روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 213-252
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْإِجَارَةِ

صفحات 213-252
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بِاتِّبَاعِهِ الْأَرْضَ، أَوِ انْفِرَادِهِ، اتَّبَعَتْ.
وَإِنِ اضْطَرَبَتْ، فَكَانَتْ تُكْرَى وَحْدَهَا تَارَةً، وَمَعَ الشِّرْبِ تَارَةً، فَأَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: لَا يُجْعَلُ الشِّرْبُ تَابِعًا اقْتِصَارًا عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ، إِنَّمَا عَلَيْهِ بِعُرْفٍ مُطَّرِدٍ.
وَالثَّانِي: يُجْعَلُ تَابِعًا.
وَالثَّالِثُ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ، لِأَنَّ تَعَارُضَ الْمَقْصُودَيْنِ يُوجِبُ جَهَالَةً.

فَصْلٌ

اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعٍ مُعَيَّنٍ، فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُدْرِكْ، فَلِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ فِيهَا أَسْبَابٌ.
أَحَدُهَا: التَّقْصِيرُ فِي الزِّرَاعَةِ، بِأَنْ أَخَّرَهَا حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ أَبْدَلَ الزَّرْعَ الْمُعَيَّنَ بِمَا هُوَ أَبْطَأُ مِنْهُ، أَوْ أَكَلَهُ الْجَرَادُ وَنَحْوُهُ، فَزُرِعَ ثَانِيًا، فَلِلْمَالِكِ إِجْبَارُهُ عَلَى قَلْعِهِ، وَعَلَى الزَّارِعِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ كَالْغَاصِبِ، هَذَا لَفْظُ الْبَغَوِيِّ، وَمُقْتَضَى إِلْحَاقِهِ بِالْغَاصِبِ، أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَيْضًا، لَكِنَّ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرَهُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَقْلَعُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ فِي الْحَالِ لَهُ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْبَغَوِيِّ بِإِلْحَاقِهِ بِالْغَاصِبِ، الْقَلْعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لِلْمَالِكِ مَنْعُهُ مِنْ زِرَاعَةِ مَا هُوَ أَبْطَأُ إِدْرَاكًا، وَهَلْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ زِرَاعَةِ الزَّرْعِ الْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ؟ وَجْهَانِ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَقَدْ يَقْصِدُ الْقَصِيلَ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَأَخَّرَ الْإِدْرَاكُ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ، أَوْ أَكْلِ

الْجَرَادِ رُءُوسَ الزَّرْعِ، فَنَبَتَ ثَانِيًا فَتَأَخَّرَ لِذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَلْعِ، بَلْ عَلَى الْمَالِكِ الصَّبْرُ إِلَى الْإِدْرَاكِ مَجَّانًا أَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَقِيلَ: لَهُ قَلْعُهُ مَجَّانًا، لِخُرُوجِهِ عَنِ الْمُدَّةِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ الْمُعَيَّنُ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُ فِي الْمُدَّةِ، بِأَنِ اسْتَأْجَرَ لِزِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ شَهْرَيْنِ.
فَإِنْ شَرَطَا الْقَلْعَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، جَازَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْقَصِيلَ.
ثُمَّ لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى الْإِبْقَاءِ مَجَّانًا أَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، جَازَ، فَإِنْ شَرَطَا الْإِبْقَاءَ، فَسَدَ الْعَقْدُ، لِلتَّنَاقُضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْقِيتِ، وَلِجَهَالَةِ مُدَّةِ الْإِدْرَاكِ، وَيَجِيءُ فِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ، فَلِلْمَالِكِ مَنْعُهُ مِنَ الزِّرَاعَةِ، لَكِنْ لَوْ زَرَعَ، لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، لِلْإِذْنِ، بَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِجَمِيعِ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِقَلْعٍ وَلَا إِبْقَاءٍ، صَحَّ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ تَوَافَقَا بَعْدَ الْمُدَّةِ عَلَى إِبْقَائِهِ مَجَّانًا أَوْ بِأُجْرَةٍ، فَذَاكَ.
وَإِنْ أَرَادَ الْمَالِكُ إِجْبَارَهُ عَلَى الْقَلْعِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ الْإِبْقَاءُ.
وَعَلَى هَذَا، فَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ.
وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنًى مُعِيرٍ لِلزِّيَادَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ: إِذَا قُلْنَا: لَا يَقْلَعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، لَزِمَ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ إِذَا شُرِطَ الْإِبْقَاءُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ، وَهَذَا حَسَنٌ.
أَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ لِلزِّرَاعَةِ مُطْلَقًا وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ وَهُوَ صِحَّتُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَ مَا يُدْرَكُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
فَإِنْ زَرَعَهُ وَتَأَخَّرَ إِدْرَاكُهُ لِتَقْصِيرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّرْعِ الْمُعَيَّنِ.
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَزْرَعَ مَا لَا يُدْرَكُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَلِلْمَالِكِ مَنْعُهُ.
فَلَوْ زَرَعَ، لَمْ يُقْلَعْ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ زَرْعِهِ، كَمَا لَا يُقْلَعَ إِذَا زُرِعَ.

فَصْلٌ

اسْتَأْجَرَ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ، فَإِنْ شُرِطَ الْقَلْعُ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَلَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ الْقَلْعُ

بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَالِكِ أَرْشُ النُّقْصَانِ، وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَلَا أَرْشُ نَقْصِهَا، لِتَرَاضِيهِمَا بِالْقَلْعِ.
وَلَوْ شَرَطَا الْإِبْقَاءَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْعَقْدُ فَاسِدٌ، لِجَهَالَةِ الْمَدَّةِ.
وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيِّ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ، لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي الْإِبْقَاءَ، فَلَا يَضُرُّ شَرْطُهُ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ أَوْ جُمْهُورُهُمْ، وَيَتَأَيَّدُ بِهِ كَلَامُ السَّرَخْسِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْفَسَادِ، لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا حُكْمُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا إِذَا أَطْلَقَا الْعَقْدَ.
أَمَّا إِذَا أَطْلَقَا، فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْعَقْدِ.
وَقِيلَ: وَجْهَانِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ يُنْظَرُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْقَلْعُ وَالرَّفْعُ بِلَا نَقْصٍ، فَعَلَ، وَإِلَّا، فَإِنِ اخْتَارَ الْمُسْتَأْجِرُ الْقَلْعَ، فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
وَهَلْ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ وَأَرْشُ نَقْصِ الْأَرْضِ؟ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: يَلْزَمُهُ، لِتَصَرُّفِهِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ بِالْقَلْعِ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ يَدِهِ، وَتَصَرُّفِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهَا.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَلَعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ، لَزِمَهُ التَّسْوِيَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِعَدَمِ الْإِذْنِ.
وَقِيلَ: لَا، لِبَقَاءِ الْأَرْضِ فِي يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْقَلْعَ، فَهَلْ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَقْلَعَهُ مَجَّانًا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ.
وَالثَّانِي: عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَصَحُّهُمَا: هَذَا، لِأَنَّهُ بِنَاءٌ مُحْتَرَمٌ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ.
فَإِنْ مَنَعْنَا، فَالْكَلَامُ فِي أَنَّ الْمُؤَجِّرَ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَقْلَعَ وَيَغْرَمَ أَرْشَ النَّقْصِ مَعَ نَقْصِ الثِّمَارِ إِنْ كَانَ عَلَى الشَّجَرِ ثَمَرٌ، أَوْ يَتَمَلَّكَهُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ، أَوْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ يَأْخُذُهَا، أَوْ لَا يَتَخَيَّرُ إِلَّا بَيْنَ الْخُصْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ عَنِ الْعَارِيَةِ.
وَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى الْقَلْعِ، فَمُبَاشِرَةُ الْقَلْعِ أَوْ بَدَلُ مُؤْنَتِهِ، هَلْ هِيَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ لِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَهُ، أَمْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ شَغَلَ الْأَرْضَ فَلْيُفْرِغْهَا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَإِذَا عَيَّنَ

الْمُؤَجِّرُ خَصْلَةً، فَامْتَنَعَ مِنْهَا الْمُسْتَأْجِرُ، فَفِي إِجْبَارِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي إِجْبَارِ الْمُسْتَعِيرِ.
فَإِنْ أَجْبَرْنَاهُ، كُلِّفَ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ مَجَّانًا، وَإِلَّا، فَلَا، بَلْ هُوَ كَمَا لَوِ امْتَنَعَ الْمُؤَجِّرُ مِنَ الِاخْتِيَارِ، وَحِينَئِذٍ هَلْ يَبِيعُ الْحَاكِمُ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا، أَمْ يُعْرِضُ عَنْهُمَا؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ.
فَرْعٌ الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ كَالصَّحِيحَةِ فِي تَخْيِيرِ الْمَالِكِ وَمَنْعِ الْقَلْعِ مَجَّانًا.

فَصْلٌ

إِذَا اسْتَأْجَرَ لِزِرَاعَةِ جِنْسٍ مُعَيَّنٍ، جَازَ أَنْ يَزْرَعَهُ وَمَا ضَرَرُهُ مِثْلُ ضَرَرِهِ أَوْ دُونَهُ، لَا مَا فَوْقَهُ، وَالْحِنْطَةُ فَوْقَ ضَرَرِ الشَّعِيرِ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الذُّرَةِ وَالْأُرْزِ فَوْقُ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ.
وَعَنِ الْبُوَيْطِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ زَرْعُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، فَقِيلَ: هُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقِيلَ: هُوَ مَذْهَبٌ لِلْبُوَيْطِيِّ.
وَكَيْفَ كَانَ، فَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ.
هَذَا إِذَا عَيَّنَ جِنْسًا أَوْ نَوْعًا.
فَلَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَهَا لِزَرْعِ هَذِهِ الْحِنْطَةِ، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّ تِلْكَ الْحِنْطَةَ قَدْ تَتْلَفُ.
وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ كَجٍّ، وَلَا تَتَعَذَّرُ الزِّرَاعَةُ بِتَلَفِ تِلْكَ الْحِنْطَةِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ بِتَلَفِ الْحِنْطَةِ.
وَلَوْ تَعَذَّرَ، لَمْ يَكُنِ احْتِمَالُ التَّلَفِ مَانِعًا، كَالِاسْتِئْجَارِ لِإِرْضَاعِ هَذَا الصَّبِيِّ، وَالْحَمْلِ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ قَالَ: لِتَزْرَعَ هَذِهِ الْحِنْطَةَ وَلَا تَزْرَعَ غَيْرَهَا، فَأَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: يَفْسَدُ الْعَقْدُ، لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ وَالرُّوْيَانِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَالثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ: صِحَّةُ الْعَقْدِ وَفَسَادُ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَجَّرْتُكَ عَلَى أَنْ لَا تَلْبَسَ إِلَّا الْحَرِيرَ.
وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ مِنَ الْمُؤَجِّرِ، فَمَلَكَ بِحَسَبِ التَّمْلِيكِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَقْوَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ اسْتِيفَاءِ سَائِرِ الْمَنَافِعِ.
فَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ فِي طَرِيقٍ، لَمْ يَرْكَبْهَا فِي طَرِيقٍ أَحْزَنَ مِنْهُ وَلَهُ رُكُوبُهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ لِحِمْلِ الْحَدِيدِ، لَمْ يَحْمِلِ الْقُطْنَ وَلَا الْعَكْسُ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دُكَّانًا لِصَنْعَةٍ، مُنِعَ مِمَّا فَوْقَهَا فِي الضَّرَرِ.
فَرْعٌ إِذَا تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِرُ لِلْحِنْطَةِ، فَزَرَعَ الذُّرَةَ، وَلَمْ يَتَخَاصَمَا حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَحَصَدَ الذُّرَةَ، فَالْمَذْهَبُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ: أَنَّ الْمُؤَجِّرَ بِالْخِيَارِ، بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَمَّى وَبَدَلَ النُّقْصَانِ الزَّائِدَ بِزِرَاعَةِ الذُّرَةِ عَلَى ضَرَرِ الْحِنْطَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِزَرْعِ الذُّرَةِ.
وَقَالَ كَثِيرُونَ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: تَعْيِينُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلذُّرَةِ.
وَالثَّانِي: تَعْيِينُ الْمُسَمَّى

وَبَدَلِ النَّقْصِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمُسَمَّى وَبَدَلُ النَّقْصِ.
وَالثَّانِي: التَّخْيِيرُ.
قُلْتُ: وَهَلْ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْأَرْضِ غَاصِبًا؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّاشِيُّ فِي [الْمُسْتَظْهِرِيِّ] أَصَحُّهُمَا: لَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَخَاصَمَا عِنْدَ إِرَادَتِهِ زِرَاعَةَ الذُّرَةِ، مُنِعَ مِنْهَا، وَإِنْ تَخَاصَمَا بَعْدَ زِرَاعَتِهَا وَقَبْلَ حَصَادِهَا، فَلَهُ قَلْعُهَا.
وَإِذَا قَلَعَ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ زِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ، زَرَعَهَا، وَإِلَّا، فَلَا يَزْرَعُ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِجَمِيعِ الْمُدَّةِ، لِأَنَّهُ الَّذِي فَوَّتَ مَقْصُودَ الْعَقْدِ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ تَمْضِ عَلَى بَقَاءِ الذُّرَةِ مُدَّةٌ تَتَأَثَّرُ الْأَرْضُ بِهَا، فَذَاكَ، وَإِنْ مَضَتْ، فَالْمُسْتَحَقُّ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؟ أَمْ قِسْطُهَا مِنَ الْمُسَمَّى مَعَ بَدَلِ النُّقْصَانِ؟ أَمْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ فِيهِ الطُّرُقُ السَّابِقَةُ.
وَالطُّرُقُ جَارِيَةٌ فِيمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا لِيَسْكُنَهَا، فَأَسْكَنَهَا الْحَدَّادِينَ أَوِ الْقَصَّارِينَ، أَوْ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قُطْنًا، فَحَمَلَ بِقَدْرِهِ حَدِيدًا، أَوْ غُرْفَةً لِيَضَعَ فِيهَا مِائَةَ رِطْلِ حِنْطَةٍ، فَأَبْدَلَهَا بِحَدِيدٍ، وَكَذَا كُلُّ صُورَةٍ لَا يَتَمَيَّزُ فِيهَا الْمُسْتَحَقُّ عَمَّا زَادَ.
فَلَوْ تَمَيَّزَ، بِأَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِحَمْلِ خَمْسِينَ رِطْلًا، فَحَمَلَ مِائَةً، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ، فَجَاوَزَهُ، وَجَبَ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا زَادَ قَطْعًا.
وَلَوْ عَدَلَ عَنِ الْجِنْسِ الْمَشْرُوطِ إِلَى غَيْرِهِ، بِأَنِ اسْتَأْجَرَ لِلزَّرْعِ، فَغَرَسَ، أَوْ بَنَى، وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ بِطَرْدِ الْخِلَافِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إِنَّهُ يَتَخَيَّرُ، فَاخْتَارَ الْمُسَمَّى وَبَدَلَ النُّقْصَانِ الزَّائِدِ، فَمِثْلُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهَا لِلْحِنْطَةِ خَمْسُونَ، وَلِلذُّرَةِ سَبْعُونَ، وَكَانَ الْمُسَمَّى أَرْبَعِينَ، فَلَهُ الْأَرْبَعُونَ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْأُجْرَتَيْنِ وَهُوَ عِشْرُونَ.
قُلْتُ: وَإِذَا حَصَدَ الْمُسْتَأْجِرُ مَا أَذِنَ فِيهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ، لَزِمَهُ قَلْعُ مَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْ قَصَبِ الزَّرْعِ وَعُرُوقِهِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، فَلَزِمَهُ إِزَالَتُهُ عَنْ مِلْكِ غَيْرِهِ.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ، صَاحِبُ الْبَيَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
[الْمَسْأَلَةُ] الْأُولَى: إِذَا اكْتَرَى لِلرُّكُوبِ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: عَلَى الْمُؤَجِّرِ الْإِكَافُ وَالْبَرْذَعَةُ، وَالْحِزَامُ، وَالثَّفَرُ، وَالْخِطَامُ، وَالْبُرَةُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّكُوبِ دُونَهَا.
وَالْعُرْفُ مُطَّرِدٌ بِكَوْنِهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ.
وَفِي السَّرْجِ إِذَا اكْتَرَى الْفَرَسَ أَوْجُهٌ.
ثَالِثُهَا: اتِّبَاعُ الْعَادَةِ.
قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ اتِّبَاعَ الْعَادَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعُبَّادِيُّ فِي (الرَّقْمِ) : لَا يَلْزَمُ مُكْرِي الدَّابَّةِ إِلَّا تَسْلِيمُهَا عَارِيَةً، وَالْآلَاتُ كُلُّهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: مَا عَدَا السَّرْجَ وَالْإِكَافَ وَالْبَرْذَعَةَ، فَعَلَى الْمُؤَجِّرِ.
وَأَمَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَ عَيْنَ الدَّابَّةِ، فَهِيَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَضْمَنُ لَوْ رَكِبَ بِغَيْرِ إِكَافٍ وَسَرْجٍ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ، فَعَلَى الْمُؤَجِّرِ، لِأَنَّهَا لِلتَّمْكِينِ مِنَ الِانْتِفَاعِ.
أَمَّا مَا هُوَ لِلتَّسْهِيلِ عَلَى الرَّاكِبِ، كَالْمَحْمَلِ، وَالْمِظَلَّةِ، وَالْوِطَاءِ، وَالْغِطَاءِ، وَالْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْمَحْمَلُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَالَّذِي يُشَدُّ بِهِ أَحَدُ الْمَحْمَلَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، [فَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْعُرْفُ مُضْطَرِدٌ بِهِ، وَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَجْهٌ فِي الْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ أَنَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ شَاذٌّ بَعِيدٌ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الْمَحْمَلَ وَسَائِرَ تَوَابِعِهِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
وَأَمَّا شَدُّ أَحَدِ الْمَحْمَلَيْنِ إِلَى الْآخَرِ] ، فَهَلْ هُوَ عَلَى الْمُكْرِي كَالشَّدِّ عَلَى الْحَمْلِ؟ أَمْ عَلَى الْمُكْتَرِي لِأَنَّهُ إِصْلَاحُ مِلْكِهِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا إِذَا أَطْلَقَا الْعَقْدَ، أَمَّا إِذَا قَالَ: أَكْرَيْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ الْعَارِيَةَ بِلَا حِزَامٍ وَلَا إِكَافٍ وَلَا غَيْرِهِمَا، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنَ الْآلَاتِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا اكْتَرَى لِلْحَمْلِ، فَالْوِعَاءُ الَّذِي يُنْقَلُ فِيهِ الْمَحْمُولُ، عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إِنْ وَرَدَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِ الدَّابَّةِ.
وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ إِنْ وَرِثَ عَلَى الذِّمَّةِ.
وَالدَّلْوُ وَالرِّشَاءُ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلِاسْتِقَاءِ كَالْوِعَاءِ فِي الْحَمْلِ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ.
وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالِاسْتِقَاءِ بِآلَاتِ نَفْسِهِ، لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا، وَهَذَا يَجِبُ طَرْدُهُ فِي الْوِعَاءِ.
وَرَأَى الْإِمَامُ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَلْتَزِمَ الْغَرَضَ مُطْلَقًا وَلَا يَتَعَرَّضَ لِلدَّابَّةِ فَتَكُونُ الْآلَاتُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهَا بِالْوَصْفِ وَحِينَئِذٍ يَتَّبِعُ الْعَادَةَ.
فَإِنِ اضْطَرَبَتِ، احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ.
وَإِذَا رَأَيْنَا اتِّبَاعَ الْعَادَةِ، فَاضْطَرَبَتْ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ التَّقْيِيدُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا سَبَقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ مُؤْنَةُ الدَّلِيلِ وَسَائِقِ الدَّابَّةِ وَقَائِدِهَا وَالْبَذْرَقَةِ وَحِفْظِ الْمَتَاعِ فِي الْمَنْزِلِ، كَالْوِعَاءِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الطَّعَامُ الْمَحْمُولُ لِيُؤْكَلَ فِي الطَّرِيقِ، كَسَائِرِ الْمَحْمُولَاتِ فِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَتِهِ أَوْ تَقْدِيرِهِ بِالْوَزْنِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهُ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ، لِصِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِذَا قَدَّرَهُ وَحَمَلَهُ، فَإِنَ شَرَطَ أَنَّهُ يُبَدِّلُهُ كُلَّمَا نَقَصَ، أَوْ لَا يُبَدِّلُهُ، اتَّبَعَ الشَّرْطَ، وَإِلَّا، فَإِنْ فَنِيَ بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ بِسَرِقَةٍ أَوْ تَلَفٍ، فَلَهُ الْإِبْدَالُ كَسَائِرِ الْمَحْمُولَاتِ.
وَإِنْ فَنِيَ بِالْأَكْلِ، فَإِنْ فَنِيَ كُلُّهِ، أَبْدَلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنْ فَنِيَ بَعْضُهُ، أَبْدَلَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَيُقَالُ: الْأَصَحُّ.
وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ، إِذَا كَانَ يَجِدُ الطَّعَامَ فِي الْمَنَازِلِ الْمُسْتَقْبِلَةِ بِسِعْرِ الْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَجِدْهُ، أَوْ وَجَدَهُ بِأَعْلَى، فَلَهُ

الْإِبْدَالُ قَطْعًا.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُ الزَّادِ وَحَمْلِ مَا يُعْتَادُ لِمِثْلِهِ، لَمْ يُبَدِّلْهُ حَتَّى يَفْنَى كُلُّهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ.

الرَّابِعَةُ: إِذَا اكْتَرَى لِلرُّكُوبِ فِي الذِّمَّةِ، لَزِمَ الْمُؤَجِّرُ الْخُرُوجَ مَعَ الدَّابَّةِ لِسَوْقِهَا، وَتَعَهُّدِهَا، وَإِعَانَةِ الرَّاكِبِ فِي الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ.
وَتُرَاعَى الْعَادَةُ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِعَانَةِ.
فَيُنِيخُ الْبَعِيرَ لِلْمَرْأَةِ، لِأَنَّهُ يَصْعُبُ عَلَيْهَا النُّزُولُ وَالرُّكُوبُ مَعَ قِيَامِ الْبَعِيرِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ ضَعِيفًا لِمَرَضٍ أَوْ شَيْخُوخَةٍ، أَوْ كَانَ مُفْرِطَ السِّمَنِ، أَوْ نَضْوَ الْخَلْقِ، يُنِيخُ لَهُ الْبَعِيرَ، وَيُقَرِّبُ الْبَغْلَ وَالْحِمَارَ مِنْ نَشَزٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الرُّكُوبُ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ بِحَالِ الرُّكُوبِ، لَا بِحَالِ الْعَقْدِ.
وَإِذَا اكْتَرَى لِلْحَمْلِ فِي الذِّمَّةِ، لَزِمَ الْمُؤَجِّرُ رَفْعَ الْحَمْلِ وَحَطَّهُ وَشَدَّ الْمَحْمَلِ وَحَلَّهُ.
وَفِي شَدِّ أَحَدِ الْمَحْمَلَيْنِ إِلَى الْآخَرِ وَهُمَا بُعُدٌ عَلَى الْأَرْضِ، الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ قَرِيبًا.
وَيُقِفُ الدَّابَّةَ لِيَنْزِلَ الرَّاكِبُ لِمَا لَا يَتَهَيَّأُ عَلَيْهَا، كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَالْوُضُوءِ، وَصَلَاةِ الْفَرْضِ.
وَإِذَا نَزَلَ انْتَظَرَهُ الْمُكْرِي لِيَفْرُغَ مِنْهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّخْفِيفِ، وَلَا الْقَصْرُ وَلَا الْجَمْعُ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِبْطَاءُ وَلَا التَّطْوِيلُ.
قَالَ الرُّوْيَانِيُّ: وَلَهُ النُّزُولُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِيَنَالَ فَضْلَهُ، وَلَا يُقِفُهَا لِلنَّوَافِلِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، لِإِمْكَانِهَا عَلَى الدَّابَّةِ.
وَإِنْ وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا، فَالَّذِي عَلَى الْمُؤَجِّرِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَبَيْنِهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى الرُّكُوبِ وَلَا الْحَمْلِ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي نَوْعَيِ الْإِجَارَةِ.
وَحَكَى الْإِمَامُ مَعَ هَذَا، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِنْ قَالَ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ تَبْلِيغِي مَوْضِعَ كَذَا، لَزِمَهُ الْإِعَانَةُ.
وَإِنْ قَالَ: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ مَنْفَعَةَ دَابَّةٍ صِفَتُهَا كَذَا، لَمْ تَلْزَمْهُ.
وَالثَّانِي: تَجِبُ الْإِعَانَةُ عَلَى الرُّكُوبِ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ أَيْضًا.
وَالثَّالِثُ: تَجِبُ لِلْحَمْلِ فِي نَوْعَيِ الْإِجَارَةِ، لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِالْإِعَانَةِ عَلَى الْحَطِّ وَالْحَمْلِ وَإِنِ اضْطَرَبَتْ فِي الرُّكُوبِ.
وَرَفْعُ الْمَحْمَلِ وَحَطُّهُ كَالْحَمْلِ.

فَرْعٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّحْلَةِ، رحَلَ لَا مَكْبُوبًا وَلَا مُسْتَلْقِيًا.
قِيلَ: الْمَكْبُوبُ أَنْ يَجْعَلَ مُقَدَّمَ الْمَحْمَلِ أَوِ الزَّامِلَةَ أَوْسَعَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ، وَالْمُسْتَلْقِي عَكْسُهُ.
وَقِيلَ: الْمَكْبُوبُ بِأَنْ يُضَيِّقَ الْمُقَدَّمَ وَالْمُؤَخَّرَ جَمِيعًا، وَالْمُسْتَلْقِي أَنْ يُوَسِّعَهُمَا جَمِيعًا.
وَعَلَى التَّفْسِيرَيْنِ، الْمَكْبُوبُ أَسْهَلُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَالْمُسْتَلْقِي أَسْهَلُ عَلَى الرَّاكِبِ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِمَا، حُمِلَا عَلَى الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ، وَكَذَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ الْجُلُوسِ.
فَرْعٌ لَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ مَنْعُ الرَّاكِبِ مِنَ النَّوْمِ فِي وَقْتِهِ.
وَيَمْنَعُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، لِأَنَّ النَّائِمَ يَثْقُلُ، قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ.
فَرْعٌ قَدْ يَعْتَادُ النُّزُولَ وَالْمَشْيَ لِلْإِرَاحَةِ، فَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَنْزِلَ أَوْ لَا يَنْزِلَ، اتُّبِعَ الشَّرْطُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَعْرِضُ فِي شَرْطِ النُّزُولِ إِشْكَالٌ، لِانْقِطَاعِ الْمَسَافَةِ، وَيَقَعُ فِي كِرَاءِ الْعُقَبِ.
قَالَ: لَكِنَّ الْأَصْحَابَ احْتَمَلُوهُ لِلْحَاجَةِ.
وَإِنْ أَطْلَقَا، لَمْ يَجِبِ النُّزُولُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ.
وَفِي الرَّجُلِ الْقَوِيِّ وَجْهَانِ، لِتَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْعَادَةِ.
وَهَكَذَا حُكْمُ النُّزُولِ عِنْدَ الْعَقَبَاتِ الصِّعَابِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِي مَعْنَى الْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ، الشَّيْخُ الْعَاجِزُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ مَنْ كَانَتْ لَهُ وَجَاهَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَشُهْرَةٌ يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ فِي الْعَادَةِ الْمَشْيُ.
ثُمَّ الْكَلَامُ مَفْرُوضٌ فِي طَرِيقٍ يَعْتَادُ النُّزُولَ فِيهِ لِإِرَاحَةِ الدَّابَّةِ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً، لَمْ يَجِبْ مُطْلَقًا، وَلَمْ نُصَحِّحْ شَيْئًا مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي الرَّجُلِ الْقَوِيِّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ وُجُوبَ النُّزُولِ عِنْدَ الْعَقَبَاتِ، دُونَ الْإِرَاحَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ إِذَا اكْتَرَى دَابَّةً إِلَى بَلَدٍ، فَبَلَغَ عُمْرَانَهُ، فَلِلْمُؤَجِّرِ أَخْذُ دَابَّتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَبْلِيغُهُ دَارَهُ.
وَلَوِ اكْتَرَى إِلَى مَكَّةَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ تَتْمِيمُ الْحَجِّ عَلَيْهَا.
وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِلْحَجِّ، رَكِبَهَا إِلَى مِنًى ثُمَّ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ مِنًى، ثُمَّ مَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ.
وَهَلْ يَرْكَبُهَا إِلَى مَكَّةَ رَاجِعًا إِلَى مِنًى لِلرَّمْيِ وَالطَّوَافِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصَحُّهُمَا اسْتِحْقَاقَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَمْ يَفْرُغْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَحَلَّلَ.
وَمِنْ مَسَائِلِ هَذَا النَّوْعِ لَوْ طَلَبَ أَحَدُ الْمُتَكَارِيَيْنِ مُفَارَقَةَ الْقَافِلَةِ بِالتَّقَدُّمِ أَوِ التَّأَخُّرِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا بِرِضَى صَاحِبِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ إِذَا اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا، فَتَلِفَتِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَإِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَهُ الْخِيَارُ.
وَالْعَيْبُ، مِثْلُ أَنْ تَتَعَثَّرَ فِي الْمَشْيِ، أَوْ لَا تُبْصِرَ فِي اللَّيْلِ، أَوْ يَكُونَ بِهَا عَرَجٌ تَتَخَلَّفُ بِهِ عَنِ الْقَافِلَةِ.
وَمُجَرَّدُ خُشُونَةِ الْمَشْيِ، لَيْسَ بِعَيْبٍ.
وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ، وَسَلَّمَ دَابَّةً وَتَلِفَتْ، لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ.
وَإِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ، وَلَكِنْ عَلَى الْمُؤَجِّرِ إِبْدَالُهَا.
ثُمَّ الدَّابَّةُ الْمُسَلَّمَةُ عَنِ الْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ بِتَلَفِهَا، فَإِنَّهُ ثَبَتَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا حَقُّ الِاخْتِصَاصِ، حَتَّى يَجُوزَ لَهُ إِجَارَتُهَا.
وَلَوْ أَرَادَ الْمُؤَجِّرُ إِبْدَالَهَا، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ دُونَ إِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْمَنْعُ، لِمَا فِيهَا مِنْ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَالثَّانِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ: إِنِ اعْتَمَدَ بِاللَّفْظِ الدَّابَّةَ، بِأَنْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ دَابَّةً صِفَتُهَا كَذَا، لَمْ يَجُزِ الْإِبْدَالُ.
وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْهَا، بَلْ قَالَ: الْتَزَمْتُ إِرْكَابَكَ دَابَّةً صِفَتُهَا كَذَا، جَازَ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ

مَا إِذَا أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ بَعْدَ تَعْيِينٍ عَنْ إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، هَلْ يَتَقَدَّمُ الْمُسْتَأْجِرُ بِمَنْفَعَتِهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْلِيسِ.
وَالْأَصَحُّ: التَّقَدُّمُ.
وَلَوْ أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَعْتَاضَ عَنْ حَقِّهِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَسَلَّمَ دَابَّةً، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، جَازَ، لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقٍّ فِي عَيْنٍ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ يُفِيدُ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْعَيْنِ، فَيَمْتَنِعُ الْإِبْدَالُ دُونَ رِضَاهُ.

فَصْلٌ

نَذْكُرُ فِيهِ قَوْلًا جَمْلِيًّا فِي إِبْدَالِ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِجَارَةِ الْمَنْفَعَةُ الْمَطْلُوبَةُ فِي الْعَقْدِ، لَهَا مُسْتَوْفٍ، مُسْتَوْفًى مِنْهُ، وَمُسْتَوْفًى بِهِ، فَأَمَّا الْمُسْتَوْفِي وَهُوَ مُسْتَحِقُّ الِاسْتِيفَاءِ، فَلَهُ أَنْ يُبَدِّلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ مَا اسْتَأْجَرَ، فَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ، فَلَهُ أَنْ يُرْكِبَهَا مِثْلَ نَفْسِهِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالضَّخَامَةِ وَالنَّحَافَةِ وَمَنْ هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ يُلْبِسَ الثَّوْبَ مِثْلَهُ، وَيُسْكِنَ الدَّارَ، دُونَ الْقَصَّارِ وَالْحَدَّادِ، لِزِيَادَةِ الضَّرَرِ.
وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِحَمْلِ الْقُطْنِ، فَلَهُ حَمْلُ الصُّوفِ وَالْوَبَرِ.
أَوْ لِحَمْلِ الْحَدِيدِ، فَلَهُ حَمْلُ النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ لِلْحَمْلِ، فَأَرَادَ إِرْكَابَ مَنْ لَا يَزِيدُ وَزْنُهُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَحْمُولِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ الصَّنْعَةِ.
فَإِنْ قَالُوا: لَا يَتَفَاوَتُ الضَّرَرُ، جَازَ، وَإِنْ قَالُوا: يَتَفَاوَتُ، لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ لِلرُّكُوبِ فَأَرَادَ الْحَمْلَ.
وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي «التَّهْذِيبِ» . وَأَمَّا الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ، فَهُوَ الدَّارُ وَالدَّابَّةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَالْأَجِيرُ الْمُعَيَّنُ، وَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهُ كَمَا لَا يُبَدَّلُ الْمَبِيعُ.
وَأَمَّا الْمُسْتَوْفَى بِهِ، فَهُوَ كَالثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ لِلْخِيَاطَةِ وَالصَّبِيِّ الْمُعَيَّنِ لِلْإِرْضَاعِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالْأَغْنَامِ الْمُعَيَّنَةِ لِلرَّعْيِ.
وَفِي إِبْدَالِهِ وَجْهَانِ.
وَيُقَالُ: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْمُتَوَلِّي

الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ كَالرَّاكِبِ.
وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ بِتَلَفِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمُدَّةِ، وَمَيْلُ الْعِرَاقِيِّينَ إِلَى تَرْجِيحِ الِانْفِسَاخِ، وَقَالُوا: هُوَ الْمَنْصُوصُ.
وَالثَّانِي: مُخَرَّجٌ.
وَسَنَزِيدُ الْمَسْأَلَةَ إِيضَاحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَابِ الثَّالِثِ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَلْتَقِمِ الصَّبِيُّ الْمُعَيَّنُ ثَدْيَهَا، فَعَلَى رَأْيٍ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَعَلَى رَأْيٍ، يُبَدَّلُ.

فَصْلٌ

اسْتِئْجَارُ الثِّيَابِ لِلُّبْسِ، وَالْبُسُطِ وَالزَّلَالِيِّ لِلْفِرَاشِ، وَاللُّحُفِ لِلِالْتِحَافِ، جَائِزٌ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِيَلْبَسَهُ مُدَّةً، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنَامَ فِيهِ بِاللَّيْلِ.
وَهَلْ لَهُ النَّوْمُ فِيهِ [فِي] وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: جَوَازُهُ لِلْعَادَةِ.
لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ الْقَمِيصَ الْفَوْقَانِيَّ، لَزِمَهُ نَزْعُهُ بَلْ يَلْزَمُهُ نَزْعُهُ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ الْخَلْوَةِ، وَإِنَّمَا تُلْبَسُ ثِيَابُ التَّجَمُّلِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهَا بِالتَّجَمُّلِ، كَحَالَةِ الْخُرُوجِ إِلَى السُّوقِ وَنَحْوِهِ، وَدُخُولِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ الِاتِّزَارُ بِمَا يَسْتَأْجِرُ لِلُّبْسِ، وَيَجُوزُ الِارْتِدَاءُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ لِلِارْتِدَاءِ، لَمْ يَجُزِ الِاتِّزَارُ، وَيَجُوزُ التَّعَمُّمُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي النَّوْمِ فِي الثَّوْبِ، هُوَ الَّذِي أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ، إِلَّا قَوْلَهُ: هَلْ يَجُوزُ النَّوْمُ فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ؟ فَإِنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا: يَجُوزُ النَّوْمُ فِيهِ بِالنَّهَارِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْقَيْلُولَةِ، وَلَكِنْ ضَبَطَهُ الصَّيْمَرِيُّ فَقَالَ: إِنْ نَامَ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ، جَازَ، لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ.
وَإِنْ نَامَ أَكْثَرَ النَّهَارِ، لَمْ يَجُزْ.
قَالُوا: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ لِلُّبْسِ مُطْلَقًا، فَلَهُ لُبْسُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا إِذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا قَطْعًا.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ لِلُّبْسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيَالِيَ، فَالصَّحِيحُ دُخُولُ اللَّيَالِي.
وَقِيلَ: لَا تَدْخُلُ، حَكَيَاهُ فِي

«الْعُدَّةِ» وَ «الْبَيَانِ» . وَإِذَا اسْتَأْجَرَ يَوْمًا كَامِلًا، فَوَقْتُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَإِنْ قَالَ: يَوْمًا، وَأَطْلَقَ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: كَانَ مِنْ وَقْتِهِ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْغَدِ.
وَإِنِ اسْتَأْجَرَ نَهَارَ يَوْمٍ، قَالَ فِي الْبَيَانِ: فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الصَّيْمَرِيُّ.
أَحَدُهُمَا: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَالثَّانِي: مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِجَارَةِ فِي الْأَمَانَةِ وَالضَّمَانِ.
مَالُ الْإِجَارَةِ، تَارَةً يَكُونُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَتَارَةً فِي يَدِ الْأَجِيرِ عَلَى الْعَمَلِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ، فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: يَدُهُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْهَا بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَتَقْصِيرٍ وَهَلْ يَضْمَنُ مَا يُتْلَفُ فِي يَدِهِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ هَلْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الرَّدُّ وَمُؤْنَتُهُ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: لَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَهَا إِذَا طَلَبَ، لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ.
وَأَقْرَبُهُمَا إِلَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَلْزَمُهُ الرَّدُّ وَمُؤْنَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْمَالِكُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَلِأَنَّهُ أَخَذَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَعِيرَ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الرَّدَّ، لَزِمَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَقَالَ: مَنْ لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ شَرْطُهُ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ، فَلَا ضَمَانَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الرَّدُّ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمْسَاكُ بِعُذْرٍ.
قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، ضَمَانُهُ أُجْرَةَ الْمَنَافِعِ الَّتِي تَتْلَفُ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ.
فَإِنْ أَلْزَمْنَاهُ الرَّدَّ، ضَمَّنَّاهُ، وَإِلَّا، فَلَا.

قُلْتُ: وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ، الْقَطْعُ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ إِذَا انْفَسَخَتْ بِسَبَبٍ، لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرُ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ التَّالِفَةِ عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ الْمَالِكُ بِأَنَّهَا انْفَسَخَتْ، وَإِلَّا، فَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَهُ.
وَإِذَا لَمْ يُعْلِمْهُ، كَانَ مُقَصِّرًا ضَامِنًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ غُصِبَتِ الدَّابَّةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ مَعَ دَوَابِّ الرُّفْقَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ فِي الطَّلَبِ، وَلَمْ يَذْهَبِ الْمُسْتَأْجِرُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَلْزَمْنَاهُ، فَإِنِ اسْتَرَدَّ مَنْ ذَهَبَ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا غَرَامَةٍ، ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمُتَخَلِّفُ.
وَإِنْ لَحِقَهُ غَرَامَةٌ وَمَشَقَّةٌ، لَمْ يَضْمَنْ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ الْعُبَّادِيُّ.
فَرْعٌ لَوِ اسْتَأْجَرَ قِدْرًا مُدَّةً لِيَطْبُخَ فِيهَا، ثُمَّ حَمَلَهَا بَعْدَ الْمُدَّةِ لِيَرُدَّهَا، فَسَقَطَ الْحِمَارُ فَانْكَسَرَتْ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: إِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ بِحَمْلِهَا، فَلَا ضَمَانَ.
وَإِنْ كَانَ يَسْتَقِلُّ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، سَوَاءٌ أَلْزَمْنَاهُ الرَّدَّ، أَمْ لَا، لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْقِدْرَ لَا تَرِدُ بِالْحِمَارِ مَعَ اسْتِقْلَالِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ حَمَّالٍ بِهَا.

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الدَّابَّةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ لِلْحَمْلِ أَوِ الرُّكُوبِ، إِذَا رَبَطَهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا فِي الْمُدَّةِ، فَالْقَوْلُ فِي اسْتِقْرَارِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ مَاتَتْ فِي الْإِصْطَبْلِ.
فَلَوِ انْهَدَمَ عَلَيْهَا فَهَلَكَتْ بِهِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمَعْهُودُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَوْ خَرَجَ بِهَا أَنْ يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ، وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَعْهُودُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ السَّقْفِ، كَجُنْحِ اللَّيْلِ فِي الشِّتَاءِ، فَلَا ضَمَانَ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْمَالُ فِي يَدِ الْأَجِيرِ، كَالثَّوْبِ إِذَا اسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَتِهِ أَوْ صَبْغِهِ أَوْ قِصَارَتِهِ، وَالْعَبْدِ إِذَا اسْتُؤْجِرَ لِتَعْلِيمِهِ أَوْ لِرِضَاعِهِ، وَالدَّابَّةِ إِذَا اسْتُؤْجِرَ لِرِيَاضَتِهَا.
فَإِذَا تَلِفَ وَالْأَجِيرُ مُنْفَرِدٌ بِالْيَدِ، فَهُوَ، إِمَّا أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ، وَإِمَّا مُنْفَرِدٌ.
وَالْمُشْتَرَكُ: هُوَ الَّذِي يَتَقَبَّلُ الْعَمَلَ فِي ذِمَّتِهِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ الْخَيَّاطِينَ وَالصَّوَّاغِينَ.
فَإِذَا الْتَزَمَ لِوَاحِدٍ، أَمْكَنَهُ أَنْ يَلْتَزِمَ لِغَيْرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَكَأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ النَّاسِ.
وَالْمُنْفَرِدُ: هُوَ الَّذِي أَجَّرَ نَفْسَهُ مُدَّةً مُقَدَّرَةً لِعَمَلٍ، فَلَا يُمْكِنُهُ تَقَبُّلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَمَلِ لِغَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَقِيلَ: الْمُشْتَرِكُ: هُوَ الَّذِي شَارَكَهُ فِي الرَّأْيِ فَقَالَ: اعْمَلْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شِئْتَ.
وَالْمُنْفَرِدُ: هُوَ الَّذِي عُيِّنَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَمَوْضِعُهُ.
أَمَّا الْمُشْتَرِكُ، فَهَلْ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ كَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَلِمِ.
وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يَضْمَنُ كَعَامِلِ الْقِرَاضِ.
وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُ قَطْعًا.
وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ، فَلَا يَضْمَنُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْأَجِيرُ مُنْفَرِدًا بِالْيَدِ، كَمَا إِذَا قَعَدَ الْمُسْتَأْجِرُ عِنْدَهُ حَتَّى عَمِلَ، أَوْ حَمَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ لِيَعْمَلَ، فَالْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: لَا ضَمَانَ، لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إِلَيْهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا اسْتَعَانَ بِهِ الْمَالِكُ، كَالِاسْتِعَانَةِ بِالْوَكِيلِ.
وَعَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ وَالطَّبَرِيِّ، طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ.
وَحَيْثُ ضَمَّنَّا الْأَجِيرَ، فَالْوَاجِبُ أَقْصَى قِيمَةٍ مِنَ الْقَبْضِ إِلَى التَّلَفِ، أَمْ قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ الْأَجِيرُ، فَإِنْ تَعَدَّى، وَجَبَ الضَّمَانُ قَطْعًا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ

يُسْرِفَ عَلَى الْخُبْزِ فِي الْإِيقَادِ وَيُلْصِقَ الْخُبْزَ قَبْلَ وَقْتِهِ، أَوْ يَتْرُكَهُ فِي التَّنُّورِ فَوْقَ الْعَادَةِ حَتَّى يَحْتَرِقَ، أَوْ ضَرَبَ عَلَى التَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ الصَّبِيَّ فَمَاتَ، لِأَنَّ تَأْدِيبَهُ بِغَيْرِ الضَّرْبِ مُمْكِنٌ.
وَمَتَى اخْتَلَفَا فِي التَّعَدِّي وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، عَمِلْنَا بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ لَمْ نَجِدْهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَجِيرِ.
وَمَتَى تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ بَعْدَ تَعَدِّيهِ، فَالْوَاجِبُ أَقْصَى قِيمَةٍ مِنْ وَقْتِ التَّعَدِّي إِلَى التَّلَفِ إِنْ لَمْ يَضْمَنِ الْأَجِيرُ.
فَإِنْ ضَمَّنَّاهُ، فَأَقْصَى قِيمَةٍ مِنَ الْقَبْضِ إِلَى التَّلَفِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَوَابًا عَلَى قَوْلِنَا: يَضْمَنُ بِأَقْصَى قِيمَةٍ مِنَ الْقَبْضِ إِلَى التَّلَفِ.
فَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: يَضْمَنُ قِيمَةَ يَوْمِ التَّلَفِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ هُنَا أَقْصَى قِيمَةٍ مِنَ التَّعَدِّي إِلَى التَّلَفِ.
قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، مُتَعَيَّنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ قَالَ الْأَصْحَابُ: إِذَا حَجَمَهُ أَوْ خَتَنَهُ فَتَلِفَ، إِنْ كَانَ الْمَحْجُومُ وَالْمَخْتُونُ حُرًّا، فَلَا ضَمَانَ، لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، نُظِرَ فِي انْفِرَادِ الْحَاجِمِ بِالْيَدِ وَعَدَمِ انْفِرَادِهِ، وَأَنَّهُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ، أَمْ لَا؟ وَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ مُطْلَقًا إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
وَكَذَا الْبَيْطَارُ إِذَا بَزَغَ الدَّابَّةَ فَتَلِفَتْ، وَالرَّاعِي الْمُنْفَرِدُ كَذَلِكَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوِ اكْتَرَاهُ لِيَحْفَظَ مَتَاعَهُ فِي دُكَّانِهِ فَتَلِفَ، فَلَا ضَمَانَ [قَطْعًا] ، لِأَنَّ الْمَالَ فِي يَدِ الْمَالِكِ.

فَصْلٌ

إِذَا دَفَعَ ثَوْبًا إِلَى قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ، أَوْ خَيَّاطٍ لِيُخِيطَهُ، أَوْ جَلَسَ بَيْنَ يَدِي

حَلَّاقٍ لِيَحْلِقَ رَأْسَهُ، أَوْ دَلَّاكٍ لِيُدَلِّكَهُ، فَفَعَلَ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا ذِكْرُ أُجْرَةٍ وَلَا نَفْيُهَا، فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: لَا أُجْرَةَ لَهُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ، وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَطْعِمْنِي خُبْزًا، فَأَطْعَمَهُ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ بَدَأَ الْمَعْمُولُ لَهُ فَقَالَ: افْعَلْ كَذَا، لَزِمَهُ الْأُجْرَةُ.
وَإِنْ بَدَأَ الْعَامِلُ فَقَالَ: أَعْطِنِي ثَوْبًا لِأُقَصِّرَهُ، فَلَا أُجْرَةَ.
وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ الْعَامِلُ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ الْعَمَلِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ لِلْعَادَةِ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَوْ دَخَلَ سَفِينَةً بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا، وَسَارَ إِلَى السَّاحِلِ، لَزِمَهُ الْأُجْرَةُ.
وَإِنْ كَانَ بِالْإِذْنِ وَلَمْ يَجْرِ ذِكْرُ الْأُجْرَةِ، فَعَلَى الْأَوْجُهِ.
وَإِذَا لَمْ نُوجِبِ الْأُجْرَةَ، فَالثَّوْبُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْقَصَّارِ وَنَحْوِهِ.
وَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا، فَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ.
فَرْعٌ فِيمَا يَأْخُذُهُ الْحَمَّامِيُّ أَوْجُهٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ ثَمَنُ الْمَاءِ، وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِحِفْظِ الثِّيَابِ وَإِعَارَةِ السَّطْلِ، فَعَلَى هَذَا، الثِّيَابُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْحَمَّامِيِّ، وَالسَّطْلُ مَضْمُونٌ عَلَى الدَّاخِلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ثَمَنُ الْمَاءِ وَأُجْرَةُ الْحَمَّامِ وَالسَّطْلِ.
وَأَصَحُّهَا: أَنَّهُ أُجْرَةُ الْحَمَّامِ وَالسَّطْلِ وَالْإِزَارِ وَحِفْظِ الثِّيَابِ.
وَأَمَّا الْمَاءُ، فَغَيْرُ مَضْبُوطٍ، وَلَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ.
فَعَلَى هَذَا، السَّطْلُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الدَّاخِلِ، وَالْحَمَّامِيُّ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ فِي الثِّيَابِ، فَلَا يَضْمَنُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَسَائِرِ الْأُجَرَاءِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الْأُجْرَةُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ وَلَمْ يَطَّرِدْ فِيهِ الْخِلَافُ، لِأَنَّ الدَّاخِلَ مُسْتَوْفٍ مَنْفَعَةَ الْحَمَّامِ بِسُكُونِهِ، وَهُنَاكَ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ صَرَفَهَا.

فَصْلٌ

إِذَا عَمِلَ الْأَجِيرُ، ثُمَّ تَلِفَتِ الْعَيْنُ الَّتِي عَمِلَ عَلَيْهَا، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْفَرِدًا بِالْيَدِ، بَلْ عَمِلَ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوْ فِي حَضْرَتِهِ، لَمْ تَسْقُطْ أُجْرَتُهُ.
وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا بِالْيَدِ، بِأَنْ سَلَّمَ الثَّوْبَ إِلَى قَصَّارٍ فَقَصَّرَهُ، ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ، أَنَّ الْقِصَارَةَ عَيْنٌ، أَمْ أَثَرٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ، لَمْ تَسْقُطِ الْأُجْرَةُ، ثُمَّ إِنْ ضَمَّنَّا الْأَجِيرَ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ ثَوْبٍ مَقْصُورٍ، وَإِلَّا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، سَقَطَتْ أُجْرَتُهُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ إِنْ ضَمَّنَّا الْأَجِيرَ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ تَعَدٍّ، وَإِلَّا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَتْلَفَ أَجْنَبِيٌّ الثَّوْبَ الْمَقْصُورَ، فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَارَةُ أَثَرٌ، فَلِلْأَجِيرِ الْأُجْرَةُ، وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْقِيمَةُ.
ثُمَّ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى قَوْلِ تَضْمِينِ الْأَجِيرِ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ مُطَالَبَةِ الْأَجِيرِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْقَرَارُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ.
وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، جَاءَ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَتْلَفَ أَجْنَبِيٌّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَ، وَإِلَّا، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَإِجَازَتِهَا.
فَإِنْ أَجَازَ وَلَمْ يُضَمِّنِ الْأَجِيرَ، اسْتَقَرَّتْ [لَهُ] الْأُجْرَةُ، وَالْمُسْتَأْجِرُ يُغَرِّمُ الْأَجْنَبِيَّ قِيمَةَ ثَوْبٍ مَقْصُورٍ.
وَإِنْ ضَمَّنَّاهُ، فَالْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَجْنَبِيَّ قِيمَةَ ثَوْبٍ مَقْصُورٍ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَجْنَبِيَّ قِيمَةَ الْقِصَارَةِ، وَالْأَجِيرَ قِيمَةَ ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ، ثُمَّ الْأَجِيرُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ.
وَإِنْ فَسَخَ الْإِجَارَةَ، فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ وَيُغَرِّمُ الْأَجْنَبِيَّ قِيمَةَ ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ.
وَإِنْ ضَمَّنَّا الْأَجِيرَ، غَرَّمَ الْقِيمَةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَالْقَرَارُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَيُغَرِّمُ الْأَجْنَبِيُّ الْأَجِيرَ قِيمَةَ الْقِصَارَةِ.
وَلَوْ أَتْلَفَ الْأَجِيرُ الثَّوْبَ، فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَارَةُ أَثَرٌ، فَلَهُ الْأُجْرَةُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ثَوْبٍ مَقْصُورٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، جَاءَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ إِتْلَافَ الْبَائِعِ كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ، أَمْ كَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ؟ إِنْ قُلْنَا: كَالْآفَةِ، فَالْحُكْمُ مَا سَبَقَ.
وَإِنْ قُلْنَا: كَالْأَجْنَبِيِّ، وَأَثْبَتْنَا لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارَ، فَإِنْ فَسَخَ الْإِجَارَةَ، سَقَطَتِ الْأُجْرَةُ وَعَلَى الْأَجِيرِ قِيمَةُ ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ.

وَإِنْ أَجَازَهَا، اسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ثَوْبٍ مَقْصُورٍ.
وَصَبْغُ الثَّوْبِ بِصَبْغِ صَاحِبِ الثَّوْبِ كَالْقَصَّارِ.
وَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَصْبُغَ بِصَبْغٍ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ.
وَسَوَاءٌ صَحَّ، أَمْ لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا هَلَكَ الثَّوْبُ عِنْدَهُ، سَقَطَتْ قِيمَةُ الصَّبْغِ.
وَسُقُوطُ الْأُجْرَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْقِصَارَةِ.
فَرْعٌ سَلَّمَ ثُوبًا إِلَى قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ، فَجَحَدَهُ ثُمَّ أَتَى بِهِ مَقْصُورًا، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ إِنْ قَصَّرَهُ ثُمَّ جَحَدَ، [وَإِنْ جَحَدَ] ثُمَّ قَصَّرَهُ، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّهُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصَحُّهُمَا: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ لِنَفْسِهِ فَلَا أُجْرَةَ، أَوْ يَقْصِدَ عَمَلَهُ عَنِ الْإِجَارَةِ الْوَاجِبَةِ فَيَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

الْمُسْتَأْجِرُ يَضْمَنُ بِالتَّعَدِّي، بِأَنْ ضَرَبَ الدَّابَّةَ أَوْ كَبَحَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ، وَعَادَةُ الضَّرْبِ تَخْتَلِفُ فِي حَقِّ الرَّاكِبِ، وَالرَّائِضِ، وَالرَّاعِي، فَكَلٌّ يُرَاعَى فِيهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ فِي الْأَجِيرِ لِلرِّيَاضَةِ وَالرَّعِي مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْمُسْتَأْجِرِ لِلرُّكُوبِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الْمُعْتَادُ، إِذَا أَفْضَى إِلَى تَلَفٍ، فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا، وَيُخَالِفُ ضَرْبَ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَأْدِيبُهَا بِغَيْرِ الضَّرْبِ.
وَلَوْ نَامَ بِاللَّيْلِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، أَوْ نَقَلَ فِيهِ التُّرَابَ، أَوْ أَلْبَسَهُ عَصَّارًا، أَوْ دَبَّاغًا، أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ هُوَ دُونَ حَالِهِ، أَوْ أَسْكَنَ الدَّارَ قَصَّارًا أَوْ حَدَّا دًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ هُوَ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْهُ، أَوْ أَرْكَبَ

الدَّابَّةَ أَثْقَلَ مِنْهُ، وَجَبَ الضَّمَانُ، وَقَرَارُهُ عَلَى الثَّانِي إِنْ كَانَ عَالِمًا، وَإِلَّا، فَعَلَى الْأَوَّلِ.
وَإِنْ أَرْكَبَهَا مِثْلَهُ، فَجَاوَزَ الْعَادَةَ فِي الضَّرْبِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ.
وَلَوِ اكْتَرَى لِمِائَةِ رِطْلِ حَدِيدٍ، فَحَمَلَ مِائَةً مِنَ الْقُطْنِ أَوِ التِّبْنِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ مِائَةَ رِطْلِ حِنْطَةٍ، فَحَمَلَ مِائَةَ رِطْلِ شَعِيرٍ أَوْ عَكْسُهُ، ضَمِنَ، لِأَنَّ الشَّعِيرَ أَخَفُّ، وَمَأْخَذُهُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَكْثَرُ، وَالْحِنْطَةُ يَجْتَمِعُ ثِقَلُهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا الْقُطْنُ وَالْحَدِيدُ.
وَلَوِ اكْتَرَى لِعَشَرَةِ أَقْفِزَةِ حِنْطَةٍ، فَحَمَلَ عَشَرَةً شَعِيرًا، لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّ قَدْرَهُمَا فِي الْحَجْمِ سَوَاءٌ، وَالشَّعِيرَ أَخَفُّ، وَبِالْعَكْسِ يَضْمَنُ.
وَلَوِ اكْتَرَى لِيَرْكَبَ بِسَرْجٍ، فَرَكِبَ بِلَا شَيْءٍ أَوْ عَكْسُهُ، ضَمِنَ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَضَرُّ بِالدَّابَّةِ، وَالثَّانِي زِيَادَةٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ.
وَلَوِ اكْتَرَى لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا بِالْإِكَافِ، فَحَمَلَ بِالسَّرْجِ، ضَمِنَ، لِأَنَّهُ أَشَقُّ عَلَيْهَا، وَبِالْعَكْسِ لَا يَضْمَنُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَثْقَلَ، وَلَوِ اكْتَرَى لِيَرْكَبَ بِالسَّرْجِ، فَرَكِبَ بِالْإِكَافِ، ضَمِنَ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَضْمَنُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَثْقَلَ، وَقِسْ عَلَى [هَذَا] أَشْبَاهَهُ.
فَرْعٌ لَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِحَمْلِ مِقْدَارٍ سَمَّيَاهُ، فَكَانَ الْمَحْمُولُ أَكْثَرَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ مِنَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الَكَيْلَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَبْلَغِ، فَلَا عِبْرَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ، بِأَنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ عَشَرَةَ آصُعٍ، وَالْمَحْمُولُ أَحَدَ عَشَرَ، فَلِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: إِذَا كَالَ الْمُسْتَأْجِرُ الطَّعَامَ، وَحَمَلَهُ هُوَ عَلَيْهَا، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا زَادَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمُسَمَّى وَمَا دَخَلَ الدَّابَّةَ مِنْ نَقْصٍ وَبَيْنَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ وَبَيْنَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ.
فَلَوْ تَلِفَتِ الْبَهِيمَةُ بِالْحَمْلِ، فَإِنَّ انْفِرَادَ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْيَدِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا صَاحِبُهَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا، لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا، فَهَلْ

يَلْزَمُهُ كُلُّ الْقِيمَةِ، أَمْ نِصْفُهَا، أَمْ قِسْطُ الزِّيَادَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيمَةِ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ.
أَظْهَرُهَا: الثَّالِثُ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، أَنَّ الثَّانِي أَظْهَرُ.
وَلَوْ تَلِفَتِ الدَّابَّةُ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْحَمْلِ، ضَمِنَ عِنْدِ انْفِرَادِهِ بِالْيَدِ، وَلَمْ يَضْمَنْ إِذَا لَمْ يَنْفَرِدْ.
وَ [أَمَّا] إِذَا لَمْ يَحْمِلِ الْمُسْتَأْجِرُ الطَّعَامَ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ كَالَهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُؤَجِّرِ، فَحَمَلَهُ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الْبَهِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ جَاهِلًا بِالْحَالِ، بِأَنْ قَالَ لَهُ هُوَ عَشَرَةٌ كَاذِبًا، وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا لَوْ حَمَلَ بِنَفْسِهِ.
وَقِيلَ: قَوْلَانِ، لِاجْتِمَاعِ الْغُرُورِ وَالْمُبَاشَرَةِ.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالزِّيَادَةِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ شَيْئًا، وَلَكِنْ حَمَلَهُ الْمُؤَجِّرُ، فَحُكْمُهُ مَا يَأْتِي فِي الْحَالِ الثَّانِي، لِأَنَّهُ حَمَلَ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَضَعَهُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْأَرْضِ فَيَحْمِلَهُ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الْبَهِيمَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَهَى وَاقِفَةٌ فَيُسَيِّرَهَا الْمُؤَجِّرُ.
وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: احْمِلْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، فَأَجَابَهُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ مُسْتَعِيرٌ لِلْبَهِيمَةِ فِي الزِّيَادَةِ، فَلَا أُجْرَةَ لَهَا، وَإِذَا تَلِفَتِ الْبَهِيمَةُ بِالْحَمْلِ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَفِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مَا يُنَازِعُهُ فِي الْأُجْرَةِ وَالضَّمَانِ جَمِيعًا.
الْحَالُ الثَّانِي: إِذَا كَالَ الْمُؤَجِّرُ وَحَمَلَهُ عَلَى الْبَهِيمَةِ، فَلَا أُجْرَةَ لِمَا زَادَ، سَوَاءٌ غَلِطَ أَوْ تَعَمَّدَ، وَسَوَاءٌ جَهِلَ الْمُسْتَأْجِرُ الزِّيَادَةَ أَوْ عَلِمَهَا وَسَكَتَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي نَقْلِ الزِّيَادَةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْبَهِيمَةِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُؤَجِّرِ بِرَدِّ الزِّيَادَةِ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَرُدَّهَا دُونَ رِضَاهُ.
فَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُسْتَأْجِرُ حَتَّى عَادَ إِلَى الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ مِنْهُ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُؤَجِّرِ بِرَدِّهَا.
وَالْأَظْهَرُ أَوِ الْأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ مُطَالَبَتَهُ بِبَدَلِهَا فِي الْحَالِ، كَمَا لَوْ أَبِقَ الْمَغْصُوبُ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ.
وَالثَّانِي: لَا يُطَالِبُهُ بِبَدَلِهَا، لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ بَاقِيَةٌ، وَرَدَّهَا مَقْدُورٌ عَلَيْهِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَغُرِّمَ الْبَدَلُ، فَإِذَا رَدَّهَا إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، اسْتَرَدَّ الْبَدَلَ وَرَدَّهَا إِلَيْهِ.
أَمَّا لَوْ كَالَ الْمُؤَجِّرُ، وَحَمَلَهُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْبَهِيمَةِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ عَالِمًا بِالزِّيَادَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَالَ بِنَفْسِهِ وَحَمَلَ،

لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَحْمِلَهَا.
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَوَجْهَانِ مَأْخُوذَانِ مِمَّا لَوْ قُدِّمَ الطَّعَامُ الْمَغْصُوبُ إِلَى الْمَالِكِ فَأَكَلَهُ جَاهِلًا، هَلْ يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ؟ الْحَالُ الثَّالِثُ: إِذَا كَالَ أَجْنَبِيٌّ وَحَمَلَ بِلَا إِذْنٍ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الزِّيَادَةِ لِلْمُؤَجِّرِ، وَعَلَيْهِ الرَّدُّ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ مِنْهُ إِنْ طَالَبَهُ الْمُسْتَأْجِرُ، وَضَمَانُ الْبَهِيمَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَإِنْ تَوَلَّى الْحَمْلَ بَعْدَ كَيْلِ الْأَجْنَبِيِّ أَحَدُ الْمُتَكَارِيَيْنِ، نُظِرَ، أَعَالِمٌ هُوَ، أَمْ جَاهِلٌ؟ وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الزِّيَادَةِ، وَعَلَى أَنَّهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الزِّيَادَةِ، أَوْ قَدْرِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَإِنِ ادَّعَى الْمُؤَجِّرُ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ، وَالدَّابَّةُ فِي يَدِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا، تُرِكَتْ فِي يَدِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ حَتَّى يَظْهَرَ مُسْتَحِقُّهَا، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ أُجْرَتُهَا.
فَرْعٌ لَوْ وُجِدَ الْمَحْمُولُ عَلَى الدَّابَّةِ دُونَ الْمَشْرُوطِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ النَّقْصُ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ مِنَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَالَ الْمُؤَجِّرُ، حَطَّ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ إِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُسْتَأْجِرُ.
فَإِنْ عَلِمَ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِالْمَشْرُوطِ.
وَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ عَيْنٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَالَ الْمُسْتَأْجِرُ بِنَفْسِهِ وَنَقَصَ، فَلَا يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الْأُجْرَةِ، لَأَنَّ التَّمْكِينَ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ قَدْ حَصَلَ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي تَقَرُّرِ الْأُجْرَةِ.
فَرْعٌ اكْتَرَى اثْنَانِ دَابَّةً وَرَكِبَاهَا، فَارْتَدَفَهُمَا ثَالِثٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا، فَتَلِفَتْ، فَفِيمَا يَلْزَمُ الْمُرْتَدِفُ

ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: نِصْفُ الْقِيمَةِ.
وَالثَّانِي: ثُلْثُهَا.
وَالثَّالِثُ: تُقَسَّطُ عَلَى أَوْزَانِهِمْ، فَيَلْزَمُهُ حِصَّةُ وَزْنِهِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهَا: الثَّانِي.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: لَوْ سَخَّرَ رَجُلًا مَعَ بَهِيمَتِهِ، فَتَلِفَتِ الْبَهِيمَةُ فِي يَدِ صَاحِبِهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسَخِّرُ، لِأَنَّهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

إِذَا دَفَعَ ثَوْبًا إِلَى خَيَّاطٍ لِيَقْطَعَهُ وَيَخِيطَهُ، فَخَاطَهُ قَبَاءً، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْخَيَّاطُ: أَمَرْتَنِي بِقَبَاءٍ، وَقَالَ: بَلْ أَمَرْتُكَ بِقَمِيصٍ، أَوْ سَوَّدَ الثَّوْبَ بِصَبْغٍ وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرْتَنِي، فَقَالَ: بَلْ أَمَرْتُكَ بِصَبْغِهِ أَحْمَرَ، فَفِيهِ خَمْسَةُ طُرُقٍ.
أَصَحُّهَا وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَالِكِ.
وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
هَذَانِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: قَوْلَانِ.
تَصْدِيقُ الْمَالِكِ، وَالتَّحَالُفُ.
وَالرَّابِعُ: الْقَطْعُ بِالتَّحَالُفِ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَصَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ.
وَالْخَامِسُ: عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، إِنْ جَرَى بَيْنَهُمَا عَقْدٌ، تَعَيَّنَ التَّحَالُفُ، وَإِلَّا، فَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ، فَإِذَا حَلَفَ، لَا أَرْشَ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ لَهُ الْمُسَمَّى إِتْمَامًا لِتَصْدِيقِهِ.
وَالثَّالِثُ: أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
فَإِذَا قُلْنَا: لَا أُجْرَةَ لَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ الْأُجْرَةَ عَلَى الْمَالِكِ، وَيُحَلِّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ، فَفِي تَجْدِيدِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.

قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصَحُّهُمَا: التَّجْدِيدُ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
فَإِذَا حَلَفَ، فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ الْخَيَّاطُ أَرْشَ النَّقْصِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ كَمَا فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ تَفْرِيعًا عَلَى تَصْدِيقِ الْخَيَّاطِ.
وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْقَطْعَ يُوجِبُ الضَّمَانَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُوجِبٍ إِلَّا بِإِذْنٍ.
ثُمَّ فِي الْأَرْشِ الْوَاجِبِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَقْطُوعًا.
وَالثَّانِي: مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَقْطُوعًا قَمِيصًا وَمَقْطُوعًا قَبَاءً.
وَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَنْقُصْ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَعَلَى الثَّانِي: فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ لِلْقَدْرِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْقَمِيصِ مِنَ الْقَطْعِ، وَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَعَمْ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهُ لِلْقَمِيصِ.
قُلْتُ: الْمَنْعُ أَصَحُّ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا قُلْنَا: يَتَحَالَفَانِ، فَحَلَفَا، فَلَا أُجْرَةَ لِلْخَيَّاطِ قَطْعًا، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَإِذَا أَرَادَ الْخَيَّاطُ نَزْعَ الْخَيْطِ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ حَيْثُ حَكَمْنَا [لَهُ] بِالْأُجْرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْخَيْطُ لِلْمَالِكِ أَوْ مِنْ عِنْدِهِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْخِيَاطَةِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا أُجْرَةَ، فَلَهُ نَزْعُ خَيْطِهِ كَالصَّبْغِ.
وَحِينَئِذٍ لَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ أَنْ يَشُدَّ بِخَيْطِهِ خَيْطًا لِيَدَّخِرَ فِي الدُّرُوزِ إِذَا خَرَجَ الْأَوَّلُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا بِرِضَى الْخَيَّاطِ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْيَمِينِ، فَقَالَ فِي «الشَّامِلِ» : إِنْ صَدَّقْنَا الْخَيَّاطَ، حَلَفَ بِاللَّهِ: مَا أَذِنْتَ لِي فِي قَطْعِهِ قَمِيصًا، وَلَقَدْ أَذِنْتَ لِي فِي قَطْعِهِ قَبَاءً، قَالَ: وَإِنْ صَدَّقْنَا الْمَالِكَ، كَفَاهُ عِنْدِي أَنْ يَحْلِفَ: مَا أَذِنْتُ لَهُ فِي قَطْعِهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّعَرُّضِ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُرْمِ وَسُقُوطَ الْأُجْرَةِ يَقْتَضِيهِمَا نَفْيُ الْإِذْنِ فِي الْقَبَاءِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّحَالُفِ، جَمَعَ كَلُّ وَاحِدٍ فِي يَمِينِهِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ.

قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَالْكَلَامُ فِي الْبَدَاءَةِ بِمَنْ؟ هُوَ كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ] ، وَالْمَالِكُ هُنَا فِي رُتْبَةِ الْبَائِعِ.
قُلْتُ: وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إِذَا صَدَّقْنَا الْخَيَّاطَ، حَلَفَ: لَقَدْ أَذِنْتَ لِي فِي قَطْعِهِ قَبَاءً فَقَطْ.
فَإِنْ لَمْ نُثْبِتْ لِلْخَيَّاطِ أُجْرَةً، فَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ «الشَّامِلِ» لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَافٍ فِي نَفْيِ الْغُرْمِ عَنْهُ وَإِنْ أَثْبَتْنَاهَا، فَقَوْلُ صَاحِبِ «الشَّامِلِ» هُوَ الصَّوَابُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ قَالَ لِلْخَيَّاطِ: إِنْ كَانَ هَذَا الثَّوْبُ يَكْفِينِي قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ، فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ، ضَمِنَ الْأَرْشَ، لِأَنَّ الْإِذْنَ مَشْرُوطٌ بِمَا لَمْ يُوجَدْ.
وَإِنْ قَالَ: هَلْ يَكْفِينِي قَمِيصًا، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: اقْطَعْهُ، فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ، لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقٌ.

فَصْلٌ

اخْتِلَافُ الْمُتَكَارِيَيْنِ فِي الْأُجْرَةِ أَوِ الْمُدَّةِ أَوْ قَدْرِ الْمَنْفَعَةِ، هَلْ هِيَ عَشَرَةُ فَرَاسِخَ، أَمْ خَمْسَةٌ، أَمْ كُلُّ الدَّارِ، أَمْ بَيْتٌ مِنْهَا؟ يُوجِبُ التَّحَالُفَ، فَإِذَا تَحَالَفَا، فُسِخَ الْعَقْدُ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا اسْتَوْفَاهُ.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الطَّوَارِئِ الْمُوجِبَةِ لِلْفَسْخِ فَالْفَسْخُ وَالِانْفِسَاخُ، يَثْبُتُ بِخَلَلٍ يَعْرِضُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
إِحْدَاهَا: مَا يُنْقِصُ الْمَنْفَعَةَ.
وَمَتَى ظَهَرَ بِالْمُسْتَأْجَرَةِ نَقْصٌ تَتَفَاوَتُ بِهِ الْأُجْرَةُ، فَهُوَ عَيْبٌ مُثْبِتٌ لِلْفَسْخِ، وَذَلِكَ كَمَرَضِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ، وَانْقِطَاعِ مَاءِ الْبِئْرِ وَتَغَيُّرِهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ الشُّرْبَ، وَانْكِسَارِ دَعَائِمِ الدَّارِ وَاعْوِجَاجِهَا، وَانْهِدَامِ بَعْضِ جُدْرَانِهَا، لَكِنْ لَوْ بَادَرَ الْمُؤَجِّرُ إِلَى الْإِصْلَاحِ، وَكَانَ قَابِلًا لِلْإِصْلَاحِ فِي الْحَالِ، سَقَطَ خِيَارُ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا سَبَقَ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ سَابِقًا لِلْعَقْدِ أَوِ الْقَبْضِ، أَوْ حَادِثًا فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ.
ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ الْعَيْبُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ، فَإِنْ شَاءَ فَسَخَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ بِجَمِيعِ الْأُجْرَةِ.
وَإِنْ ظَهَرَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْفَسْخَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ، فَهُوَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ وَجَدَ بِالْبَاقِي عَيْبًا وَأَرَادَ الْفَسْخَ فِيهِمَا.
وَإِنْ أَرَادَ الْفَسْخَ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَادَ الْفَسْخَ فِي الْعَبْدِ الْبَاقِي وَحْدَهُ، وَحُكْمُهُمَا مَذْكُورٌ فِي الْبَيْعِ.
وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ الْقَوْلَ بِأَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا التَّفْصِيلَ.
وَمَتَى امْتَنَعَ الْفَسْخُ، فَلَهُ الْأَرْشُ، فَيُعْرَفُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ سَلِيمًا وَمَعِيبًا، وَيُعْرَفُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا.
هَذَا كُلُّهُ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ.
أَمَّا إِذَا وَجَدَ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ بِالدَّابَّةِ الْمُسَلَّمَةِ عَيْبًا، فَلَا فَسْخَ، بَلْ يَرُدُّهَا وَيَلْزَمُ الْمُؤَجِّرُ إِبْدَالَهَا.

فَصْلٌ

لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِالْأَعْذَارِ، سَوَاءٌ كَانَتْ إِجَارَةُ عَيْنٍ أَوْ ذِمَّةٍ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا

اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلسَّفَرِ عَلَيْهَا فَمَرِضَ، أَوْ حَانُوتًا لِحِرْفَةٍ فَنَدِمَ أَوْ هَلَكَتْ آلَاتُ تِلْكَ الْحِرْفَةِ، أَوْ حَمَّامًا فَتَعَذَّرَ الْوَقُودُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعُذْرُ لِلْمُؤَجِّرِ، بِأَنْ مَرِضَ وَعَجَزَ عَنِ الْخُرُوجِ مَعَ الدَّابَّةِ، أَوْ أَكْرَى دَارَهُ وَأَهْلُهُ مُسَافِرُونَ، فَعَادُوا وَاحْتَاجَ إِلَى الدَّارِ، أَوْ تَأَهَّلَ، فَلَا فَسْخَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، إِذْ لَا خَلَلَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَلَوِ اكْتَرَى أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ، فَزَرَعَهَا، فَهَلَكَ الزَّرْعُ بِجَائِحَةٍ مِنْ سَيْلٍ أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ كَثْرَةِ مَطَرٍ وَنَحْوِهَا، فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَلَا حَطُّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ، لِأَنَّ الْجَائِحَةَ لَحِقَتْ زَرْعَ الْمُسْتَأْجِرِ، لَا مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ، فَصَارَ كَمَا لَوِ اكْتَرَى دُكَّانًا لِبَيْعِ الْبَزِّ فَاحْتَرَقَ بَزُّهُ، لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ.
فَلَوْ فَسَدَتِ الْأَرْضُ بِجَائِحَةٍ أَبْطَلَتْ قُوَّةَ الْإِنْبَاتِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ فِي الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ فَسَادُ الْأَرْضِ بَعْدَ فَسَادِ الزَّرْعِ، فَهَلْ يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَتْ صَلَاحِيَةُ الْأَرْضِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا نَفْعٌ بَعْدَ فَوَاتِ الزَّرْعِ.
وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ: يَسْتَرِدُّ، لِأَنَّ بَقَاءَ الْأَرْضِ عَلَى صِفَتِهَا مَطْلُوبٌ.
فَإِذَا زَالَ، ثَبَتَ الِانْفِسَاخُ.
وَإِنْ كَانَ فَسَادُ الزَّرْعِ بَعْدَ فَسَادِ الْأَرْضِ، فَأَصَحُّ الِاحْتِمَالَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ: الِاسْتِرْدَادُ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: فَوَاتُ الْمَنْفَعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ حِسًّا، فَمِنْ صُوَرِهِ مَوْتُ الدَّابَّةِ وَالْأَجِيرِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ عَقِبِهِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ.
وَإِنْ كَانَ فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي وَفِي الْمَاضِي الطَّرِيقَانِ فِيمَا إِذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَقَبَضَ أَحَدَهُمَا وَتَلِفَ الثَّانِي قَبْلَ الْقَبْضِ، هَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي الْمَقْبُوضِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ فِي الْمَاضِي، سَقَطَ الْمُسَمَّى وَوَجَبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا مَضَى.
وَإِنْ قُلْنَا:

لَا يَنْفَسِخُ فِيهِ، فَهَلْ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيِّ: لَا، لِأَنَّ مَنَافِعَهُ اسْتُهْلِكَتْ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَمْ يُسَلَّمْ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الْفَسْخُ، فَفَسَخَ، رَجَعَ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا فَسْخَ، أَوْ أَجَازَ، وَجَبَ قِسْطُ مَا مَضَى مِنَ الْمُسَمَّى، وَالتَّوْزِيعُ عَلَى قِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، لَا عَلَى نَفْسِ الزَّمَانِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَرُبَّمَا تَزِيدُ أُجْرَةُ شَهْرٍ عَلَى أُجْرَةِ شَهْرَيْنِ، لِكَثْرَةِ الرَّغَبَاتِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ سَنَةً، وَمَضَى نِصْفُهَا، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيهِ مِثْلَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، وَجَبَ مِنَ الْمُسَمَّى ثُلْثَاهُ.
وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ، فَثُلْثُهُ.
وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ بِعَيْبٍ، فَفُسِخَ الْعَقْدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَفِي الِانْفِسَاخِ فِي الْمَاضِي الطَّرِيقَانِ.
فَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ، فَطَرِيقُ التَّوْزِيعِ مَا بَيَّنَّاهُ.
وَإِنْ أَجَازَهُ، فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ بِتَمَامِهَا، كَمَا لَوْ رَضِيَ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ، لَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ.
وَسَوَاءٌ حَصَلَ التَّلَفُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَمْ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ، بَلْ لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ أَوِ الدَّابَّةَ الْمُعَيَّنَةَ، كَانَ حُكْمُ الِانْفِسَاخِ وَالْأُجْرَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ.
وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْإِتْلَافِ كَمَا يَسْتَقِرُّ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِإِتْلَافِهِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْبَيْعَ وَرَدَ عَلَى الْعَيْنِ، فَإِذَا أَتْلَفَهَا صَارَ قَابِضًا، وَالْإِجَارَةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَمَنَافِعُ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مَعْدُومَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ وُرُودُ الْإِتْلَافِ عَلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ عَيَّبَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّارَ، أَوْ جَرَحَ الْعَبْدَ، فَهُوَ كَالتَّعَيُّبِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ.
فَرْعٌ نُصَّ أَنَّ انْهِدَامَ الدَّارِ يَقْتَضِي الِانْفِسَاخَ، وَنُصَّ فِيمَا إِذَا اكْتَرَى أَرْضًا

لِلزِّرَاعَةِ وَلَهَا مَاءٌ: مُعْتَادٌ فَانْقَطَعَ، أَنَّ لَهُ فَسْخَ الْعَقْدِ، وَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، لِأَنَّ الدَّارَ لَمْ تَبْقَ دَارًا، وَالْأَرْضَ بَقِيَتْ أَرْضًا، وَلِأَنَّ الْأَرْضَ يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا بِالْأَمْطَارِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ.
وَأَصَحُّهَا: قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
أَظْهَرُهُمَا: فِي الِانْهِدَامِ الِانْفِسَاخُ، وَفِي انْقِطَاعِ الْمَاءِ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ إِذَا انْقَطَعَتِ الزِّرَاعَةُ.
فَإِنْ قَالَ الْمُؤَجِّرُ: أَنَا أَسُوقُ إِلَيْهَا مَاءً مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، سَقَطَ الْخِيَارُ كَمَا لَوْ بَادَرَ إِلَى إِصْلَاحِ الدَّارِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالِانْفِسَاخِ، فَالْحُكْمُ كَمَوْتِ الْعَبْدِ، وَإِلَّا، فَلَهُ الْفَسْخُ فِي الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ.
وَفِي الْمَاضِي الْوَجْهَانِ.
فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَعَلَيْهِ قِسْطُ مَا مَضَى مِنَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ أَجَازَ، لَزِمَهُ الْمُسَمَّى كُلُّهُ، وَقِيلَ يُحَطُّ لِلِانْهِدَامِ وَانْقِطَاعِ الْمَاءِ مَا يَخُصُّهُ.
فَرْعٌ لَوْ غُصِبَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ أَوْ أَبَقَ، أَوْ نَدَّتِ الدَّابَّةُ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، فَعَلَى الْمُؤَجِّرِ الْإِبْدَالُ.
فَإِنِ امْتَنَعَ، اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ عَيْنٍ، أَوْ غُصِبَتِ الدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْفَسْخَ، فُسِخَ فِي الْبَاقِي.
وَفِي الْمَاضِي الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَإِنْ لَمْ يُفْسَخْ وَكَانَ قَدِ اسْتَأْجَرَ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَانْقَضَتْ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا أَتْلَفَ أَجْنَبِيٌّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، هَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ، فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ، وَيَسْتَرِدُّ الْأُجْرَةَ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ وَيَسْتَرِدَّ الْأُجْرَةَ، وَبَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيُطَالِبَ الْغَاصِبَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ

الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْأَصْحَابُ، انْفِسَاخُ الْإِجَارَةِ وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ الِانْفِسَاخُ.
وَعَلَى هَذَا، لَوْ عَادَ إِلَى يَدِهِ وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْمُدَّةِ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي الْبَاقِي، وَتَسْقُطَ حِصَّةُ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الِانْفِسَاخَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ يُوجِبُ الِانْفِسَاخَ فِي الْبَاقِي، فَلَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيهِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا بَادَرَ الْمُؤَجِّرُ إِلَى الِانْتِزَاعِ مِنَ الْغَاصِبِ، وَلَمْ تَتَعَطَّلْ مَنْفَعَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، سَقَطَ خِيَارُهُ كَمَا سَبَقَ فِي إِصْلَاحِ الدَّارِ.
فَرْعٌ إِذَا أَقَرَّ الْمُؤَجِّرُ بِالْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْغَاصِبِ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَفِي قَبُولِ إِقْرَارِهِ فِي الرَّقَبَةِ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: الْقَبُولُ.
فَإِنْ قَبِلْنَاهُ، فَفِي بُطْلَانُ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: لَا يَبْطُلُ.
وَالثَّانِي: يَبْطُلُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ تُرِكَتْ فِي يَدِهِ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ لَهُ، لَمْ تُنْزَعْ مِنْهُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ، فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُؤَجِّرُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ، هَلْ يَحْلِفُ الرَّاهِنُ إِذَا أَقَرَّ بِالْمَرْهُونِ وَقَبِلْنَاهُ؟ فَرْعٌ لِلْمُؤَجِّرِ مُخَاصَمَةُ مَنْ غَصَبَ الْمُسْتَأْجَرَةَ أَوْ سَرَقَهَا، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْمُخَاصَمَةُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ كَالْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ هَلْ يُخَاصِمُ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا؟

فَصْلٌ

الثَّوْبُ الْمُعَيَّنُ لِلْخِيَاطَةِ، إِذَا تَلِفَ، فَفِي انْفِسَاخِ الْعَقْدِ خِلَافٌ سَبَقَ.
الْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةٍ: لَا يَنْفَسِخُ، وَعَنِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ: أَنَّهُ يَنْفَسِخُ لِتَعَلُّقِهِ بِذَلِكَ الثَّوْبِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَفِيمَا إِذَا اكْتَرَى دَوَابَّ فِي الذِّمَّةِ لِحَمْلِ خَمْسَةِ أَعْبُدٍ مُعَيَّنِينَ، فَمَاتَ اثْنَانِ مِنْهُمْ وَحُمِلَ ثَلَاثَةٌ، فَقَالَ: لَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْكِرَاءِ وَسَقَطَ خُمُسَاهُ، وَالصُّورَةُ فِيمَا إِذَا تَسَاوَتْ أَوْزَانُهُمْ، وَيَشْهَدُ لَهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: إِذَا نَكَحَهَا عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ فَتَلِفَ قَبْلَ الْخِيَاطَةِ، لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: وَالْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَلْزَمَ ذِمَّتَهُ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ حَمْلَ مَتَاعٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ عَبْدٍ، فَإِنَّ الْعَقْدَ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَمُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الثَّوْبِ وَالْمَتَاعِ.
أَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً بِعَيْنِهَا مُدَّةً لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلِ مَتَاعٍ، فَهَلَكَا، فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، بَلْ يَجُوزُ إِبْدَالُ الرَّاكِبِ وَالْمَتَاعِ بِلَا خِلَافٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، فَأَتَى بِثَوْبٍ مِثْلِهِ، فَذَاكَ.
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ لِعَجْزِهِ، أَوِ امْتَنَعَ مَعَ الْقُدْرَةِ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ إِمْكَانِ الْعَمَلِ، فَفِي اسْتِقْرَارِ الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا تَسْتَقِرُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْنَا: تَسْتَقِرُّ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ ثَوْبًا آخَرَ، أَوْ لَا يُرِيدُ قَطْعَهُ.
فَرْعٌ مَوْتُ الصَّبِيِّ الْمُعَيَّنِ لِلتَّعْلِيمِ، كَتَلَفِ الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ لِلْخِيَاطَةِ، وَكَذَا الصَّبِيُّ الْمُعَيَّنُ لِلْإِرْضَاعِ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدَ الْمُرْضِعَةِ.
فَإِنْ كَانَ وَلَدَهَا، فَخِلَافٌ مُرَتَّبٌ، وَأَوْلَى بِالِانْفِسَاخِ،

لِأَنَّ دُرُورَ اللَّبَنِ عَلَى وَلَدِهَا أَكْثَرُ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ.
فَرْعٌ لَوْ بَدَأَ لَهُ فِي قَطْعِ الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ بَاقٍ، قَالَ الْإِمَامُ: الْمُتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِ، لَكِنْ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إِذَا سَلَّمَ الْأَجِيرُ نَفْسَهُ وَمَضَى مُدَّةُ إِمْكَانِ الْعَمَلِ إِنْ قُلْنَا: تَسْتَقِرُّ الْأُجْرَةُ بِتَسْلِيمِ الْأَجِيرِ نَفْسَهُ وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْتَقِرُّ، فَلَهُ فَسْخُهَا، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ بِحَالٍ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِالْأَعْذَارِ.

فَصْلٌ

لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، بَلْ إِنْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ، قَامَ وَارِثُهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ مَقَامَهُ.
وَإِنْ مَاتَ الْمُؤَجِّرُ، تَرَكَ الْمَالَ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَمَا الْتَزَمَهُ، دَيْنٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ وَفَاءٌ، اسْتُؤْجِرَ مِنْهَا لَتَوْفِيَتِهِ، وَإِلَّا، فَالْوَارِثُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ وَفَّاهُ وَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ أَعْرَضَ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِدَارِهِ لِزَيْدٍ مُدَّةَ عُمْرِ زَيْدٍ، فَقَبِلَ الْوَصِيَّةَ، وَأَجَّرَهَا زَيْدٌ مُدَّةً، ثُمَّ مَاتَ فِي خِلَالِهَا، انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، لِانْتِهَاءِ حَقِّهِ بِمَوْتِهِ.

فَصْلٌ

إِذَا أَكْرَى جِمَالًا فَهَرَبَ، فَتَارَةً يَهْرُبُ بِهَا، وَتَارَةً يَهْرُبُ وَيَتْرُكُهَا عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ هَرَبَ بِهَا، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، اكْتَرَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ

مَالًا، اقْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ غَيْرِهِ وَاكْتَرَى عَلَيْهِ.
قَالَ فِي «الشَّامِلِ» : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكِلَ أَمْرَ الِاكْتِرَاءِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَكِيلًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ الِاكْتِرَاءُ عَلَيْهِ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ كَمَا لَوِ انْقَطَعَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ.
فَإِنْ فَسَخَ، فَالْأُجْرَةُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْجَمَّالِ وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْجَمَّالِ - إِذَا عَادَ - بِمَا الْتَزَمَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةُ عَيْنٍ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْعَقْدِ، كَمَا إِذَا نَدَّتِ الدَّابَّةُ.
وَأَمَّا إِذَا تَرَكَهَا عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ تَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، فَذَاكَ، وَإِلَّا، رَاجَعَ الْحَاكِمَ لِيُنْفِقَ عَلَيْهَا وَعَلَى مَنْ يَقُومُ بِتَعَهُّدِهَا مِنْ مَالِ الْمُؤَجِّرِ إِنْ وَجَدَهُ، وَإِلَّا، اسْتَقْرَضَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ إِنْ وَثِقَ بِالْمُسْتَأْجِرِ، سَلَّمَ إِلَيْهِ مَا اقْتَرَضَهُ لِيُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا، دَفَعَهُ إِلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَجِدْ مَالًا آخَرَ، بَاعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ، وَيَبْقَى فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ إِلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ.
وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِضِ الْحَاكِمُ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَكِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ لِيَرْجِعَ، جَازَ عَلَى الْأَظْهَرِ، كَمَا لَوِ اقْتَرَضَ مِنْهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَيُجْعَلُ مُتَبَرِّعًا.
وَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْفِقِ.
وَقِيلَ: قَوْلُ الْجَمَّالِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ إِذَا ادَّعَى نَفَقَةَ مِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَنْفَقَ الْمُسْتَأْجِرُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ مَعَ إِمْكَانِهِ، لَمْ يَرْجِعْ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي عَامِلِ الْمُسَاقَاةِ إِذَا هَرَبَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ حَاكِمٌ، وَعَسُرَ إِثْبَاتُ الْوَاقِعَةِ عِنْدَهُ، فَهُوَ كَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ.
وَإِذَا أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ فِيمَا إِذَا أَنْفَقَ بِغَيْرِ مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ، فَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ، لِأَنَّ إِنْفَاقَهُ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى ائْتِمَانٍ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ، لِأَنَّ الشَّرْعَ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ.

وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَلَمْ يَعُدِ الْجَمَّالُ، بَاعَ الْحَاكِمُ مِنْهَا مَا يَقْضِي بِثَمَنِهِ مَا اقْتَرَضَهُ وَحَفِظَ بَاقِيهَا.
وَإِنْ رَأَى بَيْعَهَا لِئَلَّا تَأْكُلَ نَفْسَهَا، فَعَلَ.

فَصْلٌ

إِذَا اكْتَرَى دَابَّةً أَوْ دَارًا مُدَّةً، وَقَبَضَهَا وَأَمْسَكَهَا حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ، انْتَهَتِ الْإِجَارَةُ وَاسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ سَوَاءٌ انْتَفَعَ بِهَا فِي الْمُدَّةِ، أَمْ لَا، وَلَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ فَعَلَ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مَعَ الْمُسَمَّى.
وَلَوْ ضُبِضَتِ الْمَنْفَعَةُ بِالْعَمَلِ دُونَ الْمُدَّةِ، بِأَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إِلَى بَلَدٍ، أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، وَقَبَضَهَا وَأَمْسَكَهَا عِنْدَهُ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا السَّيْرُ إِلَيْهِ، اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ أَيْضًا، وَسَوَاءٌ تَخَلَّفَ الْمُسْتَأْجِرُ لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِهِ، حَتَّى لَوْ تَخَلَّفَ لَخَوْفِ الطَّرِيقِ أَوْ عَدَمِ الرِّفْقَةِ، اسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ، لَأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ السَّفَرُ عَلَيْهَا إِلَى بَلَدٍ آخَرَ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْبَلَدِ تِلْكَ، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْعَقْدِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَلَا أَنْ يُلْزِمَ الْمُؤَجِّرَ اسْتِرْدَادَ الدَّابَّةِ إِلَى تَيَسُّرِ الْخُرُوجِ، هَذَا فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ وَسَلَّمَ دَابَّةً بِالْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ، فَمَضَتِ الْمُدَّةُ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ، اسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ أَيْضًا، لِتَعَيُّنِ حَقِّهِ بِالتَّسْلِيمِ وَحُصُولِ التَّمَكُّنِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً، اسْتَقَرَّتْ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمُسَمَّى فِي الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ، سَوَاءٌ انْتَفَعَ، أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ أَكَثُرَ.
فَرْعٌ أَجَّرَ الْحُرُّ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَسَلَّمَ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْمُسْتَأْجِرُ حَتَّى مَضَتِ

الْمُدَّةُ، أَوْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ الْعَمَلُ، اسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَلْزَمَ ذِمَّةَ الْحُرِّ عَمَلًا، فَسَلَّمَ نَفْسَهُ مُدَّةَ إِمْكَانِ ذَلِكَ الْعَمَلِ [وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، وَطَرَدَ الْمُتَوَلِّي الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا الْتَزَمَ الْحُرُّ عَمَلًا فِي الذِّمَّةِ وَسَلَّمَ عَبْدَهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ] فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، وَوَجَّهَهُ بِمَا يَقْتَضِي إِثْبَاتُ خِلَافٍ فِي كُلِّ إِجَارَةٍ عَلَى الذِّمَّةِ.
ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: لَا تَسْتَقِرُّ، فَلِلْأَجِيرِ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُجْبِرَهُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ.
فَرْعٌ أَكْرَى عَيْنًا مُدَّةً، وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ، انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، لِفَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلَوِ اسْتَوْفَى [مَنْفَعَةَ] الْمُدَّةِ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَإِتْلَافِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالِانْفِسَاخِ.
وَلَوْ أَمْسَكَهَا بَعْضَ الْمُدَّةِ، ثُمَّ سَلَّمَهَا، انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ فِي الْمَدَّةِ الَّتِي تَلِفَتْ مَنَافِعُهَا.
وَفِي الْبَاقِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ، وَلَا يُبَدَّلُ زَمَانٌ بِزَمَانٍ.
وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْمُدَّةُ مُقَدَّرَةً، وَاسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ إِلَى بَلَدٍ فَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا الْمُضِيُّ إِلَيْهِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ.
وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: لَا تَنْفَسِخُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَنْفَعَةِ لَا بِالزَّمَانِ، وَلَمْ يَتَعَذَّرِ اسْتِيفَاؤُهَا.
فَعَلَى هَذَا، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، كَمَا لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِذَا امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ مُدَّةً ثُمَّ سَلَّمَهُ.
وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَهُ الْخِيَارُ، لِتَأَخُّرِ حَقِّهِ.
وَالْمَعْرُوفُ، مَا سَبَقَ.
وَلَوْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ مَا تُسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةُ مِنْهُ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا تَحْصِيلُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، فَلَا فَسْخَ وَلَا انْفِسَاخَ بِحَالٍ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ تَأَخَّرَ إِيفَاؤُهُ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَوَاتُ الْمَنْفَعَةِ شَرْعًا، كَفَوَاتِهَا حِسًّا فِي اقْتِضَاءِ الِانْفِسَاخِ، لِتَعَذُّرِ

الِاسْتِيفَاءِ، فَإِذَا اسْتُؤْجِرَ لِقَلْعِ سِنٍّ وَجِعَةٍ، أَوْ يَدٍ مُتَأَكِّلَةٍ، أَوْ لِاسْتِيفَاءِ قِصَاصٍ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَبَقَ، فَإِذَا زَالَ الْوَجَعُ، أَوْ عُفِيَ عَنِ الْقِصَاصِ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ، وَفِيهِ كَلَامَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ مَضْبُوطَةٌ بِالْعَمَلِ دُونَ الزَّمَانِ، وَهُوَ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْهُ، لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الْوَجَعِ، فَلْيَكُنْ زَوَالُ الْوَجَعِ كَغَصْبِ الْمُسْتَأْجَرَةِ حَتَّى يَثْبُتَ خِيَارُ الْفَسْخِ دُونَ الِانْفِسَاخِ.
وَالثَّانِي: حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهًا أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ، بَلْ يَسْتَعْمِلُ الْأَجِيرُ فِي قَلْعِ مِسْمَارٍ أَوْ وَتَدٍ، وَيُرَاعَى تَدَانِي الْعَمَلَيْنِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالْقَوِيُّ مَا قِيلَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالِانْفِسَاخِ جَوَابٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِهِ لَا يُبَدَّلُ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، أَمَرَهُ بِقَلْعِ سِنٍّ وَجِعَةٍ لِغَيْرِهِ.

فَصْلٌ

إِذَا أَجَّرَ الْوَقْفَ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تَبْقَى الْإِجَارَةُ بِحَالِهَا كَمَا لَوْ أَجَّرَ مِلْكَهُ فَمَاتَ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِغَيْرِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَا نِيَابَةَ، ثُمَّ عِبَارَةُ الْجُمْهُورِ بِالِانْفِسَاخِ وَعَدَمِهِ، فَفِي وَجْهٌ: يَنْفَسِخُ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يَنْفَسِخُ، وَاسْتَبْعَدَهَا الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ، لِأَنَّ الِانْفِسَاخَ يُشْعِرُ بِسَبْقِ الِانْعِقَادِ، وَجَعَلُوا الْخِلَافَ فِي أَنَّا هَلْ نَتَبَيَّنُ الْبُطْلَانَ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ؟ ثُمَّ إِنْ أَبْقَيْنَا الْإِجَارَةَ، فَحِصَّةُ الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنَ الْأُجْرَةِ تَكُونُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي، فَإِنْ أَتْلَفَهَا الْأَوَّلُ، فَهِيَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ، وَلَيْسَ كَمَا لَوْ أَجَّرَ مِلْكَهُ وَمَاتَ فِي الْمُدَّةِ، حَيْثُ تَكُونُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ تَرِكَةً تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ، لِأَنَّ التَّصَرُّفَ وَرَدَ عَلَى خَالِصِ مِلْكِهِ، وَالْبَاقِيَ لَهُ بَعْدَ الْإِجَارَةِ رَقَبَةٌ مَسْلُوبَةُ الْمَنْفَعَةِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَتَنْتَقِلُ إِلَى الْوَارِثِ كَذَلِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْقَى الْإِجَارَةُ، فَهَلْ

تَبْطُلُ فِيمَا مَضَى؟ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا تُفَرَّقُ، كَانَ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا مَضَى.
أَمَّا إِذَا أَجَّرَ الْوَقْفَ مُتَوَلِّيهِ، فَمَوْتُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِلْجَمِيعِ.
وَقِيلَ: تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي وَلِيِّ الصَّبِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ لِلْوَلِيِّ إِجَارَةُ الطِّفْلِ وَمَالُهُ، أَبًا كَانَ أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا، لَكِنْ لَا يُجَاوِزُ مُدَّةَ بُلُوغِهِ بِالسِّنِّ.
فَلَوْ أَجَّرَهُ مُدَّةً يَبْلُغُ فِي أَثْنَائِهَا، بِأَنْ كَانَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، فَأَجَّرَهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَطَرِيقَانِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: يَبْطُلُ فِيمَا يَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ الْبُلُوغِ، وَفِيمَا لَا يَزِيدُ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ فِي الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ.
قُلْتُ: وَاخْتَارَهُ أَيْضًا ابْنُ الصَّبَّاغِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ مُدَّةً لَا يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ وَإِنِ احْتُمِلَ بُلُوغُهُ بِالِاحْتِلَامِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصِّبَا فَلَوِ اتَّفَقَّ فِي الِاحْتِلَامِ فِي أَثْنَائِهَا، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ «الْمُهَذَّبِ» وَالرُّوْيَانِيِّ: بَقَاءُ الْإِجَارَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْمُتَوَلِّي: لَا تَبْقَى.
قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ الثَّانِيَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذَا بِالِانْفِسَاخِ أَوْ تَبَيُّنِ الْبُطْلَانِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَبْقَى الْإِجَارَةُ، جَاءَ فِيمَا مَضَى خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَإِذَا قُلْنَا: تَبْقَى، فَهَلْ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ إِذَا بَلَغَ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ بَلَغَتْ.

فَرْعٌ أَجَّرَ الْوَلِيُّ مَالَ الْمَجْنُونِ، فَأَفَاقَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، فَهُوَ كَبُلُوغِ الصَّبِيِّ بِالِاحْتِلَامِ.

فَصْلٌ

لَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ، نَفَذَ، لَأَنَّ إِعْتَاقَ الْمَغْصُوبِ وَالْآبِقِ نَافِذٌ، فَهَذَا أَوْلَى، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا خِيَارَ لِلْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى السَّيِّدِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى الْأَظْهَرِ الْجَدِيدِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ، فَنَفَقَتُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ، فَهَلْ هِيَ عَلَى سَيِّدِهِ لِإِدَامَةِ حَبْسِهِ؟ أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ حُرٌّ عَاجِزٌ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
قُلْتُ: فَإِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: تَجِبُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَكِفَايَتِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ ظَهَرَ بِالْعَبْدِ عَيْبٌ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَفَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ الْإِجَارَةَ، فَالْمَنَافِعُ لِلْعَتِيقِ إِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ بِمَنَافِعِهِ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِلَّا، فَهَلْ هِيَ لَهُ، أَمْ لِلسَّيِّدِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: كَوْنُهَا لِلْعَتِيقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ وَمَاتَ، وَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ فِي الْمُدَّةِ، فَفِي انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ مَا سَبَقَ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا انْفِسَاخَ، لَمْ يَرْجِعْ هُنَا عَلَى الْمُعْتِقِ بِشَيْءٍ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ أَجَّرَ أَمَّ وَلَدِهِ وَمَاتَ فِي الْمُدَّةِ، عَتَقَتْ.
وَفِي بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ، الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ إِذَا أَجَّرَ

الْبَطْنَ الْأَوَّلَ الْوَقْفَ وَمَاتَ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي إِجَارَةِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَإِنَّمَا تَجُوزُ إِجَارَتُهُ مُدَّةً لَا تَتَحَقَّقُ الصِّفَةُ فِيهَا، فَإِنْ تَحَقَّقَتْ، فَهُوَ كَإِجَارَةِ الصَّبِيِّ مُدَّةً يَتَحَقَّقُ بُلُوغُهُ فِيهَا.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ ظَاهِرٌ إِنْ مَنَعْنَا بَيْعَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ بِجَوَازِ إِجَارَتِهِ هُنَا، لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ بَيْعِهِ، وَإِبْقَاءِ الْإِجَارَةِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الصَّبِيِّ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: وَإِنْ تَمَكَّنَ فَقَدْ لَا يَفْعَلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ كِتَابَةُ الْعَبْدِ الْمُكْرَى جَائِزَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَطَّانِ، بَاطِلَةٌ عِنْدَ ابْنِ كَجٍّ.
قُلْتُ: الثَّانِي: أَقْوَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ جَوَّزْنَاهَا، عَادَ الْخِلَافُ فِي الْخِيَارِ وَفِي الرُّجُوعِ عَلَى السَّيِّدِ.
قُلْتُ: وَمِنْ مَسَائِلِ الْفَصْلِ، مَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْقَوَاعِدِ السَّابِقَةِ: أَنَّهُ لَوْ أَكْرَى دَارًا لِعَبْدٍ ثُمَّ قَبَضَ الْعَبْدَ وَأَعْتَقَهُ، فَانْهَدَمَتِ الدَّارُ، رَجَعَ عَلَى الْمُعْتِقِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ فِي الْمُدَّةِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

إِذَا بَاعَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ، فَلَهُ حَالَانِ.
[الْحَالُ] الْأَوَّلُ: الْبَيْعُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ قَطْعًا.
ثُمَّ فِي الْإِجَارَةِ وَجْهَانِ.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل