مقدمة المحقق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
فهذا كتاب "مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها" للإمام العلامة المحقق المدقق البحاثة السلفي أبي الحسن عليِّ بن سعيد الرجراجي -رحمه الله تعالى- وكما هو معلوم أن الفقه منه ما هو تأصيلى وهو ما عُنى فيه بذكر الدليل، وتجريدي وهو ما اكتفى فيه بذكر المذهب من غير تدليل ولا مناقشة، فإن كتابنا هذا -أعنى المناهج- من النوع الأول، فإن المؤلف رحمه الله اهتم بذكر الدليل عند الخلاف في كثير من المسائل، وذلك من غير تعصب منه رحمه الله لمذهبه، وإنما عرفناه رحمه الله على مدار هذا الكتاب موصوفًا بالإنصاف مجانبا للاعتساف، وربما خالف مذهبه لصحة دليل المخالف.
منهج المؤلف في الكتاب:
قال رحمه الله تعالى: "لخصت فيه من فصول الفوائد، وحصلت فيه من أمهات القواعد، ما لم يُلق في كتب الأولين على هذا الضبط، ولم يصادف في مجالس البحث مما جرى للمتقدمين على ترتيب هذا النمط وقد يختلف في بعضها فحول المذهب، ونظار المغرب، ولكل واحد منهم فيما اختاره رأي مصيب، والخطب هين في اختلاف الإيراد بعد اتفاق المغزى والمراد قريب، هذا ولم أقصد الطعن في كلام المتقدمين، وتصانيف المتأخرين، بل التمثيل صحيح للسلف الأول وللخلف النظم".
كما اهتم رحمه الله تعالى بحسن السياق، والترتيب، ووجوه التحرير والتهذيب وتمهيد الدلائل، واستنباط الدليل، مع بيان أسباب الخلاف، وتلفيق ما يمكن تلفيقه من الأقوال، وإزالة الإشكال.
كما قام بتلخيص مسائل المدونة، وبيان محل الخلاف فيها، وتحصيل الأقوال وتنزيلها، وحل مشكلاتها ومحتملاتها بدليل ليشهد بصحتها أو نصوص تقع في المذاهب على وفقها.
السبب الداعى إلى تأليف الكتاب:
قال رحمه الله: سألنى بعض الطلبة المنتمين إلينا والمتعلقين بأذيالنا، الذين طالت صحبتهم معنا أن أجمع لهم بعض ما تعلق عليه اصطلاحنا فى مجالس الدرس لمسائل المدونة، ومن وضوح المشكلات وتحصيل وجوه الاحتمالات، وبيان ما وقع فيه من المجملات، فصادف لسانه قلبًا منا قريحا، ....... "
وقال أيضا:
"والحامل على وضع هذا الكتاب: حمية على طوائف من المبتدئين تركوا شمس الضحى واصطلاح المشايخ، وحاولوا الاستضائة بالصبح أول ما يتنفس"
عملنا في الكتاب:
1 - قمنا بنسخ الأصل الخطي.
2 - ضبط النص وتوثيقه.
3 - خرجنا الآيات.
4 - خرجنا الأحاديث وكثير من الآثار.
5 - قمنا بعزو بعض الأقوال إلى مصادرها الأولى.
6 - بَينا بعض معاني الكلمات المشكلة.
7 - عَرَّفنَا ببعض المصطلحات الأصولية والفقهية.
8 - قمنا بعمل مقدمة أعربنا فيها عن منهجية المؤلف في كتابه، وسبب تأليف الكتاب وعملى فيه.
9 - قمنا بعمل ترجمة للمؤلف.
10 - عملنا فهارس علمية للكتاب.
ترجمة المؤلف
للأسف الشديد، إنى لم أقف للمؤلف على ترجمة توفيه حقه أو بعض حقه ولم أقف بعد البحث الشديد سوى على أسطر قلائل في "نيل الابتهاج" للتنبكتي - رحمه الله - ترجم بها للمؤلف فقال:
علي بن سعيد الرجراجي صاحب "مناهج التحصيل في شرح المدونة"، الشيخ الإِمام الفقيه، الحافظ، الفروعي، الحاج الفاضل، لخص في شرحه المذكور ما وقع للأئمة من التأويلات واعتمد على كلام القاضى ابن رشد والقاضي عياض وتخريجات أبى الحسن اللخمى، وكان ماهرًا في العربية والأصلين.
لقي بالمشرق جماعة من أهل العلم منهم: الفرموسِ الجزولى، لقيه على ظهر البحر وتكلم معه في مسائل العربية وأخذ عنه كثير من أهل المشرق.
اهـ.
هذا ما وقفت عليه من ترجمة المؤلف في "نيل الابتهاج" (ص/ 316).
وقد اتصلت هاتفيا بفضيلة الشيخ العلامة أبى أويس محمَّد الأمين بوخبزة وسألته عن مصادر لهذه الترجمة، فقال: إن المؤلف من رجراجة وأهل رجراجة بربر، وتراجمهم قليلة، ولا أعرف على حد علمي ترجمة للمؤلف غير ما ذكره التنبكتى في "نيل الابتهاج"، وأن الدكتور عمر الجيدي تكلم على كتاب "مناهج التحصيل" في كتاب له.
أهـ.
إلا أن هناك جوانب مهمة في شخصية المؤلف تتضح من خلال كتابه
هذا فمنها:
أولا: عقيدته:
رغم أن المذهب الأشعرى كان هو المذهب السائد في الغرب كما يقول محمَّد المنوني: كانت المذاهب الغالبة على المغرب في الفتره المرينية هى: المذهب الأشعري في المعتقدات، والمذهب المالكى في الفقهيات، والصوفية السنية.
إلا أن المؤلف -رحمه الله- سلفى العقيدة، مستقيم على منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم يتضح هذا جليا من رده على الأشعرية والمعتزلة فى كتابه هذا، ومن طالع الكتاب وقف على شيء من هذا.
ثانيًا: سعة علمه واطلاعه:
كان المؤلف رحمه الله واسع الاطلاع غزير العلم، يدل على هذا قوله: وسبب الخلاف: الإنبات، هل هو علامة البلوغ أم لا؟
وظاهر ما قال في "كتاب القطع في السرقة" أنَّ الإنبات من علامات البُلُوغ.
وأما المُراهق الذى لم ينبت الشعر، والذي تقتضيهِ "المُدوَّنة" وظواهرها ونصوص المذهب: أنَّ المُراهق لا يحكم عليه ولا لهُ حُكم البالغ.
ومنِ أعجب ما رأيت بعض متفقهة الزمان يلهثون في المجالس بمكانة الخلاف في المُراهق، هل هو كالبالغ أم لا؟
وقد مارستُ المجالس، وأفنيتُ في المدارس عُمرى، وطالعتُ الأمهات في الفقه والآثار, "كالنوادر" "والاستذكار" "والتحصيل"
وكتاب "الاستيعاب للأقاويل" "وكتهذيب الطالب"، وكتاب "إسناد المطالب"، وطالعت كثيرًا من كُتب الحديث وشرحها، وتفاسير القرآن ككتاب "قانون التأويل في شرح علوم التنزيل"، مع بسطهِ وكثرة بحثهِ واستقصائهِ، حتى أربى على جميع المصنفين في تلك الطريقة، لأن صاحبه جمع فيه بين تفسير الظواهر والبواطن، فما سمعت ولا رأيت فيما رأيت من يقول: إن المراهق له حكم البالغ!! أهـ.
ثالثا: شدة اتباعه للدليل:
ويتضح أيضًا أن المصنف -رحمه الله- كان يضع الدليل نصب عينيه ويدور معه حيث دار، قال رحمه الله: "أما ابن القاسم فلم يزل قوله على الأصل، لأنه اتفق هو وابن حبيب أن الضرورة تنقل الحكم عن محله الذي هو الذبح والنحر، وخصص به موضعا بعينه من غير دليل ثبت عنده , وذلك مخصص الدعوى إليهم، إلا أن يكون هناك أثر يتبع، فسمعا وطاعة".
وأمثال هذا في الكتاب كثير.
رابعًا: تأدبه مع أصحاب المذاهب، وعدم تعصبه لمذهبه:
عرفنا المصنف رحمه الله على مدار كتابه هذا بأدبه الجم مع أصحاب المذاهب الأخرى، فيقول: وإلى هذا مال حذاق الشافعية، ويقول: وهذا مذهب السادة الأحناف ....... إلخ.
كما أشار رحمه الله فى مقدمته أنه تحرى في هذا الكتاب الإنصاف وترك الاعتساف، وترى أنه رحمه الله وَفَّىَ بهذا الخلق فنرى أنه ترك مذهبه وخالفه آخذًا بمذهب آخر لقوة دليله على دليل مذهبه.
ومن طالع هذا الكتاب، وقف على جوانب أخرى تشهد بعلو قدم المصنف في الفقه، والأصول، والعربية، وسلامة العقيدة.
وصف النُّسخ المعتمدة في التحقيق
رزقنا الله سبحانه وتعالى خمس نسخ خطية لهذا الكتاب وإليك بيان كل واحدة على حدة.
النسخة الأولى:
وهي نسخة دار الكتب المصرية.
وصف النسخة: هذه نسخة كاملة غير ناقصة، وليس بها سقط ولا خرم.
اسم الناسخ: عبد الله بن عمر بن يوسف الزواوي المالكي.
تاريخ النسخ: سنة 733 هجرية.
عدد الأوراق: 500 ورقة.
تحت رقم: 95 فقه مالكي.
وقد اعتمدنا هذه النسخة كأصل، ورمزنا لها بالرمز (أ).
النسخة الثانية:
وهي نسخة مصورة من الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة عن مكتبة القرويين بفاس.
وصف النسخة: هذه نسخة ناقصة تبدأ من أول الكتاب إلى آخر كتاب النكاح الأول.
اسم الناسخ: لم يذكر
تاريخ النسخ: لم يذكر
عدد الأوراق: 77 ورقة
عدد الأسطر: 41 سطرا.
وهذه النسخة رمزنا لها بالرمز (ب).
النسخة الثالثة:
وهذه النسخة مصورة من الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة عن مكتبة القرويين بفاس.
وصف النسخة: ناقصة مكونة من جزأين، الجزء الأول يبدأ بأول كتاب النكاح الأول، وينتهى بآخر كتاب الولاء والمواريث.
والجزء الثاني يبدأ بأول كتاب الرهون، وينتهى بآخر كتاب الديات.
الناسخ: أبو بكر بن الطيب بن يونس.
عدد الأوراق: 260 ورقة.
عدد الأسطر: 30 سطر.
تاريخ النسخ: لم يذكر.
وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز (هـ).
النسخة الرابعة:
وهي نسخة مصورة من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية عن مكتبة الزاوية الناصرية.
وصف النسخة: هذه نسخة ناقصة مكونة من جزأين، الجزء الأول يبدأ من أول الكتاب غير أنه سقط من أوله مقدمة المؤلف بكاملها غير ورقة واحدة، وينتهى هذا الجزء بآخر كتاب الضحايا.
والجزء الثاني يبدأ بأول كتاب النكاح الأول، وينتهى بآخر كتاب الولاء والمواريث.
اسم الناسخ: لم يذكر.
تاريخ النسخ: لم يذكر.
عدد الأوراق: 210 ورقة.
عدد الأسطر: 32 سطر.
وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز (ج)
...
النسخة الخامسة: وهي نسخة مصورة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية عن الخزانة العامة بالرباط.
وصف النسخة: هذة نسخة ناقصة تقع في مجلد واحد يبدأ بأول كتاب النكاح الأول وينتهى بآخر كتاب الصرف.
اسم الناسخ: لم يذكر.
تاريخ النسخ: 987 هجرية.
تحت رقم: 88 الخزانة العامة.
عدد الأوراق: 155 ورقة.
عدد الأسطر: 29 سطر.
وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز (ع).
لوحة العنوان من النسخة (أ)
اللوحة الأولى من النسخة (أ)
اللوحة الأخيرة من النسخة (أ)
لوحة العنوان من النسخة (ب)
اللوحة الأولى من النسخة (ب)
اللوحة الأخيرة من النسخة (ب)
لوحة العنوان من النسخة (جـ)
اللوحة الأولى من النسخة (جـ)
اللوحة الأخيرة من النسخة (جـ)
لوحة العنوان من النسخة (ع)
اللوحة الأولى من النسخة (ع)
اللوحة الأخيرة من النسخة (ع)
لوحة العنوان من النسخة (هـ)
اللوحة الأولى من النسخة (هـ)
اللوحة الأخيرة من النسخة (هـ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ونبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
الحمد لله الذي نور البصائر لإظهار الحق، وأعان وأغنى بقصده، وأيده على الإصرار على [أضعاف] 1 الإيمان الذي صلى به الفؤاد، فأنطق به اللسان، وجعل جياد جزمنا تتألق في صدر الباطل، فترى بحوله وقوته أعمال [السر] 2 [الأذان] 3 [يعلو] 4 في يوم الطعان.
والصلاة على [سيدنا] 5 محمَّد، نبيه الكريم المصطفى، ورسوله المقرب المجتبى، الآتي على فترة من الرسل، وإشعار بآخر الزمان، الآخذ بالحجز عن النار، يوم يكون أهل الإشراك في الأشراك، وأهل الإيمان في الأمان، المبعوث بالحق بشيرًا، ونذيرًا، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله بشهادة الفرقان، فأوضح السبيل ودفع العلل بما تلقاه، ووعاه في ليلة الإسراء، وبعدها من البيان، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله من بعده بأيْد وشدَّة وجدة تلوح على أثر حفدة الذين لم يكن بهم شرف، ولا نام [لهم] 6 طرف، ولا غمد لهم سيف حتى توفرت الدواعي على إكمال الدين الذي جعل الله لهم أهم شأن، وبهذا خاصموا الأمة طول مددهم بألسنة الخرسان، ولم يعدموا في الضالين المضلين فتنة بكرًا تخطبها لهم كل حرب عوان.
فالسعيد من حذا حذوهم، وجرى إلى غايتهم ملء العنان.
[وبعد] 1: فقد سألني بعض الطلبة المنتمون إلينا، المتعلقين بأذيالنا، الذين طالت صحبتهم [معنا] 2 أن أجمع لهم بعض ما [تعلق] 3 عليه اصطلاحنا في مجالس الدرس لمسائل المدونة من وضوح المشكلات، وتحصيل وجوه الاحتمالات، وبيان ما وقع فيه من [المجملات] 4 , فصادف [لسانه] 5 قلبًا منا قريحًا بائتلام حصن الإِسلام بموت فقهاء الأمة وسادات الأئمة، وانقطاع رفقة العلم بذهاب الدفاتر [وخراب] 6 المحاضر في البوادي والحواضر، مع تبلد الخاطر لكثرة ما يرد عليه من الخواطر لسبب فتنة [المغرب] 7 ودكاله، ومن انضاف [إليهما] 8 من أهل البغي والرذالة حتى [أخربوا] 9 المغرب الأقصى، وهلك فيه من الخلق ما لا يحصى.
وقد منَّ الله عليَّ بالخلاص؛ لطفًا منه وبرًا ونعمة لا أحيط بها شكرًا، ففررت لما رأيت نارًا لا أطيق لها [شررًا] 10 ونفسًا مني قد تركتها هذه
[النوبة] 1 وما بها إلا الرمق نجت برأسها، وتركت أعزة الأهل في [أسرار الرفق] 2 فألقيت إليه هذه المعاذير، فلم تزده إلا إلحاحًا, ولا نجحت فيه إلا إغراءً وإفصاحًا حتى بلغ الأمر مبلغًا أحسست منه [بالوقوع] 3 في مظنة [الضنة] 4 [عليه] 5، ونعوذ بالله من البخل، ولاسيما بالعلم مع الأهل، فابتدرت حنيئذ إلى إجابة الداعي، وتداعت مني إلى إسعاف بغيته الدّواعي، فانتدبت إلى وضع كتاب ترجمته بكتاب: ["مناهج] 6 التحصيل، ونتائج لطائف التأويل"، لخصت فيه من فصول [الفوائد] 7، وحصلت فيه من أمهات [القواعد] 8 ما لم يلق في كتب الأولين على هذا الضبط، ولم يصادف في مجالس البحث ما جرى للمتقدمين على ترتيب هذا النمط، وقد يختلف في بعضها، فحول المذهب ونظار المغرب، ولكل [واحد] 9 منهم فيما اختاره رأي مصيب [والخطب هين] 10 في اختلاف الإيراد بعد اتفاق [المغزى] 11 والمراد [قريب] 12. هذا ولم أقصد الطعن في كلام المتقدمين وتصانيف المتأخرين؛ بل
التمثيل صحيح للسلف الأول، وللخلف النظم.
والحامل على وضع هذا الكتاب: حمية على طوائف من المبتدئين تركوا شمس الضحى [و] 1 اصطلاح المشايخ، وحاولوا الاستضائة بالصبح أول ما يتنفس.
وقد كان للقدماء رحمة الله عليهم في تدريس المدونة اصطلاحان: [اصطلاح] 2 عراقي، [واصطلاح] 3 قروي.
فالاصطلاح العراقي: جعلوا مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا [على] 4 [الكتاب] 5 بتصحيح الروايات، [ومناقشة] 6 الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل [برسم] 7 الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين.
وأما الاصطلاح القروي: فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، والتحرز عما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكتاب من اضطراب الجوابات، واختلاف المقالات مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع سياق الآثار, وترتيب أسانيد الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع من السماع -وافق ذلك عوامل الإعراب [أو] 8 [خالفها] 9.
فهذه سيرة القوم إلى أن [أدرجوا] 1 رضوان الله عليهم ثم نجم بعدهم [طوائف في أقصى المغرب] 2 ضلوا عن جادة الطريق، وتنكبوا عن مسالك التحقيق، وهجموا على [أكبر يم] 3 وركبوا [لجج] 4 البحر دون سفين؛ [فوجدوا فلاة بغير دليل] 5، ولا اهتدوا بسلوك السبيل، فاقتحموا على [تدريس] 6 المدونة بغير إجازة من شيخ، ولا تحقيق من شرح حتى أن من سلك منهم نذرًا حقيرًا، وقدرًا يسيرًا بفرض وانتصب، وتعب ونصب نفسه إلى معرفة أسرارها [واستخراج] 7 مكنونها.
وسبب ذلك: أن أبواب الدواعي مفتوحة للخائض [مفتوحة وسياط التحسب عن متعاطيها] 8 مطروحة، فلله در القائل:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها ... ورخصت حتى رامها كل مفلس
فهؤلاء القوم انقسموا في تدريسها على طوائف:
فطائف أعرضت وفرطت وقصرت، وطائفة أوغلت وأسرفت، وأفرطت، وطائفة أعدلت [وقصدت] 9 وتوسطت.
فأما الطائفة [المعرضة] 1 فقد أعرضت عن الكتاب، ولم تفهم [معنى] 2 السؤال منه والجواب، بل اعتمدت على مطالعة كتب [المتأخرين] 3 كتبصرة اللخمي، والجامع لابن يونس، وقدموا قراءة الشرح على المشروح، [فكفى] 4 بهذا الوصف تبيانًا لفساد وضعهم في [السلوك] 5 حتى أن [الجاهد] 6 منهم، ومن يشار إليه [بالبنان] 7 بالتبحر في الفقه، وفصاحة اللسان يساهر النجوم، ويساور الوجوم في مطالعة الأمهات يرتب وينسخ بعض كلامه على بعض، [ويذهب] 8 ويزخرف ألفاظه، ويموه كلامه ويطول أنفاسه حتى [يذهب] 9 عامة النهار في الدرس في الكلام الفارغ [منه] 10 ويسمع [النقل] 11 من "العتبية" و"الموازية".
ولا ذكر هناك لمعاني المدونة، وهم في درسها -على زعمهم- فإذا خرج آخرهم من الدرس انحل الترتيب [وانحل] 12 واختل ذلك التمويه حتى لا يعقل منها على رواية, فهذه عادته طول العمر يقطع المدونة طالعًا ونازلًا، والإشكال فيها كما كان، ولا جرم تلاميذهم كوادن وهم حشو
المدارس، ولا حسنة تزداد [ولا] 1 سيئة تمحى، فالعياذ بالله من الخذلان.
فإذا كانت سيرة الفحول من هذه الطائفة على هذا النعت، فكيف حال الخصيان المتشبهين بالإناث ومن [بضاعته] 2 في هذا الفن مزجاة فتعجب من ضلالة المسكين بعول على النقل من الأمهات والدرس للروايات، ولم يميز [منها] 3 بين الضعيف والمتين، ولا [يفرق] 4 بين الغيث والسمين، ويدعي أنه اقتفى [أثر] 5 المشايخ المتقدمين، وهذه تصانيف [المحققين] 6 [الموافقين تحقيق] 7 ما أطلقه القدماء، وخصوص ما عممه العلماء [ككتاب الوجيز] 8 لأبي القاسم بن محرز، [وكتاب] 9 "التنبيه" لأبي الفضل [العياضي, وكتاب] 10 "الكشف عن أسرار المدونة" [لأبي محمد] 11 عبد الحميد السوسي، [وكتاب "الشرح" لابن لبابة" 12 الصغير, [وأكثر تصانيف] 13 أبي عمران الفاسي قدَّسَ الله أرواحهم في الخوض على تصانيف المدونة، واستقراء الأحكام منها
ينادي على المعول على مجرد النقل بالويل والثبور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
وأما الطائفة المفرطة: فقد راغموا الدليل، وسدوا باب التأويل، واتبعوا ظواهر الكتاب، واقتنعوا بالقشور عن اللباب، وركنوا إلى الدعة والراحة، ولم يتعبوا الذهن والقريحة، وهم ظاهرية المذهب.
وهذه الطائفة أبخس من الأولى، وأقل منها توفيقًا وأكثرها ماءً، وأقل دقيقًا؛ لأنهم خلطوا المذهب، وأفسدوا أذهان المتعلمين، وجمعوا بين مفترق وفرقوا بين [مجتمعين] 1 تحكما بغير بيان، وتعسفًا عريًا عن البرهان، وتخرصًا على صاحب الكتاب بأن ذلك مرامه بالخطاب، فباؤوا بإثم عظيم، واستحقوا بذلك العذاب الأليم، إلا أن يعفو الجواد الكريم، وأما الطائفة المتوسطة المعتدلة: فهي الطائفة الموفقة إلى ما ضلت عنه الطائفتان، [وعميت] 2 عنه بصائر الفريقين، وهي أقوم قيلًا، وأهدى إلى الحق سبيلًا وأهلها على ما كان عليه قدماء الأصحاب من مغاربة المذهب، [فبصاعهم] 3 كالوا، وعلى [منوالهم] 4 نسجوا في استعمال ظواهر الكتاب وبواطنه، واستنباط الفوائد الكامنة في فرائد ألفاظه واستنزال الدر النفيس من أهدابه، واستنزال المعنى الرائق من مخزن أوعاره، وهذه الطائفة في المغرب الأقصى أقل وجودًا في هذا الزمان [من الغراب] 5 الأعصم.
فصل
[فنحن] 1 بحمد الله في كتابنا [هذا] 2 على سنن هذه الطائفة [أجرينا] 3، وفي ميدانها ركضنا، ومن مأخذهم [أخذنا] 4، وعلى أصولهم بنينا، ونزيد [عليهم] 5 من حسن السياق، والترتيب وجوه التحرير والتهذيب في تحصيل المسائل، وتمهيد الدلائل، ونستنبط التأويل المقصود بالدليل المؤدي إلى أوضح السبيل على ما احتمل أن يكون اختلاف السؤال، أو يكون اختلاف الأقوال، أو اختلاف الأحوال، وفي هذه الثلاثة الأوجه يخطر الاحتمال إنما وقع في المدونة، أو الإجمال وتلفيق ما يمكن تلفيقه من الأقوال، وإزالة ما عسى أن يقع في بعض المسائل من الإشكال، وفتح [ق/ 2أ] ما تغمم على بعض الأبواب من الأقفال، ويسفر الغطاء عما ظهر لنا من الأسرار من إظهار المحجوب من مفهومها من وراء السجوف والأستار بما لم تسبق إليه أقلام العلماء، ولا وطئت ساحته أقدام القدماء، ولا ولجت فيه أفهام الحكماء، ولا يلق في كتبه في تعاليق الفقهاء، ولاسيما ما حصل في أيدي الناس في هذا الزمان من الكتب المترجمة بشرح المدونة، وليست بشرح لها على الحقيقة، وإنما هو النقل من الأمهات، والإطناب في التعريفات، وتعطيل الأوراق بما هو مدون في الدواوين، وقد حكى عن أبي محمَّد عبد الله بن أبي زيد، قال: في المدونة آبار لا يعرفها إلا مؤلفها، فليت شعري كيف غفلوا, ولم يكشفوا الغطاء عن تلكم الآبار؟ هل للعجز والقصور عن إدراك حقائقها، والحلول
بساحة أوعارها، وكلال الفطنة عن استنباط فرات مياهها، أو لعوارض عائقة، وأعذار مانعة صدته عن بلوغ الغاية، واستيفاء النهاية، والظن بهم رضي الله عنهم أن الوقوف عن ذلك لعائق الأقدار، ومانع الأعذار، ولم يصل إلى هذا المغرب الأقصى في هذا الزمان كتاب في شرح المدونة يشفي العليل علته، ويروي الغليل غلته، إلا "كتاب التنبيه" لأبي الفضل العياضي، غير أنه تناهبته أيدي الطلبة، وقعدوا عليه حتى لا يقدر فيه على النسخة الصحيحة؛ بل تسلطت عليه أقلام من لا يعرف كيف يمسكها، فمسخوه وهو يتوهمون أنهم نسخوه حتى لا يوجد منه شيء يعول عليه إلا من له فطنة ذكية، ورواية زكية، فالبعسار يظفر منه بالمقصود إذا أمعن النظر في المدونة مع توفيق يعضده، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء، فها أنا أهذب المقصود وأقرب المطلوب في هذا الكتاب بتلخيص مسائل المدونة، وبيان محل الخلاف فيها، وتحصيل الأقوال المستقرأة من المدونة، وتنزيلها، وبيان مشكلاتها ومحتملاتها بدليل يشهد بصحتها، أو نصوص تقع في المذهب على وفقها، وكل استقراء خرج من موافقة الدليل، أو لم يكن في نص المذهب ما يوافقه، ويؤيده فهو استقراء ساقط عند أهل التحصيل والتأويل، وإنما اعتمد حذاق المذهب العمل بالاستقراء من المدونة، وقدموه على نص يخالفه في المذهب لصحة المدونة، وقوة إسنادها، وكثرة الاعتناء بها؛ [ولذلك] 1 قدمت على ما عداها.
وقيدت منها مع ذلك المشكلات الشوارد، وعقلت فيها المعضلات الأوابد حتى غادرتها يسقى منها بالأكف، والسواعد بعد أن كانت شاغرة [المسالك] 2 والموارد، ونشرف أثناء ذلك من لطائف الفوائد، وطرائف الفرائد ما لم يقع في
الشروحات له ذكر، ولا انكشف له في التعاليق ستر حتى [يستغني] 1 به الطالب عن جملة المصنفات، ويصول به على أصحاب الروايات، وأرباب الدرايات، ويكتفي به عن مطالعة الأمهات، إلا من أراد الاستغزار في الروايات عند تزاحم الأسئلة بالجوابات، أو من تصدى للقضاء والمحاكمات.
ولعلنا لا نعدم غمرًا جاهلًا، أو حقودًا عن منهج [الحق] 2 مائلًا يشحذ إلينا [حربة] 3 الطعن، ويفرق نحونا [سهام] 4 سوء الظن، ويدعي ألا تصنيف إلا ما صنفه القدماء، وأن كتب الماضيين بالاقتداء أولى، وما حدث من التصانيف بدعة، وما [ترك] 5 الأوائل للأواخر شيئًا، وقد كان فلان وفلان مع [قوة] 6 باعهم في العلم ما مدوا أفهامهم إلى التصنيف، ولا بروا أقلامهم على التأليف، [ويسرد] 7 من هذا الهذيان كثير، أو يحجج على خطابه بحجج، ويكثر الكلام بغير فائدة، فهذا المسكين المجهول قد ضيق واسعًا، وتعرض لاكتساب الآثام طائعًا, ولم يدر أن باب التصنيف مفتوح، وهو لمن ساعده التوفيق من الله [مبذول] 8 وممنوح، وللحق لسان صادع، وحسام قاطع، وقضاء لا يرد وباب لا يسد؛ فاعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال، فتتحير في متاهات الضلال.
جعلنا الله وإياكم ممن اتضح له الحق فاقتفاه، وظهر له الباطل فنفاه، وإلى الله أرغب في الثواب الجزيل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وبه اعتصمت عصمة [تقمع] (1) شهوات النفس ودواعيها، وتوفيقًا يرشد إلى مناهج الطاعات ومساعيها.
وكان ابتدائي في تصنيف هذا الكتاب: شهر ذي الحجة [سنة] (2) ثلاث وثلاثين وستمائة، بجبل الكستة، بجبال جزولة يحرسها الله.
فصل
3
يتضمن مقدمة [نخلتها] 4 من كتب المشايخ، تصلح لاستفتاح المدونة عند ابتدائها على سياق عجيب، ورستاق غريب؛ يستملحها السامع عند سماعها، وتهتز بها أعطاف المستملي عند إيرادها؛ ليكون هذا الكتاب -مع صغر حجمه- ولطافة جرمه مفيدًا للطالب [حاويًا لجميع المطالب] 5 بحمد الله وعونه.
...12
[باب] (1): في فضل العلم
وهذه الترجمة تحتوي على فضل العلم والتعلم [والتعليم] 2.
[وأما] 3 فضيلة العلم: فالأصل فيه الكتاب، والسنة، والآثار.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ [وَأُولُو الْعِلْمِ] 4 قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 5.
فانظر كيف بدأ الله تعالى بنفسه، وثنَّا [بالملائكة] 6، وثلَّث بالعلماء؛ فناهيك بذلك شرفًا وفضلًا وجلالًا و [نفلًا] 7.
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ 8، قال ابن عباس: للعلماء [درجات] 9 فوق المؤمنين بسبعمائة درجة, بين كل درجة ودرجة مسيرة خمسمائة عام.
وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ 10، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ 11، وقال1
سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ 1، وقال جلَّ من قائل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ [الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ] 2﴾ 3، [فرد] 4 حكمه في الوقائع إلى استنباطهم، وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء [في كشف حكم الله تعالى] 5، وقيل في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ 6: يعني: العلم، و"ريشًا": يعني: اليقين، و"لباس التقوى": يعني الحياء.
وأما الأخبار: فمنها ما رُوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ويلهمه رشده" 7، وقال أيضًا: "العلماء ورثة الأنبياء" 8، ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا شرف فوق شرف
[الوراثة] 1 لتلك [الرتبة] 2.
وقال أيضًا: "يستغفر للعالم أربعة أشياء؛ الملائكة في السماء، والطير في الهواء، والدواب في القِفَار، والحيتان في البحار" 3، وأيُّ منصب [يزيد على] 4 من تشتغل [ملائكة السماء] 5 بالاستغفار له، وهو بنفسه مشتغل.
وقال أيضًا: "العلم يزيد الشريف شريفًا، ويرفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك" 6.
وقال أيضًا: "أفضل الناس المؤمن العالم الذي إن أُحتِيج إليه نفع، وإن استُغني عنه أغنى نفسه" 7.
وقال أيضًا: "الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وثمرته العلم" 8.
وقال أيضًا: "موت قبيلة أيسر من موت عالم" 9.
وقال أيضًا: "الناس معادن؛ فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" 1.
[وقال أيضًا] 2: "يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء" 3.
وقال أيضًا: "أوحى الله إلى إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه يا إبراهيم: إني عليم أحب كل عليم".
وقال أيضًا: "صنفان إذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس؛ الأمراء والفقهاء".
وقال أيضًا: "إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله؛ لا بورك لي [في] 4 طلوع شمس ذلك اليوم" 5.
وقال عليه السلام: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" 6. = قال العلامة الألباني: ضعيف جدًا.
الضعيفة (4838)، وضعيف الترغيب والترهيب (73).