كِتَابُ الْإِجَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- روضة الطالبين وعمدة المفتين
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ / 1991م
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَدُهُمَا: تَنْفَسِخُ، قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَالْمِلْكَ لَا يَجْتَمِعَانِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا تَنْفَسِخُ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، يَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَرْجِعُ.
وَلَوْ فَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيْعَ بِعَيْبٍ، لَمْ يَكُنْ [لَهُ] الْإِمْسَاكُ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ، لِأَنَّهَا قَدِ انْفَسَخَتْ بِالشِّرَاءِ.
وَلَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ غَيْرُ بَاقِيَةٍ عِنْدَ التَّلَفِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي الْأَصَحُّ، وَهُوَ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِالشِّرَاءِ، فَفِي صُورَةِ فَسْخِ الْبَيْعِ بِالْعَيْبِ لَهُ الْإِمْسَاكُ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ، وَلَوْ فَسَخَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ، رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِأُجْرَةِ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ.
وَفِي صُورَةِ التَّلَفِ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِالتَّلَفِ، وَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ، وَتَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْإِجَارَةَ وَالْمِلْكَ هَلْ يَجْتَمِعَانِ؟ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: أَوْصَى لِزَيْدٍ بِرُقْبَةِ دَارٍ، وَلِعَمْرٍو بِمَنْفَعَتِهَا، وَأَجَّرَهَا لِعَمْرٍو، فَفِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ الْوَجْهَانِ.
الثَّانِيَةُ: مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ وَوَارِثُهُ، الْمُؤَجِّرُ فَفِي انْفِسَاخِهَا الْوَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: أَجَّرَ الْمُسْتَأْجِرُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ لِلْمَالِكِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَمَنَعَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، لِاجْتِمَاعِ الْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ.
الرَّابِعَةُ: أَجَّرَ دَارَهُ لِابْنِهِ، وَمَاتَ الْأَبُ فِي الْمُدَّةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ الِابْنِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُسْتَغْرِقَةٌ، بُنِيَ أَوَّلًا عَلَى أَنَّ الْوَارِثَ هَلْ يَمْلِكُ التَّرِكَةَ وَهُنَاكَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، بَقِيَتِ الْإِجَارَةُ بِحَالِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَعَلَى الْأَصَحِّ: لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ: تَنْفَسِخُ، لِأَنَّ الْمِلْكَ طَرَأَ عَلَى الْإِجَارَةِ.
وَادَّعَى الرُّوْيَانِيُّ أَنَّ هَذَا أَصَحُّ.
وَإِذَا انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: الِابْنُ غَرِيمٌ يُضَارِبُ بِأُجْرَةِ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ لِلْغُرَمَاءِ، وَوَافَقَهُ بَعْضُهُمْ، وَخَالَفَهُ الْمُعْتَبِرُونَ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا سَبَقَ عَنْهُ فِي الشِّرَاءِ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ،
وَضَعَّفُوا الْفَرْقَ.
وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ الْمُؤَجِّرُ عَنِ ابْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْمُسْتَأْجِرُ، فَعَلَى الْأَصَحِّ: لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الدَّارِ، وَيَسْكُنُهَا الْمُسْتَأْجِرُ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَرُقْبَتُهَا بَيْنَهُمَا بِالْإِرْثِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي النِّصْفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ الْمُسْتَأْجِرُ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ أُجْرَةِ مَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الِانْفِسَاخِ فِي النِّصْفِ الرُّجُوعِ بِنِصْفِ الْأُجْرَةِ، لَكِنَّهُ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَالتَّرِكَةُ فِي يَدِهِمَا، وَالدَّيْنُ الَّذِي يَلْحَقُهَا يَتَوَزَّعُ، فَيَخُصُّ الرَّاجِعَ الرُّبْعُ، وَيَرْجِعُ بِالرُّبْعِ عَلَى أَخِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمَيِّتُ سِوَى الدَّارِ، بِيعَ مِنْ نَصِيبِ الْأَخِ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرُّجُوعُ، وَهَذَا بِعِيدٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، لِأَنَّ الِابْنَ الْمُسْتَأْجِرَ وَرِثَ نَصِيبَهُ بِمَنَافِعِهِ، وَأَخُوهُ وَرِثَ نَصِيبَهُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ أُجْرَةُ مِثْلِ الدَّارِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مِثْلَيْ ثَمَنِهَا، فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الْأَخِ بِرُبْعِ الْأُجْرَةِ، احْتَاجَ إِلَى بَيْعِ نَصِيبِهِ، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا قَدْ فَازَ بِجَمِيعِ نَصِيبِهِ، وَبَيْعِ نَصِيبِ الْآخَرِ وَحْدَهُ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَوْ لَمْ يُخْلِفْ إِلَّا الِابْنَ الْمُسْتَأْجِرَ، وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الِانْفِسَاخِ، وَلَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ الْكُلَّ لَهُ، سَوَاءٌ [أَخَذَ] بِالْإِرْثِ، أَوْ أَخَذَ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ بِالْإِجَارَةِ وَبَعْدَهَا بِالْإِرْثِ، وَسَوَاءٌ أَخَذَ بِالدَّيْنِ أَمْ بِالْإِرْثِ.
فَرْعٌ
أَجَّرَ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ الْوَقْفَ لِلْبَطْنِ الثَّانِي، وَمَاتَ الْمُؤَجِّرُ فِي الْمُدَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَوْ أَجَّرَ أَجْنَبِيًّا بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّهُ طَرَأَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا أَوْلَى بِارْتِفَاعِ الْإِجَارَةِ.
الْحَالُ الثَّانِي: الْبَيْعُ لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى الْأَظْهَرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ سَوَاءٌ أَذِنَ الْمُسْتَأْجِرُ، أَمْ لَا.
وَإِذَا صَحَّحْنَا، لَمْ تَنْفَسِخِ الْإِجَارَةُ، كَمَا
لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِبَيْعِ الْمُزَوَّجَةِ، وَيُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ إِنْ كَانَ جَاهِلًا.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَلَا فَسْخَ لَهُ، وَلَا أُجْرَةَ لِتِلْكَ الْمُدَّةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ جَاهِلًا وَأَجَازَ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مُدَّةِ بَقَاءِ الزَّرْعِ إِذَا بَاعَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْتَأْجِرُ بِهِ عَيْبًا، وَفَسَخَ الْإِجَارَةَ، أَوْ عَرَضَ مَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ بِمَنْفَعَةٍ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ، لِمَنْ يَكُونُ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لِلْمُشْتَرِي.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: لِلْبَائِعِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَمْلِكْ مَنَافِعَ تِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَبَنَاهُمَا الْمُتَوَلِّي عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ، أَمْ مِنْ حِينِهِ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي وَكَأَنَّ الْإِجَارَةَ لَمْ تَكُنْ.
وَإِنْ قُلْنَا: مِنْ حِينِهِ، فَلِلْبَائِعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ الرَّدِّ مَا يُوجِبُ الْحَقُّ لِلْمُشْتَرِي.
قَالَ: وَلَوْ تَقَايَلَا الْإِجَارَةَ، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ.
وَإِنْ قُلْنَا: فَسَخٌ، فَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهَا تَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ حِينِهَا قَطْعًا.
وَإِذَا حَصَلَ الِانْفِسَاخُ، رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِأُجْرَةِ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ عَلَى الْبَائِعِ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي.
فَرْعٌ
الْقَوْلَانِ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْمُسْتَأْجِرِ يَجْرِيَانِ فِي هِبَتِهِ، وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِهِ قَطْعًا.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ عَيْنًا وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهَا لِنَفْسِهِ سَنَةً أَوْ شَهْرًا، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا يُحْكَى عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْ بَيْعِ الْمُسْتَأْجَرِ.
وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ الْأَوَّلِ
إِحْدَاهَا: قَالَ: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ نَسْجَ ثَوْبٍ صِفَتُهُ كَذَا عَلَى أَنْ تَنْسِجَهُ بِنَفْسِكَ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، لِأَنَّهُ غَرَرٌ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِمَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ الثَّوْبَ وَالْعَبْدَ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالطَّعَامِ وَمَا تَنْبِتُ الْأَرْضُ وَغَيْرُهَا، إِذَا عُيِّنَ أَوْ وُصِفَ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إِلَى بَلَدٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَجَبَ نَقْدُ بَلَدِ الْعَقْدِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً، فَالِاعْتِبَارُ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِمَوْضِعِ إِتْلَافِ الْمَنْفَعَةِ نَقْدًا أَوْ وَزْنًا.
الرَّابِعَةُ: تَجُوزُ إِجَارَةُ الْمُصْحَفِ وَالْكُتُبِ لِمُطَالَعَتِهَا وَالْقِرَاءَةِ مِنْهَا.
الْخَامِسَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ بِرْكَةً لِيَأْخُذَ مِنْهَا السَّمَكَ.
فَلَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْبِسَ فِيهَا الْمَاءَ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا السَّمَكُ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
السَّادِسَةُ: يَصِحُّ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ إِجَارَةُ مَا اسْتَأْجَرَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ، سَوَاءٌ أَجَّرَ بِمِثْلِ مَا اسْتَأْجَرَ، أَمْ بِأَقَلٍّ، أَمْ بِأَكْثَرَ.
وَفِي إِجَارَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَجُوزُ، وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ.
فَعَلَى هَذَا، فِي إِجَارَتِهِ الْمُؤَجِّرَ وَجْهَانِ، كَبَيْعِ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: صِحَّةُ إِجَارَتِهِ لِلْمُؤَجِّرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: الْمُسْتَعِيرُ لَا يَكْرِي.
فَلَوِ اسْتَعَارَ لِيَكْرِيَهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ كَمَا لَوِ اسْتَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ.
الثَّامِنَةُ: أَجَّرَ نَاظِرُ الْمَسْجِدِ حَانُوتَهُ الْخَرَابَ، بِشَرْطِ أَنْ يُعَمِّرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ بِمَالِهِ، وَيَكُونَ مَا أَنْفَقَهُ مَحْسُوبًا مِنْ أُجْرَتِهِ، لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ، لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِجَارَةِ غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِهِ.
التَّاسِعَةُ: لَا تَجُوزُ إِجَارَةُ الْحَمَّامِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ تَعَطُّلِهِ بِسَبَبِ الْعِمَارَةِ وَنَحْوِهَا مَحْسُوبَةً عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ، لَا بِمَعْنَى انْحِصَارِ الْإِجَارَةِ فِي الْمُدَّةِ فِي الْبَاقِي لِأَنَّ الْمُدَّةَ تَصِيرُ مَجْهُولَةً، وَلَا بِمَعْنَى اسْتِيفَاءِ مِثْلِهَا بَعْدَ الْمُدَّةِ لِأَنَّ آخِرَ الْمُدَّةِ يَصِيرُ مَجْهُولًا.
الْعَاشِرَةُ: اسْتَأْجَرَهُ لِيَبِيعَ لَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا، جَازَ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَجِدُ رَاغِبًا، وَلِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ رَغْبَةَ مَالِكِهِ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ مَظْنُونَةٍ، وَلِشِرَاءِ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ يَجُوزُ، وَلِبَيْعِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يَجُوزُ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ أَرَادَ اسْتِئْجَارَهُ لِلْخُرُوجِ إِلَى بَلَدِ السُّلْطَانِ، وَالتَّظَلُّمِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَعَرْضِ حَالِهِ فِي الْمَظَالِمِ، قَالَ الْقَفَّالُ فِي «الْفَتَاوَى» : يَسْتَأْجِرُ مُدَّةَ كَذَا لِيَخْرُجَ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَيَذْكُرَ حَالَهُ فِي الْمَظَالِمِ وَيَسْعَى فِي أَمْرِهِ عِنْدَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَتَصِحَّ الْإِجَارَةُ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَمَلِ جَهَالَةٌ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ يَوْمًا لِيُخَاصِمَ غُرَمَاءَهُ، قَالَ: وَلَوْ بَدَا لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيمَا ضَرَرُهُ مِثْلُ ذَلِكَ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: حَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الْأَرْضِ حَتَّى تُرَى لَا حَائِلَ دُونَهَا مِنْ زَرْعٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ إِجَارَةَ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ لَا تَصِحُّ، تَوْجِيهًا بِأَنَّ الزَّرْعَ يَمْنَعُ رُؤْيَتَهَا، وَفِيهَا مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ تَأَخُّرُ التَّسْلِيمِ وَالِانْتِفَاعِ عَنِ الْعَقْدِ، وَمُشَابَهَتُهُ إِجَارَةَ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا لَوْ أَجَّرَ دَارًا مَشْحُونَةً بِطَعَامٍ وَغَيْرِهِ وَكَانَ التَّفْرِيغُ يَسْتَدْعِي مُدَّةً، وَرَأَيْتُ لِلْأَئِمَةِ فِيمَا جُمِعَ مِنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ جَوَابَيْنِ فِيهِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ التَّفْرِيغُ فِي مُدَّةٍ
لَيْسَ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِلَّا، فَلَا، لِأَنَّهُ إِجَارَةُ مُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَذْهَبُ فِي التَّفْرِيغِ جَمِيعُ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ كَانَ يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ، صَحَّ وَلَزِمَ قِسْطُهُ مِنَ الْأُجْرَةِ إِذَا وُجِدَ فِيهِ التَّسْلِيمُ.
وَخَرَّجُوا عَلَى الْجَوَابَيْنِ، مَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِبَلَدٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى التَّسْلِيمُ إِلَّا بِقَطْعِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ، وَمَا إِذَا [بَاعَ] جَمْدًا وَزْنًا وَكَانَ يَنْمَاعُ بَعْضُهُ إِلَى أَنْ يُوزَنَ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ مِنَ الْجَوَابَيْنِ هُوَ الْأَوَّلُ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ مِنَ الرُّكْنِ الرَّابِعِ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الْمَشْحُونَةِ بِالْقُمَاشِ وَإِنْ أَمْكَنَ تَفْرِيغُهَا فِي الْحَالِ.
وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ، أَنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّةُ إِجَارَةِ الْأَرْضِ الْمَسْتُورَةِ بِالْمَاءِ لِلزِّرَاعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ مُخَالِفًا لِلْمَذْكُورِ هُنَا، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ هُنَاكَ بِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ مَصَالِحِهَا مَفْقُودٌ هُنَا.
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي، فِيمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِبَلَدٍ آخَرَ، الصِّحَّةُ، وَفِي الْجَمْدِ الْمَنْعُ، لِإِمْكَانِ بَيْعِهِ جُزَافًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إِذَا اسْتَأْجَرَ لِلْخِدْمَةِ، وَذَكَرَ وَقْتَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَصَّلَ أَنْوَاعَهَا، صَحَّ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَدْ حُكِيَ عَنِ النَّصِّ الْمَنْعُ، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ، وَيَلْزَمُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ.
وَفَصَّلَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي يُوسُفَ أَنْوَاعَهَا فَقَالَ: يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ، غُسْلُ الثَّوْبِ وَخِيَاطَتُهُ، وَالْخَبْزُ وَالْعَجْنُ وَإِيقَادُ النَّارِ وَالتَّنُّورِ، وَعَلْفُ الدَّابَّةِ وَحَلْبُهَا، وَخِدْمَةُ الزَّوْجَةِ، وَالْغَرْسُ فِي الدَّارِ، وَحَمْلُ الْمَاءِ إِلَى الدَّارِ لِلشُّرْبِ، وَإِلَى الْمُتَوَضَّئِ لِلطَّهَارَةِ.
وَعَنْ سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ: أَنَّ عَلْفَ الدَّابَّةِ وَحَلْبَهَا، وَخِدْمَةَ الزَّوْجَةِ، لَا تَدْخُلُ إِلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي خِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَحَمْلِ الْمَاءِ إِلَى الدَّارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْعَادَةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ «الْمِفْتَاحِ» أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْبَلْدَةِ، إِلَّا أَنْ يَشْرُطَ عَلَيْهِ مَسَافَةً
مَعْلُومَةً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْمُكْثَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ فِي هَذَا كُلِّهِ، الرُّجُوعُ إِلَى عَادَةِ الْخَادِمِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ الْمُسْتَأْجِرِينَ، وَبِاخْتِلَافِ الْأُجَرَاءِ، وَفِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَدْخُلُ مَا اقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اسْتَأْجَرَهُ عَلَى الْقِيَامِ عَلَى ضَيْعَةٍ، قَامَ عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا عَلَى الْمُعْتَادِ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: اسْتَأْجَرَهُ لِلْخُبْزِ، بَيَّنَ أَنَّهُ يَخْبِزُ أَقْرَاصًا، أَوْ أَرْغِفَةً غِلَاظًا أَوْ رُقَاقًا، وَأَنَّهُ يَخْبِزُ فِي تَنُّورٍ أَوْ فُرْنٍ، وَآلَاتُ الْخَبْزِ عَلَى الْأَجِيرِ إِنْ كَانَتْ إِجَارَةً عَلَى الذِّمَّةِ، وَإِلَّا، فَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَيْسَ عَلَى الْأَجِيرِ إِلَّا تَسْلِيمُ نَفْسِهِ، وَالْقَوْلُ فَيَمَنْ عَلَيْهِ الْحَطَبُ كَالْحِبْرِ فِي حَقِّ الْوَرَّاقِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ «الْمِفْتَاحِ» : لَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَرْسَخَيْنِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنَ شَرْقًا أَوْ غَرْبًا، فَإِذَا بَيَّنَ فَأَرَادَ الْعُدُولَ إِلَى غَيْرِهَا، فَلِلْمُكْرِي مَنْعُهُ، لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ قَدْ يَكُونُ أَسْهَلَ، أَوْ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ، فَلْيُجْعَلْ وَجْهًا.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ الثَّانِي
إِحْدَاهَا: اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلِ مُدَّةٍ، يَكُونُ زَمَنُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَوَاتِ - فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا الرَّوَاتِبِ - مُسْتَثْنًى، وَلَا يَنْقُصُ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، جَوَازُ تَرْكِ الْجُمُعَةِ بِهَذَا السَّبَبِ، حَكَاهُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ، وَالسُّبُوتُ فِي اسْتِئْجَارِ الْيَهُودِيِّ مُسْتَثْنَاةٌ إِنِ اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» .
الثَّانِيَةُ: اسْتَأْجَرَ مُرْضِعَةً لِتَعَهُّدِ الصَّبِيِّ، فَالدُّهْنُ عَلَى أَبِيهِ، فَإِنْ جَرَى عُرْفُ الْبَلَدِ بِخِلَافِهِ، فَوَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ حَطَبٍ إِلَى دَارِهِ وَهِيَ ضَيِّقَةُ الْبَابِ، هَلْ عَلَيْهِ إِدْخَالُهُ الدَّارَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُرْفِ، وَلَا يُكَلَّفُ صُعُودَ السَّطْحِ [بِهِ] .
الرَّابِعَةُ: اسْتَأْجَرَهُ لِغَسْلِ ثِيَابٍ مَعْلُومَةٍ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ حَمَّالٌ، فَإِنْ شُرِطَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَعَلَى الْغَسَّالِ، لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْغَسْلِ.
الْخَامِسَةُ: اسْتَأْجَرَهُ لِقَطْعِ أَشْجَارٍ بِقَرْيَةٍ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الْعَمَلِ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْأَرْبَعَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ.
السَّادِسَةُ: اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا وَيَحْمِلَ [عَلَيْهَا] كَذَا رِطْلًا، فَرَكِبَ وَحَمَلَ وَأَخَذَ فِي السَّيْرِ، فَأَرَادَ الْمُؤَجِّرُ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَيْهَا مِخْلَاةً أَوْ سُفْرَةً أَوْ نَحْوَهُمَا مِنْ قُدَّامِ الْقَتَبِ أَوْ مِنْ خَلْفِهِ، أَوْ أَنْ يُرْدِفَ مَعَهُ رَدِيفًا، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ مَنْعُهُ.
السَّابِعَةُ: اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، فَرَكِبَهَا [إِلَيْهِ] ، فَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَارَ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُ صَاحِبُهَا.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا، بَلْ يُسَلِّمُهَا إِلَى وَكِيلِ الْمَالِكِ إِنْ كَانَ، وَإِلَّا، فَإِلَى
الْحَاكِمِ هُنَاكَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ، فَإِلَى أَمِينٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَمِينًا، رَدَّهَا أَوِ اسْتَصْحَبَهَا إِلَى حَيْثُ يَذْهَبُ، كَالْمُودَعِ يُسَافِرُ بِالْوَدِيعَةِ لِلضَّرُورَةِ.
وَإِذَا جَازَ لَهُ الرَّدُّ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّكُوبُ، بَلْ يَسُوقُهَا أَوْ يَقُودُهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا جِمَاحٌ لَا تَنْقَادُ إِلَّا بِالرُّكُوبِ، وَبِمِثْلِهِ لَوِ اسْتَعَارَ لِلرُّكُوبِ إِلَيْهِ.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ: لَهُ الرُّكُوبُ فِي الرَّدِّ، لِأَنَّ الرَّدَّ لَازِمٌ لَهُ، فَالْإِذْنُ تَنَاوَلَهُ بِالْعُرْفِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ لَا رَدَّ عَلَيْهِ.
الثَّامِنَةُ: اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ إِلَى مَكَانٍ، فَجَاوَزَهُ، لَزِمَهُ الْمُسَمَّى لِلْمَكَانِ، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ، وَيَصِيرُ ضَامِنًا مِنْ وَقْتِ الْمُجَاوَزَةِ.
فَإِنْ مَاتَتْ، لَزِمَهُ أَقْصَى الْقِيَمِ مِنْ حِينَئِذٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا صَاحِبُهَا، وَلَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ بِرَدِّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَمَا نَزَلَ وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ وَهُوَ رَاكِبٌ، نُظِرَ، إِنْ تَلِفَتْ بِالْوُقُوعِ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهِ، ضَمِنَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، فَقِيلَ: تَلْزَمُ كُلُّ الْقِيمَةِ أَيْضًا، وَالْأَصَحُّ: لَا يَلْزَمُهُ الْكُلُّ بَلِ النِّصْفُ فِي قَوْلٍ.
وَمُقْتَضَى التَّوْزِيعِ عَلَى الْمَسَافَتَيْنِ فِي قَوْلٍ كَمَا سَبَقَ، فِيمَا إِذَا حَمَلَ أَكْثَرَ مِنَ الْمَشْرُوطِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ حُصُولُ التَّلَفِ بِكَثْرَةِ التَّعَبِ وَتَعَاقُبِ السَّيْرِ.
حَتَّى لَوْ قَامَ فِي الْمَقْصِدِ قَدْرَ مَا يَزُولُ فِيهِ التَّعَبُ، ثُمَّ خَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، ضَمِنَ الْكُلَّ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ لِيَرْكَبَ وَيَعُودَ، فَلَا يَلْزَمُهُ لِمَا جَاوَزَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ قَطْعَ قَدْرِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ ذَهَابًا وَرُجُوعًا، بِنَاءً عَلَى أَنْ يَجُوزَ الْعُدُولُ إِلَى مِثْلِ الطَّرِيقِ الْمُعَيَّنِ.
قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْكَبَهَا بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ جَمِيعَ الطَّرِيقِ رَاجِعًا، بَلْ يَرْكَبَهَا بِقَدْرِ تَمَامِ مَسَافَةِ الرُّجُوعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنْ قَدَّرَ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ مُدَّةَ مَقَامِهِ فِي الْمَقْصِدِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ، انْتَفَعَ بِهَا فِي الرُّجُوعِ.
وَإِنْ زَادَ، حُسِبَتِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ.
التَّاسِعَةُ: اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ إِلَى عَشَرَةِ فَرَاسِخَ، فَقَطَعَ نِصْفَ الْمَسَافَةِ، ثُمَّ
رَجَعَ لِأَخْذِ شَيْءٍ نَسِيَهُ رَاكِبًا، انْتَهَتِ الْإِجَارَةُ وَاسْتَقَرَّ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَا تَتَعَيَّنُ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ الدَّابَّةَ وَأَمْسَكَهَا يَوْمًا فِي الْبَيْتِ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْصِدِ يَوْمٌ، اسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّكُوبُ بَعْدَهُ، وَكَذَا لَوْ ذَهَبَ فِي الطَّرِيقِ لِاسْتِقَاءِ مَاءٍ أَوْ شِرَاءِ شَيْءٍ يَمِينًا وَشِمَالًا، كَانَ مَحْسُوبًا مِنَ الْمُدَّةِ، وَيَتْرُكُ الِانْتِفَاعَ إِذَا قَرُبَ مِنَ الْمَقْصِدِ بِقَدْرِهِ.
الْعَاشِرَةُ: دَفَعَ إِلَيْهِ ثَوْبًا لِيُقَصِّرَهُ بِأُجْرَةٍ، ثُمَّ اسْتَرْجَعَهُ، فَقَالَ: لَمْ أُقَصِّرْهُ بَعْدُ، فَلَا أَرُدُّهُ، فَقَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ: لَا أُرِيدُ أَنْ تُقَصِّرَهُ فَارْدُدْهُ إِلَيَّ، فَلَمْ يَرُدَّ وَتَلِفَ الثَّوْبُ عِنْدَهُ، لَزِمَهُ ضَمَانُهُ.
وَإِنْ قَصَّرَهُ وَرَدَّهُ، فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْغَزْلِ عِنْدَ النَّسَّاجِ وَنَظَائِرِهِ.
قُلْتُ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ، إِذَا لَمْ يَقَعْ عَقْدٌ صَحِيحٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: اسْتَأْجَرَهُ لِيَكْتُبَ صَكًّا فِي هَذَا الْبَيَاضِ، فَكَتَبَهُ خَطَأً، فَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الْكَاغَدِ، وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَتَبَ بِالْعَجَمِيَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ.
قُلْتُ: وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» : أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لَنَسْخِ كِتَابٍ، فَغَيَّرَ تَرْتِيبَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: إِنْ أَمْكَنَ بِنَاءُ بَعْضِ الْمَكْتُوبِ بِأَنْ كَانَ عَشَرَةَ أَبْوَابٍ، فَكَتَبَ الْبَابَ الْأَوَّلَ آخِرًا مُنْفَصِلًا، بِحَيْثُ يُبْنَى عَلَيْهِ، اسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِحَمْلِ الْحِنْطَةِ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا إِلَى دَارِهِ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ مُتَرَدِّدًا مَرَّاتٍ، فَرَكِبَهَا فِي عَوْدِهِ، فَعَطِبَتِ الدَّابَّةُ، ضَمِنَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِلْحَمْلِ لَا لِلرُّكُوبِ.
وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ، لِلْعُرْفِ، ذَكَرَهُمَا الْعَبَّادِيُّ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْعَامِلُ فِي الْمُزَارَعَةِ الصَّحِيحَةِ، لَوْ تَرَكَ السَّقْيَ مُتَعَمِّدًا، فَفَسَدَ الزَّرْعُ، ضَمِنَ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَعَلَيْهِ حِفْظُهُ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِرُ بِالْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَقَرَّحَ ظَهْرَهَا وَهَلَكَتْ مِنْهُ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَ الْهَلَاكُ بَعْدَ الرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ الثَّالِثِ
إِحْدَاهَا: فِي الْمَنْثُورِ لِلْمُزَنِيِّ، أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، فَخَاطَهُ بَعْضَهُ، وَاحْتَرَقَ الثَّوْبُ، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ لِمَا عَمِلَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَإِلَّا فَقِسْطَ الْمُسَمَّى.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ جَرَّةٍ إِلَى مَوْضِعٍ، فَزَلِقَ فِي الطَّرِيقِ فَانْكَسَرَتْ، لَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخِيَاطَةَ تَظْهَرُ عَلَى الثَّوْبِ، فَوَقَعَ الْعَمَلُ مُسَلَّمًا بِظُهُورِ أَثَرِهِ، وَالْحَمْلَ لَا يَظْهَرُ عَلَى الْجَرَّةِ.
الثَّانِيَةُ: أَجَّرَ أَرْضًا فَغَرِقَتْ بِسَيْلٍ أَوْ مَاءٍ نَبَعَ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّعِ الْخَسَارَةَ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَهُوَ كَانْهِدَامِ الدَّارِ.
وَإِنْ تَوَقَّعَ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ كَمَا لَوْ غُصِبَتْ.
فَإِنْ أَجَازَ، سَقَطَ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا كَانَ الْمَاءُ عَلَيْهَا.
وَإِنْ غَرِقَ نِصْفُهَا وَقَدْ مَضَى نِصْفُ الْمُدَّةِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ فِي الْبَاقِي، بَلْ لَهُ الْخِيَارُ فِيهِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ.
فَإِنْ فَسَخَ وَكَانَتْ أُجْرَةُ الْمُدَّةِ لَا تَتَفَاوَتُ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى لِلْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ.
وَإِنْ أَجَازَ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمُسَمَّى، فَالنِّصْفُ لِلْمَاضِي، وَالرُّبُعُ لِلْبَاقِي.
الثَّالِثَةُ: تَعَطُّلُ الرَّحَى لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ، وَالْحَمَّامِ لِخَلَلٍ فِي الْأَبْنِيَةِ، أَوْ لِنَقْصِ الْمَاءِ فِي بِئْرِهِ وَنَحْوِهِ، كَانْهِدَامِ الدَّارِ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ قَنَاةً فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا.
فَلَوْ نَقَصَ،
ثَبَتَ الْخِيَارُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ طَاحُونَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ، فَنَقَصَ الْمَاءُ، وَبَقِيَ مَاءٌ تَدُورُ بِهِ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يَفْسَخْ، قَالَ الْعَبَّادِيُّ: تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ أَكْثَرِهِمَا.
الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : لَوْ دَفَعَ غَزْلًا إِلَى نَسَّاجٍ وَاسْتَأْجَرَهُ لِنَسْجِ ثَوْبٍ طُولُهُ عَشَرَةٌ فِي عَرْضٍ مَعْلُومٍ، فَجَاءَ بِالثَّوْبِ وَطُولُهُ أَحَدَ عَشَرَ، لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ جَاءَ بِهِ وَطُولُهُ تِسْعَةٌ، فَإِنْ كَانَ طُولُ السَّدَى عَشَرَةً، اسْتَحَقَّ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْسِجَ عَشَرَةً لَتَمَكَّنَ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ طُولُهُ تِسْعَةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، لِمُخَالَفَتِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْغَزْلُ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ مُسْدًى، اسْتَأْجَرَهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَدَفَعَ إِلَيْهِ مِنَ اللُّحْمَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ [بِهِ] أَطْوَلَ فِي الْعَرْضِ الْمَشْرُوطِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ لِلزِّيَادَةِ شَيْئًا.
وَإِنْ جَاءَ بِهِ أَقْصَرَ فِي الْعَرْضِ الْمَشْرُوطِ، اسْتَحَقَّ بِقَدْرِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ.
وَإِنْ وَافَقَ فِي الطُّولِ، وَخَالَفَ فِي الْعَرْضِ، فَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمُجَاوَزَتِهِ الْقَدْرَ الْمَشْرُوطَ مِنَ الصَّفَاقَةِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ، لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ لِمُخَالَفَتِهِ.
وَإِنْ رَاعَى الْمَشْرُوطَ فِي صِفَةِ الثَّوْبِ رِقَّةً وَصَفَاقَةً، فَلَهُ الْأُجْرَةُ، لِأَنَّ الْخَلَلَ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - مِنَ السَّدَى.
وَإِنْ كَانَ زَائِدًا، فَإِنْ أَخَذَ بِالصَّفَاقَةِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِلَّا، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ بِتَمَامِهَا، لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا.
الْخَامِسَةُ: مَهْمَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِنَقْصٍ، فَأَجَازَ، ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ، فَإِنْ كَانَ [ذَلِكَ] السَّبَبُ بِحَيْثُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، بِأَنِ انْقَطَعَ الْمَاءُ، وَلَمْ يَتَوَقَّعْ عَوْدَهُ، فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ، لِأَنَّهُ عَيْبٌ وَاحِدٌ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُرْجَى زَوَالُهُ، فَلَهُ الْفَسْخُ مَا لَمْ يَزُلْ، لِأَنَّ الضَّرَرَ يَتَجَدَّدُ، كَمَا لَوْ تُرِكَتِ الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، أَوِ الْفَسْخُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِعْسَارِ، فَلَهَا الْعَوْدُ إِلَيْهِ.
وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَجَازَ، ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ، فَلَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعُدِ الْعَبْدُ.
فَصْلٌ
لَوْ أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ عَنِ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ عَيْنٍ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: هُوَ كَمَا لَوْ أَجَّرَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ لِلْمُؤَجِّرِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ وَإِنْ جَرَى بَعْدَ الْقَبْضِ.
فَصْلٌ
لَوْ ضَمِنَ رَجُلٌ الْعُهْدَةَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَفِي «الْفَتَاوَى» أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الْإِجَارَةِ، مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا: إِذَا تَوَجَّهَ الْحَبْسُ عَلَى الْأَجِيرِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» : إِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ فِي الْحَبْسِ، جُمِعَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَعَذَّرَ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ، قُدِّمَ حَقُّ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَبْسُ لَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ الْقَاضِي يَسْتَوْثِقُ [عَلَيْهِ مُدَّةَ الْعَمَلِ] إِنْ خَافَ هَرَبَهُ عَلَى مَا يَرَاهُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، طُولِبَ بِتَحْصِيلِهِ بِغَيْرِهِ.
فَإِنِ امْتَنَعَ، حُبِسَ بِالْحَقَّيْنِ.
الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرُ أَنْ يَدْفَعَ عَنِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ الْحَرِيقَ وَالنَّهْبَ وَغَيْرَهُمَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ وَرَدُّ الْأُجْرَةِ إِنْ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ.
وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَطَرٍ، لَزِمَهُ كَالْمُودَعِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا وَقَعَتِ الدَّارُ عَلَى مَتَاعِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، وَلَا أُجْرَةَ تَخْلِيصِهِ.
الرَّابِعَةُ: اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ دَرَجَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا انْهَدَمَتْ فِي الْحَالِ، فَهَذَا قَدْ يَكُونُ لِفَسَادِ الْآلَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِفَسَادِ الْعَمَلِ، وَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى أَهْلِ الْعُرْفِ.
فَإِنْ قَالُوا: هَذِهِ الْآلَةُ قَابِلَةٌ لِلْعَمَلِ الْمُحْكَمِ وَهُوَ الْمُقَصِّرُ، لَزِمَهُ غَرَامَةُ مَا تَلِفَ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا جَعَلَ [غَلَّةً] فِي الْمَسْجِدِ وَأَغْلَقَهُ، لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ، لِأَنَّهُ كَمَا يَضْمَنُ الْمَسْجِدَ بِالْإِتْلَافِ يَضْمَنُ مَنْفَعَتَهُ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْخَمْسَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» ، وَتَقْيِيدُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا إِذَا أَغْلَقَهُ، لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، بَلْ لَوْ لَمْ يُغْلِقْهُ، يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْأُجْرَةُ، لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
السَّادِسَةُ: اسْتَأْجَرَ بَهِيمَةً إِلَى بَلَدٍ لِحَمْلِ مَتَاعٍ، ثُمَّ أَرَادَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بَيْعَهُ وَالرُّجُوعَ، وَطَلَبَ رَدَّ بَعْضِ الْأُجْرَةِ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ، بَلْ إِنْ بَاعَهُ، فَلَهُ حَمْلُ مِثْلِهِ إِلَى الْمَقْصِدِ الْمُسَمَّى.
السَّابِعَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ رَجُلًا عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ، فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، لَأَنَّ غُسْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ، وَقَعَ عَنِ الْفَرْضِ، وَلَوْ أَكْرَهَهُ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَنَّهُ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ، وَلَا فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ، فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِلَّا، فَفِي بَيْتِ الْمَالِ إِنِ اتَّسَعَ، فَيَسْتَحِقَّ الْمُكْرَهُ الْأُجْرَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ السِّيَرِ: هَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُهُمْ.
الثَّامِنَةُ: أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِلْإِرْضَاعِ، هَلْ عَلَيْهَا الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ إِذَا احْتَاجَ الرَّضِيعُ إِلَيْهِ؟ فِيهِ كَلَامٌ سَبَقَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
التَّاسِعَةُ: اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ الَّذِي بَلَغَ سِنًّا يَعْمَلُ مِثْلُهُ فِيهِ لِيُسْقِطَ نَفَقَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ، جَازَ، كَمَا يَشْتَرِي مَالَهُ، ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.