روضة الطالبين وعمدة المفتينصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْأَيْمَانِ

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)تحقيق: زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان
الطبعة
الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَلْ إِنْ كَانَ السَّمْنُ ظَاهِرًا فِي الْعَصِيدَةِ وَالسَّوِيقِ يُرَى جِرْمُهُ، حَنِثَ وَهَذَا مُرَادُهُ بِنَصِّ السَّمْنِ، وَكَذَا حُكْمُ الْخَلِّ إِذَا كَانَ ظَاهِرًا بِلَوْنِهِ، وَطَعْمِهِ، بِأَنْ أَكَلَ مَرْقَةً وَهِيَ حَامِضَةٌ وَإِنْ كَانَ السَّمْنُ أَوِ الْخَلُّ مُسْتَهْلَكًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَهَذَا مُرَادُهُ بِنَصِّ الْخَلِّ.
وَصَوَّرُوا ذَلِكَ فِيمَا إِذَا أَكَلَ لَحْمَ السِّكْبَاجِ أَوْ مَا فِيهِ مِنْ سَلْقٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ وَجْهَيْنِ أَوْ قَوْلَيْنِ فِيهِمَا.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ أَوْ لَا يَشْرَبُ، لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الذَّوْقِ، وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَذُوقُ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِتَضَمُّنِهُمَا الذَّوْقَ.
وَإِنْ أَدْرَكَ طَعْمَ الشَّيْءِ بِالْمَضْغِ وَالْإِمْسَاكِ فِي الْفَمِ، ثُمَّ مَجَّهُ وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى حَلْقِهِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ، كَمَا لَا يُفْطِرُ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَحْنَثُ، لِأَنَّ الذَّوْقَ إِدْرَاكُ الطَّعْمِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَذُوقُ، فَأُوجِرَ فِي حَلْقِهِ حَتَّى صَارَ فِي جَوْفِهِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَطْعَمُ كَذَا فَأَوْجَرَهُ، حَنِثَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: لَا جَعَلْتُهُ لِي طَعَامًا.

التَّاسِعَةُ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ، حَنِثَ بِأَكْلِ الْعِنَبِ، وَالرُّمَّانِ، وَالرُّطَبِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالْكُمِّثْرَى، وَالْمِشْمِشِ، وَالْخَوْخِ، وَالْأَجَاصِ، وَالْأُتْرُجِّ، وَالنَّارِنْجِ، وَاللَّيْمُونِ، وَالنَّبْقِ، وَالْمَوْزِ، وَالتِّينِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ، وَيَحْنَثُ بِالْبِطِّيخِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، لِأَنَّ لَهُ نُضْجًا وَإِدْرَاكًا، وَيَدْخُلُ فِي اسْمِ الْفَاكِهَةِ الرُّطَبُ وَالْيَابِسُ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالتِّينِ الْيَابِسِ، وَمَفْلَقِ الْخَوْخِ

وَالْمِشْمِشِ، وَهَلْ يَحْنَثُ بِلُبِّ الْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَغَيْرِهِمَا؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ يَابِسِ الْفَاكِهَةِ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالُوا: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الثِّمَارَ، حَنِثَ بِالرَّطْبِ دُونَ الْيَابِسَاتِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَحْنَثُ بِالْيَابِسِ فِي يَمِينِ الْفَاكِهَةِ أَيْضًا.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
الْعَاشِرَةُ: حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ، ثُمَّ حَلَفَ: لَيَأْكُلَنَّ مَا فِي كُمِّ زَيْدٍ، فَإِذَا هُوَ بَيْضٌ، فَجَعَلَهُ فِي النَّاطِفِ وَأَكَلَهُ كُلَّهُ، لَا يَحْنَثُ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْيَمِينَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَكْلِ جَمِيعِهِ.
فَرْعٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا النَّوْعِ: الرُّطَبُ لَيْسَ بِتَمْرٍ، وَالْعِنَبُ لَيْسَ بِزَبِيبٍ، وَعَصِيرُ الْعِنَبِ لَيْسَ بِعِنَبٍ، وَعَصِيرُ التَّمْرِ وَدُبْسُهُ لَيْسَ بِتَمْرٍ، وَالسِّمْسِمُ لَيْسَ بِشَيْرَجٍ، وَكَذَا الْعُكُوسُ.
وَالرُّطَبُ لَيْسَ بِبُسْرٍ وَلَا بَلَحٍ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الرُّطَبَ، فَأَكَلَ الْمُنْصَفَ، نُظِرَ، إِنْ أَكَلَ النِّصْفَ الَّذِي أَرَطَبَ، حَنِثَ قَطْعًا، وَإِنْ أَكَلَ الْجَمِيعَ، حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَخَالَفَ فِيهِ الِاصْطَخْرِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ.
وَإِنْ أَكَلَ النِّصْفَ الَّذِي لَمْ يُرَطَّبْ، لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْبُسْرَ، فَأَكَلَ الْمُنْصَفَ، فَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ، وَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ بُسْرَةً وَلَا رَطْبَةً، فَأَكَلَ مُنْصِفًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ طَعَامًا، تَنَاوَلَ اللَّفْظُ الْقُوتَ وَالْأَدَامَ وَالْفَاكِهَةَ وَالْحَلْوَاءَ.
وَفِي الدَّوَاءِ وَجْهَانِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ قُوتًا، حَنِثَ بِأَكْلِ مَا يُقْتَاتُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَيَحْنَثُ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَاللَّحْمِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْتَاتُهَا، وَحَلًّا فَوَجْهَانِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ إِدَامًا، حَنِثَ بِكُلِّ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ، سَوَاءً كَانَ مِمَّا يُصْطَبَغُ بِهِ، كَالْخَلِّ وَالدِّبْسِ وَالشِّيرَجِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْمُرَبَّى، أَوْ لَا يُصْطَبَغُ بِهِ كَاللَّحْمِ وَالْجُبْنِ وَالْبَقْلِ وَالْبَصَلِ وَالْفُجْلِ وَالثِّمَارِ، وَكَذَا التَّمْرُ وَالْمِلْحُ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا.

وَاسْمُ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُ الْعَذْبَ وَالْمِلْحَ، وَمِيَاهُ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَكَذَا مَاءُ الْبَحْرِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ.
فَلَوْ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ، لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْجَمْدِ وَالثَّلْجِ، وَيَحْنَثْ بِشُرْبِ مَائِهِمَا.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْجَمْدَ وَالثَّلْجَ، لَمْ يَحْنَثْ بِشُرْبِ مَائِهِمَا.
وَالثَّلْجُ لَيْسَ بِجَمْدٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ مِمَّا طَبَخَهُ زَيْدٌ، فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالْإِيقَادِ إِلَى الْإِدْرَاكِ، أَوْ وَضَعَ الْقِدْرَ فِي التَّنُّورِ بَعْدَ سَجْرِهِ، فَإِنْ أَوْقَدَ زَيْدٌ تَحْتَهُ حَتَّى أَدْرَكَ، أَوْ وَضَعَهَا فِي التَّنُّورِ فَأَكَلَ مِنْهُ، حَنِثَ، سَوَاءً وَجَدَ نَصْبَ الْقِدْرِ وَتَقْطِيعَ اللَّحْمِ، وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ، وَجَمَعَ التَّوَابِلَ، وَسَجَّرَ التَّنُّورَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ أَوْقَدَ، أَوْ وَضَعَ فِي التَّنُّورِ مَعَ غَيْرِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالطَّبْخِ، وَكَذَا لَوْ أَوْقَدَ هَذَا سَاعَةً، وَهَذَا سَاعَةً.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ جَلَسَ الْحَاذِقُ بِالطَّبْخِ قَرِيبًا، وَاسْتَخْدَمَ صَبِيًّا فِي الْإِيقَادِ، وَقَلَّلَ أَوْ كَثَّرَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، إِذْ يُضَافُ الطَّبْخُ هُنَا إِلَى الْأُسْتَاذِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مَا خَبَزَهُ فُلَانٌ، فَالِاعْتِبَارُ بِإِلْصَاقِهِ إِلَى التَّنُّورِ، لَا بِالْعَجْنِ وَسَجْرِ التَّنُّورِ وَتَقْطِيعِ الرُّغْفَانِ وَبَسْطِهَا.
قُلْتُ: وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ ثَرِيدًا، لَمْ يَحْنَثْ بِخُبْزٍ غَيْرِ مَثْرُودٍ فِي مَرَقٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي الْعُقُودِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، أَوْ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، لَمْ يَحْنَثْ بِمَا مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ رَجَعَ إِلَيْهِ بَرْدٌ بِعَيْبٍ أَوْ بِإِقَالَةٍ وَإِنْ جَعَلْنَا الْإِقَالَةَ بَيْعًا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْعًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَكَذَا لَا يَحْنَثُ بِمَا خَلَصَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ

وَإِنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا.
وَيَحْنَثُ بِمَا مَلَكَهُ بِالتَّوْلِيَةِ وَالْإِشْرَاكِ وَالسِّلْمِ، لِأَنَّهَا بُيُوعٌ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَا مَلَكَهُ بِالصُّلْحِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا زَيْدٌ، لَمْ يَحْنَثْ بِدَارٍ مَلَكَ بَعْضَهَا بِالشُّفْعَةِ.
وَلَا يَحْنَثُ بِمَ اشْتَرَاهُ لِزَيْدٍ وَكِيلُهُ، وَيَحْنَثُ بِمَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ.
وَلَوِ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ثُمَّ بَاعَهُ، فَأَكَلَهُ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّ زَيْدًا اشْتَرَاهُ.
وَكَذَا لَوْ بَاعَ بَعْضَهُ وَأَكَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَلَوْ أَكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ جُزْءٍ إِلَّا وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ شِرَاءُ زَيْدٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ.
وَقِيلَ: إِنْ أَكَلَ النِّصْفَ فَمَا دُونَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْهُ، حَنِثَ، لِأَنَّا نَتَحَقَّقُ أَنَّهُ أَكَلَ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، ثُمَّ لَمْ يُفَرِّقِ الْجُمْهُورُ بَيْنَ قَوْلِهِ: لَا آكُلُ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، وَقَوْلِهِ: طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ.
وَخَصَّ الْبَغَوِيُّ الْأَوْجُهَ بِمَا إِذَا قَالَ: مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، وَقَطَعَ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِيمَا إِذَا قَالَ: طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يُرِيدَ [أَنْ] لَا يَأْكُلَ طَعَامَهُ أَوْ مِنْ طَعَامِهِ، فَيَحْنَثُ بِالْمُشْتَرَكِ.
وَلَوِ اشْتَرَى زِيدٌ طَعَامًا، وَعَمْرٌو طَعَامًا، وَخُلِطَا، فَأَكَلَ الْحَالِفُ مِنَ الْمُخْتَلِطِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: لَا يَحْنَثُ وَإِنْ أَكَلَ الْجَمِيعَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ.
وَالثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الِاصْطَخْرِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ، حَنِثَ، وَإِلَّا، فَلَا، وَهُوَ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْقِدْرَيْنِ.
وَالثَّالِثُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَنَّهُ إِنْ أَكَلَ قَلِيلًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا اشْتَرَاهُ عَمْرٌو، كَعَشْرِ حَبَّاتٍ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَعِشْرِينَ

حَبَّةٍ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَكَلَ قَدْرًا صَالِحًا، كَالْكَفِّ وَالْكَفَّيْنِ، حَنِثَ، لِأَنَّا نَتَحَقَّقُ أَنَّ فِيهِ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ.
فَرْعٌ قَالَ: لَا أَسْكُنُ دَارًا لِزَيْدٍ، فَسَكَنَ دَارًا لَهُ فِيهَا حِصَّةٌ قَلِيلَةٌ، أَوْ كَثِيرَةٌ، لَا يَحْنَثُ.
نُصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» . فَرْعٌ فِي تَعْلِيقَةِ إِبْرَاهِيمِ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ طَعَامَ زَيْدٍ، فَأَكَلَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، حَنِثَ، وَقَدْ سَبَقَ عَنِ الْبَغَوِيِّ مَا يُوَافِقُهُ، قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ زَيْدٍ، أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ، فَلَبِسَ أَوْ رَكِبَ مُشْتَرِكًا، لَمْ يَحْنَثْ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ لَا يَشْتَرِي أَوْ لَا يَبِيعُ، فَوَكَّلَ مَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى لَهُ، أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ، فَأَمَرَ مَنْ ضَرَبَهُ، أَوْ حَلَفَ الْأَمِيرُ أَوِ الْقَاضِي: لَا يَضْرِبُ، فَأَمَرَ الْجَلَّادَ فَضَرَبَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَذَكَرَ الرَّبِيعُ أَنَّ الْحَالِفَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، أَوِ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ كَالسُّلْطَانِ، أَوْ كَانَ الْفِعْلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا يَعْتَادُ الْحَالِفُ فِعْلَهُ، أَوْ لَا يَجِيءُ مِنْهُ، كَالْبِنَاءِ وَالتَّطْيِينِ، حَنِثَ إِذَا أَمَرَ بِهِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذَا قَوْلًا آخَرَ، وَأَثْبَتُ قَوْلَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَالِامْتِنَاعُ مِنْ جَعْلِهِ قَوْلًا، وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُزَوِّجُ، أَوْ لَا يُطَلِّقُ، أَوْ لَا يَعْتِقُ، فَوَكَّلَ وَعَقَدَ الْوَكِيلُ، فَكَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ.
وَلَوْ فَوَّضَ الطَّلَاقَ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ أَنَّهُ يَحْنَثُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ فِي التَّوْكِيلِ، لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إِلَى مَنْ لَا يَمْلِكُهُ، وَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُطَلَّقُ.
فَلَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا، أَوْ إِنْ شِئْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفَعَلَتْ، أَوْ شَاءَتْ، حَنِثَ، لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهَا مُجَرَّدُ صِفَةٍ، وَهُوَ الْمُطَلَّقُ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَتَزَوَّجُ، أَوْ لَا يَنْكِحُ، فَوَكَّلَ مَنْ قَبِلَ لَهُ نِكَاحَ امْرَأَةٍ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا

الْمُتَوَلِّي.
أَحَدُهُمَا: لَا، كَالْبَيْعِ، وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ هُنَا سَفِيرٌ مَحْضٌ، وَلِهَذَا يَجِبُ تَسْمِيَةُ الْمُوَكِّلِ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ.
وَلَوْ قَبِلَ لِغَيْرِهِ نِكَاحًا، فَمُقْتَضَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْحِنْثُ، وَمُقْتَضَى الثَّانِي الْمَنْعُ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي، فَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ فِيهِمَا، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ الَّذِي أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، وَقِيلَ: إِنْ صَرَّحَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُوَكَّلِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ نَوَاهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ، حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، لَمْ يَحْنَثْ بِتَكْلِيمِ عَبْدٍ اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ امْرَأَةً تَزَوَّجَهَا زَيْدٌ، فَكَلَّمَ مَنْ تَزَوَّجَهَا لِزَيْدٍ وَكِيلُهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، فِيمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَتَزَوَّجُ، فَتَزَوَّجَ وَكِيلُهُ لَهُ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ زَوْجَةَ زَيْدٍ، حَنِثَ بِتَكْلِيمِ مَنْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ بِلَا خِلَافٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الصُّوَرِ فِيمَنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ، فَأَمَّا إِنْ نَوَى أَنْ لَا يَفْعَلَ وَلَا يُفْعَلَ بِإِذْنِهِ، أَوْ لَا يَفْعَلَ وَلَا يَأْمُرَ بِهِ، فَيَحْنَثُ إِذَا أَمَرَ بِهِ فَفُعِلَ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الْآخَرِ مَجَازٌ.
وَفِي هَذَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَمِيعًا، وَهُوَ بَعِيدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَمِيعًا، فَيُقَالُ: إِذَا نَوَى أَنْ لَا يَسْعَى فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، حَنِثَ بِمُبَاشَرَتِهِ، وَبِالْأَمْرِ بِهِ، لِشُمُولِ الْمَعْنَى وَإِرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى إِرَادَةِ الْمَجَازِ فَقَطْ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ حَسَنٌ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ فِي جَوَازِ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ غَيْرَهُ، فَحَلَقَهُ، فَقِيلَ: يَحْنَثُ لِلْعُرْفِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْخِلَافُ، كَالْبَيْعِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَبِيعُ مِنْ زَيْدٍ، فَبَاعَ مِنْ وَكِيلِهِ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ بَاعَ مِنْ زَيْدٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَبِيعُ لِزَيْدٍ مَالًا، فَبَاعَ مَالَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ بِحَجْرٍ، أَوِ امْتِنَاعِ الْحَاكِمِ، حَنِثَ.
وَإِنْ بَاعَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لَمْ يَحْنَثْ، لِفَسَادِ الْبَيْعِ.
فَلَوْ وَكَّلَ زَيْدٌ وَكِيلًا فِي بَيْعِ مَالِهِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ الْحَالِفَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، نُصَّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي حِنْثِ النَّاسِي.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ بَاعَ لِزَيْدٍ يَعْنِي إِذَا عَلِمَ، أَوْ قُلْنَا: يَحْنَثُ النَّاسِي، وَإِنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ عَنْ نَفْسِهِ، فَبَاعَ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ لِزَيْدٍ، بَلْ لِوَكِيلِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ فِي التَّوْكِيلِ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ مَنْ يُوكِّلُهُ وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ، أَمْ وَكِيلُ الْوَكِيلِ؟ وَلَوْ قَالَ: لَا يَبِيعُ لِي زَيْدٌ مَالًا، فَوَكَّلَ الْحَالِفُ رَجُلًا فِي الْبَيْعِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ زَيْدًا، فَبَاعَ، حَنِثَ الْحَالِفُ، سَوَاءً عَلِمَ زَيْدٌ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، لِأَنَّ الْيَمِينَ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ زَيْدٍ، وَقَدْ فَعَلَهُ زَيْدٌ بِاخْتِيَارِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَهَبُ، فَوَهَبَ هِبَةً فَاسِدَةً، لَمْ يَحْنَثْ، وَتَنْزِلُ أَلْفَاظُ الْعُقُودِ عَلَى الصَّحِيحِ.
هَذَا إِذَا أَطْلَقَ الْيَمِينَ، فَإِنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إِلَى مَا لَا يَقْبَلُهُ، بِأَنْ حَلَفَ: لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ، أَوِ الْمُسْتَوْلِدَةَ، أَوْ مَالَ زَوْجَتِهِ، أَوْ غَيْرِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، ثُمَّ أَتَى بِصُورَةِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ لَا يَتَلَفَّظَ بِلَفْظِ الْعَقْدِ مُضَافًا إِلَى مَا ذَكَرَهُ، حَنِثَ، وَإِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الْبَيْعَ هُوَ السَّبَبُ الْمُمَلَّكُ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْخَمْرِ، أَوِ الْمُسْتَوْلِدَةِ، أَوْ مَالِ زَوْجَتِهِ، أَوْ غَيْرِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، ثُمَّ أَتَى بِصُورَةٍ يَحْنَثُ بِصُورَةِ الْبَيْعِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِغَيْرِهِ حَكَاهُ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ»

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَسَيَأْتِي خِلَافٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَنَّهُ هَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ لَفْظِ الْعِبَادَاتِ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ عَلَى الصَّحِيحِ؟ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُجَّ، يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ، لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ كَالصَّحِيحِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: الْوَجْهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ.

الرَّابِعَةُ: إِذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ، حَنِثَ بِكُلِّ تَمْلِيكٍ فِي الْحَيَاةِ خَالٍ عَنِ الْعِوَضِ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالرُّقْبَى وَالْعُمْرَى، لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ خَاصَّةٌ مِنَ الْهِبَةِ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ بِمَا سِوَى الْهِبَةِ.
وَقِيلَ: يَحْنَثُ بِالرُّقْبَى وَالْعُمْرَى دُونَ الصَّدَقَةِ، حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ تَخْتَلِفَانِ اسْمًا وَمَقْصُودًا وَحُكْمًا.
أَمَّا الِاسْمُ، فَلِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ لَا يُقَالُ: وَهَبَ لَهُ، وَأَمَّا الْمَقْصُودُ، فَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْهِبَةُ لِاكْتِسَابِ الْمَوَدَّةِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَيَأْكُلُ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ.
هَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَمَّا إِذَا أَدَّى الزَّكَاةَ، أَوْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، فَلَا يَحْنَثُ، كَمَا لَوْ أَدَّى دَيْنًا.
وَعَنِ الْقَفَّالِ تَرْدِيدُ جَوَابٍ فِيهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَلَا يَحْنَثُ بِالْإِعَارَةِ، إِذْ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا، وَلَا بِالْوَصِيَّةِ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَيِّتُ لَا يَحْنَثُ وَلَا بِالضِّيَافَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: يَحْنَثُ بِالْوَصِيَّةِ.
وَفِي الضِّيَافَةِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّيْفَ يَمْلِكُ مَا يَأْكُلُهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَلَا يَحْنَثُ بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَاقِفِ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَإِنْ قُلْنَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ.
وَقِيلَ: فِيهِ خِلَافٌ.
وَلَوْ قَالَ الْحَالِفُ لِرَجُلٍ: وَهَبْتُكَ كَذَا فَلَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتِمَّ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ

يُقَالُ: وَهَبَهُ كَذَا، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَخَرَجَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا أَعْمَرَهُ أَوْ أَرْقَبَهُ، وَلَمْ نُصَحِّحِ الْعَقْدَيْنِ.
وَلَوْ تَمَّ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْهِبَةِ، لَكِنْ لَمْ تُقْبَضْ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَوَلِّي: يَحْنَثُ لِأَنَّ الْهِبَةَ حَصَلَتْ، وَالْمُتَخَلِّفُ الْمِلْكُ.
وَعِنْدَ الْبَغَوِيِّ: لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْهِبَةِ لَمْ يَحْصُلْ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ لَا يَحْنَثُ، وَصَحَّحَهُ آخَرُونَ غَيْرُ الْبَغَوِيِّ، مِنْهُمُ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَتَصَدَّقُ، فَتَصَدَّقَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، يَحْنَثُ، لِشُمُولِ الِاسْمِ، وَسَوَاءً تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ أَوْ غَنِيٍّ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ دَفَعَ إِلَى ذِمِّيٍّ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَا قِرْبَةَ فِيهِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ، وَيَحْنَثُ بِالْإِعْتَاقِ دُونَ الْإِعَارَةِ وَالضِّيَافَةِ، وَفِي الْهِبَةِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ بِهَا كَعَكْسِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا، لَا.
وَالصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ تَتَدَاخَلَانِ تَدَاخُلَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَكُلُّ صَدَقَةٍ هِبَةٌ، وَلَا يَنْعَكِسُ.
وَلَوْ وَقَفَ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُبْنَى عَلَى الْأَقْوَالِ فِي مِلْكِ الْوَقْفِ لِمَنْ هُوَ؟ إِنْ قُلْنَا: لِلْوَاقِفِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى، حَنِثَ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ، كَالْهِبَةِ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَبِرُّ فُلَانًا، دَخَلَ فِي الْيَمِينِ جَمِيعُ التَّبَرُّعَاتِ مِنَ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْإِعَارَةِ وَالضِّيَافَةِ وَالْوَقْفِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، فَيَحْنَثُ بِأَيِّهَا وُجِدَ وَلَوْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ، فَأَعْتَقَهُ، حَنِثَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَبْرَأَهُ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الزَّكَاةَ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُعْتِقُ عَبْدًا فَكَاتَبَهُ، وَعُتِقَ بِالْأَدَاءِ، لَمْ يَحْنَثْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَضْمَنُ لِفُلَانٍ مَالًا، فَكَفَلَ بَدَنَ مَدْيُونِهِ، لَمْ يَحْنَثْ.

الْخَامِسَةُ: حَلَفَ: لَا مَالَ لَهُ، حَنِثَ بِكُلِّ مَالٍ حَتَّى ثِيَابِ بَدَنِهِ، وَدَارِهِ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا، وَعَبْدِهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَالِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ حَالٌّ عَلَى مَلِيءٍ مُقِرٍّ، حَنِثَ، كَالْوَدِيعَةِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَخَرَجَ فِيهِ وَجْهٌ مِنْ قَوْلِهِ الْقَدِيمِ: لَا زَكَاةَ فِي الدَّيْنِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ جَاحِدٍ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ.
وَقِيلَ: فِي الْجَاحِدِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: إِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ، حَنِثَ قَطْعًا، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ آبِقٌ، أَوْ مَالٌ ضَالَّةٌ، أَوْ مَغْصُوبٌ، أَوْ مَسْرُوقٌ، وَانْقَطَعَ خَبَرُهَا، فَفِي الْحِنْثِ وَجْهَانِ، لِتَعَارُضِ أَصْلِ بَقَائِهَا، وَعَدَمِ الْحِنْثِ.
وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ حَاضِرًا، وَالْمَالِكُ قَادِرٌ عَلَى الِانْتِزَاعِ مِنْهُ، أَوْ عَلَى بَيْعِهِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ، حَنِثَ قَطْعًا، ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَلَوْ كَانَ لَهُ مُدَبَّرٌ أَوْ مُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَصَّى بِهِ، حَنِثَ، لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيُقَالُ: الْأَظْهَرُ، وَقِيلَ: قَطْعًا، وَيَحْنَثُ بِأُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ رَقَبَتَهَا لَهُ، وَلَهُ مَنَافِعُهَا، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا.
وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ مَنْفَعَةً بِوَصِيَّةٍ أَوْ إِجَارَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَحْنَثْ بِالْمَوْقُوفِ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْوَاقِفِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ، فَكَالْمُسْتَوْلِدَةِ.
وَلَوْ كَانَ قَدْ جَنَى عَلَيْهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ، حَنِثَ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا، وَلَمْ يَقْتَصَّ وَلَمْ يَعْفُ، قَالَ فِي «الْبَيَانِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُبْنَى عَلَى أَنَّ مُوجَبَ الْعَمْدِ مَاذَا؟ إِنْ قُلْنَا: الْقَوْدُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْدُ أَوِ الْمَالُ، حَنِثَ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا.
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنْ لَا حِنْثَ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَكَوْنُ الْمَالِ مَرْهُونًا لَا يَمْنَعُ الْحِنْثَ، وَكَذَا عَدَمُ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يَحْنَثُ بِالْأُجْرَةِ الْمَقْبُوضَةِ إِذَا لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ، وَغَلَّطَهُ ابْنُ كَجٍّ.
فَرْعٌ [حَلَفَ] لَا مِلْكَ لَهُ، حَنِثَ بِالْآبِقِ وَالْمَغْصُوبِ، وَإِنْ [كَانَ] لَهُ زَوْجَةٌ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُبْنَى عَلَى أَنَّ النِّكَاحِ هَلْ هُوَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ، أَوْ عَقْدُ حِلِّ؟ فَإِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، حَنِثَ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ إِذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الزَّوْجَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالْكَلْبِ وَالسِّرْجِينَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَلَا بِالزَّيْتِ النَّجِسِ إِذَا لَمْ نُجِزْ بَيْعَهُ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا رَقِيقَ لَهُ، أَوْ لَا عَبْدَ لَهُ، أَوْ لَا أَمَةَ لَهُ، وَلَهُ مُكَاتَبٌ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَيَحْنَثُ بِمُدَبَّرٍ قَطْعًا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الرَّابِعُ فِي الْإِضَافَاتِ وَالصِّفَاتِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ أَوْ بَيْتَهُ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: مُطْلَقُ الْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ يَمْلِكُ مُقْتَضَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، كَانَ إِقْرَارًا بِمِلْكِهِ.
فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا مَسْكَنُهُ، لَا يُقْبَلُ، وَقَدْ تُضَافُ الدَّارُ وَالْبَيْتُ إِلَى الْإِنْسَانِ بِجِهَةِ أَنَّهَا مَسْكَنُهُ، لَكِنَّهُ مَجَازٌ، وَلِهَذَا يَصِحُّ نَفْيُ الْإِضَافَةِ مَعَ إِثْبَاتِ السُّكْنَى، فَيُقَالُ: هَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ مِلْكَ زَيْدٍ، لَكِنَّهَا مَسْكَنُهُ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِدُخُولِ دَارٍ يَسْكُنُهَا زَيْدٌ بِإِجَارَةٍ أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ غَصْبٍ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ الْمَسْكَنَ، وَيَحْنَثُ بِدُخُولِ دَارٍ يَمْلِكُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ مَسْكَنَهُ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ مَسْكَنَ فُلَانٍ، حَنِثَ بِدُخُولِ مَسْكَنِهِ الْمَمْلُوكِ وَالْمُسْتَأْجَرِ.
وَفِي الْمَغْصُوبِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ سُكْنَاهُ.

قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْحِنْثُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَفِي دُخُولِ دَارِهِ الَّتِي لَا يَسْكُنُهَا أَوْجُهٌ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَحْنَثُ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ سَكَنَهُ وَلَوْ يَوْمًا، حَنِثَ، وَإِلَّا، فَلَا، وَلَوْ أَرَادَ مَسْكَنَهُ الْمَمْلُوكَ، لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ بِحَالٍ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، وَقَدْ وَقَفَ زَيْدٌ عَلَى غَيْرِهِ دَارًا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ قُلْنَا: الْوَقْفُ مِلْكٌ لِلْوَاقِفِ، حَنِثَ بِدُخُولِهَا، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ دَخَلَ دَارًا مَوْقُوفَةً عَلَى زَيْدٍ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوَقْفُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَلَوْ دَخَلَ دَارًا لِمُكَاتَبِ زَيْدٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ الْمُكَاتَبِ، حَنِثَ بِدُخُولِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ مَالِكٌ نَافِذُ التَّصَرُّفِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، فَبَاعَهَا زَيْدٌ، ثُمَّ دَخَلَهَا، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ دَارَ زَيْدٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ أَوْ أَجِيرَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ، فَكَلَّمَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنِ الْعَبْدِ وَانْقِطَاعِ الْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ، أَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ سَيِّدَ [هَذَا] الْعَبْدِ، أَوْ زَوْجَ هَذِهِ االْمَرْأَةِ، فَكَلَّمَ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ، لَمْ يَحْنَثْ.
فَلَوِ اشْتَرَى زَيْدٌ بَعْدَ مَا بَاعَهَا دَارًا أُخْرَى، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: إِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الْأَوْلَى بِعَيْنِهَا، لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَيَّ دَارٍ تَكُونُ فِي مِلْكِهِ، حَنِثَ بِالثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَيَّ دَارٍ جَرَى عَلَيْهَا مِلْكُهُ، حَنِثَ بِأَيَّتِهَا دَخَلَ.

هَذَا كُلُّهُ إِذَا قَالَ: دَارَ زَيْدٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ هَذِهِ، فَبَاعَهَا زَيْدٌ، ثُمَّ دَخَلَهَا، فَيَحْنَثُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى عَيْنِ تِلْكَ الدَّارِ، وَوَصَفَهَا بِإِضَافَةٍ قَدْ تَزُولُ، فَغَلَبَ التَّعْيِينُ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ زَوْجَةَ زَيْدٍ هَذِهِ، أَوْ عَبْدَهُ هَذَا، فَكَلَّمَهُمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، يَحْنَثُ.
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ لَحْمَ هَذِهِ الْبَقَرَةِ، وَأَشَارَ إِلَى شَاةٍ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِهَا، فَيَجِيءُ فِيهَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الْبَقَرَةَ وَهِيَ شَاةٌ، لِأَنَّ الْعُقُودَ يُرَاعَى فِيهِ شُرُوطٌ وَتَعَبُّدَاتٌ لَا يُعْتَبَرُ مِثْلُهَا فِي الْأَيْمَانِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا هَذَا، فَبَدَّلَ اسْمَهُ، وَاشْتَهَرَ بِالِاسْمِ الْمُبَدَّلِ، ثُمَّ كَلَّمَهُ، حَنِثَ اعْتِبَارًا بِالتَّعْيِينِ.

الثَّالِثَةُ: حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَدَخَلَهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ عَتِيقٍ أَوْ مُحْدَثٍ، وَذَلِكَ الْبَابُ بِحَالِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، فَلَوْ قُلِعَ الْبَابُ، وَحُوِّلَ إِلَى مَنْفَذٍ آخَرَ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: تُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَى الْمَنْفَذِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدُّخُولِ، فَإِنْ دَخَلَ مِنْهُ، حَنِثَ، وَإِنْ دَخَلَ مِنَ الْمَنْفَذِ الْمُحَوَّلِ إِلَيْهِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَالثَّانِي: يُحْمَلُ عَلَى الْبَابِ الْمُتَّخَذِ مِنَ الْخَشَبِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَهُ حَقِيقَةٌ، فَيَحْنَثُ بِدُخُولِ الْمَنْفَذِ الْمُحَوَّلِ إِلَيْهِ دُونَ الْأَوَّلِ.
وَالثَّالِثُ: يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْإِشَارَةَ وَقَعَتْ إِلَيْهِمَا، فَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ مَنْفَذٍ آخَرَ، وَإِنْ نُصِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبَابُ، وَلَا بِدُخُولِ الْمَنْفَذِ الْأَوَّلِ، هَذَا إِذَا أَطْلَقَ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بَعْضَ هَذِهِ الْمَحَامِلِ، حُمِلَ عَلَيْهِ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، وَلَوْ قَلَعَ الْبَابَ، وَلَمْ يُحَوَّلْ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، حَنِثَ بِدُخُولِ ذَلِكَ الْمَنْفَذِ عَلَى الْأَصَحِّ وَيُعَبَّرُ عَنِ الْخِلَافِ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَنْفَذِ، أَمْ بِالْبَابِ الْمَنْصُوبِ عَلَيْهِ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي: بِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ هَذَا الْبَابَ، وَقُلْنَا: تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَابِ

الْمَنْصُوبِ.
فَنُقِلَ إِلَى دَارٍ أُخْرَى، فَدَخَلَهَا مِنْهُ، حَنِثَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ: لَا أَدْخُلُ مِنْهُ حَيْثُ نُصِبَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ، وَلَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ بَابِهَا، فَفُتِحَ بَابٌ جَدِيدٌ، فَدَخَلَهَا مِنْهُ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُهَا مِنْ بَابِهَا، فَتَسَلَّقَ وَنَزَلَ مِنَ السَّطْحِ، لَمْ يَحْنَثْ.

الرَّابِعَةُ: حَلَفَ: لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِ زِيدٍ، وَلَا يَدْخُلُ دَارَهُ، لَا يَحْنَثُ بِالدَّابَّةِ وَالدَّارِ الْمَجْعُولَيْنِ بِاسْمِ الْعَبْدِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ: فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ دَابَّةً أَوْ دَارًا، بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَمْلِكُ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، حَنِثَ، وَإِلَّا، فَلَا.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَا يَحْنَثُ وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَالسَّيِّدُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِزَالَتِهِ، فَكَأَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَصَارَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ زَيْدٍ وَرَكِبَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ زَيْدٍ، فَرَكِبَ دَابَّةً مَلَّكَهَا زَيْدٌ لِعَبْدِهِ، إِنْ قُلْنَا: لَمْ يَمْلِكْ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا فَيَحْنَثُ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ الْعَبْدِ، فَعُتِقَ وَرَكِبَ دَابَّةً يَمْلِكُهَا، فَقَطَعَ الْغَزَالِيُّ بِالْحِنْثِ، وَابْنُ كَجٍّ بِالْمَنْعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْكَبُ دَابَّةَ حُرٍّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ قَالَ: لَا أَرْكَبُ دَابَّةَ هَذَا، حَنِثَ، وَإِنْ قَالَ: دَابَّةَ عَبْدٍ، فَلَا، وَإِنْ قَالَ: دَابَّةَ هَذَا الْعَبْدِ، فَلْيَكُنْ عَلَى خِلَافٍ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الْعَبْدَ، فَعُتِقَ، ثُمَّ كَلَّمَهُ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَرْكَبُ سَرْجَ هَذِهِ الدَّابَّةِ، فَرَكِبَ السَّرْجَ الْمَعْرُوفَ بِهَا، حَنِثَ وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ أُخْرَى، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا إِذَا حَلَفَ عَلَى دَارٍ أَوْ خَانٍ مَنْسُوبٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْرِيفِ، كَخَانِ أَبِي يَعْلَى عِنْدَنَا، وَكَدَارِ الْعَقِيقِيِّ بِدِمَشْقَ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: حَلَفَ: لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا مَنَّ بِهِ فُلَانٌ عَلَيَّ، أَوْ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، فَلَبِسَ ثَوْبًا وَهَبَهُ لَهُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، حَنِثَ.
وَلَوْ لَبِسَ مَا بَاعَهُ إِيَّاهُ بِمُحَابَاةٍ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي نَقْصِ الثَّمَنِ لَا بِالثَّوْبِ.
وَكَذَا لَوْ

بَاعَهُ ثَوْبًا ثُمَّ أَبْرَأَهُ مِنْ ثَمَنِهِ، فَلَبِسَهُ، أَوْ أَبْدَلَ الْمَوْهُوبَ، أَوِ الْمُوصَى بِهِ بِغَيْرِهِ، أَوْ بَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الْأَيْمَانَ تُبْنَى عَلَى الْأَلْفَاظِ، لَا عَلَى الْقُصُودِ الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ، وَلِهَذَا لَوْ مَنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَحَلَفَ: لَا يَشْرَبُ لَهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، فَشَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ، أَوْ أَكَلَ لَهُ طَعَامًا، أَوْ لَبِسَ لَهُ ثَوْبًا، لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَضْعِ الِامْتِنَاعَ مِنْ جَمِيعِ هَذَا.

السَّادِسَةُ: حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةٍ، أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، فَلَبِسَ ثَوْبًا خِيطَ بِغَزْلِهَا، لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا سُدَاهُ مِنْ غَزْلِهَا، وَاللُّحْمَةُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ قَالَ: لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا، حَنِثَ، بِخِلَافِ الْخَيْطِ، فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ.
فَرْعٌ يُرَاعَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَنَظَائِرِهِمَا فِي تَنَاوُلِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَإِذَا قَالَ: لَا أَلْبَسُ مَا مُنَّ بِهِ عَلَيَّ، فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِلُبْسِ مَا تَقَدَّمَتِ الْمِنَّةُ بِهِ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَحْنَثُ بِمَا يَمُنُّ بِهِ فِيمَا بَعْدُ.
وَإِذَا قَالَ: لَا أَلْبَسُ مَا غَزَلَتْهُ فُلَانَةُ، فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِمَا غَزَلَتْهُ مِنْ قَبْلُ دُونَ مَا تَغْزِلُهُ فِيمَا بَعْدُ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ مَا يُمَنُّ بِهِ، أَوْ مَا تَغْزِلُهُ، حَنِثَ بِمَا تَحْدُثُ الْمِنَّةُ بِهِ وَغَزْلُهُ دُونَ مَا سَبَقَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا، دَخَلَ فِيهِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ.

السَّابِعَةُ: حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، حَنِثَ بِلُبْسِ الْقَمِيصِ وَالرِّدَاءِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْجُبَّةِ وَالْقَبَاءِ وَنَحْوِهَا، وَسَوَاءٌ الْمَخِيطُ وَغَيْرُهُ، وَالْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ وَالصُّوفُ وَالْإِبْرَيْسَمُ، وَسَوَاءً لَبِسَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُعْتَادَةِ

أَوْ بِخِلَافِهَا، بِأَنِ ارْتَدَى أَوِ اتَّزَرَ بِالْقَمِيصِ، أَوْ تَعَمَّمَ بِالسَّرَاوِيلِ، وَلَا يَحْنَثُ بِلُبْسِ الْجُلُودِ وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهَا، وَلَا بِلُبْسِ الْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَلَا بِوَضْعِ الثَّوْبِ عَلَى الرَّأْسِ، وَلَا بِأَنْ يَفْرِشَهُ وَيَرْقُدَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ تَدَثَّرَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لُبْسًا، وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ حُلِيًّا، حَنِثَ بِالسُّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَالطَّوْقِ وَالدُّمْلُجِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ شَبَهٍ أَوْ حَدِيدٍ، وَيَحْنَثُ بِمِخْنَقَةِ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَهَبٌ، وَلَا يَحْنَثُ بِتَقَلُّدِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى.
وَفِي الْمِنْطَقَةِ الْمُحَلَّاةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مِنْ حُلِيِّ الرَّجُلِ، وَيَحْنَثُ بِلُبْسِ الْخَرَزِ وَالسَّبَجِ إِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ قَوْمٍ يَعْتَادُونَ التَّحَلِّيَ بِهِمَا، كَأَهْلِ السَّوَادِ.
وَفِي غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ غَيْرُ الْبَدَوِيِّ: لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ بَيْتَ شَعْرٍ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ شَيْئًا، حَنِثَ بِلُبْسِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْجُلُودِ وَفِي الدِّرْعِ وَالْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالْجَوْشَنِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَحْنَثُ، وَقَدْ يَطَّرِدُ الْخِلَافُ فِي الْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ قَمِيصًا، فَارْتَدَى أَوِ اتَّزَرَ بِقَمِيصٍ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ فَتَقَهُ وَقَطَعَهُ وَارْتَدَى، أَوِ اتَّزَرَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، لِفَوَاتِ اسْمِ الْقَمِيصِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَارْتَدَى بِهِ أَوِ اتَّزَرَ، أَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الرِّدَاءَ، فَاتَّزَرَ بِهِ، أَوْ تَعَمَّمَ، حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِتَعَلُّقِ الْيَمِينِ بِعَيْنِ الْقَمِيصِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، وَكَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، فَفَتَقَهُ وَاتَّخَذَ مِنْهُ نَوْعًا آخَرَ، بِأَنْ جَعَلَ الْقَمِيصَ رِدَاءً، أَوِ الرِّدَاءَ جُبَّةً أَوْ تِكَكًا، أَوِ الْخُفَّ نَعْلًا، ثُمَّ لَبِسَ الْمُتَّخَذَ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ لَا يَلْبَسُهُ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ.
فَلَوْ لَمْ يَذْكُرِ الثَّوْبَ، بَلْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، أَوْ هَذَا الرِّدَاءَ، فَفَتَقَهُ، وَاتَّخَذَ مِنْهُ نَوْعًا آخَرَ

وَلَبِسَهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا: لَا يَحْنَثُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي نَظَائِرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ، فَأَعَادَ الْهَيْئَةَ الْأُولَى، فَفِي الْحِنْثِ الْوَجْهَانِ فِي الدَّارِ تُعَادُ بَعْدَ الِانْهِدَامِ بِذَلِكَ النَّقْصِ.
وَلَوْ كَانَ قَالَ فِي يَمِينِهِ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، أَوِ الثَّوْبَ قَمِيصًا، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ أَوِ الرِّدَاءَ رِدَاءً، فَإِنْ تَقَمَّصَ بِالْقَمِيصِ، أَوِ ارْتَدَى بِالرِّدَاءِ، حَنِثَ، وَإِنْ اتَّزَرَ بِالْقَمِيصِ أَوْ تَعَمَّمَ بِالرِّدَاءِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَكَذَا لَوِ اتَّخَذَ مِنَ الْقَمِيصِ غَيْرَ قَمِيصٍ، وَمِنَ الرِّدَاءِ غَيْرَ رِدَاءٍ، ثُمَّ لَبِسَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُهُ وَهُوَ قَمِيصٌ، فَارْتَدَى بِهِ، أَوْ تَعَمَّمَ أَوِ اتَّزَرَ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ لَبِسَ وَهُوَ قَمِيصٌ، وَإِنْ اتَّخَذَ مِنْهُ غَيْرَ الْقَمِيصِ وَلَبِسَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
فَرْعٌ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَاتَّخَذَ مِنْهُ غَيْرَهُ وَلَبِسَهُ، يَجْرِيَانِ فِي صُوَرٍ.
مِنْهَا: لَوْ أَشَارَ إِلَى صَبْرَةِ حِنْطَةٍ، وَقَالَ: لَا آكُلُ هَذِهِ، حَنِثَ بِأَكْلِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا، وَبِأَكْلِهَا بَعْدَ الطَّحْنِ وَالْعَجْنِ وَالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ حِنْطَةً، لَمْ يَحْنَثْ بِالْخُبْزِ وَالْعَجِينِ وَالدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ، وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْحِنْطَةِ نِيئَةً وَمَقْلِيَّةً وَمَطْبُوخَةً وَمَبْلُولَةً.
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ، حَنِثَ بِأَكْلِهَا نِيئَةً فَقَطْ، وَمَطْبُوخَةً، وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ دَقِيقِهَا وَسَوِيقِهَا وَعَجِينِهَا وَخُبْزِهَا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُهُمْ، لِزَوَالِ اسْمِ الْحِنْطَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ زَرَعَهَا وَأَكَلَ حَشِيشَهَا.
أَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الْبَيْضَ، فَصَارَ فَرْخًا فَأَكَلَهُ، فَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، إِلَّا أَنَّ هُنَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهَا.
وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا.
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الدَّقِيقَ، فَأَكَلَ عَجِينَهُ أَوْ خُبْزَهُ، أَوْ هَذَا الْعَجِينَ، فَأَكَلَ خُبْزَهُ، فَعَلَى الْخِلَافِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الْحَيَوَانَ، فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ، حَنِثَ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ هَكَذَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ هَذَا الْغَزْلَ، فَلَبِسَ ثَوْبًا نُسِجَ مِنْهُ، حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ لَحْمَ هَذِهِ السَّخْلَةِ أَوِ الْخَرُوفِ، فَصَارَ كَبْشًا فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ، فَمَنْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ: يَحْنَثُ، قَالَ هُنَا: يَحْنَثُ، وَمَنْ قَالَ هُنَاكَ: لَا يَحْنَثُ، قَالَ هُنَا: وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَحْنَثُ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَصِيرِهِ شَابًّا، أَوْ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَصِيرِهِ شَيْخًا.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عَبْدٍ فَعُتِقَ، ثُمَّ كَلَّمَهُ، حَنِثَ، وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الْعَبْدَ، فَعُتِقَ، فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ السَّخْلَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ هَذَا الْبُسْرَ فَصَارَ رُطَبًا، أَوِ الْعِنَبَ فَصَارَ زَبِيبًا، أَوْ لَا أَشْرَبُ هَذَا الْعَصِيرَ، فَصَارَ خَمْرًا، أَوْ هَذَا الْخَمْرَ فَصَارَ خَلًّا، أَوْ لَا آكُلُ هَذَا التَّمْرَ، فَاتَّخَذَ مِنْهُ عَصِيدَةً، ثُمَّ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَفِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَصَّ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ، وَعَلَى الْحِنْثِ فِي الصَّبِيِّ وَالسَّخْلَةِ.
فَقِيلَ: قَوْلَانِ: وَقِيلَ: بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ.
وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ تَبَدُّلُ الِاسْمِ، وَفِي السَّخْلَةِ وَالصَّبِيِّ تَبَدُّلُ الصِّفَةِ، وَتَبَدُّلُ الصِّفَةِ لَا يُسْقِطُ الْحِنْثَ، وَالثَّانِي: أَنَّ التَّبَدُّلَ فِي الْأَوَّلِ بِمُعَالَجَةٍ، بِخِلَافِ الثَّانِي.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ الْخَاتَمَ، فَجَعَلَهُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ مِنْ أَصَابِعِهِ، فَعَنِ الْمُزَنِيِّ فِي «الْجَامِعِ» أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَتَابَعَهُ الْبَغَوِيُّ، وَقَاسَهُ عَلَى مَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ الْقَلَنْسُوَةَ، فَجَعَلَهَا فِي رِجْلِهِ، وَالَّذِي حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَحْنَثُ.

الثَّامِنَةُ: حَلَفَ: لَا يَخْرُجُ فُلَانٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَذِنَ بِحَيْثُ لَمْ

يَسْمَحِ الْمَأْذُونُ لَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ وَخَرَجَ، فَطَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْإِذْنَ وَالرِّضَى قَدْ حَصَلَ.
وَقِيلَ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ مَنْصُوصٌ وَمُخَرَّجٌ: أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ مَخَرَّجٌ مِنْ مَسْأَلَةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ.
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَذِنَ وَخَرَجَتْ وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِالْإِذْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْإِذْنِ لِيُثْبِتَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ بِيَمِينِهَا فِي إِنْكَارِ الْإِذْنِ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الْمُصَدَّقُ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ التَّعْلِيقِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْوَرَعُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَعُدُّهَا مُطَلَّقَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَلِّقَهَا، لِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَكَيْفَ تَنْكِحُ غَيْرَهُ؟ بَلْ إِنْ كَانَ عَلَّقَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، فَالْوَرَعُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، وَأَرَادَ إِمْسَاكَهَا، رَاجَعَهَا، وَإِلَّا، طَلَّقَهَا لِتَحِلَّ لِلْأَزْوَاجِ، فَإِنْ رَاجَعَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ، فَالْوَرَعُ أَنْ لَا يَنْكِحَهَا إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَإِذَا نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، كَانَتْ عِنْدَهُ بِطَلْقَةٍ، فَإِنْ طَلَّقَهَا، لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِزَوْجٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا بِالْخُرُوجِ شَيْءٌ، وَقَدْ طَلَّقَهَا بَعْدَهُ ثَلَاثًا، وَالزَّوْجُ الثَّانِي قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّلَاثِ لَا أَثَرَ لَهُ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَخْرُجُ فُلَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، حَنِثَ، وَإِنْ خَرَجَ بِإِذْنِهِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ تَنْحَلُّ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِذْنٍ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي أَوْ إِلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ خَرَجَتْ بِالْإِذْنِ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ

عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ حَتَّى آذَنَ لَكِ، أَوْ إِلَى أَنْ آذَنَ لَكِ أَوْ إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَالْقَفَّالِ، أَنَّهُ لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِخُرُوجِهَا بِالْإِذْنِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ لَابِسَةً لِلْحَرِيرِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ غَيْرَ لَابِسَةٍ، لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بَعْدَهُ لَابِسَةً طُلِّقَتْ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِخُرْجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْأُولَى.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ غَيْرَ لَابِسَةٍ لِلْحَرِيرِ أَوْ لَابِسَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ لَابِسَةً تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ: لَوْ قَالَ إِنْ خَرَجْتِ بِلَا خُفٍّ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ بِخُفٍّ، لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْإِذْنِ بِفَرْقٍ ضَعِيفٍ، فَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا خَرَجْتِ، أَوْ كُلَّ وَقْتٍ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ مَرَّةً بِالْإِذْنِ، لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ، لِأَنَّهَا صِيغَةُ تَكْرَارٍ.
فَلَوْ قَالَ: أَذِنْتُ لَكِ فِي الْخُرُوجِ كُلَّمَا أَرَدْتِ، أَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ تَجْدِيدِ الْإِذْنِ لِكُلِّ خَرْجَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: مَتَى خَرَجْتِ، أَوْ مَتَى مَا، أَوْ مَهْمَا، أَوْ أَيُّ وَقْتٍ، أَوْ أَيُّ حِينٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغُ لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ.
وَفِي «الرَّقْمِ» لِلْعَبَّادِيِّ: إِلْحَاقُ مَتَى مَا، وَمَهْمَا بِ «كُلَّمَا» وَهُوَ خِلَافُ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» . وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ أَبَدًا إِلَّا بِإِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَلْزَمِ التَّكْرَارُ أَيْضًا، بَلْ مَعْنَاهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ خَرَجْتِ، قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ وَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ كَمَا صَوَّرْنَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنِ الْإِذْنِ، وَخَرَجَتْ بَعْدَهُ، نُصَّ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ، لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ وُجِدَ، فَزَالَ حُكْمُ الْيَمِينِ، وَالْمَنْعُ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ.
وَرَأَى أَبُوبَكْرٍ الْفَارِسِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ تَنْزِيلَ النَّصِّ عَلَى مَا إِذَا قَالَ فِي التَّعْلِيقِ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ إِذْنَهُ غَايَةَ الْيَمِينِ، وَقَدْ حَصَلَ الْإِذْنُ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: بِغَيْرِ إِذْنِي أَوْ إِلَّا بِإِذْنِي،

فَإِذَا رَجَعَ، ثُمَّ خَرَجَتْ، فَهَذَا خُرُوجٌ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا وُجِدَ بَعْدَ الْيَمِينِ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَوْلُهُ: إِلَّا بِإِذْنِي مُحْتَمِلٌ أَيْضًا لِلْغَايَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي لِغَيْرِ عِيَادَةٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةٍ، ثُمَّ عَرَضَتْ حَاجَةٌ فَاشْتَغَلَتْ بِهَا، لَمْ تُطَلَّقْ.
وَإِنْ خَرَجَتْ لِعِيَادَةٍ وَغَيْرِهَا.
فَالْمَذْكُورُ فِي «الشَّامِلِ» مَنْسُوبًا إِلَى نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِ عِيَادَةٍ مَا هُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مَا يُغَايِرُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، فَمَجْمُوعُ الْعِيَادَةِ وَالْحَاجَةِ الْأُخْرَى يُغَايِرُ مُجَرَّدَ الْعِيَادَةِ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَإِنْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا لِعِيَادَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ، لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ تَخْرُجْ لِلْعِيَادَةِ بَلْ لَهَا وَلِغَيْرِهَا.

النَّوْعُ الْخَامِسُ فِي الْكَلَامِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ فَتَنَحَّ عَنِّي، أَوْ قُمْ أَوِ اخْرُجْ، أَوْ شَتَمَهُ، أَوْ زَجَرَهُ، حَنِثَ، سَوَاءً عَقَّبَ هَذَا لِلْيَمِينِ مُتَّصِلًا أَمْ فَصَلَهُ، لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ.
وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ إِذَا وَصَلَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ تَأْكِيدُ الْيَمِينِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا، فَقَوْلَانِ: الْجَدِيدُ: لَا يَحْنَثُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ، وَقِيلَ: الْقَدِيمُ إِنَّمَا هُوَ إِذَا نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُكَاتَبَةَ.
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ فِي الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ، لَمْ يَحْنَثْ قَطْعًا، وَالْمَذْهَبُ طَرَّدَهُمَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ.
وَيَجْرِيَانِ فِي الْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْجَدِيدِ بَيْنَ إِشَارَةِ الْأَخْرَسِ وَالنَّاطِقِ، وَإِنَّمَا أُقِيمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقَامَ النُّطْقِ لِلضَّرُورَةِ.

فَرْعٌ هِجْرَانُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ، فَهَلْ يَزُولُ الْإِثْمُ؟ نُظِرَ إِنْ كَانَتْ مُوَاصَلَتُهُمَا قَبْلَ الْهُجْرَانِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَوِ الْمُرَاسَلَةِ، ارْتَفَعَ الْإِثْمُ، وَإِلَّا فَإِنْ تَعَذَّرَ الْكَلَامُ لِغَيْبَةِ أَحَدِهِمَا، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ أَنْ يُهَاجِرَهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ.
وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ إِنَّمَا تَرْفَعَ الْإِثْمَ إِذَا خَلَتْ عَنِ الْإِيذَاءِ وَالْإِيحَاشِ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَلَّمَهُ بِالشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ، فَإِنَّهُ لَا تَزُولُ بِهِ الْمُهَاجَرَةُ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ وَحْشَةٍ، وَتَأْكِيدٌ لِلْمُهَاجَرَةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْمُهَاجَرَةِ.
قُلْتُ: تَحْرِيمُ الْمُهَاجَرَةِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمُهَاجَرَةُ لِحُظُوظِ النُّفُوسِ وَتَعَنُّتَاتِ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْجُورُ مُبْتَدِعًا أَوْ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ وَالْفُسُوقِ، فَلَا تَحْرُمُ مُهَاجَرَتُهُ أَبَدًا، وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي الْمُهَاجَرَةِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، فَلَا تَحْرِيمَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَرَى لِلسَّلَفِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَزُولُ التَّحْرِيمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ وَالرَّمْزُ كَالْمُكَاتَبَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْحِنْثِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ، حَنِثَ، لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ، فَإِنْ قَصَدَهُ بِالسَّلَامِ حَنِثَ.
قَالَ فِي «الْبَيَانِ» وَيَجِيءُ أَنْ لَا يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ السَّمْنَ، فَأَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، لَا يَحْنَثُ وَإِنْ اسْتَثْنَى لَفْظًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ بِالنِّيَّةِ،

لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، حَنِثَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، فَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ.
وَلَوْ صَلَّى الْحَالِفُ خَلْفَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَسَبَّحَ لِسَهْوِهِ، أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةً، فَهِمَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَقْصُودَهُ، فَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا، فَيَحْنَثُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ: لَا يَتَكَلَّمُ حَنِثَ بِتَرْدِيدِ الشِّعْرِ مَعَ نَفْسِهِ، لِأَنَّ الشِّعْرَ كَلَامٌ، وَلَا يَحْنَثُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ اسْمَ الْكَلَامِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ.
وَقِيلَ: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِلْجُنُبِ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلَامِ، وَلَا يَحْنَثُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
قُلْتُ: قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ «التَّلْخِيصِ» : لَوْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ الْمَوْجُودَةَ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّا نَشُكُّ أَنَّ الَّذِي قَرَأَهُ مُبَدَّلٌ أَمْ لَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الثَّالِثَةُ: حَلَفَ: لَيُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَيَقُولُ: لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ زَادَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ فِي آخِرِهِ: فَلَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى فَصَوَّرَ الْمُتَوَلِّي الْمَسْأَلَةَ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَأُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَجَلِّ الثَّنَاءِ، أَوْ أَعْظَمِهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِ الذِّكْرِ سُبْحَانَكَ وَلَوْ قَالَ: لَأَحْمَدَنَّ اللَّهَ بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: بِأَجَلِّ التَّحَامِيدِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَلَوْ قَالَ: لَأُصَلِّيَنَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَكُلَّمَا سَهَا عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ.
ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ.

قُلْتُ: أَمَّا الصُّورَتَانِ الْأُولَيَانِ، فَذَكَرَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَلَيْسَ لَهُمَا دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ.
وَمَعْنَى «يُوَافِي نِعَمَهُ» أَيْ: يُلَاقِيهَا، فَتَحْصُلُ مَعَهُ، «وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ» بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ، أَيْ: يُسَاوِي مَزِيدَ نِعَمِهِ وَمَعْنَاهُ: يَقُومُ لِشُكْرِ مَا زَادَ مِنَ النِّعَمِ وَالْإِحْسَانِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَدْ ذَكَرَهَا عَنْ إِبْرَاهِيمِ الْمَرْوَزِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ يَسْتَأْنِسُ لِذَلِكَ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَلَعَلَّهُ أَوَّلَ مَنِ اسْتَعْمَلَهَا، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ أَنَّ أَفْضَلَ مَا يُقَالُ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِلَى آخِرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

حَلَفَ: لَا يُصَلِّي، فَهَلْ يَحْنَثُ بِالتَّحَرُّمِ بِالصَّلَاةِ أَمْ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَرْكَعَ؟ أَمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ.
وَلَوْ أَفْسَدَهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ، حَنِثَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يَحْنَثُ عَلَى الثَّالِثِ، وَلَا عَلَى الثَّانِي إِنْ لَمْ يَكُنْ رَكَعَ، وَلَا يَجِيءُ الثَّانِي إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ.
وَلَوْ أَحْرَمَ مَعَ إِخْلَالِهِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا.
وَلَوْ حَلَفَ: مَا صَلَّيْتُ وَقَدْ أَتَى بِصُورَةِ صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا، وَصَلَّى، حَنِثَ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الصَّلَاةَ الْمُجَزَّئَةَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي صَلَاةً، لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَفْرُغَ.
قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِسُجُودِ الشُّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَالطَّوَافِ، وَيَحْنَثُ بِالصَّلَاةِ بِالْإِيمَاءِ، حَيْثُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَصُومُ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِأَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا، أَوْ بِأَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَمْ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُتِمَّ؟ فِيهِ الْخِلَافُ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِالْفَرَاغِ، فَهَلْ نَتَبَيَّنُ اسْتِنَادَ الْحِنْثِ إِلَى الْأَوَّلِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْحَجِّ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ، أَمْ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
وَعَلَى قِيَاسِ الثَّانِي اشْتِرَاطُ الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ يَجِيءُ وَجْهٌ ثَالِثٌ بِاشْتِرَاطِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِيءَ خِلَافٌ فِي اشْتِرَاطِ سَاعَةٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ لَحْظَةٍ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَقْرَأُ حَنِثَ بِمَا قَرَأَهُ وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -

النَّوْعُ السَّادِسُ فِي تَأْخِيرِ الْحِنْثِ وَتَقْدِيمِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: حَلَفَ: لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا، فَلَا يَخْفَى الْبَرُّ إِنْ أَكَلَ غَدًا، وَالْحِنْثَ إِنْ أَخَّرَهُ عَنِ الْغَدِ مَعَ الْإِمْكَانِ.
فَلَوْ تَلِفَ الطَّعَامُ قَبْلَ الْغَدِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِإِتْلَافِ أَجْنَبِيٍّ، فَقَدْ فَاتَ الْبَرُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَيَخْرُجُ حِنْثُهُ عَلَى قَوْلِي الْمُكْرَهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ الْمَنْصُوصُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَحْنَثُ، فَهَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ لِحُصُولِ الْيَأْسِ، أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ، فَقَطَعَ ابْنُ كَجٍّ بِالثَّانِي.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ، جَازَ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ الْغَدِ عَنْ كَفَّارَتِهِ إِنْ قُلْنَا: يَحْنَثُ قَبْلَ الْغَدِ.
قُلْتُ: وَمِنْ فَوَائِدِهِ لَوْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ أَوْ أَعْسَرَ، وَقُلْنَا: يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَّارَةِ حَالُ الْوُجُوبِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَهَلْ يَحْنَثُ إِذَا مَضَى مِنَ الْغَدِ زَمَنُ إِمْكَانِ الْأَكْلِ أَمْ قُبَيْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ وَلَوْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَقِيلَ: هُوَ كَتَلَفِ الطَّعَامِ، فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنْ لَا حِنْثَ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي كَلَامَ ابْنِ كَجٍّ وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ زَمَنَ الْبَرِّ وَالْحِنْثَ.
وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ وَقَبْلَ إِمْكَانِ الْأَكْلِ، فَهُوَ كَتَلَفِ الطَّعَامِ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ التَّفْصِيلِ، وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنْ لَا حِنْثَ.
أَمَّا إِذَا تَلَفَ الطَّعَامُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَيَنْظُرُ، إِنْ كَانَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْأَكْلِ، فَهُوَ كَتَلَفِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْغَدِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ.
وَإِنْ تَلَفَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، فَالْمَذْهَبُ الْحِنْثُ، لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنَ الْبَرِّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: لَآكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ، وَتَمَكَّنَ مِنْ أَكْلِهِ وَلَمْ يَأْكُلْهُ حَتَّى تَلَفَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ قَطْعًا.
فَعَلَى هَذَا هَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، أَمْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَلَوْ أَتْلَفَ الْحَالِفُ الطَّعَامَ قَبْلَ الْغَدِ بِأَكْلِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، أَوْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ، حَنِثَ، وَهَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ، هُمَا لَوْ تَلِفَ.
وَلَوْ قَالَ: لَآكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ قَبْلَ غَدٍ، فَتَلَفَ قَبْلَ الْغَدِ وَبَعْدَ التَّمَكُّنِ، حَنِثَ.
وَهَلْ يَكُونُ حِنْثُهُ فِي الْحَالِ، أَمْ إِذَا جَاءَ أَوَّلُ الْغَدِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الصَّيْدَلَانِيُّ.
وَلَوْ قَالَ: لَآكُلَنَّهُ الْيَوْمَ، فَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْغَدِ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ، وَمَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، نُظِرَ، إِنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَعَلَى قَوْلِي الْإِكْرَاهُ، كَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ غَدًا، وَمَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ أَوْ بَعْدَ مَجِيئِهِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَمَنْ أَثْبَتَ الْقَوْلَيْنِ إِذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالْغَدِ، أُثْبِتُهُمَا هُنَا، وَمَنْ قَطَعَ بِالْمَنْعِ، قَطَعَ بِالْمَنْعِ هُنَا أَيْضًا.
وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ جَاءَ الطَّرِيقَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ وَمَوْتِ صَاحِبِ الْحَقِّ: لَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ، لَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَا عِنْدَ التَّقْيِيدِ بِالْغَدِ، لِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ بِالدَّفْعِ إِلَى الْوَرَثَةِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ غَدًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَآكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا، فَطَرِيقُ الْبَرِّ وَالْحِنْثِ ظَاهِرٌ، وَمَوْتُ صَاحِبِ الْحَقِّ هُنَا كَتَلَفِ الطَّعَامِ.
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقَضَاءِ، فَعَلَى قَوْلِي الْإِكْرَاهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ.
فَإِنْ حَنِثْنَاهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَمَوْتُ الْحَالِفِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ وَبَعْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ.
فَإِنْ حَنِثْنَاهُ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ كَوْنُ وَقْتِ الْحِنْثِ دَخَلَ وَهُوَ مَيِّتٌ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْيَمِينُ، وَكَانَتْ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا مُتَعَدِّيًا، فَتَلَفَ بِهَا إِنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، يَجِبُ الضَّمَانُ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
وَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَقَدْ فَوَّتَ الْبَرَّ، فَيَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ عَنِ الْغَدِ، وَهُوَ كَإِتْلَافِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْغَدِ وَلَوْ أَبْرَأَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْإِبْرَاءُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ، فَقَبِلَ، حَنِثَ لِتَفْوِيتِهِ الْبَرَّ بِاخْتِيَارِهِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْيَمِينِ: لَا يَمْضِي الْغَدُ، وَحَقُّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ،

لَمْ يَحْنَثْ، لِبَقَاءِ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَإِمْكَانِ قَضَائِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْتَاجُ الْإِبْرَاءُ إِلَى قَبُولٍ، سَقَطَ الدَّيْنُ.
وَفِي الْحِنْثِ قَوْلَا الْإِكْرَاهِ، لِفَوَاتِ الْبَرِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَالْهِبَةُ فِي الْعَيْنِ وَالصُّلْحُ عَنِ الدَّيْنِ، كَالْإِبْرَاءِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ غَدًا إِلَّا أَنْ تَشَاءَ أَنْ أُؤَخِّرَهُ، فَإِنْ قَضَاهُ غَدًا، بَرَّ، سَوَاءً شَاءَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَمْ لَا.
وَإِنْ لَمْ يُقْضِهِ فِي الْغَدِ، فَإِنْ شَاءَ صَاحِبُهُ تَأْخِيرَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْغَدِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ، حَنِثَ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ أُؤَخِّرَهُ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا مَاتَ صَاحِبُ الْحَقِّ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَالْحِنْثُ عَلَى قَوْلِي الْإِكْرَاهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ وَبَعْدَ التَّمَكُّنِ، فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ.
وَإِنْ مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ الْغَدِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَشِيئَتَهُ، لَمْ يَحْنَثْ فِي الْحَالِ، لِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ يَقْضِ، حَنِثَ حِينَئِذٍ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ إِلَى الْغَدِ إِلَّا أَنْ تَشَاءَ تَأْخِيرَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الْقَضَاءَ عَلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ الْغَدِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَشَأْ صَاحِبُ الْحَقِّ تَأْخِيرَهُ، حَنِثَ.
فَرْعٌ حَلَفَ: لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَهُ غَدًا، فَطَلَّقَهَا الْيَوْمَ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الثَّلَاثَ، فَالْبَرُّ مُمْكِنٌ، وَإِنْ اسْتَوْفَاهُ، فَقَدْ فَوَّتَ الْبَرَّ، فَيَحْنَثُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ عَنْ نَذْرٍ، فَحَلَفَ لَيُصَلِّينَّهَا غَدًا، فَصَلَّاهَا الْيَوْمَ، حَنِثَ.

الثَّالِثَةُ: قَالَ: لَأَقْضِيَّنَ حَقَّكَ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ مَعَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ عِنْدَ الِاسْتِهْلَالِ، أَوْ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَقَعُ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنَ الشَّهْرِ، وَلَفْظَتَا «عِنْدَ» وَ «مَعَ» تَقْتَضِيَانِ الْمُقَارَنَةَ.
فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، حَنِثَ، فَيَنْبَغِي أَنْ

يُعِدَّ الْمَالَ وَيَتَرَصَّدَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَيَقْضِيهِ فِيهِ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهًا أَنَّ لَهُ فَسْخَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَيَوْمِهَا، لِأَنَّ اسْمَ رَأَسِ الْهِلَالِ وَالشَّهْرِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَإِذَا أَخَذَ فِي الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَتَأَخَّرَ الْفَرَاغُ لِكَثْرَةِ الْمَالِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَبِمِثْلِهِ أُجِيبَ فِيمَا لَوِ ابْتَدَأَ حِينَئِذٍ بِأَسْبَابِ الْقَضَاءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، كَحَمْلِ الْمِيزَانِ.
وَلَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ عَنِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى لِلشَّكِّ فِي الْهِلَالِ، فَبَانَ كَوْنُهَا مِنَ الشَّهْرِ، فَفِي الْحِنْثِ قَوْلَا حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ أَوَّلَ الشَّهْرِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ.
وَلَوْ قَالَ: أَوَّلَ الْيَوْمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْقَضَاءِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ إِلَى رَمَضَانَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ تَقْدِيمَ الْقَضَاءِ عَلَى رَأْسِ الشَّهْرِ، وَعَلَى رَمَضَانَ.
وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِهِ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ.
فَرْعٌ لَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ إِلَى حِينٍ، لَمْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِزَمَانٍ مُقَدَّرٍ، بَلْ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ، فَمَتَى قَضَاهُ، بَرَّ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ مَعَ التَّمَكُّنِ.
وَلَوْ قَالَ: إِلَى زَمَانٍ أَوْ دَهْرٍ أَوْ حِقْبٍ، أَوْ أَحْقَابٍ، فَكَذَلِكَ، وَجَمِيعُ الْعُمْرِ مُهْلَةٌ لَهُ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُكَ حِينًا أَوْ دَهْرًا أَوْ زَمَانًا أَوْ حِقَبًا، بَرَّ بِأَدْنَى زَمَانٍ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ حِينٍ، طِلِّقَتْ إِذَا مَضَى لَحْظَةٌ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: طَالِقٌ بَعْدَ حِينٍ تَعْلِيقٌ، فَيَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ مَا يُسَمَّى حِينًا.
وَقَوْلُهُ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ، وَعُدَّ، وَالْوَعْدُ لَا يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ إِلَى مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ، لَمْ يَتَقَدَّرْ أَيْضًا، وَهُوَ كَالْحِينِ.
فَلَوْ قَالَ: إِلَى أَيَّامٍ، فَوَجْهَانِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ: يُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ نِيَّةٌ.

وَقَالَ آخَرُونَ، مِنْهُمُ الْمُحَامِلِيُّ: هُوَ كَالْحِينِ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
يُقَالُ: أَيَّامُ الْعَدْلِ، وَأَيَّامُ الْفِتْنَةِ، فَلَا يَتَقَدَّرُ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَأَمَّا أَيَّامُ الْفِتْنَةِ وَنَحْوَهُ، فَتَخْرُجُ بِالْقَرِينَةِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

النَّوْعُ السَّابِعُ فِي الْخُصُومَاتِ وَنَحْوِهَا فِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: حَلَفَ لَا يَرَى مُنْكَرًا إِلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي، فَلَهُ أَحْوَالٌ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يُعَيِّنَ الْقَاضِي فَيَقُولُ: إِلَى الْقَاضِي فُلَانٍ، فَإِذَا رَأَى مُنْكَرًا، لَا يَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، بَلْ لَهُ مُهْلَةٌ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَعُمُرِ الْقَاضِي، فَمَتَى رَفَعَهُ إِلَيْهِ، بَرَّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّفْعِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِ مَعَ صَاحِبِ الْمُنْكَرِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَحْضُرَ وَحْدَهُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَيُخْبِرَهُ أَوْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا بِذَلِكَ فَيُخْبِرُهُ، أَوْ يَكْتُبَ بِهِ كِتَابًا (إِلَيْهِ) ، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ التَّمَكُّنِ، حَنِثَ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرَّفْعِ لِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ جَاءَ إِلَى بَابِ الْقَاضِي فَحُجِبَ، فَفِيهِ قَوْلَا حِنْثِ الْمُكْرَهِ.
وَلَوْ بَادَرَ بِالرَّفْعِ، فَمَاتَ الْقَاضِي قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِ فَطَرِيقَانِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: فِيهِ الْقَوْلَانِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا يَحْنَثُ قَطْعًا وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ.
وَلَوْ مَاتَ الْحَالِفُ فِي صُورَةِ الْمُبَادَرَةِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْقَاضِي، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا كَفَّارَةَ بِلَا خِلَافٍ.
فَلَوْ عُزِلَ ذَلِكَ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ قَاضٍ، أَوْ تَلَفَّظَ بِهِ لَمْ يَبَرَّ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ، وَلَا يَحْنَثْ.
وَإِنْ كَانَ تَمَكَّنَ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَلِيَ ثَانِيًا، وَالْيَمِينُ عَلَى التَّرَاخِي.
فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يُوَلَّى، تَبَيَّنَّا الْحِنْثَ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ الْقَاضِي، وَذَكَرَ الْقَضَاءَ تَعْرِيفًا لَهُ، بَرَّ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَهَلْ يَبَرُّ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ قَالَ:

لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ هَذِهِ فَبَاعَهَا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ تَغْلِيبًا لِلْعَيْنِ، فَلَا يَحْنَثُ هُنَا تَغْلِيبًا لِلْعَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: إِلَّا رَفَعْتُهُ إِلَى قَاضٍ، فَيَبِرُّ بِالرَّفْعِ إِلَى أَيِّ قَاضٍ كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ.
الثَّالِثَةُ: يَقُولُ: إِلَّا رَفَعْتُهُ إِلَى الْقَاضِي، وَلَا يُعَيِّنُ أَحَدًا بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِقَاضِي الْبَلَدِ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا، بَلْ يَبَرُّ بِالرَّفْعِ إِلَى أَيِّ قَاضٍ كَانَ، وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِقَاضِي الْبَلَدِ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُودِ.
وَهَلْ يَتَعَيَّنُ قَاضِي الْبَلَدِ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ، أَمْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَنْ يَنْصِبُ بَعْدَهُ؟ وَجْهَانِ وَيُقَالُ: قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، حَتَّى لَوْ عُزِلَ الْأَوَّلُ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ يَبَرُّ بِالرَّفْعِ إِلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
فَإِذَا قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ قَاضِي الْبَلَدِ فِي الْحَالِ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، هَلِ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْيَمِينِ، أَمْ بِحَالِ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ قَاضِيَانِ، وَجَوَّزْنَاهُ، فَيَرْفَعُ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
وَلَوْ رَأَى الْمُنْكَرَ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي الْمَرْفُوعِ إِلَيْهِ، قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَا مَعْنَى لِلرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ يُشَاهِدُهُ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنَّمَا يَحْصُلُ الْبَرُّ بِأَنْ يُخْبِرَهُ [بِهِ] . وَلَوْ رَأَى الْمُنْكَرَ بَعْدَ اطِّلَاعِ الْقَاضِي عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَاتَ الْبَرَّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ أَجَابَ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ يَبَرُّ بِالْإِخْبَارِ وَصُورَةِ الرَّفْعِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ.
وَلَوْ لَمْ يَرَ الْحَالِفُ مُنْكَرًا حَتَّى مَاتَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي حَالِ تَعْيِينِ الْقَاضِي.
وَلَوْ لَمْ يَرَ مُنْكَرًا حَتَّى مَاتَ الْقَاضِي، فَكَذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ رَآهُ بَعْدَ عَزْلِهِ، فَإِنْ نَوَى الرَّفْعَ إِلَيْهِ فِي حَالِ الْقَضَاءِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَصَدَ عَيْنَهُ، فَلْيُخْبِرْهُ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَرْفَعُ مُنْكَرًا إِلَى الْقَاضِي فُلَانٍ، حَنِثَ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ قَاضٍ.
فَلَوْ رَفَعَ بَعْدَ الْعَزْلِ، عَادَ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ.
وَإِنْ قَالَ: إِلَى الْقَاضِي، فَهَلْ يُحْمَلُ

عَلَى قَاضِي الْبَلَدِ حِينَئِذٍ، أَمْ يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ إِلَى مَنْ يُنَصَّبُ بَعْدَ عَزْلِهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ: لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ نَظَرَانِ، أَحَدُهُمَا: فِي حَقِيقَةِ الْمُفَارَقَةِ، وَالْقَوْلِ فِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي افْتِرَاقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَنِ الْمَجْلِسِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْعَادَةِ.
فَإِنْ فَارَقَ الْحَالِفُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ مُخْتَارًا، حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ.
وَلَوْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ وَفَرَّ مِنْهُ، فَقِيلَ قَوْلَانِ كَالْمُكْرَهِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ سَوَاءً تَمَكَّنَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهِ وَمَنْعِهِ أَوْ مِنْ مُتَابَعَتِهِ أَمْ لَا، بَلْ لَوْ كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ بِإِذْنِ الْحَالِفِ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْغَرِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: يَحْنَثُ إِنْ أَذِنَ لَهُ.
وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يَحْنَثُ إِنْ أَمْكَنَهُ مَنْعُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَحْنَثُ إِنْ أَمْكَنَهُ مُتَابَعَتُهُ، لِأَنَّهُ بِالْمُقَامِ مُفَارِقٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ: وَلَوْ كَانَا يَتَمَاشَيَانِ، فَمَشَى الْغَرِيمُ، وَوَقَفَ الْحَالِفُ، فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْفَارِقَةَ حَصَلَتْ بِحَرَكَةِ الْغَرِيمِ، لَا بِسُكُونِ الْحَالِفِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي أَجَابَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ أَنَّهُ إِذَا مَضَى أَحَدُهُمَا فِي مَشْيِهِ وَوَقَفَ الْآخَرُ، حَنِثَ الْحَالِفُ، لِأَنَّهُ إِنْ وَقَفَ الْغَرِيمُ، فَقَدْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ بِمَشْيِهِ، وَإِنْ وَقَفَ الْحَالِفُ فَقَدْ فَارَقَهُ بِالْوُقُوفِ لِأَنَّ الْحَادِثَ هُوَ الْوُقُوفُ، فَنَسَبَ الْمُفَارَقَةَ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا سَاكِنَيْنِ، فَابْتَدَأَ الْغَرِيمُ بِالْمَشْيِ، لِأَنَّ الْحَادِثَ هُنَاكَ الْمَشْيُ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا حِنْثَ بِمُفَارَقَةِ الْغَرِيمِ.
فَلَوْ فَارَقَ الْحَالِفُ مَكَانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: لَا تُفَارِقْنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ مِنْكَ حَقِّي أَوْ حَتَّى تُوَفِّيَنِي حَقِّي، فَالْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى فِعْلِ الْغَرِيمِ.
فَإِنْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ مُخْتَارًا، حَنِثَ الْحَالِفُ، سَوَاءً كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ بِإِذْنِهِ أَمْ دُونَ إِذْنِهِ.
وَقِيلَ: إِنْ فَرَّ مِنْهُ، فَفِي حِنْثِهِ الْقَوْلَانِ فِي

الْمُكْرَهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِهِ، وَهُوَ مُخْتَارٌ فِي الْفِرَارِ.
فَإِنْ فَارَقَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، خَرَجَ الْحِنْثُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَنَقَلَ الْبَغَوِيُّ طَرِيقًا قَاطِعًا بِالْحِنْثِ، وَأَنَّ الِاخْتِيَارَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي فِعْلِ الْحَالِفِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ فَرَّ الْحَالِفُ مِنَ الْغَرِيمِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَيَجِيءُ وَجْهٌ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْغَرِيمَ مُتَابَعَتُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا افْتَرَقْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ، أَوْ لَا تَفْتَرِقُ لَا أَنَا وَلَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ فَالْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَأَيُّهُمَا فَارَقَ الْآخَرَ مُخْتَارًا، حَنِثَ الْحَالِفُ.
فَإِنْ فَارَقَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، فَفِيهِ الْخِلَافُ.
وَلَوْ قَالَ: لَا افْتَرَقْنَا حَتَّى أَسْتَوْفِيَ، أَوْ لَا نَفْتَرِقُ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُفَارِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ.
وَأَصَحُّهُمَا: يَحْنَثُ بِمُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: افْتَرَقَا.
فَرْعٌ النَّظَرُ الثَّانِي فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَإِذَا قَالَ: لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ، ثُمَّ أَبْرَأَهُ وَفَارَقَهُ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْبَرَّ بِاخْتِيَارِهِ، وَهَلْ يُحْكَمُ بِالْحِنْثِ بِنَفْسِ الْإِبْرَاءِ، أَمْ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ؟ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي نَظَائِرِهِ.
وَلَوْ أَفْلَسَ الْغَرِيمُ، فَمَنَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مُلَازَمَتِهِ فَفَارَقَهُ، فَفِيهِ قَوْلَا حِنْثِ الْمُكْرَهِ.
وَإِنْ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ وَاجِبًا كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي الْفَرْضَ، حَنِثَ.
وَلَوْ أَحَالَهُ الْغَرِيمُ عَلَى رَجُلٍ، أَوْ أَحَالَ هُوَ عَلَى الْغَرِيمِ غَرِيمًا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، ثُمَّ فَارَقَهُ، فَطَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْبِنَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ أَمِ اعْتِيَاضٌ؟ إِنْ قُلْنَا: اسْتِيفَاءٌ، لَمْ يَحْنَثْ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْحِنْثِ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْتِيفَاءَ حَقِيقَةٍ وَحَيْثُ جَعَلْنَاهَا اسْتِيفَاءً، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا كَالِاسْتِيفَاءِ فِي

الْحُكْمِ، لَكِنْ لَوْ نَوَى أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ وَعَلَيْهِ حَقٌّ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ أَخَذَ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ، وَفَارَقَهُ، حَنِثَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا ذَكَرْنَا، وَسَوَاءً كَانَتْ قِيمَةُ الْعِوَضِ مِثْلَ حَقِّهِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ، وَإِنَّمَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ.
وَإِنْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْ وَكِيلِ الْغَرِيمِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ تَبَرَّعَ بِهِ، وَفَارَقَهُ، حَنِثَ إِنْ كَانَ قَالَ: حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ، وَلَا يَحْنَثُ إِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي.
وَلَوِ اسْتَوْفَى ثُمَّ فَارَقَهُ، ثُمَّ وَجَدَ مَا اسْتَوْفَاهُ نَاقِصًا، لَمْ يَحْنَثْ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ، بِأَنْ كَانَ حَقُّهُ الدَّرَاهِمَ، فَخَرَّجَ الْمَأْخُوذَ نُحَاسًا أَوْ مَغْشُوشًا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ، حَنِثَ، وَإِلَّا، فَعَلَى قَوْلِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.
فَرْعٌ حَلَفَ الْغَرِيمُ: لَيَقْضِيَنَّ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ، أَوْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَقَّهُ، فَالْقَوْلُ فِي مُفَارَقَتِهِ مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا وَفِي الْحَوَالَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُعْطِيهِ حَقَّهُ، فَأَعْطَاهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا يَأْخُذُ وَلَا يَسْتَوْفِي، فَأَخَذَ، حَنِثَ، سَوَاءً كَانَ الْمُعْطِي مُكْرَهًا أَوْ مُخْتَارًا.
فَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ مُكْرَهًا، فَفِيهِ الْخِلَافُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: حَلَفَ عَلَى الضَّرْبِ، تَعَلَّقَتِ الْيَمِينُ بِمَا يُسَمَّى ضَرْبًا، وَلَا يَكْفِي وَضْعُ الْيَدِ وَالسَّوْطِ وَرَفْعُهُمَا، وَلَا الْعَضُّ وَالْقَرْصُ وَنَتْفُ الشَّعْرِ.
وَفِي الْوَكْزِ وَاللَّكْزِ وَاللَّطْمِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ

ضَرْبٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِيلَامُ، وَلِهَذَا يُقَالُ: ضَرَبَهُ وَلَمْ يُؤْلِمْهُ، بِخِلَافِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْإِيلَامُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا الزَّجْرُ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِإِيلَامٍ، وَالْيَمِينُ تَتَعَلَّقُ بِالِاسْمِ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِيلَامُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
قُلْتُ: وَلَوْ ضَرَبَ مَيِّتًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ ضَرَبَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ سَكْرَانَ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلضَّرْبِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ خَشَبَةٍ، أَوْ لَيَجْلِدَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَإِنْ شَدَّ مِائَةَ سَوْطٍ وَضَرَبَهُ بِهَا، فَقَدْ وَفَّى بِمُوجَبِ اللَّفْظِ، وَإِنْ ضَرَبَهُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، حَصَلَ الْبَرُّ إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْجَمِيعَ أَصَابَ بَدَنَهُ.
وَفِي الْمُرَادِ بِإِصَابَةِ الْجَمِيعِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُلَاقِيَ جَمِيعَ الْقُضْبَانِ بَدَنَهُ أَوْ مَلْبُوسَهُ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَنْكَبِسَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، بِحَيْثُ يَنَالُهُ ثِقَلُ الْجَمِيعِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الْبَعْضِ حَائِلًا بَيْنَ بَدَنِهِ وَبَيْنَ الْبَعْضِ، كَالثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا لَا يَمْنَعُ تَأَثُّرَ الْبَشَرَةِ بِالضَّرْبِ.
وَالثَّانِي: لَا يَكْفِي الِانْكِبَاسُ، بَلْ يُشْتَرَطُ مُلَاقَاةُ الْجَمِيعِ بَدَنَهُ أَوْ مَلْبُوسَهُ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ الْجَمِيعُ، لَمْ يَبَرَّ.
وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ الْيَوْمَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَلَمْ يَدْخُلْ، وَمَاتَ زَيْدٌ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ شَاءَ أَمْ لَا: أَنَّهُ يَحْنَثُ، فَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ

الضَّرْبَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي الِانْكِبَاسِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لَا أَمَارَةَ لَهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا.
وَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ هُنَا، وَيَحْنَثُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ.
قُلْتُ: هَكَذَا صَوَّرَ الْجُمْهُورُ مَسْأَلَةَ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا شَكَّ، وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي أَنَّهُ إِذَا شَكَّ، حَنِثَ، وَإِنَّمَا لَا يَحْنَثُ عَلَى الْمَنْصُوصِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِصَابَةُ الْجَمِيعِ، وَهَذَا حَسَنٌ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، لِأَنَّ بَعْدَ هَذَا الضَّرْبِ شَكَّ فِي الْحِنْثِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ، فَالْوَرَعُ أَنْ يَحْنَثَ نَفْسُهُ، فَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ مَرَّةٍ فَضَرَبَهُ مَرَّةً بِالْعِثْكَالِ أَوْ بِالْمِائَةِ الْمَشْدُودَةِ، لَمْ يَبَرَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ إِلَّا مَرَّةً.
وَلَوْ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، لَمْ يَبَرَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّهُ بِالسَّوْطِ، لَمْ يَبَرَّ بِالْعَصَا وَالشَّمَارِيخِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَوْطٍ.
وَلَوْ قَالَ: مِائَةُ سَوْطٍ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، وَإِنَّمَا يَبَرُّ بِأَنْ يَجْمَعَ مِائَةَ سَوْطٍ وَيَشُدَّهَا وَيَضْرِبَهُ بِهَا دُفْعَةً، أَوْ خَمْسِينَ وَيَضْرِبُهُ دُفْعَتَيْنِ، أَوْ سَوْطَيْنِ وَيَضْرِبُهُ بِهِمَا خَمْسِينَ مَرَّةً، بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ إِصَابَةَ الْجَمِيعِ عَلَى مَا سَبَقَ وَقِيلَ: يَبَرُّ بِالْعِثْكَالِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْخَشَبَةِ.

فَصْلٌ

فِي حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَالْمُكْرَهِ.
فَإِذَا وُجِدَ الْقَوْلُ أَوِ الْفِعْلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ أَوِ الْجَهْلِ، سَوَاءً كَانَ الْحَلِفُ

بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلَاقِ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا يَحْنَثُ.
وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ أَبُو حَامِدٍ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ وَابْنُ كَجٍّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: لَا حِنْثَ قَطْعًا.
وَقِيلَ: النَّاسِي أَوْلَى بِالْحِنْثِ مِنَ الْمُكْرَهِ.
وَقِيلَ: عَكْسُهُ.
وَقِيلَ: الْجَاهِلُ أَوْلَى بِالْحِنْثِ مِنَ النَّاسِي.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَحْنَثُ فِي الطَّلَاقِ دُونَ الْيَمِينِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ.
فَإِذَا قُلْنَا: لَا حِنْثَ، لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ الدَّارَ طَائِعًا وَلَا مُكْرَهًا وَلَا نَاسِيًا، حَنِثَ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ فَانْقَلَبَ فِي نَوْمِهِ وَحَصَلَ فِي الدَّارِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ حُمِلَ قَهْرًا وَأُدْخِلَ، فَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالْمُكْرَهِ وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى دُخُولِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَ، وَلِهَذَا لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ حُمِلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَكِنْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بَلْ أُدْخِلَ.
وَلَوْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ.
حَنِثَ كَمَا لَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَدَخَلَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِذَا وُجِدَ بِالْإِكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَلَى مُفَارَقَةِ الْغَرِيمِ.
وَمِنْ صُوَرِ الْفِعْلِ جَاهِلًا أَنْ يَدْخُلَ دَارًا لَا يَعْرِفُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، أَوْ حَلَفَ: لَا يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي ظُلْمَةٍ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ زَيْدٌ.

فَصْلٌ

حَلَفَ: لَا يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ، فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِيهِمْ، فَفِي الْحِنْثِ قَوْلَا حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ فِيهِمْ

وَنَوَى السَّلَامَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ، حَنِثَ، وَفِيهِ مَا حَكَيْنَا عَنِ الْبَيَانِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ، فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَقَصَدَهُ، فَأَمَّا إِذَا اسْتَثْنَاهُ بِلَفْظِهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إِلَّا عَلَى زَيْدٍ، فَلَا يَحْنَثُ.
وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ بِنِيَّتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، حَنِثَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ، فَدَخَلَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ فَاسْتَثْنَاهُ بِقَلْبِهِ، وَقَصَدَ الدُّخُولَ عَلَى غَيْرِهِ، حَنِثَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّلَامِ، أَنَّ الدُّخُولَ فِعْلٌ لَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، فَلَا يَنْتَظِمُ أَنْ يَقُولَ: دَخَلْتُ عَلَيْكُمْ إِلَّا عَلَى فُلَانٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَّا عَلَى فُلَانٍ.
وَلَوْ دَخَلَ بَيْتًا فِيهِ زَيْدٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ فِيهِ، فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَا الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي.
وَلَوْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَأَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ، وَإِنْ دَخَلَ لِشُغْلٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي الْبَيْتِ، فَأَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ لِانْضِمَامِ قَصْدِ الشُّغْلِ إِلَى الْجَهْلِ.
قَالَ الْإِمَامُ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَخَرَّجَ الرَّبِيعُ قَوْلًا، وَجَعَلَهُ كَالنَّاسِي.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَصَدَ الدُّخُولَ لِشُغْلٍ، فَقِيلَ: يَحْنَثُ قَطْعًا.
وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوْ دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ بِقَلْبِهِ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ فِي بَيْتٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ زَيْدٌ، فَإِنْ خَرَجَ الْحَالِفُ فِي الْحَالِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا، فَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، وَقِيلَ: فِيهِ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْتِدَامَةَ الدُّخُولِ هَلْ هِيَ دُخُولٌ؟ وَأَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إِنْ جُعِلَتْ دُخُولًا كَانَا كَالدَّاخِلَيْنَ مَعًا، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا دَاخِلًا عَلَى الْآخَرِ.
قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ حَسَنٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ

فِي أُصُولٍ تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ صَبِيٍّ، وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مُكْرَهٍ وَفِي السَّكْرَانِ الْخِلَافُ فِي طَلَاقِهِ، وَتَنْعَقِدُ يَمِينُ الْكَافِرِ.
وَمَنْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا.
فَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ، لَمْ تُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، وَيُدَيَّنُ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا الْإِيلَاءُ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ، قَبْلَ قَوْلِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ زَيْدًا، أَوْ مَنْ سِوَى زَيْدٍ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا، وَنَوَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ، تَخَصَّصَتِ الْيَمِينُ بِمَا نَوَى، فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهِ.
فَرْعٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا أَدْرِي عَلَى مَاذَا بَنَى الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَسَائِلَ الْأَيْمَانِ، إِنْ اتَّبَعَ اللُّغَةَ، فَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِرُءُوسِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ، وَإِنْ اتَّبَعَ الْعُرْفَ، فَأَهْلُ الْقُرَى لَا يَعُدُّونَ الْخِيَامَ بُيُوتًا.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرَوِيِّ وَالْبَدَوِيِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَتَبَّعَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ تَارَةً، وَذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِهَا وَشُمُولِهَا، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَتَارَةً يَتَّبِعُ الْعُرْفَ إِذَا اسْتَمَرَّ وَاطَّرَدَ.
فَرْعٌ اللَّفْظُ الْخَاصُّ فِي الْيَمِينِ لَا يُعَمَّمُ بِالسَّبَبِ وَالنِّيَّةِ وَالْعَامِّ، وَقَدْ يَتَخَصَّصُ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ، إِذَا مَنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِمَا نَالَ مِنْهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُ لَكَ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ عَطَشٍ خَاصَّةً.
فَلَا يَحْنَثُ بِطَعَامِهِ وَثِيَابِهِ، وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا تَقْتَضِي مَا نَوَاهُ.
وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ إِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ مَا نَوَى

بِجِهَةٍ يُتَجَوَّزُ بِهَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مَالِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَنَا بِاللَّفْظِ، وَيُرَاعَى عُمُومُهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا، وَخُصُوصُهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ عَامًّا، وَعِنْدَهُ الِاعْتِبَارُ بِالسَّبَبِ دُونَ اللَّفْظِ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْعَامِّ فَتَارَةً يَكُونُ بِالنِّيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُ أَحَدًا وَنَوَى زَيْدًا.
وَتَارَةً بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَا آكُلُ الرُّءُوسَ، وَتَارَةً بِعُرْفِ الشَّرْعِ كَمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: لَا أُصَلِّي عَلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَرْعٌ يُعْتَبَرُ اللَّفْظُ بِحَقِيقَتِهِ، وَقَدْ يُصْرَفُ إِلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ مَا يَسْكُنُهُ دُونَ مَا يَمْلِكُهُ، فَيُقْبَلُ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ إِذَا حَلَفَ بِطَلَاقٍ وَعِتَاقٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، وَتَارَةً لِكَوْنِ الْمَجَازِ مُتَعَارَفًا وَكَوْنِ الْحَقِيقَةِ بَعِيدَةً، وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِمَا إِذَا حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، تُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْ ثَمَرِهَا دُونَ الْوَرَقِ وَالْأَغْصَانِ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَقِيقَةُ مُتَعَارَفَةً، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ، يُحْمَلُ عَلَى لَحْمِهَا، فَلَا يَحْنَثُ بِلَبَنِهَا وَلَحْمِ وَلَدِهَا.
فَرْعٌ قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ، وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ وَنَوَى التَّأْكِيدَ، فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ نَوَى بِالثَّانِي يَمِينًا أُخْرَى، أَوْ أَطْلَقَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةٌ أَمْ كَفَّارَتَانِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ كَفَّارَةٌ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فصول الكتاب · 83 فصل · 589 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول روضة الطالبين وعمدة المفتين · 589 صفحة
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ التَّيَمُّمِ
كِتَابُ الْحَيْضِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ.
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِكِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِكِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِكِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ.
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ.
كِتَابُ الْحَجِّ
كِتَابُ الضَّحَايَا
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِكِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كِتَابُ النَّذْرِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الْحَوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِ
كِتَابُ الْوَكَالَةِ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
كِتَابُ الْغَصْبِ
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
كِتَابُ الْقِرَاضِكِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
كِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
كِتَابُ الْوَقْفِ
كِتَابُ الْهِبَةِكِتَابِ «الرَّهْنِ» .كِتَابُ اللُّقَطَةِكِتَابُ اللَّقِيطِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
كِتَابُ الْوَصَايَا
كِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
كِتَابُ الْخُلْعِ.
كِتَابُ الطَّلَاقِ
كِتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الْإِيلَاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الْكَفَّارَاتِ
كِتَابُ اللَّعَانِ وَالْقَذْفِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ.
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِكِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ حَدِّ الزِّنَاكِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
كِتَابُ السَّرِقَةِ
كِتَابُ ضَمَانِ إِتْلَافِ الْإِمَامِ
كِتَابُ السِّيَرِ
كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْأَطْعِمَةِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كِتَابُ الْقَضَاءِ
كِتَابُ الْقِسْمَةِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
كِتَابُ الْعِتْقِ
كِتَابُ التَّدْبِيرِ
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
جارٍ التحميل