روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 418-457
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 418-457
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَصْلٌ

بَيْعُ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ اتِّخَاذُهُ إِيَّاهُ نَبِيذًا، أَوْ خَمْرًا، مَكْرُوهٌ.
وَإِنْ تَحَقَّقَ اتِّخَاذُهُ ذَلِكَ، فَهَلْ يَحْرُمُ، أَوْ يُكْرَهُ؟ وَجْهَانِ.
فَلَوْ بَاعَ، صَحَّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: التَّحْرِيمُ.
ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» : بَيْعُ الْغِلْمَانِ الْمُرْدِ، إِنْ عُرِفَ بِالْفُجُورِ بِالْغِلْمَانِ، لَهُ حُكْمُ بَيْعِ الْعِنَبِ مِنَ الْخِمَارِ.
وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ يُفْضِي إِلَى مَعْصِيَةٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَيْعُ السِّلَاحِ لِلْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، مَكْرُوهٌ، وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ.
وَتُكْرَهُ مُبَايَعَةُ مَنِ اشْتَمَلَتْ يَدُهُ عَلَى حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَلَالُ أَكَثُرَ، أَوْ بِالْعَكْسِ.
فَلَوْ بَاعَهُ، صَحَّ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ دَخَلَ قَرْيَةً يَسْكُنُهَا مَجُوسٌ، لَمْ يَصِحَّ شِرَاءُ اللَّحْمِ مِنْهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَهْلِيَّةَ الذَّابِحِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، فَلَا يَزَالُ إِلَّا يَقِينٌ أَوْ ظَاهِرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

لَيْسَ مِنَ الْمَنَاهِي بَيْعُ الْعِينَةِ - بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْيَاءِ نُونٌ - وَهُوَ أَنْ

يَبِيعَ غَيْرَهُ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ نَقْدًا.
وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ نَقْدًا وَيَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ إِلَى أَجَلٍ، سَوَاءٌ قَبَضَ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ، أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ صَارَتِ الْعِينَةُ عَادَةً لَهُ غَالِبَةً فِي الْبَلَدِ، أَمْ لَا.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ، وَأَفْتَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الِاسْفَرَايِينِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: بِأَنَّهُ إِذَا صَارَ عَادَةً لَهُ، صَارَ الْبَيْعُ الثَّانِي كَالْمَشْرُوطِ فِي الْأَوَّلِ، فَيَبْطُلَانِ جَمِيعًا.

فَصْلٌ

يَجُوزُ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ، وَبَيْعُ الْمُصْحَفِ، وَكُتُبِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: يُكْرَهُ بَيْعُ الْمُصْحَفِ.
قُلْتُ: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى كَرَاهَةِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يُكْرَهُ، وَسَائِرُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، يَجُوزُ بَيْعُهَا بِلَا كَرَاهَةٍ.
وَمِنَ الْمَنَاهِي: الْبَيْعُ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِهَا.
وَمِنْهَا فِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ تَأْوِيلَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمُرَادُ بِهِ: الْمُكْرَهُ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إِنْ أُكْرِهَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ صَحَّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دُيُونٌ مُسْتَغْرِقَةٌ، فَتَحْتَاجُ إِلَى بَيْعِ مَا مَعَهُ بِالْوَكْسِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُبْتَاعَ مِنْهُ، بَلْ يُعَانَ، إِمَّا بِهِبَةٍ، وَإِمَّا بِقَرْضٍ، وَإِمَّا بِاسْتِمْهَالِ صَاحِبِ الدَّيْنِ.
فَإِنِ اشْتَرَى مِنْهُ صَحَّ.

وَمِنْهَا: النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ، وَالنَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا فِيهِ عَيْبٌ، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَهُ، وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ.
وَمِنْهَا: النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَسَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي الِاعْتِكَافِ.
وَمِنْهَا: يُكْرَهُ غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ الْعِينَةِ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ.
وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» . قَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ

عَلَى مَا إِذَا أَفْرَدَ مَاءَ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ بِالْبَيْعِ، فَإِنْ بَاعَهُ مَعَ الْأَرْضِ، بِأَنْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ شُرْبِهَا مِنَ الْمَاءِ فِي نَهْرٍ أَوْ وَادٍ، صَحَّ، وَدَخَلَ الْمَاءُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا.
وَكَذَا إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِنَاءٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مُجْتَمِعًا، فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ مُفْرَدًا وَتَابِعًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ

إِذَا جَمَعَ شَيْئَيْنِ فِي صَفْقَةٍ، فَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي: فِي عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقَعَ التَّفْرِيقُ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقَعَ فِي الِانْتِهَاءِ.
فَالْحَالُ الْأَوَّلُ: يُنْظَرُ، إِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ هُوَ جَمْعٌ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ، كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ، أَوْ خَمْسِ نِسْوَةٍ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَابِلٌ لِمَا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْدِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَ عَيْنَيْنِ فِي الْبَيْعِ، صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِمَا.
ثُمَّ إِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ، لَكِنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْقِيمَةِ كَعَبْدَيْنِ، وُزِّعَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَمُتَّفِقِي الْقِيمَةِ كَقَفِيزَيْ حِنْطَةٍ وَاحِدَةٍ، وُزِّعَ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَابِلًا لِذَلِكَ الْعَقْدِ، كَمَنْ بَاعَ خَمْرًا وَمَيْتَةً، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَابِلًا فَالَّذِي هُوَ غَيْرُ قَابِلٍ قِسْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُتَقَوَّمًا، كَمَنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَفِي

صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي عَبْدِهِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَصِحُّ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ.
وَفِي عِلَّتِهِ وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْجَمْعُ بَيْنَ حَلَالٍ وَحَرَامٍ.
وَالثَّانِي: جَهَالَةُ الْعِوَضِ الَّذِي يُقَابِلُ الْحَلَالَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُتَقَوَّمًا، وَهُوَ نَوْعَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَتَأَتَّى تَقْدِيرُ التَّقْوِيمِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ تَغَيُّرِ الْخِلْقَةِ، كَمَنْ بَاعَ حُرًّا وَعَبْدًا، فَالْحُرُّ غَيْرُ مُتَقَوَّمٍ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ رَقِيقًا.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْفَسَادِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقَوْلَانِ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا بِالْحَالِ.
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ وَمُكَاتَبَهُ، أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَقَوَّمَانِ بِدَلِيلِ الْإِتْلَافِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَتَأَتَّى تَقْدِيرُ تَقْوِيمِهِ مِنْ غَيْرِ فَرْضِ تَغَيُّرِ الْخِلْقَةِ، كَمَنْ بَاعَ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ مُذَكَّاةً وَمَيْتَةً، أَوْ شَاةً وَخِنْزِيرًا، فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الْخَلِّ وَالْمُذَكَّاةِ وَالشَّاةِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَبْدِ مَعَ الْحُرِّ، وَأَوْلَى بِالْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّقْوِيمِ مِنَ التَّقْدِيرِ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ الْمُقَوَّمُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْعَقْدِ.
وَلَوْ رَهَنَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ حُرًّا وَعَبْدًا، أَوْ وَهَبَهُمَا، فَإِنْ صَحَّحْنَا الْبَيْعَ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى الْعِلَّتَيْنِ.
وَلَوْ زَوَّجَ أُخْتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً، أَوْ مُسْلِمَةً وَمَجُوسِيَّةً، فَكَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقَعَ التَّفْرِيقُ فِي الِانْتِهَاءِ، وَهُوَ قِسْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا، كَمَنِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا، انْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي التَّالِفِ، وَفِي الْبَاقِي طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي جَمْعِ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ؛ لِعَدَمِ الْعِلَّتَيْنِ.
وَلَوْ تَفَرَّقَا فِي السَّلَمِ وَبَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ غَيْرُ مَقْبُوضٍ، أَوْ فِي

الصَّرْفِ وَبَعْضُ الْعِوَضِ غَيْرُ مَقْبُوضٍ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي غَيْرِ الْمَقْبُوضِ.
وَفِي الْبَاقِي الطَّرِيقَانِ.
فَلَوْ قَبَضَ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ وَتَلِفَ الْآخَرُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، تَرَتَّبَ الِانْفِسَاخُ فِي الْمَقْبُوضِ عَلَى الصُّوَرِ السَّابِقَةِ، وَهَذِهِ أَوْلَى بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ؛ لِتَأَكُّدِ الْعَقْدِ فِيهِ بِانْتِقَالِ الضَّمَانِ إِلَى الْمُشْتَرِي.
هَذَا إِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ تَلِفَ الْآخَرُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَالْقَوْلُ بِالِانْفِسَاخِ أَضْعَفُ؛ لِتَلَفِهِ عَلَى ضَمَانِهِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ، فَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَيَرُدُّ قِيمَتَهُ.
وَالثَّانِي: لَا، وَعَلَيْهِ حِصَّتُهُ مِنَ الثَّمَنِ.
وَلَوِ اكْتَرَى دَارًا وَسَكَنَهَا بَعْضَ الْمُدَّةِ، ثُمَّ انْهَدَمَتْ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيُخَرَّجُ فِي الْمَاضِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَقْبُوضِ التَّالِفِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، فَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا فَسْخَ، فَعَلَيْهِ مِنَ الْمُسَمَّى مَا يُقَابِلُ الْمَاضِيَ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْفَسْخِ، وَفُسِخَ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمَاضِي.
وَلَوِ انْقَطَعَ بَعْضُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحَلِّ وَالْبَاقِي مَقْبُوضٌ، أَوْ غَيْرُ مَقْبُوضٍ، وَقُلْنَا: لَوِ انْقَطَعَ الْكُلُّ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، انْفَسَخَ فِي الْمُنْقَطِعِ.
وَفِي الْبَاقِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا تَلِفَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ قَبْلَ قَبْضِهِمَا.
فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، فَلَهُ الْفَسْخُ.
فَإِنْ أَجَازَ، فَعَلَيْهِ حِصَّتُهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَقَطْ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ الْكُلُّ لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ، فَالْمُسَلِّمُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ شَاءَ أَجَازَهُ فِي الْكُلِّ.
وَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ فِي الْقَدْرِ الْمُنْقَطِعِ وَالْإِجَازَةُ فِي الْبَاقِي؟ قَوْلَانِ، بِنَاءً عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْقِسْمِ الَّذِي يَلِيهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا، كَمَنِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا، فَهَلْ لَهُ إِفْرَادُهُ بِالرَّدِّ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَيْسَ لَهُ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ.
وَالْقَوْلَانِ فِي الْعَبْدَيْنِ وَكُلِّ شَيْئَيْنِ لَا تَتَّصِلُ مَنْفَعَةُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
فَأَمَّا فِي زَوْجَيْ خُفٍّ وَمِصْرَاعَيْ بَابٍ وَنَحْوِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ الْإِفْرَادُ قَطْعًا.
وَشَذَّ بَعْضُهُمْ، فَطَرَدَ الْقَوْلَيْنِ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَتَّفِقَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ

أَوْ قَبْلَهُ.
فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزِ الْإِفْرَادَ، فَقَالَ: رَدَدْتُ الْمَعِيبَ، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا لَهُمَا؟ أَصَحُّهُمَا: لَا، بَلْ هُوَ لَغْوٌ.
وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِإِفْرَادِهِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِذَا جَوَّزْنَا الْإِفْرَادَ فَرَدَّهُ، اسْتَرَدَّ قِسْطَهُ مِنَ الثَّمَنِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَوْ أَرَادَ رَدَّ السَّلِيمِ وَالْمَعِيبِ جَمِيعًا فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْعَيْبَ بِالْعَبْدَيْنِ مَعًا، وَأَرَادَ إِفْرَادَ أَحَدِهِمَا بِالرَّدِّ، جَرَى الْقَوْلَانِ.
وَلَوْ تَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ أَوْ بَاعَهُ، وَوَجَدَ بِالْبَاقِي عَيْبًا، فَفِي إِفْرَادِهِ بِالرَّدِّ قَوْلَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِمَا.
فَإِنْ جَوَّزْنَا الْإِفْرَادَ، رَدَّ الْبَاقِيَ وَاسْتَرَدَّ مِنَ الثَّمَنِ حِصَّتَهُ.
وَطَرِيقُ التَّوْزِيعِ: تَقْدِيرُ الْعَبْدَيْنِ سَلِيمَيْنِ، وَتَقْوِيمُهُمَا، وَتَقْسِيطُ الْمُسَمَّى عَلَى الْقِيمَتَيْنِ.
فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي مَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْمَرْجُوعِ بِهِ عَلَى مَا اعْتَرَفَ بِهِ الْبَائِعُ، فَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مِلْكُهُ، فَلَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ إِلَّا مَا اعْتَرَفَ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزِ الْإِفْرَادَ، فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا فَسْخَ لَهُ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ أَعْظَمُ مِنَ الْعَيْبِ.
وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرَّدِّ.
فَعَلَى هَذَا، إِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ عَادَ الْقَوْلَانِ.
وَهَلِ النَّظَرُ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ إِلَى يَوْمِ الْعَقْدِ، أَوْ يَوْمِ الْقَبْضِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي سَيَأْتِي فِي مَعْرِفَةِ أَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضُمُّ قِيمَةَ التَّالِفِ إِلَى الْبَاقِي، وَيَرُدُّهُمَا وَيَفْسَخُ الْعَقْدَ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِئَلَّا تُزَالَ يَدُهُ عَمَّا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ.
فَرْعٌ: لَوْ بَاعَ شَيْئًا يَتَوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى أَجْزَائِهِ، بَعْضُهُ لَهُ كَعَبْدٍ، أَوْ صَاعِ حِنْطَةٍ لَهُ نِصْفُهَا، أَوْ صَاعَيْ حِنْطَةٍ لَهُ أَحَدُهُمَا، صَفْقَةً وَاحِدَةً، تَرَتَّبَ عَلَى مَا إِذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ

أَحَدُهُمَا لَهُ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ هُنَاكَ فِي مِلْكِهِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ.
إِنْ عَلَّلْنَا بِالْجَمْعِ بَيْنَ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْجَهَالَةِ صَحَّ؛ لِأَنَّ حِصَّةَ الْمَمْلُوكِ مَعْلُومَةٌ.
وَلَوْ بَاعَ جَمِيعَ الثِّمَارِ وَفِيهَا الزَّكَاةُ، فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ؟ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ «الزَّكَاةِ» . فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ فَالتَّرْتِيبُ فِي الْبَاقِي كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ نِصْفُهُ.
وَلَوْ بَاعَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِيهَا وَاجِبُ الزَّكَاةِ، وَقُلْنَا: لَا يَصِحُّ بَيْعُ قَدْرِ الزَّكَاةِ، فَالتَّرْتِيبُ فِي الْبَاقِي كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ.
فَرْعٌ: وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ لَوْ مَلَكَ زَيْدٌ عَبْدًا، وَعَمْرٌو آخَرَ، فَبَاعَاهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ قَوْلَانِ.
وَكَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ لَهُ لِرَجُلَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، إِنْ عَلَّلْنَا بِالْجَمْعِ بَيْنَ حَلَالٍ وَحَرَامٍ صَحَّ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْجَهَالَةِ فَلَا؛ لِأَنَّ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مَجْهُولَةٌ.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ وَسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَنًا، فَقَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِمِائَةٍ، وَهَذَا بِخَمْسِينَ، فَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْجَمْعِ فَسَدَ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْجَهَالَةِ صَحَّ فِي عَبْدِهِ، كَذَا قَالَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: سَنَذْكُرُ أَنَّ تَفْصِيلَ الثَّمَنِ مِنْ أَسْبَابِ تَعَدُّدِ الْعَقْدِ، وَإِنْ تَعَدَّدَ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالصِّحَّةِ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ.
فَرْعٌ: اعْلَمْ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْأَصْحَابِ تَوَسَّطُوا بَيْنَ قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَقَالُوا: الْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِي الْمَمْلُوكِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَتَوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى أَجْزَائِهِ.
وَالْأَصَحُّ الْفَسَادُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَتَوَزَّعُ عَلَى قِيمَتِهِ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِي الْقِسْمَيْنِ.

فَصْلٌ

إِذَا بَاعَ مَالَهُ وَمَالَ غَيْرِهِ، وَصَحَّحْنَاهُ فِي مَالِهِ نُظِرَ إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا بِالْحَالِ، فَلَهُ الْخِيَارُ.
فَإِنْ أَجَازَ فَكَمْ يَلْزَمُهُ مِنَ الثَّمَنِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: حِصَّةُ الْمَمْلُوكِ فَقَطْ إِذَا وُزِّعَ عَلَى الْقِيمَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ، ثُمَّ قِيلَ: الْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَقَسَّطُ عَلَى أَجْزَائِهِ، فَالْوَاجِبُ الْقِسْطُ قَطْعًا.
وَالْأَصَحُّ: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ جَمِيعُ الثَّمَنِ، فَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقِسْطُ، فَلَا خِيَارَ لَهُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْحَالِ فَلَا خِيَارَ لَهُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ.
وَكَمْ يَلْزَمُهُ مِنَ الثَّمَنِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ الْجَمِيعُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ عَالِمًا.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ مُذَكَّاةً وَمَيْتَةً، أَوْ شَاةً وَخِنْزِيرًا، وَصَحَّحْنَا الْعَقْدَ فِيمَا يَقْبَلُهُ، وَكَانَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا بِالْحَالِ فَأَجَازَ، أَوْ كَانَ عَالِمًا، فَفِيمَا يَلْزَمُهُ؟ الطَّرِيقَانِ.
فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقِسْطَ، فَفِي كَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ الثَّمَنِ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: يُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهَا قِيمَةً.
وَالثَّانِي: يُقَدَّرُ الْخَمْرُ خَلًّا، وَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، وَتُقَدَّرُ الْمَيْتَةُ مُذَكَّاةً، وَالْخِنْزِيرُ شَاةً، وَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.
وَقِيلَ: يُقَدَّرُ الْخَمْرُ عَصِيرًا، وَالْخِنْزِيرُ بَقَرَةً.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ، احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.
وَالصَّحِيحُ: هُوَ الثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، وَحَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ طَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ نَكَحَ مُسْلِمَةً وَمَجُوسِيَّةً فِي عَقْدٍ، وَصَحَّحْنَا نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ، فَالَّذِي قَطَعَ

بِهِ الْجَمَاهِيرُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى قَوْلٍ.
وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْمُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ، فَفِيمَا يَلْزَمُهُ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: قِسْطُهَا مِنَ الْمُسَمَّى إِذَا وُزِّعَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَمَهْرِ مِثْلِ الْمَجُوسِيَّةِ.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ، فَانْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَقُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ فِي الْبَاقِي، فَلَهُ الْخِيَارُ فِيهِ.
فَإِنْ أَجَازَ، فَالْوَاجِبُ قِسْطُهُ مِنَ الثَّمَنِ قَطْعًا.
كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ.
وَطَرَدَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فِيهِ الْقَوْلَيْنِ.
فَرْعٌ: لَوْ بَاعَ رِبَوِيًّا بِجِنْسِهِ، فَخَرَجَ بَعْضُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مُسْتَحَقًّا، وَصَحَّحْنَا الْعَقْدَ فِي الْبَاقِي فَأَجَازَ، فَالْوَاجِبُ الْقِسْطُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا حَرَامٌ.
فَرْعٌ: لَوْ بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا، لَمْ يَصِحَّ فِي الْمَجْهُولِ، وَيَنْبَنِي فِي الْمَعْلُومِ عَلَى مَا لَوْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ وَأَحَدُهُمَا لِغَيْرِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ فِيمَا لَهُ، لَمْ يَصِحَّ هُنَا فِي الْمَعْلُومِ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَمْ يَلْزَمُهُ مِنَ الثَّمَنِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: الْجَمِيعُ صَحَّ، وَلَزِمَهُ هُنَا أَيْضًا جَمِيعُ الثَّمَنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقِسْطُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِتَعَذُّرِ التَّقْسِيطِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَهُ الْخِيَارُ.
فَإِنْ أَجَازَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ.

فَرْعٌ: فِي الْإِشَارَةِ إِلَى طَرَفٍ مِنْ مَسَائِلِ الدَّوْرِ يَتَعَلَّقُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَابَاةَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، حُكْمُهَا حُكْمُ هِبَتِهِ وَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ، تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ عَبْدًا يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِعَشَرَةٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ، وَفِي الْبَاقِي طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ هُنَا وَصِيَّةٌ، وَهِيَ تَقْبَلُ مِنَ الْغَرَرِ مَا لَا يَقْبَلُ غَيْرُهَا.
فَإِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْبَاقِي، فَفِي كَيْفِيَّتِهِ قَوْلَانِ.
وَيُقَالُ: وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ، وَالْقَدْرِ الَّذِي يُوَازِي الثَّمَنَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَيَبْطُلُ فِي الْبَاقِي، فَيَصِحُّ فِي ثُلُثَيِ الْعَبْدِ بِالْعَشَرَةِ، وَيَبْقَى مَعَ الْوَرَثَةِ ثُلُثُ الْعَبْدِ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، وَالثَّمَنُ وَهُوَ عَشَرَةٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْمُحَابَاةِ وَهِيَ عَشَرَةٌ.
وَلَا تَدُورُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ الْبَيْعُ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ، وَجَبَ أَنْ يَرْتَدَّ [إِلَى] الْمُشْتَرِي مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَتَدُورُ الْمَسْأَلَةُ؛ لِأَنَّ مَا يَنْفُذُ فِيهِ الْبَيْعُ، يَخْرُجُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَمَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ، يَدْخُلُ فِيهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يَنْفُذُ فِيهِ الْبَيْعُ، يَزِيدُ بِزِيَادَةِ التَّرِكَةِ، وَيَنْقُصُ بِنَقْصِهَا.
وَيُتَوَصَّلُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ بِطُرُقٍ.
مِنْهَا أَنْ يُنْسَبَ ثُلُثُ الْمَالِ إِلَى قَدْرِ الْمُحَابَاةِ.
وَيُصَحَّحُ الْبَيْعُ فِي الْمَبِيعِ بِمِثْلِ نِسْبَةِ الثُّلُثِ مِنَ الْمُحَابَاةِ.
فَنَقُولُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: ثُلُثُ الْمَالِ عَشَرَةٌ، وَالْمُحَابَاةُ عِشْرُونَ، وَالْعَشَرَةُ نِصْفُ الْعِشْرِينَ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ، وَقِيمَتُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، كَأَنَّهُ اشْتَرَى سُدُسَهُ بِخَمْسَةٍ، وَوَصَّى لَهُ بِثُلُثِهِ، وَيَبْقَى مَعَ الْوَرَثَةِ

نِصْفُ الْعَبْدِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالثَّمَنُ وَهُوَ خَمْسَةٌ، فَالْمَبْلَغُ عِشْرُونَ.
وَذَلِكَ مِثْلُ الْمُحَابَاةِ.
وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَصَحِّ فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكَيْفِيَّةِ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ.
قَالَ الْقَفَّالُ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ وَغَيْرُهُمَا: هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَالُوا: وَالثَّانِي خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَرْجِيحِ الثَّانِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْحِسَابِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ، وَابْنُ اللَّبَّانِ، وَتَابَعَهُمَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَهَذَا أَقْوَى فِي الْمَعْنَى.
وَلَوْ بَاعَ مَرِيضٌ صَاعَ حِنْطَةٍ يُسَاوِي عِشْرِينَ بِصَاعٍ لِصَحِيحٍ يُسَاوِي عَشَرَةً، وَمَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فِيهِمَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ.
وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ صَاعِ الصَّحِيحِ الْمُشْتَرَى، وَهُوَ نِصْفُهُ فَيَكُونُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ صَاعٍ فِي مُقَابَلَةِ صَاعٍ، وَذَلِكَ رِبًا.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، صَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْ صَاعِ الْمَرِيضِ بِثُلُثَيْ صَاعِ الصَّحِيحِ، وَبَطَلَ فِي الْبَاقِي.
وَقَطَعَ قَاطِعُونَ بِهَذَا الثَّانِي هُنَا؛ لِئَلَّا يَبْطُلَ غَرَضُ الْمَيِّتِ فِي الْوَصِيَّةِ.
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَطَرِيقُهُ: أَنَّ ثُلُثَ مَالِ الْمَرِيضِ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ، وَالْمُحَابَاةَ عَشَرَةٌ، وَالسِّتَّةُ وَالثُّلُثَانِ ثُلُثَا الْعَشَرَةِ، فَنَفَذَ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْ صَاعٍ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلصَّحِيحِ؛ لِتَبْعِيضِ صَفْقَتِهِ، وَلَا خِيَارَ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ؛ لِئَلَّا يُبْطِلُوا الْمُحَابَاةَ الَّتِي هِيَ وَصِيَّةٌ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَغَلَّطُوا صَاحِبَ «التَّلْخِيصِ» فِي إِطْلَاقِهِ قَوْلَيْنِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَصَاعُ الْمَرِيضِ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ، وَقُلْنَا: يَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ صَاعٍ بِنِصْفِ صَاعٍ.
وَلَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا وَصَاعُ الْمَرِيضِ يُسَاوِي أَرْبَعِينَ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي أَرْبَعَةِ أَتْسَاعِ الصَّاعِ بِأَرْبَعَةِ أَتْسَاعِ الصَّاعِ.
وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَرِيضُ الصَّاعَ الَّذِي أَخَذَهُ ثُمَّ مَاتَ، وَفَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَجِيءُ عَلَيْهِ الدَّوْرُ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثِهِ بِثُلُثِ صَاعِ صَاحِبِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَةُ صَاعِ الْمَرِيضِ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ مَا أَتْلَفَهُ قَدْ نَقَصَ مِنْ مَالِهِ.
أَمَّا مَا صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ

فَهُوَ مِلْكُهُ، وَقَدْ أَتْلَفَهُ.
وَأَمَّا مَا بَطَلَ فِيهِ الْبَيْعُ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، فَيَنْقُصُ قَدْرَ الْغُرْمِ مِنْ مَالِهِ.
وَمَتَى كَثُرَتِ الْقِيمَةُ، كَانَ الْمَصْرُوفُ إِلَى الْغُرْمِ أَقَلَّ، وَالْمُحَابَاةُ أَكْثَرَ.
وَمَتَى قَلَّتْ كَانَ الْمَصْرُوفُ إِلَى الْغُرْمِ أَكْثَرَ، وَالْمُحَابَاةُ أَقَلَّ.
مِثَالُهُ: كَانَتْ قِيمَةُ صَاعِ الْمَرِيضِ عِشْرِينَ، وَصَاعُ الصَّحِيحِ عَشَرَةٌ، فَمَالُ الْمَرِيضِ عِشْرُونَ، وَقَدْ أَتْلَفَ عَشَرَةً نَحُطُّهَا مِنْ مَالِهِ، يَبْقَى عَشَرَةٌ كَأَنَّهَا كُلُّ مَالِهِ، وَالْمُحَابَاةُ عَشَرَةٌ، فَثُلُثُ مَالِهِ هُوَ ثُلُثُ الْمُحَابَاةِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثِ الصَّاعِ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ صَاعِ الْمَرِيضِ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ، وَثُلُثَ صَاعِ الصَّحِيحِ: ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ، فَالْمُحَابَاةُ بِثَلَاثَةٍ وَثُلُثٍ، وَقَدْ بَقِيَ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ ثُلُثَا صَاعٍ، وَهُوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ، يُؤَدُّونَ مِنْهُ قِيمَةَ ثُلُثَيْ صَاعِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ، تَبْقَى فِي أَيْدِيهِمْ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ، وَهِيَ مِثْلَا الْمُحَابَاةِ.
فَلَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا وَصَاعُ الْمَرِيضِ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ، فَمَالُ الْمَرِيضِ ثَلَاثُونَ، وَقَدْ أَتْلَفَ عَشَرَةً نَحُطُّهَا مِنْ مَالِهِ، يَبْقَى عِشْرُونَ كَأَنَّهَا كُلُّ مَالِهِ، وَالْمُحَابَاةُ عِشْرُونَ مِثْلُ مَالِهِ، فَثُلُثُ مَالِهِ هُوَ ثُلُثُ الْمُحَابَاةِ، فَصَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثِ صَاعٍ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ صَاعِ الْمَرِيضِ عَشَرَةٌ، وَثُلُثَ صَاعِ الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ، فَالْمُحَابَاةُ بِسِتَّةٍ وَثُلُثَيْنِ، وَقَدْ بَقِيَ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ ثُلُثَا صَاعٍ، وَهُوَ عِشْرُونَ، يُؤَدُّونَ مِنْهُ قِيمَةَ ثُلُثَيْ صَاعِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ، يَبْقَى فِي أَيْدِيهِمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ، وَهِيَ مِثْلَا الْمُحَابَاةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ جَمْعِ الصَّفْقَةِ: أَنْ يَجْمَعَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ.
فَإِذَا جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ بَيْنَ إِجَارَةٍ وَسَلَمٍ، أَوْ إِجَارَةٍ وَبَيْعٍ، أَوْ سَلَمٍ وَبَيْعِ عَيْنٍ، أَوْ صَرْفٍ وَغَيْرِهِ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيهِمَا.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَصُورَةُ الْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ: أَجَّرْتُكَ دَارِي سَنَةً، وَبِعْتُكَ كَذَا سَلَمًا بِكَذَا.
وَصُورَةُ الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ: بِعْتُكَ عَبْدِي وَأَجَّرْتُكَ دَارِي سَنَةً بِكَذَا.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْعًا وَنِكَاحًا، فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ جَارِيَتِي هَذِهِ، وَبِعْتُكَ عَبْدِي هَذَا بِكَذَا، وَالْمُخَاطَبُ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، وَبِعْتُكَ عَبْدَهَا، وَهِيَ فِي حِجْرِهِ أَوْ رَشِيدَةٌ وَكَّلَتْهُ فِي بَيْعِهِ، صَحَّ النِّكَاحُ بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي الْبَيْعِ وَالْمُسَمَّى فِي

النِّكَاحِ الْقَوْلَانِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، وُزِّعَ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِلَّا وَجَبَ فِي النِّكَاحِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْعًا وَكِتَابَةً، فَقَالَ لِعَبْدِهِ: كَاتَبْتُكَ عَلَى نَجْمَيْنِ، وَبِعْتُكَ [ثَوْبِي] هَذَا جَمِيعًا بِأَلْفٍ، فَإِنْ حَكَمْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَفِي الْكِتَابَةِ الْقَوْلَانِ.

فَصْلٌ

مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسَائِلِ الْبَابِ، إِذَا اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ دُونَ مَا إِذَا تَعَدَّدَتْ حَتَّى لَوْ بَاعَ مَالَهُ فِي صَفْقَةٍ، وَمَالَ غَيْرِهِ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى، صَحَّ فِي مَالِهِ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا بَيَانُ تَعَدُّدِهَا وَاتِّحَادِهَا، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ: إِذَا سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّيْئَيْنِ ثَمَنًا مُفَصَّلًا، فَقَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا، وَهَذَا بِكَذَا، فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي كَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَهُمَا عَقْدَانِ مُتَعَدِّدَانِ.
وَلَوْ جَمَعَ الْمُشْتَرِي فِي الْقَبُولِ، فَقَالَ: قَبِلْتُ فِيهِمَا، فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِيجَابِ.
فَإِذَا وَقَعَ مُفَسَّرًا، فَكَذَلِكَ الْقَبُولُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الصَّفْقَةَ مُتَّحِدَةٌ، وَهُوَ شَاذٌّ وَتَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ أَيْضًا بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ وَإِنِ اتَّحَدَ الْمُشْتَرِي وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا بَاعَ رَجُلَانِ عَبْدًا لِرَجُلٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً.
وَهَلْ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا؟ فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: تَتَعَدَّدُ كَالْبَائِعِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ بَانٍ عَلَى الْإِيجَابِ السَّابِقِ، فَالنَّظَرُ إِلَى مَنْ أَوْجَبَ الْعَقْدَ.
وَلِلتَّعَدُّدِ وَالِاتِّحَادِ فَوَائِدُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا.
مِنْهَا: إِذَا حَكَمْنَا بِالتَّعَدُّدِ، فَوَزَنَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَنِ، لَزِمَ الْبَائِعَ تَسْلِيمُ قِسْطِهِ مِنَ الْمَبِيعِ بِتَسْلِيمِ الْمُشَاعِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالِاتِّحَادِ، لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَى أَحَدِهِمَا وَإِنْ وَزَنَ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ، حَتَّى يَزِنَ الْآخَرُ؛ لِثُبُوتِ حَقِّ الْحَبْسِ، كَمَا لَوِ اتَّحَدَ الْمُشْتَرِي وَسَلَّمَ بَعْضَ الثَّمَنِ، لَا يُسَلِّمُ إِلَيْهِ قِسْطَهُ مِنَ الْمَبِيعِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْقِسْطَ إِذَا كَانَ مِمَّا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، وَهُوَ شَاذٌّ.

وَمِنْهَا: إِذَا قُلْنَا بِالتَّعَدُّدِ فَخَاطَبَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: بِعْتُكُمَا هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ قَالَ مَالِكَا عَبْدٍ لِرَجُلٍ: بِعْنَاكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، فَقَبِلَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ: إِذَا وَكَّلَ رَجُلَانِ رَجُلًا فِي الْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ وَقُلْنَا: الصَّفْقَةُ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ فِي الْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ، فَهَلِ الِاعْتِبَارُ فِي تَرَدُّدِ الْعَقْدِ وَاتِّحَادِهِ بِالْعَاقِدِ، أَوِ الْمَعْقُودِ لَهُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْعَاقِدِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ رُؤْيَتُهُ دُونَ رُؤْيَةِ الْمُوَكِّلِ، وَخِيَارَ الْمَجْلِسِ يَتَعَلَّقُ بِهِ دُونَ الْمُوَكِّلِ.
وَالثَّانِي: الِاعْتِبَارُ بِالْمَعْقُودِ لَهُ، قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ، وَالْخُضَرِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ فِي «الْوَجِيزِ» ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ.
وَالثَّالِثُ: الِاعْتِبَارُ فِي طَرَفِ الْبَيْعِ بِالْمَعْقُودِ لَهُ، وَفِي الشِّرَاءِ بِالْعَاقِدِ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْدَ يَتِمُّ فِي الشِّرَاءِ بِالْمُبَاشِرِ دُونَ الْمَعْقُودِ لَهُ.
وَلِهَذَا لَوْ أَنْكَرَ الْمَعْقُودُ لَهُ الْإِذْنَ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَقَعَ الْعَقْدُ لِلْمُبَاشِرِ، بِخِلَافِ طَرَفِ الْبَيْعِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا الْفَرْقُ فِيمَا إِذَا كَانَ التَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ.
فَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، فَهُوَ كَالتَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ.
وَالرَّابِعُ: الِاعْتِبَارُ فِي جَانِبِ الشِّرَاءِ بِالْمُوَكِّلِ وَفِي الْبَيْعِ بِهِمَا جَمِيعًا، فَأَيُّهُمَا تَعَدَّدَ تَعَدَّدَ الْعَقْدُ اعْتِبَارًا بِالشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُوَكِّلِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ، وَلَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَكِيلِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجَهِ مَسَائِلُ.
مِنْهَا: لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا بِوَكَالَةِ رَجُلَيْنِ، فَخَرَجَ مَعِيبًا، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْعَاقِدَ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ الْمُوَكِّلَيْنِ إِفْرَادُ نَصِيبِهِ بِالرَّدِّ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى وَمَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ وَخَرَجَ مَعِيبًا، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا إِفْرَادُ نَصِيبِهِ [بِالرَّدِّ] . وَهَلْ لِأَحَدِ الْمُوَكِّلَيْنِ وَالِابْنَيْنِ أَخْذُ

الْأَرْشِ؟ إِنْ وَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ رَدِّ الْآخَرِ بِأَنْ رَضِيَ بِهِ فَنَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ وَكَّلَ رَجُلَانِ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدٍ لَهُمَا، أَوْ وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ صَاحِبَهُ، فَبَاعَ الْكُلَّ، ثُمَّ خَرَجَ مَعِيبًا، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا.
وَعَلَى الْأَوْجُهِ الْأُخَرِ: يَجُوزُ.
وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ، فَبَاعَاهُ لِرَجُلٍ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا.
وَعَلَى الْأَوْجُهِ الْأُخَرِ: لَا يَجُوزُ.
وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلَانِ رَجُلًا فِي شِرَاءِ عَبْدٍ، أَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي شِرَاءِ عَبْدٍ لَهُ وَلِنَفْسِهِ، فَفَعَلَ، وَخَرَجَ الْعَبْدُ مَعِيبًا، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ: لَيْسَ لِأَحَدِ الْمُوَكِّلَيْنِ إِفْرَادُ نَصِيبِهِ بِالرَّدِّ.
وَعَلَى الثَّانِي وَالرَّابِعِ: يَجُوزُ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: إِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّهُ يَشْتَرِي لَهُمَا، فَلِأَحَدِهِمَا رَدُّ نَصِيبِهِ لِرِضَا الْبَائِعِ بِالتَّشْقِيصِ.
وَإِنْ جَهِلَهُ فَلَا.
وَمِنْهَا: لَوْ وَكَّلَ رَجُلَانِ رَجُلًا فِي بَيْعِ عَبْدٍ، وَرَجُلَانِ رَجُلًا فِي شِرَائِهِ، فَتَبَايَعَ الْوَكِيلَانِ، فَخَرَجَ مَعِيبًا، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ.
وَعَلَى الْوُجُوهِ الْأُخَرِ: يَجُوزُ.
وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، وَوَكَّلَ رَجُلٌ آخَرَيْنِ فِي شِرَائِهِ، فَتَبَايَعَ الْوُكَلَاءُ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَجُوزُ التَّفْرِيقُ.
وَعَلَى الْأَوْجُهِ الْأُخَرِ: لَا يَجُوزُ.

بَابُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ

الْخِيَارُ ضَرْبَانِ: خِيَارُ نَقْصٍ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِ شَيْءٍ مَظْنُونِ الْحُصُولِ.
وَخِيَارُ شَهْوَةٍ وَهُوَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِ شَيْءٍ.
فَالْأَوَّلُ لَهُ بَابٌ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا الثَّانِي، فَلَهُ سَبَبَانِ: الْمَجْلِسُ، وَالشَّرْطُ.
وَإِذَا صَحَّحْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ، أَثْبَتْنَا خِيَارَ الرُّؤْيَةِ، فَتَصِيرُ الْأَسْبَابُ ثَلَاثَةً.
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: كَوْنُهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرَا.

فَصْلٌ

فِي بَيَانِ الْعُقُودِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالَّتِي لَا تَثْبُتُ فِيهَا الْعُقُودُ، ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ، إِمَّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، كَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَةِ، وَإِمَّا مِنْ أَحَدِهِمَا، كَالضَّمَانِ، وَالْكِتَابَةِ، فَلَا خِيَارَ فِيهَا، وَكَذَا الرَّهْنُ، لَكِنْ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ وَأَقْبَضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، أَمْكَنَ فَسْخُ الرَّهْنِ، بِأَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ، فَيَنْفَسِخُ الرَّهْنُ تَبَعًا.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْكِتَابَةِ وَالضَّمَانِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْعُقُودُ اللَّازِمَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: وَارِدَةٌ عَلَى الْعَيْنِ، وَوَارِدَةٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ.
فَالْأَوَّلُ: كَالصَّرْفِ، وَبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ، وَالسَّلَمِ، وَالتَّوْلِيَةِ، وَالتَّشْرِيكِ، وَصُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ، فَيَثْبُتُ فِيهَا جَمِيعًا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَتُسْتَثْنَى صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: إِذَا بَاعَ مَالَهُ لِوَلَدِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَفِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: يَثْبُتُ.
فَعَلَى هَذَا، يَثْبُتُ خِيَارٌ لِلْأَبِ، وَخِيَارٌ لِلْوَلَدِ وَالْأَبُ نَائِبُهُ.
فَإِنْ أَلْزَمَ الْبَيْعَ لِنَفْسِهِ وَلِلْوَلَدِ، لَزِمَ.
وَإِنْ أَلْزَمَ لِنَفْسِهِ بَقِيَ الْخِيَارُ لِلْوَلَدِ، إِذَا

فَارَقَ الْمَجْلِسَ، لَزِمَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: لَا يُلْزَمُ إِلَّا بِالْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَارِقَ نَفْسَهُ وَإِنْ فَارَقَ الْمَجْلِسَ.
الثَّانِيَةُ: لَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، كَأَبِيهِ وَابْنِهِ، قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: يُبْنَى ثُبُوتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لِلْبَائِعِ، فَلَهُمَا الْخِيَارُ، وَلَا نَحْكُمُ بِالْعِتْقِ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنُ الْخِيَارِ.
وَإِنْ قُلْنَا: مَوْقُوفٌ، فَلَهُمَا الْخِيَارُ.
وَإِذَا أَمْضَيْنَا الْعَقْدَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ بِالشِّرَاءِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَيَثْبُتُ لِلْبَائِعِ.
وَمَتَى يَعْتِقُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنُ الْخِيَارِ، ثُمَّ نَحْكُمُ يَوْمَئِذٍ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ.
وَالثَّانِي: نَحْكُمُ بِعِتْقِهِ حِينَ الشِّرَاءِ.
وَعَلَى هَذَا، هَلْ يَنْقَطِعُ خِيَارُ الْبَائِعِ؟ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي مَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ الْأَجْنَبِيَّ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ.
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَحْكُمَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، وَأَنْ لَا يَعْتِقَ الْعَبْدُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَا إِلَّا بِأَصْلِ الْعَقْدِ.
هَذِهِ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْمَذْهَبُ، أَنَّهُ لَا خِيَارَ.
وَقَالَ الْأَوْدَنِيُّ: يَثْبُتُ، وَتَابَعَ الْغَزَالِيَّ إِمَامَهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ عَنِ الْأَصْحَابِ.
الثَّالِثَةُ: الصَّحِيحُ: أَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ جَائِزٌ.
وَفِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَسَنٍ الْعَبَّادِيُّ، وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِ ثُبُوتِهِ، وَقَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ.
الرَّابِعَةُ: فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي شِرَاءِ الْجَمْدِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ.
الْخَامِسَةُ: إِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ، وَلَمْ نُثَبِتْ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مَعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَهَذَا الْبَيْعُ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِثْنَاءِ.

السَّادِسَةُ: إِنْ بَاعَ بِشَرْطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ سَنَذْكُرُهَا قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَحَدُهَا: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الصُّورَةُ مُسْتَثْنَاةً، هَذَا حُكْمُ الْمَبِيعِ بِأَنْوَاعِهِ.
وَلَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي صُلْحِ الْحَطِيطَةِ، وَلَا فِي الْإِبْرَاءِ، وَلَا فِي الْإِقَالَةِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا فَسْخٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا بَيْعٌ، فَفِيهَا الْخِيَارُ.
وَلَا يَثْبُتُ فِي الْحَوَالَةِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ مُعَاوَضَةً، وَإِنْ قُلْنَا: مُعَاوَضَةٌ، فَكَذَا أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَلَا يَثْبُتُ فِي الشُّفْعَةِ لِلْمُشْتَرِي، وَفِي ثُبُوتِهِ لِلشَّفِيعِ وَجْهَانِ.
فَإِنْ أَثْبَتْنَاهُ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ مَعَ تَفْرِيعِنَا عَلَى قَوْلِ الْفَوْرِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا غَلَطٌ، بَلِ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ.
ثُمَّ لَهُ الْخِيَارُ فِي نَقْضِ الْمِلْكِ وَرَدِّهِ.
وَمَنِ اخْتَارَ عَيْنَ مَالِهِ لِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَهُ الْخِيَارُ، مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ.
وَلَا خِيَارَ فِي الْوَقْفِ كَالْعِتْقِ، وَلَا فِي الْهِبَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوَابًا.
فَإِنْ كَانَ ثَوَابًا مَشْرُوطًا، أَوْ قُلْنَا: يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ، فَلَا خِيَارَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْعًا، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ.
وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْقِسْمَةِ، إِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ، وَإِلَّا فَإِنْ جَرَتْ بِالْإِجْبَارِ فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ جَرَتْ بِالتَّرَاضِي فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا إِقْرَارٌ فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ فَكَذَا عَلَى الْأَصَحِّ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْعَقْدُ الْوَارِدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، فَمِنْهُ: النِّكَاحُ وَلَا خِيَارَ فِيهِ، وَلَا خِيَارَ فِي الصَّدَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ أَثْبَتْنَاهُ فَفَسَخَتْ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ثُبُوتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي عِوَضِ الْخُلْعِ، وَلَا تَنْدَفِعُ الْفُرْقَةُ بِحَالٍ.
وَمِنْهُ: الْإِجَارَةُ، وَفِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهَا، وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ «الْمُهَذَّبِ» وَشَيْخِهِ الْكَرْخِيِّ: يَثْبُتُ، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَصَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَصَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» وَالْأَكْثَرِينَ: لَا يَثْبُتُ،

وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ خَيْرَانَ.
قَالَ الْقَفَّالُ فِي طَائِفَةٍ: الْخِلَافُ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ.
أَمَّا الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَيَثْبُتُ فِيهَا قَطْعًا كَالسَّلَمِ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ، فَفِي ابْتِدَاءِ مُدَّتِهَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: مِنْ وَقْتِ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ بِالتَّفَرُّقِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ الْمُؤَجِّرُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ لِغَيْرِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، قَالَ الْإِمَامُ: لَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ فِيمَا أَظُنُّ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فِي الْقِيَاسِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا تُحْسَبُ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ.
فَعَلَى هَذَا عَلَى مَنْ تُحْسَبُ مُدَّةُ الْخِيَارِ؟ إِنْ كَانَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَهِيَ مَحْسُوبَةٌ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَهُ فَوَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فِي زَمَنِ الْخِيَارِ مِنْ ضَمَانِ مَنْ يَكُونُ؟ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَعَلَى هَذَا، يُحْسَبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَيْهِ تَمَامُ الْأُجْرَةِ.
وَالثَّانِي: مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ.
فَعَلَى هَذَا يُحْسَبُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، وَيَحُطُّ مِنَ الْأُجْرَةِ قَدْرَ مَا يُقَابِلُ تِلْكَ الْمُدَّةَ.
وَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ، فَفِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهَا طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى الْخِلَافِ فِي الْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، لِعِظَمِ الْغَرَرِ فِيهَا، فَلَا يُضَمُّ إِلَيْهِ غَرَرُ الْخِيَارِ.
وَالْمُسَابَقَةُ، كَالْإِجَارَةِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا لَازِمَةٌ، وَكَالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ إِنْ قُلْنَا: جَائِزَةٌ.
فَرْعٌ لَوْ تَبَايَعَا بِشَرْطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَحِيحٌ وَلَا خِيَارَ، وَالثَّالِثُ: صَحِيحٌ، وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ وَلَوْ شَرَطَ نَفْيَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ عَلَى قَوْلِ صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ.
وَطَرَّدَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِيهِ الْخِلَافَ.
وَهَذَا الْخِلَافُ يُشْبِهُ الْخِلَافَ فِي شَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ مَا إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ بَاعَهُ بِشَرْطِ نَفْيِ الْخِيَارِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْبَيْعُ

بَاطِلٌ أَوْ صَحِيحٌ وَلَا خِيَارَ لَمْ يَعْتِقْ.
وَإِنْ قُلْنَا: صَحِيحٌ وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ، عَتَقَ ; لِأَنَّ عِتْقَ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ نَافِذٌ.

فَصْلٌ

فِيمَا يَنْقَطِعُ بِهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ ثَبَتَ فِيهِ هَذَا الْخِيَارُ، فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ بِالتَّخَايُرِ، وَيَنْقَطِعُ أَيْضًا بِأَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
أَمَّا التَّخَايُرُ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَا: تَخَايَرْنَا، أَوِ اخْتَرْنَا إِمْضَاءَ الْعَقْدِ، أَوْ أَمْضَيْنَاهُ، أَوْ أَجَزْنَاهُ، أَوْ أُلْزِمْنَاهُ، وَمَا أَشْبَهَهَا.
فَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: اخْتَرْتُ إِمْضَاءَهُ، انْقَطَعَ خِيَارُهُ، وَبَقِيَ خِيَارُ الْآخَرِ، كَمَا إِذَا أَسْقَطَ أَحَدُهُمَا خِيَارَ الشَّرْطِ.
وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا يَبْقَى خِيَارٌ لِلْآخَرِ ; لِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَتَبَعَّضُ ثُبُوتُهُ، فَلَا يَتَبَعَّضُ سُقُوطُهُ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ، أَوْ: خَيَّرْتُكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: اخْتَرْتُ، انْقَطَعَ خِيَارُهُمَا.
وَإِنْ سَكَتَ لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُهُ، وَيَنْقَطِعْ خِيَارُ الْقَائِلِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الرِّضَا.
وَلَوْ أَجَازَ وَاحِدٌ، وَفَسَخَ الْآخَرُ، قُدِّمَ الْفَسْخُ.
وَلَوْ تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ، وَتَبَايَعَا الْعِوَضَيْنِ بَيْعًا ثَانِيًا، صَحَّ الْبَيْعُ الثَّانِي أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِلُزُومِ الْأَوَّلِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ، هَلْ يَمْنَعُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ؟ إِنْ قُلْنَا: يَمْنَعُ لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ تَقَابَضَا فِي الصَّرْفِ ثُمَّ أَجَازَا فِي الْمَجْلِسِ، لَزِمَ الْعَقْدُ.
فَإِنْ أَجَازَاهُ قَبْلَ التَّقَابُضِ فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تُلْغَى الْإِجَازَةُ، فَيَبْقَى الْخِيَارُ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُ الْعَقْدُ وَعَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ.
فَإِنَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَلَا يَأْثَمَانِ إِنْ تَفَرَّقَا عَنْ تَرَاضٍ.
وَإِنِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْمُفَارَقَةِ أَثِمَ.
وَأَمَّا التَّفَرُّقُ، فَأَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، فَلَوْ أَقَامَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مُدَّةً مُتَطَاوِلَةً، أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيَا مَرَاحِلَ،

فَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَوَجْهٌ: أَنَّهُمَا لَوْ شَرَعَا فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَأَعْرَضَا عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقْدِ، وَطَالَ الْفَصْلُ، انْقَطَعَ الْخِيَارُ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي التَّفَرُّقِ إِلَى الْعَادَةِ.
فَمَا عَدَّهُ النَّاسُ تَفَرُّقًا، لَزِمَ بِهِ الْعَقْدُ.
فَلَوْ كَانَا فِي دَارٍ صَغِيرَةٍ، فَالتَّفَرُّقُ أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا، أَوْ يَصْعَدَ السَّطْحَ.
وَكَذَا لَوْ كَانَا فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ، أَوْ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ.
فَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ كَبِيرَةً، حَصَلَ التَّفَرُّقُ بِأَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الصَّحْنِ، أَوْ مِنَ الصَّحْنِ إِلَى بَيْتٍ أَوْ صُفَّةٍ.
وَإِنْ كَانَا فِي صَحْرَاءٍ أَوْ فِي سُوقٍ، فَإِذَا وَلَّى أَحَدُهُمَا ظَهْرَهُ وَمَشَى قَلِيلًا، حَصَلَ التَّفَرُّقُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ صَاحِبِهِ بِحَيْثُ لَوْ كَلَّمَهُ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ، لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ.
وَلَا يَحْصُلُ التَّفَرُّقُ بِأَنْ يُرْخَى سِتْرٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُشَقَّ نَهْرٌ.
وَلَا يَحْصُلُ بِبِنَاءِ جِدَارٍ بَيْنَهُمَا مِنْ طِينٍ أَوْ جِصٍّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَصَحْنُ الدَّارِ وَالْبَيْتِ [الْوَاحِدِ] إِذَا تَفَاحَشَ اتِّسَاعُهُمَا كَالصَّحْرَاءِ.
فَرْعٌ لَوْ تَنَادَيَا مُتَبَاعِدَيْنِ وَتَبَايَعَا صَحَّ الْبَيْعُ.
قَالَ الْإِمَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا خِيَارَ لَهُمَا ; لِأَنَّ التَّفَرُّقَ الطَّارِئَ يَقْطَعُ الْخِيَارَ، فَالْمُقَارِنُ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَثْبُتُ مَا دَامَا فِي مَوْضِعِهِمَا، وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» . ثُمَّ إِذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَهُ، بَطَلَ خِيَارُهُ.
وَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُ الْآخَرِ أَمْ يَدُومُ إِلَى أَنْ يُفَارِقَ مَكَانَهُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ، وَأَنَّهُ مَتَى فَارَقَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَهُ، بَطَلَ خِيَارُ الْآخَرِ.
وَلَوْ تَبَايَعَا وَهُمَا فِي بَيْتَيْنِ مِنْ دَارٍ أَوْ صَحْنٍ وَصُفَّةٍ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا كَالْمُتَبَاعِدَيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَأَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ حَتَّى يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَجْلِسِ، نَصَّ أَنِ الْخِيَارَ لِوَارِثِهِ، وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ: إِذَا بَاعَ وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ وَجَبَ الْبَيْعُ.
وَلِلْأَصْحَابِ ثَلَاثُ طُرُقٍ أَصَحُّهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ وَالسَّيِّدِ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْعَيْبِ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الْمُفَارَقَةِ بِالْبَدَنِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: يَثْبُتُ لَهُمَا قَطْعًا.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُكَاتَبِ: وَجَبَ الْبَيْعُ مَعْنَاهُ: لَا يَبْطُلُ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ.
وَالثَّالِثُ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ.
وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ: أَنَّهُ لَا يُورَثُ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَلَوْ بَاعَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ أَوِ اشْتَرَى، وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ فَكَالْمُكَاتَبِ.
وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إِذَا مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ، هَلْ لِلْمُوَكِّلِ الْخِيَارُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ كَالْمُكَاتَبِ.
هَذَا إِذَا فَرَّغْنَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَجْلِسِ التَّوْكِيلِ.
وَفِي وَجْهٍ: يُعْتَبَرُ مَجْلِسُ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ، فَقَدِ انْقَطَعَ خِيَارُ الْمَيِّتِ.
وَأَمَّا الْحَيُّ فَفِي «التَّهْذِيبِ» : أَنَّ خِيَارَهُ لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: يَلْزَمُ الْعَقْدُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيرُ خِلَافٍ فِيهِ، لِمَا سَبَقَ أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَتَبَعُّضُ سُقُوطُهُ كَثُبُوتِهِ.
قُلْتُ: قَوْلُ صَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» أَصَحُّ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَمْتَدُّ حَتَّى يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْوَارِثُ.
وَرَابِعٌ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ.
فَإِذَا بَلَغَ الْخَبَرُ الْوَارِثَ، حَدَثَ لِهَذَا الْخِيَارُ مَعَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ، امْتَدَّ الْخِيَارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَاقِدِ الْآخَرِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرَا.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَيْهِ.
وَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، أَمْ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ

إِلَيْهِ؟ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ إِذَا وَرِثَهُ الْوَارِثُ وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَفِي وَجْهٍ: يَمْتَدُّ كَمَا كَانَ يَمْتَدُّ لِلْمَيِّتِ لَوْ بَقِيَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهِ لِلْعَاقِدِ الْبَاقِي.
أَحَدُهُمَا: لَهُ الْخِيَارُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خِيَارُ الْوَارِثِ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي يُشَاهِدُ فِيهِ الْمَبِيعَ.
وَالثَّانِي: يَتَأَخَّرُ خِيَارُهُ إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْوَارِثُ فِي مَجْلِسٍ، فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ.
قُلْتُ: حَاصِلُ الْخِلَافِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْوَارِثِ الْغَائِبِ، أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
مِنْهَا ثَلَاثَةٌ جَمَعَهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
أَصَحُّهَا: يَمْتَدُّ الْخِيَارُ حَتَّى يُفَارِقَ مَجْلِسَ الْخَبَرِ.
وَالثَّانِي: حَتَّى يَجْتَمِعَا.
وَالثَّالِثُ: عَلَى الْفَوْرِ.
وَالرَّابِعُ: يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إِذَا أَبْصَرَ الْمَبِيعَ، وَلَا يَتَأَخَّرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ إِذَا وَرِثَهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَكَانُوا حُضُورًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِلَى أَنْ يُفَارِقُوا الْعَاقِدَ الْآخَرَ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِمُفَارَقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ كَانُوا غَائِبَيْنِ عَنِ الْمَجْلِسِ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : إِنْ قُلْنَا فِي الْوَارِثِ الْوَاحِدِ: يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِ مُشَاهَدَةِ الْمَبِيعِ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الْخِيَارُ إِذَا اجْتَمَعَ هُوَ وَالْعَاقِدُ، فَكَذَا لَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا اجْتَمَعُوا بِهِ.
وَمَتَى فَسَخَ بَعْضُهُمْ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ فَفِي وَجْهٍ: لَا يَنْفَسِخُ فِي شَيْءٍ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْفَسِخُ فِي الْجَمِيعِ، كَالْمُوَرِّثِ إِذَا فَسَخَ فِي حَيَاتِهِ فِي الْبَعْضِ وَأَجَازَ فِي الْبَعْضِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ فَسَخَ بَعْضُهُمْ فِي نَصِيبِهِ فَقَطْ، أَوْ فِي الْجَمِيعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ

فَرْعٌ إِذَا حُمِلَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَأُخْرِجَ مِنَ الْمَجْلِسِ مُكْرَهًا، فَإِنْ مُنِعَ الْفَسْخَ بِأَنْ سُدَّ فَمُهُ، لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي الْمَوْتِ، وَهُنَا أَوْلَى بِبَقَائِهِ ; لِأَنَّ إِبْطَالَ حَقِّهِ قَهْرًا بَعِيدٌ.
وَإِنْ لَمْ يُمْنَعِ الْفَسْخَ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَنْقَطِعُ.
وَأَصَحُّهُمَا: عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ، انْقَطَعَ أَيْضًا خِيَارُ الْمَاكِثِ، وَإِلَّا فَلَهُ التَّصَرُّفُ بِالْفَسْخِ وَالْإِجَارَةِ إِذَا تَمَكَّنَ.
وَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَقَيَّدُ بِالْفَوْرِ، وَكَانَ مُسْتَقِرًّا حِينَ زَايَلَهُ الْإِكْرَاهُ فِي الْمَجْلِسِ، امْتَدَّ الْخِيَارُ امْتِدَادَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
وَإِنْ كَانَ مَارًّا، فَإِذَا فَارَقَ فِي مُرُورِهِ مَكَانَ التَّمَكُّنِ انْقَطَعَ خِيَارُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الِانْقِلَابُ إِلَى مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِيَجْتَمِعَ بِالْعَاقِدِ الْآخَرِ إِنْ طَالَ الزَّمَانُ.
وَإِنْ قَصَرَ فَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.
وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُ الْمُخْرَجِ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُ الْمَاكِثِ أَيْضًا إِنْ مُنِعَ الْخُرُوجَ مَعَهُ، وَإِلَّا بَطَلَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ ضُرِبَا حَتَّى تَفَرَّقَا بِأَنْفُسِهِمَا، فَفِي انْقِطَاعِ الْخِيَارُ قَوْلَانِ كَحِنْثِ الْمُكْرَهِ.
وَلَوْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ مَعَ التَّمَكُّنِ، بَطَلَ خِيَارُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ بَطَلَ خِيَارُ الْهَارِبِ وَحْدَهُ، قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . قُلْتُ: أَطْلَقَ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا «الْعُدَّةِ» وَ «الْبَيَانِ» وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُمَا بِلَا تَفْصِيلٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنَ الْفَسْخِ بِالْقَوْلِ، وَلِأَنَّ الْهَارِبَ فَارَقَ مُخْتَارًا، بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ، فَإِنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ

لَوْ جُنَّ أَحَدُهُمَا، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، لَمْ يَنْقَطِعِ الْخِيَارُ، بَلْ يَقُومُ وَلَيُّهُ أَوِ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ، فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْحَظُّ مِنَ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ.
وَفِي وَجْهٍ مُخَرَّجٍ مِنَ الْمَوْتِ: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ.
وَلَوْ خَرَسَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ أَوْ كِتَابَةٌ، فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ، وَإِلَّا نَصَّبَ الْحَاكِمُ نَائِبًا عَنْهُ.
فَرْعٌ لَوْ جَاءَ الْمُتَعَاقِدَانِ مَعًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: تَفَرَّقَنَا بَعْدَ الْبَيْعِ، فَلَزِمَ، وَأَنْكَرَ الثَّانِي التَّفَرُّقَ، وَأَرَادَ الْفَسْخَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي مَعَ يَمِينِهِ، لِلْأَصْلِ.
وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى التَّفَرُّقِ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: فَسَخْتُ قَبْلَهُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَى الثَّانِي: قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَصَرُّفِهِ.
وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّفَرُّقِ، وَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَدَعْوَاهُ الْفَسْخَ فَسْخٌ.
السَّبَبُ الثَّانِي لِلْخِيَارِ: الشَّرْطُ.
يَصِحُّ خِيَارُ الشَّرْطِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّ زَادَ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَيَجُوزُ دُونَ الثَّلَاثَةِ.
فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ أَوْ يَصِحُّ وَيُبَاعُ عِنْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْفَسَادِ، وَيُقَامُ ثَمَنُهُ مَقَامَهُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ «الْبَيَانِ» . قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مُتَّصِلَةً بِالْعَقْدِ.
فَلَوْ شَرَطَا خِيَارَ ثَلَاثَةٍ فَمَا دُونَهَا مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، أَوْ مَتَى شَاءَا، أَوْ شَرَطَا خِيَارَ الْغَدِ دُونَ الْيَوْمِ، بَطَلَ الْبَيْعُ.

وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ مُطْلَقًا، وَلَا تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ.
فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَوْ شَرَطَا الْخِيَارَ إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْغَدِ جَازَ.
وَلَوْ قَالَا: إِلَى طُلُوعِهَا، قَالَ الزُّبِيرِيُّ: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ السَّمَاءَ قَدْ تَغِيمُ فَلَا تَطْلُع، وَهَذَا بَعِيدٌ، فَإِنَّ التَّغَيُّمَ إِنَّمَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِشْرَاقِ وَاتِّصَالِ الشُّعَاعِ، لَا مِنَ الطُّلُوعِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: إِلَى الْغُرُوبِ، وَإِلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: خِلَافُ قَوْلِ الزُّبِيرِيِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَبَايَعَا نَهَارًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ إِلَى اللَّيْلِ، أَوْ عَكْسِهِ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِأَلْفٍ إِلَى رَمَضَانَ، لَا يَدْخُلُ رَمَضَانُ فِي الْأَجَلِ.
فَرْعٌ لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ، كَمَا لَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ.
وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، فَفِيهِ قَوْلَا الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الْحُكْمِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ فِي أَحَدِهِمَا خِيَارَ يَوْمٍ وَفِي الْآخَرِ يَوْمَيْنِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا الْبَيْعَ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِيمَا شَرَطَ كَمَا شَرَطَ.
وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِمَا، ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ فِي أَحَدِهِمَا، فَعَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَلَوِ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا مِنْ وَاحِدٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَلِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ فِي نَصِيبِهِ، كَمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَلَوْ شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا الْخِيَارُ دُونَ الْآخَرِ، صَحَّ الْبَيْعُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
فَرْعٌ لَوِ اشْتَرَى بِشَرْطِ أَنَّهُ [إِنْ] لَمْ يُنْقِدْهُ الثَّمَنَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا،

أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنْ رَدَّ الثَّمَنَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا بَيْعَ بَيْنِهِمَا، بَطَلَ الْبَيْعُ، كَمَا لَوْ تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ الْيَوْمَ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَالْمَذْكُورُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي.
وَفِي الثَّانِيَةِ: شَرْطٌ لِلْبَائِعِ.
فَرْعٌ قَدِ اشْتُهِرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا خِلَابَةَ، عِبَارَةٌ عَنِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
فَإِذَا أَطْلَقَاهَا عَالِمَيْنِ بِمَعْنَاهَا، كَانَ كَالتَّصْرِيحِ بِالِاشْتِرَاطِ.
وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ لَمْ يَثْبُتِ الْخِيَارُ.
فَإِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ إِذَا شَرَطَا الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَسْقَطَا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ، سَقَطَ الْكُلُّ.
فَرْعٌ إِذَا تَبَايَعَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةً فَمَا دُونَهَا، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ أَمْ مِنْ وَقْتِ التَّفَرُّقِ، أَوِ التَّخَايُرُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْأَجَلِ، فَإِنْ جَعَلْنَا الْخِيَارَ مِنَ الْعَقْدِ، فَالْأَجَلُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
فَإِذَا قُلْنَا: ابْتِدَاءُ الْخِيَارِ مِنَ الْعَقْدِ، فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَهُمَا مُصْطَحِبَانِ بَعْدُ، انْقَطَعَ خِيَارُ الشَّرْطِ وَبَقِيَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ.
وَإِنْ تَفَرَّقَا وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ، فَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ.
وَلَوْ أَسْقَطَا

أَحَدَ الْخِيَارَيْنِ، لَمْ يَسْقُطِ الْآخَرُ.
وَلَوْ قَالَا: أَلْزَمْنَا الْعَقْدَ، أَوْ أَسْقَطْنَا الْخِيَارَ مُطْلَقًا، سَقَطَا.
وَلَوْ شَرَطَا الِابْتِدَاءَ مِنْ وَقْتِ التَّفَرُّقِ، بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِي وَجْهٍ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ.
وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: ابْتِدَاءُ الْخِيَارِ مِنَ التَّفَرُّقِ، فَإِذَا تَفَرَّقَا انْقَطَعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَاسْتُؤْنِفَ خِيَارُ الشَّرْطِ.
وَلَوْ أَسْقَطَا الْخِيَارَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، بَطَلَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَيَبْطُلُ الْآخَرُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ.
وَلَوْ شَرَطَا ابْتِدَاءَهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ.
وَلَوْ شَرَطَا الْخِيَارَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَقُلْنَا بِثُبُوتِهِ، فَالْحُكْمُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَا يَخْتَلِفُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُحْسَبُ مِنْ وَقْتِ الشَّرْطِ، لَا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ، وَلَا مِنَ التَّفَرُّقِ.
فَرْعٌ مَنْ لَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ لَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ حَضَرَ صَاحِبُهُ أَوْ غَابَ، وَلَا يَفْتَقِرُ نُفُوذُ هَذَا الْفَسْخِ إِلَى الْحَاكِمِ.

فَصْلٌ

فِيمَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ مِنَ الْعُقُودِ وَمَا لَا يَثْبُتُ وَالْقَوْلُ الْجُمَلِيُّ فِيهِ: أَنَّهُ مَعَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ يَتَلَازَمَانِ فِي الْأَغْلَبِ، لَكِنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ أَسْرَعُ وَأَوْلَى ثُبُوتًا مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ، فَرُبَّمَا انْفَكَّا لِذَلِكَ، فَإِذَا أَرَدْتَ التَّفْصِيلَ فَرَاجِعْ مَا سَبَقَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ.
وَاعْلَمْ بِأَنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي صُورَةِ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ، إِلَّا أَنَّ الْبُيُوعَ الَّتِي يُشْتَرَطُ

فِيهَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، كَالصَّرْفِ وَبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ، أَوِ الْقَبْضِ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، كَالسَّلَمِ - لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهَا وَإِنْ ثَبَتَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَإِلَّا أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ فِي الشُّفْعَةِ بِلَا خِلَافٍ.
وَكَذَا فِي الْحَوَالَةِ عَلَى مَا حَكَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَإِلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْغَرِيبَ الْمَذْكُورَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْبَائِعِ لِمُفْلِسٍ، لَمْ يُطَرِّدُوهُ هُنَا، وَإِلَّا أَنَّ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ طَرِيقَةً قَاطِعَةً تَنْفِي خِيَارَ الشَّرْطِ، وَإِلَّا أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ أَيْضًا طَرِيقَةً مِثْلَ ذَلِكَ.
وَحُكْمُ شَرْطِ الْخِيَارِ فِي الصَّدَاقِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ.

فَصْلٌ

يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْعَاقِدَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُشْرَطَ لِأَحَدِهِمَا يَوْمٌ، وَلِلْآخَرِ يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ.
فَإِنْ شَرَطَهُ لِغَيْرِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْغَيْرُ أَجْنَبِيًّا، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَفْسُدُ الْبَيْعُ.
وَأَظْهَرُهُمَا: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْعَبْدِ.
وَلَا فَرْقَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَشْرُطَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَشْرُطَ هَذَا الْخِيَارَ لِوَاحِدٍ وَهَذَا لِآخَرَ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلشَّارِطِ أَيْضًا قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ.
أَظْهَرُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الصَّرْفِ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ، اقْتِصَارًا عَلَى الشَّرْطِ.
فَإِذَا لَمْ نُثْبِتِ الْخِيَارَ لِلْعَاقِدِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، فَمَاتَ الْأَجْنَبِيُّ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، ثَبَتَ لَهُ الْآنَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْعَاقِدِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْفَسْخِ.
وَلَوْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا وَأَجَازَ الْآخَرُ، فَالْفَسْخُ أَوْلَى.
وَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ يُؤَامِرَ فُلَانًا، فَيَأْتِيَ بِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنَ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ، فَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ حَتَّى يَقُولَ: اسْتَأْمَرْتُهُ، فَأَمَرَنِي بِالْفَسْخِ.

وَتَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِمَاذَا شَرَطَ أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْمَرْتُهُ؟ قَالَ الَّذِينَ خَصُّوا الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ لِلْأَجْنَبِيِّ بِهِ: هَذَا جَوَابٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي قُلْنَاهُ وَمُؤَيِّدٌ لَهُ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّهُ مَذْكُورٌ احْتِيَاطًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي التَّصْوِيرِ شَرْطَ الْمُؤَامَرَةِ، فَهَلْ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ؟ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ، وَاللَّفْظُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَيَّدَ الْمُؤَامَرَةَ بِالثَّلَاثِ فَمَا دُونَهَا.
وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ الْإِطْلَاقُ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ، كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُوَكَّلَ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُوَكَّلِ فَقَطْ، وَلِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْمُوَكَّلِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ.
وَطَرَّدَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْوَجْهَيْنِ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ أَيْضًا.
وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا لِلْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ شَرْطُهُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ خَالَفَ بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَإِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، وَجَوَّزْنَاهُ، أَوْ أَذِنَ فِيهِ صَرِيحًا، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، وَلَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمُوَكَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَشْرُوطِ لَهُ الْخِيَارُ، لَا يَلْزَمُهُ رِعَايَةُ الْحَظِّ، هَكَذَا ذَكَرُوهُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَجْعَلَ شَرْطَ الْخِيَارِ لَهُ ائْتِمَانًا، وَهَذَا أَظْهَرُ إِذَا جَعَلْنَاهُ نَائِبًا عَنِ الْعَاقِدِ.
ثُمَّ هَلْ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ الْخِيَارُ مَعَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا إِذَا شَرَطَ لِلْأَجْنَبِيِّ، هَلْ يَثْبُتُ لِلْعَاقِدِ؟ وَحَكَى الْإِمَامُ فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ الْوَكِيلُ شَرْطَ الْخِيَارِ بِالْإِذْنِ الْمُطْلَقِ مِنَ الْمُوَكِّلِ، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ أَوْ لِلْمُوَكَّلِ أَمْ لَهُمَا؟ قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لِلْوَكِيلِ.
وَلَوْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فَحَجَرَ عَلَى الْوَكِيلِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَمَنَعَهُ الْفَسْخَ وَالْإِجَازَةَ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ كَلَامًا مَعْنَاهُ: أَنَّ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الِامْتِثَالُ، وَيَنْقَطِعُ خِيَارُ الْوَكِيلِ، قَالَ: وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ رُجُوعُ الْخِيَارِ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَمْتَثِلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ السَّبَبِ السَّابِقِ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَلَكِنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ شَأْنَ الْوَكَالَةِ الَّتِي مُقْتَضَاهَا امْتِثَالُ قَوْلِ الْمُوَكِّلِ، وَهَذَا الثَّانِي أَرْجَحُ، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْغَزَالِيِّ

فِي «الْبَسِيطِ» «وَالْوَسِيطِ» . وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ مُوهِمَةً إِثْبَاتَ خِلَافٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

مِلْكُ الْمَبِيعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِمَنْ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا، لِلْمُشْتَرِي، وَالْمِلْكُ فِي الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ.
وَالثَّانِي: لِلْبَائِعِ، وَالْمِلْكُ فِي الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي.
وَالثَّالِثُ: مَوْقُوفٌ.
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، بَانَ حُصُولُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْبَيْعِ، وَإِلَّا بَانَ أَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ لَمْ يَزَلْ.
وَكَذَا يُتَوَقَّفُ فِي الثَّمَنِ.
وَفِي مَوْضِعِ الْأَقْوَالِ طُرُقٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّهَا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، إِمَّا بِالشَّرْطِ، وَإِمَّا بِالْمَجْلِسِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا، فَهُوَ مَالِكُ الْمَبِيعِ، لِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَالْمِلْكُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي، فَلَهُ.
وَإِنْ كَانَ لَهُمَا، فَمَوْقُوفٌ.
وَتُنَزَّلُ الْأَقْوَالُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ.
وَالثَّالِثُ: طَرْدُ الْأَقْوَالِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالْحَلِيمِيُّ.
وَأَمَّا الْأَظْهَرُ مِنَ الْأَقْوَالِ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ: الْأَظْهَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ.
وَقَالَ آخَرُونَ، الْأَظْهَرُ: الْوَقْفُ، وَبِهِ قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» ، وَالْأَشْبَهُ: تَوَسُّطٌ.
ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَالْأَظْهَرُ: بَقَاءُ الْمِلْكِ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي، فَالْأَظْهَرُ: انْتِقَالُهُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُمَا، فَالْأَظْهَرُ: الْوَقْفُ.
التَّفْرِيعُ.
لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ.
مِنْهَا: مَا يُذْكَرُ فِي أَبْوَابِهِ.

وَمِنْهَا: مَا يُذْكَرُ هُنَا.
فَمِنْ ذَلِكَ كَسْبُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الْمَبِيعَيْنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ أَوْ مَوْقُوفٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْبَائِعِ، فَوَجْهَانِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: الْكَسْبُ لِلْبَائِعِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ عِنْدَ حُصُولِهِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: لِلْمُشْتَرِي.
وَإِنْ فَسَخَ الْبَيْعَ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ، أَوْ مَوْقُوفٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لِلْمُشْتَرِي.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لِلْبَائِعِ.
وَفِي مَعْنَى الْكَسْبِ: اللَّبَنُ، وَالثَّمَرَةُ، وَالْبَيْضُ، وَمَهْرُ الْجَارِيَةِ إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ.
وَمِنْهُ النِّتَاجُ، فَإِنْ فُرِضَ حُدُوثُ الْوَلَدِ وَانْفِصَالُهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِامْتِدَادِ الْمَجْلِسِ، فَهُوَ كَالْكَسْبِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ أَوِ الْبَهِيمَةُ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ، وَوَلَدَتْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، كَأَعْضَائِهَا.
فَعَلَى هَذَا هُوَ كَالْكَسْبِ بِلَا فَرْقٍ.
وَأَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ بِيعَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ مَعَ الْأُمِّ.
فَعَلَى هَذَا، الْحَمْلُ مَعَ الْأُمِّ كَعَيْنَيْنِ بِيعَتَا مَعًا.
فَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ فَهُمَا لِلْبَائِعِ، وَإِلَّا فَلِلْمُشْتَرِي.
وَمِنْهُ الْعِتْقُ، فَإِذَا أَعْتَقَ الْبَائِعُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ، نَفَذَ إِعْتَاقُهُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، لَمْ يَنْفُذْ إِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَكَذَا إِنْ تَمَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ قُلْنَا: مَوْقُوفٌ، فَالْعِتْقُ أَيْضًا مَوْقُوفٌ، فَإِنْ تَمَّ الْعَقْدُ، بَانَ نُفُوذُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، فَفِي الْعِتْقِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ: لَا يَنْفُذُ، صِيَانَةً لِحَقِّ الْبَائِعِ عَنِ الْإِبْطَالِ.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ يَنْفُذُ، لِمُصَادَفَتِهِ الْمِلْكَ.
ثُمَّ قِيلَ بِالنُّفُوذِ عَنْهُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا، فَيَنْفُذُ، أَوْ مُعْسِرًا، فَلَا يَنْفُذُ، كَالْمَرْهُونِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفُذُ، فَاخْتَارَ الْبَائِعُ الْإِجَارَةَ، فَفِي الْحُكْمِ بِنُفُوذِهِ الْآنَ وَجْهَانِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَنْفُذُ، فَمِنْ

وَقْتِ الْإِجَازَةِ أَمِ الْإِعْتَاقِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَإِنْ قُلْنَا بِوَجْهِ ابْنِ سُرَيْجٍ، فَفِي بُطْلَانِ خِيَارِ الْبَائِعِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الثَّمَنُ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَبْطُلُ، لَكِنْ لَا يُرَدُّ الْعِتْقُ، بَلْ إِذَا فَسَخَ أُخِذَ مِنْهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ، كَنَظِيرِهِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي، فَيُنَفَذُ إِعْتَاقُهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا مُصَادِفٌ مِلْكَهُ وَإِمَّا إِجَازَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْغَيْرِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْبَائِعُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، لَمْ يَنْفُذْ، تَمَّ الْبَيْعُ أَمْ فُسِخَ.
وَيَجِيءُ فِيمَا لَوْ فُسِخَ الْوَجْهُ النَّاظِرُ إِلَى الْمَآلِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَقْفِ، لَمْ يَنْفُذْ إِنَّ تَمَّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا نَفَذَ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لِلْبَائِعِ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْفَسْخُ فَهُوَ نَافِذٌ، وَإِلَّا فَقَدْ أَعْتَقَ مِلْكَهُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ، فَهُوَ كَإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ.
وَمِنْهُ: الْوَطْءُ، فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ، فَفِي حِلِّهِ لِلْبَائِعِ طُرُقٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّا إِنْ جَعَلْنَا الْمِلْكَ لَهُ، فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَجْهُ الْحِلِّ: أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْفَسْخَ، وَفِي ذَلِكَ عَوْدُ الْمِلْكِ إِلَيْهِ مَعَهُ أَوْ قُبَيْلَهُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: إِنْ لَمْ نَجْعَلِ الْمِلْكَ لَهُ، فَحَرَامٌ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَجْهُ التَّحْرِيمِ: ضَعْفُ الْمِلْكِ، وَ [الطَّرِيقُ] الثَّالِثُ: الْقَطْعُ بِالْحِلِّ مُطْلَقًا.
وَالْمَذْهَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: الْحِلُّ، إِنْ جَعَلْنَا الْمِلْكَ لَهُ، وَالتَّحْرِيمُ، إِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ لَهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ بِحَالٍ.
وَأَمَّا وَطْءُ الْمُشْتَرِي، فَحَرَامٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ مَلَكَ عَلَى قَوْلٍ، فَمِلْكٌ ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ عَلَى الْأَقْوَالِ، لِوُجُودِ الْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتِهِ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ؟ إِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، فَلَا، إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ مَوْقُوفٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْبَائِعِ، وَجَبَ الْمَهْرُ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَجِبُ، نَظَرًا إِلَى الْمَآلِ.
وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ وَجَبَ الْمَهْرُ لِلْبَائِعِ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ أَوْ مَوْقُوفٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي، فَلَا مَهْرَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَوْلَدَهَا فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ عَلَى الْأَقْوَالِ.
وَهَلْ يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ؟ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، فَلَا.
ثُمَّ إِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، أَوْ مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَفِي ثُبُوتِهِ حِينَئِذٍ قَوْلَانِ، كَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ

غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ مَلَكَهَا.
وَعَلَى وَجْهِ النَّاظِرِ إِلَى الْمَآلِ، إِذَا تَمَّ الْبَيْعُ، نَفَذَ الِاسْتِيلَادُ بِلَا خِلَافٍ.
وَعَلَى قَوْلِ الْوَقْفِ، إِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، بَانَ ثُبُوتُ الِاسْتِيلَادِ، وَإِلَّا فَلَا.
فَلَوْ مَلَكَهَا يَوْمًا عَادَ الْقَوْلَانِ.
وَعَلَى قَوْلِنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، فَفِي ثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْعِتْقِ.
فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَالِ وَتَمَّ الْبَيْعُ، بَانَ ثُبُوتُهُ.
وَرَتَّبَ الْأَئِمَّةُ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِيلَادِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعِتْقِ، فَقِيلَ: الِاسْتِيلَادُ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ.
وَقِيلَ عَكْسُهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالتَّسْوِيَةِ.
وَالْقَوْلُ فِي وُجُوبِ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْمُشْتَرِي كَالْقَوْلِ فِي الْمَهْرِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، فَحُكْمُ حِلِّ الْوَطْءِ كَمَا سَبَقَ فِي حِلِّ الْوَطْءِ فِي طَرَفِ الْبَائِعِ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لَهُ.
وَأَمَّا الْبَائِعُ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ هُنَا.
فَلَوْ وَطِئَ، فَالْقَوْلُ فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ وَثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ وَوُجُوبِ الْقِيمَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي طَرَفِ الْمُشْتَرِي، إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ.
فَرْعٌ إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، انْفَسَخَ أَيْضًا، فَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ، وَيَغَرُمُ لِلْبَائِعِ الْقِيمَةَ.
وَفِي الْقِيمَةِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي كَيْفِيَّةِ غَرَامَةِ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَامِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ مَوْقُوفٌ، فَوَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ أَيْضًا، لِحُصُولِ الْهَلَاكِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَنْفَسِخُ، لِدُخُولِهِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ، وَلَا أَثَرَ لِوِلَايَةِ الْفَسْخِ كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالِانْفِسَاخِ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْقِيمَةُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهُنَا يُقْطَعُ بِاعْتِبَارِ قِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي.
وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ، فَهَلْ يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا يَنْقَطِعُ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ.
وَأَصَحُّهُمَا:

لَا، كَمَا لَا يَمْتَنِعُ التَّحَالُفُ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، وَيُخَالِفُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ ثَمَّ يَنْدَفِعُ بِالْأَرْشِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ وَلَزِمَ الثَّمَنُ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَإِنْ تَمَّ الْعَقْدُ، لَزِمَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا وَجَبَتِ الْقِيمَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَاسْتَرَدَّ الثَّمَنَ.
فَإِنْ تَنَازَعَا فِي تَعْيِينِ الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ.
وَذَكَرُوا تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْفَسِخْ حَتَّى انْقَضَى زَمَنُ الْخِيَارِ، فَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْقِيمَةُ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا تَخْلِيطٌ ظَاهِرٌ.
فَرْعٌ لَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَأَتْلَفُهُ مُتْلِفٌ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ كَالتَّلَفِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي أَوْ مَوْقُوفٌ، نُظِرَ، إِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ، بُنِيَ عَلَى مَا لَوْ تَلَفَ.
إِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ هُنَاكَ، فَهُوَ كَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَكَذَا هُنَا، وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْقِيمَةُ، وَالْخِيَارُ بِحَالِهِ.
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا فَلِلْبَائِعِ.
وَإِنْ أَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي، اسْتَقَرَّ الثَّمَنُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ أَتْلَفَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَجَعَلْنَا إِتْلَافَهُ قَبْضًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلَفَ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ أَتْلَفَهُ الْبَائِعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَفِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ إِتْلَافَهُ كَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، أَمْ كَالتَّلَفِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؟ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَرْعٌ لَوْ تَلَفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بَعْدَ الْقَبْضِ، بِأَنِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَفِي الِانْفِسَاخِ فِي التَّالِفِ الْخِيَارُ السَّابِقُ.
فَإِنِ انْفَسَخَ جَاءَ فِي الِانْفِسَاخِ فِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ، فَفِي خِيَارِهِ فِي الْبَاقِي، إِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ رَدُّ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ إِذَا اشْتَرَاهُمَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَإِلَّا فَفِي بَقَاءِ الْخِيَارِ فِي الْبَاقِي، الْوَجْهَانِ.
وَإِذَا بَقِيَ الْخِيَارُ فِيهِ، فَفَسَخَ، رَدَّهُ مَعَ قِيمَةِ الْهَالِكِ.
فَرْعٌ إِذَا قَبَضَ الْمَبِيعُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَتَلَفَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلَفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.
حَتَّى إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لِلْبَائِعِ، يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ، وَيَغَرُمُ الْقِيمَةَ، حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ.
ثُمَّ أَبْدَى احْتِمَالًا فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ لِحُصُولِ التَّلَفِ بَعْدَ الْعَوْدِ إِلَى يَدِ الْمَالِكِ.
فَرْعٌ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ الثَّمَنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ.
فَلَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بِالتَّسْلِيمِ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، وَلَا يُجْبَرُ الْآخَرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَا عِنْدَهُ، وَلَهُ اسْتِرْدَادُ الْمَدْفُوعِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ، وَلَهُ أَخَذَ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ دُونَ رِضَاهُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

فَرْعٌ لَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ خَاطَبَهَا بِالطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، فَإِنْ تَمَّ الْعَقْدُ وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ مَوْقُوفٌ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْبَائِعِ، وَقَعَ.
وَإِنْ فَسَخَ وَقُلْنَا: لِلْبَائِعِ أَوْ مَوْقُوفٌ، وَقَعَ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي، فَوَجْهَانِ.
وَلَيْسَ لَهُ الْوَطْءُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَطَأُ بِالْمِلْكِ أَوْ بِالزَّوْجِيَّةِ؟ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ.
وَفِي وَجْهٍ: لَهُ الْوَطْءُ.

فَصْلٌ

فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ في البيع في زمن الخيار لَا يَخْفَى مَا يَحْصُلَانِ بِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ، كَقَوْلِ الْبَائِعِ: فَسَخْتُ الْبَيْعَ، أَوِ اسْتَرْجَعْتُ الْمَبِيعَ، أَوْ رَدَدْتُ الثَّمَنَ.
وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: قَوْلُ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ: لَا أَبِيعُ حَتَّى يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ، وَقَوْلُ الْمُشْتَرِي: لَا أَفْعَلُ، فَسْخٌ، وَكَذَا قَوْلُ الْمُشْتَرِي: لَا أَشْتَرِي حَتَّى تُنْقِصَ لِي مِنَ الثَّمَنِ، وَقَوْلُ الْبَائِعِ: لَا أَفْعَلُ، وَكَذَا طَلَبُ الْبَائِعِ حُلُولَ الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَطَلَبُ الْمُشْتَرِي تَأْجِيلَ الثَّمَنِ الْحَالِّ.
فَرْعٌ إِذَا كَانَ لِلْبَائِعِ خِيَارٌ، فَوَطْؤُهُ الْمَبِيعَةَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، فَسْخٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لِإِشْعَارِهِ بِاخْتِيَارِ الْإِمْسَاكِ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَكُونُ فَسْخًا.
وَفِي وَجْهٍ: إِنَّمَا يَكُونُ

فَسَخًا إِذَا نَوَى بِهِ الْفَسْخَ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ، لَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ، لَا يَكُونُ فَسَخًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا الرُّكُوبُ وَالِاسْتِخْدَامُ.
وَقَطَعَ فِي «التَّهْذِيبِ» بِأَنَّ الْجَمِيعَ فَسْخٌ.
فَرْعٌ إِعْتَاقُ الْبَائِعِ إِنْ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، فَسْخٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي بَيْعِهِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ فَسْخٌ.
فَعَلَى هَذَا، فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ الْمَأْتِيِّ بِهِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ، كَالْعِتْقِ.
وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي الْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ، وَكَذَا فِي الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ إِنِ اتَّصَلَ بِهِمَا الْقَبْضُ، وَسَوَاءٌ وَهَبَ لِمَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي هِبَتِهِ، أَوْ يَتَمَكَّنُ، كَوَلَدِهِ.
فَإِنْ تَجَرَّدَ الرَّهْنُ وَالْهِبَةُ عَنِ الْقَبْضِ، فَهُوَ كَالْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ إِذَا عَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَطَأُ الْجَارِيَةَ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ، هَلْ يَكُونُ مُجِيزًا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، كَمَا لَوْ سَكَتَ عَلَى بَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ، وَكَمَا لَوْ سَكَتَ عَلَى وَطْءِ أَمَتِهِ، لَا يَسْقُطُ بِهِ الْمَهْرُ.
وَلَوْ وَطِئَ بِالْإِذْنِ حَصَلَتِ الْإِجَازَةُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُشْتَرِي مَهْرٌ وَلَاً قِيمَةُ وَلَدٍ، وَثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ قَطْعًا.
وَمَا سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْمَاضِي مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْبَائِعُ فِي الْوَطْءِ وَلَا عَلِمَ بِهِ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل