتَّحَالُفِ أَوْ فُسِخَ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ رَدُّ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ، وَيَبْقَى لَهُ الْوَلَدُ وَالثَّمَرَةُ وَالْكَسْبُ وَالْمَهْرُ.
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ أَكَثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ، أَمْ لَا.
قُلْتُ: وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ لِابْنِ خَيْرَانَ: لَا يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ زِيَادَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَوْجُهٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: أَقْوَالٌ.
أَصَحُّهَا: قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ.
وَالثَّانِي: يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَالثَّالِثُ: أَقَلُّهَا.
وَالرَّابِعُ: أَكْثَرُ الْقِيَمِ مِنَ الْقَبْضِ إِلَى
التَّلَفِ.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ اخْتَلَفَا وَتَحَالَفَا، فَهَلْ يُرَدُّ الْعَبْدُ الْبَاقِي؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي مِثْلِهِ إِذَا وُجِدَ الْبَاقِي مَعِيبًا.
إِنْ قُلْنَا: يُرَدُّ، فَيَضُمُّ قِيمَةَ التَّالِفِ إِلَيْهِ.
وَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا، لَكِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ، رَدَّهُ مَعَ الْأَرْشِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَاقْتَضَى الْحَالُ الْأَرْشَ، يَجِبُ جُزْءٌ مِنَ الثَّمَنِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ فِي الْمَسَائِلِ: أَنَّ مَا ضُمِنَ كُلُّهُ بِالْقِيمَةِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهَا كَالْمَغْصُوبِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا فِي صُورَةٍ، وَهِيَ لَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ، فَتَلَفَ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَكَانَ مَا عَجَّلَهُ تَالِفًا، يَغْرُمُ الْقَابِضُ الْقِيمَةَ.
وَلَوْ كَانَ مَعِيبًا، فَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الزَّكَاةِ وَمَيْلَ الشَّيْخِ إِلَى طَرْدِ الْأَصْلِ فِيهَا.
ثُمَّ التَّلَفُ قَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ وَقَفَ الْمَبِيعَ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ، فَتَجِبُ الْقِيمَةُ، وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مَاضِيَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ الْفَارِسِيُّ: نَتَبَيَّنُ بِالتَّحَالُفِ فَسَادَهَا، وَتُرَدُّ الْعَيْنُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَالتَّعَيُّبُ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ، فَعَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مُزَوَّجَةً وَخَلِيَّةً، وَتَعُودُ إِلَى الْبَائِعِ، وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ.
وَعَنِ الْفَارِسِيِّ: أَنَّهُ يَبْطُلُ النِّكَاحُ.
وَمَهْمَا اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ أَوِ الْأَرْشِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَدْ أَبَقَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي حِينَ تَحَالَفَا، لَمْ يَمْتَنِعِ الْفَسْخُ، فَإِنَّ الْإِبَاقَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّلَفِ، وَيَغْرُمُ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ، لِتَعَذُّرِ حُصُولِهِ.
وَكَذَا لَوْ كَاتَبَهُ كِتَابَةً صَحِيحَةً.
وَإِنْ رَهَنَهُ فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى فِكَاكِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْقِيمَةَ.
وَإِنْ آجَرَهُ، بُنِيَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُسْتَأْجَرِ.
إِنْ مَنَعْنَاهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَهَنَهُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ، لَكِنَّهُ يُتْرَكُ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَالْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ لِلْبَائِعِ أُجْرَةُ
الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ.
وَإِنْ كَانَ آجَرَهُ لِلْبَائِعِ، فَلَهُ أَخْذُهُ قَطْعًا.
وَفِي انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ بَاعَ الدَّارَ لِمُسْتَأْجِرِهَا.
إِنْ قُلْنَا: لَا تَنْفَسِخُ، فَعَلَى الْبَائِعِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَى الْمُشْتَرِي أُجْرَةُ مِثْلِ الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ لِلْبَائِعِ.
وَإِذَا غَرِمَ الْقِيمَةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ السَّبَبُ الْحَائِلُ، وَأَمْكَنَ الرَّدُّ، فَهَلْ يَرُدُّ الْعَيْنَ وَيَسْتَرِدُّ الْقِيمَةَ؟ يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْحَائِلِ مِلْكٌ لِمَنْ؟ أَمَّا الْآبِقُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ، كَمَا لَا يُبَاعُ، وَإِنَّمَا هُوَ وَارِدٌ عَلَى الْقِيمَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ فِي إِبَاقِهِ مِلْكُ الْبَائِعِ، وَالْفَسْخُ وَارِدٌ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ.
وَأَمَّا الْمَرْهُونُ وَالْمُكَاتَبُ، فَفِيهِمَا طَرِيقَانِ
أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
كَمَا إِذَا أَفْلَسَ وَالْمَبِيعُ آبِقٌ، يَجُوزُ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ مَرْهُونًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ، فَإِنْ مَنَعْنَا بَيْعَهُ، فَهَلْ هُوَ كَالْمَرْهُونِ، أَمْ كَالْآبِقِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي، فَالْفَسْخُ وَارِدٌ عَلَى الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ تَلَفَ، فَلَا رَدَّ وَلَا اسْتِرْدَادَ.
وَإِنْ قُلْنَا بِانْقِلَابِهِ إِلَى الْبَائِعِ، ثَبَتَ الرَّدُّ وَالِاسْتِرْدَادُ عِنْدَ زَوَالِ الْحَيْلُولَةِ.
فَصْلٌ
لَوِ اخْتَلَفَا، ثُمَّ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ التَّحَالُفِ أَوْ قَبْلَهُ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، لَمْ يَعْتِقْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ صَادِقٌ بِزَعْمِهِ، فَإِنْ عَادَ الْعَبْدُ إِلَى الْبَائِعِ بِالْفَسْخِ أَوْ بِغَيْرِهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَاذِبٌ بِزَعْمِهِ، فَهُوَ كَمَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ.
وَلَا يَعْتِقُ فِي الْبَاطِنِ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ كَاذِبًا، وَيَعْتِقُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ كَانَ صَادِقًا.
وَوَلَاءُ هَذَا الْعَبْدِ مَوْقُوفٌ لَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي.
وَلَوْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ عَلَيْهِ، وَيُرَدُّ الْفَسْخُ إِنْ تَفَاسَخَا.
كَمَا لَوْ رَدَّ الْعَبْدَ بِعَيْبٍ ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ، يُرَدُّ الْفَسْخُ وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ.
فَلَوْ صَدَّقَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ، نُظِرَ، إِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ بِالْحُرِّيَّةِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا صَدَّقَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ يَمِينِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبِ الْمُشْتَرِيَ بَعْدَمَا حَلَفَ بِالْحُرِّيَّةِ حَتَّى يُجْعَلَ مُقِرًّا بِعِتْقِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي بِحُرِّيَّتِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ حَلَفَ الْبَائِعُ، وَصَدَّقَهُ، عَتَقَ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ حَلِفَهُ بَعْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي تَكْذِيبٌ لَهُ وَاعْتِرَافٌ بِالْحُرِّيَّةِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَكِنَّ الْمَبِيعَ بَعْضُ الْعَبْدِ، فَإِذَا عَادَ إِلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، عَتَقَ ذَلِكَ الْقَدْرُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ بِمُبَاشَرَتِهِ.
فَصْلٌ
لَوْ جَرَى الْعَقْدُ بَيْنَ وَكِيلَيْنِ، فَفِي تَحَالُفِهِمَا وَجْهَانِ ; لَأَنَّ فَائِدَةَ الْيَمِينِ الْإِقْرَارُ، وَإِقْرَارُ الْوَكِيلِ لَا يُقْبَلُ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ التَّحَالُفَ.
وَفَائِدَتُهُ الْفَسْخُ، أَوْ أَنْ يَنْكِلَ أَحَدُهُمَا، فَيَحْلِفَ الْآخَرُ، وَيُقْضَى لَهُ إِذَا قُلْنَا: حَلِفُهُ مَعَ النُّكُولِ كَالْبَيِّنَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ اخْتَلَفَا وَتَحَالَفَا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَعَ رَدِّهَا.
وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا رَدَّهَا مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ؛ لِأَنَّهُ نُقْصَانُ جُزْءٍ.
وَلَوْ تَرَافَعَ الْمُتَنَازِعَانِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَتَحَالَفَا بَعْدُ، فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْمَبِيعَةِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِبَقَاءِ مِلْكِهِ.
وَفِي جَوَازِهِ بَعْدَ التَّحَالُفِ وَقَبْلَ الْفَسْخِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ.
فَصْلٌ
لَوْ تَقَايَلَا، أَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ الشَّجَرَةَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ، فَالثَّمَرَةُ لِي، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ قَبْلَهُ فَلِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا فَرَدَّهُ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ رَدُّ أَحَدِهِمَا، فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الثَّمَنَ، فَلَا يُزَالُ مِلْكُهُ إِلَّا عَمَّا يُقِرُّ بِهِ، وَالثَّانِي: قَوْلُ الْمُشْتَرِي كَالْغَارِمِ.
وَذَكَرَ فِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهًا: أَنَّهُمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْبَيْعِ، لَا يَتَحَالَفَانِ، بَلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمَشْرُوطَةَ تُلْحِقُهُ بِالْعَيْبِ، فَصَارَ كَدَعْوَاهُ عَيْبًا.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ وُجُودِ الْعَيْبِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا سَبَقَ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، حُكِيَ عَنْ نَصِّهِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي السَّلَمِ ; لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي السَّلَمِ حَقُّ الْبَائِعِ، فَإِذَا ادَّعَى [الْمُسْلِمُ] انْقِضَاءَهُ، فَقَدِ ادَّعَى اسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَةٍ، وَالْبَائِعُ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ يُنْكِرُهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى قَدْرِهِ، اخْتِلَافٌ فِي تَارِيخِ الْعَقْدِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُ يَدَّعِي وُقُوعَهُ فِي شَهْرٍ، وَالْمُسْلَمُ إِلَيْهِ يُنْكِرُهُ.
فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُنْكِرِهِ، فَكَذَا هُنَا.
وَأَمَّا فِي بَابِ الشِّرَاءِ، الْأَجَلُ حَقُّ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّتَيْنِ.
فَلَوْ بَاعَ شَيْئًا وَمَاتَ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ لِابْنِ الْمَيِّتِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَاعَهُ عَلَيْكَ أَبُوكَ
فِي صِغَرِكَ لِحَاجَةٍ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ أَنَّ الْأَبَ بَاعَهُ فِي صِغَرِهِ، لَكِنْ قَالَ: لَمْ يَبِعْهُ عَلَيَّ، بَلْ بَاعَهُ لِنَفْسِهِ مُتَعَدِّيًا، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ الْأَبَ نَائِبُ الشَّرْعِ، فَلَا يُتَّهَمُ إِلَّا بِحُجَّةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْ وَكِيلِكَ، فَقَالَ: هُوَ وَكِيلِي، وَلَكِنْ بَاعَ لِنَفْسِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ